الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٢٩ من سورة الزمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 78 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٩ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم قال : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ) أي : يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم ، ( ورجلا سلما لرجل ) أي : خالصا لرجل ، لا يملكه أحد غيره ، ( هل يستويان مثلا ) أي : لا يستوي هذا وهذا .
كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله ، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له .
فأين هذا من هذا ؟
قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد : هذه الآية ضربت مثلا للمشرك والمخلص ، ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا ، قال : ( الحمد لله ) أي : على إقامة الحجة عليهم ، ( بل أكثرهم لا يعلمون ) أي : فلهذا يشركون بالله .
القول في تأويل قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (29) يقول تعالى ذكره: مثل الله مثلا للكافر بالله الذي يعبد آلهة شَتَّى, ويطيع جماعة من الشياطين, والمؤمن الذي لا يعبُد إلا الله الواحد, يقول تعالى ذكره: ضرب الله مثلا لهذا الكافر رجلا فيه شركاء.
يقول: هو بين جماعة مالكين متشاكسين, يعني مختلفين متنازعين, سيئة أخلاقهم, من قولهم: رجل شكس: إذا كان سيئ الخلق, وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه ومِلْكه فيه, ورجلا مسلما لرجل, يقول: ورجلا خُلُوصا لرجل يعني المؤمن الموحد الذي أخلص عبادته لله, لا يعبد غيره ولا يدين لشيء سواه بالربوبية.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَرَجُلا سَلَمًا ) فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة والبصرة: " ورَجُلا سَالِمًا " وتأوّلوه بمعنى: رجلا خالصا لرجل.
وقد رُوي ذلك أيضا عن ابن عباس.
حدثنا أحمد بن يوسف, قال: ثنا القاسم, قال: ثنا حجاج, عن هارون, عن جرير بن حازم, عن حميد, عن مجاهد, عن ابن عباس أنه قرأها: " سَالِمًا لِرَجُلٍ" يعني بالألف, وقال: ليس فيه لأحد شيء.
وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة: ( وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ) بمعنى: صلحا (2) .
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان, قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن السلم مصدر من قول القائل: سَلِم فلان لله سَلما (3) بمعنى: خَلَص له خُلوصا, تقول العرب: ربح فلان في تجارته رِبْحا ورَبَحا (4) وسَلِمَ سِلْما وسَلَما (5) وسلامة, وأن السالم من صفة الرجل, وسلم مصدر من ذلك.
وأما الذي توهمه من رغب من قراءة ذلك سَلَما من أن معناه صلحا, فلا وجه للصلح في هذا الموضع, لأن الذي تقدم من صفة الآخر, إنما تقدم بالخبر عن اشتراك جماعة فيه دون الخبر عن حربه بشيء من الأشياء, فالواجب أن يكون الخبر عن مخالفه بخلوصه لواحد لا شريك له, ولا موضع للخبر عن الحرب والصلح في هذا الموضع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: " رَجُلا فِيه شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلا سالِمًا لِرَجُلٍ" قال: هذا مثل إله الباطل وإله الحق.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ) قال: هذا المشرك تتنازعه الشياطين, لا يقر به بعضهم لبعض " وَرَجُلا سَالِمًا لِرَجُلٍ" قال: هو المؤمن أخلص الدعوة والعبادة.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ) إلى قوله: ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) قال: الشركاء المتشاكسون: الرجل الذي يعبد آلهة شتى كلّ قوم يعبدون إلها يرضونه ويكفرون بما سواه من الآلهة, فضرب الله هذا المثل لهم, وضرب لنفسه مثلا يقول: رجلا سَلِمَ لرجل يقول: يعبدون إلها واحدا لا يختلفون فيه.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ) قال: مثل لأوثانهم التي كانوا يعبدون.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ) قال: أرأيت الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون كلهم سيئ الخلق, ليس منهم واحد إلا تلقاه آخذا بطرف من مال لاستخدامه أسواؤهم, والذي لا يملكه إلا واحد, فإنما هذا مثل ضربه الله لهؤلاء الذين يعبدون الآلهة, وجعلوا لها في أعناقهم حقوقا, فضربه الله مثلا لهم, وللذي يعبده وحده ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) وفي قوله: " وَرَجُلا سالِمَا لِرَجُلٍ" يقول: ليس معه شرك.
وقوله: ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا ) يقول تعالى ذكره: هل يستوي مثلُ هذا الذي يخدم جماعة شركاء سيئة أخلاقهم مختلفة فيه لخدمته مع منازعته شركاءه فيه والذي يخدمُ واحدا لا ينازعه فيه منازع إذا أطاعه عرف له موضع طاعته وأكرمه, وإذا أخطأ صفح له عن خطئه, يقول: فأيّ هذين أحسن حالا وأروح جسما وأقلّ تعبا ونصبا؟.
كما حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) يقول: من اختُلف فيه خير, أم من لم يُخْتلَف فيه؟.
وقوله: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) يقول: الشكر الكامل, والحمدُ التامّ لله وحده دون كلّ معبود سواه.
وقوله: ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) يقول جل ثناؤه: وما يستوي هذا المشترك فيه, والذي هو منفرد ملكه لواحد, بل أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعلمون أنهما لا يستويان, فهم بجهلهم بذلك يعبدون آلهة شتى من دون الله.
وقيل: ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا ) ولم يقل: مثلين لأنهما كلاهما ضربا مثلا واحدا, فجرى المثل بالتوحيد, كما قال جل ثناؤه: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً إذ كان معناهما واحدا في الآية.
والله أعلم.
------------------------ الهوامش: (2) قائل هذا : هو أبو عبيدة في مجاز القرآن (مصورة جامعة القاهرة رقم 26390 الورقة 159) .
(3) لم أجد في اللسان ( سلم لله سلما" بالتحريك ، بالمعنى الذي أورده المؤلف هنا .
(4) في ( اللسان : ربح ) : الربح ( بالكسر ) ، والربح ( بالتحريك ) ، والرباح ( بفتح الراء ) : النماء في التجر ا هـ .
قلت : وعلى هذا فهما مصدران كما قال المؤلف .
وقال : قال ابن الأعرابي : الربح والربح ، مثل البدل والبدل .
وقال الجوهري : مثل شبه وشبه : هو اسم ما ربحه .
(5) ضبط الثاني في اللسان ضبط قلم ، بفتح السين وسكون اللام ، عن أبي إسحاق الزجاج ، على أنه قراءة ، ولعله خطأ من الناسخ .
قوله تعالى : ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون .قوله تعالى : ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون قال الكسائي : نصب رجلا لأنه ترجمة للمثل وتفسير له ، وإن شئت نصبته بنزع الخافض ، مجازه : ضرب الله مثلا برجل فيه شركاء متشاكسون .
قال الفراء : أي : مختلفون .
وقال المبرد : أي : متعاسرون .
من شكس يشكس شكسا بوزن قفل فهو شكس مثل عسر يعسر عسرا فهو عسر ، يقال : رجل شكس وشرس وضرس وضبس .
ويقال : رجل ضبس وضبيس أي : شرس عسر شكس ، قاله الجوهري .
الزمخشري : والتشاكس والتشاخس الاختلاف .
يقال : تشاكست أحواله وتشاخست أسنانه .
ويقال : شاكسني فلان أي : ماكسني وشاحني في حقي .
قال الجوهري : رجل شكس بالتسكين أي : صعب الخلق .
قال الراجز :شكس عبوس عنبس عذوروقوم شكس مثال رجل صدق وقوم صدق .
وقد شكس بالكسر شكاسة .
وحكى الفراء : رجل شكس .
وهو القياس ، وهذا مثل من عبد آلهة كثيرة ." ورجلا سلما لرجل " أي خالصا لسيد واحد ، وهو مثل من يعبد الله وحده .
" هل يستويان مثلا " هذا الذي يخدم جماعة [ ص: 226 ] شركاء أخلاقهم مختلفة ، ونياتهم متباينة ، لا يلقاه رجل إلا جره واستخدمه ، فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم ، وهو مع ذلك كله لا يرضي واحدا منهم بخدمته لكثرة الحقوق في رقبته ، والذي يخدم واحدا لا ينازعه فيه أحد ، إذا أطاعه وحده عرف ذلك له ، وإن أخطأ صفح عن خطئه ، فأيهما أقل تعبا أو على هدى مستقيم .
وقرأ أهل الكوفة وأهل المدينة : " ورجلا سلما " وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وعاصم الجحدري وأبو عمرو وابن كثير ويعقوب : " ورجلا سالما " واختاره أبو عبيد لصحة التفسير فيه .
قال : لأن السالم الخالص ضد المشترك ، والسلم ضد الحرب ولا موضع للحرب هنا .
النحاس : وهذا الاحتجاج لا يلزم ; لأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولاهما ، فهذا وإن كان السلم ضد الحرب فله موضع آخر ، كما يقال : لك في هذا المنزل شركاء فصار سلما لك .
ويلزمه أيضا في سالم ما ألزم غيره ; لأنه يقال : شيء سالم أي : لا عاهة به .
والقراءتان حسنتان قرأ بهما الأئمة .
واختار أبو حاتم قراءة أهل المدينة " سلما " قال : وهذا الذي لا تنازع فيه .
وقرأ سعيد بن جبير وعكرمة وأبو العالية ونصر " سلما " بكسر السين وسكون اللام .
وسلما وسلما مصدران ، والتقدير : ورجلا ذا سلم ، فحذف المضاف و " مثلا " صفة على التمييز ، والمعنى هل تستوي صفاتهما وحالاهما .
وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس .الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون الحق فيتبعونه .
ثم ضرب مثلا للشرك والتوحيد فقال: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا } أي: عبدا { فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ } فهم كثيرون، وليسوا متفقين على أمر من الأمور وحالة من الحالات حتى تمكن راحته، بل هم متشاكسون متنازعون فيه، كل له مطلب يريد تنفيذه ويريد الآخر غيره، فما تظن حال هذا الرجل مع هؤلاء الشركاء المتشاكسين؟{ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ } أي: خالصا له، قد عرف مقصود سيده، وحصلت له الراحة التامة.
{ هَلْ يَسْتَوِيَانِ } أي: هذان الرجلان { مَثَلًا } ؟
لا يستويان.كذلك المشرك، فيه شركاء متشاكسون، يدعو هذا، ثم يدعو هذا، فتراه لا يستقر له قرار، ولا يطمئن قلبه في موضع، والموحد مخلص لربه، قد خلصه اللّه من الشركة لغيره، فهو في أتم راحة وأكمل طمأنينة، فـ { هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ } على تبيين الحق من الباطل، وإرشاد الجهال.
{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }
( ضرب الله مثلا رجلا ) قال الكسائي : نصب " رجلا " ؛ لأنه تفسير للمثل ، ( فيه شركاء متشاكسون ) متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم ، يقال : رجل شكس شرس ، إذا كان سيئ الخلق ، مخالفا للناس ، لا يرضى بالإنصاف ، ( ورجلا سلما لرجل ) قرأ أهل مكة والبصرة : " سالما " بالألف أي : خالصا له لا شريك ولا منازع له فيه ، وقرأ الآخرون : " سلما " بفتح اللام من غير ألف ، وهو الذي لا ينازع فيه من قولهم : هو لك سلم ، أي : مسلم لا منازع لك فيه .
( هل يستويان مثلا ) هذا مثل ضربه الله - عز وجل - للكافر الذي يعبد آلهة شتى ، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد ، وهذا استفهام إنكار أي : لا يستويان ، ثم قال : ) ( الحمد لله ) أي : لله الحمد كله دون غيره من المعبودين .
( بل أكثرهم لا يعلمون ) ما يصيرون إليه والمراد بالأكثر الكل .
«ضرب الله» للمشرك والموحِّد «مثلا رجلا» بدل من مثلا «فيه شركاء متشاكسون» متنازعون سيئة أخلاقهم «ورجلا سالما» خالصا «لرجل هل يستويان مثلا» تميز أي لا يستوي العبد بجماعه والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر فيمن يخدمه منهم وهذا مثل للمشرك، والثاني مثل للموحّد «الحمد لله» وحده «بل أكثرهم» أي أهل مكة «لا يعلمون» ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون.
ضرب الله مثلا عبدًا مملوكًا لشركاء متنازعين، فهو حيران في إرضائهم، وعبدًا خالصًا لمالك واحد يعرف مراده وما يرضيه، هل يستويان مثلا؟
لا يستويان، كذلك المشرك هو في حَيْرة وشك، والمؤمن في راحة واطمئنان.
فالثناء الكامل التام لله وحده، بل المشركون لا يعلمون الحق فيتبعونه.
ثم ضرب - سبحانه - مثلا للعبد المشرك وللعبد المؤمن ، فقال : ( ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ .
.
.
)وقوله ( مَثَلاً ) مفعول ثان لضرب ، و ( رَّجُلاً ) مفعوله الأول .
وأخر عن المفعول الثانى للتشويق إليه ، وليتصل به ما هو من تتمته ، وهو التمثيل لحال الكافر والمؤمن .وقوله ( مُتَشَاكِسُونَ ) من الشاكس بمعنى التنازع والتخاصم وسوء الخلق ، يقال : رجل شَكْس وشكِس - بفتح الشين مع إسكان الكاف أو كسرها وفعله من باب كرم - إذا كان صعب الطباع ، عسر الخلق .وقوله " سلما " بفتح السين واللام - مصدر وصف به على سبيل المبالغة .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : " سالما " أى خالصا لسيده دون أن ينازعه فيه منازع .والمعنى : إن مثل المشرك الذى يعبد آلهة متعددة ، كمثل عبد مملوك لجماعة متشاكسين متنازعين لسوء أخلاقهم وطباعهم ، وهذا العبد موزع وممزق بينهم ، لأن أحدهم يطلب منه شيئا معينا ، والثانى يطلب منه شيئا يباين ما طلبه الأول ، والثالث يطلب منه ما يتناقض مع ما طلبه الأول والثانى .
.
.
وهو حائر بينهم جميعا ، لا يدرى أو يطيع ما أمره به الأول أم الثانى أم الثالث ..
.
؟
لأنه لا يملك أن يطيع أهواءهم المتنازعة التى تمزق أفكاره وقواه .هذا هو مثل المشرك فى حيرته وضلاله وانتكاس حاله .أما مثل المؤمن فهو كمثل عبد مملوك لسيد واحد ، وخالص لفرد واحد ، وليس لغيره من سبيل إليه ، فهو يخدم سيده بإخلاص وطاعة ، لأنه يعرف ماله وما عليه ، وفى راحة تامة من الحيرة والمتاعب التى انغمس فيها ذلك العبد الذى يملكه الشركاء المتشاكسون .فالمقصود بهذين المثلين بيان ما عليه العبد المشرك من ضلال وتحير وتمزق ، وما عليه العبد المؤمن من هداية واستقرار واطمئنان .واختار - سبحانه - الرجل لضرب المثلين ، لأنه أتم معرفة من غيره لما تعبه ولما يريحه ولما يسعده ولما يشقيه .قال صاحب الكشاف - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية : واضرب - يا محمد 0 لقومك مثلا وقل لهم : ما تقولون فى رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء ، بينهم اختلاف وتنازع .
كل واحد منهم يدعى أنه عبده ، فهم يتجاذبونه ، ويتعاورونه فى مهن شتى ، وإذا عنت له حاجة تدافعوه ، فهو متحير فى أمره ، قد تشعبت الهموم قلبه ، وتوزعت أفكاره ، لا يدرى أيهم يرضى بخدمته ، وعلى أيهم يعتمد فى حاجاته .وفى آخر : قد سلم لمالك واحد وخلص له ، فهو معتنق لما لزمه من خدمته معتمد عليه فيما يصلحه ، فهمه واحد ، وقلبه مجتمع ، أى هذين العبدين أحسن وأجمل شأنا؟والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى .
.
.
ويبقى متحيرا ضائعا لا يدرى أيهم يعبد ، وممن يطلب رزقه؟
فَهمَّهُ شَعَاع - بفتح الشين أى : متفرق - ، وقلبه أوزاع ، وحال من لم يثبت إلا إلها واحدا ، فهو قائم بما كلفه ، عرف بما أرضاه وما أسخطه ، متفضل عليه فى عاجله ، مؤمل للثواب فى آجله .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ) للإنكار والاستبعاد .أى : لا يستوى الرجل الذى فيه شركاء متشاكسون ، والرجل الذى سلم لرجل آخر ، فى رأى أى ناظر ، وفى عقل أى عاقل ، فالأول فى حيرة من أمره ، والثانى على بينة من شأنه .وساق - سبحانه - هذا المعنى فى صورة الاستفهام ، للإِشعار بأن ذلك من الجلاء والوضوح بحيث لا يخفى على كل ذى عقل سليم .وانتصب لفظ " مثلا " على التمييز المحول عن الفاعل ، لأن الأصل هل يستوى مثلهما وحالهما؟وجملة ( الحمد للَّهِ ) تقرير وتأكيد لما قبلها من نفى الاستواء واستعباده ، وتصريح بأن ما عليه المؤمنون من إخلاص فى العبودية لله - تعالى - يستحق منهم كل شكر وثناء على الله - عز وجل - حيث وفقهم لذلك .وقوله - تعالى - : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور ، إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون هذه الحقيقة مع ظهورها ووضوحها لكل ذى عينين يبصرهما ، وعقل يعقل به .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله تعالى ووجوب الإعراض عن الدنيا بين بعد ذلك أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا شرح الله الصدور ونور القلوب فقال: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ ﴾ .
واعلم أنا بالغنا في سورة الأنعام في تفسير قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ في تفسير شرح الصدر وفي تفسير الهداية، ولا بأس بإعادة كلام قليل هاهنا، فنقول إنه تعالى خلق جواهر النفوس مختلفة بالماهية فبعضها خيرة نورانية شريفة مائلة إلى الإلهيات عظيمة الرغبة في الاتصال بالروحانيات، وبعضها نذلة كدرة خسيسة مائلة إلى الجسمانيات وفي هذا التفاوت أمر حاصل في جواهر النفوس البشرية، والاستقراء يدل على أن الأمر كذلك، إذا عرفت هذا فنقول المراد بشرح الصدر هو ذلك الاستعداد الشديد الموجود في فطرة النفس، وإذا كان ذلك الاستعداد الشديد حاصلاً كفى خروج تلك الحالة من القوة إلى الفعل بأدنى سبب، مثل الكبريت الذي يشتعل بأدنى نار، أما إذا كانت النفس بعيدة عن قبول هذه الجلايا القدسية والأحوال الروحانية، بل كانت مستغرقة في طلب الجسمانيات قليلة التأثر عن الأحوال المناسبة للإلهيات فكانت قاسية كدرة ظلمانية، وكلما كان إيراد الدلائل اليقينية والبراهين الباهرة عليها أكثر كانت قسوتها وظلمتها أقل.
إذا عرفت هذه القاعدة فنقول.
أما شرح الصدر فهو ما ذكرناه، وأما النور فهو عبارة عن الهداية والمعرفة، وما لم يحصل شرح الصدر أولا لم يحصل النور ثانياً، وإذا كان الحاصل هو القوة النفسانية لم يحصل الانتفاع ألبتة بسماع الدلائل، وربما صار سماع الدلائل سبباً لزيادة القسوة ولشدة النفرة فهذه أصول يقينية يجب أن تكون معلومة عند الإنسان حتى يمكنه الوقوف على معاني هذه الآيات، أما استدلال أصحابنا في مسألة الجبر والقدر وكلام الخصوم عليه فقد تقدم هناك، والله أعلم.
المسألة الثانية: من محذوف الخبر كما في قوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ﴾ والتقدير: أفمن شرح الله صدره للإسلام فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته، والجواب متروك لأن الكلام المذكور دل عليه وهو قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله ﴾ .
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله ﴾ فيه سؤال، وهو أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان كما قال: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب ﴾ فكيف جعله في هذه الآية سبباً لحصول قسوة القلب، والجواب أن نقول إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والأخلاق الذميمة، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورة، وتقرير هذا الكلام بالأمثلة فإن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، وقد نرى إنساناً واحداً يذكر كلاماً واحداً في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، وما ذاك إلا ما ذكرناه من اختلاف جواهر النفوس، ومن اختلاف أحوال تلك النفوس، ولما نزل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ وكان قد حضر هناك عمر بن الخطاب وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ قال كل واحد منهم: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب فهكذا أنزلت فازداد عمر إيماناً على إيمان وازداد ذلك الإنسان كفراً على كفر، إذا عرفت هذا لم يبعد أيضاً أن يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، ويوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية، إذا عرفت هذا فنقول إن رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورئيسها هو ذكر الله تعالى، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله تعالى سبباً لازدياد مرضها كان مرض تلك النفس مرضاً لا يرجى زواله ولا يتوقع علاجه وكانت في نهاية الشر والرداءة، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله أُوْلَئِكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ وهذا كلام كامل محقق، ولما بين تعالى ذلك أردفه بما يدل على أن القرآن سبب لحصول النور والشفاء والهداية وزيادة الاطمئنان، والمقصود منه بيان أن القرآن لما كان موصوفاً بهذه الصفات، ثم إنه في حق ذلك الإنسان صار سبباً لمزيد القسوة دل ذلك على أن جوهر تلك النفس قد بلغ في الرداءة والخساسة إلى أقصى الغايات، فنقول إنه تعالى وصف القرآن بأنواع من صفات الكمال.
الصفة الأولى: قوله تعالى: ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه حديثاً في هذه الآيات وفي آيات أخرى منها قوله تعالى: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿ أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ والحديث لابد وأن يكون حادثاً، قالوا بل الحديث أقوى في الدلالة على الحدوث من الحادث لأنه يصح أن يقال هذا حديث وليس بعتيق، وهذا عتيق وليس بحادث، فثبت أن الحديث هو الذي يكون قريب العهد بالحديث، وسمي الحديث حديثاً لأنه مؤلف من الحروف والكلمات، وتلك الحروف والكلمات تحدث حالا فحالا وساعة فساعة، فهذا تمام تقرير هذا الوجه.
أما الوجه الثاني: في بيان استدلال القوم أن قالوا: إنه تعالى وصفه بأنه نزله والمنزل يكون في محل تصرف الغير.
وما يكون كذلك فهو محدث وحادث.
وأما الوجه الثالث: في بيان استدلال القوم أن قالوا: إن قوله أحسن الحديث يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث كما أن قوله زيد أفضل الإخوة يقتضي أن يكون زيد مشاركاً لأولئك الأقوام في صفة الأخوة ويكون من جنسهم، فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث، ولما كان سائر الأحاديث حادثة وجب أيضاً أن يكون القرآن حادثاً.
أما الوجه الرابع: في الاستدلال أن قالوا: إنه تعالى وصفه بكونه كتاباً والكتاب مشتق من الكتبة وهي الاجتماع، وهذا يدل على أنه مجموع جامع ومحل تصرف متصرف.
وذلك يدل على كونه محدثاً والجواب: أن نقول نحمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من الحروف والأصوات والألفاظ والعبارات، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق، والله أعلم.
المسألة الثانية: كون القرآن أحسن الحديث، إما أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه أو بحسب معناه.
القسم الأول: أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه وذلك من وجهين: الأول: أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة الثاني: أن يكون بحسب النظم في الأسلوب، وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر، ولا من جنس الخطب.
ولا من جنس الرسائل، بل هو نوع يخالف الكل، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذه.
القسم الثاني: أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى، وفيه وجوه: الأول: أنه كتاب منزه عن التناقض، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المعجزات الوجه الثاني: اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل الوجه الثالث: أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جداً.
وضبط هذه العلوم أن نقول: العلوم النافعة هي ما ذكره الله في كتابه في قوله: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير ﴾ فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره للعلوم النافعة.
أما القسم الأول: وهو الإيمان بالله، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام: معرفة الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء.
أما معرفة الذات فهي أن يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه.
وأما معرفة الصفات فهي نوعان: أحدهما: ما يجب تنزيهه عنه، وهو كونه جوهراً ومركباً من الأعضاء والأجزاء وكونه مختصاً بحيز وجهة، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة: ليس ولم وما ولا، وهذه الأربعة المذكورة، مذكورة في كتاب الله تعالى لبيان التنزيه.
أما كلمة ليس، فقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ﴾ وأما كلمة لم، فقوله: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ ﴾ وأما كلمة ما، فقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ ، ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ﴾ وأما كلمة لا، فقوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ ، ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ ، ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ ، وقوله في سبعة وثلاثين موضعاً من القرآن ﴿ لاَ إله إِلاَّ الله ﴾ .
وأما النوع الثاني: وهي الصفات التي يجب كونه موصوفاً بها من القرآن فأولها العلم بالله، والعلم بكونه محدثاً خالقاً، قال تعالى: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ * السموات والأرض ﴾ .
وثانيها: العلم بكونه قادراً، قال تعالى في أول سورة القيامة ﴿ بلى قادرين على أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ ﴾ وقال في آخر هذه السورة ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِىَ الموتى ﴾ .
وثالثها: العلم بكونه تعالى عالماً، قال تعالى: ﴿ هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغيب والشهادة ﴾ .
ورابعها: العلم بكونه عالماً بكل المعلومات، قال تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى ﴾ .
وخامسها: العلم بكونه حياً، قال تعالى: ﴿ هُوَ الحى لاَ إله إِلاَّ هُوَ فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ .
وسادسها: العلم بكونه مريداً، قال الله تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ .
وسابعها: كونه سميعاً بصيراً، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ السميع البصير ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى ﴾ .
وثامنها: كونه متكلما، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله ﴾ .
وتاسعها: كونه أمراً، قال تعالى: ﴿ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ﴾ .
وعاشرها: كونه رحماناً رحيماً مالكاً، قال تعالى: ﴿ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ فهذا ما يتعلق بمعرفة الصفات التي يجب اتصافه بها.
وأما القسم الثالث: وهو الأفعال، فاعلم أن الأفعال إما أرواح وإما أجسام.
أما الأرواح فلا سبيل للوقوف عليها إلا للقليل، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ وأما الأجسام، فهي إما العالم الأعلى وإما العالم الأسفل.
أما العالم الأعلى فالبحث فيه من وجوه: أحدها: البحث عن أحوال السموات.
وثانيها: البحث عن أحوال الشمس والقمر كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِى الليل النهار يطلبهُ حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ .
وثالثها: البحث عن أحوال الأضواء، قال الله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والأرض ﴾ وقال تعالى: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً ﴾ .
ورابعها: البحث عن أحوال الظلال، قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ﴾ .
وخامسها: اختلاف الليل والنهار، قال الله تعالى: ﴿ يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل ﴾ .
وسادسها: منافع الكواكب، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظلمات البر والبحر ﴾ .
وسابعها: صفات الجنة، قال تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض ﴾ .
وثامنها: صفات النار، قال تعالى: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ ﴾ .
وتاسعها: صفة العرش، قال تعالى: ﴿ الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ ﴾ .
وعاشرها: صفة الكرسي، قال تعالى: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض ﴾ وحادي عشرها: صفة اللوح والقلم.
أما اللوح، فقوله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍۭ ﴾ وأما القلم، فقوله تعالى: ﴿ ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ .
وأما شرح أحوال العالم الأسفل فأولها: الأرض، وقد وصفها بصفات كثيرة إحداها: كونه مهداً، قال تعالى: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض مَهْداً ﴾ .
وثانيها: كونه مهاداً، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا ﴾ .
وثالثها: كونه كفاتاً، قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا ﴾ .
ورابعها: الذلول، قال تعالى: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً ﴾ .
وخامسها: كونه بساطاً، قال تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ﴾ والكلام فيه طويل.
وثانيها: البحر، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا ﴾ .
وثالثها: الهواء والرياح.
قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ ﴾ .
ورابعها: الآثار العلوية كالرعد والبرق، قال تعالى: ﴿ وَيُسَبّحُ الرعد بِحَمْدِهِ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ وقال تعالى: ﴿ فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ ومن هذا الباب ذكر الصواعق والأمطار وتراكم السحاب.
وخامسها: أحوال الأشجار والثمار وأنواعها وأصنافها.
وسادسها: أحوال الحيوانات، قال تعالى: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ ﴾ وقال: ﴿ والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ .
وسابعها: عجائب تكوين الإنسان في أول الخلقة، قال: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ .
وثامنها: العجائب في سمعه وبصره ولسانه وعقله وفهمه.
وتاسعها: تواريخ الأنبياء والملوك وأحوال الناس من أول خلق العالم إلى آخر قيام القيامة.
وعاشرها ذكر أحوال الناس عند الموت وبعد الموت، وكيفية البعث والقيامة، وشرح أحوال السعداء والأشقياء، فقد أشرنا إلى عشرة أنواع من العلوم في عالم السموات، وإلى عشرة أخرى في عالم العناصر، والقرآن مشتمل على شرح هذه الأنواع من العلوم العالية الرفيعة.
وأما القسم الرابع: وهو شرح أحكام الله تعالى وتكاليفه، فنقول هذه التكاليف إما أن تحصل في أعمال القلوب أو في أعمال الجوارح.
أما القسم الأول: فهو المسمى بعلم الأخلاق وبيان تمييز الأخلاق الفاضلة والأخلاق الفاسدة والقرآن يشتمل على كل ما لابد منه في هذا الباب، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى ﴾ ، وقال: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين ﴾ .
وأما الثاني: فهو التكاليف الحاصلة في أعمال الجوارح وهو المسمى بعلم الفقه والقرآن مشتمل على جملة أصول هذا العلم على أكمل الوجوه.
وأما القسم الخامس: وهو معرفة أسماء الله تعالى فهو مذكور في قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا ﴾ فهذا كله يتعلق بمعرفة الله.
وأما القسم الثاني: من الأصول المعتبرة في الإيمان الإقرار بالملائكة كما قال تعالى: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ ﴾ والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال وأخرى على طريق التفصيل، أما بالإجمال فقوله: ﴿ وَمَلَئِكَتُهُ ﴾ وأما بالتفصيل فمنها ما يدل على كونهم رسل الله قال تعالى: ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً ﴾ ومنها أنها مدبرات لهذا العالم، قال تعالى: ﴿ فالمقسمات أَمْراً ﴾ ﴿ فالمدبرات أَمْراً ﴾ وقال تعالى: ﴿ والصافات صَفَّا ﴾ ومنها حملة العرش قال: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية ﴾ ومنها الحافون حول العرش قال: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش ﴾ ومنها خزنة النار قال تعالى: ﴿ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ ﴾ ومنها الكرام الكاتبون قال: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ كِرَامًا كَٰتِبِينَ ﴾ ومنها المعقبات قال تعالى: ﴿ لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين.
وأما القسم الثالث: من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الكتب والقرآن يشتمل على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾ ومنها أحوال صحف إبراهيم عليه السلام قال تعالى: ﴿ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ ومنها أحوال التوراة والإنجيل والزبور.
وأما القسم الرابع: من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الرسل والله تعالى قد شرح أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال: ﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾ .
القسم الخامس: ما يتعلق بأحوال المكلفين وهي على نوعين الأول: أن يقروا بوجوب هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله: ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ .
الثاني: أن يعترفوا بصدور التقصير عنهم في تلك الأعمال ثم طلبوا المغفرة وهو المراد من قوله: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ ثم لما كانت مقادير رؤية التقصير في مواقف العبودية بحسب المكاشفات في مطالعة عزة الربوبية أكثر، كانت المكاشفات في تقصير العبودية أكثر وكان قوله: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ أكثر.
القسم السادس: معرفة المعاد والبعث والقيامة وهو المراد من قوله: ﴿ وَإِلَيْكَ المصير ﴾ وهذا هو الإشارة إلى معرفة المطالب المهمة في طلب الدين، والقرآن بحر لا نهاية له في تقرير هذه المطالب وتعريفها وشرحها ولا ترى في مشارق الأرض ومغاربها كتاباً يشتمل على جملة هذه العلوم كما يشتمل القرآن عليها.
ومن تأمل في هذا التفسير علم أنا لم نذكر من بحار فضائل القرآن إلا قطرة، ولما كان الأمر على هذه الجملة، لا جرم مدح الله عز وجل القرآن فقال تعالى: ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ ، والله أعلم.
الصفة الثانية: من صفات القرآن قوله تعالى: ﴿ كتابا متشابها ﴾ أما الكتاب فقد فسرناه في قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ وأما كونه متشابهاً فاعلم أن هذه الآية تدل على أن القرآن كله متشابه.
وقوله: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات ﴾ يدل على كون البعض متشابهاً دون البعض.
وأما كونه كله متشابهاً كما في هذه الآية، فقال ابن عباس: معناه أنه يشبه بعضه بعضاً، وأقول هذا التشابه يحصل في أمور أحدها: أن الكاتب البليغ إذا كتب كتاباً طويلاً، فإنه يكون بعض كلماته فصيحاً، ويكون البعض غير فصيح، والقرآن يخالف ذلك فإنه فصيح كامل الفصاحة بجميع أجزائه.
وثانيها: أن الفصيح إذا كتب كتاباً في واقعة بألفاظ فصيحة فلو كتب كتاباً آخر في غير تلك الواقعة كان الغالب أن كلامه في الكتاب الثاني غير كلامه في الكتاب الأول، والله تعالى حكى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن وكلها متساوية متشابهة في الفصاحة.
وثالثها: أن كل ما فيه من الآيات والبيانات فإنه يقوي بعضها بعضاً ويؤكد بعضها بعضاً.
ورابعها: أن هذه الأنواع الكثيرة من العلوم التي عددناها متشابهة متشاركة في أن المقصود منها بأسرها الدعوة إلى الدين وتقرير عظمة الله، ولذلك فإنك لا ترى قصة من القصص إلا ويكون محصلها المقصود الذي ذكرناه، فهذا هو المراد من كونه متشابهاً، والله الهادي.
الصفة الثالثة: من صفات القرآن كونه مثَاني وقد بالغنا في تفسير هذه اللفظة عند قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني ﴾ وبالجملة فأكثر الأشياء المذكورة وقعت زوجين زوجين مثل: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمفصل، وأحوال السموات والأرض، والجنة والنار، والظلمة والضوء، واللوح والقلم، والملائكة والشياطين، والعرش والكرسي، والوعد والوعيد، والرجاء والخوف، والمقصود منه بيان أن كل ما سوى الحق زوج ويدل على أن كل شيء مبتلى بضده ونقيضه وأن الفرد الأحد الحق هو الله سبحانه.
الصفة الرابعة: من صفات القرآن قوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: معنى ﴿ تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ ﴾ تأخذهم قشعريرة وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف، قال المفسرون: والمعنى أنهم عند سماع آيات الرحمة والإحسان يحصل لهم الفرح فتلين قلوبهم إلى ذكر الله، وأقول إن المحققين من العارفين قالوا: السائرون في مبدأ إجلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشوا، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا، ويجب علينا أن نذكر في هذا الباب مزيد شرح وتقرير، فنقول الإنسان إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب تنزيه الله عن التحيز والجهة.
فهنا يقشعر جلده، لأن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارج ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، مما يصعب تصوره فهاهنا تقشعر الجلود، أما إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب أن يكون فرداً أحداً، وثبت أن كل متحيز فهو منقسم فهاهنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله.
وأيضاً إذا أراد أن يحيط عقله بمعنى الأزل فيتقدم في ذهنه بمقدار ألف ألف سنة ثم يتقدم أيضاً بحسب كل لحظة من لحظات تلك المدة ألف ألف سنة، ولا يزال يحتال ويتقدم ويتخيل في الذهن، فإذا بالغ وتوغل وظن أنه استحضر معنى الأزل قال العقل هذا ليس بشيء، لأن كل ما استحضرته في فهو متناه والأزل هو الوجود المتقدم على هذه المدة المتناهية، فهاهنا يتحير العقل ويقشعر الجلد، وأما إذا ترك هذا الاعتبار وقال هاهنا موجود والموجود إما واجب وإما ممكن، فإن كان واجباً فهو دائماً منزه عن الأول والآخر وإن كان ممكناً فهو محتاج إلى الواجب فيكون أزلياً أبدياً، فإذا اعتبر العقل فهم معنى الأزلية فهاهنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله، فثبت أن المقامين المذكورين في الآية لا يجب قصرهما على سماع آية العذاب وآية الرحمة، بل ذاك أول تلك المراتب وبعده مراتب لا حد لها ولا حصر في حصول تلك الحالتين المذكورتين.
المسألة الثانية: روى الواحدي في البسيط عن قتادة أنه قال: القرآن دل على أن أولياء الله موصوفون بأنهم عند المكاشفات والمشاهدات، تارة تقشعر جلودهم وأخرى تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.
وليس فيه أن عقولهم تزول وأن أعضاءهم تضطرب، فدل هذا على أن تلك الأحوال لو حصلت لكانت من الشيطان، وأقول هاهنا بحث آخر وهو أن الشيخ أبا حامد الغزالي أورد مسألة في كتاب إحياء علوم الدين، وهي أنا نرى كثيراً من الناس يظهر عليه الوجد الشديد التام عند سماع الأبيات المشتملة على شرح الوصل والهجر، وعند سماع الآيات لا يظهر عليه شيء من هذه الأحوال، ثم إنه سلم هذا المعنى وذكر العذر فيه من وجوه كثيرة، وأنا أقول: إني خلقت محروماً عن هذا المعنى، فإني كلما تأملت في أسرار القرآن اقشعر جلدي وقف على شعري وحصلت في قلبي دهشة وروعة، وكلما سمعت تلك الأشعار غلب الهزل علي وما وجدت ألبتة في نفسي منها أثراً، وأظن أن المنهج القويم والصراط المستقيم هو هذا، وبيانه من وجوه: الأول: أن تلك الأشعار كلمات مشتملة على وصل وهجر وبغض وحب تليق بالخلق، وإثباته في حق الله تعالى كفر، وأما الانتقال من تلك الأحوال إلى معان لائقة بجلال الله فلا يصل إليها إلا العلماء الراسخون في العلم، وأما المعاني التي يشتمل عليها القرآن فهي أحوال لائقة بجلال الله، فمن وقف عليها عظم الوله في قلبه، فإن من كان عنده نور الإيمان وجب أن يعظم اضطرابه عند سماع قوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ إلى آخر الآية والثاني: وهو أني سمعت بعض المشايخ قال كما أن الكلام له أثر فكذلك صدور ذلك الكلام من القائل المعين له أثر، لأن قوة نفس القائل تعين على نفاذ الكلام في الروح، والقائل في القرآن هنا هو الله بواسطة جبريل بتبليغ الرسول المعصوم، والقائل هناك شاعر كذاب مملوء من الشهوة وداعية الفجور والثالث: أن مدار القرآن على الدعوة إلى الحق قال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ ﴾ وأما الشعر فمداره على الباطل قال تعالى: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴾ فهذه الوجوه الثلاثة فروق ظاهرة، وأما ما يتعلق بالوجدان من النفس فإن كل أحد إنما يخبر عما يجده من نفسه والذي وجدته من النفس والعقل ما ذكرته، والله أعلم.
المسألة الثالثة: في بيان ما بقي من المشكلات في هذه الآية ونذكرها في معرض السؤال والجواب.
السؤال الأول: كيف تركيب لفظ القشعريرة الجواب: قال صاحب الكشاف تركيبه من حروف التقشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها حرف رابع وهو الراء ليكون رباعياً ودالاً على معنى زائد يقال: اقشعر جلده من الخوف وقف شعره، وذلك مثل في شدة الخوف.
السؤال الثاني: كيف قال: ﴿ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ وما الوجه في تعديه بحرف إلى؟
والجواب: التقدير تلين جلودهم وقلوبهم حال وصولها إلى حضرة الله وهو لا يحس بالإدراك.
السؤال الثالث: لم قال: ﴿ إلى ذكر الله ﴾ ولم يقل إلى ذكر رحمة الله؟
والجواب: أن من أحب الله لأجل رحمته فهو ما أحب الله، وإنما أحب شيئاً غيره، وأما من أحب الله لا لشيء سواه فهذا هو المحب المحق وهو الدرجة العالية، فلهذا السبب لم يقل ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمة الله بل قال إلى ذكر الله، وقد بين الله تعالى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ وفي قوله: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب ﴾ وأيضاً قال لأمة موسى: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ وقال أيضاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ ﴾ .
السؤال الرابع: لم قال في جانب الخوف قشعريرة الجلود فقط، وفي جانب الرجاء لين الجلود والقلوب معاً؟
والجواب: لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، لأن الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض ومحل المكاشفات هو القلوب والأرواح، والله أعلم.
ثم إنه تعالى لما وصف القرآن بهذه الصفات قال: ﴿ ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ فقوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الكتاب وهو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده وهو الذي شرح صدره أولاً لقبول هذه الهداية ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ أي من جعل قلبه قاسياً مظلماً بليد الفهم منافياً لقبول هذه الهداية ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ واستدلال أصحابنا بهذه الآية وسؤالات المعتزلة وجوابات أصحابنا عين ما تقدم في قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ فاعلم أنه تعالى حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وبحكم في الآخرة، أما حكمهم في الدنيا فهو الضلال التام كما قال: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ وأما حكمهم في الآخرة فهو العذاب الشديد وهو المراد من قوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ وتقريره أن أشرف الأعضاء هو الوجه لأنه محل الحسن والصباحة، وهو أيضاً صومعة الحواس، وإنما يتميز بعض الناس عن بعض بسبب الوجه، وأثر السعادة والشقاوة لا يظهر إلا في الوجه قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ ﴾ ويقال لمقدم القوم يا وجه العرب، ويقال للطريق الدال على كنه حال الشيء وجه كذا هو كذا، فثبت بما ذكرنا أن أشرف الأعضاء هو الوجه، فإذا وقع الإنسان في نوع من أنواع العذاب فإنه يجعل يده وقاية لوجهه وفداءً له، وإذا عرفت هذا فنقول: إذا كان القادر على الاتقاء يجعل كل ما سوى الوجه فداء للوجه لا جرم حسن جعل الاتقاء بالوجه كناية عن العجز عن الاتقاء، ونظيره قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب أي لا عيب فيهم إلا هذا وهو ليس بعيب فلا عيب فيهم إذن بوجه من الوجوه، فكذا هاهنا لا يقدرون على الاتقاء بوجه من الوجوه إلا بالوجه وهذا ليس باتقاء، فلا قدرة لهم على الاتقاء ألبتة، ويقال أيضاً إن الذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه ولا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، إذا عرفت هذا فنقول: جوابه محذوف وتقديره أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة كمن هو آمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره، وسوء العذاب شدته.
ثم قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلظَّلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ولما بين الله تعالى كيفية عذاب القاسية قلوبهم في الآخرة بين أيضاً كيفية وقوعهم في العذاب في الدنيا فقال: ﴿ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ وهذا تنبيه على حال هؤلاء لأن الفاء في قوله: ﴿ فأتاهم العذاب ﴾ تدل على أنهم إنما أتاهم العذاب بسبب التكذيب، فإذا كان التكذيب حاصلاً هاهنا لزم حصول العذاب استدلالاً بالعلة على المعلول، وقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي من الجهة التي لا يحسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، بينما هم آمنون إذ أتاهم العذاب من الجهة التي توقعوا الأمن منها، ولما بين أنه أتاهم العذاب في الدنيا بين أيضاً أنه أتاهم الخزي وهو الذل والصغار والهوان، والفائدة في ذكر هذا القيد أن العذاب التام هو أن يحصل فيه الألم مقروناً بالهوان والذل.
ثم قال: ﴿ وَلَعَذَابُ الأخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ يعني أن أولئك وإن نزل عليهم العذاب والخزي كما تقدم ذكره، فالعذاب المدخر لهم في يوم القيامة أكبر وأعظم من ذلك الذي وقع.
والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب، فلما ذكر الله تعالى هذه الفوائد المتكاثرة والنفائس المتوافرة في هذه المطالب، بين تعالى أنه بلغت هذه البيانات إلى حد الكمال والتمام فقال: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ والمقصود ظاهر، وقالت المعتزلة دلت الآية على أن أفعال الله وأحكامه معللة، ودلت أيضاً على أنه يريد الإيمان والمعرفة من الكل لأن قوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ ﴾ مشعر بالتعليل، وقوله في آخر الآية: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ مشعر بالتعليل أيضاً، ومشعر بأن المقصود من ضرب هذه الأمثال إرادة حصول التذكر والعلم، ولما كانت هذه البيانات النافعة والبينات الباهرة موجودة في القرآن، لا جرم وصف القرآن بالمدح والثناء، فقال: ﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ يدل على أنه تعالى إنما ذكر هذه الأمثال ليحصل لهم التذكر، والشيء الذي يؤتى به لغرض آخر يكون محدثاً، فإن القديم هو الذي يكون موجوداً في الأزل، وهذا يمتنع أن يقال إنه إنما أتى به لغرض كذا وكذا، والثاني: أنه وصفه بكونه عربياً وإنما كان عربياً لأن هذه الألفاظ إنما صارت دالة على هذه المعاني بوضع العرب وباصطلاحهم، وما كان حصوله بسبب أوضاع العرب واصطلاحاتهم كان مخلوقاً محدثاً الثالث: أنه وصفه بكونه قرآناً والقرآن عبارة عن القراءة والقراءة مصدر والمصدر هو المفعول المطلق فكان فعلاً ومفعولاً والجواب: أنا نحمل كل هذه الوجوه على الحروف والأصوات وهي حادثة ومحدثة.
المسألة الثانية: قال الزجاج قوله: ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ منصوب على الحال والمعنى ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه ويجوز أن ينتصب على المدح.
المسألة الثالثة: أنه تعالى وصفه بصفات ثلاثة أولها: كونه قرآناً، والمراد كونه متلواً في المحاريب إلى قيام القيامة، كما قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ .
وثانيها: كونه عربياً والمراد أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ .
وثالثها: كونه غير ذي عوج والمراد براءته عن التناقض، كما قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ وأما قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ فالمعتزلة يتمسكون به في تعليل أحكام الله تعالى.
وفيه بحث آخر: وهو أنه تعالى قال في الآية الأولى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ والسبب فيه أن التذكر متقدم على الاتقاء، لأنه إذا تذكره وعرفه ووقف على فحواه وأحاط بمعناه، حصل الاتقاء والاحتراز، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً ﴾ حال مؤكدة كقولك: جاءني زيد رجلاً صالحاً وإنساناً عاقلاً، ويجوز أن ينتصب على المدح ﴿ غَيْرَ ذِى عِوَجٍ ﴾ مستقيماً بريئاً من التناقض والاختلاف.
فإن قلت: فهلا قيل: مستقيماً: أو غير معوج؟
قلت: فيه فائدتان، إحداهما: نفي أن يكون فيه عوج قط، كما قال: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ [الكهف: 1] والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان، وقيل: المراد بالعوج: الشكّ واللبس.
وأنشد: وَقَدْ أَتَاكَ يَقِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ ** مِنَ الإله وَقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ.
﴿ رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ مِثْلَ المُشْرِكِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ مِن أنْ يَدَّعِيَ كُلُّ واحِدٍ مِن مَعْبُودِيهِ عُبُودِيَّتَهُ، ويَتَنازَعُوا فِيهِ بِعَبْدٍ يَتَشارَكُ فِيهِ جَمْعٌ، يَتَجاذَبُونَهُ ويَتَعاوَرُونَهُ في مُهِمّاتِهِمُ المُخْتَلِفَةِ في تَحَيُّرِهِ وتَوَزُّعِ قَلْبِهِ، والمُوَحِّدُ بِمَن خَلَصَ لِواحِدٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ ورَجُلًا بَدَلٌ مِن مَثَلًا وفِيهِ صِلَةُ شُرَكاءُ، والتَّشاكُسُ والتَّشاخُصُ الِاخْتِلافُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ سَلَمًا بِفَتْحَتَيْنِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ اللّامِ وثَلاثَتُها مَصادِرُ سَلِمَ نُعِتَ بِها، أوْ حُذِفَ مِنها ذا و«رَجُلٌ سالِمٌ» أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ، وتَخْصِيصُ الرَّجُلِ لِأنَّهُ أفْطَنُ لِلضُّرِّ والنَّفْعِ.
﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ صِفَةً وحالًا ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ ولِذَلِكَ وحَّدَهُ، وقُرِئَ «مَثَلَيْنِ» لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ النَّوْعِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ عَلى يَسْتَوِيانِ في الوَصْفَيْنِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَثَلَيْنِ فَإنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ومَثَلَ رَجُلٍ.
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ كُلَّ الحَمْدِ لَهُ لا يُشارِكُهُ فِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ، لِأنَّهُ المُنْعِمُ بِالذّاتِ والمالِكُ عَلى الإطْلاقِ.
﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً} بدل {فِيهِ شُرَكَآءُ متشاكسون} متنازعون ومختلفون {وَرَجُلاً سَلَماً} مصدر سلم والمعنى ذا سلامة {لِرَجُلٍ} أي ذا خلوص له من الشركة سالماً مكي وأبو عمرو واى خالصاً له {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} صفة وهو تمييز والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقريء مثلين {الحمد للَّهِ} الذي لا إله إلا هو {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فيشركون به
الزمر (٣٣ - ٣٠)
غيره مثل الكافر
ومعبوديه بعبد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع واختلاف وكل واحد منهم يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى وهو متحير لا يدري أيهم يرضي بخدمته وعلى أيهم يعتمد في حاجاته وممن يطلب رزقه وممن يلتمس رفقه فهمه شعاع وقلبه أوزاع والمؤمن بعبد له سيد واحد فهّمه واحد وقلبه مجتمع
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ﴾ إيرادٌ لِمَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ الحِكْمَةَ في ضَرْبِها هو التَّذَكُّرُ، والِاتِّعاظُ بِها، وتَحْصِيلُ التَّقْوى، والمُرادُ بِضَرْبِ المَثَلِ ها هُنا تَطْبِيقُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها، وجَعْلُها مِثْلَها، و ﴿ مَثَلا ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِضَرَبَ، و ﴿ رَجُلا ﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ أُخِّرَ عَنِ الثّانِي لِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ، ولِيَتَّصِلَ بِهِ ما هو مِن تَتِمَّتِهِ الَّتِي هي العُمْدَةُ في التَّمْثِيلِ، أوْ ﴿ مَثَلا ﴾ مَفْعُولُ ضَرَبَ، و ﴿ رَجُلا ﴾ إلَخْ، بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ ﴿ رَجُلا ﴾ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ مَثَلًا في رَجُلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ.
و ﴿ فِيهِ ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و ﴿ شُرَكاءُ ﴾ مُبْتَدَأٌ، و ﴿ مُتَشاكِسُونَ ﴾ صِفَتُهُ، والنَّكِرَةُ وإنْ وُصِفَتْ يَحْسُنُ تَقْدِيمُ خَبَرِها.
والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿ رَجُلا ﴾ والرّابِطُ الهاءُ أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، و ﴿ شُرَكاءُ ﴾ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُوفِ، وقِيلَ: ﴿ فِيهِ ﴾ صِلَةُ شُرَكاءَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُتَشاكِسُونَ، وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ لِتَقْدِيمِهِ نُكْتَةٌ ظاهِرَةٌ.
والمَعْنى: ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ حَسْبَما يَقُودُ إلَيْهِ مَذْهَبُهُ مِنَ ادِّعاءِ كُلٍّ مِن مَعْبُودِيَّةِ عُبُودِيَّتِهِ عَبْدًا يَتَشارَكُ فِيهِ جَماعَةٌ مُتَشاجِرُونَ لِشَكاسَةِ أخْلاقِهِمْ، وسُوءِ طَبائِعِهِمْ يَتَجاذَبُونَهُ، ويَتَعاوَرُونَهُ في مُهِمّاتِهِمُ المُتَبايِنَةِ في تَحَيُّرِهِ، وتَوَزُّعِ قَلْبِهِ، ﴿ ورَجُلا ﴾ أيْ وضَرَبَ لِلْمُوَحِّدِ مَثَلًا رَجُلًا، ﴿ سَلَمًا ﴾ أيْ خالِصًا، ﴿ لِرَجُلٍ ﴾ فَرْدٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ سَبِيلٌ إلَيْهِ أصْلًا، فَهو في راحَةٍ عَنِ التَّحَيُّرِ، وتَوَزُّعِ القَلْبِ، وضَرَبَ الرَّجُلَ مَثَلًا، لِأنَّهُ أفْطَنُ لِما شَقِيَ بِهِ، أوْ سَعِدَ، فَإنَّ الصَّبِيَّ، والمَرْأةَ قَدْ يَغْفُلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ”سالِمًا“ اسْمَ فاعِلٍ مِن سَلِمَ، أيْ خالِصًا لَهُ مِنَ الشَّرِكَةِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ”سِلْمًا“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وقُرِئَ ”سَلْمًا“ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وهُما مَصْدَرانِ، وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ.
وقُرِئَ ”ورَجُلٌ سالِمٌ“ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ، وجُوِّزَ أنْ لا يُقَدَّرَ شَيْءٌ، ويَكُونَ رَجُلٌ مُبْتَدَأً، وسالِمٌ خَبَرَهُ، لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِاسْتِوائِهِما، ونَفْيٌ لَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما، أوْ يَتَلَعْثَمَ في الحُكْمِ بِتَبايُنِهِما ضَرُورَةَ أنَّ أحَدَهُما في لَوْمٍ وعَناءٍ، والآخَرَ في راحَةِ بالٍ ورِضاءٍ، وقِيلَ: ضَرُورَةَ أنَّ أحَدَهُما في أعْلى عِلِّيِّينَ، والآخَرَ في أسْفَلِ سافِلِينَ، وأيًّا ما كانَ، فالسِّرُّ في إبْهامِ الفاضِلِ والمَفْضُولِ الإشارَةُ إلى كَمالِ الظُّهُورِ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى شُعُورٍ.
وانْتِصابُ ﴿ مَثَلا ﴾ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما وحالُهُما، والِاقْتِصارُ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ لِبَيانِ الجِنْسِ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ وقُرِئَ ”مَثَلَيْنِ“ أيْ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما وحالاهُما، وثُنِّيَ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّمْيِيزِ حاصِلٌ بِالإفْرادِ مِن غَيْرِ لَبْسٍ لِقَصْدِ الإشْعارِ بِمَعْنًى زائِدٍ، وهو اخْتِلافُ النَّوْعِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ يَسْتَوِيانِ لِلْمَثَلَيْنِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ فِيما سَبَقَ مَثَلُ رَجُلٍ، ومَثَلُ رَجُلٍ، أيْ هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ، وهو عَلى نَحْوِ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ، وهو مِن بابِ: لِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ فارِسًا، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى هَلْ يَسْتَوِيانِ رَجُلَيْنِ فِيما ضُرِبَ مِنَ المِثالِ، ولَمّا كانَ المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي هي كالمَثَلِ كانَ المَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ، وتَنْبِيهٌ لِلْمُوَحِّدِينَ عَلى أنَّ ما لَهم مِنَ المَزِيَّةِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّها نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ تَقْتَضِي الدَّوامَ عَلى حَمْدِهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، أوْ عَلى أنَّ بَيانَهُ تَعالى بِضَرْبِ المَثَلِ أنَّ لَهُمُ المَثَلَ الأعْلى ولِلْمُشْرِكِينَ مَثَلَ السَّوْءِ، صُنْعٌ جَمِيلٌ ولُطْفٌ تامٌّ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - مُسْتَوْجِبٌ لِحَمْدِهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ، وهُمُ المُشْرِكُونَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ، أوْ لَيْسُوا مِن ذَوِي العِلْمِ، فَلا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَيَبْقَوْنَ في ورْطَةِ الشِّرْكِ والضَّلالِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ الكُلَّ مِنهُ تَعالى، وأنَّ المَحامِدَ إنَّما هي لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ، فالكَلامُ مِن تَتِمَّةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ولا اعْتِراضَ، ولا يَخْفى أنَّ بِناءَ الكَلامِ عَلى الِاعْتِراضِ كَما سَمِعْتَ أوْلى، <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ أي: فأدخله في الأرض فجعله ينابيع.
يعني: عيوناً في الأرض تنبع.
ويقال: فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ يعني: جارياً في الأرض، وهي تجري فيها.
ويقال: جعل فيها أنهاراً وعيوناً ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أحمر، وأصفر، وأخضر، ثُمَّ يَهِيجُ أي: يتغير فَتَراهُ مُصْفَرًّا أي: يابساً بعد الخضرة.
ويقال: ثُمَّ يَهِيجُ يعني: ييبس.
ويقال: يَهِيجُ أي: يتم، ويشتد من هاج يهيج.
أي: تم يتم فَتَراهُ مُصْفَرًّا متغيراً عن حاله، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً قال القتبي: حُطاماً مثل الرفات، والفتات.
وقال الزجاج: الحطام ما تفتت، وتكسر من النبت.
وقال مقاتل: حُطاماً يعني: هالكاً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى أي: فيما ذكر لعظة لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني: لذوي العقول من الناس أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يعني: وسع الله قلبه للإسلام.
ويقال: لين الله قلبه لقبول التوحيد، فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ يعني: على هدى من الله تعالى.
وجوابه مضمر.
يعني أفمن شرح الله صدره للإسلام، واهتدى، كمن طبع على قلبه، وختم على قلبه فلم يهتد.
ويقال: فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ يعني: القرآن.
لأن فيه بيان الحلال والحرام.
فهو على نور من ربه لمن تمسك به.
ويقال: على نور يعني: التوحيد، والمعرفة.
وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قالوا: فكيف ذلك يا رسول الله؟
قال: «إذا دَخَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ انْفَسَحَ، وَانْشَرَحَ» .
قالوا: فهل لذلك علامة؟
قال: «نَعَمْ.
التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، وَالإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» .
ثم قال: فَوَيْلٌ يعني: الشدة من العذاب لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ يعني: لمن قست، ويبست قلوبهم، مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تعالى.
ويقال: القاسية.
الخالية من الخير، أُولئِكَ يعني: أهل هذه الصفة فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: في خطأ بيّن.
قوله عز وجل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني: أحكم الحديث، وهو القرآن.
وذلك أن المسلمين قالوا لبعض مؤمني أهل الكتاب، نحو عبد الله بن سلام: أخبرنا عن التوراة، فإن فيها علم الأولين والآخرين.
فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني: أنزل عليكم أحسن الحديث، وهو القرآن.
ويقال: أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني: أحسن من سائر الكتب، لأن سائر الكتب صارت منسوخة بالقرآن، كِتاباً مُتَشابِهاً يعني: يشبه بعضه بعضاً، ولا يختلف.
ويقال: مُتَشابِهاً يعني: موافقاً لسائر الكتب في التوحيد، وفي بعض الشرائع.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: مُتَشابِهاً يعني: خياراً لا رذالة فيه.
ويقال: مُتَشابِهاً اشتبه على الناس تأويله.
ثم قال: مَثانِيَ يعني: أن الأنباء، والقصص، تثنى فيه.
ويقال: سمي مثاني، لأن فيه سورة المثاني.
يعني: سورة الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
ثم قال: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ يعني: ترتعد مما فيه من الوعيد، جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ.
ويقال: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ يعني: تتحرك مما في القرآن من الوعيد.
ويقال: ترتعد منه الفرائض.
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ يعني: بعد الاقشعرار إِلى ذِكْرِ اللَّهِ من آية الرحمة، والمغفرة.
يعني: إذا قرأت آيات الرجاء، والرحمة، تطمئن قلوبهم، وتسكن، ذلِكَ يعني: القرآن هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ يعني: بالقرآن من يشاء الله أن يهديه إلى دينه وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: لا يقدر أحد أن يهديه، بعد خذلان الله تعالى.
قوله عز وجل: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يعني: أفمن يدفع بوجهه شدة سوء العذاب، وجوابه مضمر.
يعني: هل يكون حاله كحال من هو في الجنة.
يعني: ليس الضال الذي تصل النار إلى وجهه، كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه، ليسا سواء.
وقال أهل اللغة: أصل الاتقاء في اللغة، الإوتقاء، وهو التستر.
يعني: وجهه إلى النار كالذي لا يفعل ذلك به.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يجر على وجهه في النار، وهذا كقوله: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) [فصلت: 40] ويقال: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ معناه: أنه يلقى في النار مغلولاً، لا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ يعني: للكافرين، ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من التكذيب.
قوله عز وجل: كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: من قبل قومك، رسلهم، فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: لا يعلمون، ولا يحتسبون، وهم غافلون.
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ العذاب فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ يعني: أعظم مما عذبوا به في الدنيا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ولكنهم لا يعلمون.
<div class="verse-tafsir"
مِنْ ذلك ذكره عبد الحَقِّ في «العاقبة» ، وغيرهم ممن لا يحصى كثرةً، ومن كلام عزِّ الدين بن عَبْدِ السَّلامِ- رحمه اللَّه- في قواعده الصغرى قال: وقَدْ يَصِيحُ بَعْضُهُمْ لِغَلَبَةِ الحَالِ عَلَيْهِ، وَإلْجَائِهَا إِيَّاهُ إلى الصِّيَاحِ، وهو في ذلك مَعْذُورٌ، ومَنْ صَاحَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمُتَصَنِّعٌ لَيْسَ مِنَ القَوْمِ في شَيْءٍ، وكذلِكَ من أظهر شيئاً من الأحوال رياءً أو تسميعاً، فإنه ملحَقٌ بالفجَّار دونَ الأبْرَارِ، انتهى.
وقوله تعالى: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يحتملُ أَنْ يشيرَ إلى القرآن ويحتملُ أنْ يشير إلى الخَشْيَةِ واقشعرار الجُلُودِ، أيْ: ذلك أَمَارَةُ هدَى اللَّهِ.
قال الغَزَّالِيُّ في «الإحياء» : والمُسْتَحَبُّ من التالِي للقرآن أن يَتأثر قلبهُ بآثار مختلفةٍ بحسْبِ اخْتِلاَفِ الآيات، فيكون له بحسَبِ كُلِّ فهمٍ حالٌ يَتَّصِفُ به قلبُهُ من الحُزْن والخَوْفِ والرجاءِ وغَيْرِ ذلك، ومَهْمَا تَمَّتْ معرفتُهُ كانَتِ الخشْيَةُ أَغْلَبَ الأحْوَالِ على قلبهِ، انتهى، قال الشيخ الوليُّ عبد اللَّه بن أبي جمرة: وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قيامِهِ يَكْسُوهُ من كل آية يَقْرَؤُهَا حَالٌ يُنَاسِبُ معنى تلكَ الآية، وكذلك يَنْبَغِي أن تَكُونَ تلاوةُ/ القرآن وألاَّ يكونَ تالِيهِ كمثل الحمار يحمل أسفارا، انتهى.
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)
وقوله تعالى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ ...
الآية، تقريرٌ بمعنى التَّعْجِيبِ، والمعنى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بوجْهِهِ سُوءَ العَذَابِ كَالمُنَعَّمِينَ في الجنةِ، قال مجاهد «١» : يَتَّقِي بِوَجْهِهِ، أي: يُجَرُّ على وَجْهِه في النَّارِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذلك لِمَا رُوِيَ أنَّ الكافرَ يلقى في النارِ مكتُوفاً مربوطةً يداه إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، ويُكَبُّ على وجهِه، فليس له شَيْءٌ يَتَّقِي به إلا وَجْهَهُ، وقالت فرقَة: المعنى في ذلك صفةُ كَثْرَةِ مَا يَنَالُهُمْ من العذابِ يتَّقِيهِ بِكَلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُ حتى بِوَجْهِهِ الذي هُوَ أشْرَفُ جوارحِهِ، وهذا المعنى أَبْيَنُ بلاغةً، ثم مَثَّلَ لقريشٍ بالأمم الذين مِنْ قبلهم، وما نالَهُمْ من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ ﴾ أيْ: شِدَّتُهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ؟
وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولًا، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَها إلّا بِوَجْهِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أيْ: جَزاءُ كَسْبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ: وهم آَمِنُونَ غافِلُونَ عَنِ العَذابِ، ﴿ فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ ﴾ يَعْنِي الهَوانُ والعَذابُ، ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ ﴾ مِمّا أصابَهم في الدُّنْيا ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ ﴾ أيْ: وصَفْنا لَهم ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَبَهٍ يُشْبِهُ أحْوالَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "عَرَبِيًّا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآَنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، فَذَكَرَ "قُرْآَنًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، وجاءَنِي عَمْرٌو إنْسانًا عاقِلًا، فَذَكَرَ رَجُلًا وإنْسانًا تَوْكِيدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فَأذاقَهُمُ اللهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ هَذا تَقْرِيرٌ بِمَعْنى التَعَجُبِ، والمَعْنى: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ؟
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ ﴾ ، فَقالَ مُجاهِدٌ: يَجْثُو عَلى وجْهِهِ في النارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لِما رُوِيَ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النارِ مَكْتُوفًا مَرْبُوطَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، ويُكَبُّ عَلى وجْهِهِ، فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يَتَّقِي بِهِ إلّا وجْهَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى صِفَةُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَتَّقِيهِ بِجَمِيعِ جَوارِحِهِ وفِيهِ حَواسُّهُ، فَإذا بَلَغَ بِهِ العَذابُ إلى هَذِهِ الغايَةِ ظَهَرَ أنَّهُ لا مُتَجاوَزَ بَعْدَها.
وهَذا المَعْنى عِنْدِي أقْيَسُ بَلاغَةً، وفي هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشاعِرِ: يَلْقى السُيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عَظِيمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ مِنهُ حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ مَعْناهُ: باشِرُوا، وهُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ.
ثُمَّ مَثَّلَ لِقُرَيْشٍ بِالأُمَمِ السالِفَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِما نالَ تِلْكَ الأُمَمَ مِن كَوْنِها في الدُنْيا أحادِيثَ مُلَعَّنَةً، وأُخْرى أعْظَمَ مِن هَذا، مَعَ ما نالَ نُفُوسَهم مِنَ الألَمِ والذُلِّ والكَرْبِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ أكْبَرُ مِن هَذا كُلِّهِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا.
وقَوْلُهُ: ﴿ "قُرْآنًا"، ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَصْبٌ عَلى الحالِ و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نُصِبَ عَلى التَوْطِئَةِ لِلْحالِ، والحالُ قَوْلُهُ: ﴿ "عَرَبِيًّا"، ﴾ ونَفى عنهُ العِوَجَ لِأنَّهُ لا اخْتِلافَ فِيهِ ولا تَناقُضَ ولا مَغْمَزَ بِوَجْهٍ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: غَيْرُ مُتَضادٍّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ، وقالَ السُدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وقالَ بَكْرٌ المُزَنِيُّ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
و"العِوَجُ" بِكَسْرِ العَيْنِ في الأمْرُ، وبِفَتْحِها في الأشْخاصِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف وهو من قبيل التعرض إلى المقصود بعد المقدمة فإن قوله: ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ [الروم: 58] توطئة لهذا المثل المضروب لحال أهل الشرك وحال أهل التوحيد، وفي هذا الانتقال تخلص أُتبع تذكيرهم بما ضرب لهم في القرآن من كل مثل على وجه إجماللِ العموم استقصاءً في التذكير ومعاودة للإِرشاد، وتخلصاً من وصف القرآن بأن فيه من كل مثل، إلى تمثيل حال الذين كفروا بحاللٍ خاص.
فهذا المثل متصل بقوله تعالى: ﴿ أفَمَن شرَحَ الله صدرَهُ للإسلامِ ﴾ إلى قوله: ﴿ أُولئِكَ في ضَلاللٍ مُبينٍ ﴾ [الزمر: 22]، فهو مثل لحال من شرح الله صدرهم للإِسلام وحال من قَست قلوبهم.
ومجيء فعل ﴿ ضَرَبَ الله ﴾ بصيغة الماضي مع أن ضَرْب هذا المثل ما حصل إلا في زمن نزول هذه الآية لتقريب زمن الحال من زمن الماضي لقصد التشويق إلى علم هذا المثل فيجعل كالإِخبار عن أمر حصل لأن النفوس أرغب في علمه كقول المثوِّب: قد قامت الصلاة.
وفيه التنبيه على أنه أمر محقق الوقوع كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وضرب اللَّه مثلاً قرية ﴾ في سورة [النحل: 112].
أما صاحب «الكشاف» فجعل فِعل ﴿ ضرب ﴾ مستعملاً في معنى الأمر إذ فسره بقوله: اضرِبْ لهم مثلاً وقُل لهم ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء، إلى آخر كلامه، فكان ظاهر كلامه أن الخبر هنا مستعمل في الطلب، فقرره شارحوه الطيبي والقزويني والتفتزاني بما حاصل مجموعه: أنه أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع قوله: ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرءان من كُلّ مثلٍ ﴾ [الزمر: 27] عَلِم أنه سينزل عليه مَثَل من أمثال القرآن فأنبأه الله بصدق ما عَلمه وجعَله لتحققه كأنه ماض.
وليلائم توجيه الاستفهام إليهم بقوله: هَلْ يَسْتَوِيَاننِ مثلاً } (فإنه سؤال تبكيت) فتلتئم أطراف نظم الكلام، فعُدل عن مقتضى الظاهر من إلقاء ضرب المثل بصيغة الأمر إلى إلقائه بصيغة المضيّ لإِفادة صدق علم النبي صلى الله عليه وسلم وكل هذا أدق معنى وأنسب ببلاغة القرآن مِن قول من جعل المضي في فعل ﴿ ضَرَب ﴾ على حقيقته وقال: إن معناه: ضرب المثل في علمه فأخبِرْ به قومك.
فالذي دعا الزمخشري إلى سلوك هذا المعنى في خصوص هذه الآية هو رعي مناسبات اختص بها سياق الكلام الذي وقعت فيه، ولا داعي إليه في غيرها من نظائر صيغتها مما لم يوجد لله فيه مقتضضٍ لِنحو هذا المحمل، ألا ترى أنه لا يتأتى في نحو قوله: ﴿ ألم تر كيف ضرب اللَّه مثلاً كلمة ﴾ كما في سورة [إبراهيم: 24]، وقد أشرنا إليه عند قوله: ﴿ وضرب اللَّه مثلاً قرية ﴾ في سورة [النحل: 112].
وقد يقال فيه وفي نظائره: إن العدول عن أن يصاغ بصيغة الطلب كما في قوله: ﴿ واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية ﴾ [يس: 13]، ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين ﴾ [الكهف: 32] ﴿ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ﴾ [الكهف: 45] إلى أن صيغ بصيغة الخبر هو التوسل إلى إسناده إلى الله تنويهاً بشأن المثل كما أشرنا إليه في سورة النحل.
وإسناد ضَرْب المثل إلى الله لأنه كوَّن نظمه بدون واسطة ثم أوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فالقرآن كلّه من جَعْل الله سواء في ذلك أمثاله وغيرها، وهو كله مأمور رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغه، فكأنه قال له: ضَرب الله مثلاً فاضْرِبه للناس وبيَّنْه لهم، إذ المقصود من ضرب هذا المثل محاجّة المشركين وتبكيتهم به في كشف سوء حالتهم في الإِشراك، إذ مقتضى الظاهر أن يجري الكلام على طريقة نظائره كقوله: ﴿ واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية ﴾ [يس: 13]، وكذلك ما تقدم من الأمر في نحو قوله: ﴿ قُلْ هل يَسْتَوي الذين يعلمُونَ والذين لا يعلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]، ﴿ قُلْ يا عِبَادِ الذينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُم ﴾ [الزمر: 10]، ﴿ قُلْ إني أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ الله ﴾ [الزمر: 11]، ﴿ قُللِ الله أعْبُد ﴾ [الزمر: 14]، ﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ ﴾ [الزمر: 15]، ﴿ فَبَشّرْ عِبَادِ ﴾ [الزمر: 17].
(وقد يُتطلب وجهه التفرقة بين ما صيغ بصيغة الخبر وما صيغ بصيغة الطلب فنفرق بين الصنفين بأن ما صيغ بصيغة الخبر كان في مقاممٍ أهمَّ لأنه إمّا تمثيل لإِبطال الإِشراك، وإمّا لوعيد المشركين، وإمّا لنحو ذلك، خلافاً لما صيغ بصيغة الخبر فإنه كائن في مقام العبرة والموعظة للمسلمين أو أهل الكتاب، وهذا ما أشرنا إليه إجمالاً في سورة النحل.
وقوله: ﴿ رَّجُلاً فيهِ شُرَكَاءُ ﴾ وما بعده في موضع البيان ل ﴿ مَثَلاً ﴾ .
وجَعْل الممثَّل به حالة رجل ليس للاحتراز عن امرأة أو طفل ولكن لأن الرجل هو الذي يسبق إلى أذهان الناس في المخاطبات والحكايات، ولأن ما يراد من الرجل من الأعمال أكثر مما يراد من المرأة والصبيّ، ولأن الرجل أشدّ شعوراً بما هو فيه من الدعة أو الكدّ، وأما المرأة والصبي فقد يغفلان ويلهيان.
وجملة ﴿ فِيهِ شُرَكَاءُ ﴾ نعت ل ﴿ رَّجُلاً ﴾ ، وتقديم المجرور على ﴿ شُرَكَاءُ ﴾ لأن خبر النكرة يحسن تقديمه عليها إذا وصفت، فإذا لم توصف وجب تقديم الخبر لكراهة الابتداء بالنكرة.
ومعنى ﴿ فِيهِ شُرَكَاءُ ﴾ : في ملكه شركاء.
والتشاكس: شدة الاختلاف، وشدّة الاختلاف في الرجل الاختلاف في استخدامه وتوجيهه.
وقرأ الجمهور ﴿ سَلَماً ﴾ بفتح السين وفتح اللام بعدها ميم وهو اسم مصدر: سَلِم له، إذا خَلَص.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ [المؤمنون: 91]، ويبقى هو ضائعاً لا يدري على أيهم يعتمد، فوهمه شَعاع، وقلبه أوزاع، بحال مملوك اشترك فيه مالكون لا يخلون من أن يكون بينهم اختلاف وتنازع، فهم يتعاورونه في مهن شتّى ويتدافعونه في حوائجهم، فهو حيران في إرضائهم تَعبان في أداء حقوقهم لا يستقل لحظة ولا يتمكن من استراحة.
ويقابله تمثيل حال المسلم الموحّد يقوم بما كلّفه ربه عارفاً بمرضاته مؤملاً رضاه وجزاءه، مستقرَّ البال، بحال العبد المملوك الخالص لمالك واحد قد عرف مراد مولاه وعلم ما أوجبه عليه ففهمُه واحد وقلبه مجتمع.
وكذلك الحال في كل متّبع حق ومتبع باطل فإن الحق هو الموافق لما في الوجود والواقع، والباطلَ مخالف لما في الواقع، فمتبع الحق لا يعترضه ما يشوش عليه بالَه ولا ما يثقل عليه أعماله، ومتبع الباطل يتعَثر به في مزالق الخُطَى ويتخبط في أعماله بين تناقض وخَطأ.
ثم قال: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَاننِ مَثَلاً ﴾ ، أي هل يكون هذان الرجلان المشبهان مستويين حالاً بعد ما علمتم من اختلاف حالي المشبهين بهما.
والاستفهام في قوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ ﴾ يجوز أن يكون تقريرياً، ويجوز أن يكون إنكارياً، وجيء فيه ب ﴿ هَلْ ﴾ لتحقيق التقرير أو الإِنكار.
وانتصب ﴿ مَثَلاً ﴾ على التمييز لنسبة ﴿ يَسْتَوِيَانِ ﴾ .
والمثل: الحال.
والتقدير: هل يستوي حالاهما، والاستواء يقتضي شيئين فأكثر، وإنما أفرد التمييز المراد به الجنس، وقد عرف التعدد من فاعل ﴿ يَسْتَوِيَانِ ﴾ ولو أسند الفعل إلى ما وقع به التمييز لقيل: هل يستوي مثلاهما.
وجملة ﴿ الحَمْدُ لله ﴾ يجوز أن تكون جواباً للاستفهام التقريري بناء على أن أحد الظرفين المقرر عليهما محقق الوقوع لا يسع المقررَ عليه إلا الإِقرار به، فيقَدَّرون: أنهم أقروا بعدم استوائهما في الحالة، أي بأن أحدهما أفضل من الآخر، فإن مثل هذا الاستفهام لا ينتظِر السائل جواباً عنه، فلذلك يصح أن يتولى الجواب عنه قبلَ أن يجيب المسؤول كقوله تعالى: ﴿ عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم ﴾ [النبأ: 1 2]، وقد يبنى على أن المسؤول اعترف فيؤتى بما يناسب اعترافه كما هنا، فكأنهم قالوا: لا يستويان، وذلك هو ما يبتغيه المتكلم من استفهامه، فلما وافق جوابهم بغية المستفهم حمد الله على نهوض حجته، فتكون الجملة استئنافاً، فموقعها كموقع النتيجة بعد الدليل، وتكون جملة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قرينة على أنهم نزّلوا منزلة مَن علم فأقر وأنهم ليسوا كذلك في نفس الأمر، ويجوز أن تكون معترضة إذا جعل الاستفهام إنكارياً فتكون معترضة بين الإنكار وبين الإضراب الانتقالي في قوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أي لا يعلمون عدم استواء الحالتين ولو علموا لاختاروا لأنفسهم الحسنى منهما، ولَمَا أصرُّوا على الإِشراك.
وأفاد هذا أن ما انتحلوه من الشرك وتكاذيبه لا يمتّ إلى العلم بصلة فهو جهالة واختلاق.
و ﴿ بل ﴾ للإِضراب الانتقالي.
وأسند عدم العلم لأكثرهم لأن أكثرهم عامة أتباعٌ لزعمائهم الذين سنُّوا لهم الإِشراك وشرائعَه انتفاعاً بالجاه والثناء الكاذب بحيث غَشَّى ذلك على عملهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكافِرَ يُسْحَبُ عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ.
الثّانِي: لِأنَّ النّارَ تَبْدَأُ بِوَجْهِهِ إذا دَخَلَها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن مَأْمَنِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: فَجْأةً، قالَهُ يَحْيى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ﴾ قال: الرجل يعبد آلهة شتى.
فهذا مثل ضربه الله تعالى لأهل الأوثان ﴿ ورجلاً سلماً ﴾ يعبد إلهاً واحداً ضرب لنفسه مثلاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ﴾ قال: هو المشرك تنازعه الشياطين لا يعرفه بعضهم لبعض ﴿ ورجلاً سلماً لرجل ﴾ قال: هذا المؤمن أخلص لله الدعوة والعبادة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل ﴾ قال: آلهة الباطل وإله الحق.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ شركاء متشاكسون ﴾ يعني الصنم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ورجلاً سلماً ﴾ قال: ليس لأحد فيه شيء.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأها ﴿ ورجلاً سلماً لرجل ﴾ بغير ألف منصوبة اللام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مبشر بن عبيد القرشي رضي الله عنه قال: قراءة عبدالله بن عمر رضي الله عنه ﴿ ورجلاً سلماً لرجل ﴾ قال: خالصاً لرجل.
فإنما يعني مستسلماً لرجل.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ ﴾ أي متنازعون متظالمون، وقيل: متشاجرون وأصله من قولك: رجل شكس إذا كان ضيق الصدر، والمعنى ضرب هذا المثل لبيان حال من يشرك بالله ومن يوحده، فشبه المشرك بمملوك بين جماعة من الشركاء يتنازعون فيه، والمملوك بينهم في أسوء حال، وشبه من يوحد الله بمملوك الرجل واحد، فمعنى قوله: ﴿ سَلَماً لِّرَجُلٍ ﴾ أي خالصاً له وقرئ سلماً بغير ألف والمعنى واحد.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ كأنه لم يذكر مقابل هذا في هذا الموضع، فجائز أن يكون مقابله ما تقدم، وهو قوله: أفمن جعل له الغرف على الغرف تجري من تحتها الأنهار كمن يتقي بوجهه سوء العذاب، ليس هذا كذاك، ولا أحد يتقي بوجهه سوء العذاب، لكن يخرج ذكر ذلك على وجوه: أحدها: كناية عن الشفعاء وأهل النصر، كأنّه يقول: لا يكون لهم من يشفع أو يملك دفع العذاب عنهم.
أو تكون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم بلا يد له يتقي بها سوء العذاب عن وجهه؛ لأن في الشاهد من أصاب شيئاً من العذاب يتقي ذلك العذاب عن وجهه بيده، فيخبر أن لا يد له في الآخرة يتقي العذاب بها عن وجهه؛ بل يصيب العذاب وجهه، فكأنما يتقي به.
أو أن يكون ذكر الوجه كناية عن نفسه، وهو ما ذكرنا ألا يكون له من يملك دفع العذاب عنه.
أو أن يكون ذكر الوجه كناية عن قلبه أي: يصل وجع ذلك العذاب إلى قلبه، ولا يملك دفعه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ .
يحتمل أي: ذوقوا جزاء ما كنتم تكسبون.
أو يقول: ذوقوا ما اخترتم من الكسب، وهذا بما اخترتم؛ لأنه قد بين لهم الكسبين جميعاً، وما يكون لكل كسب في العاقبة، فاختاروا هم الكسب الذي كان عاقبته الذي أصابهم، فكأنهم اختاروا ذلك الذي حل بهم باختيارهم ذلك الكسب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ ليخوفهم ويحذرهم ما نزل بالمتقدمين بتكذيب الرسل والعناد بعد ما حذرهم رسول الله بالبعث، وما حل بهم يوم القيامة بذلك؛ فإذ لم يصدقوه فيما يحذرهم يوم القيامة حذرهم بالذى انتهى إليهم الخبر، يعني: رسول الله ؛ ليحذروا.
وقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي: من حيث لا يأمنون العذاب أنى: ينزل بهم.
وقوله: ﴿ فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْيَ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ العذاب الذي نزل بهم في الدنيا ليس هو عذاب الكفر، إنما هو عذاب العناد، والتعنت، وأفعال فعلوها في حال الكفر، فهو في الآخرة أبد الآبدين فيه، خالدين مخلدين فيه؛ ولذلك قال: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ضرب الله مثلًا للمشرك والموحد رجلًا مملوكًا لشركاء متنازعين؛ إن أرضى بعضهم أغضب بعضًا، فهو في حيرة واضطراب، ورجلًا خالصًا لرجل، وحده يملكه، ويعرف مراده فهو في طمأنينة وهدوء بال، لا يستوي هذان الرجلان.
الحمد لله، بل معظمهم لا يعلمون، فلذلك يشركون مع الله غيره.
<div class="verse-tafsir" id="91.qELqk"