تفسير الآية ٨ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٨ من سورة الزمر

۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّۭ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةًۭ مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ) أي : عند الحاجة يضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ) [ الإسراء : 67 ] .

ولهذا قال : ( ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل ) أي : في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع ، كما قال تعالى : ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) [ يونس : 12 ] .

( وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله ) أي : في حال العافية يشرك بالله ، ويجعل له أندادا .

( قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ) أي : قل لمن هذه حاله وطريقته ومسلكه : تمتع بكفرك قليلا .

وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد ، كقوله : ( قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ) [ إبراهيم : 30 ] ، وقوله : ( نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) [ لقمان : 24 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) يقول تعالى ذكره: وإذا مَسَّ الإنسان بلاء في جسده من مرض, أو عاهة, أو شدّة في معيشته, وجهد وضيق ( دَعَا رَبَّهُ ) يقول: استغاث بربه الذي خلقه من شدة ذلك, ورغب إليه في كشف ما نـزل به من شدة ذلك.

وقوله: ( مُنِيبًا إِلَيْهِ ) يقول: تائبا إليه مما كان من قبل ذلك عليه من الكفر به, وإشراك الآلهة والأوثان به في عبادته, راجعا إلى طاعته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ ) قال: الوجع والبلاء والشدّة ( دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ) قال: مستغيثا به.

وقوله: ( ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ ) يقول تعالى ذكره: ثم إذا منحه ربه نعمة منه, يعني عافية, فكشف عنه ضرّه, وأبدله بالسقم صحة, وبالشدة رخاء.

والعرب تقول لكلّ من أعطى غيره من مال أو غيره: قد خوّله، ومنه قول أبي النجْم العِجْلِيّ: أعْطَــى فَلَــمْ يَبْخَـلْ وَلَـمْ يُبَخَّـل كُــومَ الـذرَا مِـنْ خَـوَلِ المَخَـوِّلِ (2) وحُدثت عن أبي عُبيدة معمر بن المثنى أنه قال: سمعت أبا عمرو يقول في بيت زُهَيْر: هُنَـالِكَ إنْ يُسْـتَخْوَلُوا المَـالَ يُخْـوِلوا وَإِنْ يُسْـأَلُوا يُعْطـوا وَإنْ يَيْسِروا يُغْلُوا (3) قال معمر: قال يونس: إنما سمعناه: هُنَالكَ إنْ يُسْتَخْبِلُوا المَالَ يُخْبِلوا (4) قال: وهي بمعناها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ ) : إذا أصابته عافية أو خير.

وقوله: ( نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ) يقول: ترك دعاءه الذي كان يدعو إلى الله من قبل أن يكشف ما كان به من ضرّ( وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا ) يعني: شركاء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( نَسِيَ ) يقول: ترك, هذا في الكافر خاصة.

ولـ" ما " التي في قوله: ( نَسِيَ مَا كَانَ ) وجهان: أحدهما: أن يكون بمعنى الذي , ويكون معنى الكلام حينئذ: ترك الذي كان يدعوه في حال الضر الذي كان به, يعني به الله تعالى ذكره, فتكون " ما " موضوعة عند ذلك موضع " من " كما قيل: وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ يعني به الله, وكما قيل: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .

والثاني: أن يكون بمعنى المصدر على ما ذكرت.

وإذا كانت بمعنى المصدر, كان في الهاء التي في قوله: ( إِلَيْهِ ) وجهان: أحدهما: أن يكون من ذكر ما.

والآخر: من ذكر الربّ.

وقوله: ( وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا ) يقول: وجعل لله أمثالا وأشباها.

ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي جعلوها فيه له أندادا, قال بعضهم: جعلوها له أندادا في طاعتهم إياه في معاصي الله.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا ) قال: الأنداد من الرجال: يطيعونهم في معاصي الله.

وقال آخرون: عنى بذلك أنه عبد الأوثان, فجعلها لله أندادا في عبادتهم إياها.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى به أنه أطاع الشيطان في عبادة الأوثان, فحصل له الأوثان أندادا, لأن ذلك في سياق عتاب الله إياهم له على عبادتها.

وقوله: ( لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) يقول: ليزيل من أراد أن يوحد الله ويؤمن به عن توحيده, والإقرار به, والدخول في الإسلام.

وقوله: ( قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لفاعل ذلك: تمتع بكفرك بالله قليلا إلى أن تستوفي أجلك, فتأتيك منيتك ( إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) : أي إنك من أهل النار الماكثين فيها.

وقوله: ( تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ ) : وعيد من الله وتَهَدُّدٌ.

---------------------- الهوامش : (2) البيت لأبي النجم العجلى الراجز المشهور ( اللسان : خول ) .

وهو يمدح إنسانا أنه أعطى من سأله النوق السمينة العالية السنام والذرا : جمع ذروة ، وهو أعلى الشيء .

وهي مما خوله الله ومنحه ، وكان عطاؤه كثيرا ، فلم يبخل به ، ولم ينسبه أحد إلى البخل .

والبيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( الورثة 216 ) ، عند قوله تعالى :" ثم إذا خوله نعمة منه" : كل مال لك ، وكل شيء أعطيته فقد خولته ؛ قال أبو النجم :" أعطى فلم يبخل ...

البيت" (3) البيت لزهير بن أبي سلمى المزني ( مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا ص 239 ) والرواية فيه" يستخلبوا" في موضوع يستخولوا قال في اللسان : والاستخوال أيضا مثل الاستخبال ، من أخبلته المال : إذا أعرته ناقة لينتفع بألبانها وأوبارها ، أو فرسا يغزو عليه .

ومنه قول زهير :" هنالك إن يستخولوا المال ...

البيت" .

ومعنى ييسروا : يقامروا .

ويغلوا : يختاروا سمان الإبل بالثمن الغالي ، ويقامروا عليها .

والبيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( 216 ب ) قال : وسمعت أبا عمرو يقول في بيت زهير" هنالك ...

الخ" : قال يونس : إنما سمعناه :" هنالك إن يستخلبوا المال" .

أي يخبلوا : وهو بمعناها .

(4) تقدم الكلام على رواية هذا الشطر من بيت زهير بن أبي سلمى في الشاهد الذي قبله .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا مس الإنسان يعني الكافر " ضر " أي شدة من الفقر والبلاء " دعا ربه منيبا إليه " أي راجعا إليه مخبتا مطيعا له ، مستغيثا به في إزالة تلك الشدة عنه .

ثم إذا خوله نعمة منه أي أعطاه وملكه .

يقال : خولك الله الشيء أي : ملكك إياه ، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد :هنالك إن يستخولوا المال يخولوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلواوخول الرجل : حشمه ، الواحد خائل .

قال أبو النجم :أعطى فلم يبخل ولم يبخل كوم الذرى من خول المخولنسي ما كان يدعو إليه من قبل أي نسي ربه الذي كان يدعوه من قبل في كشف الضر عنه .

ف " ما " على هذا الوجه لله - عز وجل - وهي بمعنى الذي .

وقيل : بمعنى من كقوله : ولا أنتم عابدون ما أعبد والمعنى واحد .

وقيل : نسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله عز وجل .

أي : ترك كون الدعاء منه إلى الله ، فما والفعل على هذا القول مصدر .

وجعل لله أندادا أي أوثانا وأصناما .

وقال السدي : يعني أندادا من الرجال يعتمدون عليهم في جميع أمورهم .

" ليضل عن سبيله " أي ليقتدي به الجهال .

قل تمتع بكفرك قليلا أي قل لهذا الإنسان " تمتع " وهو أمر تهديد ، فمتاع الدنيا قليل .

" إنك من أصحاب النار " أي مصيرك إلى النار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن كرمه بعبده وإحسانه وبره، وقلة شكر عبده، وأنه حين يمسه الضر، من مرض أو فقر، أو وقوع في كربة بَحْرٍ أو غيره، أنه يعلم أنه لا ينجيه في هذه الحال إلا اللّه، فيدعوه متضرعا منيبا، ويستغيث به في كشف ما نزل به ويلح في ذلك.{ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ } اللّه { نِعْمَةً مِنْهُ } بأن كشف ما به من الضر والكربة، { نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ } أي: نسي ذلك الضر الذي دعا اللّه لأجله، ومر كأنه ما أصابه ضر، واستمر على شركه.{ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ } أي: ليضل بنفسه، ويضل غيره، لأن الإضلال فرع عن الضلال، فأتى بالملزوم ليدل على اللازم.{ قُلْ } لهذا العاتي، الذي بدل نعمة اللّه كفرا: { تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } فلا يغنيك ما تتمتع به إذا كان المآل النار.{ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ) راجعا إليه مستغيثا به ، ( ثم إذا خوله نعمة منه ) أعطاه نعمة منه ، ) ( نسي ) ترك ( ما كان يدعو إليه من قبل ) أي : نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه ، ( وجعل لله أندادا ) يعني : الأوثان ، ( ليضل عن سبيله ) ليزل عن دين الله .

( قل ) لهذا الكافر : ( تمتع بكفرك قليلا ) في الدنيا إلى أجلك ، ( إنك من أصحاب النار ) قيل : نزلت في عتبة بن ربيعة ، وقال مقاتل : نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي .

وقيل : عام في كل كافر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا مسَّ الإنسان» أي الكافر «ضرٌ دعا ربه» تضرَّع «منيبا» راجعا «إليه ثم إذا خوّله نعمة» أعطاه إنعاما «منه نسيَ» ترك «ما كان يدعو» يتضرّع «إليه من قبل» وهو الله، فما في موضع من «وجعل الله أندادا» شركاء «ليضل» بفتح الياء وضمها «عن سبيله» دين الإسلام «قل تمتع بكفرك قليلا» بقية أجلك «إنك من أصحاب النار».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا أصاب الإنسانَ بلاءٌ وشدة ومرض تَذكَّر ربه، فاستغاث به ودعاه، ثم إذا أجابه وكشف عنه ضرَّه، ومنحه نِعَمه، نسي دعاءه لربه عند حاجته إليه، وأشرك معه غيره؛ ليُضل غيره عن الإيمان بالله وطاعته، قل له -أيها الرسول- متوعدًا: تمتع بكفرك قليلا حتى موتك وانتهاء أجلك، إنك من أهل النار المخلَّدين فيها.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الآية المتقدمة دلت على أنه تعالى بين كونه منزهاً عن الولد بكونه إلهاً واحداً وقهاراً غالباً أي: كامل القدرة، فلما بنى تلك المسألة على هذه الأصول ذكر عقيبها ما يدل على كمال القدرة وعلى كمال الاستغناء، وأيضاً فإنه تعالى طعن في إلهية الأصنام فذكر عقيبها الصفات التي باعتبارها تحصل الإلهية، واعلم أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب أن الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات إلهيته، إما أن تكون فلكية أو عنصرية، أما الفلكية فأقسام أحدها: خلق السموات والأرض، وهذا المعنى يدل على وجود الإله القادر من وجوه كثيرة شرحناها في تفسير قوله تعالى: ﴿ الحمد الله الذي خَلَقَ السموات والأرض  ﴾ والثاني: اختلاف أحوال الليل والنهار وهو المراد هاهنا من قوله: ﴿ يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل ﴾ وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك تارة، وذلك هذا أخرى.

وذلك يدل على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهره وهو الله سبحانه وتعالى، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص عن الآخر، والمراد من تكوير الليل والنهار ما ورد في الحديث: «نعوذ الله من الحور بعد الكور» أي: من الإدبار بعد الإقبال، واعلم أنه سبحانه وتعالى عبر عن هذا المعنى بقوله: ﴿ يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار ﴾ وبقوله: ﴿ يغشى الليل النهار  ﴾ وبقوله: ﴿ يُولِجُ اليل فِي النهار  ﴾ وبقوله: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ  ﴾ والثالث: اعتبار أحوال الكواكب لا سيما الشمس والقمر، فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل، وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ الأجل المسمى يوم القيامة، لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَجُمِعَ الشمس والقمر  ﴾ والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تدور كدوران المنجنون على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطوي السماء كطي السجل للكتب.

ولما ذكر الله هذه الأنواع الثلاثة من الدلائل الفلكية قال: ﴿ أَلا هُوَ العزيز الغفار ﴾ والمعنى: أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإن دل على كونه عزيزاً أي كامل القدرة إلا أنه غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان، فإنه لما كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكونه غفاراً يوجب كثرة الرحمة، وكثرة الرحمة توجب الرجاء والرغبة، ثم إنه تعالى أتبع ذكر الدلائل الفلكية بذكر الدلائل المأخوذة من هذا العالم الأسفل، فبدأ بذكر الإنسان فقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ ودلالة تكون الإنسان على الإله المختار قد سبق بيانها مراراً كثيرة، فإن قيل كيف جاز أن يقول: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ والزوج مخلوق قبل خلقهم؟

أجابوا عنه من وجوه: الأول: أن كلمة ثم كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية، فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد الكلامين عن الآخر، كقول القائل بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس كان أعجب، ويقول أيضاً قد أعطيتك اليوم شيئاً، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر الثاني: أن يكون التقدير خلقكم من نفس خلقت وحدها ثم جعل منها زوجها الثالث: أخرج الله تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء.

واعلم أنه تعالى لما ذكر الاستدلال بخلقة الإنسان على وجود الصانع ذكر عقيبه الاستدلال بوجود الحيوان عليه فقال: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج ﴾ وهي الإبل والبقر والضأن والمعز وقد بينا كيفية دلالة هذه الحيوانات على وجود الصانع في قوله: ﴿ والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء  ﴾ وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ ﴾ وجوه: الأول: أن قضاء الله وتقديره وحكمه موصوف بالنزول من السماء لأجل أنه كتب في اللوح المحفوظ كل كائن يكون الثاني: أن شيئاً من الحيوان لا يعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء والتراب، والماء ينزل من السماء فصار التقدير كأنه أنزلها الثالث: أنه تعالى خلقها في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض وقوله: ﴿ ثمانية أزواج ﴾ أي ذكر وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز، والزوج اسم لكل واحد معه آخر، فإذا انفرد فهو فرد منه قال تعالى: ﴿ فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أمهاتكم خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ وفيه أبحاث: الأول: قرأ حمزة بكسر الألف والميم، والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم، والباقون أمهاتكم بضم الألف وفتح الميم.

الثاني: أنه تعالى لما ذكر تخليق الناس من شخص واحد وهو آدم عليه السلام أردفه بتخليق الأنعام، وإنما خصها بالذكر لأنها أشرف الحيوانات بعد الإنسان، ثم ذكر عقيب ذكرهما حالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي كونها مخلوقة في بطون أمهاتهم وقوله: ﴿ خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ المراد منه ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن طِينٍ  ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ  ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ فِى ظلمات ثَلاث ﴾ قيل: الظلمات الثلاث البطن والرحم والمشيمة وقيل: الصلب والرحم والبطن ووجه الاستدلال بهذه الحالات قد ذكرناه في قوله: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما شرح هذه الدلائل ووصفها قال: ﴿ ذلكم الله رَبُّكُمُ ﴾ أي: ذلكم الشيء الذي عرفتم عجائب أفعاله هو الله ربكم، وفي هذه الآية: دلالة على كونه سبحانه وتعالى منزهاً عن الأجزاء والأعضاء وعلى كونه منزهاً عن الجسمية والمكانية، وذلك أنه تعالى عندما أراد أن يعرف عباده ذاته المخصوصة لم يذكر إلا كونه فاعلاً لهذه الأشياء، ولو كان جسماً مركباً من الأعضاء لكان تعريفه بتلك الأجزاء والأعضاء تعريفاً للشيء بأجزاء حقيقته، ولو كان ذلك القسم ممكناً لكان الاكتفاء بهذا القسم الثاني تقصيراً ونقصاً وذلك غير جائز، فعلمنا أن الاكتفاء بهذا القسم إنما حسن لأن القسم الأول محال ممتنع الوجود، وذلك يدل على كونه سبحانه وتعالى متعالياً عن الجسمية والأعضاء والأجزاء.

ثم قال تعالى: ﴿ لَهُ الملك ﴾ وهذا يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره، ولما ثبت أنه لا ملك إلا له وجب القول بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك، فإن كان له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكاً قادراً ويجري بينهما التمانع كما ثبت في قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ وذلك محال، وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصاً ولا يصلح للإلهية، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله، وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد، ثم اعلم أنه سبحانه لما بين بهذه الدلائل كمال قدرة الله سبحانه وحكمته ورحمته، رتب عليه تزييف طريقة المشركين والضالين من وجوه: الأول: قوله: ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ يحتج به أصحابنا ويحتج به المعتزلة.

أما أصحابنا فوجه الاستدلال لهم بهذه الآية: أنها صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم، وما ذاك الغير إلا الله، وأيضاً فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب، فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه، وأما المعتزلة فوجه الاستدلال لهم: أن قوله: ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ تعجب من هذا الانصراف، ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ ﴾ والمعنى أن الله تعالى ما كلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة، وذلك لأنه تعالى غني على الإطلاق، ويمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة، وإنما قلنا إنه غني لوجوه: الأول: واجب الوجود لذاته وواجب الوجود في جميع صفاته، ومن كان كذلك كان غنياً على الإطلاق الثاني: أنه لو كان محتاجاً لكانت تلك الحاجة إما قديمة وإما حادثة.

والأول باطل وإلا لزم أن يخلق في الأزل ما كان محتاجاً إليه وذلك محال، لأن الخلق والأزل متناقض.

والثاني باطل لأن الحاجة نقصان والحكيم لا يدعوه الداعي إلى تحصيل النقصان لنفسه الثالث: هب أنه يبقى الشك في أنه هل تصح الشهوة والنفرة والحاجة عليه أم لا؟

أما من المعلوم بالضرورة أن الإله القادر على خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والعناصر الأربعة، والمواليد الثلاثة يمتنع أن ينتفع بصلاة زيد وصيام عمرو، وأن يضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذاك، فثبت بما ذكرنا أن جميع العالمين لو كفروا وأصروا على الجهل فإن الله غني عنهم.

ثم قال تعالى بعده: ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ يعني أنه وإن كان لا ينفعه إيمان ولا يضره كفران إلا أنه لا يرضى بالكفر، واحتج الجبائي بهذه الآية من وجهين: الأول: أن المجبرة يقولون إن الله تعالى خلق كفر العباد وإنه من جهة ما خلقه حق وصواب، قال ولو كان الأمر كذلك لكان قد رضي الكفر من الوجه الذي خلقه، وذلك ضد الآية الثاني: لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوجب علينا أن نرضى به لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله وليس أيضاً برضاء الله تعالى، وأجاب الأصحاب عن هذا الاستدلال من وجوه: الأول: أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً  ﴾ وقال: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان  ﴾ فعلى هذا التقدير قوله: ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ ولا يرضى للمؤمنين الكفر، وذلك لا يضرنا الثاني: أنا نقول الكفر بإرادة الله تعالى ولا نقول إنه برضا الله لأن الرضا عبارة عن المدح عليه والثناء بفعله، قال الله تعالى: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين  ﴾ أي يمدحهم ويثني عليهم الثالث: كان الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول: الرضا عبارة عن ترك اللوم والاعتراض، وليس عبارة عن الإرادة، والدليل عليه قول ابن دريد: رضيت قسراً وعلى القسر رضا *** من كان ذا سخط على صرف القضا أثبت الرضا مع القسر وذلك يدل على ما قلناه والرابع: هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله: ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ عام، فتخصيصه بالآيات الدالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر كقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله  ﴾ ، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ والمراد أنه لما بين أنه لا يرضى الكفر بين أنه يرضى الشكر، وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف القراء في هاء ﴿ يَرْضَهُ ﴾ على ثلاثة أوجه: أحدها: قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الهاء مختلسة غير متبعة.

وثانيها: قرأ أبو عمرو وحمزة في بعض الروايات يرضه ساكنة الهاء للتخفيف.

وثالثها: قرأ نافع في بعض الروايات وابن كثير وابن عامر والكسائي مضمومة الهاء مشبعة، قال الواحدي رحمه الله من القراء من أشبع الهاء حتى ألحق بها واواً، لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة ضربه وله، فكما أن هذا مشبع عند الجميع كذلك يرضه، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق الواو، لأن الأصل يرضاه والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية، ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو فكذا هاهنا.

المسألة الثانية: الشكر حالة مركبة من قول واعتقاد وعمل أما القول فهو الإقرار بحصول النعمة وأما الاعتقاد فهو اعتقاد صدور النعمة من ذلك المنعم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ قال الجبائي هذا يدل على أنه تعالى لا يعذب أحداً على فعل غيره، فلو فعل الله كفرهم لما جاز أن يعذبهم عليه، وأيضاً لا يجوز أن يعذب الأولاد بذنوب الآباء، بخلاف ما يقول القوم.

واحتج أيضاً من أنكر وجوب ضرب الدية على العاقلة بهذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ ﴾ واعلم أنا ذكرنا كثيراً أن أهم المطالب للإنسان أن يعرف خالقه بقدر الإمكان، وأن يعرف ما يضره وما ينفعه في هذه الحياة الدنيوية، وأن يعرف أحواله بعد الموت، ففي هذه الآية ذكر الدلائل الكثيرة من العالم الأعلى والعالم الأسفل على كمال قدرة الصانع وعلمه وحكمته، ثم أتبعه بأن أمره بالشكر ونهاه عن الكفر ثم بين أحواله بعد الموت بقوله: ﴿ ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المشبهة تمسكوا بلفظ إلى على أن إله العالم في جهة وقد أجبنا عنه مراراً.

المسألة الثانية: زعم القوم أن هذه الأرواح كانت قبل الأجساد وتمسكوا بلفظ الرجوع الموجود في هذه الآية وفي سائر الآيات.

المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على إثبات البعث والقيامة.

ثم قال: ﴿ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وهذا تهديد للعاصي وبشارة للمطيع، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ كالعلة لما سبق، يعني أنه يمكنه أن ينبئكم بأعمالكم، لأنه عالم بجميع المعلومات، فيعلم ما في قلوبكم من الدواعي والصوارف، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ خَوَّلَهُ ﴾ أعطاه.

قال أبو النجم: أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلِ ** كُومَ الذَّرَى مِنْ خِوَلِ الْمُخَوِّلِ وفي حقيقته وجهان، أحدهما: جعله خائل مال، من قولهم: هو خائل مال، وخال مال: إذا كان متعهداً له حسن القيام به، ومنه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة، والثاني: جعله يخول من خال يخول إذا اختال وافتخر، وفي معناه قول العرب: إنَّ الْغَنِيَّ طَوِيلُ الذَّيْلِ مَيَّاسُ ﴿ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ ﴾ أي نسي الضرّ الذي كان يدعو الله إلى كشفه.

وقيل: نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه، وما بمعنى من، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى ﴾ [الليل: 3] وقرئ: ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء وضمها، بمعنى أنّ نتيجة جعله لله أنداداً ضلاله عن سبيل الله أو إضلاله والنتيجة: قد تكون غرضاً في الفعل، وقد تكون غير غرض.

وقوله: ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ ﴾ من باب الخذلان والتخلية، كأنه قيل له: إذ قد أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة، فمن حقك ألا تؤمر به بعد ذلك، وتؤمر بتركه: مبالغة في خذلانه وتخليته وشأنه.

لأنه لا مبالغة في الخذلان؛ أشدّ من أن يبعث على عكس ما أمر به.

ونظيره في المعنى قوله: ﴿ متاع قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم ﴾ [آل عمران: 197] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ﴾ لِزَوالِ ما يُنازِعُ العَقْلَ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَبْدَأ الكُلِّ مِنهُ.

﴿ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ ﴾ أعْطاهُ مِنَ الخَوْلِ وهو التَّعَهُّدُ، أوِ الخَوَلُ وهو الِافْتِخارُ.

﴿ نِعْمَةً مِنهُ ﴾ مِنَ اللَّهِ.

﴿ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ ﴾ أيِ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ، أوْ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ وما مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ مِن قَبْلِ النِّعْمَةِ.

﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ بِفَتْحِ الياءِ، والضَّلالُ والإضْلالُ لَمّا كانا نَتِيجَةَ جَعْلِهِ صَحَّ تَعْلِيلُهُ بِهِما وإنْ لَمْ يَكُونا غَرَضَيْنِ.

﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا ﴾ أمْرُ تَهْدِيدٍ فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الكُفْرَ نَوْعُ تَشَهٍّ لا سَنَدَ لَهُ، وإقْناطٌ لِلْكافِرِينَ مِنَ التَّمَتُّعِ في الآخِرَةِ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ لِلْمُبالَغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا مَسَّ الإنسان} هو أبو جهل أو كل كافر {ضُرٌّ} بلاء وشدة والمس في الأعراض مجاز {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} راجعاً إلى الله بالدعاء لا يدعو غيره {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ} أعطاه {نِعْمَةً مِّنْهُ} من الله عز وجل {نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} أى

الزمر (١٠ - ٨)

نسى ربه الذى كان يتضرع إليه وما بمعنى من كقوله وَمَا خَلَقَ الذكر والانثى أو نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} أمثالاً {لِيُضِلَّ} ليضل مكى وأبوعمرو ويعقوب {عَن سَبِيلِهِ} أي الإسلام {قُلْ} يا محمد {تَمَتَّعَ} أمر تهديد {بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} أي في الدنيا {إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار} من أهلها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ ﴾ مِن مَرَضٍ وغَيْرِهِ مِنَ المَكارِهِ، ﴿ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ﴾ راجِعًا مِمَّنْ كانَ يَدْعُوهُ في حالَةِ الرَّخاءِ مِن دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ القُدْرَةِ عَلى كَشْفِ ضُرِّهِ، وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِحالِ بَعْضِ أفْرادِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: هو مُعَيَّنٌ كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، ﴿ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ ﴾ أيْ أعْطاهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِن جَنابِهِ مِنَ الخَوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو تَعَهُّدُ الشَّيْءِ أيِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وأُطْلِقَ عَلى العَطاءِ لِما أنَّ المُعْطِيَ الكَرِيمَ يَتَعَهَّدُ مَن هو رَبِيبُ إحْسانِهِ، ونُشُوُّ امْتِنانِهِ بِتَكْرِيرِ العَطاءِ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى ﴿ خَوَّلَهُ ﴾ في الأصْلِ أعْطاهُ خَوَلًا بِفَتْحَتَيْنِ، أيْ عَبِيدًا وخَدَمًا، أوْ أعْطاهُ ما يَحْتاجُ إلى تَعَهُّدِهِ والقِيامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ عُمِّمَ لِمُطْلَقِ العَطاءِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ مِن خالَ يَخُولُ خَوْلًا بِسُكُونِ الواوِ، إذا افْتَخَرَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ صُرِّحَ في الصِّحاحِ أنَّ خالَ بِمَعْنى افْتَخَرَ يائِيٌّ، والخُيَلاءُ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ دِلالَةً بَيِّنَةً، وأيْضًا خَوَّلَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأخْذُهُ مِنهُ لا يَقْتَضِي أنْ يَتَعَدّى لِلْمَفْعُولِ الثّانِي.

وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ مِن أئِمَّةِ النَّقْلِ، وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الخالِ الَّذِي هو العَلامَةُ، وقَدْ نَقَلَ فِيهِ الواوَ والياءَ، ثُمَّ قِيلَ: لَسِيَّما الجَمالُ والخَيْرُ خالٌ مِن ذَلِكَ، وأُخِذَ مِنهُ الخَيالُ، وأمّا الِاخْتِيالُ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَيالِ، لِأنَّهُ خالَ نَفْسَهُ فَوْقَ قَدْرِهِ، أوْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ خالَ الخَيْرِ كَما يُقالُ: أُعْجِبَ الرَّجُلُ، فَقَدْ وضَحَ أنَّ الِاشْتِقاقَ يُناسِبُهُما، ولا يُنْكَرُ ثُبُوتُ الياءِ بِدَلِيلِ الخُيَلاءِ لَكِنْ لا مانِعَ مِن ثُبُوتِ الياءِ أيْضًا، ولَيْسَ الِاخْتِيالُ مَأْخُوذًا مِنَ الخُيَلاءِ، بَلِ الخُيَلاءُ هو الِاسْمُ مِنهُ، فَلا يَصْلُحُ مانِعًا لَكِنْ يَصْلُحُ مُثْبِتًا لِلْياءِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنْ خَوَّلَ مُضَعَّفُ خالَ بِمَعْنى افْتَخَرَ حَتّى يُشْكِلَ تَعْدِيَتُهُ لِلْمَفْعُولِ الثّانِي، بَلْ أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِمَعْنى أعْطى، وما ذُكِرَ بَيانٌ لِمَأْخَذِ اشْتِقاقِهِ، وأصْلُ مَعْناهُ المُلاحَظُ في وضْعِهِ لَهُ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، فَأصْلُ خَوَّلَهُ جَعَلَهُ مُفْتَخِرًا بِما أنْعَمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَطَعَ النَّظَرَ عَنْهُ، وصارَ بِمَعْنى أعْطاهُ مُطْلَقًا، ﴿ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ ﴾ أيْ نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إزالَتَهُ وكَشْفَهُ، ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ التَّخْوِيلِ، فَما واقِعَةٌ عَلى الضُّرِّ، ودَعا مِنَ الدَّعْوَةِ، وهو يَتَعَدّى بِـ ”إلى“ يُقالُ: دَعا المُؤَذِّنُ النّاسَ إلى الصَّلاةِ، ودَعا فُلانٌ النّاسَ إلى مَأْدُبَتِهِ، والدَّعْوَةُ مَجازٌ عَنِ الدُّعاءِ، والمَعْنى عَلى اعْتِبارِ المُضافِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (بِما) مَعْنى (مَن) لِلدِّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ والتَّفْخِيمِ واقِعًا عَلَيْهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ، والدُّعاءُ عَلى ظاهِرِهِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ ”إلى“ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإنابَةِ، أوِ التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ، والمَعْنى: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَدْعُو مُنِيبًا أوْ مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ، وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ: تَكَلُّفٌ، إذْ لا يُقالُ: دَعا إلَيْهِ بِمَعْنى دَعاهُ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ (ما) بِمَعْنى (مَن)، مَرْدُودٌ لِحُسْنِ مَوْقِعِ التَّضْمِينِ واسْتِعْمالِ (ما) في مَقامِ التَّفْخِيمِ.

وفي الإرْشادِ أنَّ في ذَلِكَ الجَعْلِ إيذانًا بِأنَّ نِسْيانَهُ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْرِفُ مَدْعُوَّهُ ما هُوَ؟

فَضْلًا مِن أنْ يَعْرِفَهُ مَن هُوَ؟

وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَسِيَ ﴾ أيْ نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ، ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءُ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ تَعالى مِن قَبْلُ، أيْ مِن قَبْلِ الضُّرِّ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ﴿ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا ﴾ شُرَكاءَ في العِبادَةِ، والظّاهِرُ مِنَ اسْتِعْمالاتِهِمْ إطْلاقُ الأنْدادِ عَلى الشُّرَكاءِ مُطْلَقًا، وفي البَحْرِ: أنْدادًا أيْ أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ، قالَ قَتادَةُ: أيِ الرِّجالُ يُطِيعُهم في المَعْصِيَةِ، وقالَ غَيْرُهُ أوْثانًا، ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ النّاسَ بِذَلِكَ ﴿ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي هو التَّوْحِيدُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعِيسى (لِيَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ، أيْ لِيَزْدادَ ضَلالًا، أوْ لِيَثْبُتَ عَلَيْهِ، وإلّا فَأصْلُ الضَّلالِ غَيْرُ مُتَأخِّرٍ عَنِ الجَعْلِ المَذْكُورِ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ ، بَيْدَ أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّ الجاعِلَ ها هُنا قاصِدٌ بِجَعْلِهِ المَذْكُورِ حَقِيقَةَ الإضْلالِ، والضَّلالِ، وإنْ لَمْ يَعْرِفْ بِجَهْلِهِ أنَّهُما إضْلالٌ وضَلالٌ، وأمّا آلُ فِرْعَوْنَ فَهم غَيْرُ قاصِدِينَ بِالتِقاطِهِمُ العَداوَةَ أصْلًا.

﴿ قُلْ ﴾ تَهْدِيدًا لِذَلِكَ الجاعِلِ، وبَيانًا لِحالِهِ ومَآلِهِ، ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا ﴾ أيْ تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، ﴿ إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ ﴾ أيْ مُلازِمِيها والمُعَذَّبِينَ فِيها عَلى الدَّوامِ، وهو تَعْلِيلٌ لِقِلَّةِ التَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ الإقْناطِ مِنَ النَّجاةِ وذَمِّ الكُفْرِ ما لا يَخْفى كَأنَّهُ قِيلَ: إذْ قَدْ أبَيْتَ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ فَمِن حَقِّكَ أنْ تُؤْمَرَ بِتَرْكِهِ لِتَذُوقَ عُقُوبَتَهُ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني: من نفس آدم  ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها حواء وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يعني: ثمانية أصناف.

وقد فسرناه في سورة الأنعام يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ يعني: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، حالاً بعد حال، فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ أي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وهو الذي يكون فيه الولد في الرحم، فتخرج بعد ما يخرج الولد، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم، لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يعني: من أين تكذبون على الله، ومن أين تعدلون عنه إلى غيره؟

فاعلموا، أنه خالق هذه الأشياء.

ثم قال: إِنْ تَكْفُرُوا يعني: إن تجحدوا وحدانيته، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ يعني: عن إقراركم، وعبادتكم، وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ قال الكلبي: يعني: ليس يرضى من دينه الكفر.

ويقال: لاَ يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وهو ما قاله لإبليس: إن عبادى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان.

ويقال: لاَ يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ يعني: بشيء من عبادة الكفار وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ يعني: إن تؤمنوا بالله، وتوحدوه، يرضه لكم.

يعني: يقبله منكم، لأنه دينه، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ يعني: مصيركم في الآخرة فَيُنَبِّئُكُمْ يعني: فيخبركم، بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من خير، أو شر، فيجازيكم، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: عالم بما في ضمائر قلوبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يصيرُ مِنْه على الآخرِ جُزْءٌ فيستُرُهُ، وكأن الآخرَ الذي يَقْصُرُ يَلِجُ في الذي «١» يَطولُ، فيستتر فيه.

وقوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها قيل: «ثُمَّ» هنا:

لترتيب الإخْبَارِ لا لترتِيبِ الوُجُودِ «٢» ، وقيل: قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ: هو أخذ الذريةَ مِن ظهر آدم، وذلك شيءٌ كان قبل خلق حَوَّاءَ، ت: وهذا يحتاج إلى سندٍ قاطعٍ.

وقوله سبحانه: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ قالت فرقة: الأولى هي ظَهْرُ الأَبِ، ثم رَحِمُ الأمِّ، ثم المَشِيمَةُ في البَطْن، وقال مجاهد وغيره: هي المَشِيمَةُ والرَّحِمُ والبَطْنُ «٣» ، وهذه الآياتُ كلُّها فيها عِبَرٌ وتنبيهٌ على تَوْحِيدِ الخالِق الذَّي لاَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ غَيْرُهُ وتوهينٌ لأمْرِ الأصنام.

وقوله سبحانه: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ...

الآية، قال ابن عبّاس: هذه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: في عَتَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: في أبِي حُذَيْفَةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والضُّرُّ: البَلاءُ والشِّدَّةُ.

﴿ مُنِيبًا إلَيْهِ ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ مِن شِرْكِهِ.

﴿ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ ﴾ أيْ: أعْطاهُ ومَلَكَهُ ﴿ نِعْمَةً مِنهُ ﴾ بَعْدَ البَلاءِ الَّذِي أصابَهُ، كالصِّحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ، والغِنى بَعْدَ الفَقْرِ ﴿ نَسِيَ ﴾ أيْ: تَرَكَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: نَسِيَ الدُّعاءَ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي [كانَ] يَدْعُو [اللَّهَ] إلى كَشْفِهِ.

والثّالِثُ: نَسِيَ اللَّهَ الَّذِي [كانَ] يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ تَدُلُّ "ما" عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ  ﴾ .

وقالَ الفَرّاءُ: تَرَكَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الأنْدادِ [البَقَرَةِ: ٢٢] ومَعْنى ﴿ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ، ومِثْلُهُ: ﴿ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إنَّكَ مِن أصْحابِ النارِ ﴾ "الإنْسانَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ الكافِرُ بِدَلالَةِ ما وصَفَهُ بِهِ آخِرًا مِنِ اتِّخاذِ الأنْدادِ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ ﴾ .

وهَذِهِ آيَةٌ بَيَّنَ تَعالى بِها عَلى الكُفّارِ أنَّهم عَلى كُلِّ حالٍ يَلْجَؤُونَ في حالِ الضَرُوراتِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ عن غَيْرِ يَقِينٍ مِنهم ولا إيمانٍ، فَلِذَلِكَ لَيْسَ بِمُعْتَدٍّ بِهِ، و"مُنِيبًا" مَعْناهُ: مُقارِبًا مُراجِعًا بَصِيرَتَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: في كَشْفِ الضُرِّ المَذْكُورِ، أو يُرِيدُ أيَّ نِعْمَةٍ كانْتْ، واللَفْظُ يَعُمُّهُما، و"خَوَّلَهُ" مَعْناهُ: مَلَّكَهُ وحَكَّمَهُ فِيها ابْتِداءً مِنهُ لا مُجازاةً، ولا يُقالُ في الجَزاءِ: خَوَّلَ، ومِنهُ الخَوَلُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: هُنالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلُوا هَذِهِ رِوايَةٌ، ويُرْوى: يُسْتَخْبَلُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ ﴾ .

قالَتْ فِرْقَةٌ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: نَسِيَ دُعاءَهُ إلَيْهِ في حالِ الضَرَرِ ورَجَعَ إلى كُفْرِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والمُرادُ بِها اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ  ﴾ ، وقَدْ تَقَعُ (ما) مَكانَ (مَن) فِيما لا يُحْصى كَثْرَةً مِن كَلامِهِمْ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ نَسِيَ ﴾ كَلامًا تامًّا، ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءُ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ ومَقْصُودًا بِهِ مِن قَبْلِ النِعْمَةِ، أيْ في حالِ الضَرَرِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يُرِيدُ: مِن قَبْلِ الضَرَرِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ولَمْ يَكُنْ هَذا الكافِرُ يَدْعُو في سائِرِ زَمَنِهِ قَبْلَ الضَرَرِ، بَلْ ألْجَأهُ ضَرَرُهُ إلى الدُعاءِ.

و"الأنْدادُ": الأضْدادُ الَّتِي تُضادُّ وتُزاحِمُ وتُعارِضُ بَعْضَها بَعْضًا، قالَ قَتادَةُ: المُرادُ: مِنَ الرِجالِ يُطِيعُونَهم في مَعْصِيَةِ اللهِ تَعالى، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ: الأوثانُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُضِلَّ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأها بِفَتْحِ الياءِ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى، وابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلٌ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم - عَلى جِهَةِ التَهْدِيدِ - قَوْلًا يُخاطِبُ بِهِ واحِدًا مِنهُمْ: ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ ﴾ ، أيْ: تَلَذَّذْ بِهِ، واصْنَعْ ما شِئْتَ "قَلِيلًا"، هو عُمْرُ هَذا المُخاطَبِ.

ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ النارِ، أيْ: مِن سُكّانِها والمُخَلَّدِينَ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ هذا مثال لتقلب المشركين بين إشراكهم مع الله غيره في العبادة، وبين إظهار احتياجهم إليه، فذلك عنوان على مبلغ كفرهم وأقصاه.

والجملة معطوفة على جملة ﴿ ذلكم الله رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ ﴾ [الزمر: 6] الآية لاشتراك الجملتين في الدلالة على أن الله منفرد بالتصرف مستوجب للشكر، وعلى أن الكفر به قبيح، وتَتَضمن الاستدلال على وحدانية إلهية بدليل من أحوال المشركين به فإنهم إذا مسهم الضر لجأوا إليه وحده، وإذا أصابتهم نعمة أعرضوا عن شكره وجعلوا له شركاء.

فالتعريف في ﴿ الإنْسَانَ ﴾ تعريف الجنس ولكن عمومه هنا عموم عرفي لفريق من الإِنسان وهم أهل الشرك خاصة لأن قوله: ﴿ وجَعَلَ لله أندَاداً ﴾ لا يتفق مع حال المؤمنين.

والقول بأن المراد: انسان معيّن وأنه عتبة بن ربيعة، أو أبو جهل، خروج عن مهيع الكلام، وإنما هذان وأمثالهما من جملة هذا الجنس.

وذكر الإِنسان إظهار في مقام الإِضمار لأن المقصود به المخاطبون بقوله: ﴿ خلقكم من نفس واحدة إلى قوله: فَيُنَبِئكم بما كُنتمُ تَعْمَلُون ﴾ [الزمر: 6، 7]، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: وإذا مسكم الضر دعوتم ربكم الخ، فعدل إلى الإِظهار لما في معنى الإِنسان من مراعاة ما في الإِنسانية من التقلب والاضطراب إلا من عصمه الله بالتوفيق كقوله تعالى: ﴿ ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً ﴾ [مريم: 66]، وقوله: ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ [القيامة: 3] وغير ذلك ولأن في اسم الإِنسان مناسبة مع النسيان الآتي في قوله: ﴿ نسي ما كان يدعو إليه من قبل ﴾ .

وتقدم نظير لهذه الآية في قوله: ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ﴾ في سورة [الروم: 33].

(والتخويل: الإِعطاء والتمليك دون قصد عوض.

وعينُه واو لا محالة.

وهو مشتق من الخَوَل بفتحتين وهو اسم للعبيد والخدم، ولا التفات إلى فعل خال بمعنى: افتخر، فتلك مادة أخرى غير ما اشتق منه فعل خَوَّل.

والنسيان: ذهول الحافظة عن الأمر المعلوم سابقاً.

ومَا صْدَق ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ مَا كَانَ يَدْعُوا إلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ هو الضر، أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إليه، أي إلى كشفه عنه، ومفعول ﴿ يَدْعُوا ﴾ محذوف دل عليه قوله: ﴿ دَعَا رَبَّهُ ﴾ ، وضمير ﴿ إلَيْهِ ﴾ عائد إلى ﴿ ما ﴾ ، أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إليه، أي إلى كشفه.

ويجوز أن يكون ﴿ ما ﴾ صادقاً على الدعاء كما تدل عليه الصلة ويكون الضمير المجرور ب (إلى) عائداً إلى ﴿ رَبَّهُ ﴾ ، أي نسي الدعاء، وضُمّن الدعاء معنى الابتهال والتضرع فعُدي بحرف (إلى).

وعائد الصلة محذوف دل عليه فعل الصلة تفادياً من تكرر الضمائر.

والمعنى: نسي عبادة الله والابتهال إليه.

والأنداد: جمع نِدّ بكسر النون، وهو الكفء، أي وزاد على نسيان ربه فجعل له شركاء.

واللام في قوله: ﴿ لّيُضِلَّ عن سبيلِهِ ﴾ لام العاقبة، أي لام التعليل المجازي لأن الإِضلال لما كان نتيجة الجعل جاز تعليل الجعل به كأنه هو العلة للجاعل.

والمعنى: وجعل لله أنداداً فَضل عن سبيل الله.

وقرأ الجمهور ﴿ لّيُضِلَّ ﴾ بضم الياء، أي ليضل الناس بعد أن أضل نفسه إذ لا يضل الناس إلا ضَالّ.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتح الياء، أي ليَضل هو، أي الجاعل وهو إذا ضلّ أضل الناس.

﴿ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أصحاب ﴾ .

استئناف بياني لأن ذكر حالة الإِنسان الكافر المعرض عن شكر ربه يثير وصفها سؤال السامع عن عاقبة هذا الكافر، أي قل يا محمد للإِنسان الذي جعل لله أنداداً، أي قل لكل واحد من ذلك الجنس، أو روعي في الإِفراد لفظُ الإِنسان.

والتقدير: قل تمتعوا بكفركم قليلاً إنكم من أصحاب النار.

وعلى مثل هذين الاعتبارين جاء إفراد كاف الخطاب بعد الخبر عن الإِنسان في قوله تعالى: ﴿ يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ﴾ في سورة [القيامة: 10- 12].

والتمتع: الانتفاع الموقّت، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ في سورة [الأعراف: 24].

(والباء في ﴿ بِكُفْرِكَ ﴾ ظرفية أو للملابسة وليست لتعدية فعل التمتع.

ومتعلِّق التمتع محذوف دل عليه سياق التهديد.

والتقدير: تمتع بالسلامة من العذاب في زمن كفرك أو متكسباً بكفرك تمتعاً قليلاً فأنت آئل إلى العذاب لأنك من أصحاب النار.

ووصف التمتع بالقليل لأن مدة الحياة الدنيا قليل بالنسبة إلى العذاب في الآخرة، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ﴾ [التوبة: 38].

وصيغة الأمر في قوله: ﴿ تَمَتَّعْ ﴾ مستعملة في الإِمهال المراد منه الإِنذار والوعيد.

وجملة ﴿ إنَّكَ من أصحابب النَّارِ ﴾ بيان للمقصود من جملة ﴿ تَمَتَّع بِكُفْرِكَ قَلِيلاً ﴾ وهو الإِنذار بالمصير إلى النار بعد مدة الحياة.

و ﴿ من ﴾ للتبعيض لأن المشركين بعض الأمم والطوائف المحكوم عليها بالخلود في النار.

وأصحاب النار: هم الذين لا يفارقونها فإن الصحبة تشعر بالملازمة، فأصحاب النار: المخلّدون فيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُخْلِصًا إلَيْهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مُسْتَغِيثًا بِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مُقْبِلًا عَلَيْهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وقُطْرُبٌ.

﴿ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا أصابَتْهُ نِعْمَةٌ تَرَكَ الدُّعاءَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: إذا أصابَتْهُ نِعْمَةٌ تَرَكَ الدُّعاءَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: إذا أصابَتْهُ عافِيَةٌ نَسِيَ الضُّرَّ.

والتَّخْوِيلُ العَطِيَّةُ العَظِيمَةُ مِن هِبَةٍ أوْ مِنحَةٍ، قالَ أبُو النَّجْمِ: ؎ أعْطى فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ يَبْخَلْ كَوْمُ الذَّرى مِن خَوْلِ المُخَوَّلِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ دعا ربه منيباً إليه ﴾ قال: أي مخلصاً إليه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ ﴾ الآية: يراد بالإنسان هنا الكافر بدليل قوله: ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً ﴾ ، والقصد بهذه الآية عتاب وإقامة حجة، فالعتاب على الكفر وترك دعاء الله، وإقامة الحجة على الإنسان بدعائه إلى الله، في الشدائد، فإن قيل: لم قال هنا ﴿ وَإِذَا مَسَّ ﴾ بالواو وقال بعدها ﴿ فَإِذَا مَسَّ ﴾ [الزمر: 49] بالفاء؟

فالجواب: أن الذي بالفاء مسبب عن قوله: ﴿ اشمأزت قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الزمر: 45] فجاء بفاء السببية قاله الزمخشري وهو بعيد ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ ﴾ خوله أعطاه والنعمة هنا يحتمل أن يريد بها كشف الضر المذكور، أو أي نعمة كانت ﴿ نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ يحتمل أن تكون ما مصدرية أي نسي دعاءه، أو تكون بمعنى الذي والمراد بها الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: إن الكتاب الذي يتلوه رسولنا محمد  ويدعوكم إليه هو تنزيل من عند الله؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ...

﴾ الآية [الشعراء: 193-194].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ على أثر قوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ يخرج - والله أعلم - أنه يدعوكم محمد  إلى اتباع الكتاب والطاعة، ليس لذل به يطلب بكم العز أو الضعف في التدبير فيطلب بكم الاستعانة فيه؛ لأنه عزيز بذاته حكيم لا يلحقه الخطأ أو الضعف في التدبير، ولكن إنما أمركم بما أمر ونهاكم عما نهى لتكتسبوا لأنفسكم ولتنتفعوا به، فأمّا الله -  - عزيز بذاته غني حكيم بنفسه.

وقال بعضهم: العزيز هو الذي لا يعجزه شيء، والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.

وقال بعضهم: هو العزيز؛ لأن كل عزيز دونه إنما يصير ذليلا عنده [و]عز من دونه عند عزه ذلا، والحكيم هو المصيب في فعله وتدبيره، وقيل: هو الذي وضع كل شيء موضعه.

وقال بعض أهل التأويل: العزيز هو المنيع، وتأويل المنيع: الممتنع عن جميع مكائد الخلق وجميع حيلهم بالضرر له، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالحق الذي لله عليكم، وبالحق الذي لبعضكم على بعض، أو كما [قال] أهل التأويل ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: للحق، أي: أنزلناه للحق، لم ننزله عبثاً باطلا لغير شيء، ولكن أنزلناه للحق لحقوق ولأحكام ومحن وأمور، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ ﴾ .

جائز أن يكون ما ذكر من إنزاله الكتاب بالحق ذلك هو ما أمره من العبادة له، أمره بوفاء ذلك الحق له.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ ﴾ وجهين: أحدهما: أصل في الاعتقاد، أي: اعتقد جعل كل عبادة وطاعة لله خالصاً لا تعتقد لأحد شركاً.

والثاني: في المعاملة: أن كل [عمل] عبادة وطاعة اجعله لله خالصاً لا تجعل لغيره فيه شركاء.

والله أعلم.

وأما أهل التأويل قالوا: ﴿ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ ﴾ : وحد الله ﴿ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ ﴾ ، وتأويل هذا أن اجعل الوحدانية والألوهية لله في كل شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ﴾ .

أي: ولله شهادة الوحدانية والألوهية في كل شيء.

ويحتمل أيضاً قوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ﴾ ، أي: دين الله هو الدين الخالص؛ لأنه دين قام بالحجج والبراهين، وأما غيره من الأديان فهو دين بهوى النفس وأمانيها لا بالحجج والآيات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .

كأن فيه إضماراً يقول: والذين اتخذوا من دونه أولياء وعبدوها قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقالوا في موضع آخر: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ عرفوا أن ما كانوا يعبدون من الأوثان وغيرها ليسوا بآلهة في الحقيقة ولا لهم الألوهية حقيقة، وأن حقيقة الألوهية لله، لكنهم سموها: آلهة؛ لأنهم كانوا يعبدونها، وكل معبود عند العرب إله؛ لأن الإله هو المعبود، وقدروا تسمية كل معبود: إلها؛ لذلك سموها: آلهة وإن عرفوا أن ليست لهذه الأشياء ألوهية حقيقة، وأن ذلك لله عز وجل.

ثم إن الذي حملهم على عبادة ما عبدوا من دون الله وجهان: أحدهما: لما لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة الإله العظيم أو تقدر على القيام بخدمته، فعبدوا هذه الأشياء رجاء أن تقربهم عبادة هؤلاء إلى الله زلفى، وأن هؤلاء شفعاؤهم عنده، وذلك لما رأوا في ملوك الدنيا أن كل أحد [لا] يجد السبيل إلى خدمة ملوكها، أو [لا] يقدر على القيام بين يديه والخدمة له، فيخدم من اتصل بالملك ومن عظم قدره ومنزلته عند الملك؛ ليقربه ذلك المخدوم له إلى الملك إذا بدت له الحاجة أو الشفاعة، وعلى ذلك ما ذكر في قصة فرعون أنه كان اتخذ لقومه أصناماً يعبدونها من دونه، لما لم يروا كل أحد منهم يصلح لخدمته، وهو ما أغرى قومه على موسى حيث قالوا: ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  ﴾ ونحو هذا أوجه.

والثاني: عبدوهم؛ لما رأوا آباءهم قد عبدوها، وتركوا على ذلك حتى ماتوا، فاستدلوا بتركهم على ذلك على أن الله قد كان رضي بعبادتهم الأصنام وأمرهم بذلك لقولهم إذا فعلوا فاحشة: ﴿ قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ؛ ولذلك قالوا: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا  ﴾ وقولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ  ﴾ استدلوا بتركه آباءهم على ما عبدوا من الأصنام على ذلك ولم يعاقبهم في الدنيا، وكانوا لا يؤمنون بالآخرة حتى يزجرهم إليها على أن الله قد رضي بذلك، وأنهم عن أمر منه فعلوا ذلك، فرد الله ذلك عليهم فقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ في محمد  ؛ لأنهم اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه ساحر، ومنهم من قال: إنه شاعر، وإنه مجنون، وإنه مفتر ونحوه، فيخبر أنه يحكم بينهم، ليبين لهم أن ما ذكروا [ابتغوا فيه] أهواءهم.

أو يحكم بينهم أن الأصنام التي عبدوها لا تشفع لهم، وأن عبادتهم لا تقربهم إلى الله زلفى، وقد بين لهم في الدنيا أن محمدا  ليس بشاعر ولا ساحر ولا كذاب على ما قالوا؛ لما أنبأهم وأخبرهم بأخبار عرفوا أن الساحر والشاعر لا يعرف مثلها، نحو ما أخبرهم بنصر الله إياه والظفر له عليهم - أعني: على الأعداء - فكان على ما أنبأهم بأنباء وأخبار عرفوا أنه صادق في ذلك ما لا يستفاد مثلها بالسحر وبالكهانة إلا بالوحي من الله - عز وجل -: لكنهم عاندوا وكابروا؛ وكذلك بين لهم أيضاً ما عرفوا أن الأصنام التي عبدوها في الدنيا لا تملك لهم الشفاعة يوم القيامة، حيث ابتلاهم بأهوال وأفزاع بركوب البحار والتضييق عليهم حتى فزعوا إلى الله في كشف ذلك عنهم ودفعه عنهم، لم يفزعوا إلى الأصنام التي عبدوها، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ ، ونحو ذلك ما ابتلاهم بالشدائد والبلايا عرفوا أن معبودهم الذي عبدوه لا يملك دفع ذلك عنهم ولا كشفه، وإنما المالك لذلك هو الله المعبود الحق.

ثم تناقض قولهم؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالة النبيين بقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ فيرون للخشب والأشجار الألوهية والعبادة، فذلك تناقض ظاهر.

قال بعضهم في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ أي: مقربة فيشفعون لنا إلى الله  .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ ﴾ .

قال أبو بكر: لا يهدي أحدا بالضلال والكفر، ولكن إنما يهدي بضد الضلال والكفر، أو كلام نحوه.

وقال الجبائي: لا يهدي طريق الجنة في الآخرة، أي: لا يهدي من كان في الدنيا كاذباً كفاراً في الآخرة طريق الجنة.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ ﴾ من صِلَة قوله - عز وجل -: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ كفار لنعمه بصرفهم العبادة إلى غير المنعم.

وقال جعفر بن حرب: إن الله لا يهدي إلى الزيادات التي يهدي ويعطي من اختار الهدى؛ لأنه يقول: إن من اختار الهدى واهتدى كان عند الله لطفاً ورحمة يعطي ذلك زيادات وفضل زيادة على ما كان اختاره؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ  ﴾ .

هذه التأويلات كلها للمعتزلة، وأما عندنا فإن قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ﴾ من هو في علمه أنه يختار الكفر وقت اختياره الكفر والضلال، أي: لا يوفقه للهدى ولا يعينه وقت اختياره الكفر، ولكنه يخذله؛ وكذلك يقول في قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ و ﴿ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ونحوه أي: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر والظلم، والله الموفق.

والثاني: ﴿ لاَ يَهْدِي ﴾ ، أي: لا يخلق فعل من هو فعل كفر فعل هدى، ولكن يخلقه فعل كفر وكذلك [لا يخلق] فعل من هو فعل هدى فعل كفر، ولكن يخلق كل فعل على ما يفعله الفاعل ويختاره: يخلق فعل الكافر كفراً وفعل المهتدي فعل هدى، يخلق كل فعل على ما يختاره الفاعل ويفعله: إن كان هدى يخلقه هدى، وإن كان كفرا يخلقه كفرا.

وقال بعض أهل التأويل: إن الله لا يهدي من كان في علمه أن يختم بالكفر ويخرج به من الدنيا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من هو كاذب كفار على رسول الله  .

والثاني: كفار أنعم الله، وكاذب في القول، كفار في الفعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

ظاهر هذا أن إيجاد الولد له من المحتمل والممكن ليس من الممتنع، وكذلك ظاهر قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً  ﴾ ، ظاهر هذا الذي ذكر هو من المحتمل والممكن وكان [من] الممتنع أيضاً؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ دلت هذه الآيات على أن إيجاد الولد من الممتنع والعظيم في العقول والقلوب جميعاً.

ثم قوله: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

أي: لو جاز أو احتمل إيجاد الولد على ما تقولون أنتم وتتوهمون، لاصطفى واختار مما يشاء، هو [ما] شاء، ليس على ما تختارون أنتم له وتشاءون: أن الملائكة بنات الله على ما تزعمون؛ لأن العرف في الخلق أن من اتخذ لنفسه شيئاً إنما يتخذ من أعز الأشياء وأرفعها وأعظمها قدراً عندهم، لا من أخس الأشياء وأذلها؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ أي: إلى آلهتهم التي اتخذ أولئك آلهة في الحقيقة، ولكن سماها بالذي عندهم، وكذلك قول موسى -  -: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ ، أي: انظر إلى الذي اتخذته إلها سماه على ما هو عنده؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ ﴾ على ما في ظنونكم وتوهمكم أنه اتخذ الولد لاختار مما ذكر لا مما تقولون أنتم، لو احتمل ذلك على ما في ظنكم وحسبانكم لكان مما ذكر.

والثاني: مبنى الاتخاذ راجع إلى البنين إذ كانت الكفرة ينسبون الملائكة إلى أنهم بناته؛ لما عرفوا من كرامتهم على الله - عز وجل - وقربتهم عنده، وينسبونه إلى أنهم بناته، وإلى أن عيسى ابنه [و] إنما يتخذ الأولاد ويتبنى ليستنصروا بهم، فبرأ الله - عز وجل - نفسه على احتمال الشكل وخوف الغلبة، فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

[و]في قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ دفع ما قالوا فيه وإحالة ذلك؛ لما أخبر أنه واحد في الذات، ولو كان كما ذكر هؤلاء من الولد، لم يكن واحداً في الذات؛ إذ كل محتمل الولد منه هو من شكل الولد، فإذا عرفهم أنه واحد في الذات لم يحتمل الولد وما ذكروا.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْقَهَّارُ ﴾ دلالة إحالة ذلك؛ لأنه أخبر أنه قهار، والولد في الشاهد إنما يتخذ لأحد وجوه: إما لوحشة أصابته فيستأنس [به].

وإما لحاجة تمسه فيدفع بالولد ذلك.

وإما لغلبة شهوة فيقضيها فيتولد من ذلك الولد.

وإما لوراثة ملكه بعد موته، وهو دائم باق لا يزول ملكه أبداً.

وما للاستعانة والنصرة على أعدائه.

لأحد هذه الوجوه [التي] ذكرنا يحتاج المرء إلى اتخاذ الولد، [والله] قادر بذاته قاهر غني لا يحتمل ما ذكروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالحق الذي لله عليهم، ولما لبعض على بعض من الحق.

أو أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: للحق، وهو البعث ما لو لم يكن البعث، لكان خلقهما عبثاً باطلا على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ ، أي: بالحكمة، وهو أن جعل في خلقة كل شيء أثر وحدانيته وألوهيته ما يعرف كل أنه فعله وإن لم يشاهد خلقه، وهو على ما يكون ذلك في فعل أحد من الخلائق أثر معرفة فاعله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ ﴾ ، كما ذكر في آية أخرى: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ  ﴾ يذكر دلالة وحدانيته؛ حيث جعل منافع الليل متصلة بمنافع النهار، ومنافع النهار متصلة بمنافع الليل، على اختلافهما وتناقضهما وتضادهما؛ ليعلم أنهما فعل واحد، وكذلك ما جعل من منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما، ليعلم أن منشئهما واحد، إذ لو كان عدداً لامتنع ذلك؛ إذ العدد المعروف من عادة الملوك انفراد كل بملكه وسلطانه، والاستيلاء على ما استوى وقبض بَزَّ الآخر و[منع] نفاذ أمره في سلطانه، فإذا لم يمتنع ذلك دل أنه فعل واحد، وكذلك ما ذكر من تسخير الشمس والقمر لهم ولمنافعهم وجريهما في يوم واحد مسيرة ألف عام، أو ما ذكر من غير أن يعرف أحد سيرهما أنهما يسيران وقت سيرهما إلا بعد قطعهما ذلك، دل أن لهما منشئا وأنه واحد، ودل اتساقهما وجريانهما على سير واحد منذ كانا إلى آخر ما يكونان ويدوران على أن منشئهما واحد عالم مدبر عرف حاجة [الخلق] إليهما أبد الآبدين ومنافعهما بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى ﴾ .

أي: كل مما ذكر يجري إلى الوقت الذي جعل له لا يتقدم ولا يتأخر ولا ينقطع ما كان بالخلق حاجة [إليه]، والله اعلم.

أو إلى منازل معلومة لا يجاوزانها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .

هو العزيز بذاته لا يتعزز بما ذكروا له من الأولاد ولا بطاعة من أطاعه، الغفار لمن كان له أهلا للمغفرة ما لا يخرج مغفرته إياه عن الحكمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: يدخل أحدهما على الآخر؛ كقوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ...

﴾ الآية [الحديد: 6].

وقال بعضهم: ﴿ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ ﴾ أي: يُغشي أحدهما بالآخر؛ كقوله: ﴿ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ يُكَوِّرُ ﴾ ، أي: يلف هذا بهذا، وهو [من] يكور العمامة، ومنه قوله: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ﴾ ، أي: جمعت ولفت، وأصل التكوير: اللف والجمع؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ .

ظاهر هذا أنه خلقنا من تلك النفس قبل خلق زوجه منها؛ لأن حرف (ثم) إنما هو حرف إتباع وإرداف وحرف ترتيب لا حرف جمع، فإذا كان كذلك فظاهره يوجب ما ذكرنا، لكن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك وتفسيره.

ذكر عن ابن عباس -  - في بعض الروايات أنه تأول في ذلك، وقال: - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أو كلام نحو هذا.

وعندنا أن قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ يخرج على ظاهر ما ذكر؛ لأن الخلق: هو التقدير في اللغة كأنه قال - عز وجل :- ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي: قدركم جميعاً على كثرتكم من أول ما أنشأكم إلى آخر ما ينشئكم من تلك النفس الواحدة منها قدرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ .

ثم أخرجنا منها - من تلك النفس - زوجها، وإلا كان تقديره إيانا منها كان قبل [جعل] زوجها منها وهو الظاهر على ظاهر ما خرج الكلام، والله أعلم.

ثم كان منه خلق ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ .

ظاهر الإنزال هو أن ينزل من علو مرتفع إلى تسفل ومنحدر، لكن اللغة لا تمتنع عن استعمال لفظ الإنزال لا على حقيقة الإنزال من علو إلى سفل، يقال: نزل فلان بأرض أو بمكان كذا وإن لم يكن هناك منه نزول من علو إلى منحدر وسفل، فعلى ذلك هذا، وأصله أن كل حرف من حروف الإنزال وغيره مما أضيف إلى الله - عز وجل - مما يستقيم صرفه إلى خلقه أن المراد منه خلقه؛ نحو قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ  ﴾ ، ﴿ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ  ﴾ وغير ذلك مما يكثر ذكره فهو خلقه إياه؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، أي: خلق لكم من الأنعام ما ذكر على ما ذكر: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ  ﴾ ، أي: خلق لكم ما ذكر، فعلى ذلك حرف الإنزال، والله أعلم.

ثم ظاهر قوله: ﴿ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ يجيء أن يكون على أحد وجوه ثلاثة: إما ألا يسمي الأنعام ولا يكون إلا الثمانية الأزواج التي ذكر أنه خلقها لنا، فإن كان على هذا فيكون حرف ﴿ مِّنَ ﴾ هاهنا صلة، كأنه قال - عز وجل -: "وأنزل لكم أنعاماً وهي ثمانية أزواج".

أو أن يسمي كل ما خلق من الدواب: أنعاماً، إلا أنه لم يحل لنا منها إلا الثمانية الأزواج التي ذكر، فإن كان هذا فيكون حرف ﴿ مِّنَ ﴾ حرف تبعيض وتجزئة.

أو أن يسمي كل الدواب: أنعاماً إلا أنه لم يحل لنا كل شيء منها من جميع أنواع الانتفاع بها من الأزواج التي ذكر، فإنه قد أحل لنا كل شيء من هذه الأصناف الثمانية من لحومها وألبانها وأصوافها وكل شيء منها، وأما ما سوى ذلك من الأنعام، فإنه لم يحل لنا كل شيء منها من اللحوم وغيرها، ولكن أحل لنا الانتفاع بظهورها من نحو الحمير والبغال وغير ذلك مما يشتهى، والله أعلم.

ثم الثمانية الأزواج التي ذكر أنها خلقها لنا في هذه الآية هي التي ذكرها في سورة الأنعام وهو قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، فيشبه أن يكون ما ذكر من ثمانية الأزواج أنه أنزل لنا في سورة الزمر التي هي أحل لنا كل شيء منها، وأما ما سوى ذلك فإنه إنما أحل لنا الانتفاع بها لم يحل لنا أكلها؛ لأنه ذكر في سورة الأنعام الأكل، ثم ذكر على أثر هذه الثمانية الأزواج الإبل والبقر والضأن والمعز، حيث قال - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، ثم قال - عز وجل -: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، وهذا يدل على أن قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ  ﴾ إنما هو مما ذكر، أي: لا أجد محرماً من هذه الأصناف الثمانية إلا ما ذكر من الدم والميتة ولحم الخنزير.

ثم يخرج استثناء لحم الخنزير مخرج استثناء غير جنس المذكور على إضمار كون ذلك الغير فيه، وذلك غير جائز في الكلام؛ كقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  ﴾ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والاصطياد ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول كأنه أضمر فيه استثناء لحم الخنزير منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ .

قال أهل التأويل: تحويله من حال إلى حال من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة حتى يتم خلقاً مستوياً.

﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ﴾ .

قيل: الرحم والبطن والمشيمة، وقيل: الظهر، يخبر عن قدرته وعلمه [و] تدبيره: أنه حيث قدر على خلق الإنسان وكل خلق في تلك الظلمات الثلاث والتسوية بين كل شيء منه من اليدين والرجلين والعينين والأذنين والسمعين والبصرين وقسمة الأعضاء على السواء حتى لا يزداد إحدى اليدين على الأخرى، وكذلك إحدى الرجلين وإحدى العينين وإحدى الشفتين، وكذلك كل شيء منه في تلك النطفة من العينين واليدين والرجلين والبصر وكل الجوارح ما لو اجتمع الحكماء جميعاً حكماء البشر لم يعرفوا كون شيء من الجوارح والنفس وتقديرها من تلك النطفة وتصويرها منها؛ ليعلم أنه قادر على خلق الأشياء من شيء ومن لا شيء وبسبب وبغير سبب وما جعل من الأسباب لبعض الأشياء لم يجعلها استعانة منه بها على إنشاء ذلك، وأن من قدر على تقدير ما ذكر وتصويره في الظلمات التي ذكر على السبيل التي ذكر، فإنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، يحتج عليهم لإنكارهم البعث وإنكارهم بعث الرسل والحجج، يخبر أن من فعل ما ذكر من تغييرهم من حال إلى حال وتحويلهم من صورة إلى صورة أخرى أنه لا يفعل ذلك ليتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يمتحنهم، ثم إذا امتحنهم لا يحتمل ألا يبعثهم؛ ليجزي المسيء منهم والعاصي جزاء الإساءة والعصيان والمحسن منهم والمطيع جزاء الإحسان والطاعة؛ لأنه قد سوى بينهم في هذه الدار وفي الحكمة، والعقل [يقتضي] التفريق بينهما فلابد من دار أخرى يفرق بينهما [فيها]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ .

يحتمل ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ أي: ذلكم الله الذي ذكر من تقديركم وتصويركم في ظلمات تلك النطفة هو ربكم الذي فعل ذلك.

أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ أي: جميع ما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ ﴾ ، وما ذكر من تسخير الشمس والقمر وجريانهما على سنن واحد وعلى قدر واحد، وما ذكر من خلقنا جميعا من تلك النفس الواحدة إلى آخر ما ذكر، يقول: ذلكم الله الذي فعل [ذلك] كله هو ربكم ﴿ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴾ أي: فأنى تصرفون عبادتكم إلى غيره، أو فأنى تصرفون ألوهيته وربوبيته إلى غيره وتجعلون له شركاء وأعدالا، وقد تعلمون أن الذي فعل ذلك كله هو الله الواحد الذي لا شريك له ولا مثل.

أو يذكر أن ما ذكر من النعم التي أعطاكم وأسدى إليكم هو ربكم الذي خلقكم؛ فكيف تصرفون شكرها إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ .

روي عن ابن عباس -  - أنه قال: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ﴾ أي: تكفرون دين الله الإسلام ولم تسلموا فإنه لا يقبل منكم، ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ ﴾ أي: وإن تسلموا ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ أي: يقبل منكم؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ  ﴾ .

وقال غيره: أي: إن تكفروا دينه فإن الله غني عن عبادتكم، ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ ﴾ ، أي: توحدوه ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ من الأول.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ ﴾ النعم التي عدها عليكم فيما تقدم ذكرها من قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من النعم يقول: إن تكفروا هذه النعم التي عدها عليكم فإنه غني عنكم، وإن تشكروا ما عد عليكم من النعم يقبل ذلك منكم، والله أعلم.

وأصله أن الله - عز وجل - بين سبيل الهدى ورغبهم إليه، وبين سبيل الضلال وحذرهم عنه، ثم بين أن من سلك سبيل الهدى فله كذا ومن سلك سبيل الضلال فله كذا، [و] أفضى إلى كذا.

أو أن يقول: إن من سلك سبيل الهدى يرضى لنفسه عاقبة السبيل الذي سلك فيه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ  لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ  ﴾ ، ومن سلك سبيل الضلال والكفر يمقت ذلك السبيل في العاقبة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ  ﴾ أخبر أنهم يمقتون أنفسهم إذا نودوا وعرفوا أنهم أخطأوا الطريق، وبالله العصمة.

وذكر في حرف عبد الله بن مسعود: ﴿ والله يكره لعباده الكفر ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ ، وكذلك ذكر هذا في حرف أبي وحفصة خاصة.

وأصل قوله: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ﴾ إخبار أنه لم يأمركم بما أمركم به ولا نهاكم عما نهاكم عنه لحاجة نفسه أو لمنفعة له في ذلك، ولكن إنما امتحنكم بما امتحنكم لحاجة أنفسكم ولمنفعتكم ولدفع الضرر عنكم؛ وكذلك ما أنشأ من الأشياء لم ينشئها لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، ولكن إنما أنشأها لكم ولمنافعكم.

وكذلك نقول: لم ينشئها لأنفسها حتى إذا أتلف شيئاً منها عوضها بدلها على ما تقول المعتزلة أن ليس لله أن يتلفها إلا أن يعوضها عوضاً بإزاء ذلك، ولكن إنما أنشأها لكم لليسر ولهم يعزر من أتلف شيئاً منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - جواباً لقولهم حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ...

﴾ الآية [العنكبوت: 12]، أخبر أن لا أحد يحمل وزر آخر، ولكن يحمل وزر نفسه.

والثاني: يخبر أن أمر الآخرة على خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يحمل بعض آثام بعض وأوزار بعض، فأما في الآخرة فإنه لا يحمل أحد وزر آخر ولا آثامه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ ﴾ الآية.

خص البعث بالرجوع إليه مرة وبالمصير ثانياً والبروز له، ونحو ذلك، وإن كانوا في جميع الأحوال راجعين إليه صائرين؛ لأن المقصود من إنشائهم في هذه الدنيا ذلك البعث، فخص لذلك رجوعاً إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

قال أهل التأويل: إنه عليم بما في الصدور، وعندنا عليم بكل ما يصدر من الخير والشر، وذكر ﴿ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ ؛ لأن أصحاب الصدور هم يصدرون ويظنون في صدورهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا أصاب الكافرَ ضُرٌّ من مرض وفَقْد مال وخوف غرق دعا ربه سبحانه أن يكشف عنه ما به من ضُرٍّ راجعًا إليه وحده، ثم إذا أعطاه نعمة بأن كشف عنه الضر الذي أصابه ترك من كان يتضرع إليه من قبل وهو الله، وجعل لله شركاء يعبدهم من دونه ليحرف غيره عن طريق الله الموصل إليه، قل -أيها الرسول- لمن هذه حالة: استمتع بكفرك بقية عمرك، وهو زمن قليل، فإنك من أصحاب النار الملازمين لها يوم القيامة ملازمة الصاحب صاحبه.

<div class="verse-tafsir" id="91.ywXyr"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر