الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٣٧ من سورة الزمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٧ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ) أي : منيع الجناب لا يضام ، من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه ، فإنه العزيز الذي لا أعز منه ، ولا أشد انتقاما منه ، ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
( وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ) يقول: ومن يوفِّقه الله للإيمان به, والعمل بكتابه, فما له من مضلّ, يقول: فما له من مزيغ يزيغه عن الحق الذي هو عليه إلى الارتداد إلى الكفر ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ) يقول جل ثناؤه: أليس الله يا محمد بعزيز في انتقامه من كفرة خلقه, ذي انتقام من أعدائه الجاحدين وحدانيته.
ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام أي ممن عاداه أو عادى رسله .
[وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ } لأنه تعالى الذي بيده الهداية والإضلال، وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ } له العزة الكاملة التي قهر بها كل شيء، وبعزته يكفي عبده ويدفع عنه مكرهم.
{ ذِي انْتِقَامٍ } ممن عصاه، فاحذروا موجبات نقمته.
( ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ) : منيع في ملكه ، منتقم من أعدائه .
«ومن يهد الله فما له من مضلِّ أليس الله بعزيز» غالب على أمره «ذي انتقام» من أعدائه؟
بلى.
ومن يوفقه الله للإيمان به والعمل بكتابه واتباع رسوله فما له مِن مضل عن الحق الذي هو عليه.
أليس الله بعزيز في انتقامه مِن كفرة خلقه، وممن عصاه؟
( وَمَن يَهْدِ الله ) أى : ومن يهده الله - تعالى - إلى طريق الحق والصواب .( فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ) أى : فما له من أحد كائنا من كان يستطيع إضلاله .( أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِي انتقام ) بلى إنه - سبحانه - لعزيز لا يغلبه غالب ، ولا يمانعه مانع ، ولا ينازعه منازع .
ولذو انتقام شديد من أعدائه ، ولا يستطيع أحد أن يمنع انتقامه منهم .
اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكاذبين والمكذبين للصادقين ذكر عقيبه وعد الصادقين ووعد المصدقين، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ تقديره: والذي جاء بالصدق والذي صدق به، وفيه قولان الأول: أن المراد شخص واحد فالذي جاء بالصدق محمد، والذي صدق به هو أبو بكر، وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام وجماعة من المفسرين رضي الله عنهم والثاني: أن المراد منه كل من جاء بالصدق، فالذي جاء بالصدق الأنبياء، والذي صدق به الأتباع، واحتج القائلون بهذا القول بأن الذي جاء بالصدق جماعة وإلا لم يجز أن يقال: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون ﴾ .
المسألة الثانية: أن الرسالة لا تتم إلا بأركان أربعة: المرسل والمرسل والرسالة والمرسل إليه، والمقصود من الإرسال إقدام المرسل إليه على القبول والتصديق، فأول شخص أتى بالتصديق هو الذي يتم به الإرسال، وسمعت بعض القاصين من الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دعوا أبا بكر فإنه من تتمة النبوة».
واعلم أنا سواء قلنا المراد بالذي صدق به شخص معين، أو قلنا المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، فإن أبا بكر داخل فيه.
أما على التقدير الأول: فدخول أبي بكر فيه ظاهر، وذلك لأن هذا يتناول أسبق الناس إلى التصديق، وأجمعوا على أن الأسبق الأفضل إما أبو بكر وإما علي، وحمل هذا اللفظ على أبي بكر أولى، لأن علياً عليه السلام كان وقت البعثة صغيراً، فكان كالولد الصغير الذي يكون في البيت، ومعلوم أن إقدامه على التصديق لا يفيد مزيد قوة وشوكة.
أما أبو بكر فإنه كان رجلاً كبيراً في السن كبيراً في المنصب، فإقدامه على التصديق يفيد مزيد قوة وشوكة في الإسلام، فكان حمل هذا اللفظ إلى أبي بكر أولى.
وأما على التقدير الثاني: فهو أن يكون المراد كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعلى هذا التقدير يكون أبو بكر داخلاً فيه.
المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف قرئ وصدق بالتخفيف أي صدق به الناس، ولم يكذبهم يعني أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف، وقيل صار صادقاً به أي بسببه، لأن القرآن معجزة، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي لا يفعل القبيح فيصير المدعي للرسالة صادقاً بسبب تلك المعجزة وقرئ وصدق.
واعلم أنه تعالى أثبت للذي جاء بالصدق وصدق به أحكاماً كثيرة.
فالحكم الأول: قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون ﴾ وتقريره أن التوحيد والشرك ضدان، وكلما كان أحد الضدين أشرف وأكمل كان الضد الثاني أخس وأرذل، ولما كان التوحيد أشرف الأسماء كان الشرك أخس الأشياء، والآتي بأحد الضدين يكون تاركاً للضد الثاني، فالآتي بالتوحيد الذي هو أفضل الأشياء يكون تاركاً للشرك الذي هو أخس الأشياء وأرذلها، فلهذا المعنى وصف المصدقين بكونهم متقين.
الحكم الثاني: للمصدقين قوله تعالى: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء المحسنين ﴾ ، وهذا الوعد يدخل فيه كل ما يرغب المكلف فيه، فإن قيل لا شك أن الكمال محبوب لذاته مرغوب فيه لذاته، وأهل الجنة لا شك أنهم عقلاء فإذا شاهدوا الدرجات العالية التي هي للأنبياء وأكابر الأولياء عرفوا أنها خيرات عالية ودرجات كاملة، والعلم بالشيء من حيث إنه كمال، وخير يوجب الميل إليه والرغبة فيه، وإذا كان كذلك فهم يشاءون حصول تلك الدرجات لأنفسهم فوجب حصولها لهم بحكم هذه الآية، وأيضاً فإن لم يحصل لهم ذلك المراد كانوا في الغصة ووحشة القلب، وأجيب عنه بأن الله تعالى يزيل الحقد والحسد عن قلوب أهل الآخرة، وذلك يقتضي أن أحوالهم في الآخرة بخلاف أحوالهم في الدنيا، ومن الناس من تمسك بهذه الآية في أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة، قالوا إن الذين يعتقدون أنهم يرون الله تعالى لا شك أنهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ لأنهم صدقوا الأنبياء عليهم السلام، ثم إن ذلك الشخص يريد رؤية الله تعالى فوجب أن يحصل له ذلك لقوله تعالى: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ فإن قالوا لا نسلم أن أهل الجنة يشاءون ذلك، قلنا هذا باطل لأن الرؤية أعظم وجوه التجلي وزوال الحجاب، ولا شك أنها حالة مطلوبة لكل أحد نظراً إلى هذا الاعتبار، بل لو ثبت بالدليل كون هذا المطلوب ممتنع الوجود لعينه فإنه يترك طلبه، لا لأجل عدم المقتضى للطلب، بل لقيام المانع وهو كونه ممتنعاً في نفسه، فثبت أن هذه الشبهة قائمة والنص يقتضي حصول كل ما أرادوه وشاءوه فوجب حصولها.
واعلم أن قوله: ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ لا يفيد العندية بمعنى الجهة والمكان بل بمعنى الصمدية والإخلاص كما في قوله تعالى: ﴿ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ ﴾ واعلم أن المعتزلة تمسكوا بقوله: ﴿ وذلك جَزَاء المحسنين ﴾ على أن هذا الأجر مستحق لهم على إحسانهم في العبادة.
الحكم الثالث: قوله تعالى: ﴿ لِيُكَفّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فقوله: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ يدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه وقوله: ﴿ لِيُكَفّرَ الله عَنْهُمْ ﴾ يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه، فقيل المراد أنهم إذا صدقوا الأنبياء عليهم فيما أوتوا فإن الله يكفر عنهم أسوأ أعمالهم وهو الكفر السابق على ذلك الإيمان، ويوصل إليهم أحسن أنواع الثواب، وقال مقاتل يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوئ، واعلم أن مقاتلاً كان شيخ المرجئة وهم الذين يقولون لا يضر شيء من المعاصي مع الإيمان، كما لا ينفع شيء من الطاعات مع الكفر، واحتج بهذه الآية فقال: إنها تدل على أن من صدق الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ولا جوز حمل هذا الأسوأ على الكفر السابق، لأن الظاهر من الآية يدل على أن التكفير إنما حصل في حال ما وصفهم الله بالتقوى وهو التقوى من الشرك، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد منه الكبائر التي يأتي بها بعد الإيمان، فتكون هذه الآية تنصيصاً على أنه تعالى يكفر عنهم بعد إيمانهم أسوأ ما يأتون به وذلك هو الكبائر.
الحكم الرابع: أنه جرت العادة أن المبطلين يخوفون المحقين بالتخويفات الكثيرة، فحسم الله مادة هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ وذكره بلفظ الاستفهام والمراد تقرير ذلك في النفوس والأمر كذلك، لأنه ثبت أنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات غني عن كل الحاجات فهو تعالى عالم حاجات العباد وقادر على دفعها وإبدالها بالخيرات والراحات، وهو ليس بخيلاً ولا محتاجاً حتى يمنعه بخله وحاجته عن إعطاء ذلك المراد، وإذا ثبت هذا كان الظاهر أنه سبحانه يدفع الآفات ويزيل البليات ويوصل إليه كل المرادات، فلهذا قال: ﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ ولما ذكر الله المقدمة رتب عليها النتيجة المطلوبة فقال: ﴿ وَيُخَوّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ يعني لما ثبت أن الله كاف عبده كان التخويف بغير الله عبثاً وباطلاً، قرأ أكثر القراء عبده بلفظ الواحد وهو اختيار أبي عبيدة لأنه قال له: ﴿ وَيُخَوّفُونَكَ ﴾ روي أن قريشاً قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقرأ جماعة: ﴿ عِبَادِهِ ﴾ بلفظ الجميع قيل المراد بالعباد الأنبياء فإن نوحاً كفاه الغرق، وإبراهيم النار، ويونس بالإنجاء مما وقع له، فهو تعالى كافيك يا محمد كما كفى هؤلاء الرسل قبلك، وقيل أمم الأنبياء قصدوهم بالسوء لقوله تعالى: ﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ ﴾ وكفاهم الله شر من عاداهم.
واعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعيد والوعد والترهيب والترغيب ختم الكلام بخاتمة هي الفصل الحق فقال: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ ﴾ يعني هذا الفضل لا ينفع والبينات إلا إذا خص الله العبد بالهداية والتوفيق وقوله: ﴿ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِى انتقام ﴾ تهديد للكفار.
واعلم أن أصحابنا يتمسكون في مسألة خلق الأعمال وإرادة الكائنات بقوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ ﴾ والمباحث فيه من الجانبين معلومة والمعتزلة يتمسكون على صحة مذهبهم في هاتين المسألتين بقوله: ﴿ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِى انتقام ﴾ ولو كان الخالق للكفر فيهم هو الله لكان الانتقام والتهديد غير لائق به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي، فأفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها.
وقرئ: ﴿ بكاف عبده ﴾ وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، و ﴿ بكاف عباده ﴾ وهم الأنبياء؛ وذلك: أنّ قريشاً قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، وإنا نخشى عليك معرتها لعيبك إياها.
ويروى: أنه بعث خالداً إلى العزّى ليكسرها، فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إنّ لها لشدّة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إليها فهشم أنفها.
فقال الله عزّ وجلّ: أليس الله بكاف نبيه أن يعصمه من كل سوى ويدفع عنه كل بلاء في مواطن الخوف.
وفي هذا تهكم بهم؛ لأنّهم خوّفوه ما لا يقدر على نفع ولا ضرّ.
أو أليس الله بكاف أنبياءه ولقد قالت أممهم نحو ذلك، فكفاهم الله وذلك قول قوم هود: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء ﴾ [هود: 54] ويجوز أن يريد: العبد والعباد على الإطلاق، لأنه كافيهم في الشدائد وكافل مصالحهم.
وقرئ: ﴿ بكافي عباده ﴾ على الإضافة.
و ﴿ يكافي عباده ﴾ .
ويكافي: يحتمل أن يكون غير مهموز مفاعله من الكفاية، كقولك: يجازي في يجزى، وهو أبلغ من كفى، لبنائه على لفظ المبالغة.
والمباراة: أن يكون مهموزاً، من المكافأة وهي المجازاة، لما تقدم من قوله: (ويجزيهم أجرهم)، ﴿ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ أراد: الأوثان التي اتخذوها آلهة من دونه ﴿ بِعَزِيزٍ ﴾ بغالب منيع ﴿ ذِى انتقام ﴾ ينتقم من أعدائه، وفيه وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم، وينصرهم عليهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِلنَّفْيِ مُبالَغَةً في الإثْباتِ، والعَبْدُ رَسُولُ اللَّهِ ويَحْتَمِلُ الجِنْسَ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ «عِبادَهُ»، وفُسِّرَ بِالأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا فَإنَّهم قالُوا لَهُ إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا بِعَيْبِكَ إيّاها.
وقِيلَ: إنَّهُ بَعَثَ خالِدًا لِيَكْسِرَ العُزّى فَقالَ لَهُ سادِنُها: أُحَذِّرُكَها فَإنَّ لَها شِدَّةً، فَعَمَدَ إلَيْها خالِدٌ فَهَشَّمَ أنْفَها فَنَزَلَ تَخْوِيفُ خالِدٍ مَنزِلَةَ تَخْوِيفِهِ لِأنَّهُ الآمِرُ لَهُ بِما خَوَّفَ عَلَيْهِ.
﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ حَتّى غَفَلَ عَنْ كِفايَةِ اللَّهِ لَهُ وخَوْفِهِ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ.
﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يَهْدِيهِمْ إلى الرَّشادِ.
﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ﴾ إذْ لا رادَّ لِفِعْلِهِ كَما قالَ: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ﴾ غالِبٍ مَنِيعٍ.
﴿ ذِي انْتِقامٍ ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ} بغالب منيع {ذِى انتقام} ينتقم من أعدائه وفيه وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم وينصرهم عليهم ثم أعلم بأنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الله تعالى خلق السموات والأرض بقوله
﴿ ومَن يَهْدِ اللَّهُ ﴾ فَيَجْعَلُ كَوْنَهُ تَعالى كافِيًا نُصْبَ عَيْنِهِ عامِلًا بِمُقْتَضاهُ ﴿ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ﴾ يَصْرِفُهُ عَنْ مَقْصِدِهِ أوْ يُصِيبُهُ بِسُوءٍ يُخِلُّ بِسُلُوكِهِ إذْ لا رادَّ لِفِعْلِهِ ولا مُعارِضَ لِإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ﴾ غالِبٌ لا يُغالَبُ مَنِيعٌ لا يُمانَعُ ولا يُنازَعُ ﴿ ذِي انْتِقامٍ ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ أي: فلا أحد أظلم ممن كذب على الله بأن معه شريكاً، وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ يعني: بالقرآن، وبالتوحيد.
ويقال: وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ يعني: بالصادق وهو النبيّ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ يعني: مأوى للذين يكفرون بالقرآن.
فاللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التحقيق كقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (8) [التين: 8] .
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أي: بالقرآن وَصَدَّقَ بِهِ أي: أصحابه.
ويقال: وَصَدَّقَ بِهِ المؤمنون.
وقال القتبي: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هو في موضع جماعة.
ومعناه: والذين جاءوا بالصدق، وصدقوا به، وهذا موافق لخبر ابن مسعود.
وقال قتادة، والشعبي، ومقاتل، والكلبي: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ يعني: النبيّ وَصَدَّقَ بِهِ يعني: المؤمنون.
وذكر عن علي بن أبي طالب أنه قال: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ يعني: النبيّ وَصَدَّقَ بِهِ يعني: أبو بكر أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ الذين اتقوا الشرك، والفواحش.
وقرأ بعضهم: وَصَدَقَ بالتخفيف.
يعني: النبيّ قرأ على الناس كما أنزل عليه، ولم يزد في الوحي شيئاً، ولم ينقص من الوحي شيئاً.
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني: لهم ما يريدون، ويحبون في الجنة، ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ أي: ثواب الموحدين، المطيعين، المخلصين لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ يعني: ليمحو عنهم، ويغفر لهم، أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا يعني: أقبح ما عملوا، مخالفاً للتوحيد، وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ أي: ثوابهم بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ يعني يجزيهم بالمحاسن، ولا يجزيهم بالمساوئ، لأنه ليس لهم ذنب، ولا خطايا، فلا يجزيهم بمساوئهم.
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ قرأ حمزة، والكسائي: عِبَادَهُ بالألف بلفظ الجماعة.
يعني: الذين صدقوا بالنبي ، وبالقرآن، والباقون عَبْدَه بغير ألف.
يعني: النبيّ .
وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني: بالذين يعبدون من دونه، وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي : لا تزال تقع في آلهتنا، فاتقِ كيلا يصيبك منها معرة، أو سوء.
فنزل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ الآية.
وروى معمر عن قتادة قال: بعث النبيّ خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها، فمشى إليها بالفأس.
فقالت له: قيمتها يا خالد احذر، فإن لها شدة، لا يقوم لها أحد، فمشى إليها خالد، فهشم أنفها بالفأس.
ويقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ يعني: الأنبياء.
ثم قال: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: من يخذله الله عن الهدى، فما له من مرشد، ولا ناصر وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أي: ليس له أحد يخذله أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ يعني: عزيزاً في ملكه، ذي انتقام من عدوه.
<div class="verse-tafsir"
عَلَيْنَا الخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا في الدُّنْيَا؟
قَالَ: نَعَمْ قَالَ: إنَّ الأَمْرَ إِذَنْ لشديد» «١» انتهى.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)
وقوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ ...
الآية، الإِشارةُ بهذا الكذبِ إلى قولهم: «إن للَّه صاحبةً وولداً» وقولِهِمْ: هذا حلالٌ، وهذا حرامٌ، افتراءً على اللَّه، ونحوَ ذلك، وكذَّبُوا أيضاً بالصِّدْقِ، وذلك تكذيبُهم بما جاءَ به محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ثم توعَّدَهم سبحانه تَوَعُّداً فيه احتقارُهم بقوله: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ وقرأ ابن مسعود: «والَّذِينَ جَاءُوا/ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ» «٢» والصدقُ هنا القرآن والشَّرْعُ بجُمْلَتِهِ وقالتْ فرقةٌ «الذي» يراد بِهِ: «الذين» ، وحُذِفَتِ النونُ، قال ع: وهذا غيرُ جَيِّدٍ وَترْكِيبُ «جاء» عليه يَرُدُّ ذلك، بل «الذي» هاهنا هي للجنس، والآيةُ مُعَادِلة لقولهِ: فَمَنْ أَظْلَمُ.
قال قتادة وغَيْرُهُ:
الذي جاء بالصِّدْقِ هو محمَّدُ- عليه السلام- والَّذي صَدَّقَ به همُ المؤمنونَ «٣» وهذا أَصْوَبُ الأقْوالِ، وذَهَبَ قومٌ إلى أن الذي صدَّقَ به أبو بكرٍ، وقيل: عليٌّ وتَعْمِيمُ اللفظ أَصْوَبُ.
وقولهُ سبحانه: أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ قال ابن عبَّاس: اتَّقَوُا الشِّرْكَ «٤» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ ﴾ بِأنْ دَعا لَهُ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآَنُ ﴿ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ أيْ: مَقامٌ لِلْجاحِدِينَ؟!
وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، يَعْنِي: إنَّهُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
ثُمَّ في الصِّدْقِ الَّذِي جاءَ بِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
[وَفِي الَّذِي صَدَّقَ بِهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ أيْضًا، هو جاءَ بِالصِّدْقِ، وهو صَدَّقَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ]، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: [أنَّ] الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: أهْلُ القُرْآَنِ، وهو الصِّدْقُ الَّذِي يُجِيبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أدُّوا حَقَّهُ، فَهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ الأنْبِياءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، فَعَلى هَذا، يَكُونُ الَّذِي صَدَّقَ بِهِ: المُؤْمِنُونَ.
والرّابِعُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: جِبْرِيلُ، وصَدَّقَ بِهِ: مُحَمَّدٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ؛ وإنَّما قِيلَ: "هُمْ"، لِأنَّ مَعْنى "الَّذِي" مَعْنى الجَمْعِ، كَذَلِكَ قالَ اللُّغَوِيُّونَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ: فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجٍ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ، كُلُّ القَوْمِ، يا أمَّ خالِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ المَعْنى: أعْطاهم ما شاؤُوا لِيُكَفِّرَ عَنْهم ﴿ أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ ، أيْ: لِيَسْتُرَ ذَلِكَ بِالمَغْفِرَةِ ﴿ وَيَجْزِيَهم أجْرَهُمْ ﴾ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، لا بِمَساوِئِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ لِيُكَفِّرَ اللهُ عنهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ وكَذَّبَ بِالصِدْقِ ﴾ فَـ"مَن" هُنالِكَ لِلْجَمِيعِ والعُمُومِ، و[الَّذِي] هُنا لِلْجِنْسِ أيْضًا، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بَعْضُهُ بِالصِدْقِ، وصَدَّقَ بِهِ بَعْضُهُ، ويَسْتَقِيمُ اللَفْظُ والمَعْنى عَلى هَذا التَرْتِيبِ.
وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [والَّذِينَ جاءُوا بِالصِدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ]، وهو هُنا القُرْآنُ وأنْباؤُهُ، والشَرْعُ بِجُمْلَتِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِي" يُرادُ بِهِ: الَّذِينَ، وحُذِفَتِ النُونُ لِطُولِ الكَلامِ، وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ، وتَرْكِيبُ "جاءَ" عَلَيْهِ يَرُدُّ ذَلِكَ، ولَيْسَ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: إنَّ عَمَّيَّ اللَذّا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ....
وَنَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أمَّ خالِدِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ ، وهو الَّذِي صَدَّقَ بِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ، هو مُحَمَّدٌ ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقالَ أبُو الأسْوَدِ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ هو عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ بِالعُمُومِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وهو أصْوَبُ الأقْوالِ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحادَةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: [وَصَدَقَ بِهِ] بِالتَخْفِيفِ في الدالِ، بِمَعْنى: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِدْقَ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يُحَسِّنُ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: اتَّقَوُا الشِرْكَ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيُكَفِّرَ اللهُ عنهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ المُحْسِنِينَ ﴾ ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِكَيْ يُكَفِّرَ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "بَشَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ لِيَكَفِّرَ" لِأنَّ التَكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَيْسِيرِ لِلْخَيْرِ، و ﴿ أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ تَقْوِيَةٌ لِنَفْسِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانَتْ خَوَّفَتْهُ مِنَ الأصْنامِ، وقالُوا: أنْتَ تَسُبُّها ونَخافُ أنْ تُصِيبَكَ بِجُنُونٍ أو عِلَّةٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [عِبادَهُ] يُرِيدُ الأنْبِياءَ المُخْتَصِّينَ بِهِ، وأنْتَ أحَدُهُمْ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُطِيعُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُتَوَكِّلُونَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذِهِ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ.
وقَرَأ الباقُونَ: "عَبْدَهُ" وهو اسْمُ جِنْسٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وشَيْبَةَ، وأهْلِ المَدِينَةِ، ويُقَوِّي أنَّ الإشارَةَ إلى مُحَمَّدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ يُرِيدُ: بِالَّذِينِ يُعْبَدُونَ مِن دُونِهِ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى كَسْرِ العُزّى، فَقالَ سادِنُها: يا خالِدُ، إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، فَأخَذَ خالِدُ الفَأْسَ فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها وانْصَرَفَ.» ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى أنَّ الهِدايَةَ والإضْلالَ مِن عِنْدِهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ، وأنَّ ما أرادَ مِن ذَلِكَ لا رادَّ لَهُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعِزَّتِهِ وانْتِقامِهِ، فَكانَ ذَلِكَ، وانْتَقَمَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ .
لمّا ضرب الله مثلاً للمشركين والمؤمنين بمَثَل رجل فيه شركاء متشاكسون ورجللٍ خالصصٍ لرجل، كان ذلك المثَل مثيراً لأن يقول قائِلُ المشركين لَتَتَأَلبَنَّ شركاؤنا على الذي جاء يحقرها ويسبها، ومثيراً لحمية المشركين أن ينتصروا لآلهتهم كما قال مشركو قوم إبراهيم ﴿ حرقوه وانصروا آلهتكم ﴾ [الأنبياء: 68].
وربما أنطقتهم حميتُهم بتخويف الرسول، ففي الكشاف } و«تفسير القرطبي»: أن قريشاً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّا نخاف أن تُخْبِلَك آلهتُنا وإنا نخشى عليك معرتها (بعين بعد الميم بمعنى الإِصابة بمكروه يَعنون المضرة) لعيبك إياها».
وفي «تفسير ابن عطية» ما هو بمَعنى هذا، فلمَّا حكى تكذيبَهم النبي عطف الكلام إلى ما هددوه به وخوفوه من شر أصنامهم بقوله: ﴿ أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ .
فهذا الكلام معطوف على قوله: ﴿ ضَربَ الله مثَلاً رجُلاً فيه شُركاء ﴾ [الزمر: 29] الآية والمعنى: أن الله الذي أفردتَه بالعبادة هو كافيك شر المشركين وباطل آلهتهم التي عبدوها من دونه، فقوله: أليس الله بكاففٍ عبده } تمهيد لقوله: و ﴿ يخوفونك بالذين من دونه ﴾ قدم عليه لتعجيل مساءة المشركين بذلك، ويستتبع ذلك تعجيل مسرة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله ضامن له الوقاية كقوله: ﴿ فسيكفيكهم اللَّه ﴾ [البقرة: 137].
وأصل النظم: ويُخوّفونك بالذين من دون الله والله كافيك، فغُير مجرى النظم لهذا الغرض، ولك أن تجعل نظم الكلام على ترتيبه في اللفظ فتجعل جملة أليس الله بكاف عبده } استئنافاً، وتصير جملة ﴿ ويخوفونك ﴾ حالاً.
ووقع التعبير عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاسم الظاهر وهو ﴿ عَبْدَه ﴾ دون ضمير الخطاب لأن المقصود توجيه الكلام إلى المشركين، وحُذف المفعول الثاني ل ﴿ كافٍ ﴾ لظهور أن المقصود كافيك أَذاهُم، فأما الأصنام فلا تستطيع أذىً حتى يُكْفاه الرسول صلى الله عليه وسلم والاستفهام إنكار عليهم ظنّهم أن لا حامِيَ للرسول صلى الله عليه وسلم من ضرّ الأصنام.
[والمراد ب ﴿ عَبْدَه ﴾ هو الرسول صلى الله عليه وسلم لا محالة وبقرينة و ﴿ يُخوفونك ﴾ .
وفي استحضار الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية وإضافته إلى ضمير الجلالة، معنى عظيم من تشريفه بهذه الإِضافة وتحقيققِ أنه غير مُسلمِه إلى أعدائه.
والخطاب في ﴿ ويخوفونك ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو التفات من ضمير الغيبة العائد على ﴿ عبده ﴾ ، ونكتةُ هذا الإلتفات هو تمحيض قصد النبي بمضمون هذه الجملة بخلاف جملة ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ كما علمت آنفاً.
و ﴿ الذين من دونه ﴾ هم الأصنام.
عُبر عنهم وهم حجارة بمَوصول العقلاءِ لكثرة استعمال التعبير عنهم في الكلام بصيغ العقلاء.
و ﴿ من دونه ﴾ صلة الموصول على تقدير محذوف يتعلق به المجرور دل عليه السياق، تقديره: اتخذُوهم من دونه أو عبَدُوهم من دونه.
ووقع في «تفسير البيضاوي» أن سبب نزول هذه الآية هو خبر توجيه النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى هدم العُزّى وأن سادن العزّى قال لخالد: أحذِّرُكَها يا خالد فإن لها شدةً لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العزّى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس فأنزل الله هذه الآية.
وتأول الخطاب في قوله: ﴿ ويخوفونك ﴾ بأن تخويفهم خالداً أرادوا به تخويف النبي صلى الله عليه وسلم فتكون هذه الآية مدنية وسياق الآية ناببٍ عنه.
ولعل بعض من قال هذا إنما أراد الاستشهاد لتخويف المشركين النبي صلى الله عليه وسلم من أصنامهم بمثال مشهور.
وقرأ الجمهور ﴿ بكاففٍ عبده ﴾ .
وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ﴿ عبادَه ﴾ بصيغة الجمع أي النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فإنهم لما خوَّفوا النبي صلى الله عليه وسلم فقد أرادوا تخويفه وتخويف أتباعه وأن الله كفاهم شرهم.
﴿ دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ﴾ اعتراض بين جملة ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ الآية وجملةِ ﴿ أليس الله بعزيز ذي انتقام ﴾ قصد من هذا الاعتراض أن ضلالهم داء عَياء لأنه ضلال مكوَّن في نفوسهم وجبلّتهم قد ثبّتته الأيام، ورسخه تعاقب الأجيال، فَران بغشاوته على ألبابهم، فلما صار ضلالهم كالمجبول المطبوع أسند إيجاده إلى الله كناية عن تعسر أو تعذر اقتلاعه من نفوسهم.
وأريد من نفي الهادي من قوله: ﴿ فما له من هاد ﴾ نفي حصول الاهتداء، فكني عن عدم حصول الهدى بانتفاء الهادي لأن عدم الاهتداء يجعل هاديهم كالمنفي.
وقد تقدم قوله في سورة [الأعراف: 186] ﴿ من يضلل اللَّه فلا هادي له.
﴾ والآيتان متساويتان في إفادة نفي جنس الهادي، إلا أن إفادة ذلك هنا بزيادة مِن } تنصيصاً على نفي الجنس.
وفي آية الأعراف ببناء هادي على الفتح بعد (لا) النافية للجنس فإن بناء اسمها على الفتح مشعر بأن المراد نفي الجنس نصًّا.
والاختلاف بين الأسلوبين تفنن في الكلام وهو من مقاصد البلغاء.
وتقديم ﴿ له ﴾ على ﴿ هَادٍ ﴾ للاهتمام بضميرهم في مقام نفي الهادي لهم لأن ضلالهم المحكي هنا بالغ في الشناعة إذا بلغ بهم حدَّ الطمع في تخويف النبي بأصنامهم في حال ظهور عدم اعتداده بأصنامهم لكل متأمل مِن حاللِ دعوته، وإذْ بلغ بهم اعتقاد مقدرة أصنامهم مع الغفلة عن قدرة الرب الحَقّ، بخلاف آية الأعراف فإن فيها ذكر إعراضهم عن النظر في ملكوت السماوات والأرض وهو ضلال دون ضلال التخويف من بأس أصنامهم.
وأما جملة ﴿ ومَن يَهْدِ الله فما لهُ مِن مُضلٍ ﴾ فقد اقتضاها أن الكلام الذي اعترضت بعده الجملتان اقتضى فريقين: فريقاً متمسكاً بالله القادر على النفع والضر وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وآخرَ مستمسكاً بالأصنام العاجزة عن الأمرين، فلما بُيّن أن ضلال الفريق الثاني ضلال مكين ببيان أن هدى الفريق الآخر راسخ متين فلا مطمع للفريق الضال بأن يجرّوا المهتدين إلى ضلالهم.
﴿ مُّضِلٍّ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِى ﴾ .
تعليل لإِنكار انتفاء كفاية الله عن ذلك كإنكار أن الله عزيز ذو انتقام، فلذلك فصلت الجملة عن التي قبلها.
والاستفهام تقريري لأن العلم بعزة الله متقرر في النفوس لاعتراف الكل بإلهيته والإلهية تقتضي العزة، ولأن العلم بأنه منتقم متقرر من مشاهدة آثار أخذه لبعض الأمم مثل عاد وثمود.
فإذا كانوا يقرّون لله بالوصفين المذكورين فما عليهم إلا أن يعلموا أنّه كاففٍ عبده بعزته فلا يقدر أحد على إصابة عبده بسوء، وبانتقامه من الذين يبْتغون لعبده الأذى.
والعزيز: صفة مشبهة مشتقة من العزّ، وهو منَعَة الجانب وأن لا يناله المتسلط وهو ضد الذل، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فاعلموا أن اللَّه عزيز حكيم ﴾ في سورة [البقرة: 209].
والانتقام: المكافأة على الشر بشر، وهو مشتق من النقْم وهو الغضب كأنه مطاوعه لأنه مسبب عن النَّقْم، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فانتقمنا منهم فأغرقناهم ﴾ في اليم في سورة [الأعراف: 136].
وانظر قوله تعالى: ﴿ واللَّه عزيز ذو انتقام ﴾ في سورة [العقود: 95].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ﴾ الآيَةَ.
وَفي الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ أرْبَعَةُ أقاوِيلُ: أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مُحَمَّدٌ ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ جاءُوا بِالصِّدْقِ يَوْمَ القِيامَةِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ وكانَ يَقْرَأُ: والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ.
وَفِي (الصِّدْقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ البَعْثُ والجَزاءُ.
وَفِي الَّذِي صَدَّقَ بِهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: المُؤْمِنُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أتْباعُ الأنْبِياءِ كُلُّهم، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَكَرَهُ النَّقّاشُ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
الخامِسُ: أنَّهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، حَكاهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ مِن غَيْرِ رَغْبَةٍ في غُنْمٍ ولا رَهْبَةٍ مِن سَيْفٍ.
﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ إنَّما جازَ الجَمْعُ في ﴿ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ ﴿ والَّذِي ﴾ واحِدٌ في مَخْرَجِ لَفْظِهِ وجَمْعٌ في مَعْناهُ عَلى طَرِيقِ الجِنْسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ قَبْلَ الإيمانِ والتَّوْبَةِ، ووَجْهٌ آخَرُ: أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا مِنَ الصَّغائِرِ لِأنَّهم يَتَّقُونَ الكَبائِرَ.
﴿ وَيَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ يَجْزِيهِمْ بِأجْرِ أحْسَنِ الأعْمالِ وهي الجَنَّةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: قال لي رجل: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لتكفن عن شتم آلهتنا أو لتأمرنها فلتخبلنك.
فنزلت ﴿ ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة ﴿ ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ قال: بالآلهة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ليكسر العزى فقال سادنها:- وهو قيمها- يا خالد إني أحذركها لا يقوم لها شيء، فمشى إليها خالد بالفأس وهشم أنفها.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ قال: الأوثان.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ تقوية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم، وإزالة للخوف الذي كان الكفار يخوفونه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.
الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.
وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه { } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.
وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.
وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.
تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.
وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.
وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.
والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.
وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.
ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.
أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.
وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.
وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.
وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.
وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.
وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.
وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.
قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.
ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.
واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.
ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.
ولا يخفى ما في الآية من التهديد.
ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.
ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.
وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.
وأقول: إنه أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله { هو الله الواحد القهار} فقوله { } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.
وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.
الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.
والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.
وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.
الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.
هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله أعلم بأسرار كلامه.
وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.
الثاني.
﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.
وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.
ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.
ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.
وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.
الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.
وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.
الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.
ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.
وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.
وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.
وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ وكقوله "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.
وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.
وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.
وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.
وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.
وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.
السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.
ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.
﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".
﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟
ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.
وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.
قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.
وهذا مما لا نزاع فيه.
أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.
ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.
ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.
وقد مر نظيره أيضاً.
وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.
وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.
ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.
قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.
ومنه ما روي أن النبي كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.
والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".
والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.
واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.
ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.
ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.
وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.
والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.
وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.
وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.
والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.
وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.
ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.
وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.
وقيل: المنادي هو رسول الله بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.
قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.
وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.
ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.
قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.
وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟
فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.
وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.
النوع الأوّل.
﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.
وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.
ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.
وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.
ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.
والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.
وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.
قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.
ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.
والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.
ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.
وقيل: هي الثناء الجميل.
وقيل: الظفر والغنيمة.
وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.
وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.
قال جار الله: عن النبي "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.
النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟
ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟
فأنزل الله هذه الآية.
وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.
وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.
ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.
وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.
وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.
قيل: المراد به أمته.
وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.
وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.
النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.
وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.
قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.
قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.
والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.
ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.
وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.
قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.
وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.
ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.
وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.
﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.
وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.
قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.
وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.
وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.
وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.
مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.
وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.
وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.
وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.
ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.
ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟
فمن حق إلى آخره.
وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟
قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.
ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.
أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.
قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.
وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.
والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.
وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.
وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.
قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.
وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.
وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.
وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.
ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.
والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.
ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.
وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.
ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.
وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.
وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.
وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.
قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.
قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.
ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.
وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.
وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.
قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.
ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.
ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ .
ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.
قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.
ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.
ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.
والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.
﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.
ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.
وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.
قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.
واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.
وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.
قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أي: بينا للناس في هذا القرآن من كل ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم؛ أخبر لهم ما لهم وما عليهم، أو لبعضهم على بعض، وأمثاله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لكي يلزمهم التذكر والاتعاظ.
والثاني: لكي يبلغهم ما يتذكرون ويتعظون.
وقوله: ﴿ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ أي: جعلناه قرآناً عربيّاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ لكي يفقهوه ويعرفوه؛ كقوله - -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ...
﴾ الآية [إبراهيم: 4].
وقوله: ﴿ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا يخالف الكتب السالفة؛ بل يوافقها؛ لأن كتب الله جاءت كلها على الدعاء إلى توحيد الله وربوبيته، فكذلك القرآن، فهو لا يخالف سائر الكتب؛ بل يوافقها.
والثاني: لا عوج فيه؛ لما لا يخالف بعضه بعضاً، ولا يناقض؛ بل خرج كله موافقاً بعضه بعضاً مستقيماً على تباعد نزوله في الأوقات، وبالله التوفيق.
وأصله: ﴿ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ أي: ليس بمائل ولا زائع عن الحق.
وقوله: ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ أي: يتقون المهالك، أو سخط الله ونقمته.
وقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ أي: لا يستويان.
يشبه أن يكون ما ذكر من المثل لرجلين من البشر كله: المسلمون والكافرون، ثم يحتمل الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون؛ أي: يتشاكسون في نسبه، يدعي كل نسبه.
أو يتشاكسون في الملك فيه، يقول كل: هو لي أو في الملك في قوم يدعي كل أن الملك له فيه.
أو يدعي كل أن الملك فيهم، ولا يثبت لواحد منهم النسب فيه لينتسب هو إلى واحد منهم، فيبقى متحيراً تائهاً؛ ولذلك لا يثبت لواحد منهم الملك الذي يدعي؛ ليطلب هذا منه النفقة، وما يجب على ذي الملك من حقوق الملك، فسعى ضائعاً متحيراً، وإذا كان الملك لرجل واحد، أو النسب أو الملك سالم له يصل إلى كل حق له، ويكون محفوظاً في نفسه معروفاً، فيكون مثل الذي فيه شركاء متشاكسون، هو الذي يعبد الشيطان أو الأصنام، أو هوى النفس، يدعو كل شيطان إلى غير الذي دعا الآخر، وكذلك الهوى يدعو صاحبه مرة إلى كذا، ومرة إلى غير ذلك، فهو كالذي فيه شركاء متشاكسون يدعي هذا وهذا، والذي يعبد إله الحق الذي يثبت ألوهيته بالحجج والآيات كالرجل السالم الواحد يكون أبداً على حالة واحدة، مطيعاً لله، خالصاً له.
وقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ أي: هل يستوي الرجل الذي يدعي فيه شركاء متشاكسون والرجل الذي يكون لرجل واحد، فيما ذكرنا؟!
أي: لا يستويان.
وقال أهل التأويل: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ ﴾ من يعبد آلهة شتى مختلفة، والذي يعبد ربّاً واحداً، وهو المؤمن، وقد رأوا أنهم قد استووا [في] هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما، وفيه دلالة البعث، وكذلك في قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ ﴾ وقد استووا في هذه الدنيا دل أن هنالك داراً أخرى يفرق بينهما [فيها]؛ إذ في الحكمة والعقل التفريق بينهما، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ذكر الحمد على أثر ذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يحمد ربه على ما خصه بالتوحيد من بين الكفار ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ توحيد ربهم.
والثاني: أمره أن يحمد ربه على ما جعله سالماً خالصاً؛ لم يجعل فيه شركاء متشاكسين.
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ ﴾ أي: مختلفون، يتنازعون، ويتشاحُّون ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً ﴾ أي: خالصاً.
ومن قرأ: ﴿ سَلَمَاً لِّرجُلٍ ﴾ أراد: سلم إليه، فهو سلم.
ثم قوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ يحتمل الأنبياء منهم والخواص؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .
وجائز أن يكون أراد جميع المؤمنين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ تقشعر منه جلود الذين يؤمنون بربهم ثم تطمئن جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾ وفي حرف حفصة: ﴿ ثم يثبت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾ .
وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ﴾ : يقول - والله أعلم -: ليس الضال الذي يتقي النار بوجهه كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه؛ ليسا بسواء؛ على ما ذكرنا.
﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ﴾ وجه ذكر هذا على أثر ما تقدم من قوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ وقد استووا في هذه الدنيا من أخلص نفسه ودينه لله وللرسول، ومن جعل فيه شركاء ولم يسلم نفسه له، وهو الكافر، ثم تموت أنت ويموتون هم، فلو لم تكن دارٌ أخرى يميز فيها ويفرق بين الذي جعل نفسه سلماً لله، خالصاً له، وبين من لم يفعل ذلك - لكان في ذلك استواء بين من ذكر، وفي الحكمة أن لا استواء بينهما، وقد يموت السالم نفسه لله، ويموت الآخر دل أنّ في ذلك بعثاً، يثاب هذا، ويعاقب الآخر، والله [أعلم].
أو أن يذكر هذا؛ لما كانوا يتشاءمون برسول الله ويتطيرون فيما يصيبهم من المصائب والشدائد، حتى قال - عز وجل -: ﴿ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ ﴾ أي: لا يخلدون، فعلى ذلك يقول - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ﴾ أيضاً، أي: لا يبقون بعد موتك أبداً، ولكنهم يموتون، ولو كان ما يصيبهم بك أنت على ما يزعمون، فيجئ ألا يصيبهم بعد موتك؛ نحو هذا يحتمل، والله أعلم.
أو أن يقول: إنك ميت فتصل إلى ما وعد لك من الكرامات والثواب، ويموتون هم فيصلون إلى ما أوعدوا من المواعيد والعقوبات، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ روي عن ابن عمر - - قال: كنا لا نعلم ما يفسر هذه الآية، وكنا نقول: من يخاصم؟
فلما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول الله، حتى كفح بعضنا وجوه بعض بالسيوف، فعرفت أنها نزلت فينا.
وذكر عن الزبير: لما نزلت هذه الآية، فقال: يا رسول الله، أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا، فقال: (نعم)، فقال: إن الأمر إذن لشديد.
وروي عن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - لما نزلت هذه الآية أنهم قالوا: كيف نختصم ونحن إخوان؛!
فلما قتل عثمان ظلماً وعدوانا، علموا أنها لهم وفيهم، والله أعلم.
ثم خصومتهم هذه يوم القيامة تحتمل وجهين: أحدهما: في المظالم [أو] في الحقوق التي كانت لبعض على بعض، أو في الدين، أو في أمر الدنيا.
أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ لما بلغت المحاجة غايتها في الدين والدنيا، ولم تنجع فيهم ولا قبلوها أخبر أنهم يختصمون في ذلك يوم القيامة في الوقت الذي يعاينون العذاب، ويظهر لهم الحق، فينقادون لها في ذلك الوقت، فلا ينفعهم ذلك، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود: ﴿ إنك مائت وإنهم مائتون ﴾ والعرب تقول: مات يمات فهو مائت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ ﴾ يقول: لا ظلم أعظم ولا أفحش مما يكذب على من يتقلب في إحسانه، ويتصرف في نعمائه، وأنتم تتقلبون في نعم الله وأنواع إحسانه، فلا ظلم أعظم ولا أفحش من الكذب عليه.
﴿ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ ﴾ ولا ظلم أعظم وأفحش من تكذيب خبره ورده؛ إذ لا خبر أصدق من خبره، ولا حديث أحق من حديثه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ﴾ كأنه يقول: أليس جهنم كافٍ للكافرين مثوى؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ﴾ أي: حسبهم جهنم عقوبة لهم بكفرهم وتكذيبهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ ﴾ : جبريل، ، ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ : محمد .
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ ﴾ : محمد ﴿ وَصَدَّقَ ﴾ أبو بكر.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ ﴾ محمد ﴿ وَصَدَّقَ ﴾ أصحابه جميعاً.
قلنا: أهل التأويل على اختلافهم اتفقوا أن الذي جاء به جبريل أو محمد هو التوحيد، فإن كان التأويل ما ذكر أهل التأويل، فعلى ذلك قوله: ﴿ ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: الموحدين، ففيه نقض قول الخوارج والمعتزلة أنّ صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وأنه يخلد في النار؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ وكل مرتكب الكبيرة مصدق بالذي جاء به جبريل ومحمد، ثم أخبر أنهم هم المتقون؛ أي: اتقوا الشرك، وقال لأولئك - أيضاً -: إنه يكفر عنهم ما ارتكبوا من المساوي، وهو قوله: ﴿ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ ﴾ دل أن لهم مساوي، ثم إن شاء عذب على تلك المساوئ وقتا ثم أعطاهم ما وعد، وإن شاء عفا عنهم وتجاوز وأعطاهم ما ذكر، فكيفما كان، فلهم ما ذكر؛ إذ هم على تصديق بما جاء [به] محمد ، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: صدق بقلبه؛ أي: جاء بالقول وتصديق القلب.
والثاني: صدق به في المعاملة في اختيار كل ما يصلح ويوافق الذي جاء به، وعلى ذلك ذكر عن الحسن قال: يا بن آدم، قلت: لا إله إلا الله، فصدقها.
فإن كان التأويل هذا فهو أشد، لكنه وإن لم يعمل الذي يوافق الذي جاء به وهو التوحيد لم يجتنب ما ذكرنا، فإن له ما ذكر إما بعد التوحيد، وإما بعد العفو، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ دل هذا أن ذلك الوعد للجماعة، وليس لواحد ولا اثنين، وهو لجميع المؤمنين.
وقوله: ﴿ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ذكر نوعين من العمل السيئ والحسن، ثم أخبر أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم بأحسن [الذي كانوا يعملون]، فيحتمل: الأحسن: الحسنات نفسها يجزيها، ويكفر السيئات.
ويحتمل أنه يكفر [أسوأ] السيئات وأعظمها، ويجزي على أحسن الحسنات وأعظمها، فعلى هذا أحسن وأسوأ من نوعها، أحسن الحسنات وأسوأ السيئات، وعلى الأول من غير نوعها أي يكفر السيئات، ويجزي بالحسنات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ومن يوفقه الله للهداية فلا مضلَّ يستطيع إضلاله، أليس الله بعزيز لا يغالبه أحد، ذي انتقام ممن يكفر به ويعصيه؟!
بلى إنه لعزيز ذو انتقام.
<div class="verse-tafsir" id="91.5wzZA"