الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٥٥ من سورة الزمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥٥ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) وهو القرآن العظيم ، ( من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ) أي : من حيث لا تعلمون ولا تشعرون .
وقوله: ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنـزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) يقول تعالى ذكره: واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنـزيله, واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه, وذلك هو أحسن ما أنـزل إلينا من ربنا.
فإن قال قائل: ومن القرآن شيء وهو أحسن من شيء؟
قيل له: القرآن كله حسن, وليس معنى ذلك ما توهمت, وإنما معناه: واتبعوا مما أنـزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر, والمثل, والقصص, والجدل, والوعد, والوعيد أحسنه أن تأتمروا لأمره, وتنتهوا عما نهى عنه, لأن النهي مما أنـزل في الكتاب, فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه, فذلك وجهه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنـزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) يقول: ما أمرتم به في الكتاب ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ) قوله: ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً ) يقول: من قبل أن يأتيكم عذاب الله فجأة ( وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) يقول: وأنتم لا تعلمون به حتى يغشاكم فجأة.
قوله تعالى : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أحسن ما أنزل هو القرآن وكله حسن ، والمعنى ما قال الحسن : التزموا طاعته ، واجتنبوا معصيته .
وقال السدي : الأحسن ما أمر الله به في كتابه .
وقال ابن زيد : يعني المحكمات ، وكلوا علم المتشابه إلى علمه .
وقال : أنزل الله كتب التوراة والإنجيل والزبور ، ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن وهو المعجز .
وقيل : هذا أحسن لأنه ناسخ قاض على جميع الكتب ، وجميع الكتب منسوخة .
وقيل : يعني العفو ; لأن الله تعالى خير نبيه - عليه السلام - بين العفو والقصاص .
وقيل : ما علم الله النبي - عليه السلام - وليس بقرآن فهو حسن ، وما أوحى إليه من القرآن فهو الأحسن .
وقيل : أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية .
فأجاب تعالى بقوله: { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } مما أمركم من الأعمال الباطنة، كمحبة اللّه، وخشيته، وخوفه، ورجائه، والنصح لعباده، ومحبة الخير لهم، وترك ما يضاد ذلك.ومن الأعمال الظاهرة، كالصلاة، والزكاة والصيام، والحج، والصدقة، وأنواع الإحسان، ونحو ذلك، مما أمر اللّه به، وهو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، فالمتبع لأوامر ربه في هذه الأمور ونحوها هو المنيب المسلم،.
{ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } وكل هذا حثٌّ على المبادرة وانتهاز الفرصة.
( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) يعني : القرآن ، والقرآن كله حسن ، ومعنى الآية ما قاله الحسن : التزموا طاعته واجتنبوا معصيته ، فإن القرآن ذكر القبيح لتجتنبه ، وذكر الأدون لئلا ترغب فيه ، وذكر الأحسن لتؤثره .
قال السدي : " الأحسن " ما أمر الله به في الكتاب ، ( من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ) .
«واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم» هو القرآن «من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون» قبل إتيانه بوقته.
واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم، وهو القرآن العظيم، وكله حسن، فامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهية من قبل أن يأتيكم العذاب فجأة، وأنتم لا تعلمون به.
ثم أمرهم باتباع أوامر القرآن الكريم ونواهيه فقال : ( واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ )أى : واتبعوا هذا القرآن الكريم ، الذى هو أحسن ما أنزله - سبحانه - إليكم ، بسبب ما اشتمل عليه من هدايات سامية ، ومن تشريعات حكيمة ، ومن آداب قويمة .فإن اتباع ما اشتمل عليه هذا القرآن من توجيهات .
يؤدى إلى السعادة فى الدنيا والآخرة .وقوله : ( مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ) متعلق بالأمر بالاتباع ، وإرشاد إلى وجوب الامتثال بدون تأخير أو تسويف .أى : سارعو إلى اتباع إرشادات وتشريعات وآداب هذا القرآن ، من قبل أن ينزل بكم العذاب فجأة وبدون مقدمات ، بحيث لا تشعرون بإتيانه إلا عند نزوله .فالآية الكريمة تقرير وتأكيد لما قبلها : من الدعوة إلى المسارعة بالتوبة وبالعمل الصالح .
اعلم أن هذا حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة، وذلك لأنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى الله تعالى، ويرون أن دفع ذلك لا يكون إلا منه، ثم إنه تعالى إذا خولهم النعمة، وهي إما السعة في المال أو العافية في النفس، زعم أنه إنما حصل ذلك بكسبه وبسبب جهده وجده، فإن كان مالاً قال إنما حصل بكسبي، وإن كان صحة قال إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني، وهذا تناقض عظيم، لأنه كان في حال العجز والحاجة أضاف الكل إلى الله وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله، وأسنده إلى كسب نفسه، وهذا تناقض قبيح، فبين تعالى قبح طريقتهم فيما هم عليه عند الشدة والرخاء بلفظة وجيزة فصيحة، فقال: ﴿ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ ﴾ يعني النعمة التي خولها هذا الكافر فتنة، لأن عند حصولها يجب الشكر، وعند فواتها يجب الصبر، ومن هذا حاله يوصف بأنه فتنة من حيث يختبر عنده حال من أوتي النعمة، كما يقال فتنت الذهب بالنار، إذا عرضته على النار لتعرف خلاصته.
ثم قال تعالى: ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ والمعنى ما قدمنا أن هذا التخويل إنما كان لأجل الاختبار.
وبقي في الآية أبحاث نذكرها في معرض السؤال والجواب.
السؤال الأول: ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء هاهنا، وعطف مثلها في أول السورة بالواو؟
والجواب: أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنهم يشمئزون من سماع التوحيد ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء، ثم ذكر بفاء التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجأوا إلى الله تعالى وحده، كان الفعل الأول مناقضاً للفعل الثاني، فذكر فاء التعقيب ليدل على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال، وأنه ليس بين الأول والثاني فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني، فهذا هو الفائدة في ذكر فاء التعقيب هاهنا.
فأما الآية الأولى فليس المقصود منها بيان وقوعهم في التناقض في الحال، فلا جرم ذكر الله بحرف الواو لا بحرف الفاء.
السؤال الثاني: ما معنى التخويل؟
الجواب: التخويل هو التفضل، يعني نحن نتفضل عليه وهو يظن أنه إنما وجده بالاستحقاق.
السؤال الثالث: ما المراد من قوله: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ ؟
الجواب: يحتمل أن يكون المراد، إنما أوتيته على علم الله بكوني مستحقاً لذلك، ويحتمل أن يكون المراد، إنما أوتيته على علمي بكوني مستحقاً له، ويحتمل أن يكون المراد، إنما أوتيته على علم لأجل ذلك العلم قدرت على اكتسابه مثل أن يكون مريضاً فيعالج نفسه، فيقول إنما وجدت الصحة لعلمي بكيفية العلاج، وإنما وجدت المال لعلمي بكيفية الكسب.
السؤال الرابع: النعمة مؤنثة، والضمير في قوله: ﴿ أُوتِيتُهُ ﴾ عائد على النعمة، فضمير التذكير كيف عاد إلى المؤنث، بل قال بعده: ﴿ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ ﴾ فجعل الضمير مؤنثاً فما السبب فيه؟
والجواب: أن التقدير حتى إذا خولناه شيئاً من النعمة، فلفظ النعمة مؤنث ومعناه مذكر، فلا جرم جاز الأمران.
ثم قال تعالى: ﴿ قَدْ قَالَهَا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أغْنَى عَنْهُمْ ﴾ الضمير في ﴿ قالها ﴾ راجح إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ عندي لأنها كلمة أو جملة من المقول ﴿ والذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ هم قارون وقومه حيث قال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي ﴾ وقومه راضون به فكأنهم قالوها، ويجوز أيضاً أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها.
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي ما أغنى عنهم ذلك الاعتقاد الباطل والقول الفاسد الذي اكتسبوه من عذاب الله شيئاً بل أصابهم سيئات ما كسبوا، ولما بين في أولئك المتقدمين فإنهم أصابهم سيئات ما كسبوا أي عذاب عقائدهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة قال: ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي لا يعجزونني في الدنيا والآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ ﴾ يعني: أو لم يعلموا أن الله تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء تارة، ويقبض تارة أخرى، وقوله: ﴿ وَيَقْدِرُ ﴾ أي ويقتر ويضيق، والدليل عليه أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه ولا بد من سبب، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله، لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق، ونرى الجاهل المريض الضعيف في أعظم السعة، وليس ذلك أيضاً لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكبير والسلطان القاهر، قد ولد فيه أيضاً عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان، ويولد أيضاً في تلك الساعة عالم من النبات، فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة، علمنا أنه ليس المؤثر في السعادة والشقاوة هو الطالع، ولما بطلت هذه الأقسام، علمنا أن المؤثر فيه هو الله سبحانه، وصح بهذا البرهان العقلي القاطع على صحة قوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ ﴾ .
قال الشاعر: فلا السعد يقضي به المشترى *** ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السما *** ء وقاضي القضاة تعالى وجل <div class="verse-tafsir"
﴿ أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلوّ فيها ﴿ لاَ تَقْنَطُواْ ﴾ قرئ: بفتح النون وكسرها وضمها ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ يعني بشرط التوبة، وقد تكرّر ذكر هذا الشرط في القرآن، فكان ذكره فيما ذكر فيه ذكراً له فيما لم يذكر فيه؛ لأنّ القرآن في حكم كلام واحد، ولا يجوز فيه التناقض.
وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود: ﴿ يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء ﴾ .
والمراد بمن يشاء: من تاب؛ لأنّ مشيئة الله تابعة لحكمته وعدله، لا لملكه وجبروته.
وقيل: في قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم وفاطمة رضي الله عنها: ﴿ يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي ﴾ ونظير نفي المبالاة نفي الخوف في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَخَافُ عقباها ﴾ [الشمس: 15] وقيل: قال أهل مكة: يزعم محمد أنّ من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرّم الله فنزلت.
وروى أنه أسلم عياش بن أبي ربيعة والوليد ابن الوليد ونفر معهما، ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله لهم صرفاً ولا عدلاً أبداً، فنزلت.
فكتب بها عمر رضي الله عنه إليهم، فأسلموا وهاجروا، وقيل: نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحب أنّ لي الدنيا وما فيها بهذه الآية» فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟
فسكت ساعة ثم قال: «إلامن أشرك» ثلاث مرّات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ أفْرَطُوا في الجِنايَةِ عَلَيْها بِالإسْرافِ في المَعاصِي، وإضافَةُ العِبادِ تُخَصِّصُهُ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى ما هو عُرْفُ القُرْآنِ.
لا ﴿ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ لا تَيْأسُوا مِن مَغْفِرَتِهِ أوَّلًا وتَفَضُّلِهِ ثانِيًا.
﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ عَفْوًا ولَوْ بَعْدَ بُعْدٍ وتَقْيِيدُهُ بِالتَّوْبَةِ خِلافُ الظّاهِرِ ويَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ فِيما عَدا الشِّرْكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآيَةَ، والتَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ عَلى المُبالَغَةِ وإفادَةِ الحَصْرِ والوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ بَعْدَ المَغْفِرَةِ، وتَقْدِيمِ ما يَسْتَدْعِي عُمُومَ المَغْفِرَةِ مِمّا في عِبادِيَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الذِّلَّةِ، والِاخْتِصاصِ المُقْتَضِيَيْنِ لِلتَّرَحُّمِ، وتَخْصِيصِ ضَرَرِ الإسْرافِ بِأنْفُسِهِمْ والنَّهْيِ عَنِ القُنُوطِ مُطْلَقًا عَنِ الرَّحْمَةِ فَضْلًا عَنِ المَغْفِرَةِ، وإطْلاقِها وتَعْلِيلِهِ بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، ووَضْعِ اسْمِ اللَّهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَغْنِي والمُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ والتَّأْكِيدِ بِالجَمِيعِ.
وما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «ما أُحِبُّ أنْ تَكُونَ لِي الدُّنْيا وما فِيها بِها، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن أشْرَكَ فَسَكَتَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: ألا ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وَما رُوِيَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّ مَن عَبَدَ الوَثَنَ وقَتَلَ النَّفْسَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَكَيْفَ ولَمْ نُهاجِرْ وقَدْ عَبَدْنا الأوْثانَ وقَتَلْنا النَّفْسَ فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ في عَيّاشٍ والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ في جَماعَةٍ افْتَتَنُوا أوْ في الوَحْشِيِّ لا يَنْفِي عُمُومَها وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ فَإنَّها لا تَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَغْفِرَةِ لِكُلِّ أحَدٍ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ وسَبْقِ تَعْذِيبٍ لِتُغْنِيَ عَنِ التَّوْبَةِ والإخْلاصِ في العَمَلِ وتُنافِيَ الوَعِيدَ بِالعَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
{واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} مثل قوله الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وقوله {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} أي يفجؤكم وأنتم غافلون كأنكم لا تخشون شيئاً لفرط غفلتكم
﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْعِبادِ المُخاطَبِينَ فِيما تَقَدَّمَ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ أوْ ما يَعُمُّهم والكافِرِينَ، والمُرادُ بِما أُنْزِلَ القُرْآنُ وهو كَما أُنْزِلَ إلى المُؤْمِنِينَ أُنْزِلَ إلى الكافِرِينَ ضَرُورَةَ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ لِدَعْوَةِ النّاسِ كافَّةً، والمُرادُ بِأحْسَنِهِ ما تَضَمَّنَ الإرْشادَ إلى خَيْرِ الدّارَيْنِ دُونَ القِصَصِ ونَحْوِها أوِ المَأْمُورِ بِهِ أوِ العَزائِمِ أوِ النّاسِخِ، وأفْعَلُ عَلى الأوَّلِ والثّالِثِ عَلى ظاهِرِهِ وعَلى الثّانِي والرّابِعِ فِيهِ احْتِمالانِ وقِيلَ: لَعَلَّ الأحْسَنَ ما هو أنْجى وأسْلَمَ كالإنابَةِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ وأفْعَلُ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْجِنْسِ، والمُرادُ بِما أُنْزِلَ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ وبِأحْسَنِهِ القُرْآنُ، وفِيهِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ، وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تَرْغِيبٌ في الِاتِّباعِ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً ﴿ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ لا تَعْلَمُونَ أصْلًا بِمَجِيئِهِ فَتَتَدارَكُونَ ما يَدْفَعُهُ <div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى للنبي : قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صار نصباً بالنداء.
يعني: يا خالق السموات والأرض، عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني: عالماً بما غاب عن العباد، وما لم يغب عنهم.
ويقال: عالماً بما مضى، وما لم يمض، وما هو كائن.
ويقال: عالم السر والعلانية.
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ يعني: أنت تقضي في الآخرة بين عبادك، فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين.
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي: كفروا مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ أي: مثل ما في الأرض، لَافْتَدَوْا بِهِ أي: لفادوا به أنفسهم مِنْ سُوءِ الْعَذابِ أي: من شدة العذاب يَوْمَ الْقِيامَةِ.
وفي الآية مضمر.
أي: لا يقبل منهم ذلك.
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ أي: ظهر لهم حين بعثوا من قبورهم، مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ في الدنيا أنه نازل بهم.
يعني: يعلمون أعمالاً يظنون أن لهم فيها ثواباً، فلم تنفعهم مع شركهم، فظهرت لهم العقوبة مكان الثواب، وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا أي: عقوبات ما عملوا، وَحاقَ بِهِمْ أي: نزل بهم عقوبة، مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: باستهزائهم بالمسلمين.
ويقال: باستهزائهم بالرسول، والكتاب، والعذاب.
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا يعني: أصاب الكافر شدة، وبلاء، وهو أبو جهل.
ويقال: جميع الكفار دعانا أي: أخلص في الدعاء ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ أي: بدلنا، وأعطيناه مكانها عافية، نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ أي: على علم عندي.
يعني: أعطاني ذلك، لأنه علم أني أهل لذلك.
ويقال: معناه على علم عندي بالدواء.
بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ أي: بلية، وعطية، يبتلى بها العبد ليشكر، أو ليكفر، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن إعطائي ذلك بلية، وفتنة، قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: قال تلك الكلمة: الذين من قبل كفار مكة، مثل قارون، وأشباهه.
فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: لم ينفعهم ما كانوا يجمعون من الأموال، فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا أي: عقوبات ما عملوا.
قوله: وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ يعني: من أهل مكة سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا يعني: عقوبات ما عملوا، مثل ما أصاب الذين من قبلهم، وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي: غير فائتين من عذاب الله، أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أي: يوسع الرزق لمن يشاء، وَيَقْدِرُ أي: يقتر على من يشاء، إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في القبض والبسط لَآياتٍ أي: لعلامات لوحدانيتي لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: يصدقون بتوحيد الله.
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: أسرفوا بالذنوب على أنفسهم.
قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر، قُلْ يا عِبادِيَ بفتح الياء، والباقون بالإرسال.
وهما لغتان، ومعناهما واحد، لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أي: لا تيأسوا من مغفرة الله، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً الكبائر، وغير الكبائر إذا تبتم، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ لمن تاب، الرَّحِيمُ بعد التوبة لهم.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة.
قال: أصاب قوم في الشرك ذنوباً عظاماً، فكانوا يخافون أن لا يغفر الله لهم، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا.
وقال مجاهد: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ بقتل الأنفس في الجاهلية.
وقال في رواية الكلبي: نزلت الآية في شأن وحشي.
يعني: أسرفوا على أنفسهم بالقتل، والشرك، والزنى.
لا تيأسوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمن تاب.
وقال ابن مسعود: أرجى آية في كتاب الله هذه الآية.
وهكذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص.
وروي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: فيها عظة.
<div class="verse-tafsir"
له: ما هَذَا؟
فقال: أخافُ هذه الآيةَ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ «١» .
وقوله تعالى: ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا ...
الآية، قال الزَّجَّاجُ «٢» : التَّخْوِيلُ العطاءُ عَنْ غَيْرِ مُجَازَاةٍ، والنِّعْمَةُ هنا عامَّةٌ في المالِ وغيرِه، وتَقْوَى الإشارةُ إلى المالِ بقوله: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ قال قتادة: يريد إنما أُوتيتُهُ على علْمٍ مِنِّي بوجهِ المَكَاسِبِ والتِّجاراتِ «٣» ، ويحتملُ أن يريد: على عِلْمٍ من اللَّهِ فيّ واستحقاق حزنه عندَ اللَّه، ففي هذا التأويلِ اغترارٌ باللَّه، وفي الأول إعْجَابٌ بالنَّفْسِ، ثم قال تعالى: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ أي: ليس الأمْرُ كما قَال بل هذه الفَعْلَةُ بهِ فِتْنَةٌ له وابتلاء، ثم أَخْبَرَ تعالى عمَّنْ سَلَفَ من الكَفَرَةِ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا هذه المقالَةَ كَقَارُونَ وغيره، فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ مَنَ الأمْوَالِ، وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ المعاصرينَ لَكَ، يا مُحَمَّدُ، سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا.
قال أبو حَيَّان: فَما أَغْنى يحتملُ أن تَكونَ «ما» نافيةً أو استفهاميةً فيها معنى النّفي، انتهى.
وقوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ...
الآية، هذه الآيةُ عامَّةٌ في جميع النَّاسِ إلى يوم القيامةِ، فتَوْبَةُ الكَافِرِ تَمْحُو ذَنْبَهُ، وتوبة العاصي تمحو/ ذنبَهُ على ما تقدَّم تفصيلُهُ، واختُلِفَ في سبب نزولِ هذه الآيةِ، فقال عطاءُ بن يَسَارٍ: نزلَتْ في وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حمزة «٤» ، وقال ابن إسحاق وغيره: نزلَتْ في قومٍ بمكَّةَ آمنوا، ولم يُهَاجِرُوا وفَتَنَتْهُمْ قُرَيْشٌ، فافتتنوا، ثم نَدِمُوا وَظَنُّوا أنهم لا تَوْبَةَ لَهم، [فنزلَتِ] الآيةُ فِيهِم، منهم الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ وَهِشَامُ بْنُ العَاصي «٥» وهذا قولُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وأنه كَتَبَهَا بِيدِهِ إلى هشامِ بْنِ العَاصِي، الحديثَ، وقالتْ فرقةٌ: نزلَتْ في قومٍ كُفَّارٍ مِنْ أهْلِ الجاهليَّةِ، قالوا: وَمَا يَنْفَعُنَا الإسْلاَمُ، وَنَحْنُ قد زنينا وقتلنا النّفس، وأتينا كلّ كبيرة،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ ناسًا مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ ونَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، ثُمَّ عُذِّبُوا فافْتُتِنُوا، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُونَ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن هَؤُلاءِ صَرْفًا ولا عَدْلًا، قَوْمٌ تَرَكُوا دِينَهم بِعَذابٍ عُذِّبُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَكَتَبَها عُمَرُ إلى عِياشٍ والوَلِيدُ وأُولَئِكَ النَّفَرُ، فَأسْلَمُوا وهاجَرُوا؛ وهَذا قَوْلُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في وحْشَيٍّ؛ وهَذا القَوْلُ ذَكَرْناهُ مَشْرُوحًا في آَخَرَ [الفَرْقانِ: ٦٨] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّ مَن عَبَدَ الأوْثانَ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَكَيْفَ نُهاجِرُ ونُسَلِّمُ وقَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ؟!
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وَمَعْنى ﴿ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ ارْتَكَبُوا الكَبائِرَ.
والقُنُوطُ بِمَعْنى اليَأْسِ.
﴿ وَأنِيبُوا ﴾ بِمَعْنى ارْجِعُوا إلى اللَّهِ مِنَ الشِّرْكِ والذُّنُوبِ، ﴿ وَأسْلِمُوا لَهُ ﴾ أيْ: أخْلَصُوا لَهُ التَّوْحِيدَ.
و "تُنْصَرُونَ" بِمَعْنى تَمْنَعُونَ.
﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ قَدْ بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهِ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، أيْ أنَّ تَوْبَةَ الكافِرِ تَمْحُو كُفْرَهُ، وتَوْبَةَ العاصِي تَمْحُو ذَنْبَهُ، واخْتُلِفَ - هَلْ يَكُونُ في المَشِيئَةِ أو هو مَغْفُورٌ لَهُ ولابُدَّ؟
- فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ: هو مَغْفُورٌ لَهُ ولابُدَّ، وهَذا مُقْتَضى ظَواهِرِ القُرْآنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التائِبُ في المَشِيئَةِ، لَكِنْ يَغْلِبُ الرَجاءُ في ناحِيَتِهِ، والعاصِي في المَشِيئَةِ، لَكِنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ في ناحِيَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ في وحْشَيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، وقالَ السُدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ بِمَكَّةَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا، وفَتَنَتْهم قُرَيْشٌ فافْتَتَنُوا، ثُمَّ نَدِمُوا وظَنُّوا أنَّهم لا تَوْبَةَ لَهُمْ، فَنَزَلَتْ، مِنهُمُ الوَلِيدُ، وهُشامُ بْنُ العاصِي، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَّهُ كَتَبَها بِيَدِهِ إلى هِشامِ بْنِ العاصِي، الحَدِيثُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كُفّارٍ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، قالُوا: وما يَنْفَعُنا الإسْلامُ ونَحْنُ قَدْ زَنَيْنا وقَتَلْنا الناسَ وأتَيْنا كُلَّ كَبِيرَةٍ، فَنَزَلَتْ، وقالَ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ، ورَوى ثَوْبانِ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "ما أحَبَّ أنَّ لِي الدُنْيا بِما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ: يا عِبادِيَ".» و"أسْرَفُوا" مَعْناهُ: أفْرَطُوا وتَعَدُّوا الطَوْرَ، و"القُنُوطُ": أعْظَمُ اليَأْسِ.
وقَرَأ نافِعٌ وَجُمْهُورُ الناسِ: ﴿ (تَقْنَطُوا) ﴾ بِفَتْحِ النُونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: "يَلْزَمُهم أنْ يَقْرَؤُوا: "مِن بَعْدِ ما قَنِطُوا" بِالكَسْرِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِضَمِّ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِكَسْرِها، وهي لُغاتٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا ﴾ عُمُومٌ بِمَعْنى الخُصُوصِ؛ لِأنَّ الشِرْكَ لَيْسَ بِداخِلٍ في الآيَةِ إجْماعًا، وهي أيْضًا في المَعاصِي مُقَيَّدَةٌ بِالمَشِيئَةِ، و"جَمِيعًا" نُصِبَ عَلى الحالِ.
ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قَرَأ: [إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي]» وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا لِمَن يَشاءُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأنِيبُوا" ﴾ مَعْناهُ: ارْجِعُوا ومِيلُوا بِنُفُوسِكُمْ، و"الإنابَةُ": الرُجُوعُ بِالنَفْسِ إلى الشَيْءِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا والآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ مَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ العَزِيزَ تَضَمَّنَ عَقائِدَ نَيِّرَةٍ، وأوامِرَ ونَواهِيَ مُنْجِيَةٍ، وعِدِاتٍ عَلى الطاعاتِ والبِرِّ، وحُدُودًا عَلى المَعاصِي ووَعِيدًا عَلى بَعْضِها، فالأحْسَنُ أنْ يَسْلُكَ الإنْسانُ طَرِيقَ التَفَهُّمِ والتَحْصِيلِ والطاعَةِ والِانْتِهاءِ والعَفْوِ في الأُمُورِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهو أحْسَنُ مِن أنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الغَفْلَةِ والمَعْصِيَةِ فَيُجْزى أو يَقَعُ تَحْتَ الوَعِيدِ، فَهَذا المَعْنى هو المَقْصُودُ بـِ[أحْسَنَ]، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ أحْسَنُ مِن بَعْضٍ مِن حَيْثُ هو قُرْآنٌ، وإنَّما هو أحْسَنُ كُلُّهُ بِالإضافَةِ إلى أفْعالِ الإنْسانِ وما يَلْقى مِن عَواقِبِها، قالَ السُدِّيُّ: الأحْسَنُ هو ما أمَرَ اللهُ تَعالى بِهِ في كِتابِهِ.
و[بَغْتَةً] مَعْناهُ: فَجْأةً وعَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، و"تَشْعُرُونَ" مُشْتَقٌّ مِنَ الشِعارِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أحسن ما أُنزِلَ ﴾ هو القرآن وهو معنى قوله: ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ [الزمر: 18].
والحظ للمشركين في هذه الآية لأن المسلمين قد اتّبعوا القرآن كما قال تعالى: ﴿ فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم اللَّه ﴾ [الزمر: 17، 18].
(و ﴿ أحْسَنَ ﴾ اسم تفضيل مستعمل في معنى كامل الحسن، وليس في معنى تفضيل بعضه على بعض لأن جميع ما في القرآن حسن فهو من باب قوله تعالى: ﴿ قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ [يوسف: 33].
وإضافة ﴿ أحْسَنَ ﴾ إلى ﴿ مَا أُنْزِل ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف.
والعذاب المذكور في هذه هو العذاب المذكور قبلُ بنوعيه وكله بغتة إذ لا يتقدمه إشعار، فعذاب الدنيا يحلّ بغتة وعذاب الآخرة كذلك لأنه تظهر بوارقه عند البعث وقد أتاهم عذاب السيف يوم بدر ويأتيهم عذاب الآخرة يوم البعث.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ﴾ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ بْنِ المُغِيرَةِ.
﴿ ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ فِيهِ خَسْمَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى عِلْمٍ بِرِضاهُ عَنِّي، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: بِعِلْمِي، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: بِعِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إيّاهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: عَلِمْتُ أنِّي سَوْفَ أُصِيبُهُ: حَكاهُ النَّقّاشُ.
الخامِسُ: عَلى خَبَرٍ عِنْدِي، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ بَلْ هي فِتْنَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: النِّعْمَةُ لِأنَّهُ يُمْتَحَنُ بِها.
الثّانِي: المَقالَةُ الَّتِي اعْتَقَدَها لِأنَّهُ يُعاقَبُ عَلَيْها.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ البَلْوى مِنَ النُّعْمى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ في مشركي أهل مكة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر رضي الله عنهما فكتبتها بيدي ثم بعثت إلى هشام بن العاصي.
وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند لين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي بن حرب قاتل حمزة يدعوه إلى الإِسلام، فأرسل إليه: يا محمد كيف تدعوني وأنت تزعم أن من قتل، أو أشرك، أو زنى، ﴿ يلقَ أثاماً ﴾ ﴿ يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ﴾ [ الفرقان: 69] وأنا صنعت ذلك فهل تجد لي من رخصة؟
فأنزل الله: ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ [ الفرقان: 70] فقال وحشي: هذا شرط شديد ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ﴾ [ الفرقان: 70] فلعلي لا أقدر على هذا.
فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء: 48] فقال وحشي: هذا أرى بعد مشيئة فلا يدري يغفر لي أم لا فهل غير هذا؟
فأنزل الله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...
﴾ الآية قال وحشي: هذا فهم.
فأسلم، فقال الناس: يا رسول الله: إنا أصبنا ما أصاب وحشي قال: بلى للمسلمين عامة» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال: لما أسلم وحشي أنزل الله: ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ [ الفرقان: 68] قال وحشي وأصحابه: فنحن قد ارتكبنا هذا كله.
فأنزل الله: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...
﴾ الآية.
وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن وحشي قال: لما كان في أمر حمزة ما كان ألقى الله خوف محمد صلى الله عليه وسلم في قلبي خرجت هارباً أكمن النهار، وأسير الليل، حتى صرت إلى أقاويل حمير، فنزلت فيهم، فاقمت حتى أتاني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني إلى الإِسلام؟
قال: تؤمن بالله، ورسوله، وتترك الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر، والزنا، والفواحش كلها، وتستحم من الجنابة، وتصلي الخمس.
قال: إن الله قد أنزل هذه الآية ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فصافحني وكناني بأبي حرب.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه يضحكون فقال: «والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً.
ثم انصرف وبكى القوم، فأوحى الله إليه: يا محمد لم تقنط عبادي؟
فرجع النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أبشروا، وقربوا، وسددوا» .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال: اتفقت أنا، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي بن وائل أن نهاجر إلى المدينة.
فخرجت أنا وعياش وفتن هشام فافتتن، فقدم على عياش أخوه أبو جهل، والحارث بن هشام، فقالا: إن أمك قد نذرت أن لا يظلها ظل، ولا يمس رأسها غسل حتى تراك.
فقلت: والله إن يريداك إلا أن يفتناك عن دينك وخرجا به.
وفتنوه فافتتن قال: فنزلت ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ قال عمر رضي الله عنه: فكتبت إلى هشام فقدم.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ وذلك أن أهل مكة قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له.
فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة، وقتلنا النفس، ونحن أهل الشرك؟
فأنزل الله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ وقال: «وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له» وإنما يعاتب الله أولي الألباب، وإنما الحلال والحرام لأهل الإِيمان، فإياهم عاتب، وإياهم أمر إذا أسرف أحدهم على نفسه أن لا يقنط من رحمة الله وأن يتوب، ولا يضن بالتوبة على ذلك الإِسراف والذنب الذي عمل، وقد ذكر الله تعالى في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا المغفرة فقالوا: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ﴾ [ آل عمران: 147] فينبغي أن يعلم أنهم كانوا يصيبون الأمرين فأمرهم بالتوبة.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشي وأصحابه ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ [ الزمر: 55] .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً.
أقوام أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوه، فنزلت هؤلاء الآيات وكان عمر بن الخطاب كاتباً فكتبها بيده، ثم كتب بها إلى عياش، والوليد، وإلى أولئك النفر.
فاسلموا وهاجروا.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ثوبان قال: سمعت رسول الله، يقول: «ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...
﴾ إلى آخر الآية.
فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك؟
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم قال: إلا ومن أشرك ثلاث مرات» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ ولا يبالي أنه هو الغفور الرحيم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في حسن الظن وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود أنه مر على قاصٍّ يذكر الناس فقال: يا مذكر الناس لا تقنط الناس، ثم قرأ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال: قال علي أي آية أوسع؟
فجعلوا يذكرون آيات من القرآن ﴿ من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ [ النساء: 110] ونحوها.
فقال علي رضي الله عنه: ما في القرآن أوسع آية من ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...
﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم..
﴾ .
قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة.
يقول الله تعالى لهؤلاء ﴿ أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ﴾ [ المائدة: 74] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولاً من هؤلاء.
من قال: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ [ النازعات: 24] وقال: ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ [ القصص: 38] قال ابن عباس رضي الله عنهما: من آيس العباد من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: إن إبليس قال: يا رب زدني قال: صدوركم مساكن لكم، وتجرون منهم مجرى الدم قال: يا رب زدني.
قال: ﴿ اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ﴾ [ الإسراء: 64] فقال آدم عليه السلام: يا رب قد سلطته عليَّ وأني لا أمتنع منه إلا بك فقال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء.
قال: يا رب زدني.
قال: الحسنة عشراً أو ازيد، والسيئة واحدة أو امحوها قال: يا رب زدني قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد.
قال: يا رب زدني قال: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ﴾ .
وأخرج أحمد وأبو يعلى والضياء عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم لغفر لكم.
والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون فيغفر لهم» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فيغفر لهم» .
وأخرج الخطيب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود إن العبد من عبيدي ليأتيني بالحسنة فاحكمه فيّ قال داود عليه السلام.
وما تلك الحسنة؟
قال: كربة فرجها عن مؤمن قال داود عليه السلام: اللهم حقيق على من عرفك حق معرفتك أن لا يقنط منك.
وأخرج الحكيم الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل عليه السلام: يا محمد إن الله يخاطبني يوم القيامة، فيقول: يا جبريل ما لي أرى فلان ابن فلان في صفوف أهل النار؟
فأقول يا رب إنا لم نجد له حسنة يعود عليه خيرها اليوم.
فيقول الله: إني سمعته في دار الدنيا يقول: يا حنان يا منان، فأته فاسأله فيقول وهل من حنان ومنان غيري؟
فآخذ بيده من صفوف أهل النار، فادخله في صفوف أهل الجنة» .
وأخرج ابن الضريس وأبو القسام بن بشير في اماليه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى، ولم يرخص لهم في معاصيه، ولم يؤمنهم عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة منه إلى غيره.
إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: إن للمقنطين جسراً يطأ الناس يوم القيامة على أعناقهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ألم أحدث أنك تعظ الناس؟
قال: بلى.
قالت: فإياك واهلاك الناس وتقنيطهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه أن رجلاً كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة، ويشدد على نفسه، ويقنط الناس من رحمة الله تعالى، ثم مات فقال: أي رب ما لي عندك؟
قال: النار قال: فأين عبادتي واجتهادي؟
فقيل له كنت تقنط الناس من رحمتي، وأنا اقنطك اليوم من رحمتي.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن ناساً أصابوا في الشرك عظاماً فكانوا يخافون أن لا يغفر لهم، فدعاهم الله بهذه الآية ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا...
﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز لاحق بن حميد السدوسي قال: «لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً...
﴾ إلى آخر الآية قام نبي الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس، وتلا عليهم.
فقام رجل فقال: يا رسول الله والشرك بالله؟
فسكت فأعاد ذلك ما شاء الله، فأنزل الله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء: 48] » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ [ الزمر: 54] قال عكرمة رضي الله عنه: قال ابن عباس رضي الله عنهما فيها علقة ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ يعني اتبعوا القرآن وليس أن بعض القرآن أحسن من بعض، لأنه حسن كله.
إنما المعنى أن يتبعوا بأعمالهم ما فيه من الأوامر.
ويجتنبوا ما فيه من النواهي، فالتفضيل الذي يقتضيه أحسن إنما هو في الإتباع، قيل: يعني الناسخ دون المنسوخ وهذا بعيد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.
الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.
وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه { } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.
وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.
وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.
تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.
وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.
وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.
والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.
وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.
ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.
أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.
وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.
وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.
وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.
وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.
وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.
وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.
قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.
ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.
واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.
ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.
ولا يخفى ما في الآية من التهديد.
ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.
ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.
وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.
وأقول: إنه أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله { هو الله الواحد القهار} فقوله { } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.
وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.
الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.
والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.
وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.
الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.
هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله أعلم بأسرار كلامه.
وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.
الثاني.
﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.
وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.
ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.
ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.
وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.
الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.
وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.
الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.
ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.
وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.
وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.
وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ وكقوله "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.
وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.
وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.
وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.
وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.
وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.
السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.
ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.
﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".
﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟
ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.
وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.
قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.
وهذا مما لا نزاع فيه.
أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.
ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.
ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.
وقد مر نظيره أيضاً.
وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.
وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.
ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.
قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.
ومنه ما روي أن النبي كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.
والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".
والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.
واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.
ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.
ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.
وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.
والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.
وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.
وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.
والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.
وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.
ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.
وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.
وقيل: المنادي هو رسول الله بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.
قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.
وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.
ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.
قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.
وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟
فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.
وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.
النوع الأوّل.
﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.
وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.
ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.
وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.
ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.
والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.
وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.
قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.
ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.
والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.
ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.
وقيل: هي الثناء الجميل.
وقيل: الظفر والغنيمة.
وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.
وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.
قال جار الله: عن النبي "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.
النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟
ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟
فأنزل الله هذه الآية.
وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.
وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.
ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.
وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.
وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.
قيل: المراد به أمته.
وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.
وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.
النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.
وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.
قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.
قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.
والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.
ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.
وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.
قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.
وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.
ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.
وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.
﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.
وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.
قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.
وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.
وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.
وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.
مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.
وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.
وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.
وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.
ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.
ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟
فمن حق إلى آخره.
وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟
قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.
ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.
أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.
قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.
وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.
والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.
وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.
وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.
قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.
وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.
وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.
وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.
ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.
والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.
ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.
وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.
ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.
وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.
وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.
وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.
قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.
قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.
ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.
وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.
وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.
قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.
ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.
ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ .
ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.
قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.
ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.
ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.
والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.
﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.
ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.
وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.
قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.
واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.
وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.
قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا ﴾ .
لا يحتمل أن يكون أراد: كل إنسان يكون على ما وصف وذكر، ولكنه إنسان دون إنسان، ولا يجب أن يشار إلى واحد أنه فلان، وكذلك ما ذكر من مس الضر به لا يشار إلى ضر دون ضر؛ ولكن ما أعلم الله - عز وجل - رسوله أنه ماذا؟
لأن ذلك يخرج مخرج الشهادة على الله - عز وجل - والامتناع عن الإشارة إليه، والتسمية له أسلم.
ثم كانت عادة أولئك الكفرة - لعنهم الله - عند نزول البلاء بهم والشدة الفزع إلى الله - عز وجل - وإخلاص الدعاء له؛ فبعد الكشف عنهم ذلك يقع العود إلى ما كانوا من قبل، على ما ذكرهم في آي من القرآن.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا ﴾ ، أي: أعطيناه نعمة، أو ملكناه نعمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ .
أي: على حيلة مني أعطيت ذلك.
وقال بعضهم: إنما أوتيته على شرف ومنزلة، علمه الله مني.
وقال قتادة: على خير علمه الله عندي.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ إنما آتانيه الله على علم ﴾ .
وقال بعضهم: ما ذكرنا قال: إنما أوتيته على علم وشرف أعطيت ذلك.
قال الله - عز وجل - ردّاً لقوله: ﴿ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ﴾ .
والفتنة هي المحنة التي فيها شدة، أي: بل هي محنة فيها شدة وبلاء، والمحنة من الله بأمر وبنهي، أي: فيها أمر ونهي.
﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أنه لم يعط لفضل وشرف له أو حيلة منه؛ ولكنه لأمر ونهي، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، عين ما قال هذا الرجل؛ حيث قال: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ ؛ كان من قارون حين قال: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ ، ولم يزل العادة من الكفرة والرؤساء منهم وأهل الثروة قائلين بمثل هذا الكلام والقول، وهو ما أخبر عن قوم فرعون - حين قالوا: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ﴾ ، وما قال أهل مكة: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ، وغير ذلك من أمثال هذا، لم يزالوا قائلين هذا.
ثم أخبر أن ذلك لم يغنهم حيث قال: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ما قالوا: إنما أوتينا هذا بحيل من عندنا واكتساب، أخبر أن ذلك لم يغنهم عن دفع عذاب الله - عز وجل - عنهم إذا نزل بهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾ .
يوعد أهل مكة ويخوفهم أنه ينزل بهم ويصيبهم بكسبهم الذي يكتسبون كما نزل بأولئك الأوائل بمثل كسبهم وصنيعهم.
وقوله: ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ .
أي: ما هم بمعجزين عما يريد بهم من الانتقام منهم والتعذيب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ .
يذكر هذا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء لا لكرامة وفضل عند الله ولا لحق قبله، ويضيق على من يشاء لا لهوان له عنده ولا لجناية؛ ولكن امتحانا لهم بمختلف الأحوال: يمتحن هذا بالسعة؛ ليستأدي به منه الشكر، ويضيق على هذا؛ يطلب منه الصبر على ذلك.
أو يمتحن بعضهم بالسعة، وبعضهم بالشدة والضيق؛ ليعلموا أن ذلك كله في يد غيرهم، لا في أيديهم؛ إذ يمتحنهم بمختلف الأحوال ليكونوا - أبدا - فزعين إلى الله في كل وقت وكل ساعة، ولو كان السعة والنعمة لكرامة عند الله وفضل - على ما ظن أولئك - لكان لا يحتمل ذلك مختلفي المذهب الذي يناقض بعضه بعضا ويضاد بعضه بعضاً: نحو المسلم والكافر، وقد وسع على المسلم ووسع على الكافر، وقد ضيق عليهما جميعاً؛ يدل أن التوسيع ليس للكرامة والمنزلة عند الله أو لحق عليه، ولا التضييق والتقتير لهوان؛ إذ لو كان لذلك لكان لا يجمع بين متضاد المذهب ومختلفهما؛ فإذا جمع دل أنه لمعنى الامتحان، لا لما ظن أولئك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ، فيما ذكر من التوسيع والبسط والتضييق والتقتير، ﴿ لآيَاتٍ ﴾ ، أي: لعبرة وعظة، ﴿ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ : يؤمنون أنه لم يوسع على ما وسع لكرامته عند الله ومنزلته وفضله، ولا ضيق على من ضيق لهوان له عنده ولا جناية، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
واتبعوا القرآن الذي هو أحسن ما أنزله ربكم على رسوله، عملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه، من قبل أن يأتيكم العذاب فجاة وأنتم لا تحسُّون به فتستعدُّوا له بالتوبة.
<div class="verse-tafsir" id="91.KGDyB"