تفسير الآية ٧٣ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٧٣ من سورة غافر

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ٧٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 46 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧٣ من سورة غافر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧٣ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قوله تعالى "ثم قيل لهم أينما كنتم تشركون من دون الله" أي قيل لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله هل ينصرونكم اليوم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يقول: ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب, فإن المعبود يغيث من عبد وخدمه; وإنما يقال هذا لهم توبيخا وتقريعا على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطان, فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ضلوا عنا: يقول: عدلوا عنا, فأخذوا غير طريقنا, وتركونا في هذا البلاء, بل ما ضلوا عنا, ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئا: أي لم نكن نعبد شيئا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله وهذا تقريع وتوبيخ .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ويقال { لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } هل نفعوكم، أو دفعوا عنكم بعض العذاب؟.

{ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا } أي: غابوا ولم يحضروا، ولو حضروا، لم ينفعوا، ثم إنهم أنكروا فقالوا: { بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا } يحتمل أن مرادهم بذلك، الإنكار، وظنوا أنه ينفعهم ويفيدهم، ويحتمل -وهو الأظهر- أن مرادهم بذلك، الإقرار على بطلان إلهية ما كانوا يعبدون، وأنه ليس للّه شريك في الحقيقة، وإنما هم ضالون مخطئون، بعبادة معدوم الإلهية، ويدل على هذا قوله تعالى: { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } أي: كذلك الضلال الذي كانوا عليه في الدنيا، الضلال الواضح لكل أحد، حتى إنهم بأنفسهم، يقرون ببطلانه يوم القيامة، ويتبين لهم معنى قوله تعالى: { وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ } ويدل عليه قوله تعالى: { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } الآيات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم قيل لهم» تبكيا «أين ما كنتم تشركون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم قيل لهم توبيخًا، وهم في هذه الحال التعيسة: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله؟

هل ينصرونكم اليوم؟

فادعوهم؛ لينقذوكم من هذا البلاء الذي حلَّ بكم إن استطاعوا، قال المكذبون: غابوا عن عيوننا، فلم ينفعونا بشيء، ويعترفون بأنهم كانوا في جهالة من أمرهم، وأن عبادتهم لهم كانت باطلة لا تساوي شيئًا، كما أضل الله هؤلاء الذين ضلَّ عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله، يضل الله الكافرين به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ) تبكيت وتأنيب لهم .أى : ثم قيل بعد هذا العذاب المهين لهم : أين تلك الآلهة التى كنتم تعبدونها من دون الله ، لكى تدفع عنكم شيئا من العذاب الأليم الذى نزل بكم؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر انتقال الإنسان من كونه تراباً إلى كونه نطفة ثم إلى كونه علقة ثم إلى كونه طفلاً ثم إلى بلوغ الأشد ثم إلى الشيخوخة واستدل بهذه التغيرات على وجود الإله القادر قال بعده: ﴿ هو الذي يحيي ويميت ﴾ يعني كما أن الاتنقال من صفة إلى صفة أخرى من الصفات التي تقدم ذكرها يدل على الإله القادر، فكذلك الانتقال من الحياة إلى الموت وبالعكس يدل على الإله القادر وقوله: ﴿ فَإِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فيه وجوه: الأول: معناه أنه لما نقل هذه الأجسام من بعض هذه الصفات إلى صفة أخرى لم يتعب في ذلك التصرف ولم يحتج إلى آلة وأداة، فعبّر عن نفاذ قدرته في الكائنات والمحدثات من غير معارض ولا مدافع بما إذا قال: ﴿ كن فيكون ﴾ الوجه الثاني: أنه عبّر عن الإحياء والإماتة بقول: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فكأنه قيل الانتقال من كونه تراباً إلى كونه نطفة، ثم إلى كونه علقة انتقالات تحصل على التدرج قليلاً قليلاً، وأما صيرورة الحياة فهي إنما تحصل لتعليق جوهر الروح النطقية به، وذلك يحدث دفعة واحدة، فلهذا السبب وقع التعبير عنه بقوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ الوجه الثالث: أن من الناس من يقول إن تكون الإنسان إنما ينعقد من المني والدم في الرحم في مدة معينة وبحسب انتقالاته من حالات إلى حالات، فكأنه قيل إنه يمتنع أن يكون كل إنسان عن إنسان آخر، لأن التسلسل محال، ووقوع الحادث في الأزل محال، فلابد من الاعتراف بإنسان هو أول الناس، فحينئذٍ يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المني والدم، بل بإيجاد الله تعالى ابتداء، فعبّر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا ﴾ يكوّنه من غير كلفة ولا معاناة.

جعل هذا نتيجة من قدرته على الإحياء والإماتة، وسائر ما ذكر من أفعاله الدالة على أنّ مقدوراً لا يمتنع عليه، كأنه قال: فلذلك من الاقتدار إذا قضى أمراً كان أهون شيء وأسرعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ ﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ وتَكْرِيرِ ذَمِّ المُجادَلَةِ لِتَعَدُّدِ المُجادِلِ، أوِ المُجادَلِ فِيهِ، أوْ لِلتَّأْكِيدِ.

﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ ﴾ بِالقُرْآنِ أوْ بِجِنْسِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ.

﴿ وَبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا ﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ أوِ الوَحْيِ والشَّرائِعِ.

﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ جَزاءَ تَكْذِيبِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ} أي تقول لهم الخزنة {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فِي الحَمِيمِ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَعْلَمُونَ ) أوْ ضَمِيرِ ( في أعْناقِهِمْ ) أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ ( اَلسَّلاسِلُ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ( يُسْحَبُونَ ) خَبَرُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُسْحَبُونَ بِها.

وجُوِّزَ كَوْنُ ( اَلْأغْلالُ ) مُبْتَدَأً ﴿ والسَّلاسِلُ ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ( وفي أعْناقِهِمْ ) في مَوْضِعِ الحالِ، ولا يَخْفى حالُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ وثّابٍ «والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ» بِنَصْبِ السَّلاسِلِ وبِناءِ يَسْحَبُونَ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ السَّلاسِلُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لِيَسْحَبُونِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ولا بَأْسَ بِالتَّفاوُتِ اسْمِيَّةً وفِعْلِيَّةً.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ «والسَّلاسِلِ» بِالجَرِّ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ عَلى الجَرِّ بِخافِضٍ مَحْذُوفٍ كَما في قَوْلِهِ: أشارَتْ كُلَيْبٌ بِالأكُفِّ الأصابِعِ أيْ وبِالسَّلاسِلِ كَما قُرِئَ بِهِ أوْ في السَّلاسِلِ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، والفَرّاءُ عَلى العَطْفِ بِحَسَبِ المَعْنى إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ بِمَعْنى أعْناقِهِمْ في الأغْلالِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: مَشائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ∗∗∗ ولا ناعِبَ إلّا بِبَيْنِ غُرابِها ويُسَمّى في غَيْرِ القُرْآنِ عَطَفَ التَّوَهُّمِ، وذَهَبَ إلى هَذا التَّخْرِيجِ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ بَعْدَ أنْ ضَعَّفَ تَخْرِيجَ الزَّجّاجِ خَرَّجَ القِراءَةَ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ قالَ: وهَذا كَما تَقُولُ: خاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدٌ العاقِلَيْنِ بِنَصْبِ العاقِلَيْنِ ورَفْعِهِ لِأنَّ أحَدَهُما إذا خاصَمَ صاحِبَهُ فَقَدْ خاصَمَ الآخَرُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لا تَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ونَقَلَ جَوازَها عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدانَ الكُوفِيِّ قالَ: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما فاعِلٌ مَفْعُولٌ ﴿ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ يُحْرَقُونَ ظاهِرًا وباطِنًا مِن سَجَرَ التَّنُّورَ إذا مَلَأهُ إيقادًا ويَكُونُ بِمَعْنى مَلْأهُ بِالحَطَبِ لِيَحْمِيَهُ، ومِنهُ السَّجِيرُ لِلصَّدِيقِ الخَلِيلِ كَأنَّهُ سُجِرَ بِالحُبِّ أيْ مُلِئَ، ويُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ أنَّ السَّجْرَ مِنَ الأضْدادِ، وكِلا الِاشْتِقاقَيْنِ مُناسِبٌ في السَّجِيرِ أيْ مُلِئَ مِن حُبِّكَ أوْ فَرَغَ مِن غَيْرِكَ إلَيْكَ والأوَّلُ أظْهَرُ.

والمُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ أنَّهم مُعَذَّبُوهم بِأنْواعِ العَذابِ سَحْبِهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ المُوقَدَةِ ثُمَّ تَسْلِيطِ النّارِ عَلى باطِنِهِمْ وأنَّهم يُعَذَّبُونَ ظاهِرًا وباطِنًا فَلا اسْتِدْراكَ في ذِكْرٍ هَذا بَعْدَ ما تَقَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ يعني: قل يا محمد لأهل مكة: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: نهاني ربي أن أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دون الله من الأصنام، لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي يعني: حين جاءني الواضحات، وهو القرآن، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ يعني: أستقيم على التوحيد، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وقد ذكرناه من قبل، ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً يعني: يعيش الإنسان إلى أن يصير شيخاً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى يعني: الشباب، والشيخ، يبلغ أَجَلًا مُسَمًّى وقتاً معلوماً.

ويقال: في الآية تقديم، ومعناه: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً أي: لتبلغوا أَجَلًا مُسَمًّى يعني: وقت انقضاء أجله وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أي: من قبل أن يبلغ أشده.

ويقال: من قبل أن يصير شيخاً، وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي: لكي تعقلوا أمر ربكم، ولتستدلوا به، وتتفكروا في خلقه.

هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي: يحيي للبعث، ويميت في الدنيا، على معنى التقديم، ويقال: معناه هو الذي يحيي في الأرحام، ويميت عند انقضاء الآجال، فَإِذا قَضى أَمْراً يعني: أراد أن يخلق شيئاً، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولا نظرَ مع الحديث، والوَجَلُ: نحو الاشفاق والخوف، وصورة هذا الوَجِلِ إمَّا المُخَلِّطُ فينبغي أنْ يكونَ أبداً تحت خوف من أنْ يكونَ ينفذ عليه الوعيد بتخليطه، وإمَّا التَّقِيُّ أوِ التائب، فخوفه أمرَ الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموتِ، وفي قوله تعالى: أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ: تنبيهٌ على الخاتمة، وقال الحسن: معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البِرِّ، ويخافون أَلاَّ يُنْجِيَهُم ذلك من عذاب رَبِّهِم «٢» ، وهذه عبارة حسنة، ورُوِيَ عن الحَسَنِ أيضاً أَنَّهُ قال: المؤمن يجمع إحساناً وشفقةً، والمنافِقُ يجمع إساءَةً وأمناً «٣» .

قلت: ولهذا الخَطْبِ العظيم أطال الأولياءُ في هذه الدار حُزْنَهُمْ وأجروا على الوجنات «٤» مدامعهم.

قال ابن المبارك في «رقائقه» : أخبرنا سفيان قال: إنما الحُزْنُ على قَدْرِ البصيرة «٥» .

قال ابن المبارك: وأخبرنا مالك بن مغول عن رجل عن الحسن قال: ما عُبِدَ اللهُ بمثل طُولِ الحُزْنِ «٦» ، وقال ابن المبارك أيضاً: أخبرنا مسعر عن عبد الأعلى التَّيْمِيِّ قال:

أَنَّ مَنْ أُوتي من العلم ما لا يُبْكِيهِ لخَلِيقِ ألاَّ يكونَ أُوتِيَ عْلماً ينفعه لأَنَّ الله تعالى نعت ٣٢ أالعلماء فقال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ/ إلى قوله: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ «٧» [الإسراء: ١٠٧- ١٠٩] انتهى.

أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ.

والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.

﴿ فاصْبِرْ ﴾ عَلى أذاهم ﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.

وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ.

.

.

﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.

وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.

وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها.

والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿ وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مِن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ لَمّا سَرَدَتِ الآياتُ صِفاتِ اللهِ تَعالى الَّتِي تُبَيِّنُ فَسادَ حالِ الأصْنامِ كانَ مِن أبْيَنِها أنَّ الأصْنامَ مَواتٌ جَمادٌ، وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ الحَيُّ القَيُّومُ، وصُدُورُ الأمْرِ مِن لَدُنْهُ، وإيجادُ الأشْياءِ وتَدْبِيرُ الأمْرِ كُلِّهِ وعِلْمُهُ بِالكُلِّ، دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ حَيٌّ لا إلَهَ إلّا هو.

وقَوْلُهُ: ﴿ فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ كَلامٌ مُتَّصِلٌ مُقْتَضاهُ: ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ بِالحَمْدِ، وبِهَذِهِ الألْفاظِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ" فَلْيَقُلْ أثَرَها: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ"، وقالَ نَحْوَ هَذا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

ثُمَّ أمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يَصْدَعَ بِأنَّهُ نُهِيَ عن عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي عَبَدَها الكُفّارُ مِن دُونَ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ووَقَعَ النَهْيُ لَمّا جاءَهُ الوَحْيُ والهُدى مِن رَبِّهِ، وأُمِرَ بِالإسْلامِ الَّذِي هو الإيمانُ والأعْمالُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ أنْ أسْتَسْلَمَ لِرَبِّ العالَمِينَ وأخْضَعَ لَهُ بِالطاعَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الوَحْدانِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ بِالعِبْرَةِ في ابْنِ آدَمَ وتَدْرِيجِ خَلْقِهِ، فَأوَّلَهُ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تُرابٍ مِن طِينٍ لازِبٍ، فَجَعَلَ البَشَرَ مِنَ التُرابِ كَما كانَ مُنْسَلًّا مِنَ المَخْلُوقِ مِنَ التُرابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن نُطْفَةٍ ﴾ إشارَةٌ إلى التَناسُلِ مِن آدَمَ فَمَن بَعْدِهِ و"النُطْفَةُ" [هِيَ] الماءُ الَّذِي خُلِقَ المَرْءُ مِنهُ، و"العَلَقَةُ": الدَمُ الَّذِي يَصِيرُ مِنَ النُطْفَةِ، و"الطِفْلُ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، و"بُلُوغُ الأشُدِّ" اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وأرْبَعُونَ، وقِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشْرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشْرَ، وهَذِهِ الأقْوالُ الأخِيرَةُ ضَعِيفَةٌ في الأشُدِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنكم مَن يُتَوَفّى مَن قَبْلُ ﴾ عِبارَةٌ تَتَرَدَّدُ في الأدْراجِ المَذْكُورَةِ كُلِّها، فَمِنَ الناسِ مَن يَمُوتُ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ طِفْلًا، وآخَرُونَ قَبْلَ الأشُدِّ، وآخَرُونَ قَبْلَ الشَيْخُوخَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ﴾ أيْ: هَذِهِ الأصْنافُ كُلُّها مَخْلُوقَةٌ مُيَسَّرَةٌ لِيَبْلُغَ كُلُّ واحِدٍ مِنها أجَلًا مُسَمًّى لا يَتَعَدّاهُ ولا يَتَخَطّاهُ، ولْتَكُونَ مُعْتَبِرًا، ولَعَلَّكم أيُّها البَشَرُ تَعْقِلُونَ الحَقائِقَ إذا نَظَرْتُمْ في هَذا وتَدَبَّرْتُمْ حِكْمَةَ اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بنيت هذه السورة على إبطال جدل الذين يجادلون في آيات الله جدال التكذيب والتورّك كما تقدم في أول السورة إذ كان من أولها قوله: ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ [غافر: 4] وتكرر ذلك خمس مرات فيها، فنبه على إبطال جدالهم في مناسبات الإِبطال كلها إذ ابتدئ بإبطاله على الإِجمال عقب الآيات الثلاث من أولها بقوله: ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ [غافر: 4] ثم بإبطاله بقوله: ﴿ الذين يجادلون في ءايات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله ﴾ [غافر: 35]، ثم بقوله: ﴿ إنَّ الذين يُجادلُون في ءاياتت الله بِغَير سُلطاننٍ أتاهم إن في صُدُورهم إلاَّ كِبْرٌ ﴾ [غافر: 56] ثم بقوله: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِين يجادلون في آياتِ الله أنَّى يُصْرَفُون ﴾ .

وذلك كله إيماء إلى أن الباعث لهم على المجادلة في آيات الله هو ما اشتمل عليه القرآن من إبطال الشرك فلذلك أعقب كل طريقة من طرائق إبطال شركهم بالإِنحاء على جدالهم في آيات الله، فجملة ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِين يجادلون في آياتِ الله ﴾ مستأنفة للتعجيب من حال انصرافهم عن التصديق بعد تلك الدلائل البيّنة.

والاستفهام مستعمل في التقرير وهو منفي لفظاً، والمراد به: التقرير على الإِثبات، كما تَقدم غير مرة، منها عند قوله: ﴿ قال أو لم تؤمن ﴾ في سورة [البقرة: 260].

والرؤية عِلمية، وفعلها معلق عن العمل بالاستفهام ب ﴿ أنى يُصْرَفُونَ ﴾ ، و(أنَّى) بمعنى (كيف)، وهي مستعملة في التعجيب مثل قوله: ﴿ أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ [آل عمران: 47] أي أرأيت عجيب انصرافهم عن التصديق بالقرآن بصارف غير بيّن منشَؤه، ولذلك بني فعل ﴿ يصرفون ﴾ للنائب لأن سبب صرفهم عن الآيات ليس غير أنفسهم.

ويجوز أن تكون (أنَّى) بمعنى (أين)، أي أَلا تعجبُ من أين يصرفهم صارف عن الإِيمان حتى جادلوا في آيات الله مع أن شُبَه انصرافهم عن الإِيمان منتفية بما تكرر من دلائل الآفاق وأنفسِهم وبما شاهدوا من عاقبة الذين جادلوا في آيات الله ممن سبقهم، وهذا كما يقول المتعجب من فعل أحد «أين يُذْهَب بك».

وبناء فعل ﴿ يصرفون ﴾ للمجهول على هذا الوجه للتعجيب من الصارف الذي يصرفهم وهو غير كائن في مكان غير نفوسهم.

وأبدل ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بالكتاب ﴾ من ﴿ الَّذِينَ يجادلون ﴾ لأن صلتي الموصولين صادقتان على شيء واحد، فالتكذيب هو ما صْدَقُ الجدال، والكتاب: القرآن.

وعَطْف ﴿ وَبِمَا أرْسَلنا به رُسُلنا ﴾ يجوز أن يكون على أصل العطف مقتضياً المغايرة، فيكون المراد: وبما أرسلنا به رسلنا من الكتب قبل نزول القرآن، فيكون تكذيبهم ما أُرسلت به الرسل مراداً به تكذيبهم جميعَ الأديان كقوله تعالى: ﴿ وما قدروا اللَّه حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91]، ويحتمل أنه أريد به التكذيب بالبعث فلعلهم لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بإثبات البعث سألوا عنه أهل الكتاب فأثبتوه فأنكر المشركون جميع الشرائع لذلك.

ويجوز أن يكون عطفَ مرادف، فائدته التوكيد، والمراد ب ﴿ رسلنا ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم كقوله: ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين ﴾ [الشعراء: 105] يعني الرسول نوحاً على أن في العطف فائدة زائدة على ما في المعطوف عليه وهي أن مما جاء به الرسول مواعظ وإرشاداً كثيراً ليس من القرآن.

وتفرع على تكذيبهم وعيدهم بما سيلقونه يوم القيامة فقيل فسوف يعلمون، أي سوف يجدون العذاب الذي كانوا يجادلون فيه فيعلمونه.

وعبر عن وجدانهم العذاب بالعلم به بمناسبة استمرارهم على جهلهم بالبعث وتظاهرهم بعدم فهم ما يقوله الرسول فأنذروا بأن ما جهلوه سيتحققونه يومئذٍ كقول الناس: ستعرف منه ما تجهل، قال أبو علي البصير: فتذم رأيك في الذين خصصتَهم *** دُوني وتَعْرِف منهم ما تجهل وحذف مفعول يعلمون } لدلالة ﴿ كَذَّبُوا بالكتاب ﴾ عليه، أي يتحققون ما كذبوا به.

والظرف الذي في قوله: ﴿ إذِ الأغلال في أعناقهم ﴾ متعلق ب ﴿ يعلمون ﴾ أي يعلمون في ذلك الزمن.

وشأن (إذْ) أن تكون اسماً للزمن الماضي واستعملت هنا للزمن المستقبل بقرينة (سوف) فهو إما استعمالُ المجاز بعلاقة الإِطلاق، وإما استعارة تبعية للزمن المستقبل المحقق الوقوع تشبيهاً بالزمن الماضي وقد تكرر ذلك.

ومنه اقترانها ب (يوم) في نحو قوله: ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ [الزلزلة: 4]، وقوله: ﴿ يومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللَّه ﴾ [الروم: 4، 5].

وأول ما يعلمونه حين تكون الأغلال في أعناقهم أنهم يتحققون وقوع البعث.

والأغلال: جمع غُل، بضم العين، وهو حلقة من قِدَ أو حديد تحيط بالعنق تناط بها سلسلة من حديد، أو سَير من قِدّ يُمسك بها المجرم والأسير.

والسلاسل: جمع سِلْسِلة بكسر السينين وهي مجموع حلق غليظة من حديد متصل بعضها ببعض.

ومن المسائل ما رأيته أن الشيخ ابن عرفة كان يوماً في درسه في التفسير سئل: هل تكون هذه الآية سنداً لما يفعله أمراء المغرب أصلحهم الله من وضع الجناة بالأغلال والسلاسل جرياً على حكم القياس على فعل الله في العقوبات كما استنبطوا بعض صور عقاب من عمل قوم لوط من الرجم بالحجارة، أو الإِلقاء من شاهق.

فأجاب بالمنع لأن وضع الغل في العنق ضرب من التمثيل وإنما يوثق الجاني من يده، قال: لأنهم إنما قاسوا على فعل الله في الدنيا ولا يقاس على تصرفه في الآخرة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإِحراق بالنار، وقوله: «إنما يعذب بها رب العزة» وجملة ﴿ يُسْحَبُون في الحَمِيم ﴾ حال من ضمير ﴿ أعناقهم ﴾ أو من ضمير ﴿ يعلمون ﴾ .

والسَّحْب: الجرّ، وهو يجمع بين الإِيلام والإِهانة.

والحميم: أشد الحرّ.

و (ثُمّ) عاطفة جملة ﴿ فِي النَّارِ يُسْجَرون ﴾ على جملة ﴿ يُسْحَبون في الحَمِيم ﴾ .

وشأن (ثمّ) إذا عطَفَت الجمل أن تكون للتراخي الرتبي وذلك أن احتراقهم بالنار أشد في تعذيبهم من سحبهم على النار، فهو ارتقاء في وصف التعذيب الذي أُجمل بقوله: ﴿ فَسَوفَ يَعْلَمُونَ ﴾ والسَّجْرُ بالنار حاصل عقب السحب سواء كان بتراخخٍ أم بدونه.

والسجر: ملْءُ التنور بالوقود لتقوية النار فيه، فإسناد فعل ﴿ يسجرون ﴾ إلى ضميرهم إسناد مجازي لأن الذي يسجر هو مكانهم من جهنم، فأريد بإسناد المسجور إليهم المبالغة في تعلق السجر بهم، أو هو استعارة تبعية بتشبيههم بالتنور في استقرار النار بباطنهم كما قال تعالى: ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ [الحج: 20].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ مِن عَمَلِ النَّهارِ.

الثّانِي: لِتَكُفُّوا فِيهِ عَنْ طَلَبِ الأرْزاقِ.

الثّالِثُ: لِتُحاسِبُوا فِيهِ أنْفُسَكم عَلى ما عَمِلْتُمْ بِالنَّهارِ.

﴿ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبْصِرًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ.

الثّانِي: مُبْصِرًا لِمَطالِبِ الأرْزاقِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَذَلِكَ يُصْرَفُ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: كَذَلِكَ يُكَذَّبُ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: كَذَلِكَ يُعْدَلُ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: يثغر الغلام لسبع، ويحتلم لأربعة عشر، وينتهي طوله لإِحدى وعشرين، وينتهي عقله لثمان وعشرين، ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه ﴿ ومنكم من يتوفى من قبل ﴾ قال: من قبل أن يكون شيخاً ﴿ ولتبلغوا أجلاً مسمى ﴾ الشيخ والشاب ﴿ ولعلكم تعقلون ﴾ عن ربكم أنه يحييكم كما أماتكم وهذه لأهل مكة كانوا يكذبون بالبعث.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أنّى يصرفون ﴾ قال: أنّى يكذبون وهم يعقلون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ ﴾ يعني كفار قريش، وقيل: هم أهل الأهواء كالقدرية وغيرهم، وهذا مردود بقوله: ﴿ الذين كَذَّبُواْ بالكتاب ﴾ إلا إن جعلته منقطعاً مما قبله وذلك بعيد ﴿ إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ ﴾ العامل في إذ يعملون وجعل الظرف الماضي من الموضع المستقبل لتحقيق الأمر به ﴿ إِذِ الأغلال ﴾ أي يجرون والحميم الماء الشديد الحرارة ﴿ يُسْحَبُونَ * فِي الحميم ﴾ أي يجرون في الحميم والماء الشديد الحرارة ﴿ ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ ﴾ هذا من قولك: سجرت التنور إذا ملأته بالنار، فالمعنى أنهم يدخلون فيها كما يدخل الحطب في التنور، ولذلك قال مجاهد في تفسيره: توقد بهم النار ﴿ تمرحون ﴾ من المرح وهو الأشر والبطر.

وقيل: الفخر والخيلاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ذروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون: بواو العطف.

﴿ يظهر ﴾ بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص.

الآخرون: بفتحهما ورفع الفساد ﴿ عذت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل وهشام ﴿ التنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قلب متكبر ﴾ بالتنوين فيهما على الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ذكوان.

الباقون: على الإضافة.

﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ فأطلع ﴾ بالنصب: حفص.

﴿ اتبعوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل وابن كثير ويعقوب وافق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو نشيط عن قالون في الوصل.

﴿ مالي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع ﴿ أمري إلى الله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ تقوم ﴾ بتاء التأنيث: الرازي عن هشام ﴿ أدخلوا ﴾ من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية.

وانتصب ﴿ آل ﴾ و ﴿ أشدّ ﴾ على أنهما مفعول بهما.

وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب ﴿ آل ﴾ على النداء لا على أنه مفعول به.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ رّبه ﴾ ج لاحتمال اللام ﴿ مؤمن ﴾ قف قد قيل: بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح أنه كان من القبط، ولو فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له ﴿ من ربكم ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الابتداء بالشرط ﴿ كذبه ﴾ ج للعطف والشرط ﴿ بعدكم ﴾ ط ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ز لابتداء الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به ﴿ جاءنا ﴾ ط ﴿ الرشاد ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بعدهم ﴾ ط ﴿ للعباد ﴾ ه ﴿ التناد ﴾ ه ط لأجل البدل ﴿ مدبرين ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ من عاصم ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار من الله  وكونه من كلام المؤمن ﴿ من هاد ﴾ ه ﴿ جاءكم به ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ط ﴿ مرتاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل فإن "من" في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني أنهم ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ جبار ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه لا ﴿ كاذباً ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ تباب ﴾ ه ﴿ الرشاد ﴾ ج لأن النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول ﴿ متاع ﴾ ز للفصل بين تنافي الدارين مع اتفاق الجملتين ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ج لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل والابتداء ﴿ وعشياً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف ﴿ الساعة ﴾ قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم أو للزبانية ﴿ لعذاب ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ه ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ بلى ﴾ ط ﴿ فادعوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال ﴿ ضلال ﴾ ه.

التفسير: لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي  وزيادة توبيخ وتذكير لهم.

وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا جرم أوردها ههنا مع فوائد زائدة على ما في المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه.

ولأن القصة قد تكررت مراراً فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام.

قوله ﴿ بالحق ﴾ أي بالمعجزات الظاهرة.

وقوله ﴿ اقتلوا ﴾ يريد به إعادة القتل كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ سنقتل أبناءهم  ﴾ قوله ﴿ إلا في ضلال ﴾ أي في ضياع واضمحلال.

فإن كان اللام في ﴿ الكافرين ﴾ للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم وإستيلاء موسى وقومه على ديارهم.

قوله ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوّة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون.

الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتله.

الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة.

قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب وجريرة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحسن بأن في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال ﴿ إني أخاف أن يبدّل ﴾ الآية.

ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك.

قال: وقوله ﴿ وليدع ربّه ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه.

وقال غيره: هو على سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدّعي وجوده حتى يخلصه.

ومعنى تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أن يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعاً، أو أحد الأمرين على القراءتين.

ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله.

وفي تصدير الجملة بأن دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة والاستعاذة برب الأرض والسموات.

وفي قوله ﴿ بربي ﴾ إشارة إلى أن الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني.

وفي قوله ﴿ وربكم ﴾ احتراز عن أن يظن ظانّ أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره ﴿ ألم نربك فينا وليدا  ﴾ وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن اجتماع النفوس له تأثير قوي.

وفي قوله ﴿ من كل متكبر ﴾ أي متكبر عن قبول الحق على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية.

والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه.

وأما وصف المتكبر بقوله ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب.

والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب.

ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع.

ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون.

والأصح أنه كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً واسمه سمعان أبو حبيب أو خربيل.

وقيل: كان إسرائيلياً.

وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله ﴿ اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ فما الوجه في تخصيصه؟

ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ وقوله ﴿ يا قوم ﴾ على رأس كل نصيحة يغلب على الظن أن يتنصح لقومه.

ومعنى ﴿ أن يقول ﴾ لأجل قوله أو وقت أن يقول كأنه قال منكراً عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله ﴿ ربى الله ﴾ والدليل على حقيتها إظهار الخوارق والمعجزات.

وفي قوله ﴿ من ربكم ﴾ استدراج لهم إلى الاعتراف بالله.

ثم احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً.

على الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب.

واعترض على الشق الأوّل بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله.

وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم قال ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ ولم يقل "كل الذي"؟

والجواب عن الأوّل أنه إنما ردّد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور الشمس في ضحوة النهار؟

وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

وعن أبي عبيدة: أن البعض ههنا بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: ترّاك أمكنه إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط.

ثم أكد حقية أمر موسى بقوله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ وقد هداه الله إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حدّ الاعتدال ولا بكذاب.

وقيل: إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على قاتل موسى كذاب في ادّعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ويزيل ملكه ويدفع شره، وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية مجاهداً في سبيل الله بلسانه.

ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوّفهم زوالها بقوله ﴿ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ﴾ أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من بني إسرائيل والقبط ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ من يخلصنا من عذابه ﴿ إن جاءنا ﴾ وذلك لشؤم تكذيب نبيه ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قبله ﴿ وما أهديكم ﴾ بهذا الرأي ﴿ إلا سبيل الرشاد ﴾ وصلاح الدين والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر.

قال جار الله: وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد.

وحكى أبو الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه.

قوله ﴿ مثل دأب ﴾ قال جار الله صاحب الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر والتكذيب.

ثم قال: إنه عطف بيان للأوّل لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح.

ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أوّل المضافات.

قلت: لا بأس من جعله بدلاً كما مرّ.

وقوله ﴿ وما الله يريد ظلماً للعباد ﴾ أبلغ من قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي.

وفيه أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً.

وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لكونهم ظالمين.

وحين خوّفهم عذاب الدنيا خوّفهم عذاب الآخرة أيضاً فقال ﴿ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولاً به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم.

وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف.

ومنها أنه من قوله ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ ومنها أن بعض الظالمين ينادي بعضاً بالويل والثبور قائلين يا ويلنا.

ومنها أنهم ينادون إلى المحشر.

ومنها أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت كتابيه.

ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح، وأهل النار حزناً على حزن.

وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التنادّ مشدداً وأصله من ندّ إذا هرب نظيره ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه  ﴾ الخ.

ويؤيده قراءة ابن عباس مشدداً وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل.

وقوله بعد ذلك ﴿ يوم تولوّون مدبرين ﴾ أنهم إذا سمعوا زفير النار ندّوا هاربين فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.

وقال قتادة: معنى تولون مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار.

ثم أكد التهديد بقوله ﴿ ما لكم من الله ﴾ الآية.

ثم ذكر مثالاً لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله.

وأيضاً كسفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعدما مات يوسف.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم عشرين سنة قاله ابن عباس.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم رسولاً من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضاً وفيه بعد.

قال المفسرون في قوله ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ ليس إشارة إلى أنهم صدّقوا يوسف لقوله ﴿ فما زلتم في شك ﴾ وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ قلت: هذا إنما يصح إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مرويّ كما قلنا اللهم إلا أن يقال: لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى.

وجوّز أن يكون ﴿ الذين يجادلون ﴾ مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر.

وجوّز آخرون أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة.

وفي قوله ﴿ وعند الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى قرنها إلى شهادة نفسه.

والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حدّ أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو باعتبار صاحبه.

ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة.

ثم أخبر الله  عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدّم ذكره في سورة القصص.

قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما مر في أوّل "ص" فـ ﴿ فليرتقوا في الأسباب  ﴾ فائدة بناء الكلام على الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع وغيره.

من قرأ ﴿ فأطلّع ﴾ بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع.

ومن قرأ بالنصب فعلى تشبيه الترجي بالتمني.

والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله ﴿ وما زادوهم غير تتبيب  ﴾ استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح.

والجواب أن بديهة فرعون لا حجة فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع.

وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجوداً في زمان موسى وفرعون وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجوداً في عصرهما لنقل لتوفرت الدواعي عن نقله.

والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولاً ووسطاً وآخراً.

ثم عاد  إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أوّلاً بقوله ﴿ اتبعون أهدكم ﴾ ثم استأنف مفصلاً قائلاً ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ يتمتع به أياماً قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ المنزل الذي يستقر فيه.

ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح.

ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئاً زائداً على سبيل التفضل غير مندرج تحت الحساب.

ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها وفسر هذه الجملة بقوله ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ الآية.

ليعلم أن الشرك بالله أعظم موجبات النار والتوحيد ضدّه.

وفي قوله ﴿ ما لي أدعوكم ﴾ من غير أن يقول "ما لكم" مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى دعائه سلوك لطريق الإنصاف.

ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره.

قوله ﴿ لا جرم ﴾ لا ردّ لكلامهم، وجرم بمعنى كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في "هود" و "النحل".

ومعنى ﴿ ليس له دعوة ﴾ أنه لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء  ﴾ عن قتادة: المسرفين هم المشركون.

ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها.

وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم.

وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حدّ الاعتدال كما بالدوام والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار ﴿ فستذكرون ﴾ أي في الدنيا عند حلول العذاب أو في الآخرة عند دخول النار ﴿ وأفوّض أمري إلى الله ﴾ قاله لأنهم توعدوه.

وفيه وفي قوله ﴿ فوقاه الله ﴾ دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه النصائح.

قال مقاتل: لما تمم هذه الكلماتقصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه.

قوله ﴿ وحاق بآل فرعون ﴾ معناه أنه رجع وبال مكرهم عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا ناراً.

ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل هذا السوء إليه، ولئن سلّم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد همّ بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود.

قوله ﴿ يعرضون عليها ﴾ أي يحرقون بها.

يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به.

وقوله ﴿ غدوّاً وعشياً ﴾ إما للدوام كما مر في صفة أهل الجنة ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين.

وفي سائر الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن يعذبوا بنوع آخر من العذاب الله أعلم بحالهم.

وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا لأن سماع الحق مرّ طعمه؟

قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل.

ولما انجز الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مراراً.

وفي قولهم ﴿ إن الله قد حكم بين العباد ﴾ أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى الإقناط الكليّ، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زماناً.

قال المفسرون: إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر الناس فكأن لخزنتها قرباً من الله وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب.

أما قول الخزنة لهم ﴿ فادعوا ﴾ ودعاء الكافر لا يسمع؛ فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمناً والشافع مأذوناً له فيها، والأمر إن ههنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم.

ثم أكدوا ذلك بقولهم ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي لا أثر له ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّي ﴾ .

كان الكفرة دعوا رسول الله  إلى عبادة ما عبدوا هم من الأصنام، فقال: إني نهيت عن ذلك، وهو كما ذكر في غير آي من القرآن، حيث قال: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ وغير ذلك من الآيات.

وقوله: ﴿ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّي ﴾ ، يحتمل وجهين: إن كان المراد من البينات القرآن أو الآيات التي جعلت معجزة له، على ما قاله أهل التأويل - فهو على التأكيد والإبلاغ، فإنه كان النهي عن عبادة غير الله  والشرك بالله لازماً قبل مجيء الرسل وما أتوا من البينات على ما تقدم، والله أعلم.

والثاني: يحتمل قوله: ﴿ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّي ﴾ : العقل الذي يعرف به ذلك، ويكون قوله: ﴿ جَآءَنِيَ ﴾ أي: ظهر لي؛ كقوله  : ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ  ﴾ أي: ظهر الحق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ .

أي: أمرت أن أجعل الخلق وكل شيء لله سالماً خالصاً لا أشرك فيه غيره، والله الموفق.

وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ﴾ بذكرهم الوجوه التي بها يوصل إلى معرفة شكر ما أنعم عليهم؛ قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ أي: خلق أصلكم من تراب، ﴿ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ أي: خلقكم من نطفة، يذكرهم هذا؛ ليعلم خلقه إياهم من تراب - أعني: خلق أصلهم ليس باستعانة منه بذلك التراب؛ لأنه لو كان على الاستعانة منه، لكان لا معنى لخلق أنفسهم من الماء على الصورة التي جعلهم من تراب وعلى جنسه؛ إذ ليس في الماء من آثار التراب شيء، ولا في الماء والنطفة من آثار العلقة شيء، ولا في العلقة من آثار الطفولية شيء من اللحم والعظم والجلد والشعر وغير ذلك، ليس في التراب معنى الماء ولا في الماء معنى التراب، ولو كان على الاستعانة بذلك لكان المخلوق من أحدهما لا يكون مثل المخلوق من الآخر في تركيبه وتصويره، وهما يختلفان في أنفسهما، وكذلك ما ذكر من تقلبه من حال إلى حال وتبديله من نوع إلى نوع، وليس في كل [حال] يقلب إليها من الحال التي كانت شيء ولا من شبهها؛ ليعلم أن كل ذلك إنما كان بقدرة ذاتية وعلم ذاتي وتدبير ذاتي كذلك، لا باستعانة شىء مما ذكر ولا سبب له في ذلك، ولكن كان بمعنى جعل فيه كان ذلك كذلك بوجود ذلك المعنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ﴾ أي: تبلغوا حتى يشتد كل شيء منكم من البينة والعقل وغير ذلك.

وقوله: ﴿ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ﴾ .

أي: منكم من يتوفى من قبل أن يبلغ شيخاً.

وقوله: ﴿ وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى ﴾ .

أي: لتبلغوا الأجل الذي جعل لكم.

وقوله: ﴿ وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ : ما بين لكم وذكر لكم.

وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .

أي: وهو الذي يخلق حياة كل شيء ويخلق موت كل شيء، وعلى قول المعتزلة: يجوز أن يسمى كل عبد: محييا مميتاً؛ لقولهم: إن القتيل ليس بميت بأجله، بل ميتة القاتل، وقولهم: إن المتولدات من الفعل هي فعل الفاعل؛ فعلى قولهم هذا يجوز تسمية كل أحد: محيياً مميتاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا ﴾ .

يترجم بقوله: ﴿ كُن ﴾ من غير أن كان منه كاف ونون، فذلك تكوينه - والله الموفق - وقد ذكرنا هذا فيما تقدم على الإبلاغ.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم قيل لهم تَبْكِيتًا لهم وتوبيخًا: أين الآلهة المزعومة التي أشركتم بعبادتها؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.rjJv5"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد