تفسير الآية ٧ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٧ من سورة الزمر

إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن نفسه تعالى : أنه الغني عما سواه من المخلوقات ، كما قال موسى : ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) [ إبراهيم : 8 ] .

وفي صحيح مسلم : " يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا " .

وقوله ( ولا يرضى لعباده الكفر ) أي : لا يحبه ولا يأمر به ، ( وإن تشكروا يرضه لكم ) أي : يحبه منكم ويزدكم من فضله .

( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أي : لا تحمل نفس عن نفس شيئا ، بل كل مطالب بأمر نفسه ، ( ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور ) أي : فلا تخفى عليه خافية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) فقال بعضهم: ذلك لخاص من الناس, ومعناه: إن تكفروا أيها المشركون بالله, فإن الله غني عنكم, ولا يرضى لعباده المؤمنين الذين أخلصهم لعبادته وطاعته الكفر.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) يعني الكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم, فيقولوا: لا إله إلا الله, ثم قال: ( وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) وهم عباده المخلصون الذين قال فيهم: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحببها إليهم.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) قال: لا يرضى لعباده المؤمنين أن يكفروا.

وقال آخرون: بل ذلك عام لجميع الناس, ومعناه: أيها الناس إن تكفروا, فإن الله غني عنكم, ولا يرضى لكم أن تكفروا به.

والصواب من القول في ذلك ما قال الله جلّ وعزّ: إن تكفروا بالله أيها الكفار به, فإن الله غني عن إيمانكم وعبادتكم إياه, ولا يرضى لعباده الكفر, بمعنى: ولا يرضى لعباده أن يكفروا به, كما يقال: لست أحب الظلم, وإن أحببت أن يظلم فلان فلانا فيعاقب.

وقوله: ( وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) يقول: وإن تؤمنوا بربكم وتطيعوه يرض شكركم له, وذلك هو إيمانهم به وطاعتهم إياه, فكنى عن الشكر ولم يُذْكر, وإنما ذكر الفعل الدالّ عليه, وذلك نظير قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا بمعنى: فزادهم قول الناس لهم ذلك إيمانا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) قال: إن تطيعوا يرضه لكم.

وقوله: ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) يقول: لا تأثم آثمة إثم آثمة أخرى غيرها, ولا تؤاخذ إلا بإثم نفسها, يعلم عز وجل عباده أن على كل نفس ما جنت, وأنها لا تؤاخذ بذنب غيرها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) قال: لا يؤخذ أحد بذنب أحد.

وقوله: ( ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: ثم بعد اجتراحكم في الدنيا ما اجترحتم من صالح وسيئ, وإيمان وكفر أيها الناس, إلى ربكم مصيركم من بعد وفاتكم,( فَيُنَبِّئُكُمْ ) يقول: فيخبركم بما كنتم في الدنيا تعملونه من خير وشر, فيجازيكم على كل ذلك جزاءكم, المحسن منكم بإحسانه, والمسيء بما يستحقه، يقول عز وجل لعباده: فاتقوا أن تلقوا ربكم وقد عملتم في الدنيا بما لا يرضاه منكم فتهلكوا, فإنه لا يخفى عليه عمل عامل منكم.

وقوله: ( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) يقول تعالى ذكره: إن الله لا يخفى عليه ما أضمرته صدوركم أيها الناس مما لا تدركه أعينكم, فكيف بما أدركته العيون ورأته الأبصار.

وإنما يعني جلّ وعزّ بذلك الخبر عن أنه لا يخفى عليه شيء, وأنه محص على عباده أعمالهم, ليجازيهم بها كي يتقوه في سرّ أمورهم وعلانيتها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور ." إن تكفروا فإن الله غني عنكم " شرط ، وجوابه " ولا يرضى لعباده الكفر " أي : إن يكفروا أي : لا يحب ذلك منهم .

وقال ابن عباس والسدي : معناه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر ، وهم الذين قال الله فيهم : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكقوله : عينا يشرب بها عباد الله أي : المؤمنون .

وهذا على قول من لا يفرق بين الرضا والإرادة .

وقيل : لا يرضى الكفر وإن أراده ، فالله تعالى يريد الكفر من الكافر وبإرادته كفر ، لا يرضاه ولا يحبه ، فهو يريد كون ما لا يرضاه ، وقد أراد الله - عز وجل - خلق إبليس وهو لا يرضاه ، فالإرادة غير الرضا .

وهذا مذهب أهل السنة .قوله تعالى : وإن تشكروا يرضه لكم أي يرضى الشكر لكم ; لأن " تشكروا " يدل عليه .

وقد مضى القول في الشكر في [ البقرة ] وغيرها .

ويرضى بمعنى يثيب ويثني ، فالرضا على هذا إما ثوابه فيكون صفة فعل " لئن شكرتم لأزيدنكم " وإما ثناؤه فهو صفة ذات .

و " يرضه " بالإسكان في الهاء قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وشيبة وهبيرة عن عاصم .

وأشبع الضمة ابن ذكوان وابن كثير وابن محيصن والكسائي وورش عن نافع .

واختلس الباقون .ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور تقدم في غير موضع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ } لا يضره كفركم، كما لا ينتفع بطاعتكم، ولكن أمره ونهيه لكم محض فضله وإحسانه عليكم.{ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } لكمال إحسانه بهم، وعلمه أن الكفر يشقيهم شقاوة لا يسعدون بعدها، ولأنه خلقهم لعبادته، فهي الغاية التي خلق لها الخلق، فلا يرضى أن يدعوا ما خلقهم لأجله.{ وَإِنْ تَشْكُرُوا } للّه تعالى بتوحيده، وإخلاص الدين له { يَرْضَهُ لَكُمْ } لرحمته بكم، ومحبته للإحسان عليكم، ولفعلكم ما خلقكم لأجله.وكما أنه لا يتضرر بشرككم ولا ينتفع بأعمالكم وتوحيدكم، كذلك كل أحد منكم له عمله، من خير وشر { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } { ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ } في يوم القيامة { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } إخبارا أحاط به علمه، وجرى عليه قلمه، وكتبته عليكم الحفظة الكرام، وشهدت به عليكم الجوارح، فيجازي كلا منكم ما يستحقه.{ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بنفس الصدور، وما فيها من وصف برٍّ أو فجور، والمقصود من هذا، الإخبار بالجزاء بالعدل التام.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر ) قال ابن عباس والسدي : لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر ، وهم الذين قال الله تعالى : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " ( الحجر - 42 ) فيكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى ، كقوله تعالى : " عينا يشرب بها عباد الله " ( الإنسان - 6 ) يريد بعض العباد ، وأجراه قوم على العموم ، وقالوا : لا يرضى لأحد من عباده الكفر .

ومعنى الآية : لا يرضى لعباده أن يكفروا به .

يروى ذلك عن قتادة ، وهو قول السلف ، قالوا : كفر الكافر غير مرضي لله عز وجل ، وإن كان بإرادته .

( وإن تشكروا ) تؤمنوا بربكم وتطيعوه ، ( يرضه لكم ) فيثيبكم عليه .

قرأ أبو عمرو : " يرضه لكم " ساكنة الهاء ، ويختلسها أهل المدينة وعاصم وحمزة ، والباقون بالإشباع ) .

( ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن تكفروا فإن الله غنيٌ عنكم ولا يرضى لعباده الكفر» وإن أراده من بعضهم «وإن تشكروا» الله فتؤمنوا «يرضه» بسكون الهاء وضمها مع إشباع ودونه: أي الشكر «لكم ولا تزر» نفس «وازرة وزر» نفس «أخرى» أي لا تحمله «ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور» بما في القلوب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن تكفروا- أيها الناس- بربكم ولم تؤمنوا به، ولم تتبعوا رسله، فإنه غنيٌّ عنكم، ليس بحاجة إليكم، وأنتم الفقراء إليه، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمرهم به، وإنما يرضى لهم شكر نعمه عليهم.

ولا تحمل نفس إثم نفس أخرى، ثم إلى ربكم مصيركم، فيخبركم بعملكم، ويحاسبكم عليه.

إنه عليم بأسرار النفوس وما تخفي الصدور.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أنه غنى عن خلقه ، وأنهم هم الفقراء إليه فقال : ( إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ) .أى : إن تكفروا - أيها الناس - بعد أن سقنا لكم من الأدلة ما سقنا على صحة الإِيمان وفساد الكفر ، فإن الله - تعالى - غنى عنكم وعن إيمانكم وعبادتكم وعن الخلق أجمعين .ومع ذلك فإنه - سبحانه - لرحمته بكم ، لا يرضى لعباده الكفر ، أى : لا يحبه منهم ولا يحمده لهم ، ولا يجازى الكافر المجازاة التى يجازى بها المؤمن فإن المؤمن له جنات النعيم ، أما الكافر فله نار الجحيم .وإن تشكروا الله على نعمه - أيها الناس - بأن تخلصوا له العبادة والطاعة وتستعملوا نعمه فيما خلقت له ، يرض لكم هذا الشكر ، ويكافئكم عليه مكافأة جزيلة .

بأن يزيدكم من نعمه وإحسانه وخيره .( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ) أى : ولا تحمل نفس يوم القيامة حمل أخرى ، وِإنما كل نفس تجازى على حسب أعمالها فى الدنيا .( ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ ) يوم القيامة ( فَيُنَبِّئُكُمْ ) أى : فيخبركم ( بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) فى دنياكم ، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) أى : عليم بما تخفيه الصدور من أسرار ، وبما تضمره القلوب من أقوال وأفعال .

.

لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء .قال الجمل فى حاشيته : قوله : ( وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ) معنى عدم الرضا به ، لا يفعل فعل الراضى ، بأن يأذن فيه ويقر عليه ، ويثيب فاعله ويمدحه ، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ، ويذم عليه ، ويعاقب مرتكبه وإن كان بإرادته ، إذ لا يخرج شئ عنها .أو المعنى : ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر ، وهم الذين قال الله - تعالى - فى شأنهم : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) فيكون الكلام عاما فى اللفظ خاصا فى المعنى ، كقوله - تعالى - : ( عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله ) أى بعض العباد وبذلك ترى هذه الآية الكريمة قد أقامت الأدلة المتعددة على وحدانية الله - تعالى - وعلى كمال قدرته ، وعلى أن من شكر الله - تعالى - على نعمه ، فإن عاقبة هذا الكشر تعود على الشاكر بالخير الجزيل ، أما من جحد نعم الله - تعالى - وأشرك معه فى العبادة غيره ، فإن عاقبة هذا الجحود ، تعود على الجاحد بالشرك الوبيل ، وبالشفاء فى الدنيا والآخرة .وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة المتعددة على وحدانيته وكمال قدرته ، أتبع ذلك بالحديث عن طبيعة الإِنسان فى حالتى السراء والضراء ، ونفى - سبحانه - المساواة بين المؤمنين والكافرين ، والعلماء والجهلاء فقال - تعالى - :( وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الآية المتقدمة دلت على أنه تعالى بين كونه منزهاً عن الولد بكونه إلهاً واحداً وقهاراً غالباً أي: كامل القدرة، فلما بنى تلك المسألة على هذه الأصول ذكر عقيبها ما يدل على كمال القدرة وعلى كمال الاستغناء، وأيضاً فإنه تعالى طعن في إلهية الأصنام فذكر عقيبها الصفات التي باعتبارها تحصل الإلهية، واعلم أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب أن الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات إلهيته، إما أن تكون فلكية أو عنصرية، أما الفلكية فأقسام أحدها: خلق السموات والأرض، وهذا المعنى يدل على وجود الإله القادر من وجوه كثيرة شرحناها في تفسير قوله تعالى: ﴿ الحمد الله الذي خَلَقَ السموات والأرض  ﴾ والثاني: اختلاف أحوال الليل والنهار وهو المراد هاهنا من قوله: ﴿ يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل ﴾ وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك تارة، وذلك هذا أخرى.

وذلك يدل على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهره وهو الله سبحانه وتعالى، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص عن الآخر، والمراد من تكوير الليل والنهار ما ورد في الحديث: «نعوذ الله من الحور بعد الكور» أي: من الإدبار بعد الإقبال، واعلم أنه سبحانه وتعالى عبر عن هذا المعنى بقوله: ﴿ يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار ﴾ وبقوله: ﴿ يغشى الليل النهار  ﴾ وبقوله: ﴿ يُولِجُ اليل فِي النهار  ﴾ وبقوله: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ  ﴾ والثالث: اعتبار أحوال الكواكب لا سيما الشمس والقمر، فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل، وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ الأجل المسمى يوم القيامة، لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَجُمِعَ الشمس والقمر  ﴾ والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تدور كدوران المنجنون على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطوي السماء كطي السجل للكتب.

ولما ذكر الله هذه الأنواع الثلاثة من الدلائل الفلكية قال: ﴿ أَلا هُوَ العزيز الغفار ﴾ والمعنى: أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإن دل على كونه عزيزاً أي كامل القدرة إلا أنه غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان، فإنه لما كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكونه غفاراً يوجب كثرة الرحمة، وكثرة الرحمة توجب الرجاء والرغبة، ثم إنه تعالى أتبع ذكر الدلائل الفلكية بذكر الدلائل المأخوذة من هذا العالم الأسفل، فبدأ بذكر الإنسان فقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ ودلالة تكون الإنسان على الإله المختار قد سبق بيانها مراراً كثيرة، فإن قيل كيف جاز أن يقول: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ والزوج مخلوق قبل خلقهم؟

أجابوا عنه من وجوه: الأول: أن كلمة ثم كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية، فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد الكلامين عن الآخر، كقول القائل بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس كان أعجب، ويقول أيضاً قد أعطيتك اليوم شيئاً، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر الثاني: أن يكون التقدير خلقكم من نفس خلقت وحدها ثم جعل منها زوجها الثالث: أخرج الله تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء.

واعلم أنه تعالى لما ذكر الاستدلال بخلقة الإنسان على وجود الصانع ذكر عقيبه الاستدلال بوجود الحيوان عليه فقال: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج ﴾ وهي الإبل والبقر والضأن والمعز وقد بينا كيفية دلالة هذه الحيوانات على وجود الصانع في قوله: ﴿ والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء  ﴾ وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ ﴾ وجوه: الأول: أن قضاء الله وتقديره وحكمه موصوف بالنزول من السماء لأجل أنه كتب في اللوح المحفوظ كل كائن يكون الثاني: أن شيئاً من الحيوان لا يعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء والتراب، والماء ينزل من السماء فصار التقدير كأنه أنزلها الثالث: أنه تعالى خلقها في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض وقوله: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ أي ذكر وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز، والزوج اسم لكل واحد معه آخر، فإذا انفرد فهو فرد منه قال تعالى: ﴿ فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أمهاتكم خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ وفيه أبحاث: الأول: قرأ حمزة بكسر الألف والميم، والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم، والباقون أمهاتكم بضم الألف وفتح الميم.

الثاني: أنه تعالى لما ذكر تخليق الناس من شخص واحد وهو آدم عليه السلام أردفه بتخليق الأنعام، وإنما خصها بالذكر لأنها أشرف الحيوانات بعد الإنسان، ثم ذكر عقيب ذكرهما حالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي كونها مخلوقة في بطون أمهاتهم وقوله: ﴿ خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ المراد منه ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن طِينٍ  ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ  ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ فِى ظلمات ثَلاث ﴾ قيل: الظلمات الثلاث البطن والرحم والمشيمة وقيل: الصلب والرحم والبطن ووجه الاستدلال بهذه الحالات قد ذكرناه في قوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما شرح هذه الدلائل ووصفها قال: ﴿ ذلكم الله رَبُّكُمُ ﴾ أي: ذلكم الشيء الذي عرفتم عجائب أفعاله هو الله ربكم، وفي هذه الآية: دلالة على كونه سبحانه وتعالى منزهاً عن الأجزاء والأعضاء وعلى كونه منزهاً عن الجسمية والمكانية، وذلك أنه تعالى عندما أراد أن يعرف عباده ذاته المخصوصة لم يذكر إلا كونه فاعلاً لهذه الأشياء، ولو كان جسماً مركباً من الأعضاء لكان تعريفه بتلك الأجزاء والأعضاء تعريفاً للشيء بأجزاء حقيقته، ولو كان ذلك القسم ممكناً لكان الاكتفاء بهذا القسم الثاني تقصيراً ونقصاً وذلك غير جائز، فعلمنا أن الاكتفاء بهذا القسم إنما حسن لأن القسم الأول محال ممتنع الوجود، وذلك يدل على كونه سبحانه وتعالى متعالياً عن الجسمية والأعضاء والأجزاء.

ثم قال تعالى: ﴿ لَهُ الملك ﴾ وهذا يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره، ولما ثبت أنه لا ملك إلا له وجب القول بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك، فإن كان له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكاً قادراً ويجري بينهما التمانع كما ثبت في قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ وذلك محال، وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصاً ولا يصلح للإلهية، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله، وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد، ثم اعلم أنه سبحانه لما بين بهذه الدلائل كمال قدرة الله سبحانه وحكمته ورحمته، رتب عليه تزييف طريقة المشركين والضالين من وجوه: الأول: قوله: ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ يحتج به أصحابنا ويحتج به المعتزلة.

أما أصحابنا فوجه الاستدلال لهم بهذه الآية: أنها صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم، وما ذاك الغير إلا الله، وأيضاً فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب، فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه، وأما المعتزلة فوجه الاستدلال لهم: أن قوله: ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ تعجب من هذا الانصراف، ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ ﴾ والمعنى أن الله تعالى ما كلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة، وذلك لأنه تعالى غني على الإطلاق، ويمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة، وإنما قلنا إنه غني لوجوه: الأول: واجب الوجود لذاته وواجب الوجود في جميع صفاته، ومن كان كذلك كان غنياً على الإطلاق الثاني: أنه لو كان محتاجاً لكانت تلك الحاجة إما قديمة وإما حادثة.

والأول باطل وإلا لزم أن يخلق في الأزل ما كان محتاجاً إليه وذلك محال، لأن الخلق والأزل متناقض.

والثاني باطل لأن الحاجة نقصان والحكيم لا يدعوه الداعي إلى تحصيل النقصان لنفسه الثالث: هب أنه يبقى الشك في أنه هل تصح الشهوة والنفرة والحاجة عليه أم لا؟

أما من المعلوم بالضرورة أن الإله القادر على خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والعناصر الأربعة، والمواليد الثلاثة يمتنع أن ينتفع بصلاة زيد وصيام عمرو، وأن يضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذاك، فثبت بما ذكرنا أن جميع العالمين لو كفروا وأصروا على الجهل فإن الله غني عنهم.

ثم قال تعالى بعده: ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ يعني أنه وإن كان لا ينفعه إيمان ولا يضره كفران إلا أنه لا يرضى بالكفر، واحتج الجبائي بهذه الآية من وجهين: الأول: أن المجبرة يقولون إن الله تعالى خلق كفر العباد وإنه من جهة ما خلقه حق وصواب، قال ولو كان الأمر كذلك لكان قد رضي الكفر من الوجه الذي خلقه، وذلك ضد الآية الثاني: لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوجب علينا أن نرضى به لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله وليس أيضاً برضاء الله تعالى، وأجاب الأصحاب عن هذا الاستدلال من وجوه: الأول: أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً  ﴾ وقال: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان  ﴾ فعلى هذا التقدير قوله: ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ ولا يرضى للمؤمنين الكفر، وذلك لا يضرنا الثاني: أنا نقول الكفر بإرادة الله تعالى ولا نقول إنه برضا الله لأن الرضا عبارة عن المدح عليه والثناء بفعله، قال الله تعالى: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين  ﴾ أي يمدحهم ويثني عليهم الثالث: كان الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول: الرضا عبارة عن ترك اللوم والاعتراض، وليس عبارة عن الإرادة، والدليل عليه قول ابن دريد: رضيت قسراً وعلى القسر رضا *** من كان ذا سخط على صرف القضا أثبت الرضا مع القسر وذلك يدل على ما قلناه والرابع: هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله: ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ عام، فتخصيصه بالآيات الدالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر كقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله  ﴾ ، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ والمراد أنه لما بين أنه لا يرضى الكفر بين أنه يرضى الشكر، وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف القراء في هاء ﴿ يَرْضَهُ ﴾ على ثلاثة أوجه: أحدها: قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الهاء مختلسة غير متبعة.

وثانيها: قرأ أبو عمرو وحمزة في بعض الروايات يرضه ساكنة الهاء للتخفيف.

وثالثها: قرأ نافع في بعض الروايات وابن كثير وابن عامر والكسائي مضمومة الهاء مشبعة، قال الواحدي رحمه الله من القراء من أشبع الهاء حتى ألحق بها واواً، لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة ضربه وله، فكما أن هذا مشبع عند الجميع كذلك يرضه، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق الواو، لأن الأصل يرضاه والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية، ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو فكذا هاهنا.

المسألة الثانية: الشكر حالة مركبة من قول واعتقاد وعمل أما القول فهو الإقرار بحصول النعمة وأما الاعتقاد فهو اعتقاد صدور النعمة من ذلك المنعم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ قال الجبائي هذا يدل على أنه تعالى لا يعذب أحداً على فعل غيره، فلو فعل الله كفرهم لما جاز أن يعذبهم عليه، وأيضاً لا يجوز أن يعذب الأولاد بذنوب الآباء، بخلاف ما يقول القوم.

واحتج أيضاً من أنكر وجوب ضرب الدية على العاقلة بهذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ ﴾ واعلم أنا ذكرنا كثيراً أن أهم المطالب للإنسان أن يعرف خالقه بقدر الإمكان، وأن يعرف ما يضره وما ينفعه في هذه الحياة الدنيوية، وأن يعرف أحواله بعد الموت، ففي هذه الآية ذكر الدلائل الكثيرة من العالم الأعلى والعالم الأسفل على كمال قدرة الصانع وعلمه وحكمته، ثم أتبعه بأن أمره بالشكر ونهاه عن الكفر ثم بين أحواله بعد الموت بقوله: ﴿ ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المشبهة تمسكوا بلفظ إلى على أن إله العالم في جهة وقد أجبنا عنه مراراً.

المسألة الثانية: زعم القوم أن هذه الأرواح كانت قبل الأجساد وتمسكوا بلفظ الرجوع الموجود في هذه الآية وفي سائر الآيات.

المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على إثبات البعث والقيامة.

ثم قال: ﴿ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وهذا تهديد للعاصي وبشارة للمطيع، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ كالعلة لما سبق، يعني أنه يمكنه أن ينبئكم بأعمالكم، لأنه عالم بجميع المعلومات، فيعلم ما في قلوبكم من الدواعي والصوارف، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ ﴾ عن إيمانكم وإنكم المحتاجون إليه، لاستضراركم بالكفر واستنفاعكم بالإيمان ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ رحمة لهم؛ لأنه يوقعهم في الهلكة ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ أي يرض الشكر لكم، لأنه سبب فوزكم وفلاحكم؛ فإذاً ما كره كفركم ولا رضي شكركم إلاّ لكم ولصلاحكم، لا لأنّ منفعة ترجع إليه؛ لأنه الغني الذي لا يجوز عليه الحاجة.

ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله تعالى ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفر فقال: هذا من العام الذي أريد به الخاص، وما أراد إلاّ عباده الذين عناهم في قوله: ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان ﴾ [الإسراء: 65] يريد: المعصومين، كقوله تعالى: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله ﴾ [الإنسان: 6] ، تعالى الله عما يقول الظالمون وقرئ: ﴿ يرضهُ ﴾ بضم الهاء بوصل وبغير وصل، وبسكونها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ﴾ عَنْ إيمانِكم.

﴿ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ لِاسْتِضْرارِهِمْ بِهِ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ.

﴿ وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ لِأنَّهُ سَبَبٌ فَلا حُكْمَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ في رِوايَةٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِإشْباعِ ضَمَّةِ الهاءِ لِأنَّها صارَتْ بِحَذْفِ الألْفِ مَوْصُولَةٌ بِمُتَحَرِّكٍ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ إسْكانُها وهو لُغَةٌ فِيها.

﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِالمُحاسَبَةِ والمُجازاةِ.

﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ فَلا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن أعْمالِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ} عن إيمانكم وأنتم محتاجون إليه

لتضرركم بالكفر وانتفاعكم بالإيمان {وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر} لأن الكفر ليس برضا الله تعالى وإن كان بإرادته {وَإِن تَشْكُرُواْ} فتؤمنوا {يَرْضَهُ لَكُمْ} أي يرض الشكر لكم لأنه سبب فوزكم فيثيبكم عليه الجنة يرضه بضم الهاء والإشباع مكي وعلي يرضه بضم الهاء بدون الإشباع نافع وهشام وعاصم غير يحيى وحماد وغيرهم يرضه {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} أي لا يؤاخذ أحد بذنب آخر {ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} إلى جزاء ربكم رجوعكم {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فيخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} بخفيات القلوب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنْ تَكْفُرُوا ﴾ بِهِ تَعالى مَعَ مُشاهَدَةِ ما ذُكِرَ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ والشُّكْرِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ﴾ أيْ فَأخْبَرَكم أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - غَنِيٌّ عَنْ إيمانِكُمْ، وشُكْرِكم غَيْرُ مُتَأثِّرٍ مِنَ انْتِفائِهِما ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، ﴿ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ ﴾ أيِ الشُّكْرَ، ﴿ لَكُمْ ﴾ لِما فِيهِ مِن نَفْعِكُمْ، ومَن قالَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ قالَ: عَدَمُ الرِّضا بِالكُفْرِ لِقُبْحِهِ العَقْلِيِّ، والرِّضا بِالشُّكْرِ لِحُسْنِهِ العَقْلِيِّ، والرِّضا إمّا بِمَعْنى المَحَبَّةِ أوْ بِمَعْنى الإرادَةِ مَعَ تَرْكِ الِاعْتِراضِ، ويُقابِلُهُ السُّخْطُ كَما في شَرْحِ المُسايَرَةِ، فَعِبادُهُ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ العُمُومِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالإرادَةِ مِن غَيْرِ قَيْدٍ، ويُقابِلُهُ الكُرْهُ، وهَؤُلاءِ يَقُولُونَهُ قَدْ يَرْضى بِالكُفْرِ أيْ يُرِيدُهُ لِبَعْضِ النّاسِ، كالكَفَرَةِ ونَقَلَهُ السَّخاوِيُّ عَنِ النَّوَوِيِّ في كِتابِهِ الأُصُولِ والضَّوابِطِ.

وابْنُ الهُمامِ عَنِ الأشْعَرِيِّ.

وإمامُ الحَرَمَيْنِ كَذا قالَهُ الخَفاجِيُّ في حَواشِيهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ.

والَّذِي رَأيْتُهُ في الضَّوابِطِ وهي نُسْخَةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا ما نَصُّهُ: مَسْألَةُ مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ الإيمانُ بِالقَدَرِ، وإثْباتُهُ، وأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ خَيْرُها وشَرُّها بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، وهو مُرِيدٌ لَها كُلِّها، ويَكْرَهُ المَعاصِيَ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُرِيدٌ لَها لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها جَلَّ وعَلا، وهَلْ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى يَرْضى المَعاصِيَ ويُحِبُّها؟

فِيهِ مَذْهَبانِ لِأصْحابِنا المُتَكَلِّمِينَ، حَكاهُما إمامُ الحَرَمَيْنِ، وغَيْرُهُ، قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ: مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الحَقِّ إطْلاقُ المَحَبَّةِ والرِّضاءِ، فَقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: لا يُطْلَقُ القَوْلُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ المَعاصِيَ ويَرْضاها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ ومَن حَقَّقَ مِن أئِمَّتِنا لَمْ يَلْتَفِتْ إلى تَهْوِيلِ المُعْتَزِلَةِ بَلْ قالَ: اللَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ ويُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، والإرادَةُ والمَحَبَّةُ والرِّضا بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ في الآيَةِ المُوَفَّقُونَ لِلْإيمانِ، وأُضِيفُوا إلى اللَّهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهم كُلٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ ﴾ أيْ خَواصُّهم لا كُلُّهم اهـ، فَلا تَغْفُلْ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ، وحُكِيَ تَخْصِيصُ العِبادِ في البَحْرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقِيلَ: يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ حَمْلُ العِبادِ عَلى العُمُومِ، ويَكُونُ المَعْنى: ولا يَرْضى لِجَمِيعِ عِبادِهِ الكُفْرَ، بَلْ يَرْضاهُ ويُرِيدُهُ لِبَعْضِهِمْ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ عَلى قَوْلٍ، ولِعَلّامَةِ الأعْصارِ صاحِبِ الكَشْفِ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ في هَذا المَقامِ لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ، وهو أنَّ الرِّضا يُقابِلُ السُّخْطَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِعَنْ والباءِ، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ، فَإذا قُلْتَ: رَضِيتُ عَنْ فُلانٍ، فَإنَّما يَدْخُلُ عَلى العَيْنِ لا المَعْنى، ولَكِنْ بِاعْتِبارِ صُدُورِ مَعْنًى مِنهُ يُوجِبُ الرِّضا، وفي مُقابِلِهِ: سَخِطْتُ عَلَيْهِ، وبَيْنَهُما فَرْقانِ: أنَّكَ إذا قُلْتَ: رَضِيتُ عَنْ فُلانٍ بِإحْسانِهِ لَمْ يَتَعَيَّنِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ بَلْ جازَ أنْ يَكُونَ صِلَةً، مِثْلُهُ فِي: رَضِيتُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، وإذا قُلْتَ: سَخِطْتُ عَلَيْهِ بِإساءَتِهِ، تَعَيَّنَ السَّبَبِيَّةُ، فَكانَ الأصْلُ ها هُنا ذِكْرُ الصِّلَةِ، لَكِنَّهُ كَثُرَ الحَذْفُ في الِاسْتِعْمالِ بِخِلافِهِ ثَمَّتَ إذْ لا حَذْفَ، وإذا قِيلَ: رَضِيتُ بِهِ، فَهَذا يَجِبُ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى إلّا إذا دَخَلَ عَلى الذّاتِ تَمْهِيدًا لِلْمَعْنى، لِيَكُونَ أبْلَغَ، تَقُولُ: رَضِيتُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، ورَضِيتُ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - رَبًّا وقاضِيًا، وقَرِيبٌ مِنهُ: سَمِعْتُ حَدِيثَ فُلانٍ، وسَمِعْتُهُ يَتَحَدَّثُ، وإذا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ جازَ دُخُولُهُ عَلى الذّاتِ كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ زَيْدًا، وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ المَعْنى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّهُ مَرْضِيٌّ بِتِلْكَ الخَصْلَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، وجازَ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى، كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ إمارَةَ فُلانٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: حَمِدْتُ زَيْدًا، وحَمِدْتُ عِلْمَهُ، وأمّا إذا اسْتُعْمِلَ بِاللّامِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ لَكَ هَذا، فَمَعْناهُ ما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وإذا تَمَهَّدَ هَذا لاحَ لَكَ أنَّ الرِّضا في الأصْلِ مُتَعَلِّقُهُ المَعْنى، وقَدْ يَكُونُ الذّاتَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالمَعْنى، أوْ بِاعْتِبارِ التَّمْهِيدِ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ حُقِّقَتْ بِأمْثِلَتِها، وأنَّهُ في الحَقِيقَةِ حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَعْقُبُ حُصُولَ مُلائِمٍ مَعَ ابْتِهاجٍ بِهِ، واكْتِفاءٍ، فَهو غَيْرُ الإرادَةِ بِالضَّرُورَةِ، لِأنَّها تَسْبِقُ الفِعْلَ، وهَذا يَعْقُبُهُ، وهَذا المَعْنى في غَيْرِ المُسْتَعْمَلِ بِاللّامِ مِنَ الوُضُوحِ بِمَكانٍ لا يَخْفى عَلى ذِي عَيْنَيْنِ، وأمّا فِيهِ، فَإنَّما اشْتَبَهَ الأمْرُ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: رَضِيتُ لَكَ التِّجارَةَ، فالرّاضِي بِالتِّجارَةِ هو مُخاطِبُكَ وإنَّما أنْتَ بَيَّنْتَ لَهُ أنَّ التِّجارَةَ مِمّا يَحِقُّ أنْ يُرْضى بِهِ، ولَيْسَ المَعْنى: رَضِيتُ بِتِجارَتِكَ بَلِ المَعْنى اسْتِحْمادُكَ التِّجارَةَ لَهُ، فالمُلاءَمَةُ ها هُنا بَيْنَ الواقِعِ عَلَيْهِ الفِعْلُ والدّاخِلُ عَلَيْهِ اللّامُ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَرْضى بِما تَرْضاهُ لَهُ، إذا عَرَفَ وجْهَ المُلاءَمَةِ، وقَدْ لا يَرْضى، وفِيهِ تَجَوُّزٌ إمّا لِجَعْلِ الرِّضا مَجازًا عَلى الِاسْتِحْمادِ، لِأنَّ كُلَّ مَرْضِيٍّ مَحْمُودٌ أوْ لِأنَّكَ جَعَلْتَ كَوْنَهُ مَرْضِيًّا لَهُ، بِمَنزِلَةِ كَوْنِهِ مَرْضِيًّا لَكَ، فاعْلَمْ أنَّ الرِّضا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ مُحالٌ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَحْدُثُ لَهُ صِفَةٌ عَقِيبَ أمْرٍ البَتَّةَ، فَهو مَجازٌ، كَما أنَّ الغَضَبَ كَذَلِكَ إمّا مِن أسْماءِ الصِّفاتِ إذا فُسِّرَ بِإرادَةِ أنْ يُثِيبَهم إثابَةَ مَن رَضِيَ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ، وإمّا مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذا أُرِيدَ الِاسْتِحْمادُ، وأنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ﴾ إمّا مِن بابِ المُشاكَلَةِ، وإمّا مِن بابِ المَجازِ المَذْكُورِ، وأنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ﴾ ، مُتَعَيِّنٌ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ البابِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَصِحُّ اتِّصافُهُ بِالرِّضا حَقِيقَةً أيْضًا، فَإذَنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ كَلامٌ وارِدٌ عَلى نَهْجِهِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ دالٍّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَسْتَحْمِدُ الكُفْرَ لِعِبادِهِ كَما يَسْتَحْمِدُ الإسْلامَ لَهُمْ، ويَرْتَضِيهِ، وأمّا أنَّهُ لا يُرِيدُ الكُفْرَ أنْ يُوجَدَ، فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ في شَيْءٍ، ولا هو مِن مُقْتَضَياتِ هَذا التَّرْكِيبِ، وأنَّ الخُرُوجَ إلى تَخْصِيصِ العِبادِ مِن ضِيقِ العَطَنِ، وأنَّ قَوْلَ المُحَقِّقِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إنَّ الطّاعاتِ بِرِضى اللَّهِ تَعالى والمَعاصِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ لَيْسَ لِهَذِهِ الآيَةِ، بَلْ لِأنَّ الرِّضا بِالمَعْنى الأصْلِيِّ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى، وقَدْ أخْبَرَ أنَّهُ رَضِيَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طاعَتِهِمْ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ مِن كِتابِهِ الكَرِيمِ.

والزَّمَخْشَرِيُّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ فَسَّرَ الرِّضا في نَحْوِهِ بِالِاخْتِيارِ، وهو لا يَنْفَكُّ عَنِ الإرادَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ سُقُوطَهُ مِمّا حَقَّقَ هَذا، ثُمَّ إنّا نَقُولُ: لَمّا أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى الحَقِّ، وهَدَّدَ عَلى الباطِلِ إكْمالًا لِلرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ كُلِّهِمُ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَكْفُرُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ تَنْبِيهًا عَلى الغِنى الذّاتِيِّ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ تَعالى أنْ يَكُونَ أمْرُهُ بِالخَيْرِ لِانْتِفاعِهِ بِهِ، ونَهْيُهُ عَنِ الشَّرِّ لِتَضَرُّرِهِ مِنهُ، ثُمَّ في العُدُولِ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِنَ الخِطابِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ ما يُنَبِّهُ عَلى أنَّ عُبُودِيَّتَهم ورُبُوبِيَّتَهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَرْضى لَهم ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّهم إذا اتَّصَفُوا بِالكُفْرِ فَكَأنَّهم قَدْ خَرَجُوا عَنْ رُتْبَةِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى، وبَقُوا في الذُّلِّ الدّائِمِ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ الِاخْتِصاصِ، فَهَذا هو النَّظْمُ السِّرِّيُّ الَّذِي يَحارُ دُونَ إدْراكِ طائِفَةٍ مِن لَطائِفِهِ الفِكْرُ البَشَرِيُّ واللَّهُ أعْلَمُ اهـ.

وهو كَلامٌ رَصِينٌ وبِالقَبُولِ قَمِينٌ، إلّا أنَّهُ رُبَّما يُقالُ إنَّهُ: لا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ السَّلَفِ حَيْثُ إنَّهم لا يُؤَوِّلُونَ الرِّضا في حَقِّهِ تَعالى، وكَوْنُهُ عِبارَةً عَنْ حالَةٍ نَفْسانِيَّةٍ إلى آخِرِ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِهِ، إنَّما هو فِينا، وحَيْثُ إنَّ ذاتَهُ تَعالى مُبايِنَةٌ لِسائِرِ الذَّواتِ، فَصِفاتُهُ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ، فَحَقِيقَةُ الرِّضا في حَقِّهِ تَعالى مُبايِنَةٌ لِحَقِيقَتِهِ فِينا، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا المَقامِ عَلى وجْهٍ يَرْوِي الأُوامَ، ويُبْرِئُ السِّقامَ، فَنَقُولُ: عَدَمُ التَّأْوِيلِ لا يَضُرُّ، فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فالرِّضا إنْ أُوِّلَ أوْ لَمْ يُؤَوَّلْ غَيْرُ الإرادَةِ لِحَدِيثِ السَّبْقِ والتَّأخُّرِ السّابِقِ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: تَأمَّلِ الإرادَةَ فَإنَّ حَقِيقَتَها إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا حَقِيقَتُهُ إنَّما هي فِيما وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِها عَلى جِهَةِ التَّجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.

وقَدْ ذَهَبَ إلى المُغايَرَةِ بَيْنَهُما بِما ذُكِرَ هُنا ابْنُ المُنِيرِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ أوَّلَ الرِّضا، وذَكَرَ أنَّهُ لا يَتَأتّى حَمْلُهُ في الآيَةِ عَلى الإرادَةِ، وشَنَّعَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في ذَلِكَ جَزاءَ ما تَكَلَّمَ عَلى بَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ المُخالِفِينَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في زَعْمِهِمُ اتِّحادَ الرِّضا والإرادَةِ، وأنَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ ما لا يَفْعَلُهُ العَبْدُ، وقَدْ يَفْعَلُ العَبْدُ ما لا يُرِيدُهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقالَ: هَبْ أنَّ المُصِرَّ عَلى هَذا المُعْتَقَدِ عَلى قَلْبِهِ رَيْنٌ أوْ في مِيزانِ عَقْلِهِ غَيْنٌ، ألَيْسَ يَدَّعِي أوْ يُدَّعى لَهُ أنَّهُ الخِرِّيتُ في مَعابِرِ العِباراتِ، فَكَيْفَ هامَ عَنْ جادَّةِ الإجادَةِ في بَهْماءَ، وأعارَ مُنادِيَ الحَذاقَةِ أُذُنًا صَمّاءَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الهَوى إذا تَمَكَّنَ، أرى الباطِلَ حَقًّا، وغَطّى عَلى مَكْشُوفِ العِبارَةِ فَسُحْقًا سُحْقًا، ألَيْسَ مُقْتَضى العَرَبِيَّةِ فَضْلًا عَنِ القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَشْرُوطَ مُرَتَّبٌ عَلى الشَّرْطِ، فَلا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ المَشْرُوطِ قَبْلَ الشَّرْطِ عَقْلًا ولا مُضِيُّهُ واسْتِقْبالُ الشَّرْطِ لُغَةً ونَقْلًا، واسْتَقَرَّ بِاتِّفاقِ الفَرِيقَيْنِ أهْلُ السُّنَّةِ، وأهْلُ البِدْعَةِ أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى لِشُكْرِ العِبادِ مَثَلًا مُقَدَّمَةٌ عَلى وُجُودِ الشُّكْرِ مِنهُمْ، فَحِينَئِذٍ كَيْفَ يَنْساغُ حَمْلُ الرِّضا عَلى الإرادَةِ، وقَدْ جَعَلَ في الآيَةِ مَشْرُوطًا وجَزاءً، وجَعَلَ وُقُوعَ الشُّكْرِ شَرْطًا ومُجْزِيًا، واللّازِمُ مِن ذَلِكَ عَقْلًا تَقَدَّمَ المُرادُ، وهو الشُّكْرُ عَلى الإرادَةِ، وهي الرِّضا، ولُغَةً تَقَدَّمَ المَشْرُوطُ عَلى الشَّرْطِ، فَإذا ثَبَتَ بُطْلانُ حَمْلِ الرِّضا عَلى الإرادَةِ عَقْلًا ونَقْلًا تَعَيَّنَ المَحْمَلُ الصَّحِيحُ لَهُ، وهو المُجازاةُ عَلى الشُّكْرِ بِما عَهِدَ أنْ يُجازِيَ بِهِ المَرْضِيَّ عَنْهُ مِنَ الثَّوابِ والكَرامَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: وإنْ تَشْكُرُوا يُجازِكم عَلى شُكْرِكم جَزاءَ المَرْضِيِّ عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ المُجازاةَ مُسْتَقْبَلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الشُّكْرِ، فَجَرى الشَّرْطُ والجَزاءُ عَلى مُقْتَضاها لُغَةً وانْتَظَمَ ذَلِكَ بِمُقْتَضى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى بُطْلانِ تَقَدُّمِ المُرادِ عَلى الإرادَةِ عَقْلًا، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ أيْ لا يُجازِي الكافِرَ مُجازاةَ المَرْضِيِّ عَنْهُ، بَلْ مُجازاةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِنَ النَّكالِ والعُقُوبَةِ، انْتَهى.

لا يُقالُ: حَيْثُ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ﴾ جَزاءً بِاعْتِبارِ الإخْبارِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، فَلْيَكُنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ جَزاءً بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَفْسُ الرِّضا مُؤَخَّرًا، لِأنّا نَقُولُ: مِثْلُ هَذا الِاعْتِبارِ شائِعٌ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُتَحَقِّقِ مَضْمُونُها قَبْلَ الشَّرْطِ نَحْوَ: ﴿ وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وفي الفِعْلِ الماضِي إذا وقَعَ جَزاءً نَحْوَ: ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ ، وأمّا في الفِعْلِ المُضارِعِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، والذَّوْقُ السَّلِيمُ يَأْبى هَذا الِاعْتِبارَ فِيهِ، ومَعَ هَذا، أيُّ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ هُنا، ولا أُراها إلّا نُصْرَةَ الباطِلِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ يُعْلَمُ مِن مَجْمُوعِ ما قَدَّمْنا حَقِّيَّةُ ما قالُوا مِن أنَّهُ لا تَلازُمَ بَيْنَ الإرادَةِ والرِّضا كَما أنَّ الرِّضا لَيْسَ عِبارَةً عَنْ حَقِيقَةِ الإرادَةِ، لَكِنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ، وتِلْمِيذَهُ ابْنَ القَيِّمَ قَسَّما الإرادَةَ إلى قِسْمَيْنِ تَكْوِينِيَّةٍ وشَرْعِيَّةٍ، وذَكَرا أنَّ المَعاصِيَ كالكُفْرِ، وغَيْرِهِ، واقِعَةٌ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى التَّكْوِينِيَّةِ دُونَ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ الشَّرْعِيَّةِ، وعَلى هَذا فالرِّضا لا يَنْفَكُّ عَنِ الإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكُلُّ مُرادٍ لِلَّهِ تَعالى بِالإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَرْضِيٌّ لَهُ سُبْحانَهُ، وهَذا التَّقْسِيمُ لا أتَعَقَّلُهُ إلّا أنْ تَكُونَ الإرادَةُ الشَّرْعِيَّةُ هي الإرادَةُ الَّتِي يَرْتَضِي المُرادَ بِها فَتَدَبَّرْ هَذا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ ”يَرْضَهُ“ بِإشْباعِ ضَمَّةِ الهاءِ، والقاعِدَةُ في إشْباعِ الهاءِ وعَدَمِهِ أنَّها إنْ سَكَنَ ما قَبْلَها لَمْ تُشْبَعْ نَحْوَ: عَلَيْهِ، وإلَيْهِ، وإنْ تَحَرَّكَ أُشْبِعَتْ نَحْوَ: بِهِ، وغُلامِهِ، وها هُنا قَبْلَها ساكِنٌ تَقْدِيرًا، وهو الألِفُ المَحْذُوفَةُ لِلْجازِمِ، فَإنْ جُعِلَتْ مَوْجُودَةً حُكْمًا لَمْ تُشْبَعْ كَما في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، وحَفْصٍ، وإنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْها أُشْبِعَتْ كَما في قِراءَةِ مَن سَمِعْتَ، وهَذا هو الفَصِيحُ، وقَدْ تُشْبَعُ، وتُخْتَلَسُ في غَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يَحْسُنُ إشْباعُها مَعَ فَقْدِ الشَّرْطِ لِنُكْتَةٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ ”يَرْضَهْ“ بِسُكُونِ الهاءِ، ولَمْ يَرْضَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ: هو غَلَطٌ لا يَجُوزُ، وفِيهِ أنَّهُ لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.

﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ سِرايَةِ كُفْرِ الكافِرِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني: من نفس آدم  ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها حواء وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يعني: ثمانية أصناف.

وقد فسرناه في سورة الأنعام يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ يعني: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، حالاً بعد حال، فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ أي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وهو الذي يكون فيه الولد في الرحم، فتخرج بعد ما يخرج الولد، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم، لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يعني: من أين تكذبون على الله، ومن أين تعدلون عنه إلى غيره؟

فاعلموا، أنه خالق هذه الأشياء.

ثم قال: إِنْ تَكْفُرُوا يعني: إن تجحدوا وحدانيته، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ يعني: عن إقراركم، وعبادتكم، وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ قال الكلبي: يعني: ليس يرضى من دينه الكفر.

ويقال: لاَ يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وهو ما قاله لإبليس: إن عبادى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان.

ويقال: لاَ يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ يعني: بشيء من عبادة الكفار وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ يعني: إن تؤمنوا بالله، وتوحدوه، يرضه لكم.

يعني: يقبله منكم، لأنه دينه، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ يعني: مصيركم في الآخرة فَيُنَبِّئُكُمْ يعني: فيخبركم، بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من خير، أو شر، فيجازيكم، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: عالم بما في ضمائر قلوبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يصيرُ مِنْه على الآخرِ جُزْءٌ فيستُرُهُ، وكأن الآخرَ الذي يَقْصُرُ يَلِجُ في الذي «١» يَطولُ، فيستتر فيه.

وقوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها قيل: «ثُمَّ» هنا:

لترتيب الإخْبَارِ لا لترتِيبِ الوُجُودِ «٢» ، وقيل: قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ: هو أخذ الذريةَ مِن ظهر آدم، وذلك شيءٌ كان قبل خلق حَوَّاءَ، ت: وهذا يحتاج إلى سندٍ قاطعٍ.

وقوله سبحانه: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ قالت فرقة: الأولى هي ظَهْرُ الأَبِ، ثم رَحِمُ الأمِّ، ثم المَشِيمَةُ في البَطْن، وقال مجاهد وغيره: هي المَشِيمَةُ والرَّحِمُ والبَطْنُ «٣» ، وهذه الآياتُ كلُّها فيها عِبَرٌ وتنبيهٌ على تَوْحِيدِ الخالِق الذَّي لاَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ غَيْرُهُ وتوهينٌ لأمْرِ الأصنام.

وقوله سبحانه: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ...

الآية، قال ابن عبّاس: هذه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ﴾ أيْ: عَنِ إيمانِكم وعِبادَتِكم ﴿ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَرْضاهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا يَرْضاهُ لِأحَدٍ وإنْ وقَعَ بِإرادَتِهِ، وفَرْقٌ بَيْنَ الإرادَةِ والرِّضى، وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا في [البَقَرَةِ: ٢٠٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ﴾ .

﴿ وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ أيْ: يَرْضى ذَلِكَ الشُّكْرَ لَكُمْ، ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ أيْ: بِما في القُلُوبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ الآيَةُ مُخاطِبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، و"عِبادُهُ" هُمُ المُؤْمِنُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخاطِبَةً لِجَمِيعِ الناسِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى غَنِيٌّ عن جَمِيعِ الناسِ وهم فُقَراءُ إلَيْهِ، وبَيَّنَ بُعْدَ البَشَرِ عن رِضى اللهِ إنْ كَفَرُوا، بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ تَكْفُرُوا ﴾ .

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ مِن أهْلِ السُنَّةِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الرِضى بِمَعْنى الإرادَةِ، والكَلامُ ظاهِرُهُ العُمُومُ ومَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن قَضى اللهُ لَهُ، فَعِبادُهُ - عَلى هَذا - مَلائِكَتُهُ ومُؤْمِنُو البَشَرِ والجِنِّ، وهَذا يَتَرَكَّبُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكَلامُ عُمُومٌ صَحِيحٌ، والكُفْرُ يَقَعُ مِمَّنْ يَقَعُ بِإرادَةِ اللهِ تَعالى؛ إلّا أنَّهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لا يَرْضاهُ دِينًا لَهُمْ، وهَذا يَتَرَكَّبُ عَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا، ومَعْنى: "لا يَرْضى": لا يَشْكُرُهُ لَهم ولا يُثِيبُهم بِهِ خَيْرًا، فالرِضى - عَلى هَذا - هو صِفَةُ فِعْلٍ لِمَعْنى القَبُولِ ونَحْوِهُ، وتَأمَّلِ الإرادَةَ فَإنَّ حَقِيقَتَها، إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِضى فَإنَّما حَقِيقَتُهُ فِيما قَدْ وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِها عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ عُمُومٌ، والشُكْرُ الحَقِيقِيُّ في ضِمْنِهِ الإيمانُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "يَرْضَهُ" بِضَمَّةٍ مُشْبَعَةٍ عَلى الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِضَمَّةٍ مُخْتَلَسَةٍ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: [يَرْضَهْ] بِسُكُونِ الهاءِ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: وهو غَلَطٌ لا يَجُوزُ.

قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ ، أيْ: لا يَحْمِلُ أحَدٌ ذَنْبَ أحَدٍ، وأنَّثَ "الوازِرَةَ" و"الأُخْرى" لِأنَّهُ أرادَ الأنْفُسَ، و"الوِزْرُ" الثِقَلُ، وهَذا خَبَرٌ مُضَمَّنُهُ الحَضُّ عَلى أنْ يَنْظُرَ كُلُّ أحَدٍ في خاصَّةِ أمْرِهِ، وما يَنُوبُهُ في ذاتِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهم تَعالى بِأنَّ مَرْجِعَهم في الآخِرَةِ إلى رَبِّهِمْ، أيْ: إلى ثَوابِهِ أو عِقابِهِ، فَيُوقِفُ كُلَّ أحَدٍ عَلى أعْمالِهِ؛ لِأنَّهُ المُطَّلِعُ عَلى نِيّاتِ الصُدُورِ وسائِرِ الأفْئِدَةِ، و"ذاتُ الصَدْرِ": ما فِيهِ مِن خَبِيئَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ .

أتبع إنكار انصرافهم عن توحيد الله بعد ما ظهر على ثبوته من الأدلة، بأن أُعلموا بأن كفرهم إن أصرّوا عليه لا يضر الله وإنما يضر أنفسهم.

وهذا شروع في الإِنذار والتهديد للكافرين ومقابلتِه بالترغيب والبشارة للمؤمنين فالجملة مستأنفة واقعة موقع النتيجة لما سبق من إثبات توحيد الله بالإلهية.

فجملة ﴿ إن تَكْفُرُوا ﴾ مبينة لإِنكار انصرافهم عن التوحيد، أي إن كفرتم بعد هذا الزمن فاعلموا أن الله غنيّ عنكم.

ومعناه: غنيّ عن إقراركم له بالوحدانية، أي غير مفتقر له.

وهذا كناية عن كون طلب التوحيد منهم لنفعهم ودفع الضر عنهم لا لنفع الله، وتذكيرهم بهذا ليُقبلوا على النظر من أدلة التوحيد.

والخبر مستعمل كناية في تنبيه المخاطب على الخطأ من فعله.

وقوله: ﴿ ولاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ ﴾ اعتراض بين الشرطين لقصد الاحتراس من أن يتوهم السامعون أن الله لا يكترث بكفرهم ولا يعبأ به فيتوهموا أنه والشكرَ سواء عنده، ليتأكد بذلك معنى استعمال الخبر في تنبيه المخاطب على الخطأ.

وبهذا تعيّن أن يكون المراد من قوله: ﴿ لِعِبَادِهِ ﴾ العباد الذين وجّه الخطاب إليهم في قوله: ﴿ إن تكفروا فإنَّ الله غنيٌّ عنكم ﴾ ، وذلك جريٌ على أصل استعمال اللغة لفظ العباد، كقوله: ﴿ ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ﴾ [الفرقان: 17].

الآية؛ وإن كان الغالب في القرآن في لفظ العباد المضاف إلى اسم الله تعالى أو ضميره أن يطلق على خصوص المؤمنين والمقرَّبين، وقرينة السياق ظاهرة هنا ظهوراً دون ظهورها في قوله: ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ﴾ [الفرقان: 17].

والرضى حقيقته: حالة نفسانية تعقُب حصولَ ملائم مع ابتهاج به، وهو على التحقيق فيه معنى ليس في معنى الإِرادة لما فيه من الاستحسان والابتهاج ويعبر عنه بترك الاعتراض، ولهذا يقابل الرضى بالسخط، وتقابل الإِرادة بالإِكراه، والرضى آئل إلى معنى المحبة.

والرضى يترتب عليه نفاسة المرضيّ عند الراضي وتفضيله واختياره، فإذا أُسند الرضى إلى الله تعالى تعيّن أن يكون المقصود لازم معناه الحقيقي لأن الله منزّه عن الانفعالات، كشأن إسناد الأفعال والصفات الدالة في اللغة على الانفعالات مثل: الرحمان والرؤوف، وإسناد الغضب والفرح والمحبة، فيؤوَّل الرضى بلازمه من الكرامة والعناية والإِثابة إن عدي إلى الناس، ومن النفاسة والفضل إن عدّي إلى أسماء المعاني.

وقد فسره صاحب «الكشاف» بالاختيار في قوله تعالى: ﴿ ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ في سورة [العقود: 3].

وفعل الرضى يُعدّى في الغالب بحرف (عن)، فتدخل على اسم عَين لكن باعتبار معنى فيها هو موجب الرضى.

وقد يعدّى بالباء فيدخل غالباً على اسم معنى نحو: رضيت بحكم فلان، ويدخل على اسم ذات باعتبار معنى يدل عليه تمييز بعده نحو: رضيت بالله ربًّا، أو نحوه مثل: ﴿ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ﴾ [التوبة: 38]، أو قرينة مقام كقول قريش في وضع الحجر الأسود: هذا محمد قد رضينا به، أي رضينا به حَكَماً إذ هم قد اتفقوا على تحكيم أول داخل.

ويعدّى بنفسه، ولعله يراعى فيه التضمين، أو الحذفُ والإِيصال، فيدخل غالباً على اسم معنى نحو: رضيت بحكم فلان بمعنى: أحببت حكمه.

وفي هذه الحالة قد يُعدّى إلى مفعول ثان بواسطة لام الجر نحو: ﴿ ورضيت لكم الإِسلام ديناً ﴾ [المائدة: 3]، أي رضيته لأجلكم وأحببته لكم، أي لأجلكم، أي لمنفعتكم وفائدتكم.

وفي هذا التركيب مبالغة في التنويه بالشيء المرضي لدى السامع حتى كأن المتكلم يرضاه لأجل السامع.

فإذا كان قوله: ﴿ لِعبَادِه ﴾ عامّاً غير مخصوص وهو من صيغ العموم ثار في الآية إشكال بين المتكلمين في تعلُّق إرادة الله تعالى بأفعال العباد إذ من الضروريّ أن من عباد الله كثيراً كافرين، وقد أخبر الله تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر، وثبت بالدليل أن كل واقع هو مراد الله تعالى إذ لا يقع في مُلكه إلا ما يريد فأنتج ذلك بطريقة الشكل الثالث أن يقال: كفر الكافر مرادٌ لله تعالى لقوله تعالى: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ [الأنعام: 112] ولا شيء من الكفر بمرضي لله تعالى لقوله: ﴿ ولا يرضى لعباده الكُفر ﴾ ، ينتج القياس بعض ما أراده اللَّه ليس بمرضي له فتعين أن تكون الإِرادة والرضى حقيقتين مختلفتين وأن يكون لفظاهما غير مترادفين، ولهذا قال الشيخ أبو الحسن الأشعري إن الإِرادة غير الرضى، والرضى غير الإِرادة والمشيئة، فالإِرادة والمشيئة بمعنى واحد والرضى والمحبة والاختيار بمعنى واحد، وهذا حمل لهذه الألفاظ القرآنية على معان يمكن معها الجمع بين الآيات قال التفتزاني: وهذا مذهب أهل التحقيق.

وينبني عليها القول في تعلق الصفات الإلهية بأفعال العباد فيكون قولُه تعالى: ﴿ ولاَ يَرْضَى لعباده الكفر ﴾ راجعاً إلى خطاب التكاليف الشرعية، وقولُه: ﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ [الأنعام: 112] راجعاً إلى تعلق الإِرادة بالإِيجاد والخلق.

ويتركب من مجموعهما ومجموع نظائر كل منهما الاعتقاد بأن للعباد كسباً في أفعالهم الاختيارية وأن الله تتعلق إرادته بخلق تلك الأفعال الاختيارية عند توجه كسب العبد نحوها، فالله خالق لأفعال العبد غير مكتسب لها.

والعبدُ مكتسب غير خالق، فإن الكسب عند الأشعري هو الاستطاعة المفسرة عنده بسلامة أسباب الفعل وآلاته، وهي واسطة بين القدرة والجَبر، أي هي دون تعلق القدرة وفوق تسخير الجبر جمعاً بين الأدلة الدينية الناطقة بمعنى: أن الله على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء، وبين دلالة الضرورة على الفرق بين حركة المرتعش وحركة الماشي، وجمعاً بين أدلة عموم القدرة وبين توجيه الشريعة خطابها للعباد بالأمر بالإِيمان والأعمال الصالحة، والنهي عن الكفر والسيئات وترتيب الثواب والعقاب.

وأما الذين رأوا الاتحاد بين معاني الإِرادة والمشيئة والرضى وهو قول كثير من أصحاب الأشعري وجميع الماتريدية فسلكوا في تأويل الآية محمل لفظ لِعِبَادِهِ } على العام المخصوص، أي لعباده المؤمنين واستأنسوا لهذا المحمل بأنه الجاري على غالب استعمال القرآن في لفظة (العباد) لاسم الله، أو ضميره كقوله: ﴿ عيناً يشرب بها عباد اللَّه ﴾ [الإنسان: 6]، قالوا: فمن كفر فقد أراد الله كفره ومن آمن فقد أراد الله إيمانه، والتزم كلا الفريقين الأشاعرةِ والماتريدية أصلَه في تعلق إرادة الله وقدرته بأفعال العباد الاختيارية المسمّى بالكسب، ولم يختلفا إلا في نسبة الأفعال للعباد: أهي حقيقية أم مجازية، وقد عدّ الخلاف في تشبيه الأفعال بين الفريقين لفظياً.

ومن العجيب تهويل الزمخشري بهذا القول إذ يقول: «ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضى بالكفر فقال: هذا من العام الذي أريد به الخاص الخ»، فكان آخر كلامه ردّاً لأوله وهل يعدّ التأويل تضليلاً أم هل يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل.

وأما المعتزلة فهم بمعزل عن ذلك كله لأنهم يثبتون القدرة للعباد على أفعالهم وأن أفعال العباد غير مقدورة لله تعالى ويحملون ما ورد في الكتاب من نسبة أفعال من أفعال العباد إلى الله أو إلى قدرته أنه على معنى أنه خالق أُصولها وأسبابها، ويحملون ما ورد من نفي ذلك كما في قوله: ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ على حقيقته ولذلك أوردوا هذه الآية للاحتجاج بها.

وقد أوردها إمام الحرمين في «الإِرشاد» في فصل حَشر فيه ما استَدلّ به المعتزلة من ظواهر الكتاب.

وقوله: ﴿ وإن تَشْكُروا يَرْضَهُ لكم ﴾ عطف على جملة ﴿ إن تَكْفُرُوا ﴾ والمعنى: وإن تشكروا بعد هذه الموعظة فتُقْلِعوا عن الكفر وتشكروا الله بالاعتراف له بالوحدانية والتنزيه يرض لكم الشكر، أي يجازيكم بلوازم الرضى.

والشكرُ يتقوّم من اعتقاد وقول وعمل جزاءً على نعمة حاصلة للشاكر من المشكور.

والضمير المنصوب في قوله: ﴿ يَرْضَهُ ﴾ عائد إلى الشكر المتصيّد من فعل ﴿ إن تشكروا ﴾ .

﴿ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ ﴾ .

كأنّ موقع هذه الآية أنه لما ذكر قبلها أن في المخاطبين كافراً وشاكراً وهم في بلد واحد بينهم وشائج القرابة والولاء، فربما تحرج المؤمنون من أن يمسَّهم إثم من جراء كفر أقربائهم وأوليائهم، أو أنهم خَشُوا أن يصيب الله الكافرين بعذاب في الدنيا فيلحق منه القاطنين معهم بمكة فأنبأهم الله بأن كفر أولئك لا ينقص إيمان هؤلاء وأراد اطمئنانهم على أنفسهم.

وأصل الوزر، بكسر الواو: الثقل، وأطلق على الإِثم لأنه يلحق صاحبه تعبٌ كتعب حامل الثقل.

ويقال: وَزَر بمعنى حمل الوِزر، بمعنى كسب الإِثم.

وتأنيث ﴿ وَازِرَةٌ ﴾ و ﴿ أخرى ﴾ باعتبار إرادة معنى النفس في قوله: ﴿ واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ﴾ [البقرة: 48].

والمعنى: لا تحمل نفس وزر نفس أخرى، أي لا تغني نفس عن نفس شيئاً من إثمها، فلا تطمع نفس بإعانة ذويها وأقربائها، وكذلك لا تخشى نفس صالحة أن تؤاخذ بتبعة نفس أخرى من ذويها أو قرابتها.

وفي هذا تعريض بالمتاركة وقطع اللجاج مع المشركين وأن قصارى المؤمنين أن يرشدوا الضُّلاّل لا أن يلجئوهم إلى الإِيمان، كما تقدم في آخر سورة الأنعام.

﴿ أخرى ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ﴾ .

﴿ ثمّ ﴾ للترتيبين الرتبي والتراخي، أي وأعظم من كون الله غنياً عنكم أنه أعدّ لكم الجزاء على كفركم وسترجعون إليه، وتقدم نظيرها في آخر سورة الأنعام.

وإنما جاء في آية [الأنعام: 164] ﴿ بما كنتم فيه تختلفون لأنها وقعت إِثر آيات كثيرة تضمّنت الاختلاف بين أحوال المؤمنين وأحوال المشركين ولم يجيء مثل ذلك هنا، فلذلك قيل هنا: بما كنتم تعملونَ ﴾ ، أي من كُفْر من كَفر وشُكر مَن شَكر.

والإِنباء: مستعمل مجازاً في الإِظهار الحاصل به العلم، ويجوز أن يكون مستعملاً في حقيقة الإِخبار بأن يعلن لهم بواسطة الملائكة أعمالهم، والمعنى: أنه يظهر لكم الحق لا مرية فيه أو يخبركم به مباشرة، وتقدم بيانه في آخر الأنعام، وفيه تعريض بالوعد والوعيد.

وجملة ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتتِ الصُّدُورِ ﴾ تعليل لجملة ﴿ ينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ لأن العليم بذات الصدور لا يغادر شيئاً إلا علمه فإذا أنبأ بأعمالهم كان إنباؤه كاملاً.

وذات: صاحبة، مؤنث (ذُو) بمعنى صاحب صفة لمحذوف تقديره الأعمال، أي بالأعمال صاحبة الصدور، أي المستقرة في النوايا فعبر ب ﴿ الصُّدُورِ ﴾ عما يحلّ بها، والصدور مراد بها القلوب المعبر بها عما به الإِدراك والعَزم، وتقدم في قوله: ﴿ ولكن اللَّه سلم إنه عليم بذات الصدور في سورة ﴾ [الأنفال: 43].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَحْمِلُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ، ويَحْمِلُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَغْشى اللَّيْلُ عَلى النَّهارِ فَيُذْهِبُ ضَوْءَهُ، ويَغْشى النَّهارُ عَلى اللَّيْلِ فَيُذْهِبُ ظُلْمَتَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هو نُقْصانُ أحَدِهِما عَنِ الآخِرِ، فَيَعُودُ نُقْصانُ اللَّيْلِ في زِيادَةِ النَّهارِ ونُقْصانُ النَّهارِ في زِيادَةِ اللَّيْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: يَجْمَعُ اللَّيْلَ حَتْىَ يَنْتَشِرَ النَّهارَ، ويَجْمَعُ النَّهارَ حَتّى يَنْتَشِرَ اللَّيْلَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ يَعْنِي مِن آدَمَ.

﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها ﴾ يَعْنِي حَوّاءَ.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَها مِن ضِلْعِ الخَلْفِ مِن آدَمَ وهو أسْفَلُ الأضْلاعِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُ خَلَقَها مِن مِثْلِ ما خَلَقَ مِنهُ آدَمُ، فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ جَعَلَ مِنها ﴾ أيْ مِن مِثْلِها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ، ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ، ومِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ، ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ، كُلُّ واحِدٍ زَوْجٌ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَأنْزَلَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي جَعَلَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنْزَلَها بَعْدَ أنْ خَلَقَها في الجَنَّةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا ثُمَّ لَحْمًا، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: خَلْقًا في بُطُونِ أُمَّهاتِكم مِن بَعْدِ خَلْقِكم في ظَهْرِ آدَمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: خَلْقًا في ظَهْرِ الأبِ ثُمَّ خَلْقًا في بَطْنِ الأُمِّ ثُمَّ خَلْقًا بَعْدَ الوَضْعِ.

﴿ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ظُلْمَةُ البَطْنِ وظُلْمَةُ الرَّحِمِ وظُلْمَةُ المَشِيمَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: ظُلْمَةُ صَلْبِ الرَّجُلِ وظُلْمَةُ بَطْنِ المَرْأةِ وظُلْمَةُ الرَّحِمِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها ظُلْمَةُ عَتْمَةِ اللَّيْلِ الَّتِي تُحِيطُ بِظُلْمَةِ المَشِيمَةِ مُظْلِمَةُ الأحْشاءِ وظُلْمَةُ البَطْنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ﴾ يعني الكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فيقولون لا إله إلا الله.

ثم قال: ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ وهم عباده المخلصون الذين قال: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ [ الحجر: 42] فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحببها إليهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ قال: لا يرضى لعباده المسلمين الكفر.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: والله ما رضي الله لعبده ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنكُمْ ﴾ أي لا يضره كفركم.

﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ تأويل الأشعرية هذه الآية على وجهين: أحدها أن الرضا بمعنى الإرادة، ويعني بعباده من قضى الله له الإيمان والوفاة عليه.

فهو كقوله: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [الحجر: 42، الإسراء: 65]، والآخر أن الرضا غير الإرادة، والعبادة على هذا العموم أي لا يرضى الكفر لأحد من البشر، وإن كان قد أراد أن يقع من بعضهم فهو لم يرضه ديناً ولا شرعاً.

وأراده وقوعاً ووجوداً أم المعتزلة فإن الرضا عندهم بمعنى الإرادة والعباد على هذا على العموم جرياً على قاعدتهم في القدر وأفعال العباد ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ هذا عموم، والشكر الحقيقي يتضمن الإيمان ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ ﴾ ذكر في الإسراء.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: إن الكتاب الذي يتلوه رسولنا محمد  ويدعوكم إليه هو تنزيل من عند الله؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ...

﴾ الآية [الشعراء: 193-194].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ على أثر قوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ يخرج - والله أعلم - أنه يدعوكم محمد  إلى اتباع الكتاب والطاعة، ليس لذل به يطلب بكم العز أو الضعف في التدبير فيطلب بكم الاستعانة فيه؛ لأنه عزيز بذاته حكيم لا يلحقه الخطأ أو الضعف في التدبير، ولكن إنما أمركم بما أمر ونهاكم عما نهى لتكتسبوا لأنفسكم ولتنتفعوا به، فأمّا الله -  - عزيز بذاته غني حكيم بنفسه.

وقال بعضهم: العزيز هو الذي لا يعجزه شيء، والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.

وقال بعضهم: هو العزيز؛ لأن كل عزيز دونه إنما يصير ذليلا عنده [و]عز من دونه عند عزه ذلا، والحكيم هو المصيب في فعله وتدبيره، وقيل: هو الذي وضع كل شيء موضعه.

وقال بعض أهل التأويل: العزيز هو المنيع، وتأويل المنيع: الممتنع عن جميع مكائد الخلق وجميع حيلهم بالضرر له، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالحق الذي لله عليكم، وبالحق الذي لبعضكم على بعض، أو كما [قال] أهل التأويل ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: للحق، أي: أنزلناه للحق، لم ننزله عبثاً باطلا لغير شيء، ولكن أنزلناه للحق لحقوق ولأحكام ومحن وأمور، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ ﴾ .

جائز أن يكون ما ذكر من إنزاله الكتاب بالحق ذلك هو ما أمره من العبادة له، أمره بوفاء ذلك الحق له.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ ﴾ وجهين: أحدهما: أصل في الاعتقاد، أي: اعتقد جعل كل عبادة وطاعة لله خالصاً لا تعتقد لأحد شركاً.

والثاني: في المعاملة: أن كل [عمل] عبادة وطاعة اجعله لله خالصاً لا تجعل لغيره فيه شركاء.

والله أعلم.

وأما أهل التأويل قالوا: ﴿ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ ﴾ : وحد الله ﴿ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ ﴾ ، وتأويل هذا أن اجعل الوحدانية والألوهية لله في كل شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ﴾ .

أي: ولله شهادة الوحدانية والألوهية في كل شيء.

ويحتمل أيضاً قوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ﴾ ، أي: دين الله هو الدين الخالص؛ لأنه دين قام بالحجج والبراهين، وأما غيره من الأديان فهو دين بهوى النفس وأمانيها لا بالحجج والآيات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .

كأن فيه إضماراً يقول: والذين اتخذوا من دونه أولياء وعبدوها قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقالوا في موضع آخر: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ عرفوا أن ما كانوا يعبدون من الأوثان وغيرها ليسوا بآلهة في الحقيقة ولا لهم الألوهية حقيقة، وأن حقيقة الألوهية لله، لكنهم سموها: آلهة؛ لأنهم كانوا يعبدونها، وكل معبود عند العرب إله؛ لأن الإله هو المعبود، وقدروا تسمية كل معبود: إلها؛ لذلك سموها: آلهة وإن عرفوا أن ليست لهذه الأشياء ألوهية حقيقة، وأن ذلك لله عز وجل.

ثم إن الذي حملهم على عبادة ما عبدوا من دون الله وجهان: أحدهما: لما لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة الإله العظيم أو تقدر على القيام بخدمته، فعبدوا هذه الأشياء رجاء أن تقربهم عبادة هؤلاء إلى الله زلفى، وأن هؤلاء شفعاؤهم عنده، وذلك لما رأوا في ملوك الدنيا أن كل أحد [لا] يجد السبيل إلى خدمة ملوكها، أو [لا] يقدر على القيام بين يديه والخدمة له، فيخدم من اتصل بالملك ومن عظم قدره ومنزلته عند الملك؛ ليقربه ذلك المخدوم له إلى الملك إذا بدت له الحاجة أو الشفاعة، وعلى ذلك ما ذكر في قصة فرعون أنه كان اتخذ لقومه أصناماً يعبدونها من دونه، لما لم يروا كل أحد منهم يصلح لخدمته، وهو ما أغرى قومه على موسى حيث قالوا: ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  ﴾ ونحو هذا أوجه.

والثاني: عبدوهم؛ لما رأوا آباءهم قد عبدوها، وتركوا على ذلك حتى ماتوا، فاستدلوا بتركهم على ذلك على أن الله قد كان رضي بعبادتهم الأصنام وأمرهم بذلك لقولهم إذا فعلوا فاحشة: ﴿ قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ؛ ولذلك قالوا: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا  ﴾ وقولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ  ﴾ استدلوا بتركه آباءهم على ما عبدوا من الأصنام على ذلك ولم يعاقبهم في الدنيا، وكانوا لا يؤمنون بالآخرة حتى يزجرهم إليها على أن الله قد رضي بذلك، وأنهم عن أمر منه فعلوا ذلك، فرد الله ذلك عليهم فقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ في محمد  ؛ لأنهم اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه ساحر، ومنهم من قال: إنه شاعر، وإنه مجنون، وإنه مفتر ونحوه، فيخبر أنه يحكم بينهم، ليبين لهم أن ما ذكروا [ابتغوا فيه] أهواءهم.

أو يحكم بينهم أن الأصنام التي عبدوها لا تشفع لهم، وأن عبادتهم لا تقربهم إلى الله زلفى، وقد بين لهم في الدنيا أن محمدا  ليس بشاعر ولا ساحر ولا كذاب على ما قالوا؛ لما أنبأهم وأخبرهم بأخبار عرفوا أن الساحر والشاعر لا يعرف مثلها، نحو ما أخبرهم بنصر الله إياه والظفر له عليهم - أعني: على الأعداء - فكان على ما أنبأهم بأنباء وأخبار عرفوا أنه صادق في ذلك ما لا يستفاد مثلها بالسحر وبالكهانة إلا بالوحي من الله - عز وجل -: لكنهم عاندوا وكابروا؛ وكذلك بين لهم أيضاً ما عرفوا أن الأصنام التي عبدوها في الدنيا لا تملك لهم الشفاعة يوم القيامة، حيث ابتلاهم بأهوال وأفزاع بركوب البحار والتضييق عليهم حتى فزعوا إلى الله في كشف ذلك عنهم ودفعه عنهم، لم يفزعوا إلى الأصنام التي عبدوها، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ ، ونحو ذلك ما ابتلاهم بالشدائد والبلايا عرفوا أن معبودهم الذي عبدوه لا يملك دفع ذلك عنهم ولا كشفه، وإنما المالك لذلك هو الله المعبود الحق.

ثم تناقض قولهم؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالة النبيين بقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ فيرون للخشب والأشجار الألوهية والعبادة، فذلك تناقض ظاهر.

قال بعضهم في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ أي: مقربة فيشفعون لنا إلى الله  .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ ﴾ .

قال أبو بكر: لا يهدي أحدا بالضلال والكفر، ولكن إنما يهدي بضد الضلال والكفر، أو كلام نحوه.

وقال الجبائي: لا يهدي طريق الجنة في الآخرة، أي: لا يهدي من كان في الدنيا كاذباً كفاراً في الآخرة طريق الجنة.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ ﴾ من صِلَة قوله - عز وجل -: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ كفار لنعمه بصرفهم العبادة إلى غير المنعم.

وقال جعفر بن حرب: إن الله لا يهدي إلى الزيادات التي يهدي ويعطي من اختار الهدى؛ لأنه يقول: إن من اختار الهدى واهتدى كان عند الله لطفاً ورحمة يعطي ذلك زيادات وفضل زيادة على ما كان اختاره؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ  ﴾ .

هذه التأويلات كلها للمعتزلة، وأما عندنا فإن قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ﴾ من هو في علمه أنه يختار الكفر وقت اختياره الكفر والضلال، أي: لا يوفقه للهدى ولا يعينه وقت اختياره الكفر، ولكنه يخذله؛ وكذلك يقول في قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ و ﴿ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ونحوه أي: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر والظلم، والله الموفق.

والثاني: ﴿ لاَ يَهْدِي ﴾ ، أي: لا يخلق فعل من هو فعل كفر فعل هدى، ولكن يخلقه فعل كفر وكذلك [لا يخلق] فعل من هو فعل هدى فعل كفر، ولكن يخلق كل فعل على ما يفعله الفاعل ويختاره: يخلق فعل الكافر كفراً وفعل المهتدي فعل هدى، يخلق كل فعل على ما يختاره الفاعل ويفعله: إن كان هدى يخلقه هدى، وإن كان كفرا يخلقه كفرا.

وقال بعض أهل التأويل: إن الله لا يهدي من كان في علمه أن يختم بالكفر ويخرج به من الدنيا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من هو كاذب كفار على رسول الله  .

والثاني: كفار أنعم الله، وكاذب في القول، كفار في الفعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

ظاهر هذا أن إيجاد الولد له من المحتمل والممكن ليس من الممتنع، وكذلك ظاهر قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً  ﴾ ، ظاهر هذا الذي ذكر هو من المحتمل والممكن وكان [من] الممتنع أيضاً؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ دلت هذه الآيات على أن إيجاد الولد من الممتنع والعظيم في العقول والقلوب جميعاً.

ثم قوله: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

أي: لو جاز أو احتمل إيجاد الولد على ما تقولون أنتم وتتوهمون، لاصطفى واختار مما يشاء، هو [ما] شاء، ليس على ما تختارون أنتم له وتشاءون: أن الملائكة بنات الله على ما تزعمون؛ لأن العرف في الخلق أن من اتخذ لنفسه شيئاً إنما يتخذ من أعز الأشياء وأرفعها وأعظمها قدراً عندهم، لا من أخس الأشياء وأذلها؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ أي: إلى آلهتهم التي اتخذ أولئك آلهة في الحقيقة، ولكن سماها بالذي عندهم، وكذلك قول موسى -  -: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ ، أي: انظر إلى الذي اتخذته إلها سماه على ما هو عنده؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ ﴾ على ما في ظنونكم وتوهمكم أنه اتخذ الولد لاختار مما ذكر لا مما تقولون أنتم، لو احتمل ذلك على ما في ظنكم وحسبانكم لكان مما ذكر.

والثاني: مبنى الاتخاذ راجع إلى البنين إذ كانت الكفرة ينسبون الملائكة إلى أنهم بناته؛ لما عرفوا من كرامتهم على الله - عز وجل - وقربتهم عنده، وينسبونه إلى أنهم بناته، وإلى أن عيسى ابنه [و] إنما يتخذ الأولاد ويتبنى ليستنصروا بهم، فبرأ الله - عز وجل - نفسه على احتمال الشكل وخوف الغلبة، فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

[و]في قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ دفع ما قالوا فيه وإحالة ذلك؛ لما أخبر أنه واحد في الذات، ولو كان كما ذكر هؤلاء من الولد، لم يكن واحداً في الذات؛ إذ كل محتمل الولد منه هو من شكل الولد، فإذا عرفهم أنه واحد في الذات لم يحتمل الولد وما ذكروا.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْقَهَّارُ ﴾ دلالة إحالة ذلك؛ لأنه أخبر أنه قهار، والولد في الشاهد إنما يتخذ لأحد وجوه: إما لوحشة أصابته فيستأنس [به].

وإما لحاجة تمسه فيدفع بالولد ذلك.

وإما لغلبة شهوة فيقضيها فيتولد من ذلك الولد.

وإما لوراثة ملكه بعد موته، وهو دائم باق لا يزول ملكه أبداً.

وما للاستعانة والنصرة على أعدائه.

لأحد هذه الوجوه [التي] ذكرنا يحتاج المرء إلى اتخاذ الولد، [والله] قادر بذاته قاهر غني لا يحتمل ما ذكروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالحق الذي لله عليهم، ولما لبعض على بعض من الحق.

أو أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: للحق، وهو البعث ما لو لم يكن البعث، لكان خلقهما عبثاً باطلا على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ ، أي: بالحكمة، وهو أن جعل في خلقة كل شيء أثر وحدانيته وألوهيته ما يعرف كل أنه فعله وإن لم يشاهد خلقه، وهو على ما يكون ذلك في فعل أحد من الخلائق أثر معرفة فاعله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ ﴾ ، كما ذكر في آية أخرى: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ  ﴾ يذكر دلالة وحدانيته؛ حيث جعل منافع الليل متصلة بمنافع النهار، ومنافع النهار متصلة بمنافع الليل، على اختلافهما وتناقضهما وتضادهما؛ ليعلم أنهما فعل واحد، وكذلك ما جعل من منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما، ليعلم أن منشئهما واحد، إذ لو كان عدداً لامتنع ذلك؛ إذ العدد المعروف من عادة الملوك انفراد كل بملكه وسلطانه، والاستيلاء على ما استوى وقبض بَزَّ الآخر و[منع] نفاذ أمره في سلطانه، فإذا لم يمتنع ذلك دل أنه فعل واحد، وكذلك ما ذكر من تسخير الشمس والقمر لهم ولمنافعهم وجريهما في يوم واحد مسيرة ألف عام، أو ما ذكر من غير أن يعرف أحد سيرهما أنهما يسيران وقت سيرهما إلا بعد قطعهما ذلك، دل أن لهما منشئا وأنه واحد، ودل اتساقهما وجريانهما على سير واحد منذ كانا إلى آخر ما يكونان ويدوران على أن منشئهما واحد عالم مدبر عرف حاجة [الخلق] إليهما أبد الآبدين ومنافعهما بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى ﴾ .

أي: كل مما ذكر يجري إلى الوقت الذي جعل له لا يتقدم ولا يتأخر ولا ينقطع ما كان بالخلق حاجة [إليه]، والله اعلم.

أو إلى منازل معلومة لا يجاوزانها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .

هو العزيز بذاته لا يتعزز بما ذكروا له من الأولاد ولا بطاعة من أطاعه، الغفار لمن كان له أهلا للمغفرة ما لا يخرج مغفرته إياه عن الحكمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: يدخل أحدهما على الآخر؛ كقوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ...

﴾ الآية [الحديد: 6].

وقال بعضهم: ﴿ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ ﴾ أي: يُغشي أحدهما بالآخر؛ كقوله: ﴿ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ يُكَوِّرُ ﴾ ، أي: يلف هذا بهذا، وهو [من] يكور العمامة، ومنه قوله: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ﴾ ، أي: جمعت ولفت، وأصل التكوير: اللف والجمع؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ .

ظاهر هذا أنه خلقنا من تلك النفس قبل خلق زوجه منها؛ لأن حرف (ثم) إنما هو حرف إتباع وإرداف وحرف ترتيب لا حرف جمع، فإذا كان كذلك فظاهره يوجب ما ذكرنا، لكن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك وتفسيره.

ذكر عن ابن عباس -  - في بعض الروايات أنه تأول في ذلك، وقال: - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أو كلام نحو هذا.

وعندنا أن قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ يخرج على ظاهر ما ذكر؛ لأن الخلق: هو التقدير في اللغة كأنه قال - عز وجل :- ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي: قدركم جميعاً على كثرتكم من أول ما أنشأكم إلى آخر ما ينشئكم من تلك النفس الواحدة منها قدرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ .

ثم أخرجنا منها - من تلك النفس - زوجها، وإلا كان تقديره إيانا منها كان قبل [جعل] زوجها منها وهو الظاهر على ظاهر ما خرج الكلام، والله أعلم.

ثم كان منه خلق ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ .

ظاهر الإنزال هو أن ينزل من علو مرتفع إلى تسفل ومنحدر، لكن اللغة لا تمتنع عن استعمال لفظ الإنزال لا على حقيقة الإنزال من علو إلى سفل، يقال: نزل فلان بأرض أو بمكان كذا وإن لم يكن هناك منه نزول من علو إلى منحدر وسفل، فعلى ذلك هذا، وأصله أن كل حرف من حروف الإنزال وغيره مما أضيف إلى الله - عز وجل - مما يستقيم صرفه إلى خلقه أن المراد منه خلقه؛ نحو قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ  ﴾ ، ﴿ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ  ﴾ وغير ذلك مما يكثر ذكره فهو خلقه إياه؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، أي: خلق لكم من الأنعام ما ذكر على ما ذكر: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ  ﴾ ، أي: خلق لكم ما ذكر، فعلى ذلك حرف الإنزال، والله أعلم.

ثم ظاهر قوله: ﴿ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ يجيء أن يكون على أحد وجوه ثلاثة: إما ألا يسمي الأنعام ولا يكون إلا الثمانية الأزواج التي ذكر أنه خلقها لنا، فإن كان على هذا فيكون حرف ﴿ مِّنَ ﴾ هاهنا صلة، كأنه قال - عز وجل -: "وأنزل لكم أنعاماً وهي ثمانية أزواج".

أو أن يسمي كل ما خلق من الدواب: أنعاماً، إلا أنه لم يحل لنا منها إلا الثمانية الأزواج التي ذكر، فإن كان هذا فيكون حرف ﴿ مِّنَ ﴾ حرف تبعيض وتجزئة.

أو أن يسمي كل الدواب: أنعاماً إلا أنه لم يحل لنا كل شيء منها من جميع أنواع الانتفاع بها من الأزواج التي ذكر، فإنه قد أحل لنا كل شيء من هذه الأصناف الثمانية من لحومها وألبانها وأصوافها وكل شيء منها، وأما ما سوى ذلك من الأنعام، فإنه لم يحل لنا كل شيء منها من اللحوم وغيرها، ولكن أحل لنا الانتفاع بظهورها من نحو الحمير والبغال وغير ذلك مما يشتهى، والله أعلم.

ثم الثمانية الأزواج التي ذكر أنها خلقها لنا في هذه الآية هي التي ذكرها في سورة الأنعام وهو قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، فيشبه أن يكون ما ذكر من ثمانية الأزواج أنه أنزل لنا في سورة الزمر التي هي أحل لنا كل شيء منها، وأما ما سوى ذلك فإنه إنما أحل لنا الانتفاع بها لم يحل لنا أكلها؛ لأنه ذكر في سورة الأنعام الأكل، ثم ذكر على أثر هذه الثمانية الأزواج الإبل والبقر والضأن والمعز، حيث قال - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، ثم قال - عز وجل -: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، وهذا يدل على أن قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ  ﴾ إنما هو مما ذكر، أي: لا أجد محرماً من هذه الأصناف الثمانية إلا ما ذكر من الدم والميتة ولحم الخنزير.

ثم يخرج استثناء لحم الخنزير مخرج استثناء غير جنس المذكور على إضمار كون ذلك الغير فيه، وذلك غير جائز في الكلام؛ كقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  ﴾ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والاصطياد ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول كأنه أضمر فيه استثناء لحم الخنزير منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ .

قال أهل التأويل: تحويله من حال إلى حال من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة حتى يتم خلقاً مستوياً.

﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ﴾ .

قيل: الرحم والبطن والمشيمة، وقيل: الظهر، يخبر عن قدرته وعلمه [و] تدبيره: أنه حيث قدر على خلق الإنسان وكل خلق في تلك الظلمات الثلاث والتسوية بين كل شيء منه من اليدين والرجلين والعينين والأذنين والسمعين والبصرين وقسمة الأعضاء على السواء حتى لا يزداد إحدى اليدين على الأخرى، وكذلك إحدى الرجلين وإحدى العينين وإحدى الشفتين، وكذلك كل شيء منه في تلك النطفة من العينين واليدين والرجلين والبصر وكل الجوارح ما لو اجتمع الحكماء جميعاً حكماء البشر لم يعرفوا كون شيء من الجوارح والنفس وتقديرها من تلك النطفة وتصويرها منها؛ ليعلم أنه قادر على خلق الأشياء من شيء ومن لا شيء وبسبب وبغير سبب وما جعل من الأسباب لبعض الأشياء لم يجعلها استعانة منه بها على إنشاء ذلك، وأن من قدر على تقدير ما ذكر وتصويره في الظلمات التي ذكر على السبيل التي ذكر، فإنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، يحتج عليهم لإنكارهم البعث وإنكارهم بعث الرسل والحجج، يخبر أن من فعل ما ذكر من تغييرهم من حال إلى حال وتحويلهم من صورة إلى صورة أخرى أنه لا يفعل ذلك ليتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يمتحنهم، ثم إذا امتحنهم لا يحتمل ألا يبعثهم؛ ليجزي المسيء منهم والعاصي جزاء الإساءة والعصيان والمحسن منهم والمطيع جزاء الإحسان والطاعة؛ لأنه قد سوى بينهم في هذه الدار وفي الحكمة، والعقل [يقتضي] التفريق بينهما فلابد من دار أخرى يفرق بينهما [فيها]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ .

يحتمل ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ أي: ذلكم الله الذي ذكر من تقديركم وتصويركم في ظلمات تلك النطفة هو ربكم الذي فعل ذلك.

أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ أي: جميع ما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ ﴾ ، وما ذكر من تسخير الشمس والقمر وجريانهما على سنن واحد وعلى قدر واحد، وما ذكر من خلقنا جميعا من تلك النفس الواحدة إلى آخر ما ذكر، يقول: ذلكم الله الذي فعل [ذلك] كله هو ربكم ﴿ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴾ أي: فأنى تصرفون عبادتكم إلى غيره، أو فأنى تصرفون ألوهيته وربوبيته إلى غيره وتجعلون له شركاء وأعدالا، وقد تعلمون أن الذي فعل ذلك كله هو الله الواحد الذي لا شريك له ولا مثل.

أو يذكر أن ما ذكر من النعم التي أعطاكم وأسدى إليكم هو ربكم الذي خلقكم؛ فكيف تصرفون شكرها إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ .

روي عن ابن عباس -  - أنه قال: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ﴾ أي: تكفرون دين الله الإسلام ولم تسلموا فإنه لا يقبل منكم، ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ ﴾ أي: وإن تسلموا ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ أي: يقبل منكم؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ  ﴾ .

وقال غيره: أي: إن تكفروا دينه فإن الله غني عن عبادتكم، ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ ﴾ ، أي: توحدوه ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ من الأول.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ ﴾ النعم التي عدها عليكم فيما تقدم ذكرها من قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من النعم يقول: إن تكفروا هذه النعم التي عدها عليكم فإنه غني عنكم، وإن تشكروا ما عد عليكم من النعم يقبل ذلك منكم، والله أعلم.

وأصله أن الله - عز وجل - بين سبيل الهدى ورغبهم إليه، وبين سبيل الضلال وحذرهم عنه، ثم بين أن من سلك سبيل الهدى فله كذا ومن سلك سبيل الضلال فله كذا، [و] أفضى إلى كذا.

أو أن يقول: إن من سلك سبيل الهدى يرضى لنفسه عاقبة السبيل الذي سلك فيه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ  لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ  ﴾ ، ومن سلك سبيل الضلال والكفر يمقت ذلك السبيل في العاقبة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ  ﴾ أخبر أنهم يمقتون أنفسهم إذا نودوا وعرفوا أنهم أخطأوا الطريق، وبالله العصمة.

وذكر في حرف عبد الله بن مسعود: ﴿ والله يكره لعباده الكفر ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ ، وكذلك ذكر هذا في حرف أبي وحفصة خاصة.

وأصل قوله: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ﴾ إخبار أنه لم يأمركم بما أمركم به ولا نهاكم عما نهاكم عنه لحاجة نفسه أو لمنفعة له في ذلك، ولكن إنما امتحنكم بما امتحنكم لحاجة أنفسكم ولمنفعتكم ولدفع الضرر عنكم؛ وكذلك ما أنشأ من الأشياء لم ينشئها لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، ولكن إنما أنشأها لكم ولمنافعكم.

وكذلك نقول: لم ينشئها لأنفسها حتى إذا أتلف شيئاً منها عوضها بدلها على ما تقول المعتزلة أن ليس لله أن يتلفها إلا أن يعوضها عوضاً بإزاء ذلك، ولكن إنما أنشأها لكم لليسر ولهم يعزر من أتلف شيئاً منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - جواباً لقولهم حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ...

﴾ الآية [العنكبوت: 12]، أخبر أن لا أحد يحمل وزر آخر، ولكن يحمل وزر نفسه.

والثاني: يخبر أن أمر الآخرة على خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يحمل بعض آثام بعض وأوزار بعض، فأما في الآخرة فإنه لا يحمل أحد وزر آخر ولا آثامه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ ﴾ الآية.

خص البعث بالرجوع إليه مرة وبالمصير ثانياً والبروز له، ونحو ذلك، وإن كانوا في جميع الأحوال راجعين إليه صائرين؛ لأن المقصود من إنشائهم في هذه الدنيا ذلك البعث، فخص لذلك رجوعاً إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

قال أهل التأويل: إنه عليم بما في الصدور، وعندنا عليم بكل ما يصدر من الخير والشر، وذكر ﴿ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ ؛ لأن أصحاب الصدور هم يصدرون ويظنون في صدورهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن تكفروا -أيها الناس- بربكم فإن الله غني عن إيمانكم، ولا يضرُّه كفركم، وإنما ضرر كفركم عائد إليكم، ولا يرضى لعباده أن يكفروا به، ولا يأمرهم بالكفر؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر، وإن تشكروا الله على نعمه وتؤمنوا به يَرْضَ شكركم، ويثبكم عليه، ولا تحمل نفس ذنب نفس أخرى, بل كل نفس بما كسبت رهينة، ثم إلى ربكم وحده مرجعكم يوم القيامة، فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، ويجازيكم على أعمالكم، إنه سبحانه عليم بما في قلوب عباده، لا يخفى عليه شيء مما فيها.

<div class="verse-tafsir" id="91.eBqzx"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله