تفسير الآية ٥٣ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٥٣ من سورة الزمر

۞ قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥٣ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥٣ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة ، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها ، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر .

ولا يصح حمل هذه [ الآية ] على غير توبة ; لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه .

وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف ; أن ابن جريج أخبرهم : قال يعلى : إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] ; أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا ، وزنوا فأكثروا .

فأتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة .

فنزل : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) [ الفرقان : 68 ] ، ونزل [ قوله ] : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) .

وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي ، من حديث ابن جريج ، عن يعلى بن مسلم المكي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، به .

والمراد من الآية الأولى قوله : ( إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ) الآية .

[ الفرقان : 70 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو قبيل قال : سمعت أبا عبد الرحمن المري يقول : سمعت ثوبان - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية : ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) إلى آخر الآية ، فقال رجل : يا رسول الله ، فمن أشرك ؟

فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : " ألا ومن أشرك " ثلاث مرات .

تفرد به الإمام أحمد .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا روح بن قيس ، عن أشعث بن جابر الحداني ، عن مكحول ، عن عمرو بن عبسة قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شيخ كبير يدعم على عصا له ، فقال : يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات ، فهل يغفر لي ؟

فقال : " ألست تشهد أن لا إله إلا الله ؟

" قال : بلى ، وأشهد أنك رسول الله .

فقال : " قد غفر لك غدراتك وفجراتك " .

تفرد به أحمد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ : ( إنه عمل غير صالح ) [ هود : 46 ] وسمعته يقول : " ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ولا يبالي ( إنه هو الغفور الرحيم ) ورواه أبو داود والترمذي ، من حديث ثابت ، به .

فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد : أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ، ولا يقنطن عبد من رحمة الله ، وإن عظمت ذنوبه وكثرت ; فإن باب التوبة والرحمة واسع ، قال الله تعالى : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ) [ التوبة : 104 ] ، وقال تعالى : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) [ النساء : 110 ] ، وقال تعالى في حق المنافقين : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا ) [ النساء : 146 ، 145 ] ، وقال ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ) [ المائدة : 73 ] ، ثم قال ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ) [ المائدة : 74 ] ، وقال ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ) [ البروج : 10 ] .

قال الحسن البصري : انظر إلى هذا الكرم والجود ، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة !

.

والآيات في هذا كثيرة جدا .

وفي الصحيحين عن أبي سعيد ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث الذي قتل تسعا وتسعين نفسا ، ثم ندم وسأل عابدا من عباد بني إسرائيل : هل له من توبة ؟

فقال : لا .

فقتله وأكمل به مائة .

ثم سأل عالما من علمائهم : هل له من توبة ؟

فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ؟

ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها ، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين ، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها .

فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر ، فقبضته ملائكة الرحمة .

وذكر أنه نأى بصدره عند الموت ، وأن الله أمر البلدة الخيرة أن تقترب ، وأمر تلك البلدة أن تتباعد هذا معنى الحديث ، وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما [ في ] قوله : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) إلى آخر الآية ، قال : قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله ، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله ، ومن زعم أن عزيرا ابن الله ، ومن زعم أن الله فقير ، ومن زعم أن يد الله مغلولة ، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة ، يقول الله تعالى لهؤلاء : ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ) [ المائدة : 74 ] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولا من هؤلاء ، من قال : ( أنا ربكم الأعلى ) [ النازعات : 24 ] ، وقال ( ما علمت لكم من إله غيري ) [ القصص : 38 ] .

قال ابن عباس [ رضي الله عنهما ] من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله ، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه .

وروى الطبراني من طريق الشعبي ، عن شتير بن شكل أنه قال : سمعت ابن مسعود يقول إن أعظم آية في كتاب الله : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) [ البقرة : 255 ] ، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) [ النحل : 90 ] ، وإن أكثر آية في القرآن فرجا في سورة الغرف : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) ، وإن أشد آية في كتاب الله تصريفا ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) [ الطلاق : 3 ، 2 ] .

فقال له مسروق : صدقت .

وقال الأعمش ، عن أبي سعيد ، عن أبي الكنود قال : مر عبد الله - يعني ابن مسعود - على قاص ، وهو يذكر الناس ، فقال : يا مذكر لم تقنط الناس ؟

ثم قرأ : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) رواه ابن أبي حاتم .

ذكر أحاديث فيها نفي القنوط : قال الإمام أحمد : حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا أبو عبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله ، حدثني أخشن السدوسي قال : دخلت على أنس بن مالك فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " والذي نفسي بيده ، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ، ثم استغفرتم الله لغفر لكم ، والذي نفس محمد بيده ، لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ، ثم يستغفرون الله فيغفر لهم " تفرد به [ الإمام ] أحمد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني ليث حدثني محمد بن قيس - قاص عمر بن عبد العزيز - عن أبي صرمة ، عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أنه قال حين حضرته الوفاة : قد كنت كتمت منكم شيئا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لولا أنكم تذنبون ، لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم " .

هكذا رواه الإمام أحمد ، وأخرجه مسلم في صحيحه ، والترمذي جميعا ، عن قتيبة ، عن الليث بن سعد به .

ورواه مسلم من وجه آخر به ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن أبي صرمة - وهو الأنصاري صحابي - عن أبي أيوب به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني ، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النكري قال : سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كفارة الذنب الندامة " ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ، فيغفر لهم " تفرد به أحمد .

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي ، حدثنا داود بن عبد الرحمن ، حدثنا أبو عبد الله مسلمة الرازي ، عن أبي عمرو البجلي ، عن عبد الملك بن سفيان الثقفي ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن محمد بن الحنفية ، عن أبيه ، علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله يحب العبد المفتن التواب " .

لم يخرجوه من هذا الوجه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، أخبرنا ثابت وحميد ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : إن إبليس - عليه لعائن الله - قال : يا رب ، إنك أخرجتني من الجنة من أجل آدم ، وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك .

قال : فأنت مسلط .

قال : يا رب ، زدني .

قال : لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله .

قال : يا رب ، زدني .

قال : أجعل صدورهم مساكن لكم ، وتجرون منهم مجرى الدم .

قال : يا رب ، زدني .

قال : أجلب عليهم بخيلك ورجلك ، وشاركهم في الأموال والأولاد ، وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا .

فقال آدم [ عليه السلام ] يا رب ، قد سلطته علي ، وإني لا أمتنع [ منه ] إلا بك .

قال : لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء .

قال : يا رب ، زدني .

قال : الحسنة عشر أو أزيد ، والسيئة واحدة أو أمحوها .

قال : يا رب ، زدني .

قال : باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد .

قال : يا رب ، زدني .

قال : ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) .

وقال محمد بن إسحاق : قال نافع : عن عبد الله بن عمير ، عن عمر - رضي الله عنه - في حديثه قال : وكنا نقول ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة ، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم .

قال : وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم .

قال : فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم : ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ) .

قال عمر ، رضي الله عنه : فكتبتها بيدي في صحيفة ، وبعثت بها إلى هشام بن العاص قال : فقال هشام : لما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوت ولا أفهمها ، حتى قلت : اللهم أفهمنيها .

قال : فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا ، وفيما كنا نقول في أنفسنا ، ويقال فينا .

فرجعت إلى بعيري فجلست عليه ، فلحقت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية, فقال بعضهم: عني بها قوم من أهل الشرك, قالوا لما دعوا إلى الإيمان بالله: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا, وقتلنا النفس التي حرّم الله, والله يعد فاعل ذلك النار, فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان, فنـزلت هذه الآية.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي , عن أبيه, عن ابن عباس: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) وذلك أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان, ودعا مع الله إلها آخر, وقتل النفس التي حرّم الله لم يغفر له, فكيف نهاجر ونسلم, وقد عبدنا الآلهة, وقتلنا النفس التي حرم الله ونحن أهل الشرك؟

فأنـزل الله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) يقول: لا تيأسوا من رحمتي, إن الله يغفر الذنوب جميعا وقال: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ وإنما يعاتب الله أولي الألباب وإنما الحلال والحرام لأهل الإيمان, فإياهم عاتب, وإياهم أمر إن أسرف أحدهم على نفسه, أن لا يقنط من رحمة الله, وأن ينيب ولا يبطئ بالتوبة من ذلك الإسراف, والذنب الذي عمل، وقد ذكر الله في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا الله المغفرة, فقالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا فينبغي أن يعلم أنهم قد كانوا يصيبون الإسراف, فأمرهم بالتوبة من إسرافهم.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) قال: قتل النفس في الجاهلية.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن بعض أصحابه, عن عطاء بن يسار, قال: نـزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشيّ (3) وأصحابه ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) إلى قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ .

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, قال: قال زيد بن أسلم, في قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) قال: إنما هي للمشركين.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) حتى بلغ ( الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) قال: ذكر لنا أن أناسا أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية, فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يتاب عليهم, فدعاهم الله بهذه الآية: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ).

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) قال: هؤلاء المشركون من أهل مكة, قالوا: كيف نجيبك وأنت تزعم أنه من زنى, أو قتل, أو أشرك بالرحمن كان هالكا من أهل النار؟

فكلّ هذه الأعمال قد عملناها، فأنـزلت فيهم هذه الآية: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ).

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) ...

الآية قال: كان قوم مسخوطين في أهل الجاهلية, فلما بعث الله نبيه قالوا: لو أتينا محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فآمنا به واتبعناه، فقال بعضهم لبعض: كيف يقبلكم الله ورسوله فى دينه؟

فقالوا: ألا نبعث إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجلا؟

فلما بعثوا, نـزل القرآن: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) فقرأ حتى بلغ: فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ .

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن الشعبي, قال: تجالس شتير بن شكل ومسروق فقال شتير: إما أن تحدث ما سمعت من ابن مسعود فأصدّقك, وإما أن أحدّث فتصدّقني فقال مسروق: لا بل حدث فأصدّقك, فقال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أكبر آية فرجا في القرآن ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) فقال مسروق: صدقت.

وقال آخرون: بل عني بذلك أهل الإسلام, وقالوا: تأويل الكلام: إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء, قالوا: وهي كذلك في مصحف عبد الله, وقالوا: إنما نـزلت هذه الآية في قوم صدّهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم, فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري, قال: ثنا يحيى بن سعيد الأموي , عن ابن إسحاق, عن نافع, عن ابن عمر قال: قال يعني عمر: كنا نقول: ما لمن افتتن من توبة، وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئا, تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته, فلما قدم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم المدينة أنـزل الله فيهم: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه ) ...

الآية, قال عمر: فكتبتها بيدي, ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص , قال هشام: فلما جاءتني جعلت أقرؤها ولا أفهمها, فوقع في نفسي أنها أنـزلت فينا لما كنا نقول, فجلست على بعيري, ثم لحقت بالمدينة.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, عن نافع, عن ابن عمر, قال: إنما أنـزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة, والوليد بن الوليد, ونفر من المسلمين, كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذّبوا, فافتنوا، كنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عُذّبوه, فنـزلت هؤلاء الآيات, وكان عمر بن الخطاب كاتبا، قال: فكتبها بيده ثم بعث بها إلى عَيَّاش بن أبي ربيعة, والوليد بن الوليد, إلى أولئك النفر, فأسلموا وهاجروا.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: ثنا يونس, عن ابن سيرين, قال: قال عليّ رضي الله عنه : أي آية في القرآن أوسع ؟

فجعلوا يذكرون آيات من القرآن: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا .

ونحوها, فقال علي: ما في القرآن آية أوسع من: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) ...

إلى آخر الآية.

حدثنا أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي سعيد الأزدي, عن أبي الكنود, قال: دخل عبد الله المسجد, فإذا قاصّ يذكر النار والأغلال, قال: فجاء حتى قام على رأسه, فقال ما يذكر أتقنط الناس ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) ...

الآية.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, عن القرظي أنه قال في هذه الآية: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) قال: هي للناس أجمعين.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة, قال: ثنا حجاج, قال: ثنا ابن لهيعة, عن أبي قنبل, قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول: ثني أبو عبد الرحمن الجلائي, أنه سمع ثوبان مولى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: سمعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: " ما أُحِبُّ أنَّ لِي الدُّنْيَا وَمَا فِيها بهذه الآية: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ )"...

الآية, فقال رجل: يا رسول الله, ومن أشرك ؟

فسكت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , ثم قال: " ألا وَمَنْ أشْرَكَ, ألا ومَنْ أشْرَكَ, ثلاث مرات ".

وقال آخرون: نـزل ذلك في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار, فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني ابن البرقي, قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة, قال: ثنا أبو معاذ الخراساني, عن مقاتل بن حيان, عن نافع, عن ابن عمر, قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نرى أو نقول: إنه ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة, حتى نـزلت هذه الآية أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فلما نـزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟

فقلنا: الكبائر والفواحش, قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا: قد هلك, حتى نـزلت هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فلما نـزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك, فكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه, إن لم يصب منها شيئا رجونا له.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك, لأن الله عم بقوله ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) جميع المسرفين, فلم يخصص به مسرفا دون مسرف.

فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟

قيل: نعم إذا تاب منه المشرك.

وإنما عنى بقوله ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) لمن يشاء, كما قد ذكرنا قبل, أن ابن مسعود كان يقرؤه: وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه, فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ , فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا .

فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه, إن شاء تفضل عليه, فعفا له عنه, وإن شاء عدل عليه فجازاه به.

وأما قوله: ( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) فإنه يعني: لا تيأسوا من رحمة الله.

كذلك حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس.

وقد ذكرنا ما في ذلك من الروايات قبل فيما مضى وبيَّنا معناه.

وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) يقول: إن الله يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها( إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) بهم, أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.

----------------- الهوامش : (3) هو وحشي بن حرب الحبشي مولى جبير بن مطعم ، وهو قاتل حمزة بن عبد المطلب في غزوة أحد ، وكان فاتكا يشرب الخمر ثم أسلم بعد .

( انظر خلاصة الخزرجي ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله وإن شئت حذفت الياء ; لأن النداء موضع حذف .

النحاس : ومن أجل ما روي فيه ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال : لما اجتمعنا على الهجرة ، اتعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السهمي ، وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة ، فقلنا : الموعد أضاة بني غفار ، وقلنا : من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه .

فأصبحت أنا وعياش بن عتبة وحبس عنا هشام ، وإذا به قد فتن فافتتن ، فكنا نقول بالمدينة : هؤلاء قد عرفوا الله - عز وجل - وآمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم ، لا نرى لهم توبة ، وكانوا هم أيضا يقولون هذا في أنفسهم ، فأنزل الله - عز وجل - في كتابه : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إلى قوله تعالى : أليس في جهنم مثوى للمتكبرين قال عمر : فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام .

قال هشام : فلما قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى فقلت : اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا ، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم .

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا ، وزنوا فأكثروا ، فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعثوا إليه : إن ما تدعو إليه لحسن ، أوتخبرنا أن لنا توبة ؟

فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ذكره البخاري بمعناه .

وقد مضى في آخر [ الفرقان ] .

وعن ابن عباس أيضا نزلت في أهل مكة قالوا : يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له ، وكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر ، وقتلنا النفس التي حرم الله ؟

فأنزل الله هذه الآية .

وقيل : إنها نزلت في قوم من المسلمين أسرفوا [ ص: 240 ] على أنفسهم في العبادة ، وخافوا ألا يتقبل منهم لذنوب سبقت لهم في الجاهلية .

وقال ابن عباس أيضا وعطاء : نزلت في وحشي قاتل حمزة ; لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه : وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال : أتى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد كنت أحب أن أراك على غير جوار ، فأما إذ أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله .

قال : فإني أشركت بالله ، وقتلت النفس التي حرم الله ، وزنيت ، هل يقبل الله مني توبة ؟

فصمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلت : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون إلى آخر الآية فتلاها عليه ، فقال : أرى شرطا ، فلعلي لا أعمل صالحا ، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله .

فنزلت : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فدعا به فتلا عليه ، قال : فلعلي ممن لا يشاء ، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله .

فنزلت : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله فقال : نعم الآن لا أرى شرطا .

فأسلم .

وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم .

وفي مصحف ابن مسعود " إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء " .

قال أبو جعفر النحاس : وهاتان القراءتان على التفسير ، أي : يغفر الله لمن يشاء .

وقد عرف الله - عز وجل - من شاء أن يغفر له ، وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم تكن له كبيرة ، ودل على أنه يريد التائب ما بعده وأنيبوا إلى ربكم فالتائب مغفور له ذنوبه جميعا يدل على ذلك وإني لغفار لمن تاب فهذا لا إشكال فيه .

وقال علي بن أبي طالب : ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله وقد مضى هذا في [ سبحان ] .

وقال عبد الله بن عمر : وهذه أرجى آية في القرآن .

فرد عليهم ابن عباس وقال : أرجى آية في القرآن قوله تعالى : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وقد مضى في [ الرعد ] .

وقرئ ولا تقنطوا بكسر النون وفتحها .

وقد مضى في [ الحجر ] بيانه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال: { قُلْ } يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين اللّه، مخبرا للعباد عن ربهم: { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب.{ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ } أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار.

{ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود،.تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، .ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد،.

فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا ، وزنوا وأكثروا ، فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزلت هذه الآية .

وقال عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام ، فأرسل إليه : كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلق أثاما يضاعف له العذاب ، وأنا قد فعلت ذلك كله ، فأنزل الله عز وجل : " إلا من تاب وآمن وعمل صالحا " ( مريم - 60 ) فقال وحشي : هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك ؟

فأنزل الله تعالى : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ( النساء : 48 ، 116 ) فقال وحشي : أراني بعد في شبهة ، فلا أدري يغفر لي أم لا ؟

فأنزل الله تعالى : " قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " ، فقال وحشي : نعم هذا ، فجاء وأسلم ، فقال المسلمون : هذا له خاصة أم للمسلمين عامة ؟

فقال : بل للمسلمين عامة .

وروي عن ابن عمر قال : نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا ، فافتتنوا فكنا نقول : لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا ، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات ، فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا .

وروى مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر قال : كنا معاشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نرى أو نقول : ليس بشيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم " ( محمد - 33 ) فلما نزلت هذه الآية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟

فقلنا : الكبائر والفواحش ، قال : فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك ، فنزلت هذه الآية ، فكففنا عن القول في ذلك ، فكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه ، وإن لم يصب منها شيئا رجونا له ، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر .

وروي عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال ، فقام على رأسه فقال : يا مذكر لم تقنط الناس ؟

ثم قرأ : " ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " .

أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الحموي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي ، حدثنا عبد الله بن حميد ، حدثنا حيان بن هلال وسليمان بن حرب وحجاج بن منهال قالوا : حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ولا يبالي " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ، ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله ، فقال : هل لي من توبة ؟

فقال : لا ، فقتله فكمل به المائة .

فقال له رجل : ائت قرية كذا وكذا ، فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وأوحى إلى هذه أن تباعدي ، وقال : قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له " .

ورواه مسلم بن الحجاج عن محمد بن المثنى العنبري عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة بهذا الإسناد ، وقال : " فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة ؟

فقال له : لا ، فقتله وكمل به مائة ، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم ، فقال له : قتلت مائة نفس فهل لي من توبة ؟

فقال : نعم ، ومن يحول بينه وبين التوبة ؟

انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه الموت ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ، فقبضته ملائكة الرحمة " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قال رجل - لم يعمل خيرا قط - لأهله : إذا مات فحرقوه ، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، قال : فلما مات فعلوا ما أمرهم ، فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ، ثم قال له : لم فعلت هذا ؟

قال : من خشيتك يا رب وأنت أعلم ، فغفر له " .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا أبو الحسين محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، حدثنا عبد الله بن المبارك عن عكرمة بن عمار ، حدثنا ضمضم بن جوس قال : دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ ، فقال : يا يماني تعال ، وما أعرفه ، فقال : لا تقولن لرجل : والله لا يغفر الله لك أبدا ، ولا يدخلك الله الجنة ، قلت : ومن أنت يرحمك الله ؟

قال : أبو هريرة ، قال فقلت : إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمه ، قال : فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد في العبادة والآخر يقول كأنه مذنب ، فجعل يقول : أقصر أقصر عما أنت فيه ، قال فيقول : خلني وربي ، قال : حتى وجده يوما على ذنب استعظمه ، فقال : أقصر ، فقال : خلني وربي أبعثت علي رقيبا ؟

فقال : والله لا يغفر الله لك أبدا ، ولا يدخلك الجنة أبدا .

قال : فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده ، فقال للمذنب : ادخل الجنة برحمتي ، وقال للآخر : أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي ؟

فقال : لا يا رب ، فقال : اذهبوا به إلى النار " قال أبو هريرة : والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته .

قوله عز وجل : ( إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) .

أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر القفال ، أخبرنا أبو مسعود محمد بن أحمد بن يونس الخطيب ، حدثنا محمد بن يعقوب الأصم ، حدثنا أبو قلابة ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى : " إلا اللمم " ( النجم - 32 ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا» بكسر النون وفتحها، وقرئ بضمها تيأسوا «من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا» لمن تاب من الشرك «إنه هو الغفور الرحيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لعبادي الذين تمادَوا في المعاصي، وأسرفوا على أنفسهم بإتيان ما تدعوهم إليه نفوسهم من الذنوب: لا تَيْئسوا من رحمة الله؛ لكثرة ذنوبكم، إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها مهما كانت، إنه هو الغفور لذنوب التائبين من عباده، الرحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته ، ونهاهم عن اليأس من مغفرته ، وأمرهم أن يتوبوا إليه تبوة صادقة نصوحا ، قبل أن يفاجئهم الموت والحساب ، فقال - تعالى - :( قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ .

.

.

) .ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ( قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ) روايات منها : ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب قال : لما اجتمعنا على الهجرة .

تواعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السَّهْمى وعيَّاش بن أبى ربيعة بن عتبة ، فقلنا : الموعد أضَاةَ بنى غفار - أى : غدير بنى غفار - وقلنا : من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه فأصبحت أنا وعياش بن عتبة ، وحبس عنا هشام ، وإذا به قد فُتِن فافتَتنَ ، فكنا نقول بالمدينة : هؤلاء قد عرفوا الله - عز وجل - وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة ، وكانوا هم - أيضاً - يقولون هذا فى أنفسهم .

فأنزل الله - عز وجل - فى كتابه : ( قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ .

.

) إلى قوله - تعالى - ( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ) قال عمر : فكتبتها بيدى ، ثم بعثتها إلى هشام .

قال هشام : فلما قدمت على خرجت بها إلى ذى طوى فقلت : اللهم فهمنيها ، فعرفت أنها نزلت فينا ، فرجعت فجلست على بعيرى فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم .والأمر فى قوله - تعالى - : ( قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله ) موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإضافة العباد إلى الله - تعالى - للتشريف والتكريم .والإِسراف : تجاوز الحد فى كل شئ ، وأشهر ما يكون استعمالا فى الإِنفاق ، كما فى قوله - تعالى - : ( يابني ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا ) والمراد بالإِسراف هنا : الإِسراف فى اقتراف المعاصى والسيئات ، والخطاب للمؤمنين المذنبين .

وعدى الفعل " أسرفوا " بعلى ، لتضمنه معنى الجناية ، أى جنوا على أنفسهم .والقُنُوط : اليأس ، وفعله من بابى ضرب وتعب .

يقال : فلان قانط من الحصول على هذا الشئ ، أى يائس من ذلك ولا أمل له فى تحقيق ما يريده .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المؤمنين الذين جنوا على أنفسهم باتكابهم للمعاصى ، قل لهم : لا تيأسوا من رحمة الله - تعالى - ومن مغفرته لكم .وجملة ( إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ) تعليلية .

أى : لا تيأسوا من رحمة الله - تعالى - لأنه هو الذى تفضل بمحو الذنوب جميعها .

لمن يشاء من عباده المؤمنين العصاة .( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( هُوَ الغفور الرحيم ) أى : هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده المؤمنين ، فهم إن تابوا من ذنوبهم قبل - سبحانه - توبتهم كما وعد تفضلا منه وكرما ، وإن ما توا دون أن يتوبوا ، فهم تحت رحمته ومشيئته ، إن شاء غفر لهم ، وإن شاء عذبهم ، ثم أدخلهم الجنة بفضله وكرمه .أما غير المؤمنين ، فإنهم إن تابوا من كفرهم ودخلوا فى الإِسلام ، غفر - سبحانه - ما كان منهم قبل الإِسلام لأن الإِسلام يَجُبّ ما قبله .وإن ماتوا على كفرهم فلن يغفر الله - تعالى - لهم ، لقوله : ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ ) قال الإِمام الشوكانى : واعلم أن هذه الآية أرجى آية فى كتاب الله ، لاشتمالها على أعظم بشارة ، فإنه أولا : أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ، ومزيد تبشيرهم ، ثم وصفهم بالإسراف لى المعاصى .

.

ثم عقب على ذلك بالنهى عن القنوط من الرحمة .

.

ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن فقال : ( إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب .

.

) فالألف واللام قد صيرت الجمع الذى دخلت عليه للجنس الذى يستلزم استغراق أفراده ، فهو فى قوة إن الله يغفر كل ذنب كائنا ما كان ، إلا ما أخرجه النص القرآنى وهو الشرك .ثم لم يكتف بما أخبر به عباده من مغفرة كل ذنب ، بل أكد ذلك بقوله ( جميعا ) فيالها من بشارة ترتاح لها النفوس .

.

وما أحسن تعليل هذا الكلام بقوله : ( إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم .

.

) .وقال الجمل فى حاشيته ما ملخصه : وفى هذه الآية من أنواع المعانى والبيان أشياء حسنة ، منها إقباله عليهم ، ونداؤهم ، ومنها : إضافتهم إليه إضافة تشريف ، ومنها : الالتفات من التكلم إلى الغيبة ، فى قوله : ( مِن رَّحْمَةِ الله ) ، ومنها : إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى ، ومنه : إعادة الظاهر بلفظه فى قوله : ( إِنَّ الله يَغْفِرُ ) ومنها : إبراز الجملة من قوله : ( إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم ) مؤكدة بإن ، والفصل ، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الجملة السابقة .وقال عبد الله بن مسعود وغيره : هذه أرجى آية فى كتاب الله تعالى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة، وذلك لأنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى الله تعالى، ويرون أن دفع ذلك لا يكون إلا منه، ثم إنه تعالى إذا خولهم النعمة، وهي إما السعة في المال أو العافية في النفس، زعم أنه إنما حصل ذلك بكسبه وبسبب جهده وجده، فإن كان مالاً قال إنما حصل بكسبي، وإن كان صحة قال إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني، وهذا تناقض عظيم، لأنه كان في حال العجز والحاجة أضاف الكل إلى الله وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله، وأسنده إلى كسب نفسه، وهذا تناقض قبيح، فبين تعالى قبح طريقتهم فيما هم عليه عند الشدة والرخاء بلفظة وجيزة فصيحة، فقال: ﴿ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ ﴾ يعني النعمة التي خولها هذا الكافر فتنة، لأن عند حصولها يجب الشكر، وعند فواتها يجب الصبر، ومن هذا حاله يوصف بأنه فتنة من حيث يختبر عنده حال من أوتي النعمة، كما يقال فتنت الذهب بالنار، إذا عرضته على النار لتعرف خلاصته.

ثم قال تعالى: ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ والمعنى ما قدمنا أن هذا التخويل إنما كان لأجل الاختبار.

وبقي في الآية أبحاث نذكرها في معرض السؤال والجواب.

السؤال الأول: ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء هاهنا، وعطف مثلها في أول السورة بالواو؟

والجواب: أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنهم يشمئزون من سماع التوحيد ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء، ثم ذكر بفاء التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجأوا إلى الله تعالى وحده، كان الفعل الأول مناقضاً للفعل الثاني، فذكر فاء التعقيب ليدل على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال، وأنه ليس بين الأول والثاني فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني، فهذا هو الفائدة في ذكر فاء التعقيب هاهنا.

فأما الآية الأولى فليس المقصود منها بيان وقوعهم في التناقض في الحال، فلا جرم ذكر الله بحرف الواو لا بحرف الفاء.

السؤال الثاني: ما معنى التخويل؟

الجواب: التخويل هو التفضل، يعني نحن نتفضل عليه وهو يظن أنه إنما وجده بالاستحقاق.

السؤال الثالث: ما المراد من قوله: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ ؟

الجواب: يحتمل أن يكون المراد، إنما أوتيته على علم الله بكوني مستحقاً لذلك، ويحتمل أن يكون المراد، إنما أوتيته على علمي بكوني مستحقاً له، ويحتمل أن يكون المراد، إنما أوتيته على علم لأجل ذلك العلم قدرت على اكتسابه مثل أن يكون مريضاً فيعالج نفسه، فيقول إنما وجدت الصحة لعلمي بكيفية العلاج، وإنما وجدت المال لعلمي بكيفية الكسب.

السؤال الرابع: النعمة مؤنثة، والضمير في قوله: ﴿ أُوتِيتُهُ ﴾ عائد على النعمة، فضمير التذكير كيف عاد إلى المؤنث، بل قال بعده: ﴿ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ ﴾ فجعل الضمير مؤنثاً فما السبب فيه؟

والجواب: أن التقدير حتى إذا خولناه شيئاً من النعمة، فلفظ النعمة مؤنث ومعناه مذكر، فلا جرم جاز الأمران.

ثم قال تعالى: ﴿ قَدْ قَالَهَا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أغْنَى عَنْهُمْ ﴾ الضمير في ﴿ قالها ﴾ راجح إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ عندي لأنها كلمة أو جملة من المقول ﴿ والذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ هم قارون وقومه حيث قال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي  ﴾ وقومه راضون به فكأنهم قالوها، ويجوز أيضاً أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي ما أغنى عنهم ذلك الاعتقاد الباطل والقول الفاسد الذي اكتسبوه من عذاب الله شيئاً بل أصابهم سيئات ما كسبوا، ولما بين في أولئك المتقدمين فإنهم أصابهم سيئات ما كسبوا أي عذاب عقائدهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة قال: ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي لا يعجزونني في الدنيا والآخرة.

ثم قال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ ﴾ يعني: أو لم يعلموا أن الله تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء تارة، ويقبض تارة أخرى، وقوله: ﴿ وَيَقْدِرُ ﴾ أي ويقتر ويضيق، والدليل عليه أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه ولا بد من سبب، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله، لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق، ونرى الجاهل المريض الضعيف في أعظم السعة، وليس ذلك أيضاً لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكبير والسلطان القاهر، قد ولد فيه أيضاً عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان، ويولد أيضاً في تلك الساعة عالم من النبات، فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة، علمنا أنه ليس المؤثر في السعادة والشقاوة هو الطالع، ولما بطلت هذه الأقسام، علمنا أن المؤثر فيه هو الله سبحانه، وصح بهذا البرهان العقلي القاطع على صحة قوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ ﴾ .

قال الشاعر: فلا السعد يقضي به المشترى *** ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السما *** ء وقاضي القضاة تعالى وجل <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلوّ فيها ﴿ لاَ تَقْنَطُواْ ﴾ قرئ: بفتح النون وكسرها وضمها ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ يعني بشرط التوبة، وقد تكرّر ذكر هذا الشرط في القرآن، فكان ذكره فيما ذكر فيه ذكراً له فيما لم يذكر فيه؛ لأنّ القرآن في حكم كلام واحد، ولا يجوز فيه التناقض.

وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود: ﴿ يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء ﴾ .

والمراد بمن يشاء: من تاب؛ لأنّ مشيئة الله تابعة لحكمته وعدله، لا لملكه وجبروته.

وقيل: في قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم وفاطمة رضي الله عنها: ﴿ يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي ﴾ ونظير نفي المبالاة نفي الخوف في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَخَافُ عقباها ﴾ [الشمس: 15] وقيل: قال أهل مكة: يزعم محمد أنّ من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرّم الله فنزلت.

وروى أنه أسلم عياش بن أبي ربيعة والوليد ابن الوليد ونفر معهما، ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله لهم صرفاً ولا عدلاً أبداً، فنزلت.

فكتب بها عمر رضي الله عنه إليهم، فأسلموا وهاجروا، وقيل: نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحب أنّ لي الدنيا وما فيها بهذه الآية» فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟

فسكت ساعة ثم قال: «إلامن أشرك» ثلاث مرّات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ﴾ جَزاءُ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ أوْ جَزاءُ أعْمالِهِمْ، وسَمّاهُ سَيِّئَةً لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ رَمْزًا إلى أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِمْ كَذَلِكَ.

﴿ والَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ بِالعُتُوِّ.

﴿ مِن هَؤُلاءِ ﴾ المُشْرِكِينَ ومِن لِلْبَيانِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ.

﴿ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ﴾ كَما أصابَ أُولَئِكَ، وقَدْ أصابَهم فَإنَّهم قَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ وقُتِلَ بِبَدْرٍ صَنادِيدُهم.

﴿ وَما هم بِمُعْجِزِينَ ﴾ بِفائِتِينَ.

﴿ أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ حَيْثُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ سَبْعًا ثُمَّ بَسَطَ لَهم سَبْعًا.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ بِأنَّ الحَوادِثَ كُلَّها مِنَ اللَّهِ بِوَسَطٍ أوْ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل يا عبادي الذين} وبسكون الياء بصري وحمزة وعلي {أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ} جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلو فيها {لاَ تَقْنَطُواْ} لا تيأسوا وبكسر النون علي وبصري {مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً} بالعفو عنها إلا الشرك وفي قراءة النبي عليه السلام يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي ونظير نفي المبالاة نفي الخوف في قوله وَلاَ يَخَافُ عقباها قيل نزلت فى وحشى قاتل حمزة رضى الله عنه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية {إِنَّهُ هُوَ الغفور} بستر عظائم الذنوب {الرحيم} بكشف فظائع الكروب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ أفْرَطُوا في المَعاصِي جائِينَ عَلَيْها، وأصْلُ الإسْرافِ الإفْراطُ في صَرْفِ المالِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ذُكِرَ مَجازًا بِمَرْتَبَتَيْنِ عَلى ما قِيلَ، وقالَ الرّاغِبُ: هو تُجاوُزُ الحَدِّ في كُلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الإنْسانُ وإنْ كانَ ذَلِكَ في الإنْفاقِ أشْهَرَ وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيما ذَكَرْنا وهو حَسَنٌ.

وضُمِّنَ مَعْنى الجِنايَةِ لِيَصِحَّ تَعَدِّيهِ بِعَلى والمُضَمَّنُ لا يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ حَقِيقِيًّا، وقِيلَ: هو مُضَمَّنٌ مَعْنى الحَمْلِ، وحَمْلُ غَيْرِ واحِدٍ الإضافَةُ في ( عِبادِيَ ) عَلى العَهْدِ أوْ عَلى التَّشْرِيفِ، وذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِالعِبادِ المُؤْمِنُونَ وقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِمْ مُضافًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ العَظِيمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها المُؤْمِنُونَ المُذْنِبُونَ ﴿ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَيْأسُوا مِن مَغْفِرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَفَضُّلِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ المَغْفِرَةَ مُدْرَجَةٌ في الرَّحْمَةِ أوْ أنَّ الرَّحْمَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لَها لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الرَّحْمَةُ لِمَن لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وتَعْلِيلُ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ يَقْتَضِي دُخُولَها في المُعَلَّلِ، والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ كالصَّرِيحِ في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ومَغْفِرَتِهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ويَرْحَمُ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقالُوا: المُرادُ بِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ التَّجافِي عَنْها وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِها في الظّاهِرِ والباطِنِ وهو المُرادُ بِسَتْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِها مَحْوُها مِنَ الصَّحائِفِ بِالكُلِّيَّةِ مَعَ التَّجافِي عَنْها وأنَّ الظّاهِرَ إطْلاقُ الحُكْمِ وتَقْيِيدُهُ بِالتَّوْبَةِ خِلافَ الظّاهِرِ كَيْفَ لا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ  ﴾ ظاهِرٌ في الإطْلاقِ فِيما عَدا الشِّرْكَ، ويَشْهَدُ لِلْإطْلاقِ أيْضًا أُمُورٌ، الأوَّلُ نِداؤُهم بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ فَإنَّها تَقْتَضِي المَذَلَّةَ وهي أنْسَبُ بِحالِ العاصِي إذا لَمْ يَتُبْ واقْتِضاؤُها لِلتَّرَحُّمِ ظاهِرٌ.

الثّانِي الِاخْتِصارُ الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى فَإنَّ السَّيِّدَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْحَمَ عَبْدَهُ ويُشْفِقَ عَلَيْهِ.

الثّالِثُ تَخْصِيصُ ضَرَرِ الإسْرافِ المُشْعِرَةُ بِهِ «عَلى» بِأنْفُسِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ضَرَرُ الذُّنُوبِ عائِدٌ عَلَيْهِمْ لا عَلَيَّ فَيَكْفِي ذَلِكَ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ آخَرَ كَما في المَثَلِ أحْسِنْ إلى مَن أساءَ كَفى المُسِيءَ إساءَتُهُ، فالعَبْدُ إذا أساءَ ووَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ ذَلِيلًا خائِفًا عالِمًا بِسُخْطِ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ ناظِرًا لِإكْرامِ غَيْرِهِ مِمَّنْ أطاعَ لِحَقَهُ ضَرَرٌ إذِ اسْتِحْقاقُ العِقابِ عِقابٌ عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ.

الرّابِعُ النَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ مُطْلَقًا عَنِ الرَّحْمَةِ فَضْلًا عَنِ المَغْفِرَةِ وإطْلاقِها.

الخامِسُ إضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ المُحْتَوِي عَلى جَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ فَإنَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ في سِعَتِها وهو ظاهِرٌ في شُمُولِها التّائِبَ وغَيْرَهُ.

السّادِسُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى ( إنَّ اَللَّهَ ) ..

إلَخْ.

فَإنَّ التَّعْلِيلَ يَحْسُنُ مَعَ الِاسْتِبْعادِ وتَرْكُ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ أكْثَرُ اسْتِبْعادًا مِن تَرْكِهِ مَعَ التَّوْبَةِ.

السّابِعُ وضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِإشْعارِهِ بِأنَّ المَغْفِرَةَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ مِن تَوْبَةٍ أوْ غَيْرِها.

الثّامِنُ تَعْرِيفُ الذُّنُوبِ فَإنَّهُ في مَقامِ التَّمَدُّحِ ظاهِرٌ في الِاسْتِغْراقِ فَتَشْمَلُ الذَّنْبَ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّوْبَةُ والَّذِي لا تَعْقُبُهُ.

التّاسِعُ التَّأْكِيدُ بِالجَمِيعِ.

العاشِرُ التَّعْلِيلُ - بِأنَّهُ هو -..

إلَخْ.

.

الحادِي عَشَرَ التَّعْبِيرُ بِالغَفُورِ فَإنَّهُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ وهي إنْ كانَتْ بِاعْتِبارِ الكَمِّ شَمِلَتِ المَغْفِرَةُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ أوْ بِاعْتِبارِ الكَيْفِ شَمِلَتِ الكَبائِرَ بِدُونِ تَوْبَةٍ.

الثّانِي عَشَرَ حَذْفُ مَعْمُولِ ( اَلْغَفُورُ ) فَإنَّ حَذْفَ المَعْمُولِ يُفِيدُ العُمُومَ.

الثّالِثَ عَشَرَ إفادَةُ الجُمْلَةِ الحَصْرَ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الغُفْرانَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ تَعالى فالمَحْصُورُ فِيهِ سُبْحانَهُ إنَّما هو الكامِلُ العَظِيمُ وهو ما يَكُونُ بِلا تَوْبَةٍ الرّابِعَ عَشَرَ المُبالَغَةُ في ذَلِكَ الحَصْرِ.

الخامِسَ عَشَرَ الوَعْدُ بِالرَّحْمَةِ بَعْدَ المَغْفِرَةِ فَإنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْمَغْفِرَةِ لَوْلا رَحْمَتُهُ وهو ظاهِرٌ فِيما إذا لَمْ يَتُبْ.

السّادِسَ عَشَرَ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيها.

السّابِعَ عَشَرَ إطْلاقُها، ومَنَعَ المُعْتَزِلَةُ مَغْفِرَةَ الكَبائِرِ والعَفْوَ عَنْها مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ وقالُوا: إنَّها ورَدَتْ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ فَإطْلاقُها هُنا يُحْمَلُ عَلى التَّقْيِيدِ لِاتِّحادِ الواقِعَةِ وعَدَمِ احْتِمالِ النَّسْخِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال الله تعالى للنبي  : قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صار نصباً بالنداء.

يعني: يا خالق السموات والأرض، عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني: عالماً بما غاب عن العباد، وما لم يغب عنهم.

ويقال: عالماً بما مضى، وما لم يمض، وما هو كائن.

ويقال: عالم السر والعلانية.

أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ يعني: أنت تقضي في الآخرة بين عبادك، فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين.

وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي: كفروا مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ أي: مثل ما في الأرض، لَافْتَدَوْا بِهِ أي: لفادوا به أنفسهم مِنْ سُوءِ الْعَذابِ أي: من شدة العذاب يَوْمَ الْقِيامَةِ.

وفي الآية مضمر.

أي: لا يقبل منهم ذلك.

وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ أي: ظهر لهم حين بعثوا من قبورهم، مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ في الدنيا أنه نازل بهم.

يعني: يعلمون أعمالاً يظنون أن لهم فيها ثواباً، فلم تنفعهم مع شركهم، فظهرت لهم العقوبة مكان الثواب، وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا أي: عقوبات ما عملوا، وَحاقَ بِهِمْ أي: نزل بهم عقوبة، مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: باستهزائهم بالمسلمين.

ويقال: باستهزائهم بالرسول، والكتاب، والعذاب.

فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا يعني: أصاب الكافر شدة، وبلاء، وهو أبو جهل.

ويقال: جميع الكفار دعانا أي: أخلص في الدعاء ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ أي: بدلنا، وأعطيناه مكانها عافية، نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ أي: على علم عندي.

يعني: أعطاني ذلك، لأنه علم أني أهل لذلك.

ويقال: معناه على علم عندي بالدواء.

بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ أي: بلية، وعطية، يبتلى بها العبد ليشكر، أو ليكفر، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن إعطائي ذلك بلية، وفتنة، قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: قال تلك الكلمة: الذين من قبل كفار مكة، مثل قارون، وأشباهه.

فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: لم ينفعهم ما كانوا يجمعون من الأموال، فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا أي: عقوبات ما عملوا.

قوله: وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ يعني: من أهل مكة سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا يعني: عقوبات ما عملوا، مثل ما أصاب الذين من قبلهم، وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي: غير فائتين من عذاب الله، أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أي: يوسع الرزق لمن يشاء، وَيَقْدِرُ أي: يقتر على من يشاء، إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في القبض والبسط لَآياتٍ أي: لعلامات لوحدانيتي لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: يصدقون بتوحيد الله.

قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: أسرفوا بالذنوب على أنفسهم.

قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر، قُلْ يا عِبادِيَ بفتح الياء، والباقون بالإرسال.

وهما لغتان، ومعناهما واحد، لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أي: لا تيأسوا من مغفرة الله، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً الكبائر، وغير الكبائر إذا تبتم، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ لمن تاب، الرَّحِيمُ بعد التوبة لهم.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة.

قال: أصاب قوم في الشرك ذنوباً عظاماً، فكانوا يخافون أن لا يغفر الله لهم، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا.

وقال مجاهد: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ بقتل الأنفس في الجاهلية.

وقال في رواية الكلبي: نزلت الآية في شأن وحشي.

يعني: أسرفوا على أنفسهم بالقتل، والشرك، والزنى.

لا تيأسوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمن تاب.

وقال ابن مسعود: أرجى آية في كتاب الله هذه الآية.

وهكذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص.

وروي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: فيها عظة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في هذه الآيةِ: هُوَ عُمْرُ كُلِّ إنْسَانٍ، والضمائرُ في قوله تعالى: أَوَلَوْ كانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ: للأصنام.

وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)

وقوله تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ...

الآية، قال مجاهد وغيره «١» نزلت في قراءة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سورةُ النَّجم عِنْدَ الكَعْبَةِ بِمَحْضَرٍ من الكُفَّارِ، وقرأ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ...

[النجم: ١٩] الآية، وألقى الشيطانُ يَعْنِي في أسْمَاعِ الكفارِ (تلك الغَرِانِقَةَ العلى) عَلَى مَا مَرَّ في سُورَةِ الحَج، فَاسْتَبْشَرُوا، واشمأَزَّتْ نُفُوسُهُمْ: معناه: تَقَبَّضَتْ كِبْراً وأَنَفَةً وكَرَاهِيَةً ونَفُوراً.

وقوله/ تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ ...

الآية، أَمْرٌ لنبيهِ- عليه السلام- بالدعاءِ إليه وَرَدِّ الحُكْم إلى عَدْلِهِ، ومعنى هذا الأَمْرِ تَضمُّنُ الإجابةِ.

وقوله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ قال الثعلبيُّ: قال السُّدِّيُّ:

ظَنُّوا أشياءَ أَنَّهَا حسناتٌ فبدَتْ سَيِّئاتٍ «٢» ، قال ع: قال سفيانُ الثوريُّ: ويلٌ لأهل الرياءِ مِن هذه الآية «٣» ، وقال عكرمة بن عَمَّار: جَزع محمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عند الموت، فقيل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو حُذَيْفَةَ ابْنُ المُغِيرَةِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَظِيرُها [الزُّمَرِ: ٨] .

وإنَّما كَنّى عَنِ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أُوتِيتُهُ ﴾ ، لِأنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ: الإنْعامُ.

﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ عِنْدِي، أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي.

وقِيلَ: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِأنِّي لَهُ أهْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هِيَ ﴾ يَعْنِي النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ [اللَّهُ] عَلَيْهِ بِها ﴿ فِتْنَةٌ ﴾ أيْ: بَلْوى يُبْتَلى بِها العَبْدُ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم وامْتِحانٌ.

وقِيلَ: "بَلْ هِيَ" أيِ: المَقالَةُ الَّتِي قالَها "فِتْنَةٌ" .

﴿ قَدْ قالَها ﴾ يَعْنِي تِلْكَ الكَلِمَةَ، وهي قَوْلُهُ: "إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأُمَمُ الماضِيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: قارُونُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى عَنْهُمْ ﴾ أيْ: ما دَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: مِنَ الكُفْرِ.

والثّانِي: مِن عِبادَةِ الأصْنامِ.

والثّالِثُ: مِنَ الأمْوالِ.

﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ﴾ أيْ: جَزاءَ سَيِّئاتِهِمْ، وهو العَذابُ.

ثُمَّ أوْعَدَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿ والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ ﴾ أيْ: إنَّهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ ولا يَفُوتُونَهُ.

قالَ مُقاتِلٌ: ثُمَّ وعَظَهم لِيَعْلَمُوا وحْدانِيَّتَهُ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: ﴿ أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ: في بَسْطِ الرِّزْقِ وتَقْتِيرِهِ ﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ تُلْزِمُ عُبّادَ الأوثانِ التَناقُضَ في أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأوثانَ ويَعْتَقِدُونَ تَعْظِيمَها، فَإذا أزِفَتْ آزِفَةٌ أو نالَتْ شِدَّةٌ نَبَذُوها ونَسَوْها ودَعَوُا الخالِقَ المُخْتَرِعَ رَبَّ السَماواتِ والأرْضِ، و"الإنْسانَ" في هَذِهِ الآيَةِ لِلْجِنْسِ، و"خَوَّلْناهُ" مَعْناهُ: مَلَّكْناهُ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: التَخْوِيلُ: العَطاءُ عن غَيْرِ مُجازاةٍ، و"النِعْمَةُ" هُنا عامٌّ في جَمِيعِ ما يُسْدِيهِ اللهُ إلى العَبْدِ، فَمِن ذَلِكَ إزالَةُ الضُرِّ المَذْكُورِ، ومِن ذَلِكَ الصِحَّةُ والأمْنُ والمالُ، وتَقْوى الإشارَةُ إلَيْهِ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ ، وبُقُولِهِ تَعالى أخِيرًا: ﴿ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ وبِذِكْرِ الكَسْبِ.

وذَّكَّرَ تَعالى الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ "أُوتِيتُهُ"، ﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: مِنها أنْ يُرِيدَ بِالنِعْمَةِ المالَ كَما قَدَّمْناهُ، ومِنها أنْ يُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى المَذْكُورِ، إذِ اسْمُ النِعْمَةِ يَعُمُّ ما هو مُذَكَّرٌ ويَعُمُّ ماهُّو مُؤَنَّثٌ، ومِنها أنْ يَكُونَ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ "إنَّما" ﴾ بِمَعْنى "الَّذِي"، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنَ [ما] كافَّةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، مَعَ أنْ تَكُونُ "ما" كافَّةٌ، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي، فَإنَّ "عَلى عِلْمٍ "فِي مَوْضِعِ خَبَرِ [إنَّ]، ودالٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قالَ: هو عَلى عِلْمٍ،وَقَوْلُهُ ﴿ "عَلى عِلْمٍ " ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِوَجْهِ المَكاسِبَ والتِجاراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ إعْجابٌ بِالنَفْسِ وتَعاطٍ مُفْرِطٍ، ونَحْوِ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ فِيَّ، وشَيْءٍ سَبَقَ لِي، واسْتِحْقاقٍ حُزْتُهُ عِنْدَ اللهِ تَعالى، لا يَضُرُّنِي مَعَهُ شَيْءٌ، وفي هَذا التَأْوِيلِ اغْتِرارٌ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَجْزٌ وتَمَنٍّ عَلى اللهِ تَعالى.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بَلْ هي فِتْنَةٌ ﴾ ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالَ، بَلْ هَذِهِ الغَفْلَةُ بِهِ فِتْنَةٌ لَهُ وابْتِلاءٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ سَلَفَ مِنَ الكَفَرَةِ أنَّهم قَدْ قالُوا نَحْوَ هَذِهِ المَقالَةَ، كَقارُونَ وغَيْرِهِ، وأنَّهم ما أغْنى عنهم كَسْبُهم واحْتِجابُهم لِلْأمْوالِ، فَكَذَلِكَ لا يُغْنِي عن هَؤُلاءِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى - عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ لِهَؤُلاءِ في نَفْسِ المِثالِ - أنَّ أُولَئِكَ أصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، وأنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالكُفْرِ مِن هَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لَكَ سَيُصِيبُهم ما أصابَ المُتَقَدِّمِينَ، وهَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أبْرَزَهُ الوُجُودَ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ، و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلِتِينَ وناجِينَ بِأنْفُسِهِمْ.

ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ في أمْرِ الكَسْبِ وسَعَةِ النِعَمِ فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ هو الَّذِي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِقَوْمٍ ويُضَيِّقُهُ عَلى قَوْمٍ بِمَشِيئَتِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِكَيْسِ أحَدٍ ولا لِعَجْزِهِ، ﴿ "وَيَقْدِرُ" ﴾ مَعْناهُ: يَضِيقُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أُطنبتْ آيات الوعيد بأفنانها السابقة إطناباً يبلغ من نفوس سامعيها أيَّ مبلغ من الرعب والخوف، على رغْممِ تظاهرهم بقلة الاهتمام بها.

وقد يبلغ بهم وقعها مبلغَ اليأس من سَعيٍ ينجيهم من وعيدها، فأعقبها الله ببعث الرجاء في نفوسهم للخروج إلى ساحل النجاة إذا أرادوها على عادة هذا الكتاب المجيد من مداواة النفوس بمزيج الترغيب والترهيب.

والكلام استئناف بياني لأن الزواجر السابقة تثير في نفوس المواجَهين بها خاطر التساؤل عن مسالك النجاة فتتلاحم فيها الخواطر الملَكية والخواطر الشيطانية إلى أن يُرسي التلاحم على انتصار إحدى الطائفتين، فكان في إنارة السبيل لها ما يسهل خطو الحائرين في ظلمات الشك ويرتفق بها ويواسيها بعد أن أثخنتها جروح التوبيخ والزجر والوعيد ويضمد تلك الجراحة والحليمُ يزجُر ويلين وتثير في نفس النبي صلى الله عليه وسلم خشيةَ أن يحيط غضب الله بالذين دعاهم إليه فأعرضوا أو حببهم في الحق فأبغضوا فلعله لا يَفتح لهم باب التوبة ولا تقبل منهم بعد إعراضهم أوْبَة ولاسيما بعد أن أمره بتفويض الأمر إلى حكمه المشتَمِّ منه ترقبُ قطع الجدال وفصمِه فكان أمره لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يناديهم بهذه الدعوة تنفيساً عليه وتفتيحاً لباب الأوْبة إليه فهذا كلام ينحل إلى استئنافين فجملة ﴿ قُل ﴾ استئناف لبيان ما ترقَّبَه أفضلُ النبيئين صلى الله عليه وسلم أي بلغ عني هذا القول.

وجملةُ ﴿ ياعبادي ﴾ استئناف ابتدائي من خطاب الله لهم.

وابتداء الخطاب بالنداء وعنواننِ العباد مؤذن بأن ما بعده إعداد للقبول وإطماع في النجاة.

والخطاب بعنوان ﴿ ياعبادي ﴾ مراد به المشركون ابتداءً بدليل قوله: ﴿ وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ﴾ [الزمر: 54] وقوله: ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ [الزمر: 56] وقوله: ﴿ بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ﴾ [الزمر: 59].

فهذا الخطاب جرى على غير الغالب في مثله في عادة القرآن عند ذكر ﴿ عبادي ﴾ بالإِضافة إلى ضمير المتكلم تعالى.

وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس «أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قَتلوا وأَكثروا، وزنَوا وأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرُنا أَن لما عملنا كفارة يعني وقد سمعوا آيات الوعيد لمن يعمل تلك الأعمال وإلا فمن أين علموا أن تلك الأعمال جرائم وهم في جاهلية فنزل: ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلاهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق ولا يزنون ﴾ [الفرقان: 68] يعني إلى قوله: ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ﴾ [الفرقان: 70] ونزل: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه ﴾ .

وقد رويت أحاديث عدة في سبب نزول هذه الآية غير حديث البخاري وهي بين ضعيف ومجهول ويستخلص من مجموعها أنها جزئيات لعموم الآية وأن الآية عامة لخطاب جميع المشركين وقد أشرنا إليها في ديباجة تفسير السورة.

ومن أجمل الأخبار المروية فيها ما رواه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: «لما اجتمعنا على الهجرة اتَّعدتُ أنا وهشامُ بن العاص السهمي، وعيّاش بن أبي ربيعة بن عتبة.

فقلنا: الموعد أَضَاةُ بني غِفَار، وقلنا: من تأخّرَ منّا فقد حُبس فليمضضِ صاحباه.

فأصبحتُ أنا وعياش بن عتبة وحُبس عنا هشام وإذا هو قد فُتِن فافتَتَنَ فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عَرفوا الله ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة.

وكانوا هم يقولون هذا في أنفسهم، فأنزل الله: ﴿ قل ياعبادي الذين أسرفوا ﴾ إلى قوله: ﴿ مَثْوى للمتكبرين ﴾ [الزمر: 60] قال عمر فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام.

قال هشام: فلما قدمتْ عليَّ خرجتُ بها إلى ذي طوَى فقلت: اللهم فهِّمنيها فعرفت أنها نزلت فينا فرجعتُ فجلست على بعيري فلحقت برسول الله ا ه.

فقول عمر: فأنزل الله يريد أنه سمعه بعد أن هاجر وأنه مما نزل بمكة فلم يسمعه عمر إذ كان في شاغل تهيئة الهجرة فما سمعها إلا وهو بالمدينة فإن عمر هاجر إلى المدينة قبل النبي.

فالخطاب بقوله: ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } تمهيد بإجمال يأتي بيانه في الآيات بعده من قوله: ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾ [الزمر: 54].

وبعد هذا فعموم عبادي وعموم صلة الذين أسرفوا } يشمل أهل المعاصي من المسلمين وإن كان المقصود الأصلي من الخطاب المشركين على عادة الكلام البليغ من كثرة المقاصد والمعاني التي تفرغ في قوالب تسعُها.

وقرأ الجمهور ﴿ ياعبادي الذين أسرفوا ﴾ بفتح ياء المتكلم، وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب بإسكان الياء.

ولعل وجه ثبوت الياء في هذه الآية دون نظيرها وهو قوله تعالى: ﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ [الزمر: 10]، أن الخطاب هنا للذين أسرفوا وفي مقدمتهم المشركون وكلهم مظنة تطرق اليأس من رحمة الله إلى نفوسهم، فكان إثبات (يا) المتكلم في خطابهم زيادة تصريح بعلامة التكلُّم تقوية لنسبة عبوديتهم إلى الله تعالى إيماء إلى أن شأن الرب الرحمة بعباده.

والإِسراف: الإِكثار.

والمراد به هنا الإِسراف في الذنوب والمعاصي، وتقدم ذكر الإِسراف في قوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ في سورة [النساء: 6] وقوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ في سورة [الإسراء: 33].

والأكثر أن يعدّى إلى متعلِّقه بحرف ﴿ مِن ﴾ ، وتعديتُه هنا ب (على) لأن الإِكثار هنا من أعماللٍ تتحملها النفس وتثقل بها وذلك متعارف في التبِعات والعدوان تقول: أكثرت على فلان، فمعنى ﴿ أسرفوا على أنفسهم ﴾ : أنهم جلبوا لأنفسهم ما تثقلهم تبعته ليشمل ما اقترفوه من شرك وسيئات.

والقنوط: اليأس، وتقدم في قوله: ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ في سورة [الحِجر: 55].

وجملة ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ تعليل للنهي عن اليأس من رحمة الله.

ومادة الغفر ترجع إلى الستر، وهو يقتضي وجود المستور واحتياجَه للستر فدل ﴿ يغْفِرُ الذُّنوب ﴾ على أن الذنوب ثابتة، أي المؤاخذة بها ثابتة والله يغفرها، أي يزيل المؤاخذة بها، وهذه المغفرة تقتضي أسباباً أُجملت هنا وفصلت في دلائل أخرى من الكتاب والسنة منها قوله تعالى: ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ﴾ [طه: 82]، وتلك الدلائل يجمعها أن للغفران أسباباً تطرأ على المذنب ولولا ذلك لكانت المؤاخذة بالذنوب عبثاً ينزه عنه الحكيم تعالى، كيف وقد سماها ذنوباً وتوعد عليها فكان قوله: ﴿ إن الله يغفر الذنوب ﴾ دعوةً إلى تطلب أسباب هذه المغفرة فإذا طلبها المذنب عرف تفصيلها.

و ﴿ جميعاً ﴾ حال من ﴿ الذنوب ﴾ ، أي حال جميعها، أي عمومها، فيغفر كل ذنب منها إن حصلت من المذنب أسباب ذلك.

وسيأتي الكلام على كلمة (جميع) عند قوله تعالى: ﴿ والأرض جميعاً قبضته ﴾ في هذه السورة [67].

وجملة ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ تعليل لجملة ﴿ يغفر الذنوب جميعاً ﴾ أي لا يُعجزه أن يغفر جميع الذنوب ما بلغ جميعها من الكثرة لأنه شديد الغفران شديد الرحمة.

فبطل بهذه الآية قول المرجئة إنه لا يضر مع الإِيمان شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ﴾ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ بْنِ المُغِيرَةِ.

﴿ ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ فِيهِ خَسْمَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى عِلْمٍ بِرِضاهُ عَنِّي، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: بِعِلْمِي، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: بِعِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: عَلِمْتُ أنِّي سَوْفَ أُصِيبُهُ: حَكاهُ النَّقّاشُ.

الخامِسُ: عَلى خَبَرٍ عِنْدِي، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ بَلْ هي فِتْنَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: النِّعْمَةُ لِأنَّهُ يُمْتَحَنُ بِها.

الثّانِي: المَقالَةُ الَّتِي اعْتَقَدَها لِأنَّهُ يُعاقَبُ عَلَيْها.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ البَلْوى مِنَ النُّعْمى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ في مشركي أهل مكة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر رضي الله عنهما فكتبتها بيدي ثم بعثت إلى هشام بن العاصي.

وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند لين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي بن حرب قاتل حمزة يدعوه إلى الإِسلام، فأرسل إليه: يا محمد كيف تدعوني وأنت تزعم أن من قتل، أو أشرك، أو زنى، ﴿ يلقَ أثاماً ﴾ ﴿ يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ﴾ [ الفرقان: 69] وأنا صنعت ذلك فهل تجد لي من رخصة؟

فأنزل الله: ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ [ الفرقان: 70] فقال وحشي: هذا شرط شديد ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ﴾ [ الفرقان: 70] فلعلي لا أقدر على هذا.

فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء: 48] فقال وحشي: هذا أرى بعد مشيئة فلا يدري يغفر لي أم لا فهل غير هذا؟

فأنزل الله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...

﴾ الآية قال وحشي: هذا فهم.

فأسلم، فقال الناس: يا رسول الله: إنا أصبنا ما أصاب وحشي قال: بلى للمسلمين عامة» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال: لما أسلم وحشي أنزل الله: ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ [ الفرقان: 68] قال وحشي وأصحابه: فنحن قد ارتكبنا هذا كله.

فأنزل الله: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...

﴾ الآية.

وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن وحشي قال: لما كان في أمر حمزة ما كان ألقى الله خوف محمد صلى الله عليه وسلم في قلبي خرجت هارباً أكمن النهار، وأسير الليل، حتى صرت إلى أقاويل حمير، فنزلت فيهم، فاقمت حتى أتاني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني إلى الإِسلام؟

قال: تؤمن بالله، ورسوله، وتترك الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر، والزنا، والفواحش كلها، وتستحم من الجنابة، وتصلي الخمس.

قال: إن الله قد أنزل هذه الآية ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فصافحني وكناني بأبي حرب.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه يضحكون فقال: «والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً.

ثم انصرف وبكى القوم، فأوحى الله إليه: يا محمد لم تقنط عبادي؟

فرجع النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أبشروا، وقربوا، وسددوا» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال: اتفقت أنا، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي بن وائل أن نهاجر إلى المدينة.

فخرجت أنا وعياش وفتن هشام فافتتن، فقدم على عياش أخوه أبو جهل، والحارث بن هشام، فقالا: إن أمك قد نذرت أن لا يظلها ظل، ولا يمس رأسها غسل حتى تراك.

فقلت: والله إن يريداك إلا أن يفتناك عن دينك وخرجا به.

وفتنوه فافتتن قال: فنزلت ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ قال عمر رضي الله عنه: فكتبت إلى هشام فقدم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ وذلك أن أهل مكة قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له.

فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة، وقتلنا النفس، ونحن أهل الشرك؟

فأنزل الله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ وقال: «وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له» وإنما يعاتب الله أولي الألباب، وإنما الحلال والحرام لأهل الإِيمان، فإياهم عاتب، وإياهم أمر إذا أسرف أحدهم على نفسه أن لا يقنط من رحمة الله وأن يتوب، ولا يضن بالتوبة على ذلك الإِسراف والذنب الذي عمل، وقد ذكر الله تعالى في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا المغفرة فقالوا: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ﴾ [ آل عمران: 147] فينبغي أن يعلم أنهم كانوا يصيبون الأمرين فأمرهم بالتوبة.

وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشي وأصحابه ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ [ الزمر: 55] .

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً.

أقوام أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوه، فنزلت هؤلاء الآيات وكان عمر بن الخطاب كاتباً فكتبها بيده، ثم كتب بها إلى عياش، والوليد، وإلى أولئك النفر.

فاسلموا وهاجروا.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ثوبان قال: سمعت رسول الله، يقول: «ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...

﴾ إلى آخر الآية.

فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك؟

فسكت النبي صلى الله عليه وسلم قال: إلا ومن أشرك ثلاث مرات» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ ولا يبالي أنه هو الغفور الرحيم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في حسن الظن وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود أنه مر على قاصٍّ يذكر الناس فقال: يا مذكر الناس لا تقنط الناس، ثم قرأ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال: قال علي أي آية أوسع؟

فجعلوا يذكرون آيات من القرآن ﴿ من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ [ النساء: 110] ونحوها.

فقال علي رضي الله عنه: ما في القرآن أوسع آية من ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...

﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم..

﴾ .

قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة.

يقول الله تعالى لهؤلاء ﴿ أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ﴾ [ المائدة: 74] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولاً من هؤلاء.

من قال: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ [ النازعات: 24] وقال: ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ [ القصص: 38] قال ابن عباس رضي الله عنهما: من آيس العباد من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: إن إبليس قال: يا رب زدني قال: صدوركم مساكن لكم، وتجرون منهم مجرى الدم قال: يا رب زدني.

قال: ﴿ اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ﴾ [ الإسراء: 64] فقال آدم عليه السلام: يا رب قد سلطته عليَّ وأني لا أمتنع منه إلا بك فقال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء.

قال: يا رب زدني.

قال: الحسنة عشراً أو ازيد، والسيئة واحدة أو امحوها قال: يا رب زدني قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد.

قال: يا رب زدني قال: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ﴾ .

وأخرج أحمد وأبو يعلى والضياء عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم لغفر لكم.

والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون فيغفر لهم» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فيغفر لهم» .

وأخرج الخطيب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود إن العبد من عبيدي ليأتيني بالحسنة فاحكمه فيّ قال داود عليه السلام.

وما تلك الحسنة؟

قال: كربة فرجها عن مؤمن قال داود عليه السلام: اللهم حقيق على من عرفك حق معرفتك أن لا يقنط منك.

وأخرج الحكيم الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل عليه السلام: يا محمد إن الله يخاطبني يوم القيامة، فيقول: يا جبريل ما لي أرى فلان ابن فلان في صفوف أهل النار؟

فأقول يا رب إنا لم نجد له حسنة يعود عليه خيرها اليوم.

فيقول الله: إني سمعته في دار الدنيا يقول: يا حنان يا منان، فأته فاسأله فيقول وهل من حنان ومنان غيري؟

فآخذ بيده من صفوف أهل النار، فادخله في صفوف أهل الجنة» .

وأخرج ابن الضريس وأبو القسام بن بشير في اماليه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى، ولم يرخص لهم في معاصيه، ولم يؤمنهم عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة منه إلى غيره.

إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: إن للمقنطين جسراً يطأ الناس يوم القيامة على أعناقهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ألم أحدث أنك تعظ الناس؟

قال: بلى.

قالت: فإياك واهلاك الناس وتقنيطهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه أن رجلاً كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة، ويشدد على نفسه، ويقنط الناس من رحمة الله تعالى، ثم مات فقال: أي رب ما لي عندك؟

قال: النار قال: فأين عبادتي واجتهادي؟

فقيل له كنت تقنط الناس من رحمتي، وأنا اقنطك اليوم من رحمتي.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن ناساً أصابوا في الشرك عظاماً فكانوا يخافون أن لا يغفر لهم، فدعاهم الله بهذه الآية ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا...

﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز لاحق بن حميد السدوسي قال: «لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً...

﴾ إلى آخر الآية قام نبي الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس، وتلا عليهم.

فقام رجل فقال: يا رسول الله والشرك بالله؟

فسكت فأعاد ذلك ما شاء الله، فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء: 48] » .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ [ الزمر: 54] قال عكرمة رضي الله عنه: قال ابن عباس رضي الله عنهما فيها علقة ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله ﴾ قال علي بن أبي طالب وابن مسعود: هذه أرجى آية في القرآن، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية واختلف في سببها فقيل: في وحشي قاتل حمزة، لما أراد أن يسلم وخاف أن لا يغفر له ما وقع فيه من قتل حمزة، وقيل: نزلت في قوم آمنوا ولم يهاجروا، ففتنوا فافتتنوا ثم ندموا وظنوا أنهم لا توبة لهم، وهذا قول عمر بن الخطاب: وقد كتب بها إلى هشام بن العاصي، لما جرى له ذلك وقيل: نزلت في قوم من أهل الجاهلية، قالوا: ما ينفعنا الإسلام لأننا قد زينا، وقتلنا النفوس فنزلت الآية فيهم، ومعناها مع ذلك على العموم في جميع الناس إلى يوم القيامة على تفصيل نذكره، وذلك أن الذين أسرفوا على أنفسهم، إن أراد بهم الكفار فقد اجتمعت الأمة على أنهم إذا أسلموا غفر لهم كفرهم وجميع ذنوبهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يَجُبْ ما قبله» ، وأنهم إن ماتوا على الكفر فإن الله لا يغفر لهم، بل يخلدهم في النار، وإن أراد به العصاة من المسلمين فإن العاصي إذا تاب غفر له ذنوبه، وإن لم يتب فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فالمغفرة المذكورة في هذه الآية، يحتمل أن يريد بها المغفرة للكفار إذا أسلموا أونن للعصاة إذا تابوا، أو للعصاة وإن لم يتوبوا إذا تفضل الله عليهم بالمغفرة، والظاهر أنها نزلت في الكفار، وأن المغفرة المذكورة هي لهم إذا أسلموا، والدليل على أنها في الكفار ما ذكر بعدها إلى قوله: ﴿ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين ﴾ [الزمر: 59].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.

الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.

وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه {  } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.

وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.

وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.

تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.

وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.

وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.

والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.

ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.

أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.

وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.

وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.

وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.

وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.

وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.

وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.

قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.

ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.

واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.

ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.

ولا يخفى ما في الآية من التهديد.

ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.

ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.

وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.

وأقول: إنه  أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله {  هو الله الواحد القهار} فقوله {  } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.

وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.

الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.

والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.

وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.

الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه  ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.

هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله  أعلم بأسرار كلامه.

وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.

الثاني.

﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.

وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.

ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.

ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.

وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله  "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.

الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.

وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.

الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.

ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.

وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.

وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.

وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ وكقوله  "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.

وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.

وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.

وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.

وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.

وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.

السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.

ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.

﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".

﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟

ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.

وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.

قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون  ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.

وهذا مما لا نزاع فيه.

أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.

ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.

ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.

وقد مر نظيره أيضاً.

وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.

وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.

ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.

قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.

ومنه ما روي أن النبي  كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.

والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".

والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.

واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.

ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.

ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.

وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.

والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.

وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.

وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.

والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.

وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.

ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.

وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.

وقيل: المنادي هو رسول الله  بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.

قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.

وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.

ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.

قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.

وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟

فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.

وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه  أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.

النوع الأوّل.

﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.

وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.

ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.

وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.

ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.

والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.

وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.

قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.

ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.

والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.

ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.

وقيل: هي الثناء الجميل.

وقيل: الظفر والغنيمة.

وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.

وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها  ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء  ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.

قال جار الله: عن النبي  "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.

النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي  : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟

ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟

فأنزل الله هذه الآية.

وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.

وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.

ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي  فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه  ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.

وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.

وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ  مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.

قيل: المراد به أمته.

وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.

وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.

النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.

وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.

قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.

قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.

والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.

ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.

وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.

قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش  ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم  ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.

وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.

ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو  واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.

﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم  ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم  ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام  ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.

وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.

قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.

وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي  فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.

وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.

وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.

وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.

وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.

وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.

مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.

وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.

وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.

وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.

ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.

ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟

فمن حق إلى آخره.

وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟

قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.

ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.

أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.

قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.

وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.

والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.

وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.

وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.

قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.

وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً  ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.

وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى  ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.

وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.

ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله  ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.

والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.

ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.

وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.

ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب  ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.

وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.

وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.

وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.

قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.

قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.

ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.

وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.

وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.

قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.

ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.

ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ .

ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.

قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.

ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.

ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.

والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.

﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.

ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.

وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.

قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم  ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.

واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.

وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.

قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه  كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ  ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا ﴾ .

لا يحتمل أن يكون أراد: كل إنسان يكون على ما وصف وذكر، ولكنه إنسان دون إنسان، ولا يجب أن يشار إلى واحد أنه فلان، وكذلك ما ذكر من مس الضر به لا يشار إلى ضر دون ضر؛ ولكن ما أعلم الله - عز وجل - رسوله  أنه ماذا؟

لأن ذلك يخرج مخرج الشهادة على الله - عز وجل - والامتناع عن الإشارة إليه، والتسمية له أسلم.

ثم كانت عادة أولئك الكفرة - لعنهم الله - عند نزول البلاء بهم والشدة الفزع إلى الله - عز وجل - وإخلاص الدعاء له؛ فبعد الكشف عنهم ذلك يقع العود إلى ما كانوا من قبل، على ما ذكرهم في آي من القرآن.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا ﴾ ، أي: أعطيناه نعمة، أو ملكناه نعمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ .

أي: على حيلة مني أعطيت ذلك.

وقال بعضهم: إنما أوتيته على شرف ومنزلة، علمه الله مني.

وقال قتادة: على خير علمه الله عندي.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ إنما آتانيه الله على علم ﴾ .

وقال بعضهم: ما ذكرنا قال: إنما أوتيته على علم وشرف أعطيت ذلك.

قال الله - عز وجل - ردّاً لقوله: ﴿ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ﴾ .

والفتنة هي المحنة التي فيها شدة، أي: بل هي محنة فيها شدة وبلاء، والمحنة من الله بأمر وبنهي، أي: فيها أمر ونهي.

﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أنه لم يعط لفضل وشرف له أو حيلة منه؛ ولكنه لأمر ونهي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، عين ما قال هذا الرجل؛ حيث قال: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ ؛ كان من قارون حين قال: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ  ﴾ ، ولم يزل العادة من الكفرة والرؤساء منهم وأهل الثروة قائلين بمثل هذا الكلام والقول، وهو ما أخبر عن قوم فرعون - حين قالوا: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ  ﴾ ، وما قال أهل مكة: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ، وغير ذلك من أمثال هذا، لم يزالوا قائلين هذا.

ثم أخبر أن ذلك لم يغنهم حيث قال: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ما قالوا: إنما أوتينا هذا بحيل من عندنا واكتساب، أخبر أن ذلك لم يغنهم عن دفع عذاب الله - عز وجل - عنهم إذا نزل بهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾ .

يوعد أهل مكة ويخوفهم أنه ينزل بهم ويصيبهم بكسبهم الذي يكتسبون كما نزل بأولئك الأوائل بمثل كسبهم وصنيعهم.

وقوله: ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ .

أي: ما هم بمعجزين عما يريد بهم من الانتقام منهم والتعذيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ .

يذكر هذا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء لا لكرامة وفضل عند الله ولا لحق قبله، ويضيق على من يشاء لا لهوان له عنده ولا لجناية؛ ولكن امتحانا لهم بمختلف الأحوال: يمتحن هذا بالسعة؛ ليستأدي به منه الشكر، ويضيق على هذا؛ يطلب منه الصبر على ذلك.

أو يمتحن بعضهم بالسعة، وبعضهم بالشدة والضيق؛ ليعلموا أن ذلك كله في يد غيرهم، لا في أيديهم؛ إذ يمتحنهم بمختلف الأحوال ليكونوا - أبدا - فزعين إلى الله في كل وقت وكل ساعة، ولو كان السعة والنعمة لكرامة عند الله وفضل - على ما ظن أولئك - لكان لا يحتمل ذلك مختلفي المذهب الذي يناقض بعضه بعضا ويضاد بعضه بعضاً: نحو المسلم والكافر، وقد وسع على المسلم ووسع على الكافر، وقد ضيق عليهما جميعاً؛ يدل أن التوسيع ليس للكرامة والمنزلة عند الله أو لحق عليه، ولا التضييق والتقتير لهوان؛ إذ لو كان لذلك لكان لا يجمع بين متضاد المذهب ومختلفهما؛ فإذا جمع دل أنه لمعنى الامتحان، لا لما ظن أولئك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ، فيما ذكر من التوسيع والبسط والتضييق والتقتير، ﴿ لآيَاتٍ ﴾ ، أي: لعبرة وعظة، ﴿ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ : يؤمنون أنه لم يوسع على ما وسع لكرامته عند الله ومنزلته وفضله، ولا ضيق على من ضيق لهوان له عنده ولا جناية، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لعبادي الذين تجاوزوا الحد على أنفسهم بالشرك بالله وارتكاب المعاصي: لا تَيْئَسُوا من رحمة الله، ومن مغفرته لذنوبكم، إن الله يغفر الذنوب كلها لمن تاب إليه، إنه هو الغفور لذنوب التائبين، الرحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.JeN15"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله