الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٢١ من سورة غافر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 57 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢١ من سورة غافر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : أولم يسر هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد ( في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ) أي : من الأمم المكذبة بالأنبياء ، ما حل بهم من العذاب والنكال مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة ( وآثارا في الأرض ) أي : أثروا في الأرض من البنايات والمعالم والديارات ، ما لا يقدر عليه هؤلاء ، كما قال : ( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) [ الأحقاف : 26 ] ، وقال ( وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ) [ الروم : 9 ] أي : ومع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد ، أخذهم الله بذنوبهم ، وهي كفرهم برسلهم ، ( وما كان لهم من الله من واق ) أي : وما دفع عنهم عذاب الله أحد ، ولا رده عنهم راد ، ولا وقاهم واق .
القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) يقول تعالى ذكره: أو لم يسر هؤلاء المقيمون على شركهم بالله, المكذبون رسوله من قريش, في البلاد,( فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ) يقول: فيروا ما الذي كان خاتمة أمم الذين كانوا من قبلهم من الأمم الذين سلكوا سبيلهم, في الكفر بالله, وتكذيب رسله ( كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) يقول: كانت تلك الأمم الذين كانوا من قبلهم أشد منهم بطشا, وأبقى في الأرض آثارا, فلم تنفعهم شدة قواهم, وعظم أجسامهم, إذ جاءهم أمر الله, وأخذهم بما أجرموا من معاصيه, واكتسبوا من الآثام, ولكنه أباد جمعهم, وصارت مساكنهم خاوية منهم بما ظلموا( وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ) يقول: وما كان لهم من عذاب الله إذ جاءهم, من واق يقيهم, فيدفعه عنهم.
كالذي حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ) يقيهم, ولا ينفعهم.
قوله تعالى : أولم يسيروا في الأرض فينظروا في موضع جزم عطف على " يسيروا " ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب ، والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد .
" كيف كان عاقبة " اسم كان والخبر في " كيف " .
و " واق " في موضع خفض معطوف على اللفظ .
ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد ; لأن الياء تحذف وتبقى الكسرة دالة عليها ، وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع فأغنى عن الإعادة .
يقول تعالى: { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ } أي: بقلوبهم وأبدانهم سير نظر واعتبار، وتفكر في الآثار، { فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ } من المكذبين، فسيجدونها شر العواقب، عاقبة الهلاك والدمار والخزي والفضيحة، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء في الْعَدَد والْعُدَد وكبر الأجسام.
{ و } أشد { آثارا في الأرض } من البناء والغرس، وقوة الآثار تدل على قوة المؤثر فيها وعلى تمنعه بها.
{ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ } بعقوبته بذنوبهم حين أصروا واستمروا عليها.
( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة ) قرأ ابن عامر : " منكم " بالكاف ، وكذلك هو في مصاحفهم ، ( وآثارا في الأرض ) فلم ينفعهم ذلك ( فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ) يدفع عنهم العذاب .
«أوَ لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم» وفي قراءة: منكم «قوة وآثارا في الأرض» من مصانع وقصور «فأخذهم الله» أهلكهم «بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق» عذابه.
أولم يَسِرْ هؤلاء المكذبون برسالتك -أيها الرسول- في الأرض، فينظروا كيف كان خاتمة الأمم السابقة قبلهم؟
كانوا أشد منهم بطشًا، وأبقى في الأرض آثارًا، فلم تنفعهم شدة قواهم وعِظَم أجسامهم، فأخذهم الله بعقوبته؛ بسبب كفرهم واكتسابهم الآثام، وما كان لهم من عذاب الله من واق يقيهم منه، فيدفعه عنهم.
ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال : ( أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأرض فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ الله مِن وَاقٍ ) .أى : أبلغت الجهالة والغفالة وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا .إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل ، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم ، يشاهدون آثار قوم صالح ، ويشاهدون آثار غيرهم .ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون ، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس ، وأشد منهم فى إقامة المبانى الفارهة ، والحصون الحصينة .
.فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم ، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر ، بسبب ذنوبهم .
وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه ، أو يقيهم من بأسه .
اعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه وإكرامه كونه مظهراً للآيات منزلاً للأرزاق، ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله: ﴿ رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش يُلْقِى الروح ﴾ قال صاحب الكشاف ثلاثة أخبار لقوله: ﴿ هُوَ ﴾ مرتبة على قوله: ﴿ الذى يُرِيكُمُ ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف، وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً، قرئ ﴿ رَفِيعُ الدرجات ﴾ بالنصب على المدح، وأقول لابد من تفسير هذه الصفات الثلاثة: الصفة الأولى: قوله: ﴿ رَفِيعُ الدرجات ﴾ واعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع، أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه الوجه الأول:: أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة والثاني: رافع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة، فهو سبحانه عين لكل أحد من الملائكة درجة معينة، كما قال: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ وعين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال: ﴿ يَرْفَعِ الله الذين ءامَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم درجات ﴾ وعين لكل جسم درجة معينة، فجعل بعضها سفلية عنصرية، وبعضها فلكية كوكبية، وبعضها من جواهر العرش والكرسي، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني، وأيضاً جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق والرزق والأجل، فقال: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف الأرض وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات ﴾ وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ما ذكرناه، وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال، أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه، وأما في دوام الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلي والأبدي والسرمدي، الذي هو أول لكل ما سواه، وليس له أول وآخر لكل ما سواه، وليس له آخر، أما في العلم: فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات، كما قال: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ وأما في القدرة: فهو أعلى القادرين وأرفعهم، لأنه في وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فإنه محتاج في وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه، وأما في الوحدانية: فهو الواحد الذي يمتنع أن يحصل له ضد وند وشريك ونظير، وأقول: الحق سبحانه له صفتان أحدهما: استغناؤه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه الثاني: افتقار كل ما سواه إليه في وجوده وفي صفات وجوده، فالرفيع إن فسرناه بالمرتفع، كان معناه أنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام، وإن فسرناه بالرافع، كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه، فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ ذُو العرش ﴾ ومعناه أنه مالك العرش ومدبره وخالقه، واحتج بعض الأغمار من المشابهة بقوله: ﴿ رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش ﴾ وحملوه على أن المراد بالدرجات، السموات، وبقوله: ﴿ ذُو العرش ﴾ أنه موجود في العرش فوق سبع سموات، وقد أعظموا الفرية على الله تعالى، فإنا بينا بالدلائل القاهرة العقلية أن كونه تعالى جسماً وفي جهة محال، وأيضاً فظاهر اللفظ لا يدل على ما قالوه، لأن قوله: ﴿ ذُو العرش ﴾ لا يفيد إلا إضافته إلى العرش ويكفي في إضافته إليه بكونه مالكاً له ومخرجاً له من العدم إلى الوجود، فأي ضرورة تدعونا إلى الذهاب إلى القول الباطل والمذهب الفاسد، والفائدة في تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام، والمقصود بيان كمال إلهيته ونفاذ قدرته، فكل ما كان محل التصرف والتدبير أعظم، كانت دلالته على كمال القدرة أقوى.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ يُلْقِي الروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: اختلفوا في المراد بهذا الروح، والصحيح أن المراد هو الوحي، وقد أطنبنا في بيان أنه لم سمي الوحي بالروح في أول سورة النحل في تفسير قوله: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ ﴾ وقال أيضاً: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه ﴾ وحاصل الكلام فيه: أن حياة الأرواح بالمعارف الإلهية والجلايا القدسية، فإذا كان الوحي سبباً لحصول هذه الأرواح سمي بالروح، فإن الروح سبب لحصول الحياة، والوحي سبب لحصول هذه الحياة الروحانية.
واعلم أن هذه الآية مشتملة على أسرار عجيبة من علوم المكاشفات، وذلك لأن كمال كبرياء الله تعالى لا تصل إليه العقول والأفهام، فالطريق الكامل في تعريفه بقدر الطاقة البشرية أن يذكر ذلك الكلام على الوجه الكلي العقلي، ثم يذكر عقيبه شيء من المحسوسات المؤكدة لذلك المعنى العقلي ليصير الحصر بهذا الطريق معاضداً للعقل، فهاهنا أيضاً كذلك، فقوله: ﴿ رَفِيعُ الدرجات ﴾ إما أن يكون بمعنى كونه رافعاً للدرجات، وهو إشارة إلى تأثير قدرة الله تعالى في إيجاد الممكنات على احتلاف درجاتها وتباين منازلها وصفاتها، أو إلى كونه تعالى مرتفعاً في صفات الجلال ونعوت العزة عن كل الموجودات، فهذا الكلام عقلي برهاني، ثم إنه سبحانه بين هذا الكلام الكلي بمزيد تقرير، وذلك لأن ما سوى الله تعالى إما جسمانيات وإما روحانيات، فبين في هذه الآية أن كلا القسمين مسخر تحت تسخير الحق سبحانه وتعالى، أما الجسمانيات فأعظمها العرش، فقوله: ﴿ ذُو العرش ﴾ يدل على استيلائه على كلية عالم الأجسام، ولما كان العرش من جنس المحسوسات كان هذا المحسوس مؤكداً لذلك المعقول، أعني قوله: ﴿ رَفِيعُ الدرجات ﴾ وأما الروحانيات فكلها مسخرة للحق سبحانه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ يُلْقِي الروح مِنْ أَمْرِهِ ﴾ .
واعلم أن أشرف الأحوال الظاهرة في روحانيات هذا العالم ظهور آثار الوحي، والوحي إنما يتم بأركان أربعة فأولها: المرسل وهو الله سبحانه وتعالى، فلهذا أضاف إلقاء الوحي إلى نفسه فقال: ﴿ يُلْقِى الروح ﴾ والركن الثاني: الإرسال والوحي وهو الذي سماه بالروح والركن الثالث: أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يمكن أن يكون إلا بواسطة الملائكة، وهو المشار إليه في هذه الآية بقوله: ﴿ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ فالركن الروحاني يسمى أمراً، قال تعالى: ﴿ وأوحى فِي كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا ﴾ وقال: ﴿ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر ﴾ والركن الرابع: الأنبياء الذين يلقي الله الوحي إليهم وهو المشار إليه بقوله: ﴿ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ والركن الخامس: تعيين الغرض والمقصود الأصلي من إلقاء هذا الوحي إليهم، وذلك هو أن الأنبياء عليهم السلام يصرفون الخلق من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، ويحملونهم على الإعراض عن هذه الجسمانيات والإقبال على الروحانيات، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق يَوْمَ هُم بارزون ﴾ فهذا ترتيب عجيب يدل على هذه الإشارات العالية من علوم المكاشفات الإلهية.
وبقي هاهنا أن نبين أنه ما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق؟
وكم الصفات التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ليوم التلاق؟
أما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ففيه وجوه: الأول: أن الأرواح كانت متباينة عن الأجساد فإذا جاء يوم القيامة صارت الأرواح ملاقية للأجساد فكان ذلك اليوم يوم التلاق الثاني: أن الخلائق يتلاقون فيه فيقف بعضهم على حال البعض الثالث: أن أهل السماء ينزلون على أهل الأرض فيلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء بالغمام وَنُزّلَ الملائكة تَنزِيلاً ﴾ الرابع: أن كل أحد يصل إلى جزاء عمله في ذلك اليوم فكان ذلك من باب التلاق وهو مأخوذ من قولهم فلان لقي عمله الخامس: يمكن أن يكون ذلك مأخوذاً من قوله: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ ﴾ ومن قوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام ﴾ السادس: يوم يلتقي فيه العابدون والمعبودون السابع: يوم يلتقي فيه آدم عليه السلام وآخر ولده الثامن: قال ميمون بن مهران يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم فربما ظلم الرجل رجلاً وانفصل عنه ولو أراد أن يجده لم يقدر عليه ولم يعرفه ففي يوم القيامة يحضران ويلقى بعضهم بعضاً، قرأ ابن كثير عنه التلاقي والتنادي بإثبات الياء في الوصل والوقف، وهادي وواقي بالياء في الوقف وبالتنوين في الوصل.
وأما بين أن الله تعالى كم عدد من الصفات ووصف بها يوم القيامة في هذه الآية، فنقول: الصفة الأولى: كونه يوم التلاق وقد ذكرنا تفسيره.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ يَوْمَ هُم بارزون ﴾ وفي تفسير هذا البروز وجوه: الأول: أنهم برزوا عن بواطن القبور الثاني: بارزون أي ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، وليس عليهم أيضاً ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما جاء في الحديث: يحشرون عراة حفاة غرلا الثالث: أن يجعل كونهم بارزين كناية عن ظهور أعمالهم وانكشاف أسرارهم كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تبلى السرائر ﴾ الرابع: أن هذه النفوس الناطقة البشرية كأنها في الدنيا انغمست في ظلمات أعمال الأبدان فإذا جاء يوم القيامة أعرضت عن الاشتغال بتدبير الجسمانيات وتوجهت بالكلية إلى عالم القيامة ومجمع الروحانيات، فكأنها برزت بعد أن كانت كامنة في الجسمانيات مستترة بها.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيء ﴾ والمراد يوم لا يخفى على الله منهم شيء، والمقصود منه الوعيد فإنه تعالى بيّن أنهم إذا برزوا من قبورهم واجتمعوا وتلاقوا فإن الله تعالى يعلم ما فعله كل واحد منهم فيجازي كلاً بحسبه إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فهم وإن لم يعلموا تفصيل ما فعلوه، فالله تعالى عالم بذلك ونظيره قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ وقال: ﴿ يَوْمَ تبلى السرائر ﴾ وقال: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ ﴾ وقال: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ فإن قيل الله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء في جميع الأيام، فما معنى تقييد هذا المعنى بذلك اليوم؟
قلنا إنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمونه في الدينا، قال تعالى: ﴿ ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وقال: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله ﴾ وهو معنى قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ ﴾ .
الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ والتقدير يوم ينادي فيه لمن الملك اليوم؟
وهذا النداء في أي الأوقات يحصل فيه قولان: الأول: قال المفسرون إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض فيقول الرب تعالى: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم ﴾ ؟
يعني يوم القيامة فلا يجيبه أحد فهو تعالى يجيب نفسه فيقول: ﴿ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ ﴾ قال أهل الأصول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى بيّن أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق ويوم البروز ويوم تجزى كل نفس بما كسبت، والناس في ذلك الوقت أحياء، فبطل قولهم إن الله تعالى إنما ينادي بهذا النداء حين هلك كل من في السموات والأرض والثاني: أن الكلام لابد فيه من فائدة لأن الكلام إما أن يذكر حال حضور الغير، أو حال ما لا يحضر الغير، والأول: باطل هاهنا لأن القوم قالوا إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل، والثاني: أيضاً باطل لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأنه يحفظ به شيئاً كالذي يكرر على الدرس وذلك على الله محال، أو لأجل أنه يحصل سرور بما يقوله وذلك أيضاً على الله محال، أو لأجل أن يعبد الله بذلك الذكر وذلك أيضاً على الله محال، فثبت أن قول من يقول إن الله تعالى يذكر هذا النداء حال هلاك جميع المخلوقات باطل لا أصل له.
والقول الثاني: أن في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله نادى منادٍ ﴿ لّمَنِ الملك اليوم ﴾ فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة ﴿ لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ فالمؤمنون يقولون تلذذاً بهذا الكلام، حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة، والكفار يقولونه على الصغار والذلة على وجه التحسر والندامة على أن فاتهم هذا الذكر في الدنيا، وقال القائلون بهذا القول إن صح القول الأول عن ابن عباس وغيره لم يمتنع أن يكون المراد أن هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء، وأقول أيضاً على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى، ولا يبعد أيضاً أن يكون السائل جمعاً من الملائكة والمجيب جمعاً آخرين، الكل ممكن وليس على التعيين دليل، فإن قيل وما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذا النداء؟
فنقول الناس كانوا مغرورين في الدنيا بالأسباب الظاهرة، وكان الشيخ الإمام الوالد عمر رضي الله عنه يقول: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب، وفي يوم القيامة زالت الأسباب، وانعزلت الأرباب، ولم يبق ألبتة غير حكم مسبب الأسباب، فلهذا اختص النداء بيوم القيامة، واعلم أنه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على اختصاص ذلك النداء بذلك اليوم إلا أن قوله: ﴿ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ ﴾ يفيد أن هذا النداء حاصل من جهة المعنى أبداً، وذلك لأن قولنا: الله اسم لواجب الوجود لذاته، وواجب الوجود لذاته واحد وكل ما سواه ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ومعنى الإيجاد هو ترجيح جانب الوجود على جانب العدم، وذلك الترجيح هو قهر للجانب المرجوح فثبت أن الإله القهار واحد أبداً، ونداء لمن الملك اليوم إنما ظهر من كونه واحداً قهاراً، فإذا كان كونه قهاراً باقياً من الأزل إلى الأبد لا جرم كان نداء ﴿ لّمَنِ الملك اليوم ﴾ باقياً في جانب المعنى من الأزل إلى الأبد.
الصفة الخامسة: من صفات ذلك اليوم قوله: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .
واعلم أنه سبحانه لما شرح صفات القهر في ذلك اليوم أردفه ببيان صفات العدل والفضل في ذلك اليوم فقال: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة: أولها: إثبات الكسب للإنسان والثاني: أن كسبه يوجب الجزاء والثالث: أن ذلك الجزاء إنما يستوفى في ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة في هذا الكتاب، وهي أصول عظيمة الموقع في الدين، وقد سبق تقرير هذه الأصول مراراً، ولا بأس بذكر بعض النكت في تقرير هذه الأصول أما الأول: فهو إثبات الكسب للإنسان وهو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل والترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل والترك عنه، فإذا انضاف إليه الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى الترك وجب صدور ذلك الفعل أو الترك عنه.
وأما الثاني: وهو بيان ترتب الجزاء عليه، فاعلم أن الأفعال على قسمين منها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الجسمانية الحاصلة في عالم الدنيا، ومنها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الروحانية التي لا يظهر كمالها إلا في عالم الآخرة وقد ثبت بالتجربة أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات الراسخة، فمن غلب عليه القسم الأول استحكمت رحمته رغبته في الدنيا وفي الجسمانيات، فعند الموت يحصل الفراق بينه وبين مطلوبه على أعظم الوجوه ويعظم عليه البلاء، ومن غلب عليه القسم الثاني فعند الموت يفارق المبغوض ويتصل بالمحبوب فتعظم الآلاء والنعماء، فهذا هو معنى الكسب، ومعنى كون ذلك الكسب موجباً للجزاء، فظهر بهذا أن كمال الجزاء لا يحصل إلا في يوم القيامة، فهذا قانون كلي عقلي، والشريعة الحقة أتت بما يقوي هذا القانون الكلي في تفاصيل الأعمال والأقوال، والله أعلم.
المسألة الثانية: هذه الآية أصل عظيم في أصول الفقه، وذلك لأنا نقول لو كان شيء من أنواع الضرر مشروعاً لكان إما أن يكون مشروعاً لكونه جزاء على شيء من الجنايات أو لا لكونه جزاء والقسمان باطلان، فبطل القول بكونه مشروعاً، أما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعاً ليكون جزاء على شيء من الأعمال فلأن هذا النص يقتضي تأخير الأجزية إلى يوم القيامة، فإثباته في الدنيا يكون على خلاف هذا النص، وأما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعاً للجزاء لقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ﴾ ولقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» عدلنا عن هذه العمومات فيما إذا كانت المضار أجزية، وفيما ورد نص في الإذن فيه كذبح الحيوانات، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة فيما عداه، فثبت بما ذكرنا أن الأصل في المضار والآلام التحريم، فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على الشرعية قضينا به تقديماً للخاص على العام، وإلا فهو باق على أصل التحريم، وهذا أصل كلي منتفع به في الشريعة، والله علم.
الصفة السادسة: من صفات ذلك اليوم قوله: ﴿ لاَ ظُلْمَ اليوم ﴾ والمقصود أنه لما قال: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ أردفه بما يدل على أنه لا يقع في ذلك اليوم نوع من أنواع الظلم، قال المحققون وقوع الظلم في الجزاء يقع على أربعة أقسام أحدها: أن يستحق الرجل ثواباً فيمنع منه.
وثانيها: أن يعطي بعض بعض حقه ولكنه لا يوصل إليه حقه بالتمام.
وثالثها: أن يعذب من لا يستحق العذاب.
ورابعها: أن يكون الرجل مستحقاً للعذاب فيعذب ويزداد على قدر حقه فقوله تعالى: ﴿ لاَ ظُلْمَ اليوم ﴾ يفيد نفي هذه الأقسام الأربعة، قال القاضي هذه الآية قوية في إبطال قول المجبرة لأن على قولهم لا ظلم غالباً وشاهداً إلا من الله، ولأنه تعالى إذا خلق فيه الكفر ثم عذبه عليه فهذا هو عين الظلم والجواب عنه معلوم.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ﴾ وذكر هذا الكلام في هذا الموضع لائق جداً، لأنه تعالى لما بيّن أنه لا ظلم بين أنه سريع الحساب.
وذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والله يَقْضِى بالحق ﴾ يعني: والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضي إلاّ بالحق والعدل.
لاستغنائه عن الظلم.
وآلهتكم لا يقضون بشيء.
وهذا تهكم بهم، لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه: يقضي، أو لا يقضي ﴿ إِنَّ الله هُوَ السميع البصير ﴾ تقرير لقوله: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاعين وَمَا تُخْفِى الصدور ﴾ ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه وتعريض بما يدعون من دون الله، وأنها لا تسمع ولا تبصر، وقرئ: ﴿ يدعون ﴾ بالتاء والياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ﴾ النَّظْرَةَ الخائِنَةَ كالنَّظْرَةِ الثّانِيَةِ إلى غَيْرِ المُحَرَّمِ واسْتِراقَ النَّظَرِ إلَيْهِ، أوْ خِيانَةَ الأعْيُنِ.
﴿ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ والجُمْلَةُ خَبَرٌ خامِسٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ ما مِن خَفِيٍّ إلّا وهو مُتَعَلِّقُ العِلْمِ والجَزاءِ ﴿ واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ ﴾ لِأنَّهُ المالِكُ الحاكِمُ عَلى الإطْلاقِ فَلا يَقْضِي بِشَيْءٍ إلّا وهو حَقُّهُ ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ﴾ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِأنَّ الجَمادَ لا يُقالُ فِيهِ إنَّهُ يَقْضِي أوْ لا يَقْضِي.
وقَرَأ نافِعٌ وهِشامٌ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ أوْ إضْمارِ قُلْ: ﴿ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِعَلَمِهِ بِـ خائِنَةَ الأعْيُنِ وقَضائِهِ بِالحَقِّ ووَعِيدٌ لَهم عَلى ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ، وتَعْرِيضٌ بِحالِ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ.
<div class="verse-tafsir"
غافر (٢٦ - ٢١)
{كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} أي آخر أمر الذين كذبوا الرسل من قبلهم {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} هم فصل وحقه أن يقع بين معرفتين إلا أن أشد منهم ضارع المعرفة في أنه لا تدخله الألف واللام فأجري مجراه مّنكُمْ شامى {وآثارا فِى الأرض} أي حصوناً وقصوراً {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ} عاقبهم بسبب ذنوبهم {وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ} ولم يكن لهم شيء يقيهم من عذاب الله
﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ ما حالُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهم كَعادٍ.
وثَمُودَ، و( يَنْظُرُوا ) مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( يَسِيرُوا )، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَنصُوبًا في جَوابِ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ: ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرْكَ الرُّسُومُ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِأنْ لَمْ يَسِيرُوا يَنْظُرُوا.
وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ إنْكارِيٌّ وهو في مَعْنى النَّفْيِ فَيَكُونُ جَوابَ نَفْيِ النَّفْيِ ﴿ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ﴾ قُدْرَةً وتَمَكُّنًا مِنَ التَّصَرُّفاتِ، والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ ولا يَتَعَيَّنُ وُقُوعُهُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ فَقَدْ أجازَ الجُرْجانِيُّ وُقُوعَ المُضارِعِ بَعْدَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ ﴾ نَعَمِ الأصْلُ الأكْثَرُ فِيهِ ذَلِكَ، عَلى أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ الواقِعِ بَعْدَهُ مِنَ الدّاخِلَةِ عَلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ مُضارِعٌ لِلْمَعْرِفَةِ لَفْظًا في عَدَمِ دُخُولِ ألْ عَلَيْهِ ومَعْنى لِأنَّ المُرادَ بِهِ الأفْضَلُ بِاعْتِبارِ أفْضَلِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وجُمْلَةُ ( كانُوا ) ..
إلَخْ.
مُسْتَأْنَفَةٌ في جَوابِ كَيْفَ صارَتْ أُمُورُهم.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «مِنكم» بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.
﴿ وآثارًا في الأرْضِ ﴾ عَطْفٌ عَلى قُوَّةٍ أيْ وأشَدَّ آثارًا في الأرْضِ مِثْلَ القِلاعِ المُحْكَمَةِ والمَدائِنِ الحَصِينَةِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمٍ مِنهم أنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ عَطْفًا عَلى ( أشَدَّ ) بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أيْ وأكْثَرَ آثارًا فَتَشْمَلُ الآثارَ القَوِيَّةَ وغَيْرَها، وهو ارْتِكابُ خِلافِ المُتَبادَرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآثارِ آثارُ أقْدامِهِمْ في الأرْضِ لِعِظَمِ أجْرامِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ﴿ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهُ مِنَ واقٍ ﴾ أيْ ولَيْسَ لَهم واقٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقِيهِمْ ويَمْنَعُ عَنْهم عَذابَهُ تَعالى أبَدًا، فَكانَ لِلِاسْتِمْرارِ والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ، ومِنَ الثّانِيَةِ زائِدَةٌ ومِنَ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بَواقٍ، وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ والفاصِلَةِ لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى قِيلَ: لَمْ يَقَعْ مُقَطِّعًا لِلْفَواصِلِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنَ الأُولى لِلْبَدَلِيَّةِ أيْ ما كانَ لَهم بَدَلًا مِنَ المُتَّصِفِ بِصِفاتِ الكَمالِ واقٍ وأُرِيدَ بِذَلِكَ شُرَكاؤُهم، وأنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأخْذَ في غايَةِ العُنْفِ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَبْتَدِئْ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ واقِيَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهم باقِيَةٌ <div class="verse-tafsir"
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ أي: يحكم بالحق.
ويقال: يأمر بما يجب به الثواب، وينهى عما يجب به العقاب.
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: يعبدون من الآلهة.
قرأ نافع، وابن عامر: تَدْعُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.
والباقون، بالياء على معنى الخبر عنهم.
لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ يعني: ليس لهم قدرة، ولا يحكمون بشيء، إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يعني: السَّمِيعُ لمقالة الكفار الْبَصِيرُ بأعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ولا تُنْفَى اللفظةُ عن البشر في معنى الصنع وإنما هي منفيَّةٌ بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم.
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)
وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ [لَمَيِّتُونَ] «٢» أي: بعد هذه الأحوال المذكورة، ويريد بالسبع الطرائق: السموات، والطرائق: كُلِّ [ما كان] «٣» طبقاتٍ بعضه فوق بعض ومنه طارقت نعلي.
ويجوزُ أَنْ تكونَ الطرائق بمعنى المَبْسُوطاتِ من طرقت الشيء.
قلت: وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ ...
الآية: ظاهر الآية أَنَّهُ ماءُ المطر، وأسند أبو بكر ابن الخطيب في أول «تاريخ «٤» بغداد» عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الجَنَّةِ إلَى الأَرْضِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ: سَيْحُونَ: وَهُو نَهْرُ الهِنْدِ، وجَيْحُونَ: وَهُوَ نَهْرُ بَلْخَ، ودِجْلَةَ والفُرَاتَ: وَهمَا نَهَرَا العِرَاقِ، والنِّيلَ: وَهُوَ نَهْرُ مِصْرَ، أَنْزَلَهَا اللهُ تعالى مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الجَنَّةِ مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ، فَاسْتَوْدَعَهَا الجِبَال، وَأَجْرَاهَا فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ فَإذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، أَرْسَلَ اللهُ تعالى جِبْرِيلَ فَرَفَعَ مِنَ الأَرْضِ القُرْآنَ، وَالْعِلْمَ كُلَّهُ، وَالْحَجَرَ مِنْ رُكْنِ البَيْتِ، وَمَقَامَ إبْرَاهِيمَ، وَتَابُوتَ موسى عليه السلام بما فِيهِ، وَهَذِهِ الأَنْهَارَ الخَمْسَةَ، فَيَرْفَعُ ذَلِكَ/ كُلَّهُ إلَى السَّمَاءِ فذلك قوله تعالى: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ ٣٠ ألَقادِرُونَ، فَإذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ مِنَ الأَرْضِ، فَقَدَ أَهْلُهَا خَيْرَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا» .
وفي رواية:
«خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» «٥» .
انتهى، فإِن صحَّ هذا الحديثُ، فلا نظرَ لأحد معه، ونقل ابن العربي في «أحكامه» هذا الحديثَ أيضاً عن ابن عباس وغيره، ثم قال في آخره: وهذا جائز في القدرة إنْ صَحَّتْ به الرواية، انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسُمِّيَتِ القِيامَةُ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ شُخُوصُ فُلانٍ، أيْ: قَرُبَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ حُضُورِ المَنِيَّةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَرْتَقِي إلى الحَناجِرِ فَلا تَخْرُجُ ولا تُعُودُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
وعَلى الثّانِي: القُلُوبُ هي النُّفُوسُ تَبْلُغُ الحَناجِرَ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: و ﴿ كاظِمِينَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والحالُ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ القُلُوبَ لا يُقالُ لَها: كاظِمِينَ، وإنَّما الكاظِمُونَ أصْحابُ القُلُوبِ؛ فالمَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: "كاظِمِينَ" أيْ: مَغْمُومِينَ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وحُزْنًا، والكاظِمُ: المُمْسِكَ لِلشَّيْءِ عَلى ما فِيهِ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ .
﴿ ما لِلظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ مِن حَمِيمٍ ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهم ﴿ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتُهُ.
﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخائِنَةُ والخِيانَةُ واحِدٌ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ، فَإذا رَأى مِنهم غَفْلَةً لَحَظَ إلَيْها، فَإنْ خافَ أنْ يَفْطِنُوا لَهُ غَضَّ بَصَرَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ نَظَّرُ العَيْنِ إلى ما نُهِيَ عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الغَمْزُ بِالعَيْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسَّدِّيُّ.
قالَ قَتادَةُ: هو الغَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ ولا يَرْضاهُ.
والرّابِعُ: النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: ما تُضْمِرُهُ مِنَ الفِعْلِ أنْ لَوْ قَدَرْتَ عَلى ما نَظَرَتْ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: ما يَسَّرَهُ القَلْبُ مِن أمانَةٍ أوْ خِيانَةٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ ﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُدُورُ ﴾ ﴿ واللهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللهَ هو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِن اللهُ مِن واقٍ ﴾ أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالإنْذارِ لِلْعالَمِ والتَحْذِيرِ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأهْوالِهِ، وهو الَّذِي أرادَ بِـ[يَوْمَ الآزِفَةِ]، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، ومَعْنى ﴿ [الآزِفَةِ]:﴾ القَرِيبَةُ، مَن أزِفَ الشَيْءُ إذا قَرُبَ، والآزِفَةُ في الآيَةِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ قَدْ عُلِمَ واسْتَقَرَّ في النُفُوسِ هَوْلُهُ، فَعَبَّرَ عنهُ بِالقُرْبِ تَخْوِيفًا، والتَقْدِيرُ: يَوْمَ الساعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطامَّةِ الآزِفَةِ، ونَحْوَ هَذا، فَكَما لَوْ قالَ: "وَأُنْذِرْهُمُ الساعَةَ لَعُلِمَ هَوْلُها بِما اسْتَقَرَّ في النُفُوسِ مِن أمْرِها، فَكَذَلِكَ عُلِمَ هُنا إذا جاءَ بِصِفَتِها الَّتِي تَقْتَضِي حُلُولَها واقْتِرابَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ مَعْناهُ: عِنْدَ الحَناجِرِ، قَدْ صَعِدَتْ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ والجَزَعِ، وهَذا أمْرٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ انْتِقالِ قُلُوبِ البَشَرِ إلى حَناجِرِهِمْ وتَبْقى حَياتُهُمْ، بِخِلافِ الدُنْيا الَّتِي لا تَبْقى فِيها لِأحَدٍ مَعَ تَنَقُّلِ قَلْبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَجُوُّزًا عَبَّرَ عَمّا يَجِدُهُ الإنْسانُ مِنَ الجَزَعِ وصُعُودِ نَفْسِهِ وتُضايُقِ حَنْجَرَتِهِ بِصُعُودِ القَلْبِ، وهَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: كادَتْ نَفْسِي أنَّ تَخْرُجَ، وهَذا المَعْنى يَجِدُهُ المُفَرِّطُ الجَزِعُ كالَّذِي يُقَرَّبُ لِلْقَتْلِ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [كاظِمِينَ]﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ ، أو مِمّا تَنْضافُ إلَيْهِ [القُلُوبُ] إذِ المُرادُ: إذْ قُلُوبُ الناسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ ﴾ ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ ، أرادَ تَعالى: تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم.
و"الكاظِمُ": الَّذِي يَرُدُّ غَيْظَهُ وجَزَعُهُ في صَدْرِهِ.
فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهم يَطْمَعُونَ بِرَدِّ ما يَجِدُونَهُ في الحَناجِرِ والحالُ تُغالِبُهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الظالِمِينَ ظُلْمَ الكَفْرِ هم في تِلْكَ الحالِ لَيْسَ لَهم حَمِيمٌ، أيْ قَرِيبٌ يَهْتَمُّ لَهم ويَتَعَصَّبُ، ولا لَهم شَفِيعٌ يُطاعُ فِيهِمْ، وإنْ هَمَّ بَعْضُهم بِالشَفاعَةِ لِبَعْضٍ فَهي شَفاعَةٌ لا تُقْبَلُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ يَقُولُونَ لِإبْلِيسَ يَوْمَ القِيامَةِ: اشْفَعْ لَنا، فَيَقُومُ لِيَشْفَعَ، فَتَبْدُو مِنهُ أنْتُنُ رِيحٍ يُؤْذِي بِها أهْلَ المَحْشَرِ، ثُمَّ يَنْحَصِرُ ويَكِعُّ ويَخْزى.
و"يُطاعُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ[شَفِيعٍ]؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: ولا شَفِيعَ يُطاعُ، ومَوْضِعُ [يُطاعُ] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا حَمْلًا عَلى اللَفْظِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ [مِن].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها عِنْدِي اعْتِراضٌ في الكَلامِ بَلِيغٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ تَعالى لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرَةٍ، ولا لِشَيْءِ مِمّا يَحْتاجُهُ الحاسِبُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [يَعْلَمُ] مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخْفى عَلى اللهِ مِنهم شَيْءٌ ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضْعِفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ.
والخائِنَةُ مَصْدَرٌ كالخِيانَةِ، ويَحْتَمِلُ في الآيَةِ أنْ يَكُونَ [خائِنَةَ] اسْمَ فاعِلٍ، كَما تَقُولُ: ناظِرَةُ الأعْيُنِ، أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ إذا خانَتْ في نَظَرِها، وهَذِهِ الآيَةُ عِبارَةٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِجَمِيعِ الخَفِيّاتِ، فَمِن ذَلِكَ كَسْرُ الجُفُونِ، والغَمْزُ بِالعَيْنِ، والنَظْرَةُ الَّتِي تُفْهِمُ مَعْنىً، أو يُرِيدُ بِها صاحِبُها مَعْنىً، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ حِينَ جاءَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرَحٍ لِيُسْلِمَ بَعْدَ رِدَّتِهِ بِشَفاعَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَتَلَكَّأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ثُمَّ بايَعَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ لِأصْحابِهِ: "هَلّا قامَ إلَيْهِ رَجُلٌ حِينَ تَلَكَّأتُ عَلَيْهِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ؟" فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، ألا أومَأتْ إلَيْنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ"،» وفي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: "أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِمَجالِ الفِكْرِ وكَسَرِ الجُفُونِ"، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ خائِنَةَ الأعْيُنِ: ﴾ مُسارَقَةَ النَظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ.
ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى هَذِهِ الأخْبارُ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تُخْفِي الصُدُورَ، مِمّا لَمَّ يَظْهَرْ عَلى عَيْنٍ ولا غَيْرِها، ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ بِنَظَرِ رَجُلٍ إلى امْرَأةٍ هي حُرْمَةٌ لِغَيْرِهِ فَقالُوا: خائِنَةُ الأعْيُنِ هي النَظْرَةُ الثانِيَةُ، وما تُخْفِي الصُدُورُ، أيْ عِنْدِ النَظْرَةِ الأُولى الَّتِي لا يُمْكِنُ المَرْءُ دَفْعَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا المِثالُ جُزْءٌ مِن خائِنَةَ الأعْيُنِ.
ثُمَّ قَدَحَ في جِهَةِ الأصْنامِ، فَأعْلَمَ أنَّهُ لا رَبَّ غَيْرُهِ، يَقْضِي بِالحَقِّ، أيْ يُجازِي الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ والسَيِّئَةَ بِمِثْلِها، ويُنْصِفُ المَظْلُومَ مِنَ الظالِمِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْضِيَةِ الحَقِّ والعَدْلِ، والأصْنامُ لا تَقْضِي بِشَيْءٍ ولا تُنْفِذُ أمْرًا.
و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَعْبُدُونَ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ نافِعٌ - بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: والَّذِينَ تَدْعُونَ أنْتُمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لِنَفْسِهِ صِفَتَيْنِ بَيَّنٌ عُرُوُّ الأوثانِ عنهُما، وهي في جِهَةِ اللهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ الإدْراكِ عَلى إطْلاقِهِ.
ثُمَّ أحالَ كُفّارَ قُرَيْشٍ - وهم أصْحابُ الضَمِيرِ في "يَسِيرُوا" - عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ القَدِيمَةِ الَّتِي كَذَّبَتْ أنْبِياءَها فَأهْلَكَها اللهُ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْظُرُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ جَوابَ الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى ﴿ يَسِيرُوا ﴾ ، و"كَيْفَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ ﴾ خَبَرُ "كانَ" مُقَدَّمٌ، وفي "كَيْفَ" ضَمِيرٌ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "كانَ" الناقِصَةَ، وأمّا إنْ جُعِلَتْ تامَّةً بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ فَـ"كَيْفَ" ظَرْفٌ مُلْغى لا ضَمِيرَ فِيهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشَدَّ مِنكُمْ" بِالكافِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، وذَلِكَ عَلى الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ: "أشَدَّ مِنهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في سائِرِ المَصاحِفِ، وذَلِكَ أوفَقُ لِتُناسِبَ ذِكْرَ الغائِبِ، و"الآثارُ في الأرْضِ" هي المَبانِي والمَآثِرُ والصِيتُ الدُنْيَوِيُّ.
و"ذُنُوُبُهُمْ" كانَتْ تَكْذِيبَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ، و"الواقِي": الساتِرُ المانِعُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوِقايَةِ.
<div class="verse-tafsir"
كان مقتضى الظاهر أن يؤتَى بجملة ﴿ يقضي بالحق ﴾ معطوفة بالواو على جملة ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ [غافر: 19] فيقال: ويقضى بالحق ولكن عدل عن ذلك لما في الاسم العلم لله تعالى من الإِشعار بما يقتضيه المسمى به من صفات الكمال التي منها العدل في القضاء، ونظيره في الإِظهار في مقام الإِضمار قوله تعالى: ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ﴾ [الرعد: 41].
وليحصل من تقديم المسند إليه على المسند الفعلي تقوِّي المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ﴾ [الأنفال: 36] أعيد الموصول ولم يؤت بضمير ﴿ الذين كفروا ﴾ ليُفيد تقديمُ الاسم على الفعل تقوّي الحكم.
والجملة من تمام الغرض الذي سيقت إليه جملة ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ [غافر: 19] كما تقدم، وكلتاهما ناظرة إلى قوله: ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ﴾ [غافر: 18] أي أن ذلك من القضاء بالحق.
وأما جملة ﴿ والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء ﴾ فناظرة إلى جملة ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ﴾ [غافر: 18] فبعد أن نُفي عن أصنامهم الشفاعة، نُفيَ عنها القضاءُ بشيء مَّا بالحق أو بالباطل وذلك إظهار لعجزِها.
ولا تحْسِبنَّ جملةَ ﴿ والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء ﴾ مسوقةً ضميمة إلى جملة: ﴿ والله يقضي بالحق ﴾ ليفيد مجموع الجملتين قصر القضاء بالحق على الله تعالى قَصْرَ قلب، أي دون الأصنام، كما أفيد القصر من ضم الجملتين في قول السمَوْأل أو عبد الملك الحارثي: تَسيل على حد الظُّبات نفوسنا *** وليست على غير الظُّبات تسيل لأن المنفي عن آلهتهم أعمّ من المثبت لله تعالى، وليس مثل ذلك مما يضاد صيغة القصر لكفى في إفادته تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بحَمْله على إرادة الاختصاص في قوله: ﴿ والله يقضي بالحق ﴾ .
فالمراد من قوله: ﴿ والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء ﴾ التذكير بعجز الذين يدعونهم وأنهم غير أهل للإِلهية، وهذه طريقة في إثبات صفة لموصوف ثم تعقيب ذلك بإظهار نقيضه فيما يُعدّ مساوياً له كما في قول أمية بن أبي الصلت: تلك المكارمُ لا قَعْبَاننِ من لَبَن *** شيباً بماءٍ فصار فيما بعدُ أبوالا وإلاَّ لما كان لعطف قوله: لا قَعْباننِ من لبن، مناسبة.
والدعاء يجوز أن يكون بمعنى النداء وأن يكون بمعنى العبادة كما تقدم آنفاً.
وجملة ﴿ إن الله هو السميع البصير ﴾ مقررة لجمل ﴿ يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يَقْضُون بشيء ﴾ [غافر: 19، 20].
فتوسيط ضمير الفصل مفيد للقصر وهو تعريض بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر فكيف ينسبون إليها الإِلهية، وإثبات المبالغة في السمع والبصر لله تعالى يُقرر معنى ﴿ يَقْضِي بالحق ﴾ لأن العالم بكل شيء تتعلق حكمته بإرادة الباطل ولا تخطئ أحكامه بالعثار في الباطل.
وتأكيد الجملة بحرف التأكيد تحقيق للقصر.
وقد ذكر التفتزاني في «شرح المفتاح» في مبحث ضمير الفصل أن القصر يُؤكَّد.
وقرأ نافع وهشام عن ابن عامر {تدعُون بتاء الخطاب على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لقرع أسماع المشركين بذلك.
وقرأ الجمهور بياء الغيبة على الظاهر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَوْمُ حُضُورِ المَنِيَّةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ وسُمِّيَتِ الآزِفَةُ لِدُنُوِّها، وكُلُّ آزِفٍ دانٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أزِفَتِ الآزِفَةُ ﴾ أيْ دَنَتِ القِيامَةُ.
﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُلُوبَ هي النُّفُوسُ بَلَغَتِ الحَناجِرَ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ يَوْمَ الآزِفَةِ بِحُضُورِ المَنِيَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَوَقَفَتْ في الحَناجِرِ مِنَ الخَوْفِ فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها.
﴿ كاظِمِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَغْمُومُونَ قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: باكُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: مُمْسِكُونَ بِحَناجِرِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن كَظْمِ القِرْبَةِ وهو شَدُّ رَأْسِها.
الرّابِعُ: ساكِتُونَ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشَّمّاخِ: فَظَلَّتْ كَأنَّ الطَّيْرَ فَوْقَ رُؤُوسِها صِيامٌ تُنائِي الشَّمْسَ وهي كَظُومٌ قالَ ابْنُ عِيسى: والكاظِمُ السّاكِتُ عَلى امْتِلائِهِ غَيْظًا.
﴿ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ في الحَمِيمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَرِيبُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: الشَّفِيقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومَعْنى الكَلامِ: ما لَهم مِن حَمِيمٍ يَنْفَعُ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ أيْ يُجابُ إلى الشَّفاعَةِ، وسُمِّيَتِ الإجابَةُ طاعَةً لِمُوافَقَتِها إرادَةَ المُجابِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرَّمْزُ بِالعَيْنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: مُسارَقَةُ النَّظَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: النَّظَرُ إلى ما نَهى عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، أوْ رَأيْتُ وما رَأى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفي تَسْمِيَتِها خائِنَةَ الأعْيُنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها أخْفى الإشاراتِ فَصارَتْ بِالِاسْتِخْفاءِ كالخِيانَةِ.
الثّانِي: لِأنَّها بِاسْتِراقِ النَّظَرِ إلى المَحْظُورِ خِيانَةٌ.
﴿ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ما تُضْمِرُهُ [عِنْدَما تَرى امْرَأةً] إذا أنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْها أتَزْنِي بِها أمْ لا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: ما يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِن أمانَةٍ أوْ خِيانَةٍ، وعَبَّرَ عَنِ القُلُوبِ بِالصُّدُورِ لِأنَّها مَواضِعُ القُلُوبِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴾ قال: الرجل يكون في القوم، فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها، وإذا غفلوا لحظ إليها، وإذا نظروا غض بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ودَّ أنه ينظر إلى عورتها.
وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ قال: نظرت اليها لتريد الخيانة أم لا؟
﴿ وما تخفي الصدور ﴾ قال: إذا قدرت عليها أتزني بها أم لا؟
ألا أخبركم ﴿ والله يقضي بالحق ﴾ قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة رضي الله عنه ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ قال: يعلم همزه وإضمامه بعينيه فيما لا يحب الله تعالى.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ قال: نظر العين إلى ما نهي عنه.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ قال: كان الرجل يدخل على القوم في البيت وفي البيت امرأة، فيرفع رأسه فيلحظ إليها ثم ينكس.
وأخرج أبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد رضي الله عنه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: «أقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
فاختبأ عند عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به فقال: يا رسول الله بايع عبد الله.
فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى يبايعه، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟
فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، هلا أومأت إلينا بعينك؟!
قال: أنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين» .
وأخرج الخطيب في تاريخه والحكيم الترمذي عن أم معبد رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ والله يقضي بالحق ﴾ قال: قادر على أن يقضي بالحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ لا يقدرون على أن يقضوا بالحق.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين ﴾ أي استراق النظر، والخائنة مصدر بمعنى الخيانة، أو وصف للنظرة وهذا الكلام متصل بما تقدم من ذكر الله، واعترض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد إليه من قوله: ﴿ لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق ﴾ [غافر: 15].
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ يُرِيكُمْ ﴾ هو ما أراهم بمكذبي رسله ومصدقهم من أوائلهم حيث استأصل هؤلاء بتكذيبهم رسله، وأنجى مصدقيهم بتصديقهم إياه؛ ليحذر هؤلاء عن تكذيب رسوله.
وقال بعضهم: أراهم آيات وحدانيته وربوبيته وقدرته وسلطانه في السماوات والأرض ما لو تأملوا لعرفوا ذلك؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ آيات وحدانيته وربوبيته، وذكر أنهم يمرون عليها، أي: يرونها - لكنهم يعرضون عنها، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ : يا أهل مكة إذا سافرتم رأيتم آيات المتقدمين ومنازلهم وهلاكهم؛ وهو الأول بعينه.
وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً ﴾ .
يخبر عن آيات وحدانيته أيضاً: أنه ينزل رزقهم من السماء، وحيل الخلق تنقطع عن استنزال الرزق من السماء؛ ليعلموا أن منشئ الأرض والسماء واحد حيث اتصل منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما.
ويحتمل أنه يذكر نعمه عليهم حيث يعلمون أنه هو الذي أنزل أرزاقهم من السماء دون من يعبدون من الأصنام، فكيف تصرفون عبادتكم وشكركم إلى غيره؟!
وقوله: ﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ ﴾ .
وما يتذكر بما ذكر من الآيات ولا يتأملها إلا من ينيب إليه بطاعته.
أو يقول: لا يتذكر ولا يتعظ بآياته ومواعيده إلا من ينيب إليه بالقبول لأمره وطاعته.
وقوله: ﴿ فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .
كأن هذا صلة ما تقدم من قوله : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ...
﴾ الآية [الزمر: 45]، وصلة قوله: ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ ﴾ يقول: فادعوا الله يا أصحاب محمد، وأيها المؤمنون مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون ذلك، ووحدوه، ولا تشركوا به شيئاً على ما يشرك به أهل مكة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: رفيع السماوات درجة على درجة، وطبقاً على طبق؛ على ما رفعها واحدة على أخرى.
والثاني: قوله: ﴿ رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ﴾ أي: درجات أهلها ومنازلهم التي جعلها لهم في الآخرة على تفضيل بعض على بعض في الدرجات؛ كقوله - -: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ : أخبر أنه فضل بعضاً على بعض في الدرجات في الآخرة، فجائز أن يكون ما ذكر من رفع الدرجات هو رفع السماوات درجة فدرجة، فهو إخبار عن قدرته وسلطانه أنه من قدر على رفع السماوات في الهواء وإقرارها فيه بلا سبب من أسباب إمساكها من التعليق بشيء، مع ثقلها وغلظها ولا شيء يقر في الهواء بحيث لا ينحط ولا يتسفل ولا يرتفع عن أماكنه بلا سبب من الأسفل والأعلى لا يحتمل أن يعجزه شيء أو يخفى عليه شيء أو يمنعه [شيء] عما يريد، والله أعلم.
وإن كان المراد بالدرجات التي يجعل لأهلها في الآخرة إنما يستوجبونها بالله بأعمال تكون لهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: هو جبريل - - ﴿ يُلْقِي ﴾ أي: ينزل بالوحي بالنبوة ﴿ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ أخبر أنه أمين؛ ليعلم أنه ليس في إنزاله غلط ولا شيء مما قاله بعض الروافض: إنه بعث إلى فلان وأداه إلى غيره.
وقال بعضهم: الروح هاهنا هو الوحي والرسالة؛ يقول: ﴿ يُلْقِي ﴾ هو الوحي على من يختار ويصطفي من عباده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: يوم يلقى أهل الأرض أهل السماء.
وقال بعضهم: يوم يلقى الآخرون الأولين.
وجائز أن يكون هو يوم يلقى الإنسان عمله وأفعاله التي عملها، والله أعلم.
وقالت الباطنية: أي: يوم يلقى الصور المتولدة من الأجساد بأعمال الخير والشر التي كانت لهم في الدنيا الصور التي كانت لهم روحانية؛ لأن من مذهبهم أن من مات منهم يحدث ويتولد بالأعمال التي كانت لهم من الخير صوراً روحانية تلقى هذه الصورة الحادثة المتولدة من الأجساد بعد الموت، ويكون البعث عندهم للأرواح فتتصل هذه الأرواح النورانية بالنور الصرف، ويستدلون بقوله: ﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ﴾ ، أي: تبرز تلك الصور الروحانية من الأجساد؛ إذ الخلائق كلهم في جميع الأحوال والأوقات بارزون ظاهرون لله لم يكونوا في وقت مستورين عنه.
ولكن هذا فاسد؛ لأنه لو كان الأمر على ما يقوله الباطنية لكانت الأنفس إذا نامت وخرجت منها الصور الروحانية، فرأت رؤيا كانت تراها مختلطة غير متحققة، وفي حالة اليقظة تراها متحققة غير مختلطة؛ دل أن الإدراك للأجساد بواسطة الصور الروحانية، فيجب أن يكون البعث للكل، والله أعلم.
ولكن الوجه في ذلك ما ذكرنا، وأصله أنه سمي ذلك اليوم على ما سمي: يوم الجمع، ويوم التغابن، ويوم الحشر، وغير ذلك، سمي ذلك اليوم على أسماء مختلفة، كل اسم من ذلك لمعنى غير المعنى الآخر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ﴾ .
قال بعضهم: أي: ظاهرون، لا شيء هنالك يسترهم، أي: يرتفع يومئذ جميع السواتر؛ وهو كقوله : ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ ، أي: لا شيء فيها، يذكر هذا لأن من الناس من يقول: يستر الأشياء عن الله بالسواتر ردّاً لقولهم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ﴾ سمي ذلك اليوم: يوم البروز؛ لما يتفقون جميعاً ويقرون بالكلمة التي اختلفوا في الدنيا فيها، فيبرزون جميعاً متفقين مقرين على تلك الكلمة يومئذ وهي كلمة التوحيد، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون سماه: يوم البروز، والمصير، والرجوع، وما ذكر؛ لأن المقصود من إنشاء الدنيا وما فيها من الخلائق ذلك اليوم وتلك الدار، وكذلك صار إنشاء الدنيا وإنشاء ما فيها حكمة؛ لما عرف أن الإنشاء للإفناء خاصة ليس بحكمة، فخص ذلك اليوم بما ذكرنا وإن كانوا في جميع الأحوال بارزين إليه ظاهرين له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾ .
ظاهر، وهو رد لقول من يقول: إن شيئاً يستر على الله [تعالى الله] عن ذلك علوّاً كبيراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إذا أهلك الله أهل الأرض وأهل السماء فلم يبق أحد إلا الله ، فعند ذلك يقول: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ ؟
فلا يجيبه أحد، فيقول هو في نفسه ويجيب نفسه: ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ، لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يقول: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ ولا أحد سواه، ويجيب نفسه: ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ؛ لما لا حكمة في ذلك: أن يسأل نفسه ثم يجيبها، لكن الوجه فيه - والله أعلم - أنه إنما يقول لهم ذلك إذا بعثهم وأحياهم: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ ؟
فيقول الخلائق له بأجمعهم ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ، يقرون له جميعاً يومئذ بالملك والربوبية وإن كان بعض الخلائق في الدنيا قد نازعوه في الملك فيها وادعوا لأنفسهم، فيقرون يومئذ أن الملك في الدنيا والآخرة لله ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ ﴾ .
أي: من خير أو شر.
﴿ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ﴾ .
أي: لا تجزى غير ما كسبت.
ويحتمل ﴿ لاَ ظُلْمَ ﴾ أي: لا نقصان في الحسنات التي عملوها، ولا زيادة على السيئات التي اكتسبوها، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
قد ذكرنا هذا أيضاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ ﴾ .
سمى ذلك اليوم [الآزفة] لقربه ودنوه منه؛ وعلى ذلك سماه: غدا، وقريباً؛ كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ...
﴾ الآية [الأنبياء: 1]؛ فعلى ذلك سماه "آزفة" لدنوه وقربه منهم، يقال: أزف فلان إلى فلان، أي: قرب ودنا منه، ومعناه: أي: أنذرهم بما إليه مرجع عاقبتهم ومصيرهم؛ لأن أهل العقل والتمييز إنما يعملون ويسعون للعاقبة وما إليه يرجع أمورهم وهو ذلك اليوم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ ﴾ .
يخبر عن شدة حالهم وفزعهم في ذلك اليوم، ليس أن يزول قلوبهم عن أمكنتها وترتفع إلى الحناجر حقيقة، ولكنه وصف لشدة حالهم في ذلك اليوم وكثرة خوفهم وفزعهم وضيق صدورهم؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ أي: ضاقت صدورهم وقلوبهم بما حل بهم من الشدائد والأهوال، ليس أن صارت الأرض في الحقيقة مضيقة لا يسعون فيها، ولكن وصف لضيق صدورهم لعظم ما نزل بهم، فكنى بضيق الأرض عن ضيق صدورهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من كون القلوب لدى الحناجر كناية عن ضيق صدورهم لشدة حالهم وعظيم ما حل بهم، والله أعلم.
والحناجر: هي مواضع الذبح من الشاة وغيرها من الدواب، واحدها: حنجرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَاظِمِينَ ﴾ .
قال بعضهم: الكاظم: المغموم الذي يتردد خوفه في جوفه غيظاً؛ لما كان منه في الدنيا.
وقيل: الكاظم لا يتكلم، قد كظم من الخوف.
وقيل: الذي لا يفتح فمه؛ وهو قريب بعضهم من بعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ .
أي: قريب، وقيل: الحميم: هو الذي يهتم بأمر صاحبه، ويسعى في دفع ما نزل به من البلاء.
وقوله: ﴿ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ .
أي: يجاب: يذكر: ألا يكون لهم في الآخرة قريب يهتم لأمرهم، ولا شفيع يشفع لهم؛ فيجاب كما يكون في الدنيا؛ وكذلك قوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: لا يكون لهم شفعاء ينفعهم شفاعتهم، وهو ما قال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ...
﴾ الآية [البقرة: 254].
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ ﴾ ، والخيانة واحد، وهو ما قال عز وجل: ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي: خيانة منهم.
وقال بعضهم: هي النظرة بعد النظرة: أما الأولى فليس فيها شيء، وأما الثانية فعليه مأثمها.
وقوله: ﴿ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ ﴾ .
أي: ما لم يتكلم به المرء ولم يعمل، كل ذلك يعلمه الله .
وقال بعضهم: خائنة الأعين: هي النظرة فيما لا يحل والغمزة بعينه؛ وهو مثل الأول.
وقال بعضهم: خائنة الأعين: هي التي ينتظرها: غفلة الناس إذا غفلوا عنه، نظر إلى ما يهواه ويحبه، و ﴿ تُخْفِي ٱلصُّدُورُ ﴾ هو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ يذكر هذا ليكونوا أبداً مراقبين أنفسهم، حافظين لها عما لا يحل من السمع والبصر والفؤاد، وعلى ما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ ، ليكونوا أبداً على حذر من ذلك وخوف، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أَوَلم يسر هؤلاء المشركون في الأرض؛ فيتأمَّلوا كيف كانت نهاية الأمم المكذبة من قبلهم، فقد كانت نهاية سيئة، كانت تلك الأمم أشد من هؤلاء قوة، وأثَّروا في الأرض بالبناء ما لم يؤثِّر فيها هؤلاء، فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم، وما كان لهم مانع يمنعهم من عقاب الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.KKk6P"