تفسير الآية ٤ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٤ من سورة الزمر

لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًۭا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 52 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٤ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة ، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير ، وعيسى فقال : ( لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ) أي : لكان الأمر على خلاف ما يزعمون .

وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه ، بل هو محال ، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه ، كما قال : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ) [ الأنبياء : 17 ] ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) [ الزخرف : 81 ] ، كل هذا من باب الشرط ، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم .

وقوله : ( سبحانه هو الله الواحد القهار ) أي : تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد ، فإنه الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي كل شيء عبد لديه ، فقير إليه ، وهو الغني عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت له وذلت وخضعت .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) يقول تعالى ذكره: لو شاء الله اتخاذ ولد, ولا ينبغي له ذلك, لاصطفى مما يخلق ما يشاء, يقول: لاختار من خلقه ما يشاء.

وقوله: ( سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) يقول: تنـزيها لله عن أن يكون له ولد, وعما أضاف إليه المشركون به من شركهم ( هُوَ اللَّهُ ) يقول: هو الذي يَعْبده كلّ شيء, ولو كان له ولد لم يكن له عبدا, يقول: فالأشياء كلها له ملك, فأنى يكون له ولد, وهو الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه, والقهار لخلقه بقدرته, فكل شيء له متذلل, ومن سطوته خاشع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء أي لو أراد أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله - عز وجل - إليهم .

سبحانه أي تنزيها له عن الولد هو الله الواحد القهار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا } كما زعم ذلك من زعمه، من سفهاء الخلق.

{ لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } أي: لاصطفى بعض مخلوقاته التي يشاء اصطفاءه، واختصه لنفسه، وجعله بمنزلة الولد، ولم يكن حاجة إلى اتخاذ الصاحبة.{ سُبْحَانَهُ } عما ظنه به الكافرون، أو نسبه إليه الملحدون.{ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } أي: الواحد في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، فلا شبيه له في شيء من ذلك، ولا مماثل، فلو كان له ولد، لاقتضى أن يكون شبيها له في وحدته، لأنه بعضه، وجزء منه.القهار لجميع العالم العلوي والسفلي، فلو كان له ولد لم يكن مقهورا، ولكان له إدلال على أبيه ومناسبة منه.ووحدته تعالى وقهره متلازمان، فالواحد لا يكون إلا قهارا، والقهار لا يكون إلا واحدا، وذلك ينفي الشركة له من كل وجه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى ) لاختار ، ( مما يخلق ما يشاء ) يعني : الملائكة ، كما قال : " لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا " ( الأنبياء - 17 ) ثم نزه نفسه فقال : ) ( سبحانه ) تنزيها له عن ذلك ، وعما لا يليق بطهارته ، ( هو الله الواحد القهار ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لو أراد الله أن يتخذ ولدا» كما قالوا: (اتخذ الرحمن ولدا) «لاصطفى مما يخلق ما يشاء» واتخذه ولدا غير من قالوا الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله «سبحانه» تنزيها له عن اتخاذ الولد «هو الله الواحد القهار» لخلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاختار من مخلوقاته ما يشاء، تنزَّه الله وتقدَّس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، القهَّار الذي قهر خلقه بقدرته، فكل شيء له متذلل خاضع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أبطل - سبحانه - كل تصور للشرك والشركاء ، بأن نزه - تعالى - ذاته عن اتخاذ الولد فقال : ( لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ الله الواحد القهار ) .أى : لو أراد الله - تعالى - على سبيل الفرض والتقدير - أن يتخذ ولدا ، لاختار من خلقه ما يريده هو ، لا ما يريده الضالون ، لكنه - سبحانه - لم يختر أحد اليكون ولدا له ، فدل ذلك على بطلان زعم الزاعمين بأن الملائكة بنات الله ، أو بأن عزيراً ابن الله ، أو بأن المسيح ابن الله .( سُبْحَانَهُ هُوَ الله الواحد القهار ) أى : تنزه - عز وجل - عن كل شئ من ذلك ، فإنه هو الله الواحد فى ذاته وفى صفاته ، القهار لكل مخلوقاته .قال الإِمام ابن كثير : بيَّن - تعالى - فى هذه الآية أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين فى الملائكة ، والمعاندون من اليهود والنصارى فى العزيز وعيسى فقال : ( لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ) أى .

لكان الأمر على خلاف ما يزعمون .وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه ، بل هو محال ، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه ، كما قال : ( لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ) وكما قال : ( قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ) كل هذا من باب الشرط ، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم .وقال بعض العلماء ما ملخصه : إرادة اتخاذ الولد هنا ممتنعة ، لأن الإِرادة لا تتعلق إلا بالممكنات ، واتخاذ الولد محال ، كما ثبت بالبرهان القطعى فتستحيل إرادته .

وجعلها فى الآية شرطا وتعليق الجواب عليها ، لا يقتضى إمكانها فضلا عن وقوعها ، وقد عرف فى فصيح الكلام : تعليق المحال على المحال جوازا ووقوعا .على أن الولدية تقتضى التجانس بين الوالد والولد .

إذ هو قطعة منه .

وقد ثبت أن كل ما عداه - سبحانه - مخلوق له .

فيلزم بموجب التجانس أن يكون المخلوق من جنس الخالق ، وهو يستلزم حدوث الخالق ، أو قدم المخلوق ، وكلاهما محال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر الفراء والزجاج: في رفع ﴿ تَنزِيلَ ﴾ وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿ تَنزِيلَ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ مِنَ الله العزيز الحكيم ﴾ خبر والثاني: أن يكون التقدير هذا تنزيل الكتاب، فيضمر المبتدأ كقوله: ﴿ سورة أنزلناها  ﴾ أي هذه سورة، قال بعضهم: الوجه الأول لوجوه: الأول: أن الإضمار خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لضرورة، ولا ضرورة هاهنا الثاني: أنا إذا قلنا: ﴿ تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله ﴾ جملة تامة من المبتدأ والخبر أفاد فائدة شريفة، وهي أن تنزيل الكتاب يكون من الله، لا من غيره وهذا الحصر معنى معتبر، أما إذا أضمرنا المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة الثالث: أنا إذا أضمرنا المبتدأ صار التقدير هذا تنزيل الكتاب من الله، وحينئذ يلزمنا مجاز آخر، لأن هذا إشارة إلى السورة، والسورة ليست نفس التنزيل، بل السورة منزلة، فحينئذ يحتاج إلى أن نقول المراد من المصدر المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة.

المسألة الثانية: القائلون بخلق القرآن احتجوا بأن قالوا إنه تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق والجواب: أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف.

المسألة الثالثة: الآيات الكثيرة تدل على وصف القرآن بكونه تنزيلاً وآيات أخر تدل على كونه منزلاً.

أما الأول: فقوله تعالى: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين  ﴾ ، وقال: ﴿ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ وقال: ﴿ حمٓ  تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ  ﴾ .

وأما الثاني: فقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ﴾ وقال: ﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ  ﴾ وأنت تعلم أن كونه منزلاً أقرب إلى الحقيقة من كونه تنزيلاً، فكونه منزلاً مجاز أيضاً لأنه إن كان المراد من القرآن الصفة القائمة بذات الله فهو لا يقبل الإنفصال والنزول، وإن كان المراد منه الحروف والأصوات فهي أعراض لا تقبل الانتقال والنزول، بل المراد من النزول نزول الملك الذي بلغها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة العزيز هو القادر الذي لا يغلب فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى قادراً على ما لا نهاية له والحكيم هو الذي يفعل لداعية الحكمة لا لداعية الشهوة، وهذا إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وأنه غني عن جميع الحاجات إذا ثبت هذا فنقول كونه تعالى: عزيزاً حكيماً يدل على هذه الصفات الثلاثة، العلم بجميع المعلومات، والقدرة على كل الممكنات، والاستغناء عن كل الحاجات، فمن كان كذلك امتنع أن يفعل القبيح وأن يحكم بالقبيح، وإذا كان كذلك فكل ما يفعله يكون حكمة وصواباً.

إذا ثبت هذا فنقول الانتفاع بالقرآن يتوقف على أصلين أحدهما: أن يعلم أن القرآن كلام الله، والدليل عليه أنه ثبت بالمعجز كون الرسول صادقاً، وثبت بالتواتر أنه كان يقول القرآن كلام الله فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن القرآن كلام الله والأصل الثاني: أن الله أراد بهذه الألفاظ المعاني التي هي موضوعة لها، أم بحسب اللغة أو بحسب القرينة العرفية أو الشرعية لأنه لو لم يرد بها ذلك لكان تلبيساً، وذلك لا يليق بالحكيم فثبت بما ذكرنا أن الانتفاع بالقرآن لا يحصل إلا بعد تسليم هذين الأصلين، وثبت أنه لا سبيل إلى إثبات هذين الأصلين إلا بإثبات كونه تعالى حكيماً، وثبت أن لا سبيل إلى إثبات كونه حكيماً إلا بالبناء على كونه تعالى عزيزاً، فلهذا السبب قال: ﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: لفظ التنزيل يشعر بأنه تعالى أنزله عليه نجماً على سبيل التدريج ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله عليه دفعة واحدة فكيف الجمع بينهما والجواب: إن صح الفرق بين التنزيل وبين الإنزال من الوجه الذي ذكرتم فطريق الجمع أن يقال المعنى إنا حكمنا حكماً كلياً جزماً بأن يوصل إليك هذا الكتاب، وهذا هو الإنزال، ثم أوصلناه نجماً إليك على وفق المصالح وهذا هو التنزيل.

السؤال الثاني: ما المراد من قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ ؟

والجواب: فيه وجهان الأول: المراد أنزلنا الكتاب إليك ملتبساً بالحق والصدق والصواب على معنى كل ما أودعناه فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وأنواع التكاليف فهو حق وصدق يجب العمل به والمصير إليه الثاني: أن يكون المراد إنا أنزلنا إليك الكتاب بناء على دليل حق دل على أن الكتاب نازل من عند الله، وذلك الدليل هو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته، ولو لم يكن معجزاً لما عجزوا عن معارضته.

ثم قال: ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما بين في قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق والصواب أردف هنا بعض ما فيه من الحق والصدق وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص ويتبرأ عن عبادة غير الله تعالى بالكلية، فأما اشتغاله بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص فهو المراد من قوله تعالى: ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً ﴾ ، وأما براءته من عبادة غير الله تعالى فهو المراد بقوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ لأن قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ﴾ يفيد الحصر، ومعنى الحصر أن يثبت الحكم في المذكور وينتفي عن غير المذكور، واعلم أن العبادة مع الإخلاص لا تعرف حقيقة إلا إذا عرفنا أن العبادة ما هي وأن الإخلاص ما هو وأن الوجوه المنافية للإخلاص ما هي فهذه أمور ثلاثة لابد من البحث عنها: أما العبادة: فهي فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب قبوله.

وأما الإخلاص: فهو أن يكون الداعي له إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك مجرد هذا الانقياد والامتثال، فإن حصل منه داع آخر فإما أن يكون جانب الداعي إلى الطاعة راجحاً على الجانب الآخر أو معادلاً له أو مرجوحاً.

وأجمعوا على أن المعادل والمرجوح ساقط، وأما إذا كان الداعي إلى طاعة الله راجحاً على الجانب الآخر فقد اختلفوا في أنه هل يفيد أم لا، وقد ذكرنا هذه المسألة مراراً ولفظ القرآن يدل على وجوب الإتيان به على سبيل الخلوص، لأن قوله: ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً ﴾ صريح في أنه يجب الإتيان بالعبادة على سبيل الخلوص وتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ وأما بيان الوجوه المنافية للإخلاص فهي الوجوه الداعية للشريك وهي أقسام أحدها: أن يكون للرياء والسمعة فيه مدخل.

وثانيها: أن يكون مقصودة من الإتيان بالطاعة الفوز بالجنة والخلاص من النار.

وثالثها: أن يأتي بها ويعتقد أن لها تأثيراً في إيجاب الثواب أو دفع العقاب.

ورابعها: وهو أن يخلص تلك الطاعات عن الكبائر حتى تصير مقبولة، وهذا القول إنما يعتبر على قول المعتزلة.

المسألة الثانية: من الناس من قال: ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ المراد منه شهادة أن لا إله إلا الله، واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا إله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي» وهذا قول من يقول: لا تضر المعصية مع الإيمان كما لا تنفع الطاعة مع الكفر، وأما الأكثرون فقالوا الآية متناولة لكل ما كلف الله به من الأوامر والنواهي، وهذا هو الأولى لأن قوله: ﴿ فاعبد الله ﴾ عام، وروي أن امرأة الفرزدق لما قرب وفاتها أوصت أن يصلي الحسن البصري عليها، فلما صلى عليها ودفنت، قال للفرزدق: يا أبا فراس ما الذي أعددت لهذا الأمر؟

قال: شهادة أن لا إله إلا الله، فقال الحسن رضي الله عنه: هذا العمود فأين الطنب؟

فبين بهذا أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة، قال القاضي: فأما ما يروى أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي الدرادء: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء فإن صح فإنه يجب أن يحمل عليه بشرط التوبة وإلا لم يجز قبول هذا الخبر لأنه مخالف للقرآن، ولأنه يوجب أن لا يكون الإنسان مزجوراً عن الزنا والسرقة، وأن لا يكون متعدياً بفعلهما لأنه مع شدة شهوته للقبيح يعلم أنه لا يضره مع تمسكه بالشهادتين فكأن ذلك إغراء بالقبيح، والكل ينافي حكمة الله تعالى ولا يلزم أن يقال ذلك فالقول بأنه يزول ضرره بالتوبة يوجب أيضاً الإغراء بالقبيح، لأنا نقول إن من اعتقد أن ضرره يزول بالتوبة فقد اعتقد أن فعل القبيح مضرة إلا أنه يزيل ذلك الضرر بفعل التوبة بخلاف قول من يقول إن فعل القبيح لا يضر مع التمسك بالشهادتين.

هذا تمام كلام القاضي، فيقال له: أما قولك إن القول بالمغفرة مخالف للقرآن فليس كذلك بل القرآن يدل عليه قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ  ﴾ أي حال ظلمهم كما يقال رأيت الأمير على أكله وشربه أي حال كونه آكلاً وشارباً، وقال: ﴿ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً  ﴾ ، وأما قوله: إن ذلك يوجب الإغراء بالقبيح، فيقال له إن كان الأمر كذلك وجب أن يقبح غفرانه عقلاً، وهذا مذهب البغداديين من المعتزلة، وأنت لا تقول به، لأن مذهب البصريين أن عذاب المذنب جائز عقلاً، وأيضاً فيلزم عليه أن لا يحصل الغفران بالتوبة، لأنه إذا علم أنه إذا أذنب ثم تاب غفر الله له لم ينزجر وأما الفرق الذي ذكره القاضي فبعيد، لأنه إذا عزم على أن يتوب عنه في الحال علم أنه لا يضره ذلك الذنب ألبتة.

ثم نقول مذهبنا أنا نقطع بحصول العفو عن الكبائر في الجملة، فأما في حق كل واحد من الناس فذلك مشكوك فيه لأنه تعالى قال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ فقطع بحصول المغفرة في الجملة، إلا أنه سبحانه وتعالى لم يقطع بحصول هذا الغفران في حق كل أحد بل في حق من شاء وإذا كان كذلك كان الخوف حاصلاً فلا يكون الإغراء حاصلاً، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف قرئ الدين بالرفع، ثم قال: وحق من رفعه أن يقرأ مخلصاً بفتح اللام لقوله تعالى: ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ  ﴾ حتى يطابق قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ والخالص والمخلص واحد إلا أنه وصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي كقولهم شعر شاعر، واعلم أنه تعالى لما بين أن رأس العبادات ورئيسها الإخلاص في التوحيد أردفه بذم طريقة المشركين فقال: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ وتقدير الكلام والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وعلى هذا التقدير فخبر الذين محذوف وهو قوله يقولون، واعلم أن الضمير في قوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله، وهي قسمان العقلاء وغير العقلاء، أما العقلاء فهو أن قوماً عبدوا المسيح وعزيزاً والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام، إذا عرفت هذا فنقول الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، وبيانه من وجهين: الأول: أن الضمير في قوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ ﴾ ضمير للعقلاء فلا يليق بالأصنام الثاني: أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعد من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله، وعلى هذا التقدير فمرادهم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله، ويمكن أن يقال إن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صوراً لها.

وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا: إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده البشر لكن اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله مثل الكواكب ومثل الأرواح السماوية، ثم إنها تشتغل بعبادة الإله الأكبر، فهذا هو المراد من قولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ .

واعلم أن الله تعالى لما حكى مذاهبهم أجاب عنها من وجوه: الأول: أنه اقتصر في الجواب على مجرد التهديد فقال: ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ واعلم أن الرجل المبطل إذا ذكر مذهباً باطلاً وكان مصراً عليه، فالطريق في علاجه أن يحتال بحيلة توجب زوال ذلك الإصرار عن قلبه، فإذا زال الإصرار عن قلبه فبعد ذلك يسمعه الدليل الدال على بطلانه، فيكون هذا الطريق أفضى إلى المقصود.

والأطباء يقولون: لابد من تقديم المنضج على سقي المسهل فإن بتناول المنضج تصير المواد الفاسدة رخوة قابلة للزوال، فإذا سقيته المسهل بعد ذلك حصل النقاء التام، فكذلك هاهنا سماع التهديد والتخويف أولاً يجري مجرى سقي المنضج أولاً، وإسماع الدليل ثانياً يجري مجرى سقي المسهل ثانياً.

فهذا هو الفائدة في تقديم هذا التهديد.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ ﴾ والمراد أن من أصر على الكذب والكفر بقي محروماً عن الهداية، والمراد بهذا الكذب وصفهم لهذه الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وهم نحتوها وتصرفوا فيها، والعلم الضروري حاصل بأن وصف هذه الأشياء بالإلهية كذب محض، وأما الكفر فيحتمل أن يكون المراد منه الكفر الراجع إلى الاعتقاد، والأمر هاهنا كذلك فإن وصفهم لها بالإلهية كذب، واعتقادهم فيها بالإلهية جهل وكفر.

ويحتمل أن يكون المراد كفران النعمة، والسبب فيه أن العبادة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام، وذلك المنعم هو الله سبحانه وتعالى وهذه الأوثان لا مدخل لها في ذلك الإنعام فالإشتغال بعبادة هذه الأوثان يوجب كفران نعمة المنعم الحق.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سبحانه هُوَ الله الواحد القهار ﴾ والمراد من هذا الكلام: إقامة الدلائل القاهرة على كونه منزهاً عن الولد وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو اتخذ ولداً لما رضي إلا بأكمل الأولاد وهو الإبن فكيف نسبتم إليه البنت الثاني: أنه سبحانه واحد حقيقي والواحد الحقيقي يمتنع أن يكون له ولد، أما أنه واحد حقيقي فلأنه لو كان مركباً لاحتاج إلى كل واحد من أجزائه وجزؤه غيره، فكان يحتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يكون واجب الوجود لذاته، وأما أن الواحد لا يكون له ولد فلوجوه: الأول: أن الولد عبارة عن جزء من أجزاء الشيء ينفصل عنه، ثم يحصل له صورة مساوية لصورة الوالد.

وهذا إنما يعقل في الشيء الذي ينفصل منه جزء والفرد المطلق لا يقال ذلك فيه الثاني: شرط الولد أن يكون مماثلاً في تمام الماهية للوالد فتكون حقيقة ذلك الشيء حقيقة نوعية محمولة على شخصين، وذلك محال لأن تعيين كل واحد منهما إن كان من لوازم تلك الماهية لزم أن لا يحصل من تلك الماهية إلا الشخص الواحد، وإن لم يكن ذلك التعيين من لوازم تلك الماهية كان ذلك التعيين معلوماً بسبب منفصل، فلا يكون إلهاً واجب الوجود لذاته.

فثبت أن كونه إلهاً واجب الوجود لذاته يوجب كونه واحداً في حقيقته، وكونه واحداً في حقيقته يمنع من ثبوت الولد له، فثبت أن كونه واحداً يمنع من ثبوت الولد الثالث: أن الولد لا يحصل إلا من الزوج والزوجة والزوجان لابد وأن يكونا من جنس واحد، فلو كان له ولد لما كان واحداً بل كانت زوجته من جنسه، وأما أن كونه قهاراً يمنع من ثبوت الولد له، فلأن المحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيحتاج إلى ولد يقوم مقامه، فالمحتاج إلى الولد هو الذي يكون مقهوراً بالموت، أما الذي يكون قاهراً ولا يقهره غيره كان الولد في حقه محالاً، فثبت أن قوله: ﴿ هُوَ الله الواحد القهار ﴾ ألفاظ مشتملة على دلائل قاطعة في نفي الولد عن الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ قرئ: بالرفع على أنه مبتدأ أخبر عنه بالظرف.

أو خبر مبتدأ محذوف والجار صلة التنزيل، كما تقول: نزل من عند الله.

أو غير صلة، كقولك: هذا الكتاب من فلان إلى فلان، فهو على هذا خبر بعد خبر.

أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا تنزيل الكتاب، هذا من الله، أو حال من التنزيل عمل فيها معنى الإشارة، وبالنصب على إضمار فعل، نحو: اقرأ، والزم.

فإن قلت: ما المراد بالكتاب؟

قلت: الظاهر على الوجه الأول أنه القرآن، وعلى الثاني: أنه السورة ﴿ مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ ممحضاً له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر.

وقرئ: ﴿ الدين ﴾ بالرفع.

وحق من رفعه أن يقرأ مخلصاً- بفتح اللام- كقوله تعالى: ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ ﴾ [النساء: 146] حتى يطابق قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ والخالص والمخلص: واحد، إلاّ أن يصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي.

كقولهم: شعر شاعر، وأما من جعل ﴿ مُخْلِصاً ﴾ حالاً من العابد، و ﴿ لَّهُ الدين ﴾ مبتدأ وخبراً، فقد جاء بإعراب رجع به الكلام إلى قولك: لله الدين ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر، لاطلاعه على الغيوب والأسرار، ولأنه الحقيق بذلك، لخلوص نعمته عن استجرار المنفعة بها.

وعن قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.

وعن الحسن: الإسلام ﴿ والذين اتخذوا ﴾ يحتمل المتخذين وهم الكفرة، والمتخذين، وهم الملائكة وعيسى واللات والعزّى: عن ابن عباس رضي الله عنهما، فالضمير في ﴿ اتخذوا ﴾ على الأوّل راجع إلى الذين، وعلى الثاني إلى المشركين، ولم يجر ذكرهم لكونه مفهوماً، والراجع إلى الذين محذوف والمعنى: والذين اتخذهم المشركون أولياء، ﴿ والذين اتخذوا ﴾ في موضع الرفع على الابتداء.

فإن قلت: فالخبر ما هو؟

قلت: هو على الأوّل إما ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أو ما أضمر من القول قبل قوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ ﴾ .

وعلى الثاني: أن الله يحكم بينهم.

فإن قلت: فإذا كان ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ الخبر، فما موضع القول المضمر؟

قلت: يجوز أن يكون في موضع الحال، أي: قائلين ذلك.

ويجوز أن يكون بدلاً من الصلة فلا يكون له محلّ، كما أنّ المبدل منه كذلك.

وقرأ ابن مسعود بإظهار القول: ﴿ قالوا ما نعبدهم ﴾ وفي قراءة أبيّ: ما نعبدكم إلا لتقربونا على الخطاب، حكاية لما خاطبوا به آلهتهم.

وقرئ: ﴿ نعبدهم ﴾ بضم النون اتباعاً للعين كما تتبعها الهمزة في الأمر، والتنوين في ﴿ عَذَاب اركض ﴾ والضمير في ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ لهم ولأوليائهم.

والمعنى: أن الله يحكم بينهم بأنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم النار مع الحجارة التي نحتوها وعبدوها من دون الله يعذبهم بها حيث يجعلهم وإياها حصب جهنم.

واختلافهم: أن الذين يعبدون موحدون وهم مشركون، وأولئك يعادونهم ويلعنونهم، وهم يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله زلفى.

وقيل: كان المسلمون إذا قالوا لهم: من خلق السموات والأرض، أقرّوا وقالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟

قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ فالضمير في ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ عائد إليهم وإلى المسلمين.

والمعنى: أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين، والمراد بمنع الهداية: منع اللطف تسجيلاً عليهم بأن لا لطف لهم، وأنهم في علم الله من الهالكين.

وقرئ: ﴿ كذاب وكذوب ﴾ وكذبهم: قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء: بنات الله، ولذلك عقبه محتجاً عليهم بقوله: ﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ يعني: لو أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصحّ، لكونه محالاً؛ ولم يتأت إلا أن يصطفي من خلقه بعضه ويختصمهم ويقربهم، كما يختص الرجل ولده ويقربه.

وقد فعل ذلك بالملائكة فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم، فزعمتم أنهم أولاده، جهلاً منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض، كأنه قال: لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه وهم الملائكة، إلا أنكم لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولاداً، ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم فجعتلموهم بنات، فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء على الله وملائكته، غالين في الكفر، ثم قال: ﴿ سبحانه ﴾ فنزه ذاته عن أن يكون له أحد ما نسبوا إليه من الأولاد والأولياء.

ودلَّ على ذلك بما ينافيه، وهو أنه واحد، فلا يجوز أن يكون له صاحبة؛ لأنه لو كانت له صاحبة لكانت من جنسه ولا جنس له؛ وإذا لم يتأت أن يكون له صاحبة لم يتأت أن يكون له ولد، وهو معنى قوله: ﴿ أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة ﴾ [الأنعام: 101] .

وقهار غلاب لكل شيء، ومن الأشياء آلهتهم، فهو يغلبهم، فكيف يكونون له أولياء وشركاء؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ أيْ ألا هو الَّذِي وجَبَ اخْتِصاصُهُ بِأنْ يُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ، فَإنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ والِاطِّلاعِ عَلى الأسْرارِ والضَّمائِرِ.

﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ يَحْتَمِلُ المُتَّخِذِينَ مِنَ الكَفَرَةِ والمُتَّخِذِينَ مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى والأصْنامِ عَلى حَذْفِ الرّاجِعِ وإضْمارِ المُشْرِكِينَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَلالَةِ المُساقِ عَلَيْهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عَلى الأوَّلِ.

﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ وهو مُتَعَيِّنٌ عَلى الثّانِي، وعَلى هَذا يَكُونُ القَوْلُ المُضْمَرُ بِما في حَيِّزِهِ حالًا أوْ بَدَلًا مِنَ الصِّلَةِ وزُلْفى مَصْدَرٌ أوْ حالٌ، وقُرِئَ: «قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ» و «ما نَعْبُدُكم إلّا لِتُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ» حِكايَةً لِما خاطَبُوا بِهِ آلِهَتَهم و «نُعْبُدُهُمْ» بِضَمِّ النُّونِ اتِّباعًا.

﴿ فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ مِنَ الدِّينِ بِإدْخالِ المُحِقِّ الجَنَّةَ والمُبْطِلِ النّارَ والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ ومُقابِلِيهِمْ، وقِيلَ لَهم ولِمَعْبُودِيهِمْ فَإنَّهم يَرْجُونَ شَفاعَتَهم وهم يَلْعَنُونَها.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ﴾ لا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ.

﴿ مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ ﴾ فَإنَّهُما فاقِدا البَصِيرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي لو جاز اتخاذ الولد على ما تظنون لاختار مما يخلق ما يشاء لا ما تختارون أنتم وتشاؤون {سبحانه} نزه ذاته عن أن يكون له أخذ ما نسبوا إليه من الأولياء والأولاد ودل على ذلك بقوله {هُوَ الله الواحد القهار} يعني أنه واحد متبريء عن انضمام الأعداد متعال عن التجزؤ والولاد قهار غلاب لكل شيء ومن الأشياء آلهتهم فأنى يكون له أولياء وشركاء ثم دل بخلق السموات والأرض وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر وتسخير النيرين وجريهما لأجل مسمى وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة وخلق الأنعام على أنه واحد لا يشارك قهار لا يغالب بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ القَوْلِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ وعِيسى ابْنُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بِبَيانِ اسْتِحالَةِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ عَلى الإطْلاقِ لِيَنْدَرِجَ فِيهِ اسْتِحالَةُ ما قِيلَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وحاصِلُ المَعْنى: لَوْ أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَتْ تِلْكَ الإرادَةُ لِتَعَلُّقِها بِالمُمْتَنِعِ أعْنِي الِاتِّخاذَ، لَكِنْ لا يَجُوزُ لِلْبارِي إرادَةٌ مُمْتَنِعَةٌ، لِأنَّها تُرَجِّحُ بَعْضَ المُمْكِناتِ عَلى بَعْضٍ.

وأصْلُ الكَلامِ: لَوِ اتَّخَذَ الوَلَدَ لامْتَنَعَ لِاسْتِلْزامِهِ ما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، فَعَدَلَ إلى لَوْ أرادَ الِاتِّخاذَ لامْتَنَعَ أنْ يُرِيدَهُ لِيَكُونَ أبْلَغَ وأبْلَغَ ثُمَّ حُذِفَ هَذا الجَوابُ وجِيءَ بَدَلَهُ لاصْطَفى، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُمْكِنَ هَذا لا الأوَّلُ، وإنَّهُ لَوْ كانَ هَذا مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ في شَيْءٍ لَجازَ الوَلَدُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَأْنُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ تَحَقَّقَ التَّلازُمُ وحَقَّ نَفْيُ اللّازِمِ وإثْباتُ المَلْزُومِ، دُونَ صُعُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ، لَكِنْ عَلى إرادَةِ نَفْيِ الصِّحَّةِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِن تَقْدِيرَيِ الإرادَةِ وعَدَمِها مِن بابِ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، فَلا يُنْفى الثّانِي إذْ ذاكَ، ولا يَحْتاجُ إلى بَيانِ المُلازَمَةِ، وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ فالمُمْكِنُ الِاصْطِفاءِ، وقَدِ اصْطَفى سُبْحانَهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ مَن شاءَ كالمَلائِكَةِ، وعِيسى، وذَهَبَ عَلَيْكم أنَّ الِاصْطِفاءَ لَيْسَ بِاتِّخاذٍ، والجَوابُ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما يُفِيدُ زِيادَةَ مُبالَغَةٍ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ (لاصْطَفى) هو الجَوابَ عَلَيْهِ لِصَيْرُورَةِ المَعْنى حِينَئِذٍ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لاصْطَفى، ولَوْ لَمْ يُرِدْ لاصْطَفى، مِن طَرِيقِ الأوْلى، وحِينَئِذٍ يَكُونُ إثْباتُ الِاصْطِفاءِ هو المَطْلُوبُ مِنَ الإيرادِ، كَما أنَّ التَّمَدُّحَ بِنَفْيِ العِصْيانِ في مِثالِ البابِ هو المَطْلُوبُ، ولَيْسَ الكَلامُ فِيهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ هو مِن أُسْلُوبِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في الآيَةِ: لَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَجَعَلَ المَخْلُوقَ ولَدًا، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى، والتّالِي مُحالٌ لِلْمُبايَنَةِ التّامَّةِ بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ، والوَلَدِيَّةُ تَأْبى تِلْكَ المُبايَنَةَ، فالمُقَدَّمُ مِثْلُهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ عَلى مَعْنى: لاتَّخَذَهُ ابْنًا عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ وما تَقَدَّمَ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ الَّتِي نَبَّهْتُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ مِنَ اسْتِحالَةِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في حَقِّهِ تَعالى، وتَأْكِيدٌ لَهُ بِبَيانِ تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْهُ، أيْ تَنَزُّهُهُ الخاصُّ بِهِ تَعالى عَلى أنَّ سُبْحانَهُ مَصْدَرٌ مِن سَبَحَ، إذا بَعُدَ أوْ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا لائِقًا بِهِ، لِأنَّهُ عَلَمُ التَّسْبِيحِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، أوْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا لائِقًا بِشَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِتَنَزُّهِهِ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا، فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ يَقْتَضِي تَبَعُّضًا، وانْفِصالَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وكَذا يَقْتَضِي المُماثَلَةَ بَيْنَ الوَلَدِ والوالِدِ، والوَحْدَةُ الذّاتِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي هي في أعْلى مَراتِبِ الوَحْدَةِ الواجِبَةِ لَهُ تَعالى بِالبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ تَأْبى التَّبَعُّضَ والِانْفِصالَ إباءً ظاهِرًا، لِأنَّهُما مِن خَواصِّ الكَمِّ، وقَدِ اعْتُبِرَ في مَفْهُومِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ سَلْبُهُ، فَتَأْبى الِاتِّخاذَ المَذْكُورَ، وكَذا تَأْبى المُماثَلَةَ، سَواءٌ فُسِّرَتْ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ قُدَماءُ المُعْتَزِلَةِ كالجُبّائِيُّ وابْنِهِ أبِي هاشِمٍ، وهي المُشارَكَةُ في أخَصِّ صِفاتِ الذّاتِ كَمُشارَكَةِ زَيْدٍ لِعَمْرٍو في النّاطِقِيَّةِ، أمْ فُسِّرَتْ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِنَ الماتُرِيدِيَّةِ، وهي المُشارَكَةُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ كَمُشارَكَتِهِ لَهُ في الحَيَوانِيَّةِ والنّاطِقِيَّةِ، أمْ فُسِّرَتْ بِما نُسِبَ إلى الأشْعَرِيِّ، وهو التَّساوِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولَعَلَّ مُرادَهُ نَحْوُ ما مَرَّ عَنِ الماتُرِيدِيِّ، وإلّا فَمَعَ التَّساوِي مِن كُلِّ وجْهٍ يَنْتَفِي التَّعَدُّدُ فَيَنْتَفِي التَّماثُلُ بِناءً عَلى ما قَرَّرُوا مِن أنَّ الوَحْدَةَ الذّاتِيَّةَ كَما تَقْتَضِي نَفْيَ الأبْعاضِ المِقْدارِيَّةِ تَقْتَضِي نَفْيَ الكَثْرَةِ العَقْلِيَّةِ، وأنَّ التَّماثُلَ يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ، وهو يَقْتَضِي ثُبُوتَ الأجْزاءِ المَذْكُورَةِ كَذا قِيلَ، وفِيهِ بَحْثٌ طَوِيلٌ، وكَلامٌ غَيْرُ قَلِيلٍ، وسَنَذْكُرُ بَعْضًا مِنهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ سُورَةِ الإخْلاصِ، فالأوْلى أنْ يَقْتَصِرَ عَلى مُنافاةِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ لِلتَّبَعُّضِ والِانْفِصالِ لِاسْتِلْزامِهِما التَّرَكُّبَ الخارِجِيَّ، والحُكَماءُ والمُتَكَلِّمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى اسْتِحالَتِهِ في حَقِّهِ تَعالى، ودَلِيلُها أظَهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ، وكَذا وصْفُ القَهّارِيَّةِ يَأْبى اتِّخاذَ الوَلَدِ، وقُرِّرَ ذَلِكَ عَلى أوْجُهٍ، فَقِيلَ: وجْهُ إبائِها ذَلِكَ أنَّ القَهّارِيَّةَ تَقْتَضِي الغِنى الذّاتِيَّ الَّذِي هو أعْلى مَراتِبِ الغِنى، وهو يَقْتَضِي التَّجَرُّدَ عَنِ المادَّةِ، وتَوَلُّدَ الوَلَدِ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِيها، وقِيلَ: إنَّ القَهّارِيَّةَ تَقْتَضِي كَمالَ الغِنى، وهو يَقْتَضِي كَمالَ التَّجَرُّدِ الَّذِي هو البَساطَةُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَلا يَكُونُ هُناكَ جِنْسٌ وفَصْلٌ ومادَّةٌ وصُورَةٌ وأعْراضٌ وأبْعاضٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِالبَساطَةِ الكامِلَةِ الحَقِيقِيَّةِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ لِما فِيهِ مِنَ الانْفِصالِ والمِثْلِيَّةِ مُخِلٌّ بِتِلْكَ البَساطَةِ، فَيُخِلُّ بِالغِنى، فَيُخِلُّ بِالقَهّارِيَّةِ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ الغِنى يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ ولَدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ ﴾ وقِيلَ: إنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ يَقْتَضِي انْفِصالَ شَيْءٍ عَنْهُ تَعالى، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُتَأثِّرًا مَقْهُورًا لا مُؤَثِّرًا قَهّارًا، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَحَيْثُ كانَ - جَلَّ وعَلا - قَهّارًا كَما هو مُقْتَضى الأُلُوهِيَّةِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ولَدٌ، وقِيلَ: إنَّ القَهّارِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلزَّوالِ لِأنَّ القَهّارَ لَوْ قَبِلَهُ كانَ مَقْهُورًا، إذِ المُزِيلُ قاهِرٌ لَهُ، ولِذا قِيلَ: سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.

والوَلَدُ مِن أعْظَمِ فَوائِدِهِ عِنْدَهم قِيامُهُ مَقامَ الأبِ بَعْدَ زَوالِهِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ الزَّوالُ لَمْ يَكُنْ حاجَةٌ إلى الوَلَدِ، وهَذا مَعَ كَوْنِهِ إلْزامِيًّا لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ كَما لا يَخْفى.

والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ ﴾ إلَخْ، مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّهُ مُقَرِّرُ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَعالى ولِيٌّ، ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، ولَعَلَّ بَيانَ ذَلِكَ لا يَخْفى، فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الزُّمَرِ وَتُسَمّى سُورَةُ الغُرَفِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا  ﴾ .

وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا.

.

.

﴾ الآَيَةُ [الزُّمَرِ: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ  ﴾ .

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ مَدَنِيَّتانِ ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ  ﴾ .

وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: فِيها ثَلاثُ آَياتٍ مَدَنِيّاتٍ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الكِتابُ هاهُنا القُرْآَنُ، ورَفْعُ "تَنْزِيلُ" مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: الِابْتِداءُ، ويَكُونُ الخَبَرُ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ ، فالمَعْنى: نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

والثّانِي: عَلى إضْمارِ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ؛ و ﴿ مُخْلِصًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ فالمَعْنى: فاعْبُدِ اللَّهَ مُوَحِّدًا لا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ يَعْنِي: الخالِصُ مِنَ الشِّرْكِ، وما سِواهُ لَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؛ [وَقِيلَ]: المَعْنى: لا يَسْتَحِقُّ الدِّينَ الخالِصَ إلّا الِلَّهُ.

﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنى آَلِهَةً، ويَدْخَلُ في هَؤُلاءِ اليَهُودُ حِينَ قالُوا: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ والنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ  ﴾ وجَمِيعُ عُبّادِ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَعْبُدُهُمْ ﴾ أيْ: يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم ﴿ إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ أيْ: إلّا لِيَشْفَعُوا لَنا إلى اللَّهِ.

والزُّلْفى: القُرْبى، وهو اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا.

﴿ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ فِيما كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن أمْرِ الدِّينِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ ﴿ مَن هو كاذِبٌ ﴾ في قَوْلِهِ: إنَّ الآَلِهَهُ تَشْفَعُ ﴿ كَفّارٌ ﴾ أيْ: كافِرٌ بِاتِّخاذِها آَلِهَةً، وهَذا إخْبارٌ عَمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ.

﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ \[أيْ\]: عَلى ما يَزْعُمُ مَن يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ ﴿ لاصْطَفى ﴾ أيْ: لاخْتارَ مِمّا يَخْلُقُ.

قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُمَرِ وهَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، غَيْرَ ثَلاثِ آياتٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهِيَ: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ  ﴾ الآياتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ إلى آخَرِ السُورَةِ هو مَدَنِيٌّ، وقِيلَ فِيها: مَدَنِيٌ سَبْعُ آياتٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِينَ ﴾ ﴿ ألا لِلَّهِ الدِينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفى إنَّ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿ مِنَ اللهِ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا تَنْزِيلٌ، والإشارَةُ إلى القُرْآنِ الكَرِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَنْزِيلَ" بِنَصْبِ اللامِ.

و"الكِتابِ" في قَوْلِهِ: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ هو القُرْآنُ الكَرِيمُ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللهِ مِنَ الكُتُبِ، كَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشارِعَةَ إنَّما تَنْزِيلُها مِنَ اللهِ، وجَعَلَ هَذا الإخْبارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ ، و"العَزِيزِ" في قُدْرَتِهِ، و"الحَكِيمِ" في ابْتِداعِهِ.

و"الكِتابَ" الثانِي هو القُرْآنُ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: مُتَضَمِّنًا الحَقَّ، أيْ: بِالحَقِّ فِيهِ وفي أحْكامِهِ وأخْبارِهِ، والثانِي أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ بِمَعْنى بِالِاسْتِحْقاقِ والوُجُوبِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ لِلْعالَمِ في هِدايَتِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدِ اللهَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الفاءُ عاطِفَةً جُمْلَةً مِنَ القَوْلِ عَلى جُمْلَةٍ وواصِلَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كالجَوابِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ جُمْلَةٌ، كَأنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، كَما لَوْ قالَ: الكِتابُ مُنَزَّلٌ، وفي الجُمَلِ الَّتِي هي ابْتِداءٌ وخَبَرٌ إبْهامٌ ما يُشْبِهُ الجَزاءَ، فَجاءَتِ الفاءُ كالجَوابِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ قائِمٌ فَأكْرِمْهُ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ التَقْدِيرُ: هَذِهِ خَوْلانُ.

و"مُخْلِصًا" حالٌ.

و"الدِينَ" نُصِبَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ الأمْرُ بِتَحْقِيقِ النِيَّةِ لِلَّهِ في كُلِّ عَمَلٍ، و"الدِينَ" هُنا يَعُمُّ المُعْتَقَداتِ وأعْمالَ الجَوارِحِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا لِلَّهِ الدِينُ الخالِصُ ﴾ بِمَعْنى: مِن حَقِّهِ ومِن واجِباتِهِ، لا يَقْبَلُ غَيْرَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: "لِلَّهِ الحَمْدُ"، أيْ: واجِبًا ومُسْتَحَقًّا.

قالَ قَتادَةُ: ﴿ الدِينُ الخالِصُ ﴾ : لا إلَهَ إلّا اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ، تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ: ما نَعْبُدُهُمْ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ]، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.

و"أولِياءَ" يُرِيدُ: مَعْبُودِينَ، وهَذِهِ مَقالَةٌ شائِعَةٌ في العَرَبِ، يَقُولُ كَثِيرٌ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ ونَحْنُ نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا"، وطائِفَةٌ مِنهم قالَتْ ذَلِكَ في أصْنامِهِمْ وأوثانِهِمْ.

وقالَ مُجاهِدٌ: قَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في عُزَيْرَ، وقَوْمٌ مِنَ النَصارى في عِيسى، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [نَعْبُدُكُمْ] بِالكافِ، [لِتُقَرِّبُونا] بِالتاءِ.

و"زُلْفى" بِمَعْنى: قُرْبى وتَوْصِلَةً، كَأنَّهُ قالَ: لِتُقَرِّبُونا إلى اللهِ تَقْرِيبًا، وكَأنَّ هَذِهِ الطَوائِفَ كُلَّها كانَتْ تَرى نُفُوسَها أقَلَّ مِن أنْ تَتَّصِلَ هي بِاللهِ، فَكانَتْ تَرى أنْ تَتَّصِلَ بِمَخْلُوقاتِهِ، و"زُلْفى" - عِنْدَ سِيبَوَيْهِ - مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ: مُتَزَلِّفِينَ، والعامِلُ فِيهِ "تُقَرِّبُونا"، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وفِيهِ خِلافٌ.

وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الآية موقع الاحتجاج على أن المشركين كاذبون وكفّارون في اتخاذهم أولياء من دون الله، وفي قولهم: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ﴾ [الزمر: 3] وأن الله حرمهم الهدى وذلك ما تضمنه قوله قبله: ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذبٌ كفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3]، فقصد إبطال شركهم بإبطال أقواه وهو عدّهم في جملة شركائهم شركاءَ زعموا لهم بنوّة لله تعالى، حيث قالوا: ﴿ اتخذ الله ولداً ﴾ [البقرة: 116] فإن المشركين يزعمون اللاتَ والعزى ومناةَ بناتتِ الله قال تعالى: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ [النجم: 19 21].

قال في «الكشاف» هنالك: «كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام (يعني هذه الثلاثة) بناتُ الله» وذكر البغوي عن الكلبي كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات الله فخص الاعتقاد بأهل مكة، والظاهر أن ذلك لم يقولوه في غير اللات والعزّى ومناةَ، لأن أسماءها مؤنثة، وإلاّ فإن في أسماء كثير من أسماء أصنامهم ما هو مذكّر نحو ذي الخَلَصة، وذكر في «الكشاف» عند ذكر البسملة أنهم كانوا يقولون عند الشروع في أعمالهم: باسم اللات، باسم العزّى.

فالمقصود من هذه الآية إبطال إلهية أصنام المشركين على طريقة المذهب الكلامي.

واعلم أن هذه الآية والآيات بعدها اشتملت على حجج انفراد الله.

ومعنى الآية: لو كان الله متخذاً ولداً لاختار من مخلوقاته ما يشاء اختياره، أي لاختار ما هو أجدر بالاختيار ولا يختار لبنوته حجارة كما زعمتم لأن شأن الاختيار أن يتعلق بالأحسن من الأشياء المختار منها فبطل أن تكون اللاتُ والعُزّى ومناةُ بناتتٍ لله تعالى، وإذا بطل ذلك عنها بطل عن سائر الأصنام بحكم المساواة أو الأحرى، فتكون ﴿ والذين اتَّخذوا من دونه إولياء ما نعبدهم ﴾ إلى قوله: ﴿ كَفَّار ﴾ [الزمر: 3].

وليس هو إبطالاً لمقالة بعض العرب: إن الملائكة بنات الله، لأن ذلك لم يكن من عقيدة المشركين بمكة الذين وجه الخطاب إليهم، ولا إبطالاً لبنوة المسيح عند النصارى لأن ذلك غير معتقَد عند المشركين المخاطبين ولا شعور لهم به، وليس المقصود محاجّة النصارى ولم يتعرض القرآن المكي إلى محاجّة النصارى.

واعلم أنه بني الدليل على قاعدة استحالة الولد على الله تعالى إذ بُني القياس الشرطي على فرض اتخاذ الولد لا على فرض التولّد، فاقتضى أن المراد باتخاذ الولد التبنّي لأن إبطال التبنّي بهذا الاستدلال يستلزم إبطال تولد الابن بالأولى.

وعزز المقصود من ذكر فعل الاتخاذ بتعقيبه بفعل الاصطفاء على طريقة مجاراة الخصم المخطئ ليغير في مهواة خطئه، أي لو كان لأحد من الله نسبة بنوة لكانت تلك النسبة التبنِّيَ لا غير إذ لا تتعقل بنوة لله غير التبنّي ولو كان الله متبنِّياً لاختار ما هو الأليق بالتبنّي من مخلوقاته دون الحجارة التي زعمتموها بنات لله.

وإذا بطلت بنوة تلك الأصنام الثلاثة المزعومة بطلت إلهية سائر الأصنام الأخرى التي اعترفوا بأنها في مرتبة دون مرتبة اللات والعزّى ومناة بطريق الأوْلى واتفاققِ الخصمين فقد اقتضى الكلام دليلين: طوي أحدهما وهو دليل استحالة الولد بالمعنى الحقيقي عن الله تعالى، وذكر دليل إبطال التبنّي لما لا يليق أن يتبناه الحكيم.

هذا وجه تفسير هذه الآية وبيان وقعها مما قبلها وبه تخرج عن نطاق الحيرة التي وقع فيها المفسرون فسلكوا مسالك تعسف في معناها ونظمها وموقعها، ولم يتم لأحد منهم وجه الملازمة بين شرط ﴿ لو وجوابها، وسكت بعضهم عن تفسيرها.

فوقع في الكشاف ﴾ ما يفيد أن المقصود نفي زعم المشركين بنوة الملائكة وجعل جواب وللتفتزاني بحث يقتضي عدم استقامة تقرير الكشاف } لدليل شرط ﴿ لو وجوابه، واستظهر أن لو صهيبية تبعاً لتقرير ذكره صاحب الكشف ﴾ .

وبعد فإن كلام صاحب «الكشاف» يجعل هذه الآية منقطعة عن الآيات التي قبلها، فيجعلُها بمنزلة غرض مستأنف مع أن نظم الآية نظم الاحتجاج لا نظم الإِفادة، فكان محمل «الكشاف» فيها بعيداً.

ومع قطع النظر عن هذا فإن في تقرير الملازمة في الاستدلال خفاء وتعسفاً كما أشار إليه الشَقَّار في كتابه «التقريب مختصرِ الكشاف».

وقال ابن عطية: معنى اتخاذ الولد اتخاذ التشريف والتبنّي وعلى هذا يستقيم قوله: ﴿ لاصطفى ﴾ وأما الاتخاذ المعهود في الشاهد (يعني اتخاذ النسل) فمستحيل أن يتوهم في جهة الله ولا يستقيم عليه قوله: ﴿ لاصطفى ﴾ .

ومما يدل على أن معنى أن يتخذ الاصطفاء والتبني قوله: ﴿ ممَّا يَخْلُقُ ﴾ أي من محداثته ا ه وتبعه عليه الفخر.

وبنى عليه صاحب «التقريب» فقال عقب تعقب كلام «الكشاف» «والأولى ما قيل: لو أراد أن يتخذ ولداً كما زعمتم لاختار الأفضل (أي الذكور) لا الأنقص وهنّ الإِناث».

وقال التفتزاني في «شرح الكشاف»: هذا معنى الآية بحسب الظاهر، وذكر أن صاحب «الكشاف» لم يسلكه للوجه الذي ذكره التفتزاني هناك.

والذي سلكه ابن عطية وإن كان أقرب وأوضح من مسلك «الكشاف» في تقرير الدليل لكنه يشاركه في أنه لا يصل الآية بالآيات التي قبلها وبنبغي أن لا تقطع بينها الأواصر، وكم ترك الأول للآخر.

وجملة ﴿ سبحانه ﴾ تنزيه له عما نسبوه إليه من الشركاء بعد أن أبطله بالدليل الامتناعي عوداً إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذي فارقه من قوله: ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ [الزمر: 2].

وجملة ﴿ هو الله الواحد القهَّارُ ﴾ دليل للتزيه المستفاد من ﴿ سبحانه ﴾ .

فجملة ﴿ هُوَ الله ﴾ تمهيد للوصفين، وذِكر اسمه العلم لإِحضاره في الأذهان بالاسم المختص به فلذلك لم يقل: هو الواحد القهّار كما قال بعدُ: ﴿ ألا هوَ العزيزُ الغفَّارُ ﴾ [الزمر: 5].

وإثبات الوحدانية له يبطل الشريك في الإلهية على تفاوت مراتبه، وإثبات ﴿ القَهَّارُ ﴾ يبطل ما زعموه من أن أولياءهم تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم.

والقهر: الغلبة، أي هو الشديد الغلبة لكل شيء لا يغلبه شيء ولا يصرفه عن إرادته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الزُّمَرِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ إحْداهُما ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ ، والأُخْرى ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ الآيَةَ وقالَ آخَرُونَ إلّا سَبْعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ إلى آخِرِ السَّبْعِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ والكِتابُ هو القُرْآنُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ.

﴿ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَزِيزُ في مُلْكِهِ الحَكِيمُ في أمْرِهِ.

الثّانِي: العَزِيزُ في نِقْمَتِهِ الحَكِيمُ في عَدْلِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإخْلاصُ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إخْلاصُ النِّيَّةِ لِوَجْهِهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿ لَهُ الدِّينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: العِبادَةُ.

﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: ما لا رِياءَ فِيهِ مِنَ الطّاعاتِ.

﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي آلِهَةً يَعْبُدُونَها.

﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ هَذِهِ لِأوْثانِهِمْ وقالَ مَن قَبْلَهم ذَلِكَ لِمَن عَبَدُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ وعُزَيْرٍ وعِيسى، أيْ عِبادَتُنا لَهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الزُّلْفى الشَّفاعَةُ في هَذا المَوْضِعِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها المَنزِلَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها القُرْبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ يعني القرآن ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا من الله زلفى ﴾ قال: ما نعبد هذه الآلهة إلا ليشفعوا لنا عند الله تعالى.

وأخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي رضي الله عنه، «أن رجلاً قال: يا رسول الله انا نعطي أموالنا التماس الذكر، فهل لنا في ذلك من أجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبل إلا من أخلص له.

ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ ألا لله الدين الخالص ﴾ » .

وأخرج ابن جرير من طريق جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء...

﴾ قال: أنزلت في ثلاثة أحياء: عامر، وكنانة، وبني سلمة.

كانوا يعبدون الأوثان، ويقولون الملائكة بناته.

فقالوا ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ قال: قريش يقولون للأوثان، ومن قبلهم يقولونه للملائكة ولعيسى ابن مريم ولعزيز.

وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد رضي الله عنه قال كان عبد الله رضي الله عنه يقرأ ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأها ﴿ قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ الولد يكون على وجهين: أحدهما بالولادة الحقيقية وهذا محال على الله تعالى؛ لا يجوز في العقل والثاني التبني بمعنى الاختصاص والتقريب، كما يتخذ الإنسان ولد غيره ولداً لإفراط محبته له، وذلك ممتنع على الله بإخبار الشرع فإن قوله: ﴿ وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ [مريم: 92] يعم نفي الوجهين، فمعنى الآية على ما أشار إليه ابن عطية: لو أراد الله أن يتخذ ولداً على وجه التبني لاصطفى لذلك مما يخلق من موجوداته ومخلوقاته، ولكنه لم يرد ذلك ولا فعله، وقال الزمخشري: معناه لو أراد الله اتخاذ الولد لا متنع ذلك، ولكنه يصطفي من عباده من يشاء على وجه الاختصاص والتقريب، لا على وجه اتخاذه ولداً، فاصطفى الملائكة وشرفهم بالتقريب، فحسب الكفار أنه أولاده، ثم زادوا على ذلك أن جعلوهم إناثاً، فأفرطوا في الكفر والكذب على الله وملائكته.

﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ الله الواحد القهار ﴾ نزه تعالى نفسه من اتخاذ الولد، ثم وصف نفسه بالواحد؛ لأن الوحدانية تنافي اتخاذ الولد لأنه لو كان له ولد لكان من جنسه، ولا جنس له لأنه واحد، ووصف نفسه بالقهار؛ ليدل على نفي الشركاء والأنداد، لأن كل شيء مقهور تحت قهره تعالى، فكيف يكون شريكاً له؟

ثم أتبع ذلك بما ذكره من خلقه السموات والأرض وما بينهما، ليدل على وحدانيته وقدرته وعظمته.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لو أراد الله اتخاذ ولد لاختار من خلقه ما يشاء، فجعله بمنزلة الولد، تنزه وتقدس عما يقوله هؤلاء المشركون، هو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا شريك له فيها، القهار لجميع خلقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.1Qz5O"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد