تفسير الآية ٣١ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٣١ من سورة الزمر

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ٣١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣١ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن أبي حاتم ، رحمه الله : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا سفيان ، عن محمد بن عمرو ، عن ابن حاطب - يعني يحيى بن عبد الرحمن - عن ابن الزبير ، عن الزبير قال : لما نزلت : ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) قال الزبير : يا رسول الله ، أتكرر علينا الخصومة ؟

قال : " نعم " .

قال : إن الأمر إذا لشديد .

وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان ، وعنده زيادة : ولما نزلت : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) [ التكاثر : 8 ] قال الزبير : أي رسول الله ، أي نعيم نسأل عنه ؟

وإنما - يعني : هما الأسودان : التمر والماء - قال : " أما إن ذلك سيكون " .

وقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجه ، من حديث سفيان ، به .

وقال الترمذي : حسن .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا ابن نمير حدثنا محمد - يعني ابن عمرو - عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن عبد الله بن الزبير ، عن الزبير بن العوام قال : لما نزلت هذه السورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) قال الزبير : أي رسول الله ، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟

قال : " نعم ليكررن عليكم ، حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه " .

قال الزبير : والله إن الأمر لشديد .

ورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو به وقال : حسن صحيح .

وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي عشانة ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أول الخصمين يوم القيامة جاران " .

تفرد به أحمد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفسي بيده ، إنه ليختصم ، حتى الشاتان فيما انتطحتا " تفرد به أحمد .

وفي المسند عن أبي ذر ، رضي الله عنه [ أنه ] قال : رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاتين ينتطحان ، فقال : " أتدري فيم ينتطحان يا أبا ذر ؟

" قلت : لا .

قال : " لكن الله يدري وسيحكم بينهما " .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا سهل بن بحر ، حدثنا حيان بن أغلب ، حدثنا أبي ، حدثنا ثابت عن أنس [ رضي الله عنه ] ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يجاء بالإمام الخائن يوم القيامة ، فتخاصمه الرعية فيفلجون عليه ، فيقال له : سد ركنا من أركان جهنم " .

ثم قال : الأغلب بن تميم ليس بالحافظ .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) يقول : يخاصم الصادق الكاذب ، والمظلوم الظالم ، والمهدي الضال ، والضعيف المستكبر .

.

وقد روى ابن منده في كتاب " الروح " ، عن ابن عباس أنه قال : يختصم الناس يوم القيامة ، حتى تختصم الروح مع الجسد ، فتقول الروح للجسد : أنت فعلت .

ويقول الجسد للروح : أنت أمرت ، وأنت سولت .

فيبعث الله ملكا يفصل بينهما ، فيقول [ لهما ] إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير والآخر ضرير ، دخلا بستانا ، فقال المقعد للضرير : إني أرى هاهنا ثمارا ، ولكن لا أصل إليها .

فقال له الضرير : اركبني فتناولها ، فركبه فتناولها ، فأيهما المعتدي ؟

فيقولان : كلاهما .

فيقول لهما الملك .

فإنكما قد حكمتما على أنفسكما .

يعني : أن الجسد للروح كالمطية ، وهو راكبه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن أحمد بن عوسجة ، حدثنا ضرار ، حدثنا أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة ، حدثنا القمي - يعني يعقوب بن عبد الله - عن جعفر بن المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر [ رضي الله عنهما ] قال : نزلت هذه الآية ، وما نعلم في أي شيء نزلت : ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) [ قال ] قلنا : من نخاصم ؟

ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة ، فمن نخاصم ؟

حتى وقعت الفتنة فقال ابن عمر : هذا الذي وعدنا ربنا - عز وجل - نختصم فيه .

ورواه النسائي عن محمد بن عامر ، عن منصور بن سلمة ، به .

وقال أبو العالية [ في قوله ] ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) قال : يعني أهل القبلة .

وقال ابن زيد : يعني أهل الإسلام وأهل الكفر .

وقد قدمنا أن الصحيح العموم ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) يقول: ثم إن جميعكم المؤمنين والكافرين يوم القيامة عند ربكم تختصمون فيأخذ للمظلوم منكم من الظالم, ويفصل بين جميعكم بالحقّ.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: عنى به اختصام المؤمنين والكافرين, واختصام المظلوم والظالم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) يقول: يخاصم الصادق الكاذب, والمظلوم الظالم, والمهتدي الضال, والضعيف المستكبر.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) قال: أهل الإسلام وأهل الكفر.

حدثني ابن البرقي, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: ثنا ابن الدراوردي , قال: ثني محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن الزبير, قال: لما نـزلت هذه الآية: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) قال الزبير: يا رسول الله, أينكر علينا ما كان بيننا فى الدنيا مع خواصّ الذنوب ؟

فقال النبي: صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم " نَعَمْ حتى يُؤَدَّى إلى كُلِّ ذي حَقٍّ حَقُّهُ.

وقال آخرون: بل عني بذلك اختصام أهل الإسلام.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد, عن ابن عمر, قال: نـزلت علينا هذه الآية وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة, فقلنا: هذا الذي وعدنا ربُّنا أن نختصم في ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ).

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: ثنا ابن عون, عن إبراهيم , قال: لما نـزلت: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ ) ...

الآية, قالوا: ما خصومتنا بيننا ونحن إخوان, قال: فلما قُتل عثمان بن عفان, قالوا: هذه خصومتنا بيننا.

حُدثت عن ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, في قوله ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) قال: هم أهل القبلة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: عني بذلك: إنك يا محمد ستموت , وإنكم أيها الناس ستموتون, ثم إن جميعكم أيها الناس تختصمون عند ربكم, مؤمنكم وكافركم, ومحقوكم ومبطلوكم, وظالموكم ومظلوموكم, حتى يؤخذ لكلّ منكم ممن لصاحبه قبله حق حقُّه.

وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب لأن الله عم بقوله: ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) خطاب جميع عباده, فلم يخصص بذلك منهم بعضا دون بعض, فذلك على عمومه على ما عمه الله به ، وقد تنـزل الآية في معنى, ثم يكون داخلا في حكمها كلّ ما كان في معنى ما نـزلت به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمونقوله تعالى : إنك ميت وإنهم ميتون وقرأ ابن محيصن وابن أبي عبلة وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق " إنك مائت وإنهم مائتون " وهي قراءة حسنة وبها قرأ عبد الله بن الزبير .

النحاس : ومثل هذه الألف تحذف في الشواذ و " مائت " في المستقبل كثير في كلام العرب ، ومثله : ما كان مريضا وإنه لمارض من هذا الطعام .

وقال الحسن والفراء والكسائي : الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت ، والميت بالتخفيف من فارقته الروح ، فلذلك لم تخفف هنا .

قال قتادة : نعيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه ، ونعيت إليكم أنفسكم .

وقال ثابت البناني : نعى رجل إلى صلة بن أشيم أخا له فوافقه يأكل ، فقال : ادن فكل فقد نعي إلي أخي منذ حين ، قال : وكيف وأنا أول من أتاك بالخبر .

قال إن الله تعالى نعاه إلي فقال : إنك ميت وإنهم ميتون .

وهو خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - أخبره بموته وموتهم ، فاحتمل خمسة أوجه :[ أحدها ] أن يكون [ ص: 227 ] ذلك تحذيرا من الآخرة .

[ الثاني ] أن يذكره حثا على العمل .

[ الثالث ] أن يذكره توطئة للموت .

[ الرابع ] لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره ، حتى إن عمر - رضي الله عنه - لما أنكر موته احتج أبو بكر - رضي الله عنه - بهذه الآية فأمسك .

[ الخامس ] ليعلمه أن الله تعالى قد سوى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره ، لتكثر فيه السلوة وتقل فيه الحسرة .ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون يعني تخاصم الكافر والمؤمن والظالم والمظلوم ، قال ابن عباس وغيره .

وفي خبر فيه طول : إن الخصومة تبلغ يوم القيامة إلى أن يحاج الروح الجسد .

وقال الزبير : لما نزلت هذه الآية قلنا : يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟

قال : نعم ، ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه .

فقال الزبير : والله إن الأمر لشديد .

وقال ابن عمر : لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون فقلنا : وكيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد ، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف ، فعرفت أنها فينا نزلت .

وقال أبو سعيد الخدري : ( كنا نقول : ربنا واحد ، وديننا واحد ، ونبينا واحد ، فما هذه الخصومة ؟

فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا : نعم هو هذا ) .

وقال إبراهيم النخعي : لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : ما خصومتنا بيننا ؟

فلما قتل عثمان - رضي الله عنه - قالوا : هذه خصومتنا بيننا .

وقيل : تخاصمهم هو تحاكمهم إلى الله تعالى ، فيستوفي من حسنات الظالم بقدر مظلمته ، ويردها في حسنات من وجبت له .

وهذا عام في جميع المظالم كما في حديث أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أتدرون من المفلس ؟

قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع .

قال : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار خرجه مسلم .

وقد مضى المعنى مجودا في [ آل عمران ] وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه .

وفي الحديث المسند : أول ما تقع الخصومات في الدنيا وقد ذكرنا هذا الباب كله في التذكرة مستوفى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } فيما تنازعتم فيه، فيفصل بينكم بحكمه العادل، ويجازي كُلًّا ما عمله { أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) قال ابن عباس : يعني : المحق والمبطل ، والظالم والمظلوم .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا ابن فنجويه ، حدثنا ابن مالك ، حدثنا ابن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا ابن نمير ، حدثنا محمد - يعني - ابن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن عبد الله بن الزبير ، عن الزبير بن العوام قال : لما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " قال الزبير : أي رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟

قال : " نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه " قال الزبير : والله إن الأمر لشديد .

وقال ابن عمر : عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية أنزلت فينا وفي أهل الكتابين " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " قلنا : كيف نختصم وديننا وكتابنا واحد ؟

حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف ، فعرفت أنها نزلت فينا .

وعن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال : كنا نقول : ربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة ؟

فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا : نعم هو هذا .

وعن إبراهيم قال : لما نزلت : " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " قالوا : كيف نختصم ونحن إخوان ؟

فلما قتل عثمان قالوا : هذه خصومتنا ؟

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم ، فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له أخذ من سيئاته فجعلت عليه " .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، حدثنا أحمد بن علي الكشمهيني ، حدثنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أتدرون من المفلس " ؟

قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، قال : " إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، وكان قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيقضي هذا من حسناته وهذا من حسناته ، قال : فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم إنكم» أيها الناس فيما بينكم من المظالم «يوم القيامة عند ربكم تختصمون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنك -أيها الرسول- ميت وإنهم ميتون، ثم إنكم جميعًا- أيها الناس- يوم القيامة عند ربكم تتنازعون، فيحكم بينكم بالعدل والإنصاف.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما يكون بينه وبينهم يوم القيامة فقال؛ ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) .أى : ثم إنكم جميعا يوم القيامة عند ربكم وخالقكم تختصمون وتحتكمون ، فتقيم عليهم - أيها الرسول الكريم - الحجة ، بأنك قد بلغت الرسالة ، وهم يعتذرون بالأباطيل والتعليلات الكاذبة ، والأقوال الفاسدة ، وسينتقم ربك من الظالم للمظلوم ، ومن المبطل للمحق .هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث والآثار فقال ما ملخصه : ثم إن هذه الآية - وإن كان سياقها فى المؤمنين والكافرين ، وذكر الخصومة بينهم فى الدار الآخرة - فإنها شاملة لكل متنازعين فى الدنيا ، فإنه تعاد عيهم الخصومة فى الدار الآخرة .روى ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام - رضى الله عنه - قال : " لما نزلت هذه الآية قلت : يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة؟

قال : نعم .

قلت : إن الأمر إذا لشديد " .وروى الإِمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ " والذى نفسى بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا " .وقال ابن عباس : يخاصم الصادقُ الكاذبَ ، والمظلومُ الظالمَ ، والمهدىُّ الضالَّ ، والضعيفُ المُسْتَكْبِرَ .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله تعالى ووجوب الإعراض عن الدنيا بين بعد ذلك أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا شرح الله الصدور ونور القلوب فقال: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ ﴾ .

واعلم أنا بالغنا في سورة الأنعام في تفسير قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام  ﴾ في تفسير شرح الصدر وفي تفسير الهداية، ولا بأس بإعادة كلام قليل هاهنا، فنقول إنه تعالى خلق جواهر النفوس مختلفة بالماهية فبعضها خيرة نورانية شريفة مائلة إلى الإلهيات عظيمة الرغبة في الاتصال بالروحانيات، وبعضها نذلة كدرة خسيسة مائلة إلى الجسمانيات وفي هذا التفاوت أمر حاصل في جواهر النفوس البشرية، والاستقراء يدل على أن الأمر كذلك، إذا عرفت هذا فنقول المراد بشرح الصدر هو ذلك الاستعداد الشديد الموجود في فطرة النفس، وإذا كان ذلك الاستعداد الشديد حاصلاً كفى خروج تلك الحالة من القوة إلى الفعل بأدنى سبب، مثل الكبريت الذي يشتعل بأدنى نار، أما إذا كانت النفس بعيدة عن قبول هذه الجلايا القدسية والأحوال الروحانية، بل كانت مستغرقة في طلب الجسمانيات قليلة التأثر عن الأحوال المناسبة للإلهيات فكانت قاسية كدرة ظلمانية، وكلما كان إيراد الدلائل اليقينية والبراهين الباهرة عليها أكثر كانت قسوتها وظلمتها أقل.

إذا عرفت هذه القاعدة فنقول.

أما شرح الصدر فهو ما ذكرناه، وأما النور فهو عبارة عن الهداية والمعرفة، وما لم يحصل شرح الصدر أولا لم يحصل النور ثانياً، وإذا كان الحاصل هو القوة النفسانية لم يحصل الانتفاع ألبتة بسماع الدلائل، وربما صار سماع الدلائل سبباً لزيادة القسوة ولشدة النفرة فهذه أصول يقينية يجب أن تكون معلومة عند الإنسان حتى يمكنه الوقوف على معاني هذه الآيات، أما استدلال أصحابنا في مسألة الجبر والقدر وكلام الخصوم عليه فقد تقدم هناك، والله أعلم.

المسألة الثانية: من محذوف الخبر كما في قوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ  ﴾ والتقدير: أفمن شرح الله صدره للإسلام فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته، والجواب متروك لأن الكلام المذكور دل عليه وهو قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله ﴾ .

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله ﴾ فيه سؤال، وهو أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان كما قال: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  ﴾ فكيف جعله في هذه الآية سبباً لحصول قسوة القلب، والجواب أن نقول إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والأخلاق الذميمة، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورة، وتقرير هذا الكلام بالأمثلة فإن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، وقد نرى إنساناً واحداً يذكر كلاماً واحداً في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، وما ذاك إلا ما ذكرناه من اختلاف جواهر النفوس، ومن اختلاف أحوال تلك النفوس، ولما نزل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ وكان قد حضر هناك عمر بن الخطاب وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ قال كل واحد منهم: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن طِينٍ  ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ  ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ  ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب فهكذا أنزلت فازداد عمر إيماناً على إيمان وازداد ذلك الإنسان كفراً على كفر، إذا عرفت هذا لم يبعد أيضاً أن يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، ويوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية، إذا عرفت هذا فنقول إن رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورئيسها هو ذكر الله تعالى، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله تعالى سبباً لازدياد مرضها كان مرض تلك النفس مرضاً لا يرجى زواله ولا يتوقع علاجه وكانت في نهاية الشر والرداءة، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله أُوْلَئِكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ وهذا كلام كامل محقق، ولما بين تعالى ذلك أردفه بما يدل على أن القرآن سبب لحصول النور والشفاء والهداية وزيادة الاطمئنان، والمقصود منه بيان أن القرآن لما كان موصوفاً بهذه الصفات، ثم إنه في حق ذلك الإنسان صار سبباً لمزيد القسوة دل ذلك على أن جوهر تلك النفس قد بلغ في الرداءة والخساسة إلى أقصى الغايات، فنقول إنه تعالى وصف القرآن بأنواع من صفات الكمال.

الصفة الأولى: قوله تعالى: ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه حديثاً في هذه الآيات وفي آيات أخرى منها قوله تعالى: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ  ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿ أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ  ﴾ والحديث لابد وأن يكون حادثاً، قالوا بل الحديث أقوى في الدلالة على الحدوث من الحادث لأنه يصح أن يقال هذا حديث وليس بعتيق، وهذا عتيق وليس بحادث، فثبت أن الحديث هو الذي يكون قريب العهد بالحديث، وسمي الحديث حديثاً لأنه مؤلف من الحروف والكلمات، وتلك الحروف والكلمات تحدث حالا فحالا وساعة فساعة، فهذا تمام تقرير هذا الوجه.

أما الوجه الثاني: في بيان استدلال القوم أن قالوا: إنه تعالى وصفه بأنه نزله والمنزل يكون في محل تصرف الغير.

وما يكون كذلك فهو محدث وحادث.

وأما الوجه الثالث: في بيان استدلال القوم أن قالوا: إن قوله أحسن الحديث يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث كما أن قوله زيد أفضل الإخوة يقتضي أن يكون زيد مشاركاً لأولئك الأقوام في صفة الأخوة ويكون من جنسهم، فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث، ولما كان سائر الأحاديث حادثة وجب أيضاً أن يكون القرآن حادثاً.

أما الوجه الرابع: في الاستدلال أن قالوا: إنه تعالى وصفه بكونه كتاباً والكتاب مشتق من الكتبة وهي الاجتماع، وهذا يدل على أنه مجموع جامع ومحل تصرف متصرف.

وذلك يدل على كونه محدثاً والجواب: أن نقول نحمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من الحروف والأصوات والألفاظ والعبارات، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق، والله أعلم.

المسألة الثانية: كون القرآن أحسن الحديث، إما أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه أو بحسب معناه.

القسم الأول: أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه وذلك من وجهين: الأول: أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة الثاني: أن يكون بحسب النظم في الأسلوب، وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر، ولا من جنس الخطب.

ولا من جنس الرسائل، بل هو نوع يخالف الكل، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذه.

القسم الثاني: أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى، وفيه وجوه: الأول: أنه كتاب منزه عن التناقض، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المعجزات الوجه الثاني: اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل الوجه الثالث: أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جداً.

وضبط هذه العلوم أن نقول: العلوم النافعة هي ما ذكره الله في كتابه في قوله: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير  ﴾ فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره للعلوم النافعة.

أما القسم الأول: وهو الإيمان بالله، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام: معرفة الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء.

أما معرفة الذات فهي أن يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه.

وأما معرفة الصفات فهي نوعان: أحدهما: ما يجب تنزيهه عنه، وهو كونه جوهراً ومركباً من الأعضاء والأجزاء وكونه مختصاً بحيز وجهة، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة: ليس ولم وما ولا، وهذه الأربعة المذكورة، مذكورة في كتاب الله تعالى لبيان التنزيه.

أما كلمة ليس، فقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ وأما كلمة لم، فقوله: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ  ﴾ وأما كلمة ما، فقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  ﴾ ، ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  ﴾ وأما كلمة لا، فقوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ  ﴾ ، وقوله في سبعة وثلاثين موضعاً من القرآن ﴿ لاَ إله إِلاَّ الله  ﴾ .

وأما النوع الثاني: وهي الصفات التي يجب كونه موصوفاً بها من القرآن فأولها العلم بالله، والعلم بكونه محدثاً خالقاً، قال تعالى: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ * السموات والأرض  ﴾ .

وثانيها: العلم بكونه قادراً، قال تعالى في أول سورة القيامة ﴿ بلى قادرين على أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ  ﴾ وقال في آخر هذه السورة ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِىَ الموتى  ﴾ .

وثالثها: العلم بكونه تعالى عالماً، قال تعالى: ﴿ هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغيب والشهادة  ﴾ .

ورابعها: العلم بكونه عالماً بكل المعلومات، قال تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى  ﴾ .

وخامسها: العلم بكونه حياً، قال تعالى: ﴿ هُوَ الحى لاَ إله إِلاَّ هُوَ فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ .

وسادسها: العلم بكونه مريداً، قال الله تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام  ﴾ .

وسابعها: كونه سميعاً بصيراً، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ السميع البصير  ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى  ﴾ .

وثامنها: كونه متكلما، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله  ﴾ .

وتاسعها: كونه أمراً، قال تعالى: ﴿ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ  ﴾ .

وعاشرها: كونه رحماناً رحيماً مالكاً، قال تعالى: ﴿ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ  مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ فهذا ما يتعلق بمعرفة الصفات التي يجب اتصافه بها.

وأما القسم الثالث: وهو الأفعال، فاعلم أن الأفعال إما أرواح وإما أجسام.

أما الأرواح فلا سبيل للوقوف عليها إلا للقليل، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ  ﴾ وأما الأجسام، فهي إما العالم الأعلى وإما العالم الأسفل.

أما العالم الأعلى فالبحث فيه من وجوه: أحدها: البحث عن أحوال السموات.

وثانيها: البحث عن أحوال الشمس والقمر كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِى الليل النهار يطلبهُ حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره  ﴾ .

وثالثها: البحث عن أحوال الأضواء، قال الله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والأرض  ﴾ وقال تعالى: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً  ﴾ .

ورابعها: البحث عن أحوال الظلال، قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً  ﴾ .

وخامسها: اختلاف الليل والنهار، قال الله تعالى: ﴿ يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل  ﴾ .

وسادسها: منافع الكواكب، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظلمات البر والبحر  ﴾ .

وسابعها: صفات الجنة، قال تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض  ﴾ .

وثامنها: صفات النار، قال تعالى: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ  ﴾ .

وتاسعها: صفة العرش، قال تعالى: ﴿ الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ  ﴾ .

وعاشرها: صفة الكرسي، قال تعالى: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض  ﴾ وحادي عشرها: صفة اللوح والقلم.

أما اللوح، فقوله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ  فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍۭ  ﴾ وأما القلم، فقوله تعالى: ﴿ ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ  ﴾ .

وأما شرح أحوال العالم الأسفل فأولها: الأرض، وقد وصفها بصفات كثيرة إحداها: كونه مهداً، قال تعالى: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض مَهْداً  ﴾ .

وثانيها: كونه مهاداً، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا  ﴾ .

وثالثها: كونه كفاتاً، قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ  أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا  ﴾ .

ورابعها: الذلول، قال تعالى: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً  ﴾ .

وخامسها: كونه بساطاً، قال تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا  لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا  ﴾ والكلام فيه طويل.

وثانيها: البحر، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا  ﴾ .

وثالثها: الهواء والرياح.

قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ  ﴾ .

ورابعها: الآثار العلوية كالرعد والبرق، قال تعالى: ﴿ وَيُسَبّحُ الرعد بِحَمْدِهِ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ  ﴾ ومن هذا الباب ذكر الصواعق والأمطار وتراكم السحاب.

وخامسها: أحوال الأشجار والثمار وأنواعها وأصنافها.

وسادسها: أحوال الحيوانات، قال تعالى: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ  ﴾ وقال: ﴿ والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ  ﴾ .

وسابعها: عجائب تكوين الإنسان في أول الخلقة، قال: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ  ﴾ .

وثامنها: العجائب في سمعه وبصره ولسانه وعقله وفهمه.

وتاسعها: تواريخ الأنبياء والملوك وأحوال الناس من أول خلق العالم إلى آخر قيام القيامة.

وعاشرها ذكر أحوال الناس عند الموت وبعد الموت، وكيفية البعث والقيامة، وشرح أحوال السعداء والأشقياء، فقد أشرنا إلى عشرة أنواع من العلوم في عالم السموات، وإلى عشرة أخرى في عالم العناصر، والقرآن مشتمل على شرح هذه الأنواع من العلوم العالية الرفيعة.

وأما القسم الرابع: وهو شرح أحكام الله تعالى وتكاليفه، فنقول هذه التكاليف إما أن تحصل في أعمال القلوب أو في أعمال الجوارح.

أما القسم الأول: فهو المسمى بعلم الأخلاق وبيان تمييز الأخلاق الفاضلة والأخلاق الفاسدة والقرآن يشتمل على كل ما لابد منه في هذا الباب، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى  ﴾ ، وقال: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين  ﴾ .

وأما الثاني: فهو التكاليف الحاصلة في أعمال الجوارح وهو المسمى بعلم الفقه والقرآن مشتمل على جملة أصول هذا العلم على أكمل الوجوه.

وأما القسم الخامس: وهو معرفة أسماء الله تعالى فهو مذكور في قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا  ﴾ فهذا كله يتعلق بمعرفة الله.

وأما القسم الثاني: من الأصول المعتبرة في الإيمان الإقرار بالملائكة كما قال تعالى: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ  ﴾ والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال وأخرى على طريق التفصيل، أما بالإجمال فقوله: ﴿ وَمَلَئِكَتُهُ ﴾ وأما بالتفصيل فمنها ما يدل على كونهم رسل الله قال تعالى: ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً  ﴾ ومنها أنها مدبرات لهذا العالم، قال تعالى: ﴿ فالمقسمات أَمْراً  ﴾ ﴿ فالمدبرات أَمْراً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ والصافات صَفَّا  ﴾ ومنها حملة العرش قال: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية  ﴾ ومنها الحافون حول العرش قال: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش  ﴾ ومنها خزنة النار قال تعالى: ﴿ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ  ﴾ ومنها الكرام الكاتبون قال: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ  كِرَامًا كَٰتِبِينَ  ﴾ ومنها المعقبات قال تعالى: ﴿ لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ  ﴾ وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين.

وأما القسم الثالث: من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الكتب والقرآن يشتمل على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ  ﴾ ومنها أحوال صحف إبراهيم عليه السلام قال تعالى: ﴿ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ ومنها أحوال التوراة والإنجيل والزبور.

وأما القسم الرابع: من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الرسل والله تعالى قد شرح أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال: ﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ  ﴾ .

القسم الخامس: ما يتعلق بأحوال المكلفين وهي على نوعين الأول: أن يقروا بوجوب هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله: ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ .

الثاني: أن يعترفوا بصدور التقصير عنهم في تلك الأعمال ثم طلبوا المغفرة وهو المراد من قوله: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ ثم لما كانت مقادير رؤية التقصير في مواقف العبودية بحسب المكاشفات في مطالعة عزة الربوبية أكثر، كانت المكاشفات في تقصير العبودية أكثر وكان قوله: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ أكثر.

القسم السادس: معرفة المعاد والبعث والقيامة وهو المراد من قوله: ﴿ وَإِلَيْكَ المصير  ﴾ وهذا هو الإشارة إلى معرفة المطالب المهمة في طلب الدين، والقرآن بحر لا نهاية له في تقرير هذه المطالب وتعريفها وشرحها ولا ترى في مشارق الأرض ومغاربها كتاباً يشتمل على جملة هذه العلوم كما يشتمل القرآن عليها.

ومن تأمل في هذا التفسير علم أنا لم نذكر من بحار فضائل القرآن إلا قطرة، ولما كان الأمر على هذه الجملة، لا جرم مدح الله عز وجل القرآن فقال تعالى: ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ ، والله أعلم.

الصفة الثانية: من صفات القرآن قوله تعالى: ﴿ كتابا متشابها ﴾ أما الكتاب فقد فسرناه في قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ  ﴾ وأما كونه متشابهاً فاعلم أن هذه الآية تدل على أن القرآن كله متشابه.

وقوله: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات  ﴾ يدل على كون البعض متشابهاً دون البعض.

وأما كونه كله متشابهاً كما في هذه الآية، فقال ابن عباس: معناه أنه يشبه بعضه بعضاً، وأقول هذا التشابه يحصل في أمور أحدها: أن الكاتب البليغ إذا كتب كتاباً طويلاً، فإنه يكون بعض كلماته فصيحاً، ويكون البعض غير فصيح، والقرآن يخالف ذلك فإنه فصيح كامل الفصاحة بجميع أجزائه.

وثانيها: أن الفصيح إذا كتب كتاباً في واقعة بألفاظ فصيحة فلو كتب كتاباً آخر في غير تلك الواقعة كان الغالب أن كلامه في الكتاب الثاني غير كلامه في الكتاب الأول، والله تعالى حكى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن وكلها متساوية متشابهة في الفصاحة.

وثالثها: أن كل ما فيه من الآيات والبيانات فإنه يقوي بعضها بعضاً ويؤكد بعضها بعضاً.

ورابعها: أن هذه الأنواع الكثيرة من العلوم التي عددناها متشابهة متشاركة في أن المقصود منها بأسرها الدعوة إلى الدين وتقرير عظمة الله، ولذلك فإنك لا ترى قصة من القصص إلا ويكون محصلها المقصود الذي ذكرناه، فهذا هو المراد من كونه متشابهاً، والله الهادي.

الصفة الثالثة: من صفات القرآن كونه مثَاني وقد بالغنا في تفسير هذه اللفظة عند قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني  ﴾ وبالجملة فأكثر الأشياء المذكورة وقعت زوجين زوجين مثل: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمفصل، وأحوال السموات والأرض، والجنة والنار، والظلمة والضوء، واللوح والقلم، والملائكة والشياطين، والعرش والكرسي، والوعد والوعيد، والرجاء والخوف، والمقصود منه بيان أن كل ما سوى الحق زوج ويدل على أن كل شيء مبتلى بضده ونقيضه وأن الفرد الأحد الحق هو الله سبحانه.

الصفة الرابعة: من صفات القرآن قوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: معنى ﴿ تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ ﴾ تأخذهم قشعريرة وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف، قال المفسرون: والمعنى أنهم عند سماع آيات الرحمة والإحسان يحصل لهم الفرح فتلين قلوبهم إلى ذكر الله، وأقول إن المحققين من العارفين قالوا: السائرون في مبدأ إجلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشوا، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا، ويجب علينا أن نذكر في هذا الباب مزيد شرح وتقرير، فنقول الإنسان إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب تنزيه الله عن التحيز والجهة.

فهنا يقشعر جلده، لأن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارج ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، مما يصعب تصوره فهاهنا تقشعر الجلود، أما إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب أن يكون فرداً أحداً، وثبت أن كل متحيز فهو منقسم فهاهنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله.

وأيضاً إذا أراد أن يحيط عقله بمعنى الأزل فيتقدم في ذهنه بمقدار ألف ألف سنة ثم يتقدم أيضاً بحسب كل لحظة من لحظات تلك المدة ألف ألف سنة، ولا يزال يحتال ويتقدم ويتخيل في الذهن، فإذا بالغ وتوغل وظن أنه استحضر معنى الأزل قال العقل هذا ليس بشيء، لأن كل ما استحضرته في فهو متناه والأزل هو الوجود المتقدم على هذه المدة المتناهية، فهاهنا يتحير العقل ويقشعر الجلد، وأما إذا ترك هذا الاعتبار وقال هاهنا موجود والموجود إما واجب وإما ممكن، فإن كان واجباً فهو دائماً منزه عن الأول والآخر وإن كان ممكناً فهو محتاج إلى الواجب فيكون أزلياً أبدياً، فإذا اعتبر العقل فهم معنى الأزلية فهاهنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله، فثبت أن المقامين المذكورين في الآية لا يجب قصرهما على سماع آية العذاب وآية الرحمة، بل ذاك أول تلك المراتب وبعده مراتب لا حد لها ولا حصر في حصول تلك الحالتين المذكورتين.

المسألة الثانية: روى الواحدي في البسيط عن قتادة أنه قال: القرآن دل على أن أولياء الله موصوفون بأنهم عند المكاشفات والمشاهدات، تارة تقشعر جلودهم وأخرى تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.

وليس فيه أن عقولهم تزول وأن أعضاءهم تضطرب، فدل هذا على أن تلك الأحوال لو حصلت لكانت من الشيطان، وأقول هاهنا بحث آخر وهو أن الشيخ أبا حامد الغزالي أورد مسألة في كتاب إحياء علوم الدين، وهي أنا نرى كثيراً من الناس يظهر عليه الوجد الشديد التام عند سماع الأبيات المشتملة على شرح الوصل والهجر، وعند سماع الآيات لا يظهر عليه شيء من هذه الأحوال، ثم إنه سلم هذا المعنى وذكر العذر فيه من وجوه كثيرة، وأنا أقول: إني خلقت محروماً عن هذا المعنى، فإني كلما تأملت في أسرار القرآن اقشعر جلدي وقف على شعري وحصلت في قلبي دهشة وروعة، وكلما سمعت تلك الأشعار غلب الهزل علي وما وجدت ألبتة في نفسي منها أثراً، وأظن أن المنهج القويم والصراط المستقيم هو هذا، وبيانه من وجوه: الأول: أن تلك الأشعار كلمات مشتملة على وصل وهجر وبغض وحب تليق بالخلق، وإثباته في حق الله تعالى كفر، وأما الانتقال من تلك الأحوال إلى معان لائقة بجلال الله فلا يصل إليها إلا العلماء الراسخون في العلم، وأما المعاني التي يشتمل عليها القرآن فهي أحوال لائقة بجلال الله، فمن وقف عليها عظم الوله في قلبه، فإن من كان عنده نور الإيمان وجب أن يعظم اضطرابه عند سماع قوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ  ﴾ إلى آخر الآية والثاني: وهو أني سمعت بعض المشايخ قال كما أن الكلام له أثر فكذلك صدور ذلك الكلام من القائل المعين له أثر، لأن قوة نفس القائل تعين على نفاذ الكلام في الروح، والقائل في القرآن هنا هو الله بواسطة جبريل بتبليغ الرسول المعصوم، والقائل هناك شاعر كذاب مملوء من الشهوة وداعية الفجور والثالث: أن مدار القرآن على الدعوة إلى الحق قال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ  صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ  ﴾ وأما الشعر فمداره على الباطل قال تعالى: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ  أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ  وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ  ﴾ فهذه الوجوه الثلاثة فروق ظاهرة، وأما ما يتعلق بالوجدان من النفس فإن كل أحد إنما يخبر عما يجده من نفسه والذي وجدته من النفس والعقل ما ذكرته، والله أعلم.

المسألة الثالثة: في بيان ما بقي من المشكلات في هذه الآية ونذكرها في معرض السؤال والجواب.

السؤال الأول: كيف تركيب لفظ القشعريرة الجواب: قال صاحب الكشاف تركيبه من حروف التقشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها حرف رابع وهو الراء ليكون رباعياً ودالاً على معنى زائد يقال: اقشعر جلده من الخوف وقف شعره، وذلك مثل في شدة الخوف.

السؤال الثاني: كيف قال: ﴿ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ وما الوجه في تعديه بحرف إلى؟

والجواب: التقدير تلين جلودهم وقلوبهم حال وصولها إلى حضرة الله وهو لا يحس بالإدراك.

السؤال الثالث: لم قال: ﴿ إلى ذكر الله ﴾ ولم يقل إلى ذكر رحمة الله؟

والجواب: أن من أحب الله لأجل رحمته فهو ما أحب الله، وإنما أحب شيئاً غيره، وأما من أحب الله لا لشيء سواه فهذا هو المحب المحق وهو الدرجة العالية، فلهذا السبب لم يقل ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمة الله بل قال إلى ذكر الله، وقد بين الله تعالى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام  ﴾ وفي قوله: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  ﴾ وأيضاً قال لأمة موسى: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  ﴾ وقال أيضاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ  ﴾ .

السؤال الرابع: لم قال في جانب الخوف قشعريرة الجلود فقط، وفي جانب الرجاء لين الجلود والقلوب معاً؟

والجواب: لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، لأن الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض ومحل المكاشفات هو القلوب والأرواح، والله أعلم.

ثم إنه تعالى لما وصف القرآن بهذه الصفات قال: ﴿ ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ فقوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الكتاب وهو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده وهو الذي شرح صدره أولاً لقبول هذه الهداية ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ أي من جعل قلبه قاسياً مظلماً بليد الفهم منافياً لقبول هذه الهداية ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ واستدلال أصحابنا بهذه الآية وسؤالات المعتزلة وجوابات أصحابنا عين ما تقدم في قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ فاعلم أنه تعالى حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وبحكم في الآخرة، أما حكمهم في الدنيا فهو الضلال التام كما قال: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  ﴾ وأما حكمهم في الآخرة فهو العذاب الشديد وهو المراد من قوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ وتقريره أن أشرف الأعضاء هو الوجه لأنه محل الحسن والصباحة، وهو أيضاً صومعة الحواس، وإنما يتميز بعض الناس عن بعض بسبب الوجه، وأثر السعادة والشقاوة لا يظهر إلا في الوجه قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ  ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ  ﴾ ويقال لمقدم القوم يا وجه العرب، ويقال للطريق الدال على كنه حال الشيء وجه كذا هو كذا، فثبت بما ذكرنا أن أشرف الأعضاء هو الوجه، فإذا وقع الإنسان في نوع من أنواع العذاب فإنه يجعل يده وقاية لوجهه وفداءً له، وإذا عرفت هذا فنقول: إذا كان القادر على الاتقاء يجعل كل ما سوى الوجه فداء للوجه لا جرم حسن جعل الاتقاء بالوجه كناية عن العجز عن الاتقاء، ونظيره قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب أي لا عيب فيهم إلا هذا وهو ليس بعيب فلا عيب فيهم إذن بوجه من الوجوه، فكذا هاهنا لا يقدرون على الاتقاء بوجه من الوجوه إلا بالوجه وهذا ليس باتقاء، فلا قدرة لهم على الاتقاء ألبتة، ويقال أيضاً إن الذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه ولا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، إذا عرفت هذا فنقول: جوابه محذوف وتقديره أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة كمن هو آمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره، وسوء العذاب شدته.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلظَّلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ولما بين الله تعالى كيفية عذاب القاسية قلوبهم في الآخرة بين أيضاً كيفية وقوعهم في العذاب في الدنيا فقال: ﴿ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ وهذا تنبيه على حال هؤلاء لأن الفاء في قوله: ﴿ فأتاهم العذاب ﴾ تدل على أنهم إنما أتاهم العذاب بسبب التكذيب، فإذا كان التكذيب حاصلاً هاهنا لزم حصول العذاب استدلالاً بالعلة على المعلول، وقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي من الجهة التي لا يحسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، بينما هم آمنون إذ أتاهم العذاب من الجهة التي توقعوا الأمن منها، ولما بين أنه أتاهم العذاب في الدنيا بين أيضاً أنه أتاهم الخزي وهو الذل والصغار والهوان، والفائدة في ذكر هذا القيد أن العذاب التام هو أن يحصل فيه الألم مقروناً بالهوان والذل.

ثم قال: ﴿ وَلَعَذَابُ الأخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ يعني أن أولئك وإن نزل عليهم العذاب والخزي كما تقدم ذكره، فالعذاب المدخر لهم في يوم القيامة أكبر وأعظم من ذلك الذي وقع.

والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب، فلما ذكر الله تعالى هذه الفوائد المتكاثرة والنفائس المتوافرة في هذه المطالب، بين تعالى أنه بلغت هذه البيانات إلى حد الكمال والتمام فقال: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ والمقصود ظاهر، وقالت المعتزلة دلت الآية على أن أفعال الله وأحكامه معللة، ودلت أيضاً على أنه يريد الإيمان والمعرفة من الكل لأن قوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ ﴾ مشعر بالتعليل، وقوله في آخر الآية: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ مشعر بالتعليل أيضاً، ومشعر بأن المقصود من ضرب هذه الأمثال إرادة حصول التذكر والعلم، ولما كانت هذه البيانات النافعة والبينات الباهرة موجودة في القرآن، لا جرم وصف القرآن بالمدح والثناء، فقال: ﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ يدل على أنه تعالى إنما ذكر هذه الأمثال ليحصل لهم التذكر، والشيء الذي يؤتى به لغرض آخر يكون محدثاً، فإن القديم هو الذي يكون موجوداً في الأزل، وهذا يمتنع أن يقال إنه إنما أتى به لغرض كذا وكذا، والثاني: أنه وصفه بكونه عربياً وإنما كان عربياً لأن هذه الألفاظ إنما صارت دالة على هذه المعاني بوضع العرب وباصطلاحهم، وما كان حصوله بسبب أوضاع العرب واصطلاحاتهم كان مخلوقاً محدثاً الثالث: أنه وصفه بكونه قرآناً والقرآن عبارة عن القراءة والقراءة مصدر والمصدر هو المفعول المطلق فكان فعلاً ومفعولاً والجواب: أنا نحمل كل هذه الوجوه على الحروف والأصوات وهي حادثة ومحدثة.

المسألة الثانية: قال الزجاج قوله: ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ منصوب على الحال والمعنى ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه ويجوز أن ينتصب على المدح.

المسألة الثالثة: أنه تعالى وصفه بصفات ثلاثة أولها: كونه قرآناً، والمراد كونه متلواً في المحاريب إلى قيام القيامة، كما قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون  ﴾ .

وثانيها: كونه عربياً والمراد أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا  ﴾ .

وثالثها: كونه غير ذي عوج والمراد براءته عن التناقض، كما قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ وأما قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ فالمعتزلة يتمسكون به في تعليل أحكام الله تعالى.

وفيه بحث آخر: وهو أنه تعالى قال في الآية الأولى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ والسبب فيه أن التذكر متقدم على الاتقاء، لأنه إذا تذكره وعرفه ووقف على فحواه وأحاط بمعناه، حصل الاتقاء والاحتراز، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

واضرب لقومك مثلاً، وقل لهم: ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع: كل واحد منهم يدعي أنه عبده، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى ومشادة، وإذا عنت له حاجة تدافعوه، فهو متحير في أمره سادر قد تشعبت الهموم قلبه وتوزعت أفكاره، لا يدري أيهم يرضى بخدمته؟

وعلى أيهم يعتمد في حاجاته.

وفي آخر: قد سلم لمالك واحد وخلص له، فهو معتنق لما لزمه من خدمته، معتمد عليه فيما يصلحه، فهمه واحد وقلبه مجتمع، أيُّ هذين العبدين أحسن حالاً وأجمل شأناً؟

والمراد: تمثيل حال من يثبت آلهة شتى، وما يلزمه على قضية مذهبه من أن يدعي كل واحد منهم عبوديته، ويتشاكسوا في ذلك ويتغالبوا، كما قال تعالى: ﴿ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ [المؤمنون: 91] ويبقى هو متحيراً ضائعاً لا يدري أيهم يعبد؟

وعلى ربوبية أيهم يعتمد؟

وممن يطلب رزقه؟

وممن يلتمس رفقه؟

فهمه شعاع وقلبه أو زاع، وحال من لم يثبت إلا إلها واحداً، فهو قائم بما كلفه، عارف بما أرضاه وما أسخطه، متفضل عليه في عاجله، مؤمل للثواب من آجله.

و ﴿ فِيهِ ﴾ صلة شركاء، كما تقول: اشتركوا فيه.

والتشاكس والتشاخس: الاختلاف، تقول: تشاكست أحواله، وتشاخست أسنانه، سالماً لرجل خالصاً.

وقرئ: ﴿ سلماً ﴾ بفتح الفاء والعين، وفتح الفاء وكسرها مع سكون العين، وهي مصادر سلم.

والمعنى: ذا سلامة لرجل، أي: ذا خلوص له من الشركة، من قولهم: سلمت له الضيعة.

وقرئ بالرفع على الابتداء، أي: وهناك رجل سالم لرجل، وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد، فإن المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ هل يستويان: صفة على التمييز، والمعنى: هل يستوي صفتاهما وحالاهما، وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس.

وقرئ: ﴿ مثلين ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَأَكْثَرَ أموالا وأولادا ﴾ [التوبة: 69] مع قوله: ﴿ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ ويجوز فيمن قرأ: مثلين، أن يكون الضمير في ﴿ يَسْتَوِيانِ ﴾ للمثلين، لأن التقدير: مثل رجل ومثل رجل.

والمعنى: هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفية، كما تقول: كفى بهما رجلين ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ الواحد الذي لا شريك له دون كل معبود سواه، أي: يجب أن يكون الحمد متوجهاً إليه وحده والعبادة، فقد ثبت أنه لا إله إلاّ هو ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ فيشركون به غيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ لِلْمُشْرِكِ والمُوَحِّدِ.

﴿ رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ مِثْلَ المُشْرِكِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ مِن أنْ يَدَّعِيَ كُلُّ واحِدٍ مِن مَعْبُودِيهِ عُبُودِيَّتَهُ، ويَتَنازَعُوا فِيهِ بِعَبْدٍ يَتَشارَكُ فِيهِ جَمْعٌ، يَتَجاذَبُونَهُ ويَتَعاوَرُونَهُ في مُهِمّاتِهِمُ المُخْتَلِفَةِ في تَحَيُّرِهِ وتَوَزُّعِ قَلْبِهِ، والمُوَحِّدُ بِمَن خَلَصَ لِواحِدٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ ورَجُلًا بَدَلٌ مِن مَثَلًا وفِيهِ صِلَةُ شُرَكاءُ، والتَّشاكُسُ والتَّشاخُصُ الِاخْتِلافُ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ سَلَمًا بِفَتْحَتَيْنِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ اللّامِ وثَلاثَتُها مَصادِرُ سَلِمَ نُعِتَ بِها، أوْ حُذِفَ مِنها ذا و«رَجُلٌ سالِمٌ» أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ، وتَخْصِيصُ الرَّجُلِ لِأنَّهُ أفْطَنُ لِلضُّرِّ والنَّفْعِ.

﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ صِفَةً وحالًا ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ ولِذَلِكَ وحَّدَهُ، وقُرِئَ «مَثَلَيْنِ» لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ النَّوْعِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ عَلى يَسْتَوِيانِ في الوَصْفَيْنِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَثَلَيْنِ فَإنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلَ رَجُلٍ ومَثَلَ رَجُلٍ.

﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ كُلَّ الحَمْدِ لَهُ لا يُشارِكُهُ فِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ، لِأنَّهُ المُنْعِمُ بِالذّاتِ والمالِكُ عَلى الإطْلاقِ.

﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ إِنَّكُمْ} أي إنك وإياهم فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب {يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا واجتهدت في الدعوة فلجّوا في العناد ويعتذرون بمالا طائل تحته تقول الأتباع أطعنا ساداتنا وكبراءنا وتقول السادات أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون قال الصحابة رصى الله عنهم أجمعين ما خصومتنا ونحن إخوان فلما قتل عثمان رضى الله عنه قالوا هذه خصومتنا وعن أبي العالية نزلت في أهل القبلة وذلك في الدماء والمظالم التي بينهم والوجه هو الأوّل ألا ترى إلى قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ إنَّكُمْ ﴾ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ عَلى الغَيْبِ.

﴿ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ أيْ مالِكِ أُمُورِكُمْ، ﴿ تَخْتَصِمُونَ ﴾ فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ بَلَّغَتَهم ما أُرْسِلْتَ بِهِ، مِنَ الأحْكامِ والمَواعِظِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ، واجْتَهَدْتَ في دَعْوَتِهِمْ إلى الحَقِّ حَقَّ الِاجْتِهادِ، وهم قَدْ لَجُّوا في المُكابَرَةِ، والعِنادِ، ويَعْتَذِرُونَ بِالأباطِيلِ مِثْلَ: ﴿ أطَعْنا سادَتَنا ﴾ ، و ﴿ وجَدْنا آباءَنا ﴾ ، و ﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا ﴾ ، والجَمْعُ بَيْنَ ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِبَيانِ أنَّ اخْتِصامَهم ذَلِكَ في يَوْمٍ عَظِيمٍ عِنْدَ مالِكٍ لِأُمُورِهِمْ، نافِذٍ حُكْمُهُ فِيهِمْ، ولَوِ اكْتَفى بِالأوَّلِ لاحْتُمِلَ وُقُوعُ الِاخْتِصامِ فِيما بَيْنَهم بِدُونِ مُرافَعَةٍ وبِمُرافَعَةٍ، لَكِنْ لَيْسَتْ لَدى مالِكٍ لِأُمُورِهِمْ، والِاكْتِفاءُ بِالثّانِي عَلى تَسْلِيمِ فَهْمِ كَوْنِ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَهُ بِدُونِ احْتِمالٍ لا يَقُومُ مَقامَ ذِكْرِهِما لِما في التَّصْرِيحِ بِما هو كالعَلَمِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما فِيهِ، وقالَ جَمْعٌ: المُرادُ بِذَلِكَ الِاخْتِصامِ العامُّ فِيما جَرى في الدُّنْيا بَيْنَ الأنامِ لا خُصُوصُ الِاخْتِصامِ بَيْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وبَيْنَ الكَفَرَةِ الطَّغامِ، وفي الآثارِ ما يَأْبى الخُصُوصَ المَذْكُورَ.

أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ ﴾ إلَخْ، فَقالُوا: وما خُصُومَتُنا، ونَحْنُ إخْوانٌ فَلَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالُوا: هَذِهِ خُصُومَةُ ما بَيْنَنا، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ، ودِينُنا واحِدٌ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ، وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا: نَعَمْ، هو هَذا.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا، وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلُ، ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ ، قُلْنا: كَيْفَ نَخْتَصِمُ ونَبِيُّنا واحِدٌ، وكِتابُنا واحِدٌ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ بِلَفْظِ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ وما نَدْرِي فِيمَ نَزَلَتْ؟

قُلْنا: لَيْسَ بَيْنَنا خُصُومَةٌ فَما التَّخاصُمُ حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْتُ: هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ، «عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: (لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُنْكَرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ؟

قالَ: نَعَمْ، يُنْكَرُ ذَلِكَ عَلَيْكم حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ، قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ)».

وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الوَجْهَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى هو ما ذُكِرَ أوَّلًا، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ إلَخْ، وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ﴾ إلَخْ، لِدِلالَتِهِما عَلى أنَّهُما اللَّذانِ تَكُونُ الخُصُومَةُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا ﴾ إلَخْ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ في الكَشْفِ، فَقالَ: أقُولُ: قَدْ نُقِلَ عَنْ جِلَّةِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَهِمُوا الوَجْهَ الثّانِيَ، أيِ العُمُومَ بَلْ ظاهِرُ قَوْلِ النَّخَعِيِّ قالَتِ الصَّحابَةُ: ما خُصُومَتُنا، ونَحْنُ إخْوانٌ؟

يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَوْلُ الكُلِّ، فالوَجْهُ إيثارُ ذَلِكَ.

وتَحْقِيقُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ ﴾ كَلامٌ مَعَ الأُمَّةِ كُلِّهِمْ مُوَحِّدِهِمْ ومُشْرِكِهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا، ورَجُلًا بَلْ أكْثَرُهم دُونَ بَلْ، هم كالنَّصِّ عَلى ذَلِكَ، فَإذا قِيلَ: إنَّكَ مَيِّتٌ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى نَحْوِ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ ﴾ ، أيْ إنَّكم أيُّها النَّبِيُّ والمُؤْمِنُونَ، وأُبْهِمَ لِيَعُمَّ القَبِيلَيْنِ، ولا يَتَنافَرُ النَّظْمُ، فَقَدْ رُوعِيَ مِن مُفْتَتَحِ السُّورَةِ إلى هَذا المَقامِ التَّقابُلُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لا بَيْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وحْدَهُ وبَيْنَ الكُفّارِ، ثُمَّ إذا قِيلَ: ﴿ ثُمَّ إنَّكُمْ ﴾ عَلى التَّغْلِيبِ يَكُونُ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، فَهَذا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَساقُ الظّاهِرُ، ثُمَّ إذا كانَ المَوْتُ أمْرًا عَمَّهُ والنّاسَ جَمِيعًا، كانَ المَعْنى عَلَيْهِ أيْضًا، وأمّا حَدِيثُ الِاخْتِصامِ، والطِّباقِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ لِعُمُومِهِ يَشْمَلُهُ شُمُولًا أوَّلِيًّا، كَما حُقِّقَ هَذا المَعْنى مِرارًا.

والتَّعْقِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ مَصَبُّ الغَرَضِ، وأنَّ المَقْصُودَ التَّسَلُّقُ إلى تِلْكَ الخُصُومَةِ، ولا أُنْكِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَكِنْ أُنْكِرُ أنْ يَخْتَصَّ بِاخْتِصامِ النَّبِيِّ  وحْدَهُ والمُشْرِكِينَ، بَلْ يَتَناوَلُهُ أوَّلًا، وكَذَلِكَ اخْتِصامُ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، واخْتِصامُ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ كاخْتِصامِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ وقاتِلِيهِ، وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، وهم هم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ، انْتَهى، وكَأنَّهُ عَنى بِقَوْلِهِ، ولا أُنْكِرُ إلَخْ، رَدَّ ما يُقالُ: إنَّ ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ صَرَّحَ في النَّظْمِ الجَلِيلِ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا مُشْعِرًا بِالِاهْتِمامِ بِأمْرِ ذَلِكَ الِاخْتِصامِ، فَلَيْسَ هو إلّا اخْتِصامَ حَبِيبِهِ  مَعَ أعْدائِهِ الطَّغامِ، ووَجْهُ الرَّدِّ أنَّهُ إنْ سُلِّمَ أنَّ فائِدَةَ الجَمْعِ ما ذُكِرَ فَلا نُسَلِّمُ اسْتِدْعاءَ ذَلِكَ لِاعْتِبارِ الخُصُوصِ، بَلْ يَكْفِي لِلِاهْتِمامِ دُخُولُ اخْتِصامِ الحَبِيبِ مَعَ أعْدائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَتَأمَّلْهُ، ثُمَّ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ في هَذا المَقامِ سِوى الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَرْفُوعِ لَكَفى في كَوْنِ المُرادِ عُمُومَ الِاخْتِصامِ، فالحَقُّ القَوْلُ بِعُمُومِهِ، وهو أنْواعٌ شَتّى، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يُخاصِمُ الصّادِقُ الكاذِبَ، والمَظْلُومُ الظّالِمَ، والمُهْتَدِي الضّالَّ، والضَّعِيفُ المُسْتَكْبِرَ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ، عَنْ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: «أوَّلُ مَن يَخْتَصِمُ يَوْمَ القِيامَةِ الرَّجُلُ وامْرَأتُهُ، واللَّهِ ما يَتَكَلَّمُ لِسانُها، ولَكِنْ يَداها ورِجْلاها يَشْهَدانِ عَلَيْها بِما كانَ لِزَوْجِها، وتَشْهَدُ يَداهُ ورِجْلاهُ بِما كانَ لَها، ثُمَّ يَدَّعِي الرَّجُلُ وخادِمُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ يَدَّعِي أهْلُ الأسْواقِ، وما يُوجَدُ ثَمَّ دانَقٌ، ولا قَرارِيطَ، ولَكِنْ حَسَناتُ هَذا تُدْفَعُ إلى هَذا الَّذِي ظَلَمَهُ، وسَيِّئاتُ هَذا الَّذِي ظَلَمَهُ تُوضَعُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُؤْتى بِالجَبّارِينَ في مَقامِعَ مِن حَدِيدٍ، فَيُقالُ: أوْرِدُوهم إلى النّارِ، فَواللَّهِ ما أدْرِي يَدْخُلُونَها، أوْ كَما قالَ اللَّهُ: ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ » وأخْرَجَ البَزّارُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ  يُجاءُ بِالأمِيرِ الجائِرِ فَتُخاصِمُهُ الرَّعِيَّةُ“».

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : أوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ جارانِ“».

ولَعَلَّ الأوَّلِيَّةَ إضافِيَّةٌ لِحَدِيثِ أبِي أيُّوبَ السّابِقِ.

وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اخْتِصامُ الرُّوحِ مَعَ الجَسَدِ أيْضًا، بَلْ أخْرَجَ أحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لَيَخْتَصِمَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الشّاتانِ فِيما انْتَطَحا» .

“تَمَّ الجُزْءُ الثّالِثُ والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الرّابِعُ والعِشْرُونَ، وأوَّلُهُ: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يعني: بيّنا في هذا القرآن من كل شيء.

وقد بيّن بعضه مفسراً، وبعضه مبهماً مجملاً، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي: لكي يتعظوا قُرْآناً عَرَبِيًّا يعني: أنزلناه قرآناً عربياً بلغة العرب غَيْرَ ذِي عِوَجٍ يعني: ليس بمختلف، ولكنه مستقيم.

ويقال: غير ذي تناقض.

ويقال: غير ذي عيب.

ويقال: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي: غير مخلوق.

قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا محمد بن داود.

قال: حدثنا محمد بن أحمد بإسناده.

قال: حدثنا أبو حاتم الداري، عن سليمان بن داود العتكي، عن يعقوب بن محمد بن عبد الله الأشعري، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

قال: في قوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ قال: غير مخلوق لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: لكي يتقوا الشرك ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي: بيّن شبهاً رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ أي: عبداً بين موالي مختلفين يأمره، هذا بأمر، وينهاه هذا عنه.

ويقال: مُتَشاكِسُونَ أي: مختلفون، يتنازعون، وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ أي: خالصاً لرجل لا شركة فيه لأحد.

قرأ ابن كثير، وأبو عمر، سَالِماً بالألف، وكسر اللام.

والباقون سَلَماً بغير ألف، ونصب السين.

فمن قرأ: سَالِماً فهو اسم الفاعل على معنى سلم، فهو سالم.

ومعناه: الخالص.

ومن قرأ سَلَماً فهو مصدر.

فكأنه أراد به رجلاً ذا سلم لرجل.

ومعنى الآية: هل يستوي من عبد آلهة مختلفة، كمن عبد رباً واحداً.

وقال قتادة: الرجل الكافر، والشركاء الشياطين، والآلهة، وَرَجُلاً سَلَماً.

المؤمن يعمل لله تعالى وحده.

وقال بعضهم: هذه المثل للراغب، والزاهد.

فالراغب شغلته أمور مختلفة، فلا يتفرغ لعبادة ربه.

فإذا كان في العبادة، فقلبه مشغول بها، والزاهد قد يتفرغ عن جميع أشغال الدنيا، فهو يعبد ربه خوفاً وطمعاً، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا يعني: عنده في المنزلة يوم القيامة.

الْحَمْدُ لِلَّهِ قال مقاتل: الْحَمْدُ لِلَّهِ حين خصهم.

ويقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ على تفضيل من اختاره، على من اشتغل بما دونه.

ويقال: يعني: قولوا الحمد لِلَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن عبادة رب واحد، خير من عبادة أرباب شتى.

ويقال: لاَّ يَعْلَمُونَ أنهما لا يستويان.

ويقال: لاَّ يَعْلَمُونَ توحيد ربهم.

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ذلك أن كُفّار قريش قالوا: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: 30] ، يعني: ننتظر موت محمد-  - فنزل: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ يعني: أنت ستُموت، وهم سيموتون.

ويقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ يعني: إنك لميت لا محالة، وإنهم لميتون لا محالة، والشيء إذا قرب من الشيء سمي باسمه.

فالخلق كلهم إذا كانوا بقرب من الموت، فكل واحد منهم يموت لا محالة، فسماهم ميتين.

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ أي: تتكلمون بحججكم.

الكافر مع المؤمن، والظالم مع المظلوم.

فإن قيل: قد قال في آية أخرى: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ق: 28] قيل له: إن في يوم القيامة ساعات كثيرة، وأحوالها مختلفة، مرة يختصمون، ومرة لا يختصمون.

كما أنه قال: فهم لا يتساءلون، وقال في آية أخرى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) [الصافات: 27] يعني: في حال يتساءلون، وفي حال لا يتساءلون، وهذا كما قال في موضع آخر: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (39) [الرحمن: 39] وقال في آية أخرى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) [الحجر: 92] وكما قال في آية أخرى: لا يتكلمون، وفي آية أخرى أنهم يتكلمون، ونحو هذا كثير في القرآن.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «لاَ تَزَال الخُصومَة بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتى تَتَخَاصَم الرُّوح والجَسَد، فَيَقُول الجَسَد: إِنَّمَا كنت بمنزلة جزع مُلْقَى، لاَ أَسْتَطِيع شَيْئاً.

وَتَقُولُ الرُّوح: إِنَّمَا كُنْتُ رِيحاً، لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْمَلَ شَيْئاً.

فَضُرِبَ لَهُما مَثَلُ الأعْمَى والمُقْعَد، فَحَمَلَ الأَعْمَى المُقْعَد، فَيَدُلَّهُ المُقْعَد بِبَصَرِهِ، وَيَحْمِله الأعْمَى بِرجْلَيه» .

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أنس قال: سألت أبا العالية عن قوله: لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ثم قال: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فكيف هذا؟

قال: أما قوله: لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ فهو لأهل الشرك، وأما قوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فهو لأهل القبلة، يختصمون في مظالم ما بينهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

العذابِ في الدنيا المتَّصِلِ بعذابِ الآخرةِ الذي هو أكبر، ونَفَى اللَّهُ سبحانه عن القرآن العِوَجَ لأنَّهُ لا اخْتِلاَفَ فيه، ولا تناقُضَ، ولا مغمز بوجه.

وقوله سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ...

الآية، هَذا مَثَلٌ ضربَه اللَّهُ سبحانه في التوحيدِ، فَمَثَّلَ تعالى الكافرَ العابِدَ للأوثانِ والشياطينِ بِعَبْدٍ لرِجَالٍ عِدَّةٍ في أَخْلاَقِهِم شَكَاسَةٌ وَعَدَمُ مُسَامَحَةٍ فهم لذلك يُعَذِّبُونَ ذلك العَبْدَ بتضايقهم في أوقاتهم، ويضايِقُون العبدَ في كثْرَةِ العَمَلِ فهو أبَداً في نَصَبٍ منهم وعناءٍ، فكذلك عَابِدُ الأوْثَانِ الذي يَعْتَقِدُ أَنَّ ضُرَّهُ ونَفْعَهُ عِنْدَهَا هو معذَّبُ الفِكْرِ بِهَا وبحراسَةِ حَالِهِ مِنْهَا، ومتى تَوَهَّمَ أنه أرضى صَنَماً بالذبحِ له في زعمِه، تَفَكّر فيما يصنعُ معَ الآخرِ فهو أبداً تَعِبٌ في ضلالٍ، وكذلك هو المُصَانِعُ للنَّاس المُمْتَحَنُ بخدمةِ الملوكِ، / ومَثَّلَ تَعالى المُؤْمِنَ باللَّهِ وحدَهُ بعَبْدٍ لرجُلٍ واحدٍ يُكَلِّفُه شُغْلَهُ فهو يعمله على تُؤدَةٍ وقَدْ سَاسَ مَوْلاَهُ، فالمولى يَغْفِر زَلَّتهُ ويشكُرُه على إجادةِ عمله، ومَثَلًا مفعول ب ضَرَبَ ورَجُلًا نصب على البدل ومُتَشاكِسُونَ معناه: لا سَمْحَ في أخلاقِهم بل فيها لَجَاجٌ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سالماً» «١» أي: سالماً من الشّرْكَة، ثم وَقَفَ تعالى الكفارَ بقوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ونَصْبُ مَثَلًا على التمييز وهذا التوقيفُ لا يجيبُ عَنْهُ أحدٌ إلاَّ بأنهما لا يستويان فلذلك عَامَلَتْهُمُ العِبَارَةُ الوجيزةُ على أنهم قد أجابوا، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي:

على ظهور الحجَّةِ عليكم من أقوالِكم، وباقي الآية بيِّن.

والاخْتِصَامُ في الآية قيلَ: عَامٌّ في المؤمنِين والكَافِرين، قال ع «٢» : ومعنى الآيةِ عندي: أن اللَّه تعالى تَوَعَّدَهُم بأنهم سيَتَخاصَمُونَ يَوْمَ القيامةِ في معنى ردِّهم في وجهِ الشريعةِ وتكذيبِهمْ لرسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم، وَرَوَى الترمذيُّ من حديث عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ قال:

«لما نَزَلَتْ: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قال الزُّبَيْرُ: يا رسول الله: أتكرّر

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿ رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُخْتَلِفُونَ، يَتَنازَعُونَ ويَتَشاحُّونَ فِيهِ، يُقالُ: رَجُلٌ شَكِسٌ.

وقالَ اليَزِيدِيُّ: الشَّكِسُ مِنَ الرِّجالِ: الضَّيِّقُ الخُلُقَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَإنَّ الكافِرَ يَعْبُدُ آَلِهَةً شَتّى، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ يَمْلِكُهُ جَماعَةٌ يَتَنافَسُونَ في خِدْمَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَبْلُغَ رِضاهم أجْمَعِينَ؛ والمُؤْمِنُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ، قَدْ عَلِمَ مَقاصِدَهُ وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضاهُ، فَهو في راحَةٍ مِن تَشاكُسِ الخُلَطاءِ فِيهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو إلّا عَبْدَ الوارِثِ في غَيْرِ رِوايَةِ القَزّازِ، وأبانٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَرَجُلًا سالِمًا" بِألْفٍ وكَسْرِ اللّامِ وبِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ فِيهِما؛ والمَعْنى: ورَجُلًا خالِصًا لِرَجُلٍ قَدْ سَلَّمَ لَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ.

ورَواهُ عَبْدُ الوارِثِ إلّا القَزّازُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ رَفَعَ الِاسْمَيْنِ، فَقالَ: "وَرَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ" وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَلِمَ لِرَجُلٍ" بِكَسْرِ السِّينِ ورَفْعِ المِيمِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "وَرَجُلًا سَلَمًا" بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ [وَبِالنَّصْبِ] فِيهِما والتَّنْوِينِ.

والسَّلَمُ، بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، مَعْناهُ الصُّلْحُ، والسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: "سِلْمًا" و "سَلْمًا" فَهُما مَصْدَرانِ وُصِفَ بِهِما، فالمَعْنى: ورَجُلًا ذا سِلْمٍ لِرَجُلٍ وذا سَلْمٍ لِرَجُلٍ؛ فالمَعْنى: ذا سَلْمٍ؛ والسَّلْمُ: الصُّلْحُ، والسِّلْمُ، بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [مَن قَرَأ]: "سَلَمًا لِرَجُلٍ" أرادَ: سَلِمَ إلَيْهِ فَهو سِلْمٌ لَهُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلْمُ والسِّلْمُ الصُّلْحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: لا يَسْتَوِيانِ، لِأنَّ الخالِصَ لِمالِكٍ واحِدٍ يَسْتَحِقُّ مِن مَعُونَتِهِ وإحْسانِهِ ما لا يَسْتَحِقُّهُ صاحِبُ الشُّرَكاءِ المُتَشاكِسِينَ.

وقِيلَ: لا يَسْتَوِيانِ في بابِ الرّاحَةِ، لِأنَّ هَذا قَدْ عَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضى مالِكِهِ، وذاكَ مُتَحَيِّرٌ بَيْنَ الشُّرَكاءِ.

قالَ ثَعْلَبُ: وإنَّما قالَ ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مَثَلَيْنِ، لِأنَّهُما جَمِيعًا ضَرَبا مَثَلًا واحِدًا، ومِثْلُهُ: ﴿ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً  ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: آَيَتَيْنِ، لِأنَّ شَأْنَهُما واحِدٌ.

وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: لَهُ الحَمْدُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَعْبُودِينَ ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ.

ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ بِما بَعْدَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ يَمُوتُ، وأنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَهُ يَمُوتُونَ، وأنَّهم يَجْتَمِعُونَ لِلْخُصُومَةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، المُحِقِّ والمُبْطِلِ، والمَظْلُومِ والظّالِمِ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها، وما نَرى أنَّها نَزَلَتِ الّا فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ، حَتّى قُتِلَ عُثْمانُ، فَعَرَفَتُ أنَّها فِينا نَزَلَتْ.

وفي لَفْظٍ آَخَرَ: حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فَأذاقَهُمُ اللهُ الخِزْيَ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ هَذا تَقْرِيرٌ بِمَعْنى التَعَجُبِ، والمَعْنى: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ كالمُنَعَّمِينَ في الجَنَّةِ؟

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ ﴾ ، فَقالَ مُجاهِدٌ: يَجْثُو عَلى وجْهِهِ في النارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لِما رُوِيَ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النارِ مَكْتُوفًا مَرْبُوطَةً يَداهُ إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، ويُكَبُّ عَلى وجْهِهِ، فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يَتَّقِي بِهِ إلّا وجْهَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى صِفَةُ كَثْرَةِ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَتَّقِيهِ بِجَمِيعِ جَوارِحِهِ وفِيهِ حَواسُّهُ، فَإذا بَلَغَ بِهِ العَذابُ إلى هَذِهِ الغايَةِ ظَهَرَ أنَّهُ لا مُتَجاوَزَ بَعْدَها.

وهَذا المَعْنى عِنْدِي أقْيَسُ بَلاغَةً، وفي هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشاعِرِ: يَلْقى السُيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ∗∗∗ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عَظِيمَ جُرْأتِهِ عَلَيْها، فَهو يَلْقاها بِكُلِّ مِجَنٍّ، وبِكُلِّ شَيْءٍ مِنهُ حَتّى بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ مَعْناهُ: باشِرُوا، وهُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ.

ثُمَّ مَثَّلَ لِقُرَيْشٍ بِالأُمَمِ السالِفَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِما نالَ تِلْكَ الأُمَمَ مِن كَوْنِها في الدُنْيا أحادِيثَ مُلَعَّنَةً، وأُخْرى أعْظَمَ مِن هَذا، مَعَ ما نالَ نُفُوسَهم مِنَ الألَمِ والذُلِّ والكَرْبِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ أكْبَرُ مِن هَذا كُلِّهِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا.

وقَوْلُهُ: ﴿ "قُرْآنًا"، ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَصْبٌ عَلى الحالِ و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نُصِبَ عَلى التَوْطِئَةِ لِلْحالِ، والحالُ قَوْلُهُ: ﴿ "عَرَبِيًّا"، ﴾ ونَفى عنهُ العِوَجَ لِأنَّهُ لا اخْتِلافَ فِيهِ ولا تَناقُضَ ولا مَغْمَزَ بِوَجْهٍ.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: غَيْرُ مُتَضادٍّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ ذِي لَبْسٍ، وقالَ السُدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وقالَ بَكْرٌ المُزَنِيُّ: غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.

و"العِوَجُ" بِكَسْرِ العَيْنِ في الأمْرُ، وبِفَتْحِها في الأشْخاصِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا جرى الكلام من أول السورة في مهيع إبطال الشرك وإثبات الوحدانية للإله، وتوضيح الاختلاف بين حال المشركين وحال الموحّدين المؤمنين بما ينبئ بتفضيل حال المؤمنين، وفي مهيع إقامة الحجة على بطلان الشرك وعلى أحقيّة الإِيمان، وإرشاد المشركين إلى التبصر في هذا القرآن، وتخلل في ذلك ما يقتضي أنهم غير مقلعين عن باطلهم، وختم بتسجيل جهلهم وعدم علمهم، خُتم هذا الغرض بإحالتهم على حكم الله بينهم وبين المؤمنين يوم القيامة حين لا يستطيعون إنكاراً، وحين يلتفتون فلا يَرون إلا ناراً.

وقدم لذلك تذكيرهم بأن الناس كلهم صائرون إلى الموت فإن الموت آخر ما يذكر به السادر في غلوائه إذا كان قد اغتر بعظمة الحياة ولم يتفكر في اختيار طريق السلامة والنجاة، وهذا من انتهاز القرآن فرص الإِرشاد والموعظة.

فالمقصود هو قوله: ﴿ إنَّكم يوم القيامةِ عندَ ربِّكُم تختصِمون ﴾ فاغتُنم هذا الغرض ليجتلب معه موعظة بما يتقدمه من الحوادث عسى أن يكون لهم بها مُعتبر، فحصلت بهذا فوائد: منها تمهيد ذكر يوم القيامة، ومنها التذكير بزوال هذه الحياة، فهذان عامَّانِ للمشركين والمؤمنين، ومنها حثّ المؤمنين على المبادرة للعمل الصالح، ومنها إشعارهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يموت كما مات النبيئون من قبله ليغتنموا الانتفاع به في حياته ويحرصوا على ملازمة مجلسه، ومنها أن لا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره، ومنها تعليم المسلمين أن الله سوّى في الموت بين الخلق دون رعي لتفاضلهم في الحياة لتكثر السَّلْوة وتقل الحسرة.

فجملتا ﴿ إنَّكَ مَيّتٌ وإنَّهُم مَّيتُونَ ﴾ استئناف، وعُطف عليهما ﴿ ثم إنَّكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ بحرف ﴿ ثمّ ﴾ الدال على الترتيب الرتبي لأن الإِنباء بالفصْل بينهم يوم القيامة أهم في هذا المقام من الإِنباء بأنهم صائرون إلى الموت.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو خبر مستعمل في التعريض بالمشركين إذ كانوا يقولون: ﴿ نتربص به ريب المنون ﴾ [الطور: 30]، والمعنى: أن الموت يأتيك ويأتيهم فما يدري القائلون: وضمير الغيبة في وإنَّهُم مَّيّتُونَ} للمشركين المتحدث عنهم، وأما المؤمنون فلا غرض هنا للإِخبار بأنهم ميّتون كما هو بيّن من تفسير الآية.

وتأكيد الخبرين ب (إنّ) لتحقيق المعنى التعريضي المقصود منها.

والمراد بالميت: الصائر إلى الموت فهو من استعمال الوصف فيمن سيتصف به في المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه مثل استعمال اسم الفاعل في المستقبل كقوله تعالى: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30].

والميت: هو من اتصف بالموت، أي زالت عنه الحياة، ومثله: الميْت بتخفيف السكون على الياء، والتحقيق أنه لا فرق بينهما خلافاً للكسائي والفراء.

وتأكيد جملة ﴿ إنَّكم يوم القيامَةِ عند ربكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ لرد إنكار المشركين البعث.

وتقديم ﴿ عِندَ ربّكُم ﴾ على ﴿ تَخْتَصِمُونَ ﴾ للاهتمام ورعاية الفاصلة.

والاختصام: كناية عن الحكم بينهم، أي يحكم بينكم فيما اختصمتم فيه في الدنيا من اثبات المشركين آلهة وإبطالكم ذلك، فهو كقوله تعالى: ﴿ إن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ [النحل: 124].

ويجوز أن يكون الاختصام أطلق على حكاية ما وقع بينهم في الدنيا حين تُعرض أعمالهم، كما يقال: هذا تخاصُم فلان وفلان، في طالع محضر خصومة ومقاولة بينهما يُقرأ بين يدي القاضي.

ويجوز أن تصوَّر خصومة بين الفريقين يومئذٍ ليفتضح المبطلون ويبهج أهل الحق على نحو ما قال تعالى: ﴿ إن ذلك لحقُ تخاصم أهل النار ﴾ [ص: 64].

وعلى الوجه الأول فضمير ﴿ إنَّكُمْ ﴾ عائد إلى مجموع ما عاد إليه ضمير ﴿ إنَّكَ ﴾ و ﴿ إنَّهُم ﴾ .

وعلى الوجهين الأخيرين يجوز أن يكون الضمير كما في الوجه الأول.

ويجوز أن يكون عائداً إلى جميع الأمة وهو اختصام الظلامات، وقد ورد تأويل الضمير على هذا المعنى فيما رواه النسائي وغيره عن عبد الله بن عمر قال: «لما نزلت هذه الآية قلنا: كيف نختصم ونحن إخوان، فلما قتل عثمان وضرب بعضُنا وَجه بعض بالسيف قلنا: هذا الخصام الذي وعدنا ربنا».

وروى سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدْري مثل مقالة ابن عمر ولكن أبا سعيد قال: «فلما كان يوم صّفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو ذا».

وسواء شملت الآية هذه المحامل وهو الأليق، أو لم تشملها فالمقصود الأصلي منها هو تخاصم أهل الإِيمان وأهل الشرك.

الجزء الرابع والعشرون <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: غَيْرَ ذِي لَبْسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: غَيْرَ ذِي شَكٍّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا ﴾ يَعْنِي الكافِرَ.

﴿ فِيهِ شُرَكاءُ ﴾ أيْ يَعْبُدُ أوْثانًا شَتّى.

﴿ مُتَشاكِسُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَنازِعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مُخْتَلِفُونَ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الثّالِثُ: مُتَعاسِرُونَ.

الرّابِعُ: مُتَظالِمُونَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: شَكَسَنِي مالِي أيْ ظَلَمَنِي.

﴿ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنَ سَلَمًا لِرَجُلٍ أيْ مُخْلِصًا لِرَجُلٍ، يَعْنِي أنَّهُ بِإيمانِهِ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا.

﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ أيْ هَلْ يَسْتَوِي حالُ العابِدِ لِلَّهِ وحْدَهُ وحالُ مَن يَعْبُدُ آلِهَةً غَيْرَهُ؟

فَضَرَبَ لَهُما مَثَلًا بِالعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ يَكُونُ أحَدُهُما لِشُرَكاءَ مُتَشاكِسِينَ، لا يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّي كُلَّ واحِدٍ مِنهم حَقَّ خِدْمَتِهِ، ويَكُونُ الآخَرُ لِسَيِّدٍ واحِدٍ يَقْدِرُ أنْ يُوَفِّيَهُ حَقَّ خِدْمَتِهِ.

﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى احْتِجاجِهِ بِالمَثَلِ الَّذِي خَصَمَ بِهِ المُشْرِكِينَ.

الثّانِي: عَلى هِدايَتِهِ الَّتِي أعانَ بِها المُؤْمِنِينَ.

﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ المَثَلَ المَضْرُوبَ.

الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ المَعْبُودُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  أخْبَرَ بِمَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ، فاحْتَمَلَ خَمْسَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنَ الآخِرَةِ.

الثّانِي: أنْ يَذْكُرَهُ حَثًّا عَلى العَمَلِ.

الثّالِثُ: أنْ يَذْكُرَهُ تَوْطِئَةً لِلْمَوْتِ.

الرّابِعُ: لِئَلّا يَخْتَلِفُوا في مَوْتِهِ كَما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في غَيْرِهِ حَتّى إنَّ عُمَرَ لَمّا أنْكَرَ مَوْتَهُ احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ فَأمْسَكَ.

الخامِسُ: لِيُعَلِّمَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَوّى فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ مَعَ تَفاضُلِهِمْ في غَيْرِهِ لِتَكْثُرَ فِيهِ السَّلْوى وتَقِلَّ الحَسْرَةُ.

وَمَعْنى إنَّكَ مَيِّتٌ أيْ سَتَمُوتُ، يُقالُ مَيِّتٌ بِالتَّشْدِيدِ لِلَّذِي سَيَمُوتٌ، ومَيْتٌ بِالتَّخْفِيفِ لِمَن قَدْ ماتَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في الدِّماءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: في المُدايَنَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّالِثُ: في الإيمانِ والكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، فَمُخاصَمَةُ المُؤْمِنِينَ تَقْرِيعٌ، ومُخاصَمَةُ الكافِرِينَ نَدَمٌ.

الرّابِعُ: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يُخاصِمُ الصّادِقَ الكاذِبَ، والمَظْلُومُ الظّالِمَ، والمُهْتَدِي الضّالَّ، والضَّعِيفُ المُسْتَكْبِرَ.

قاَل إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَعَلَ أصْحابُ النَّبِيِّ  يَقُولُونَ ما خُصُومَتُنا بَيْنَنا.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ تَخاصُمَهم هو تَحاكُمُهم إلى اللَّهِ تَعالى فِيما تَغالَبُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن حُقُوقِهِمْ خاصَّةً دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ لِيَسْتَوْفِيَها مِنَ حَسَناتِ مَن وجَبَتْ عَلَيْهِ في حَسَناتِ مَن وجَبَتْ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: لقد لبثنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا، وفي أهل الكتابين من قبل ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ قلنا: كيف نختصم ونبينا واحد، وكتابنا واحد؟

حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا.

وأخرج نعيم بن حماد في الفتن والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فقلت: لم نختصم.

أما نحن فلا نعبد إلا الله، وأما ديننا فالإِسلام، وأما كتابنا فالقرآن لا نغيره أبداً ولا نحرف الكتاب، وأما قبلتنا فالكعبة، وأما حرمنا فواحد، وأما نبينا فمحمد صلى الله عليه وسلم.

فكيف نختصم؟

حتى كفح بعضنا وجه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نزلت علينا الآية ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ وما ندري ما تفسيرها ولفظ عبد بن حميد.

وما ندري فيم نزلت!

قلنا ليس بيننا خصومة، فما التخاصم؟

حتى وقعت الفتنة فقلنا: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن عساكر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه قال: أنزلت هذه الآية ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ وما ندري فيم نزلت!

قلنا: ليس بيننا خصومة قالوا وما خصومتنا ونحن اخوان؟!

فلما قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومة ما بيننا.

وأخرج عبد بن حميد عن الفضل بن عيسى رضي الله عنه قال: «لما قرأت هذه الآية ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ قيل: يا رسول الله فما الخصومة؟

قال:في الدماء» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ﴾ قال: «نعى لنبيه صلى الله عليه وسلم نفسه، ونعى لكم أنفسكم» .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن منيع وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في البعث والنشور عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه قال: «لما نزلت ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ قلت: يا رسول الله أينكر علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟

قال: نعم.

لينكرن ذلك عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه قال الزبير رضي الله عنه: فوالله إن الأمر لشديد» .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه قال: «لما أنزلت هذه الآية ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ قال الزبير رضي الله عنه: يا رسول الله يكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.

ليكرر ذلك عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه قال الزبير رضي الله عنه: إن الأمر لشديد» .

وأخرج سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ كنا نقول ربنا واحد، وديننا واحد، فما هذه الخصومة؟!

فلما كان يوم صفين، وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم.

هو هذا.

وأخرج أحمد بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليختصمن يوم القيامة كل شيء حتى الشاتين فيما انتطحتا» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند لا بأس به عن أبي أيوب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول من يختصم يوم القيامة الرجل وامرأته.

والله ما يتكلم لسانها ولكن يداها ورجلاها، يشهدان عليها بما كانت لزوجها، وتشهد يداه ورجلاه بما كان يوليها.

ثم يدعى الرجل وخادمه بمثل ذلك، ثم يدعى أهل الأسواق وما يوجد، ثم دوانق ولا قراريط ولكن حسنات هذا تدفع إلى هذا الذي ظلم، وسيئآت هذا الذي ظلمه توضع عليه، ثم يؤتى بالجبارين في مقامع من حديد فيقال: أوردوهم إلى النار.

فوالله ما أدري يدخلونها أو كما قال الله: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ [ مريم: 71] » .

وأخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول خصمين يوم القيامة جاران» .

وأخرج البزار عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء بالأمير الجائر فتخاصمه الرعية» .

وأخرج ابن منده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يختصم الناس يوم القيامة حتى يختصم الروح مع الجسد.

فيقول الروح للجسد أنت فعلت، ويقول الجسد للروح أنت أمرت وأنت سوّلت.

فيبعث الله تعالى ملكاً فيقضي بينهما، فيقول لهما: إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير وآخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير: إني أرى هاهنا ثماراً ولكن لا أصل إليها.

فقال له الضرير: اركبني فتناولها، فركبه فتناولها، فأيهما المعتدي؟

فيقولان: كلاهما فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما.

يعني أن الجسد للروح كالمطية وهو راكبه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء رضي الله عنه.

أن رجلاً أبصر جنازة فقال: من هذا؟

قال: أبو الدرداء رضي الله عنه هذا أنت هذا أنت..

يقول الله: ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَخْتَصِمُونَ ﴾ قيل: يعني الاختصام في الدماء، وقيل: في الحقوق والأظهر أنه اختصام النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار في تكذيبهم له، فيكون من تمام ما قبله.

ويحتمل أن يكون على العموم في اختصام الخلائق فيما بينهم من المظالم وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.

الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.

وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه {  } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.

وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.

وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.

تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.

وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.

وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.

والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.

ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.

أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.

وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.

وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.

وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.

وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.

وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.

وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.

قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.

ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.

واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.

ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.

ولا يخفى ما في الآية من التهديد.

ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.

ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.

وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.

وأقول: إنه  أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله {  هو الله الواحد القهار} فقوله {  } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.

وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.

الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.

والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.

وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.

الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه  ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.

هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله  أعلم بأسرار كلامه.

وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.

الثاني.

﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.

وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.

ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.

ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.

وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله  "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.

الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.

وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.

الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.

ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.

وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.

وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.

وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ وكقوله  "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.

وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.

وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.

وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.

وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.

وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.

السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.

ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.

﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".

﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟

ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.

وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.

قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون  ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.

وهذا مما لا نزاع فيه.

أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.

ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.

ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.

وقد مر نظيره أيضاً.

وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.

وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.

ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.

قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.

ومنه ما روي أن النبي  كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.

والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".

والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.

واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.

ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.

ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.

وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.

والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.

وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.

وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.

والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.

وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.

ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.

وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.

وقيل: المنادي هو رسول الله  بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.

قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.

وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.

ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.

قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.

وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟

فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.

وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه  أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.

النوع الأوّل.

﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.

وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.

ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.

وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.

ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.

والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.

وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.

قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.

ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.

والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.

ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.

وقيل: هي الثناء الجميل.

وقيل: الظفر والغنيمة.

وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.

وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها  ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء  ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.

قال جار الله: عن النبي  "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.

النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي  : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟

ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟

فأنزل الله هذه الآية.

وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.

وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.

ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي  فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه  ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.

وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.

وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ  مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.

قيل: المراد به أمته.

وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.

وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.

النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.

وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.

قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.

قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.

والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.

ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.

وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.

قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش  ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم  ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.

وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.

ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو  واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.

﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم  ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم  ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام  ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.

وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.

قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.

وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي  فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.

وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.

وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.

وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.

وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.

وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.

مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.

وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.

وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.

وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.

ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.

ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟

فمن حق إلى آخره.

وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟

قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.

ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.

أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.

قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.

وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.

والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.

وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.

وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.

قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.

وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً  ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.

وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى  ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.

وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.

ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله  ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.

والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.

ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.

وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.

ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب  ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.

وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.

وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.

وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.

قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.

قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.

ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.

وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.

وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.

قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.

ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.

ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ .

ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.

قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.

ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.

ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.

والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.

﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.

ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.

وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.

قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم  ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.

واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.

وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.

قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه  كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ  ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ كأنه لم يذكر مقابل هذا في هذا الموضع، فجائز أن يكون مقابله ما تقدم، وهو قوله: أفمن جعل له الغرف على الغرف تجري من تحتها الأنهار كمن يتقي بوجهه سوء العذاب، ليس هذا كذاك، ولا أحد يتقي بوجهه سوء العذاب، لكن يخرج ذكر ذلك على وجوه: أحدها: كناية عن الشفعاء وأهل النصر، كأنّه يقول: لا يكون لهم من يشفع أو يملك دفع العذاب عنهم.

أو تكون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم بلا يد له يتقي بها سوء العذاب عن وجهه؛ لأن في الشاهد من أصاب شيئاً من العذاب يتقي ذلك العذاب عن وجهه بيده، فيخبر أن لا يد له في الآخرة يتقي العذاب بها عن وجهه؛ بل يصيب العذاب وجهه، فكأنما يتقي به.

أو أن يكون ذكر الوجه كناية عن نفسه، وهو ما ذكرنا ألا يكون له من يملك دفع العذاب عنه.

أو أن يكون ذكر الوجه كناية عن قلبه أي: يصل وجع ذلك العذاب إلى قلبه، ولا يملك دفعه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ .

يحتمل أي: ذوقوا جزاء ما كنتم تكسبون.

أو يقول: ذوقوا ما اخترتم من الكسب، وهذا بما اخترتم؛ لأنه قد بين لهم الكسبين جميعاً، وما يكون لكل كسب في العاقبة، فاختاروا هم الكسب الذي كان عاقبته الذي أصابهم، فكأنهم اختاروا ذلك الذي حل بهم باختيارهم ذلك الكسب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ ليخوفهم ويحذرهم ما نزل بالمتقدمين بتكذيب الرسل والعناد بعد ما حذرهم رسول الله  بالبعث، وما حل بهم يوم القيامة بذلك؛ فإذ لم يصدقوه فيما يحذرهم يوم القيامة حذرهم بالذى انتهى إليهم الخبر، يعني: رسول الله  ؛ ليحذروا.

وقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي: من حيث لا يأمنون العذاب أنى: ينزل بهم.

وقوله: ﴿ فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْيَ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ العذاب الذي نزل بهم في الدنيا ليس هو عذاب الكفر، إنما هو عذاب العناد، والتعنت، وأفعال فعلوها في حال الكفر، فهو في الآخرة أبد الآبدين فيه، خالدين مخلدين فيه؛ ولذلك قال: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم إنكم -أيها الناس- يوم القيامة عند ربكم تختصمون فيما تتنازعون فيه، فيتبيَّن المحق من المبطل.

من فوائد الآيات أهل الإيمان والتقوى هم الذين يخشعون لسماع القرآن، وأهل المعاصي والخذلان هم الذين لا ينتفعون به.

التكذيب بما جاءت به الرسل سبب نزول العذاب إما في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معًا.

لم يترك القرآن شيئًا من أمر الدنيا والآخرة إلا بيَّنه، إما إجمالًا أو تفصيلًا، وضرب له الأمثال.

<div class="verse-tafsir" id="91.p9OVe"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله