الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ١٦ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٦ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
فبارزوا الجبار بالعداوة ، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله ، فلهذا قال : ( فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا ) قال بعضهم : وهي الشديدة الهبوب .
وقيل : الباردة .
وقيل : هي التي لها صوت .
والحق أنها متصفة بجميع ذلك ، فإنها كانت ريحا شديدة قوية ; لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم ، وكانت باردة شديدة البرد جدا ، كقوله تعالى : ( بريح صرصر عاتية ) [ الحاقة : 6 ] ، أي : باردة شديدة ، وكانت ذات صوت مزعج ، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق " صرصرا لقوة صوت جريه .
وقوله : ( في أيام نحسات ) أي : متتابعات ، ( سبع ليال وثمانية أيام حسوما ) [ الحاقة : 7 ] ، كقوله ( في يوم نحس مستمر ) [ القمر : 19 ] ، أي : ابتدئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم ، واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم ، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة ; ولهذا قال تعالى : ( لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى ) [ أي ] أشد خزيا لهم ، ( وهم لا ينصرون ) أي : في الأخرى ، كما لم ينصروا في الدنيا ، وما كان لهم من الله من واق يقيهم العذاب ويدرأ عنهم النكال .
القول في تأويل قوله تعالى : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (16) يقول تعالى ذكره: فأرسلنا على عاد ريحا صرصرا.
واختلف أهل التأويل في معنى الصرصر, فقال بعضهم: عني بذلك أنها ريح شديدة.
* ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( رِيحًا صَرْصَرًا ) قال: شديدة.
حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( رِيحًا صَرْصَرًا ) شديدة السَّموم عليهم.
وقال آخرون: بل عنى بها أنها باردة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ) قال: الصرصر: الباردة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( رِيحًا صَرْصَرًا ) قال: باردة.
حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( رِيحًا صَرْصَرًا ) قال: باردة ذات الصوت.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت.
الضحاك يقول, في قوله: ( رِيحًا صَرْصَرًا ) يقول: ريحا فيها برد شديد.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد, وذلك أن قوله: ( صَرْصَرًا ) إنما هو صوت الريح إذا هبت بشدة, فسمع لها كقول القائل: صرر, ثم جعل ذلك من أجل التضعيف الذي في الراء, فقال ثم أبدلت إحدى الراءات صادا لكثرة الراءات, كما قيل في ردده: ردرده, وفي نههه: نهنهه, كما قال رؤبة: فــــالْيَوْمَ قَــــدْ تُنَهْنِهُنـــي وَأَوَّلُ حِــــلْمٍ لَيْسَ بِالْمُسَــــفَّهِ (1) وكما قيل في كففه: كفكفه, كما قال النابغة? أُكَفكِــفُ عَــبْرَةً غَلَبَــتْ عُـدَاتِي إذَا نَهْنَهْتُهَـــا عـــادَت ذُباحــا (2) وقد قيل: إن النهر الذي يسمى صرصرا, إنما سمي بذلك لصوت الماء الجاري فيه, وإنه " فعلل " من صرر نظير الريح الصرصر.
وقوله: ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) اختلف أهل التأويل في تأويل النحسات, فقال بعضهم: عني بها المتتابعات.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قال: أيام متتابعات أنـزل الله فيهن العذاب.
وقال آخرون: عني بذلك المشائيم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قال: مشائيم.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) أيام والله كانت مشئومات على القوم.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: النحسات: المشئومات النكدات.
حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قال: أيام مشئومات عليهم.
وقال آخرون: معنى ذلك: أيام ذات شر.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد قوله: ( أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قال: النحس: الشر; أرسل عليهم ريح شر ليس فيها من الخير شيء.
وقال آخرون: النحسات: الشداد.
* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قال: شداد.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى بها: أيام مشائيم ذات نحوس, لأن ذلك هو المعروف من معنى النحس في كلام العرب.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قراء الأمصار غير نافع وأبي عمرو ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) بكسر الحاء, وقرأه نافع وأبو عمرو: " نَحْسَاتٍ" بسكون الحاء.
وكان أبو عمرو فيما ذكر لنا عنه يحتج لتسكينه الحاء بقوله: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ وأن الحاء فيه ساكنة.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان, قد قرأ بكل واحدة منهما قرّاء علماء مع اتفاق معنييهما, وذلك أن تحريك الحاء وتسكينها في ذلك لغتان معروفتان, يقال هذا يوم نحْس, ويوم نَحِس, بكسر الحاء وسكونها; قال الفرّاء: أنشدني بعض العرب? أبْلِــغْ جُذَامــا وَلَخْمـا أنَّ إخْـوَتَهُمْ طَيَّـا وَبَهْـرَاءَ قَـوْمٌ نَصْـرُهُمْ نَحِسُ (3) وأما من السكون فقول الله يَوْمِ نَحْسٍ ; منه قول الراجز? يَــوْمَيْنِ غَيْمَيْــنِ وَيَوْمــا شَمْسـا نَجْــمَيْنِ بالسَّــعْدِ وَنَجْمــا نَحْسـا (4) فمن كان في لغته: يَوْمِ نَحْسٍ قال: " في أيَّامٍ نَحْساتٍ", ومن كان في لغته: (يَوْمِ نَحِسٍ) قال: ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ), وقد قال بعضهم: النحْس بسكون الحاء: هو الشؤم نفسه, وإن إضافة اليوم إلى النحس, إنما هو إضافة إلى الشوم, وإن النحِس بكسر الحاء نعت لليوم بأنه مشئوم, ولذلك قيل: ( فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) لأنها أيام مشائيم.
وقوله: ( لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يقول جل ثناؤه: ولعذابنا إياهم في الآخرة أخزى لهم وأشد إهانة وإذلالا.
يقول: وهم يعني عادا لا ينصرهم من الله يوم القيامة إذا عذبهم ناصر, فينقذهم منه, أو ينتصر لهم.
------------------------ الهوامش: (1) البيتان في ديوانه ( طبع ليبسج 166 ) وهما أل ( 19 ، 20 ) ونهنهني زجرني وكفنى .
يقول هذا بعد أن كبر وضعف .
والأول : الرجوع .
والحلم العقل .
والسفه : المنسوب إلى السفه .
يقول : كنت أستجيب لدواعي الصبا ما دمت شابا ، أما اليوم وقد علتني كبرة ، ورجع إلى ما عزب من عقلي ، فقد كفني عن الطيش حلمي وعقلى ، فلا أفعل ما كنت أفعل في الشباب .
(2) نسب المؤلف البيت إلى النابغة ، ولم أجده في الديوان ولا في شروحه المختلفة .
ومعنى أكفكف العبرة : أردها .
وقوله غلبت عداتي : أي أنهم كانوا حراصا على أن أبكي بما يسيئون إلى ، فغلبتهم عبرتي التي حبستها ، ونهنهتها : كففتها ورددتها .
وذباحا : ذبحا .
ذبحا .
يريد أنه حبس عبرته ، وكان حبسها كالذبح من شدة الألم لأن البكاء يخفف ما يضطرم في النفس من ألم وغيظ ونحوه .
والبيت عند المؤلف شاهد على أن كفكف ونهنه وصرصر ونحوها من الفعل الرباعي المضعف : أصلها : كفف ونهه وصرر ، فلما اجتمع فيه ثلاث أحرف أمثال ، أبدلت إحدى الراءات من نوع فاء الكلمة .
وهذا مذهب لبعض النحويين الكوفيين ، والله أعلم .
(3) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 289 ) عند قوله تعالى :" في أيام نحسات" .
قال : العوام على تثقيلها بكسر الحاء .
وقد خفف بعض أهل المدينة ( بسكون الحاء ) .
قال وقد سمعت بعض العرب ينشد :" أبلغ جذاما ...
البيت" فهذا لمن ثقل .
ومن خفف بناه على قوله" في يوم نحس مستمر" وفي ( اللسان : نحس ) وقرأ أبو عمرو :" فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات" بسكون الحاء .
قال الأزهري : هي جمع أيام نحسة ثم جمع الجمع ( بسكون الحاء فيهما) .
وقرأت في أيام نحسات ( بكسر الحاء ) وهي المشؤمات عليهم في الوجهين .
ا هـ .
(4) البيتان من مشطور الرجز ، ولم نعرف قائلهما .
واستشهد المؤلف بهما على أن النحس فيه لغتان : سكون الحاء ، كهذا البيت وكسرها كالشاهد الذي قبله .
وعلى هاتين اللغتين جاءت قراءة من قرأ قوله تعالى :" في أيام نحسات" وقد سبق القول عليه في الشاهد السابق .
قوله تعالى : فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا هذا تفسير الصاعقة التي أرسلها عليهم ، أي : ريحا باردة شديدة البرد وشديدة الصوت والهبوب .
ويقال : أصلها صرر من الصر وهو البرد ، فأبدلوا مكان الراء الوسطى فاء الفعل ، كقولهم : كبكبوا أصله كببوا ، وتجفجف الثوب أصله تجفف .
أبو عبيدة : معنى صرصر : شديدة عاصفة .
عكرمة وسعيد بن جبير : شديد البرد .
وأنشد قطرب قول الحطيئة :المطعمون إذا هبت بصرصرة والحاملون إذا استودوا على الناساستودوا : إذا سئلوا الدية .
مجاهد : الشديدة السموم .
وروى معمر عن قتادة قال : باردة .
وقاله عطاء ; لأن صرصرا مأخوذ من صر ، والصر في كلام العرب البرد كما قال [ امرؤ القيس ] :لها عذر كقرون النساء ركبن في يوم ريح وصروقال السدي : الشديدة الصوت .
ومنه صر القلم والباب يصر صريرا أي : صوت .
ويقال : درهم صري وصري للذي له صوت إذا نقد .
قال ابن السكيت : صرصر يجوز أن يكون من الصر وهو البرد ، ويجوز أن يكون من صرير الباب ، ومن الصرة وهي الصيحة .
ومنه فأقبلت امرأته في صرة .
وصرصر اسم نهر بالعراق .
في أيام نحسات أي مشئومات ، قاله مجاهد وقتادة .
كن آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء ، وذلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما قال ابن عباس : ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء .
وقيل : نحسات : باردات ، حكاه النقاش .
وقيل : متتابعات ، عن ابن عباس وعطية .
الضحاك : شداد .
وقيل : ذات غبار ، حكاه ابن عيسى .
ومنه قول الراجز :قد اغتدى قبل طلوع الشمس للصيد في يوم قليل النحسقال الضحاك وغيره : أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين ، ودرت الرياح عليهم في غير مطر ، وخرج منهم قوم إلى مكة يستسقون بها للعباد ، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم [ ص: 311 ] بلاء أو جهد طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه ، وكانت طلبتهم ذلك من الله تعالى عند بيته الحرام مكة مسلمهم وكافرهم ، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى ، مختلفة أديانهم ، وكلهم معظم لمكة ، عارف حرمتها ومكانها من الله تعالى .
وقال جابر بن عبد الله والتيمي : إذا أراد الله بقوم خيرا أرسل عليهم المطر وحبس عنهم كثرة الرياح ، وإذا أراد الله بقوم شرا حبس عنهم المطر وسلط عليهم كثرة الرياح .
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " نحسات " بإسكان الحاء على أنه جمع نحس الذي هو مصدر وصف به .
الباقون : نحسات بكسر الحاء أي : ذوات نحس .
ومما يدل على أن النحس مصدر قوله : " في يوم نحس مستمر " ولو كان صفة لم يضف اليوم إليه ، وبهذا كان يحتج أبو عمرو على قراءته ، واختاره أبو حاتم .
واختار أبو عبيد القراءة الثانية وقال : لا تصح حجة أبي عمرو ; لأنه أضاف اليوم إلى النحس فأسكن ، وإنما كان يكون حجة لو نون اليوم ونعت وأسكن ، فقال : في يوم نحس وهذا لم يقرأ به أحد نعلمه .
وقال المهدوي : ولم يسمع في نحس إلا الإسكان .
قال الجوهري : وقرئ في قوله في يوم نحس على الصفة ، والإضافة أكثر وأجود .
وقد نحس الشيء بالكسر فهو نحس أيضا ، قال الشاعر :أبلغ جذاما ولخما أن إخوتهم طيا وبهراء قوم نصرهم نحسومنه قيل : أيام نحسات .
لنذيقهم أي لكي نذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا بالريح العقيم .
ولعذاب الآخرة أخزى أي أعظم وأشد وهم لا ينصرون .
{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا } أي: ريحًا عظيمة، من قوتها وشدتها، لها صوت مزعج، كالرعد القاصف.
فسخرها اللّه عليهم { سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } { نحسات } فدمرتهم وأهلكتهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.
وقال هنا: { لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } الذي اختزوا به وافتضحوا بين الخليقة.
{ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ } أي: لا يمنعون من عذاب اللّه، ولا ينفعون أنفسهم.
( فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا ) عاصفة شديدة الصوت ، من الصرة وهي الصيحة .
وقيل : هي الباردة من الصر وهو البرد .
( في أيام نحسات ) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب " نحسات " بسكون الحاء ، وقرأ الآخرون بكسرها أي : نكدات مشئومات ذات نحوس .
وقال الضحاك : أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين ، ودامت الرياح عليهم من غير مطر ، ( لنذيقهم عذاب الخزي ) أي : عذاب الهون والذل ، ( في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى ) أشد إهانة ( وهم لا ينصرون ) .
«فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً» باردة شديدة الصوت بلا مطر «في أيام نحسات» بكسر الحاء وسكونها مشؤومات عليهم «لنذيقهم عذاب الخزي» الذل «في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى» أشد «وهم لا ينصرون» بمنعه عنهم.
فأرسلنا عليهم ريحًا شديدة البرودة عالية الصوت في أيام مشؤومات عليهم؛ لنذيقهم عذاب الذل والهوان في الحياة الدنيا، ولَعذاب الآخرة أشد ذلا وهوانًا، وهم لا يُنْصَرون بمنع العذاب عنهم.
ثم حكى - سبحانه - ما نزل بهم من عذاب بسبب إصرارهم على كفرهم ، وبسبب غرورهم وبطرهم فقال : ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً في أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا .
.
.
) .ولفظ " صرصرا " من الصر - بفتح الصاد - وهو شدة الحر ، أى من الصر - بكسر الصاد - وهو شدة البرد الذى يقبض البدن ، أو من الصرة التى هى الصيحة المزعجة ، ومنه قوله - تعالى -( فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ .
.
.
) أى : فى صيحة .ولا مانع من أن تكون هذه الريح التى أرسلها الله - تعالى - عليهم ، قد اجتمع فيها الصوت الشديد المزعج ، والبرد الشديد القاتل .وقوله : ( نَّحِسَاتٍ ) جمع نحسة - بفتح النون وكسر الحاء - صفة مشبهة من نحس - كفرح وكرم - ضد سعد .أى : فأرسلنا على قوم عاد ريحا شديدة الهبوب والصوت ، وشديدة البرودة أو الحرارة فى أيام نحاست أو مشئومات نكدات عليهم بسبب إصرارهم على كفرهم وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزى لهم فى الحياة الدنيا .( وَلَعَذَابُ الآخرة أخزى ) أى : أشد خزيا وإهانة لهم من عذاب الدنيا .( وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ ) أى : وهم لا يجدون أحدا يدفع عنهم هذا العذاب بحال من الأحوال .
اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في الآية الأولى أن يقول: ﴿ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ واستغفروه ﴾ أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه تعالى وبين هذه الأصنام في الإلهية والمعبودية، وذلك بأن بيّن كمال قدرته وحكمته في خلق السموات والأرض في مدة قليلة، فمن هذا صفته كيف يجوز جعل الأصنام الخسيسة شركاء له في الإلهية والمعبودية؟
فهذا تقرير النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير: أينكم لتكفرون بهمزة وياء بعدها خفيفة ساكنة بلا مد، وأما نافع في رواية قالون وأبو عمرو فعلى هذه الصورة، إلا أنهما يمدان، والباقون همزتين بلا مد.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ أَئِنَّكُمْ ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، وقد ذكر عنهم شيئين منكرين أحدهما: الكفر بالله.
وهو قوله: ﴿ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ﴾ وثانيهما: إثبات الشركاء والأنداد له، ويجب أن يكون الكفر المذكور أولاً مغايراً لإثبات الأنداد له، ضرورة أن عطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير، والأظهر أن المراد من كفرهم وجوه: الأول: قولهم إن الله تعالى لا يقدر على حشر الموتى، فلما نازعوا في ثبوت هذه القدرة فقد كفروا بالله الثاني: أنهم كانوا ينازعون في صحة التكليف، وفي بعثة الأنبياء، وكل ذلك قدح في الصفات المعتبرة في الإلهية، وهو كفر بالله الثالث: أنهم كانوا يضيفون إليه الأولاد، وذلك أيضاً قدح في الإلهية وهو يوجب الكفر بالله، فالحاصل أنهم كفروا بالله لأجل قولهم بهذه الأشياء، وأثبتوا الأنداد أيضاً لله لأجل قولهم بإلهية تلك الأصنام، واحتج تعالى على فساد قولهم بالتأثير فقال كيف يجوز الكفر بالله، وكيف يجوز جعل هذه الأصنام الخسيسة أنداداً لله تعالى، مع أنه تعالى هو الذي خلق الأرض في يومين، وتمم بقية مصالحها في يومين آخرين وخلق السموات بأسرها في يومين آخرين؟
فمن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة، كيف يعقل الكفر به وإنكار قدرته على الحشر والنشر، وكيف يعقل إنكار قدرته على التكليف وعلى بعثة الأنبياء، وكيف يعقل جعل هذه الأصنام الخسيسة أنداداً له في المعبودية والإلهية، فإن قيل من استدل بشيء على إثبات شيء، فذلك الشيء المستدل به يجب أن يكون مسلماً عند الخصم حتى يصح الاستدلال به، وكونه تعالى خالقاً للأرض في يومين أمر لا يمكن إثباته بالعقل المحض، وإنما يمكن إثباته بالسمع ووحي الأنبياء، والكفار كانوا منازعين في الوحي والنبوّة، فلا يعقل تقرير هذه المقدمة عليهم، وإذا امتنع تقرير هذه المقدمة عليهم امتنع الاستدلال بها على فساد مذاهبهم، قلنا إثبات كون السموات والأرض مخلوقة بطريق العمل ممكن، فإذا ثبت ذلك أمكن الاستدلال به على وجود الإله القادر القاهر العظيم، وحينئذ يقال للكافرين فكيف يعقل التسوية بين الإله الموصوف بهذه القدرة القاهرة وبين الصنم الذي هو جماد لا يضر ولا ينفع في المعبودية والإلهية؟
بقي أن يقال: فحينئذ لا يبقى في الاستدلال بكونه تعالى خالقاً للأرض في يومين أثر، فنقول هذا أيضاً له أثر في هذا الباب، وذلك لأن أول التوراة مشتمل على هذا المعنى، فكان ذلك في غاية الشهرة بين أهل الكتاب، فكفار مكة كانوا يعتقدون في أهل الكتاب أنهم أصحاب العلوم والحقائق، والظاهر أنهم كانوا قد سمعوا من أهل الكتاب هذه المعاني واعتقدوا في كونها حقة، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يحسن أن يقال لهم أن الإله الموصوف بالقدرة على خلق الأشياء العظيمة في هذه المدة الصغيرة كيف يليق بالعقل جعل الخشب المنجور والحجر المنحوت شريكاً له في المعبودية والإلهية؟
فظهر بما قررنا أن هذا الاستدلال قوي حسن.
وأما قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ رَبُّ العالمين ﴾ أي ذلك الموجود الذي علمت من صفته وقدرته أنه خلق الأرض في يومين هو رب العالمين وخالقهم ومبدعهم، فكيف أثبتم له أنداداً من الخشب والحجر؟
ثم إنه تعالى لما أخبر عن كونه خالقاً للأرض في يومين أخبر أنه أتى بثلاثة أنواع من الصنع العجيب والفعل البديع بعد ذلك فالأول: قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا ﴾ والمراد منها الجبال، وقد تقدم تفسير كونها ﴿ رَوَاسِيَ ﴾ في سورة النحل (15)، فإن قيل: ما الفائدة في قوله: ﴿ مّن فَوْقِهَا ﴾ ولم لم يقتصر على قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسيَ شامخات ﴾ ﴿ وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ ﴾ قلنا لأنه تعالى لو جعل فيها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، ولكنه تعالى قال خلقت هذه الجبال الثقال فوق الأرض، ليرى الإنسان بعينه أن الأرض والجبال أثقال على أثقال، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ، وما ذاك الحافظ المدبر إلا الله سبحانه وتعالى والنوع الثاني: مما أخبر الله تعالى في هذه الآية قوله: ﴿ وبارك فِيهَا ﴾ والبركة كثرة الخير والخيرات الحاصلة من الأرض أكثر مما يحيط به الشرح والبيان، وقد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد شق الأنهار وخلق الجبال وخلق الأشجار والثمار وخلق أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه من الخيرات والنوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ وفيه أقوال الأول: أن المعنى وقدر فيها أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، قال محمد بن كعب: قدر أقوات الأبدان قبل أن يخلق الأبدان والقول الثاني: قال مجاهد: وقدر فيها أقواتها من المطر، وعلى هذا القول فالأقوات للأرض لا للسكان، والمعنى أن الله تعالى قدر لكل أرض حظها من المطر والقول الثالث: أن المراد من إضافة الأقوات إلى الأرض كونها متولدة من تلك الأرض، وحادثة فيها لأن النحويين قالوا يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب فالشيء قد يضاف إلى فاعله تارة وإلى محله أخرى، فقوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ أي قدر الأقوات التي يختص حدوثها بها، وذلك لأنه تعالى جعل كل بلدة معدناً لنوع آخر من الأشياء المطلوبة، حتى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في تلك البلدة وبالعكس، فصار هذا المعنى سبباً لرغبة الناس في التجارات من اكتساب الأموال، ورأيت من كان يقول صنعة الزراعة والحراثة أكثر الحرف والصنائع بركة، لأن الله تعالى وضع الأرزاق والأقوات في الأرض قال: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ وإذا كانت الأقوات موضوعة في الأرض كان طلبها من الأرض متعيناً، ولما ذكر الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التدبير قال بعده: ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لّلسَّائِلِينَ ﴾ وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى ذكر أنه خلق الأرض في يومين، وذكر أنه أصلح هذه الأنواع الثلاثة في أربعة أيام أُخر، وذكر أنه خلق السموات في يومين، فيكون المجموع ثمانية أيام، لكنه ذكر في سائر الآيات أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام فلزم التناقض، واعلم أن العلماء أجابوا عنه بأن قالوا المراد من قوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ مع اليومين الأولين، وهذا كقول القائل سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة في خمسة عشر يوماً يريد كلا المسافتين، ويقول الرجل للرجل أعطيتك ألفاً في شهر وألوفاً في شهرين فيدخل الألف في الألوف والشهر في الشهرين.
السؤال الثاني: أنه لما ذكر أنه خلق الأرض في يومين، فلو ذكر أنه خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعد عن الشبهة وأبعد عن الغلط، فلم ترك هذا التصريح، وذكر ذلك الكلام المجمل؟
والجواب: أن قوله: ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لّلسَّائِلِينَ ﴾ فيه فائدة على ما إذا قال خلقت هذه الثلاثة في يومين، وذلك لأنه لو قال خلقت هذه الأشياء في يومين لم يفد هذا الكلام كون هذين اليومين مستغرقين بتلك الأعمال لأنه قد يقال عملت هذا العمل في يومين مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل، أما لما ذكر خلق الأرض وخلق هذه الأشياء، ثم قال بعده: ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لّلسَّائِلِينَ ﴾ دل ذلك على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ولا نقصان.
السؤال الثالث: كيف القراءات في قوله: ﴿ سَوَآء ﴾ ؟
والجواب: قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ سَوَآء ﴾ بالحركات الثلاثة الجر على الوصف والنصب على المصدر استوت سواء أي استواء والرفع على هي سواء.
السؤال الرابع: ما المراد من كون تلك الأيام الأربعة سواء؟
فنقول إن الأيام قد تكون متساوية المقادير كالأيام الموجودة في أماكن خط الاستواء وقد تكون مختلفة كالأيام الموجودة في سائر الأماكن، فبيّن تعالى أن تلك الأيام الأربعة كانت متساوية غير مختلفة.
السؤال الخامس: بم يتعلق قوله: ﴿ لّلسَّائِلِينَ ﴾ ؟
الجواب فيه وجهان: الأول: أن الزجاج قال قوله: ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ أي في تتمة أربعة أيام، إذا عرفت هذا فالتقدير ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ في تتمة أربعة أيام لأجل السائلين أي الطالبين للأقوات المحتاجين إليها والثاني: أنه متعلق بمحذوف والتقدير كأنه قيل هذا الحصر والبيان لأجل من سأل كم خلقت الأرض وما فيها، ولما شرح الله تعالى كيفية تخليق الأرض وما فيها أتبعه بكيفية تخليق السموات فقال: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجهاً لا يلتفت معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونظيره قولهم استقام إليه وامتد إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ والمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها، من غير صرف يصرفه ذلك.
البحث الثاني: ذكر صاحب الأثر أنه كان عرش الله على الماء قبل خلق السموات والأرض فأحدث الله في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فيبقى على وجه الماء فخلق الله منه اليبوسة وأحدث منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
واعلم أن هذه القصة غير موجودة في القرآن، فإن دل عليه دليل صحيح قبل وإلا فلا، وهذه القصة مذكورة في أول الكتاب الذي يزعم اليهود أنه التوراة، وفيه أنه تعالى خلق السماء من أجزاء مظلمة، وهذا هو المعقول لأنا قد دللنا في المعقولات على أن الظلمة ليست كيفية وجودية، بدليل أنه لو جلس إنسان في ضوء السراج وإنسان آخر في الظلمة، فإن الذي جلس في الضوء لا يرى مكان الجالس في الظلمة ويرى ذلك الهواء مظلماً، وأما الذي جلس في الظلمة فإنه يرى ذلك الذي كان جالساً في الضوء ويرى ذلك الهواء مضيئاً، ولو كانت الظلمة صفة قائمة بالهواء لما اختلفت الأحوال بحسب اختلاف أحوال الناظرين، فثبت أن الظلمة عبارة عن عدم النور، فالله سبحانه وتعالى لما خلق الأجزاء التي لا تتجزأ، فقبل أن خلق فيها كيفية الضوء كانت مظلمة عديمة النور، ثم لما ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً، وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة، فثبت أن تلك الأجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السموات والشمس والقمر كانت مظلمة، فصح تسميتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور، فهذا ما خطر بالبال في تفسير الدخان، والله أعلم بحقيقة الحال.
البحث الثالث: قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ مشعر بأن تخليق السماء حصل بعد تخليق الأرض، وقوله تعالى: ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ﴾ مشعر بأن تخليق الأرض حصل بعد تخليق السماء وذلك يوجب التناقض، واختلف العلماء في هذه المسألة، والجواب المشهور: أن يقال إنه تعالى خلق الأرض في يومين أولاً ثم خلق بعدها السماء، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض، وبهذا الطريق يزول التناقض، واعلم أن هذا الجواب مشكل عندي من وجوه: الأول: أنه تعالى بيّن أنه خلق الأرض في يومين، ثم إنه في اليوم الثالث ﴿ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة لأن خلق الجبال فيها لا يمكن إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة منبسطة، وقوله تعالى: ﴿ وبارك فِيهَا ﴾ مفسر بخلق الأشجار والنبات والحيوان فيها، وذلك لا يمكن إلا بعد صيرورتها منبسطة، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ فهذا يقتضي أنه تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن جعلها مدحوة، وحينئذ يعود السؤال المذكور الثاني: أنه قد دلّت الدلائل الهندسية على أن الأرض كرة، فهي في أول حدوثها إن قلنا إنها كانت كرة والآن بقيت كرة أيضاً فهي منذ خلقت كانت مدحوة، وإن قلنا إنها غير كرة ثم جعلت كرة فيلزم أن يقال إنها كانت مدحوة قبل ذلك ثم أزيل عنها هذه الصفة، وذلك باطل الثالث: أن الأرض جسم في غاية العظم، والجسم الذي يكون كذلك فإنه من أول دخوله في الوجود يكون مدحواً، فيكون القول بأنها ما كانت مدحوة، ثم صارت مدحوة قول باطل، والذي جاء في كتب التواريخ أن الأرض خلقت في موضع الصخرة ببيت المقدس، فهو كلام مشكل لأنه إن كانت المراد أنها على عظمها خلقت في ذلك الموضع، فهذا قول بتداخل الأجسام الكثيفة وهو محال، وإن كان المراد منه أنه خلق أولاً أجزاء صغيرة في ذلك الموضع ثم خلق بقية أجزائها، وأضيفت إلى تلك الأجزاء التي خلقت أولاً، فهذا يكون اعترافاً بأن تخليق الأرض وقع متأخراً عن تخليق السماء الرابع: أنه لما حصل تخليق ذات الأرض في يومين وتخليق سائر الأشياء الموجودة في الأرض في يومين آخرين وتخليق السموات في يومين آخرين كان مجموع ذلك ستة أيام، فإذا حصل دحو الأرض من بعد ذلك فقد حصل هذا الدحو في زمان آخر بعد الأيام الستة، فحينئذ يقع تخليق السموات والأرض في أكثر من ستة أيام وذلك باطل الخامس: أنه لا نزاع أن قوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ كناية عن إيجاد السماء والأرض، فلو تقدم إيجاد السماء على إيجاد الأرض لكان قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ يقتضي إيجاد الموجود وأنه محال باطل.
فهذا تمام البحث عن هذا الجواب المشهور، ونقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السموات قبل الأرض وتأويل قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دخان، وقال لها قبل أن يخلق الأرض فأضمر فيه كان كما قال تعالى: ﴿ قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ معناه إن يكن سرق، وقال تعالى: ﴿ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا ﴾ والمعنى فكان قد جاءها، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف، لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة ﴿ ثُمَّ ﴾ تقتضي التأخير، وكلمة كان تقتضي التقديم والجمع بينهما يفيد التناقض، وذلك دليل على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره وقد بينا أن قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ إنما حصل قبل وجودهما، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله: ﴿ ائتيا ﴾ على الأمر والتكليف، فوجب حمله على ما ذكرناه، بقي على لفظ الآية سؤالات.
السؤال الأول: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ ؟
الجواب: المقصود منه إظهار كمال القدرة والتقدير: ائتيا شئتما ذلك أو أبيتما، كما يقول الجبار لمن تحت يده لتفعلن هذا شئت أو لم تشأ، ولتفعلنه طوعاً أو كرهاً، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو مكرهين ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا ﴾ على الطوع لا على الكره، وقيل إنه تعالى ذكر السماء والأرض ثم ذكر الطوع والكره، فوجب أن يتصرف الطوع إلى السماء والكره إلى الأرض بتخصيص السماء بالطوع لوجوه: أحدها: أن السماء في دوام حركتها على نهج واحد لا يختلف، تشبه حيواناً مطيعاً لله تعالى بخلاف الأرض فإنها مختلفة الأحوال، تارة تكون في السكون وأخرى في الحركات المضطربة.
وثانيها: أن الموجود في السماء ليس لها إلا الطاعة، قال تعالى: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ وأما أهل الأرض فليس الأمر في حقهم كذلك.
وثالثها: السماء موصوفة بكمال الحال في جميع الأمور، قالوا إنها أفضل الألوان وهي المستنيرة، وأشكالها أفضل الأشكال وهي المستديرة، ومكانها أفضل الأمكنة وهو الجو العالي، وأجرامها أفضل الأجرام وهي الكواكب المتلألئة بخلاف الأرض فإنها مكان الظلمة والكثافة واختلاف الأحوال وتغير الذوات والصفات، فلا جرم وقع التعبير عن تكون السماء بالطوع وعن تكون الأرض بالكره، وإذا كان مدار خلق الأرض على الكره كان أهلها موصوفين أبداً بما ويوجب الكره والكرب والقهر والقسر.
السؤال الثاني: ما المراد من قوله: ﴿ ائتيا ﴾ ومن قوله: ﴿ أتينا ﴾ ؟
الجواب: المراد ائتيا إلى الوجود والحصول وهو كقوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وقيل المعنى ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، أي بأرض مدحوة قراراً ومهاداً وأي بسماء مقببة سقفاً لهم، ومعنى الإتيان الحصول والوقوع على وفق المراد، كما تقول أتى عمله مرضياً وجاء مقبولاً، ويجوز أيضاً أن يكون المعنى لتأتي كل واحدة منكم صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة والتدبير من كون الأرض قراراً للسماء وكون السماء سقفاً للأرض.
السؤال الثالث: هلا قيل طائعين على اللفظ أو طائعات على المعنى، لأنهما سموات وأرضون؟
الجواب: لما جعلن مخاطبات ومجيبات ووصفن بالطوع والكره قيل طائعين في موضع طائعات نحو قوله: ﴿ ساجدين ﴾ ومنهم من استدل به على كون السموات أحياء وقال الأرض في جوف السموات أقل من الذرة الصغيرة في جوف الجبل الكبير، فلهذا السبب صارت اللفظة الدالة العقل والحياة غالبة، إلا أن هذا القول باطل، لإجماع المتكلمين على فساده.
ثم قال تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِي يَوْمَيْنِ ﴾ وقضاء الشيء إنما هو إتمامه والفراغ منه والضمير في قوله: ﴿ فَقَضَاهُنَّ ﴾ يجوز أن يرجع إلى السماء على المعنى كما قال: ﴿ طَائِعِينَ ﴾ ونحوه ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بسبع سموات والفرق بين النصبين أن أحدهما على الحال والثاني على التمييز.
ذكر أهل الأثر أنه تعالى خلق الأرض في يوم الأحد والإثنين وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة، فإن قيل اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك إنما يحصل بسبب طلوع الشمس وغروبها، وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصول اليوم؟
قلنا معناه إنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار مقدراً بيوم.
ثم قال تعالى: ﴿ وأوحى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ﴾ قال مقاتل أمر في كل سماء بما أراد، وقال قتادة خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها، وقال السدي خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد، قال ولله في كل سماء بيت يحج إليه ويطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل الكعبة ولو وقعت منه حصاة ما وقعت إلا على الكعبة، والأقرب أن يقال قد ثبت في علم النحو أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، ولله تعالى على أهل كل سماء تكليف خاص، فمن الملائكة من هو في القيام من أول خلق العالم إلى قيام القيامة، ومنهم ركوع لا ينتصبون ومنهم سجود لا يرفعون، وإذا كان ذلك الأمر مختصاً بأهل ذلك السماء كان ذلك الأمر مختصاً بتلك السماء، وقوله تعالى: ﴿ وأوحى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ﴾ أي وكان قد خص كل سماء بالأمر المضاف إليها كقوله: ﴿ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا ﴾ والمعنى فكان قد جاءها، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء وكان قد أوحى، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة ثم تقتضي التأخير وكلمة كان تقتضي التقديم فالجمع بينهما تفيد التناقض، ونظيره قول القائل ضربت اليوم زيداً ثم ضربت عمراً بالأمس، فكما أن هذا باطل فكذا ما ذكرتموه وإنما يجوز تأويل كلام الله بما لا يؤدي إلى وقوع التناقض والركاكة فيه، والمختار عند أي يقال خلق السموات مقدم على خلق الأرض، بقي أن يقال كيف تأويل هذه الآية؟
فنقول: الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، والدليل عليه قوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال كن فيكون ﴾ فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لكان تقدير الآية أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون وهذا محال، لأنه يلزم أنه تعالى قد قال للشيء الذي وجد كن ثم إنه يكون وهذا محال، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، بل هو عبارة عن التقدير، والتقدير حق الله تعالى هو حكمه بأنه سيوجده وقضاؤه بذلك، وإذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿ خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ﴾ معناه أنه قضى بحدوثه في يومين، وقضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا، لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال، فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث السماء، ولا يلزم منه تقدم إحداث الأرض على إحدث السماء، وحينئذٍ يزول السؤال، فهذا ما وصلت إليه في هذه الموضع المشكل.
ثم قال تعالى: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَللأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ .
واعلم أن ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى أمر السماء والأرض بالإتيان فأطاعا وامتثلا وعند هذا حصل في الآية قولان: القول الأول: أن تجري هذه الآية على ظاهرها فنقول: إن الله تعالى أمرهما بالإتيان فأطاعاه قال القائلون بهذا القول وهذا غير مستبعد، ألا ترى أنه تعالى أمر الجبال أن تنطق مع داود عليه السلام فقال: ﴿ ياجبال أَوّبِي مَعَهُ والطير ﴾ والله تعالى تجلى للجبل قال: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ والله تعالى أنطق الأيدي والأرجل فقال: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله في ذات السماء والأرض حياة وعقلاً وفهماً، ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما، ويتأكد هذا الاحتمال بوجوه: الأول: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا إذا منع منه مانع، وهاهنا لا مانع، فوجب إجراؤه على ظاهره الثاني: أنه تعالى أخبر عنهما، فقال: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ وهذا الجمع جمع ما يعقل ويعلم الثالث: قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ﴾ وهذا يدل على كونها عارفة بالله، مخصوصة بتوجيه تكاليف الله عليها، والإشكال عليه أن يقال: المراد من قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ الإتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة، إذ لو كانت موجودة لصار حاصل هذا الأمر أن يقال: يا موجود كن موجوداً، وذلك لا يجوز فثبت أنها حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة ولا عارفة للخطاب، فلم يجز توجيه الأمر عليها، فإن قال قائل: روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: قال سبحانه للسموات أطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك، وكان الله تعالى أودع فيهما هذه الأشياء ثم أمرهما بإبرازها وإظهارها، فنقول فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من قوله: ﴿ أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ حدوثهما في ذاتهما، بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهرا ما كان مودعاً فيهما، إلا أن هذا الكلام باطل، لأنه تعالى قال: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِي يَوْمَيْنِ ﴾ والفاء للتعقيب، وذلك يدل على أن حدوث السموات إنما حصل بعد قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ فهذا جملة ما يمكن ذكره في هذا البحث.
القول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ قَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ ليس المراد منه توجيه الأمر والتكليف على السموات والأرض بل المراد منه أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الأمير المطاع، ونظيره قول القائل: قال الجدار للوتد لم تشقني؟
قال الوتد: أسأل من يدقني، فإن الحجر الذي ورائي ما خلاني ورائي.
واعلم أن هذا عدول عن الظاهر، وإنما جاز العدول عن الظاهر إذ قام دليل على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره، وقد بينا أن قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ إنما حصل قبل وجودهما، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ على الأمر والتكليف، فوجب حمله على ما ذكرنا.
واعلم أن إثبات الأمر والتكليف فيهما مشروط بحصول المأمور فيهما، وهذا يدل على أنه تعالى أسكن هذه السموات الملائكة، أو أنه تعالى أمرهم بأشياء ونهاهم عن أشياء، وليس في الآية ما يدل على أنه إنما خلق الملائكة مع السموات، أو أنه تعالى خلقهم قبل السموات، ثم إنه تعالى أسكنهم فيها، وأيضاً ليس في الآية بيان الشرائع التي أمر الملائكة بها، وهذه الأسرار لا تليق بعقول البشر، بل هي أعلى من مصاعد أفهامهم ومرامي أوهامهم، ثم قال: ﴿ وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ وهي النيرات التي خلقها في السموات، وخص كل واحد بضوء معين، وسر معين، وطبيعة معينة، لايعرفها إلا الله، ثم قال: ﴿ وَحِفْظاً ﴾ يعني وحفظناها حفظا، يعني من الشياطين الذين يسترقون السمع، فأعد لكل شيطان نجماً يرميه به ولا يخطئه، فمنها ما يحرق، ومنها ما يقتل ومنها ما يجعله مخبلاً، وعن ابن عباس أن اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن خلق السموات والأرض فقال: «خلق الله تعالى الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال والشجر في يومين وخلق في يوم الخميس السماء، وخلق في يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، ثم خلق آدم عليه السلام وأسكنه الجنة» ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد؟
قال: «ثم استوى على العرش» قالوا: ثم استراح فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه التفاصيل، قال: ﴿ ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم ﴾ والعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والعليم إشارة إلى كمال العلم، وما أحسن هذه الخاتمة، لأن تلك الأعمال لا تمكن إلا بقدرة كاملة وعلم محيط.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاستكبروا فِي الأرض ﴾ أي: تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم وهو القوّة وعظم الأَجرام.
أو استعلوا في الأرض واستولوا على أهلها بغير استحقاق للولاية ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم، وبلغ من قوّتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من الجبل فيقتلعها بيده.
فإن قلت: القوّة هي الشدّة والصلابة في البنية، وهي نقيضة الضعف.
وأما القدرة فما لأجله يصحّ الفعل من الفاعل من تميز بذات أو بصحة بنيه وهي نقيضة العجز والله سبحانه وتعالى لا يوصف بالقوّة إلاّ على معنى القدرة، فكيف صحّ قوله: ﴿ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ وإنما يصحّ إذا أريد بالقوّة في الموضعين شيء واحد؟
قلت: القدرة في الإنسان هي صحة البنية والاعتدال والقوّة والشدّة والصلابة في البنية، وحقيقتها: زيادة القدرة، فكما صحّ أن يقال: الله أقدر منهم، جاز أن يقال: أقوى منهم، على معنى: أنه يقدر لذاته على ما لا يقدرون عليه بازدياد قدرهم ﴿ يَجْحَدُونَ ﴾ كانوا يعرفون أنها حق، ولكنهم جحدوها كما يجحد المودع الوديعة، وهو معطوف على فاستكبروا، أي: كانوا كفرة فسقة.
الصرصر: العاصفة التي تصرصر، أي: تصوّت في هبوبها.
وقيل: الباردة التي تحرق بشدّة بردها، تكرير لبناء الصر وهو البرد الذي يصر أي: يجمع ويقبض ﴿ نحسات ﴾ قرئ بكسر الحاء وسكونها.
ونحس نحساً: نقيض سعد سعداً، وهو نحس.
وأما نحس، فإمّا مخفف نحس، أو صفة على فعل، كالضخم وشبهه.
أو وصف بمصدر.
وقرئ: ﴿ لتذيقهم ﴾ على أنّ الإذاقة للريح أو للأيام النحسات.
وأضاف العذاب إلى الخزي وهو الذل والاستكانة على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزي، كما تقول: فعل السوء، تريد: الفعل السيء، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَعَذَابُ الأخرة أخزى ﴾ وهو من الإسناد المجازي، ووصف العذاب بالخزي: أبلغ من وصفهم به.
ألا ترى إلى البون بين قوليك: هو شاعر، وله شعر شاعر.
<div class="verse-tafsir"
.
﴿ فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ فَتَعَظَّمُوا فِيها عَلى أهْلِها مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ.
﴿ وَقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً ﴾ اغْتِرارًا بِقُوَّتِهِمْ وشَوْكَتِهِمْ.
قِيلَ: كانَ مِن قُوَّتِهِمْ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم يَنْزِعُ الصَّخْرَةَ فَيَقْتَلِعُها بِيَدِهِ.
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ﴾ قُدْرَةً فَإنَّهُ قادِرٌ بِالذّاتِ مُقْتَدِرٌ عَلى ما لا يَتَناهى، قَوِيٌّ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ غَيْرُهُ.
﴿ وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ﴾ يَعْرِفُونَ أنَّها حَقٌّ ويُنْكِرُونَها وهو عَطْفٌ عَلى فاسْتَكْبَرُوا.
﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾ بارِدَةً تُهْلِكُ بِشِدَّةِ بَرْدِها مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ الَّذِي يَصِرُّ أيْ يَجْمَعُ، أوْ شَدِيدَةُ الصَّوْتِ في هُبُوبِها مِنَ الصَّرِيرِ.
﴿ فِي أيّامٍ نَحِساتٍ ﴾ جَمْعُ نَحِسَةٍ مَن نَحِسَ نَحَسًا نَقِيضُ سَعِدَ سَعْدًا، وقَرَأ الحِجازِيّانِ والبَصْرِيّانِ بِالسُّكُونِ عَلى التَّخْفِيفِ أوِ النَّعْتِ عَلى فَعْلٍ، أوِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، قِيلَ: كُنْ آخِرَ شَوّالٍ مِنَ الأرْبِعاءِ إلى الأرْبِعاءِ وما عُذِّبَ قَوْمٌ إلّا في يَوْمِ الأرْبِعاءِ.
﴿ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أضافَ ال عَذابَ إلى الخِزْيِ وهو الذُّلُّ عَلى قَصْدِ وصْفِهِ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى ﴾ وهو في الأصْلِ صِفَةُ المُعَذَّبِ وإنَّما وصَفَ بِهِ العَذابَ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿ وَهم لا يُنْصَرُونَ ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم.
<div class="verse-tafsir"
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} عاصفة تصرصر أي تصوت في هبوبها من الصرير أو باردة تحرق بشدة بردها تكرير لبناء الصر وهو البردقيل انها الدبور {في أيام نحسات} مشئومات عليهم نَّحِسَاتٍ مكي وبصري ونافع ونُحِس نحساً نقيض سعد سعداً وهو نحس وأما نحس فإما مخفف نحس أو صفة على فعل أو وصف بمصدر وكانت من الأربعاء في آخر شوال إلى الأربعاء وما عذب قوم إلا في الأربعاء {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا} أضاف العذاب إلى الخزي وهو الذل على انه وصف العذاب كأنه قال عذاب خزي كما تقول فعل السوء تريد الفعل السيء ويدل عليه قوله {وَلَعَذَابُ الآخرة أخزى} وهو من الإسناد المجازي ووصف العذاب بالخزي أبلغ من وصفهم به فشتان ما بين قوليك هو شاعر وله شعر شاعر {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ} من الأصنام التي عبدوها على رجاء النصر لهم
﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةُ السَّمُومِ فَهو مِنَ الصَّرِّ بِفَتْحِ الصّادِ بِمَعْنى الحَرِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: بارِدَةٌ تُهْلِكُ بِشِدَّةِ بَرْدِها مِنَ الصَّرِّ بِكَسْرِ الصّادِ وهو البَرْدُ الَّذِي يُصِرُّ أيْ يَجْمَعُ ظاهِرَ جِلْدِ الإنْسانِ ويَقْبِضُهُ والأوَّلُ أنْسَبُ لِدِيارِ العَرَبِ، وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا وأبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ: مُصَوِّتَةٌ مِن صَرَّ يَصِرُّ إذا صَوَّتَ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصَّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ ومِنهُ ﴿ فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ ﴾ وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ تَعالى أمَرَ خَزَنَةَ الرِّيحِ فَفَتَحُوا عَلَيْهِمْ قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ ولَوْ فَتَحُوا قَدْرَ مِنخَرِ الثَّوْرِ لَهَلَكَتِ الدُّنْيا»، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ العِيرَ بِأوْقارِها فَتَرْمِيهِمْ في البَحْرِ ﴿ فِي أيّامٍ نَحِساتٍ ﴾ جَمْعُ نَحِسَةٍ بِكَسْرِ الحاءِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن نَحِسَ نِحْسًا كَعَلِمَ عِلْمًا نَقِيضُ سَعِدَ سَعْدًا.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والنَّخَعِيُّ وعِيسى والأعْرَجُ «نُحُساتٍ» بِسُكُونِ الحاءِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صِفَةً مُخَفَّفًا مِن فَعِلَ كَصَعِبَ.
وفي البَحْرِ تَتَبَّعْتُ ما ذَكَرَهُ التَّصْرِيفِيُّونَ مِمّا جاءَ صِفَةً مِن فَعِلَ اللّازِمِ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ فِعْلًا بِسُكُونِ العَيْنِ وإنَّما ذَكَرُوا فِعْلًا بِالكَسْرِ كَفَرِحَ وأفْعَلُ كَأحْوَرُ وفَعْلانَ كَشَبْعانَ وفاعِلًا كَسالِمٍ، وهو صِفَةٌ ( أيّامٍ ) وجُمِعَ بِالألِفِ والتّاءِ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِما لا يَعْقِلُ، والمُرادُ بِها مَشائِيمُ عَلَيْهِمْ لِما أنَّهم عُذِّبُوا فِيها، فاليَوْمُ الواحِدُ يُوصَفُ بِالنَّحْسِ والسَّعْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى شَخْصَيْنِ فَيُقالُ لَهُ سَعْدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُنَعَّمُ فِيهِ، ويُقالُ لَهُ نَحْسٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُعَذَّبُ، ولَيْسَ هَذا مِمّا يَزْعُمُهُ النّاسُ مِن خُصُوصِيّاتِ الأوْقاتِ، لَكِنْ ذَكَرَ الكَرْمانِيُّ في مَناسِكِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الأيّامُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ بَعْضَها نُحُوسًا وبَعْضَها سُعُودًا، وتَفْسِيرُ ﴿ نَحِساتٍ ﴾ بِمَشائِيمَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وقالَ الضَّحّاكُ: أيْ شَدِيدَةُ البَرْدِ حَتّى كَأنَّ البَرْدَ عَذابٌ لَهم، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ في النَّحْسِ بِمَعْنى البَرْدِ: كَأنَّ سُلافَهُ مُزِجَتْ بِنَحْسٍ وقِيلَ: نَحِساتٌ ذَواتُ غُبارٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: قَدِ اغْتَدى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ∗∗∗ لِلصَّيْدِ في يَوْمٍ قَلِيلِ النَّحْسِ يُرِيدُ قَلِيلَ الغُبارِ، وكانَتْ هَذِهِ الأيّامُ مِن آخِرِ شُباطٍ وتُسَمّى أيّامَ العَجُوزِ، وكانَتْ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ آخِرَ شَوّالٍ مِنَ الأرْبِعاءِ إلى الأرْبِعاءِ، ورُوِيَ ما عُذِّبَ قَوْمٌ إلّا في يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وقالَ السُّدِّيُّ: أوَّلُها غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أُضِيفَ العَذابُ إلى الخِزْيِ وهو الذُّلُّ عَلى قَصْدِ وصْفِهِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى ﴾ وهو في الأصْلِ صِفَةُ المُعَذَّبِ وإنَّما وُصِفَ بِهِ العَذابُ عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذُلَّ الكافِرِ زادَ حَتّى اتَّصَفَ بِهِ عَذابُهُ كَما قَرَّرَ في قَوْلِهِمْ: شِعْرٌ شاعِرٌ، وهَذا في مُقابَلَةِ اسْتِكْبارِهِمْ وتَعَظُّمِهِمْ.
وقُرِئَ «لِتُذِيقَهم» بِالتّاءِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ الرِّيحِ أوِ الأيّامِ النَّحِساتِ ﴿ وهم لا يُنْصَرُونَ ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
<div class="verse-tafsir"
يقول الله تعالى للنبي : قُلْ يا محمد، إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يعني: آدمياً مثلكم، يُوحى إِلَيَّ ما أبلغكم من الرسالة، أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ يعني: أقروا له بالتوحيد، وَاسْتَغْفِرُوهُ من الشرك، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ يعني: الشدة من العذاب للمشركين، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني: لا يعطون الزكاة، ولا يقرون بها، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ يعني: بالبعث بعد الموت.
ثم وصف المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: صدقوا بالله، وأدوا الفرائض، لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني: غير منقوص.
ويقال: غير مقطوع.
عنهم في حال ضعفهم، ومرضهم.
فقال عز وجل: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التهديد والزجر.
يعني: أإنكم لتكذبون بالخالق الذي خلق الأرض في يومين، يوم الأحد ويوم الاثنين.
فبدأ خلقها في يوم الأحد، وبسطها في يوم الاثنين، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً يعني: تصفون له شركاء من الآلهة، ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ يعني: الذي خلق الأرض، فهو رب جميع الخلق، ولو أراد الله أن يخلقها في لحظة واحدة لفعل، وكان قادراً.
ولكنه أحب أن يبصر الخلق وجوه الأناة، والقدرة على خَلَقَ السموات والأرض فِي أيام كثيرة، وفي لحظة واحدة سواء، لأن الخلق عاجزون عن مثقال ذرة منها، وكان ابتداء خلق الأرض في يوم الأحد، وإتمام خلقها، وبسطها في يوم الاثنين.
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها يعني: وخلق في الأرض الرواسي.
يعني: الجبال الثوابت من فوقها، وَبارَكَ فِيها بالماء، والشجر، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها يعني: قسم فيها الأرزاق.
وقال عكرمة: قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها يعني: قدر في كل قرية عملاً لا يصلح في الأخرى، مثل النيسابوري لا يكون إلا بنيسابور، والهروي لا يكون إلا بهراة.
وقال قتادة: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال: جبالها، ودوابها، وأنهارها، وثمارها.
وقال الحسن وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال: أرزاقها.
وقال مقاتل: يعني: أرزاقها، ومعايشها وروى الأعمش عن أبي ظبيان، عن ابن عباس م قال: أول مَا خَلَقَ الله مِن شيء، خلق القلم.
فقال له اكتب.
فقال: يا رب وما أكتب؟
فقال: اكتب القدر.
فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم القيامة.
ثم خلق النون، ثم رفع بخار الماء، ففتق منه السموات، ثم بسط الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فتمادت الأرض، فأوتدت بالجبال.
ثم قال: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يعني: من أيام الآخرة.
ويقال: من أيام الدنيا، سَواءً لِلسَّائِلِينَ يعني: لمن سأل الرزق ومن لم يسأل.
وقال مقاتل: سَواءً لِلسَّائِلِينَ يعني: عدلاً لمن سأل الرزق، كقوله: وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ [ص: 22] يعني: عدلاً.
وقال ابن عباس: سألت رسول الله عن هذه الآية، فقال: «خَلَقَ الأَرْوَاحَ، قَبْلَ الأَجْسَادَ بأَرْبَعِ آلافِ سَنَة» ، وهكذا خلق الأرزاق قبل الأرواح بأربع آلاف سنة فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً.
قرأ الحسن: سَوَآء بكسر الألف.
وقرأ أبو جعفر المدني: سَوَآء بالضم.
وقراءة العامة: بالنصب.
فمن قرأ: بالكسر، جعل سواء صفة للأيام، والمعنى في أربعة أيام، مستويات، تامات للسائلين.
ومن قرأ: بالضم، فمعناه في أربعة أيام وقد تم الكلام.
ثم استأنف فقال: سَواءً لِلسَّائِلِينَ ومن قرأ: بالنصب.
يعني: قدرها سواء صار نصباً على المصدر.
ومعناه: استوت استواءً.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي: صعد أمره إلى السماء، وهو قوله: كُنْ ويقال: عمد إلى خلق السماء وَهِيَ دُخانٌ يعني: بخار الماء كهيئة الدخان.
وذلك أنه لما خلق العرش، لم يكن تحت العرش شيء سوى الماء كما قال.
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء، ثم ألقى الحرارة على الماء حتى ظهر منه البخار، فارتفع بخاره كهيئة الدخان، فارتفع البخار، وألقى الريح الزبد على الماء، فزيد الماء، فخلق الأرض من الزبد، وخلق السماء من الدخان وهو البخار.
ثم قال تعالى: وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ يعني: للسماء، والأرض، ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً يعني: اعطيا الطاعة، طوعاً أو كرهاً.
يعني: ائتيا بالمعرفة لربكما، والذكر له طوعاً، أو كرهاً، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فأعطيا الطاعة بالطوع.
ويقال: كانت السماء رتقاً عن المطر، والأرض عن النبات، فقال لهما ائْتِيا يعني: أعطيا، وأخرجا ما فيكما من المطر، والنبات منفعة للخلق إن شئتما طائعين، وإن شئتما كارهين.
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ يعني: أخرجنا ما فينا طائعين غير كارهين.
وروي عن مجاهد أنه قال: معناه يا سماء أبرزي شمسك، وقمرك، ونجومك، ويا أرض أخرجي نباتك طوعاً، أو كرهاً.
ويقال: هذا على وجه المثل، يعني: أمرهما بإخراج ما فيهما، فأخرجتا طائعتين.
قوله عز وجل: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها يعني: أمر أهل كل سماء بأمرها.
قال السدي: خلق في كل سماء، خلقاً من الملائكة، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ يعني: بالنجوم وَحِفْظاً يعني: من الشياطين أن يسترقوا السمع ذلِكَ أي: الذي ذكر من صنعه تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ بخلقه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ معناه: بقدرته واختراعه إلى خلق السماء وإيجادها.
وقوله تعالى: وَهِيَ دُخانٌ رُوِيَ: أنَّها كانت جسماً رخْواً كالدُّخَانِ أوِ البُخَارِ، ورُوِيَ: أَنَّه ممَّا أَمَرَهُ اللَّه تعالى أنْ يَصْعَدَ مِنَ الماء، وهنا محذوفٌ، تقديرهُ: فأوجَدَهَا، وأتقنها، وأكمل أمْرهَا، وحينئذٍ قال لها وللأرْضِ أئتيا بمعنى ائتيا أمري وإرادتي فيكما، وقرأ ابن عباس: «آتِيَا» «١» بمعنى: أعطيا مِنْ أنْفُسِكُمَا من الطاعة ما أردتُهُ منكما «٢» ، والإشارةُ بهذا كلِّه إلى تسخيرهما وما قَدَّرَهُ اللَّه من أعمالهما.
وقوله: أَوْ كَرْهاً فيه محذوف تقديره ائتيا طَوْعاً وإلاَّ أتيتما كرهاً.
وقوله سبحانه: قالَتا أراد الفرقتَيْنِ جعل السمواتِ سماءً والأرضِينَ أرْضاً، واختلف في هذه المقالةِ مِنَ السموات والأرضِ، هَلْ هُوَ نُطْقٌ حقيقةٌ أو هو مجازٌ؟
لما ظهر عليها من التذلُّل والخضوعِ والانقيادِ الذي يتنزل منزلة النطق، قال- عليه السلام «٣» : والقول الأَوَّل: أَنَّه نُطْقٌ حقيقة- أَحْسَنُ لأَنه لا شَيْءَ يدفعه-، وأَنَّ العبرة به أَتَمُّ والقدرة فيه أظهر.
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥)
وقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ معناه: فَصَنَعَهُنَّ وأَوْجَدَهُنَّ، ومنه قول أبي ذُؤَيْبٍ:
[الكامل]
وَعَلَيْهِمَا/ مسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا ...
داوود أو صنع السّوابغ تبّع «٤»
وقوله تعالى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قال مجاهد وقتادة: أوحى إلى سُكَّانِها وَعَمَرَتِها من الملائكة وإليها هي في نَفْسِهَا- ما شاء الله تعالى- مِنَ الأَمُورِ التي بها قوامها وصلاحها «١» .
وقوله: ذلِكَ إشارة إلَى جَمِيعِ ما ذكر، أي: أوْجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ، وأحكمه بِعِلْمِهِ.
وقوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا يعني: قريشاً، والعرب الذين دَعَوتَهُم إلى عبادة اللَّه تعالى عن هذه الآيات البَيِّنَات فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وقرأ النّخعي وغيره: صعقة فيهما «٢» ، وهذه قراءة بَيِّنَةُ المعنى لأنَّ الصعقة الهلاكُ الوَحيُّ، وأمَّا الأولى فهي تشبيهٌ بالصاعقةِ، وهي الوقعة الشديدة من صوت الرعد، فشُبِّهَتْ هنا وقعةُ العذاب بها لأنَّ عاداً لم تُعَذَّبْ إلاَّ بِرِيحٍ، وإنَّما هذا تشبيهٌ واستعارة، وعبارةُ الثعلبيِّ:
صاعِقَةً أي: واقعةٌ وعقوبةٌ مِثْلُ صاعقةِ عَادٍ وثَمُودَ، انتهى، قال ع «٣» : وَخَصَّ عاداً وثَمُودَ بالذِّكْر لوقوفِ قُرَيْشٍ على بلادها في اليمن وفي الحِجْرِ في طريق الشام، قال الثعلبيّ: ومِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني: قبلهم وبعدهم، وقامت الحُجَّةُ عليهم في أَنَّ الرسالة والنذارة عمتهم خبراً ومباشرة، وقال ع «٤» قوله: وَمِنْ خَلْفِهِمْ أي:
جاءهم رسول بعد اكتمال أعمارهم وبعد تَقَدُّمِ وجودهم في الزَّمَنِ، فلذلك قال: وَمِنْ خَلْفِهِمْ ولا يتوجه أنْ يجعل وَمِنْ خَلْفِهِمْ عبارة عَمَّا أتى بعدهم لأنَّ ذلك لا يلحقهم منه تقصير.
ت: وما تقدم للثعلبيِّ وغيره أَحْسَنُ لأَنَّ مقصد الآية اتصال النذارة بهم وبمن قبلهم وبمن بعدهم إذ ما من أُمَّةٍ إلاَّ وفيها نذير، وكما قال تعالى: رُسُلَنا تَتْرا ...
[المؤمنون: ٤٤] وأيضاً فإنَّه جمع في اللفظ عاداً وثمود وبالضرورة أَنَّ/ الرسولَ الذي أُرْسِلَ إلى ثمودَ هو بَعْدَ عادٍ، فليس لِرَدِّ ع: وَجْهٌ فتأمله.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، والسُّدِّيُّ، والأكْثَرُونَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي، فَقالَ: "خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ فِيها يَوْمَ الإثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ "يَوْمَ الخَمِيسِ"،» وهَذا الحَدِيثُ يُخالِفُ ما تَقَدَّمَ، وهو أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٢] و ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ ﴿ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ .
﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِ الأرْضِ، ﴿ وَبارَكَ فِيها ﴾ بِالأشْجارِ والثِّمارِ والحُبُوبِ والأنْهارِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ فِيها: أنْ يُنَمِّيَ فِيها الزَّرْعَ، فَتُخْرِجُ الحَبَّةُ حَبّاتٍ، والنَّواةُ نَخْلَةً ﴿ وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ قُوتٍ، وهي الأرْزاقُ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّقْدِيرِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ شَقَّقَ الأنْهارَ وغَرَسَ الأشْجارَ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ قَسَّمَ أرْزاقَ العِبادِ والبَهائِمِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أقْواتُها مِنَ المَطَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: قَدَّرَ لِكُلِّ بَلْدَةٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى كَما أنَّ ثِيابَ اليَمَنِ لا تَصْلُحُ إلّا بِـ "اليَمَنِ" والهَرَوِيَّةِ بِـ "هَراةٍ"، لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: قَدَّرَ البُرَّ لِأهْلِ قُطْرٍ، والتَّمْرَ لِأهْلِ قُطْرٍ، والذُّرَةَ لِأهْلِ قُطْرٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ.
قالَ الأخْفَشُ: ومْثُلُهُ [أنْ] تَقُولُ: تَزَوَّجْتُ أمْسِ امْرَأةً، واليَوْمَ ثِنْتَيْنِ، وإحْداهُما الَّتِي تَزَوَّجْتُها أمْسِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: الثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، وهُما مَعَ الأحَدِ والإثْنَيْنِ أرْبَعَةُ أيّامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءً ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "سَواءٌ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ: "سَواءٍ" بِالجَرِّ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ العَشْرَةِ: بِالنَّصْبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالخَفْضِ، جَعَلَ "سَواءً" مِن صِفَةِ الأيّامِ؛ فالمَعْنى: في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِياتٍ تامّاتٍ؛ ومَن نَصَبَ، فَعَلى المَصْدَرِ؛ فالمَعْنى: اسْتَوَتْ سَواءً واسْتِواءً؛ ومَن رَفَعَ، فَعَلى مَعْنى: هي سَواءٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لِلسّائِلِينَ ﴾ وجْهانِ.
أحَدُهُما: لِلسّائِلِينَ القُوتَ، لِأنَّ كُلًّا يَطْلُبُ القُوتَ ويَسْألُهُ.
والثّانِي: لِمَن يَسْألُ: في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ؟
فَيُقالُ: خُلِقَتْ في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً، لا زِيادَةَ ولا نُقْصانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٩] ﴿ وَهِيَ دُخانٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ [الماءَ] أرْسَلَ عَلَيْهِ الرِّيحَ فَثارَ مِنهُ دُخانٌ فارْتَفَعَ وسَما، فَسَمّاهُ سَماءً.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الأرْضَ أرْسَلَ عَلَيْها نارًا، فارْتَفَعَ مِنها دُخانٌ فَسَما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ لِلسَّماءِ: أظْهِرِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، وقالَ لِلْأرْضِ: شَقِّقِي أنْهارَكِ، وأخْرِجِي ثِمارَكِ، ﴿ طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: طائِعاتٍ، لِأنَّهُنَّ جَرَيْنَ مَجْرى ما يَعْقِلُ ويُمَيِّزُ، كَما قالَ في النُّجُومِ: ﴿ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ ، قالَ: وقَدْ قِيلَ: أتَيْنا نَحْنُ ومَن فِينا طائِعِينَ.
﴿ فَقَضاهُنَّ ﴾ أيْ: خَلْقَهُنَّ وصُنْعَهُنَّ، قالَ أبُو ذَؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ مَعْناهُ: عَمِلَهُما وصَنَعَهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: وهَما يَوْمُ الخَمِيسِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الأحَدُ والِاثْنَيْنِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ.
وقَدْ بَيَّنّا مِقْدارَ هَذِهِ الأيّامِ في [الأعْرافِ: ٥٤] .
﴿ وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أوْحى ما أرادَ، وأمَرَ بِما شاءَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: خَلَقَ في كُلِّ سَماءِ خَلْقَها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا ﴾ أيِ: القُرْبى إلى الأرْضِ ﴿ بِمَصابِيحَ ﴾ وهي النُّجُومُ، والمَصابِيحُ: السُّرُجُ، فَسُمِّيَ الكَوْكَبُ مِصْباحًا، لِإضاءَتِهِ ﴿ وَحِفْظًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: وحَفِظْناها مِنِ اسْتِماعِ الشَّياطِينِ بِالكَواكِبِ حِفْظًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ ﴾ ﴿ إذْ جاءَتْهُمُ الرُسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ ﴿ فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ﴾ المَعْنى: فَإنَّ أعْرَضَتْ قُرَيْشٌ والعَرَبُ الَّذِينَ دَعَوْتُهم إلى اللهِ تَعالى عن هَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ، فَأعْلِمْهم بِأنَّكَ تُحَذِّرْهم أنْ يُصِيبَهم مِنَ العَذابِ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الَّتِي كَذَّبَتْ كَما تُكَذِّبُ هي الآنَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً"، ﴾ وقَرَأ النَخْعِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٌ: "صَعْقَةٌ مِثْلَ صَعْقَةِ"، فَأمّا هَذِهِ القِراءَةُ الأخِيرَةُ، فَفِيها المَعْنى بَيِّنٌ؛ لِأنَّ الصَعْقَةَ: الهَلاكُ لِلْإنْسانِ، وأمّا الأُولى، فالمَعْرُوفُ في الصاعِقَةِ أنَّها الوَقْعَةُ الشَدِيدَةُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، وهي تَكُونُ مَعَها في الأحْيانِ قِطْعَةُ نارٍ، فَشُبِّهَتْ هُنا وقْعَةُ العَذابِ بِها؛ لِأنَّ عادًا لَمْ تُعَذَّبْ إلّا بِرِيحٍ، وإنَّما هَذا تَشْبِيهٌ واسْتِعارَةٌ، وبِالوَقْعَةِ فَسَرَّ هُنا الصاعِقَةَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وخَصَّ عادًا وثَمُودًا بِالذِكْرِ لِوُقُوفِ قُرَيْشٍ عَلى بِلادِها في اليَمَنِ وفي الحَجَرِ في طَرِيقِ الشامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ ، أيْ: قَدْ تَقَدَّمُوا في الزَمَنِ واتَّصَلَتْ نِذارَتُهم إلى أعْمارِ عادٍ وثَمُودٍ، وبِهَذا الِاتِّصالِ قامَتِ الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ ، أيْ: جاءَهم رَسُولٌ بَعْدَ اكْتِمالِ أعْمارِهِمْ وبَعْدَ تَقَدُّمِ وجُودِهِمْ في الزَمَنِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ ، وجاءَ مِن مَجْمُوعِ العِبارَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في أنَّ الرِسالَةَ والنِذارَةَ عَمَّتْهم خَبَرًا ومُباشَرَةً، ولا يَتَوَجَّهُ أنْ يَجْعَلَ ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ عِبارَةً عَمّا أتى بَعْدَهم في الزَمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَلْحَقُهم مِنهُ تَقْصِيرٌ، وأمّا الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، فَقالَ: إنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ عَلى الأُمَمِ، وتابَعَهُ الثَعْلَبِيُّ، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ الضَمائِرَ ويُشَعِّبُ المَعْنى.
و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ ﴾ نَصْبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، التَقْدِيرُ: "بِأنْ"، و"تَعْبُدُوا" مَجْزُومٌ عَلى النَهْيِ، ويَتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنْ تَكُونَ "لا" نافِيَةٌ، وفِيهِ بُعْدٌ، وكانَ مِن تِلْكَ الأُمَمِ إنْكارُ بِعْثَةِ البَشَرِ واسْتِدْعاءُ المَلائِكَةِ، وهَذِهِ أيْضًا كانَتْ مِن مَقالاتِقُرَيْشٍ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِأنَّهم أُرْسِلُوا بِشَيْءٍ، وإنَّما مَعْناهُ: عَلى زَعْمِكم ودَعْواكم.
ثُمَّ وصَفَ حالَةَ القَوْمِ، وأنَّ عادًا طَلَبُوا التَكَبُّرَ ووَضَعُوا أنْفُسَهم فِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، بَلْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وغَوَتْهم قُوَّتُهم وعِظَمُ أبْدانِهِمْ والنِعَمُ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ -: ﴿ مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً ﴾ ؟
أيْ: لا أحَدَ أشَدَّ مِنّا قُوَّةً، فَعَرَضَ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ﴾ ، وهَذا بَيِّنٌ في العَقْلِ، فَإنَّ المُوجِدَ لِلشَّيْءِ المُخْتَرِعَ لَهُ المُذْهِبَ مَتى شاءَ هو أقْوى مِنهُ، وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عنهم بِجُحُودِهِمْ لِآياتِهِ المَنصُوبَةِ لِلنَّظَرِ والمُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِهِ؛ إذْ لَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن حُكي عن عاد وثمود ما اشترك فيه الأمتان من الكابرة والإصرار على الكفر فصّل هنا بعض ما اختصت به كل أمة منهما من صورة الكفر، وذكر من ذلك ما له مناسبة لما حلّ بكل أمة منهما من العذاب.
والفاء تفريع على جملة ﴿ قَالُوا لَو شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائكَةً ﴾ [فصلت: 14] المقتضية أنهم رفضوا دعوَة رسوليهم ولم يقبلوا إرشادهما واستدلالهما.
و ﴿ أَمَّا ﴾ حرف شرط وتفصيل، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ﴾ في سورة البقرة (26).
والمعنى: فأما عاد فمنعهم من قبول الهدى استكبارهم.
والاستكبار: المبالغة في الكبر، أي التعاظم واحتقار الناس، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل: استجاب، والتعريف في ﴿ الأرْض ﴾ للعهد، أي أرضهم المعهودة.
وإنما ذُكر من مساويهم الاستكبار لأن تكبرهم هو الذين صرفهم عن اتباع رسولهم وعن توقع عقاب الله.
وقوله: ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ زيادة تشنيع لاستكبارهم، فإن الاستكبار لا يكون بحق إذ لا مبرر للكبر بوجه من الوجوه لأن جميع الأمور المغريات بالكبر من العلم والمال والسلطان والقوة وغير ذلك لا تُبلغ الإِنسان مبلغ الخلوّ عن النقص وليس للضعيف الناقص حق في الكبر ولذلك كان الكبر من خصائص الله تعالى.
وهم قد اغترُّوا بقوة أجسامهم وعزة أمتهم وادعوا أنهم لا يغلبهم أحد، وهو معنى قولهم: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةً ﴾ فقولهم ذلك هو سبب استكبارهم لأنه أورثهم الاستخفاف بمن عداهم، فلما جاءهم هود بإنكار ما هم عليه من الشرك والطغيان عظم عليهم ذلك لأنهم اعتادوا العجب بأنفسهم وأحوالهم فكذبوا رسولهم.
فلما كان اغترارهم بقوتهم هو باعثَهم على الكفر وكان قولهم: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةً ﴾ دليلاً عليه خصّ بالذكر.
وإنما عطف بالواو مع أنه كالبيان لقوله: ﴿ فَاسْتَكْبَرُوا في الأرْضضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ إشارة إلى استقلاله بكونه مُوجب الإِنكار عليهم، لأن قولهم ذلك هو بمفرده منكر من القول فذُكر بالعطف على فعل «استكبروا» لأن شأن العطف أن يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، ويعلم أنه باعثهم على الاستكبار بالسياق.
وجملة ﴿ أوَلَم يَرَوا أنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُم قُوَّةً ﴾ جملة معترضة، والواو اعتراضية.
والرؤية علمية، والاستفهام إنكاري، والمعنى: إنكار عدم علمهم بأن الله أشد منهم قوة حيث أعرضوا عن رسالة رسول ربهم وعن إنذاره إياهم إعراضَ من لا يكترث بعظمة الله تعالى لأنهم لو حسبوا لذلك حسابه لتوقعوا عذابَه فَلأَقْبلوا على النظر في دلائل صدق رسولهم.
وإجراءُ وصف ﴿ الَّذِي خَلَقَهُمْ ﴾ على اسم الجلالة لما في الصلة من الإِيماء إلى وجه الإِنكار عليهم لجهلهم بأن الله أقوى منهم فإن كونهم مخلوقين معلوم لهم بالضرورة، فكان العلم به كافياً في الدلالة على أنه أشدّ منهم قوة، وأنه حقيق بأن يحسبوا لغضبه حسابه فينظروا في أدلة صدق رسوله إليهم.
وضمير ﴿ هُوَ أشَدُّ مِنْهُم ﴾ ضمير فصل، وهو مفيد تقوية الحكم بمعنى وضوحه، وإذا كان ذلك الحكم محققاً كان عدم علمهم بمقتضاه أشنع وعذرهم في جهله منتفياً.
والقوة حقيقتها: حالة في الجسم يتأتّى بها أن يعمل الأعمال الشاقة، وتطلق على لازم ذلك من القدرة ووسائل الأعمال، وقد تقدم بيان إطلاقها في قوله تعالى: ﴿ فخذها بقوة ﴾ في سورة الأعراف (145)، والمراد بها هنا معناها الحقيقي والكنائي والمجازي، فهو مستعمل في حقيقته تصريحاً وكنايةً، ومجازِه لما عندهم من وسائل تذليل صعَاب الأمور لقوة أجسامهم وقوة عقولهم.
والعرب تضرب المثل بِعَادٍ في أصالة آرائهم فيقولون: أحلام عاد، قال النابغة: أَحلامُ عادٍ وأجسامٌ مطهرة *** من المَعَقَّةِ والآفاتتِ والإِثَمِ ويقولون في وصف الأشياء التي يقل صنع أمثالها: عاديَّة يقولون: بئر عاديَّة، وبناءٌ عَاديّ.
ولما كانت القوّة تستلزم سعة القدرة أسند القوة إلى الله تعالى بمعنى أن قدرته تعالى لا يستعصي عليها شيء تتعلق به إرادته تعالى، وهذا المراد هنا في قوله: ﴿ أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ﴾ أي هو أوسع قدرة من قدرتهم فإطلاق القوة على قدرة الله تعالى بمعنى كماللِ القدرة، أي عموم تأثيرها وتعلقها بالممكنات على وفق الإِرادة لا يستعصي على تعلق قدرته شيء ممكنٌ، وكماللِ غِناه عن التأثّر للغير، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن اللَّه قوي شديد العقاب ﴾ في سورة الأنفال (52).
وجملة ﴿ أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ﴾ معترضة بين الجمل المتعاطفة، والواو فيها اعتراضية.
وقوله: ﴿ وَكَانُوا بئآياتنا يَجْحَدُون ﴾ يحتمل أن المراد بالآيات معجزات رسولهم هود فلم يؤمنوا بها وأصروا على العناد ولم يذكر القرآن لهود آيات سوى أنه أنذرهم عذاباً يأتيهم من السماء، قال تعالى: ﴿ فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ﴾ [الأحقاف: 24] فذلك من تكذيبهم بأوائل الآيات.
ويحتمل أن المراد بالآيات دلائل الوحدانية التي في دعوة رسولهم وتذكيرُهم بنعم الله عليهم كقوله: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة ﴾ [الأعراف: 69]، وقوله: ﴿ واتقوا الذي أمدّكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون ﴾ [الشعراء: 132، 134].
ودل فعل ﴿ كانوا ﴾ على أن التكذيب بالآيات متأصل فيهم.
ودلت صيغة المضارع في قوله: ﴿ يَجْحَدُونَ ﴾ أن الجحد متكرر فيهم متجدد.
ورتب على ذلك وصف عقابهم بأن الله أرسل عليهم ريحاً فأشارت الفاء إلى أن عقابهم كان مسبباً على حالة كفرهم بصفتها فإن باعث كفرهم كان اغترارهم بقوتهم، فأهلكهم الله بما لا يترقب الناس الهلاك به فإن الناس يقولون للشيء الذي لا يُؤبه به: هو ريح، ليريهم أن الله شديد القوة وأنه يضع القوة في الشيء الهيّن مثل الريح ليكون عذاباً وخزياً، أي تحقيراً كما قال: ﴿ لنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ في الحياة الدُّنْيَا ﴾ ، وأي خزي أشد من أن تتراماهم الريح في الجوّ كالريش، وأن تلقِيَهم هلكَى على التراب عن بكرة أبيهم فيشاهدهم المارّون بديارهم جثثاً صرعى قد تقلصت جلودهم وبليت أجسامهم كأنهم أعجاز نخل خاوية.
والريح: تموُّج في الهواء يحدث من تعاكس الحرارة والبرودة، وتنتقل موجاته كما تنتقل أمواج البحر والريح الذي أصاب عاداً هو الريح الدَّبور، وهو الذي يهبّ من جهة مغرب الشمس، سميت دبوراً بفتح الدال وتخفيف الباء لأنها تهبّ من جهة دُبر الكعبة قال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ نُصِرتُ بالصبا وأهلكتْ عاد بالدبور ﴾ وإنما كانت الريح التي أصابت عاداً بهذه القوة بسبب قوة انضغاط في الهواء غير معتاد فإن الانضغاط يصير الشيء الضعيف قوياً، كما شوهد في عصرنا أن الأجسام الدقيقة من أجزاء كيمياوية تسمى الذَّرة تصير بالانضغاط قادرة على نسف مدينة كاملة، وتسمى الطاقة الذَّرية، وقد نُسف بها جزء عظيم من بلاد اليابان في الحرب العامة.
والصرصر: الريح العاصفة التي يكون لها صرصرة، أي دويّ في هبوبها من شدة سرعة تنقلها.
وتضعيف عينه للمبالغة في شدتها بين أفراد نوعها كتضعيف كبكب للمبالغة في كَبّ.
وأصله صَرَّ، أي صاح، وهو وصف لا يؤنث لفظه لأنه لا يجري إلا على الريح وهي مقدرة التأنيث.
والنحسات بفتح النون وسكون الحاء: جمع نَحس بدون تأنيث لأنه مصدر أو اسم مصدر لفعل نَحِس كَعَلِم، كقوله تعالى: ﴿ في يوم نحس مستمر ﴾ [القمر: 19].
وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بسكون الحاء.
ويجوز كسر الحاء وبه قرأ البقية على أنه صفة مشبهة من (نَحِس) إذا أصابه النحْس إصابة سوء أو ضر شديد.
وضده البخت في أوهام العامة، ولا حقيقة للنحس ولا للبخت ولكنهما عارضان للإنسان، فالنحس يَعرض له من سوء خِلقه مزاجه أو من تفريطه أو من فساد بيئته أو قومِه، والبخت يعرض من جراء عكس ذلك.
وبعض النوعين أمور اتفاقية وربما كان بعضها جزاءً من الله على عمل خيرٍ أو شر من عباده أو في دينه كما حل بعاد وأهل الجاهلية.
وعامة الأمم يتوهمون النحس والبخت من نوع الطِّيرَة ومن التشاؤم والتيمّن، ومنه الزجر والعيافة عند العرب في الجاهلية ومنه تَطَلُّع الحدثَان من طوالع الكواكب والأياممِ عند معظم الأمم الجاهلة أو المختلَّة العقيدة.
وكل ذلك أبطله الإسلام، أي كشف بطلانه، بما لم يسبقه تعليم من الأديان التي ظهرت قبل الإِسلام.
فمعنى وصف الأيام بالنحسات: أنها أيام سوء شديد أصابهم وهو عذاب الريح، وهي ثمانية أيام كما جاء في قوله تعالى: ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ﴾ [الحاقة: 7]، فالمراد: أن تلك الأيام بخصوصها كانت نحساً وأن نَحْسها عليهم دون غيرهم من أهل الأرض لأن عاداً هم المقصودون بالعذاب.
وليس المراد أن تلك الأيام من كل عام هي أيام نحس على البشر لأن ذلك لا يستقيم لاقتضائه أن تكون جميع الأمم حلّ بها سوء في تلك الأيام.
ووُصفت تلك الأيام بأنها ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ لأنها لم يحدث فيها إلا السوء لهم من إصابة آلام الهَشْم المحقققِ إفضاؤه إلى الموت، ومشاهدة الأموات من ذويهم، وموت أنعامهم، واقتلاع نخيلهم.
وقد اخترع أهل القصص تسمية أيام ثمانية نصفُها آخر شهر (شُباط) ونصفها شهر (آذار) تكثر فيها الرياح غالباً دَعَوها أيام الحسوم ثم ركبوا على ذلك أنها الموصوفة بحسوم في قوله تعالى في سورة الحاقة (7) ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ﴾ فزعموا أنها الأيام الموافقة لأيام الريح التي أصابت عاداً، ثم ركَّبوا على ذلك أنها أيام نحس من كل عام وكَذَبوا على بعض السلف مثل ابن عباس أكاذيب في ذلك وذلك ضغْث على إبالة، وتفنن في أوهام الضلالة.
وجُمع ﴿ نّحِسَاتٍ ﴾ بالألف والتاء لأنه صفة لجمععِ غير العاقل وهو ﴿ أَيَّامٍ ﴾ .
واللام في ﴿ لنُذِيقَهُم ﴾ للتعليل وهي متعلقة ب (أرسلنا).
والإِذاقة تخييل لمكنية، شُبه العذاب بطعام هُيِّئ لهم على وجه التهكم كما سمَّى عمرو بن كلثوم الغارة قِرَى في قوله: قرينَاكُمْ فعجَّلْنَا قِراكم *** قُبيل الصُّبح مِردَاةً طَحُونا والإِذاقة: تخييل من ملائمات الطعام المشبه به.
والخزي: الذلّ.
وإضافة ﴿ عَذَابَ ﴾ إلى ﴿ الخِزْي ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة بدليل مقابلته بقوله: ﴿ ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أخزى ﴾ ، أي أشد إخزاء من إخزاء عذاب الدنيا، وذلك باعتبار أن الخزي وصف للعذاب من باب الوصف بالمصدر أو اسم المصدر للمبالغة في كون ذلك العذاب مخزياً للذي يعذب به.
ومعنى كون العذاب مخزياً: أنه سببُ خزي فوصْفُ العذاب بأنه خزي بمعنى مُخز من باب المجازِ العقلي، ويُقدر قبل الإضافة: لنذيقهم عذاباً خزياً، أي مُخْزياً، فلما أريدت إضافة الموصوف إلى صفته قيل: ﴿ عذابَ الخزي ﴾ ، للمبالغة أيضاً لأن إضافة الموصوف إلى الصفة مبالغة في الاتصاف حتى جعلت الصفة بمنزلة شخص آخر يضاف إليه الموصوف وهو قريب من محسِّن التجريد فحصلت مبالغتان في قوله: ﴿ عَذَابَ الخِزْي ﴾ مبالغةُ الوصف بالمصدر، ومبالغة إضافة الموصوف إلى الصفة.
وجملة ﴿ ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أخزى ﴾ احتراس لئلا يحسِب السامعون أن حظ أولئك من العقاب هو عذاب الإِهلاك بالريح فعطف عليه الإِخبار بأن عذاب الآخرة أخزَى، أي لهم ولكل من عذّب عذاباً في الدنيا لغضب الله عليه.
وأخْزى: اسم تفضيل جرى على غير قياس، وقياسه أن يقال: أشد إخزاء، لأنه لا يقال: خَزاه، بمعنى أخزاه، أي أهانه، ومثل هذا في صوغ اسم التفضيل كثير في الاستعمال.
وجملة ﴿ وَهُمْ لاَ يُنْصَرُونَ ﴾ تذييل، أي لا ينصرهم من يدفع العذاب عنهم، ولا من يشفع لهم، ولا من يخرجهم منه بعد مهلة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَلَقَها في يَوْمَيِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَها في يَوْمَيْنِ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ والحِكْمَةِ مِن خَلْقِها دُفْعَةً واحِدَةً في طَرْفَةِ عَيْنٍ، لِأنَّهُ أبْعَدُ مِن أنْ يُظَنَّ بِهِ الِاتِّفاقُ والطَّبْعُ، ولِيُرْشِدَ خَلْقَهُ إلى الأناةِ في أُمُورِهِمْ.
﴿ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أشْباهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: شُرَكاءً، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: كُفُوًا مِنَ الرِّجالِ تُطِيعُونَهم في مَعاصِي اللَّهِ تَعالى قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: هو قَوْلُ الرَّجُلِ لَوْلا كَلْبَةُ فُلانٍ لَأتى اللُّصُوصُ، ولَوْلا فُلانٌ لَكانَ كَذا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها ﴾ أيْ جِبالًا، وفي تَسْمِيَتِها رَواسِيَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِعُلُوِّ رُءُوسِها.
الثّانِي: لِأنَّ الأرْضَ بِها راسِيَةٌ أوْ لِأنَّها عَلى الأرْضِ ثابِتَةٌ راسِيَةٌ.
﴿ وَبارَكَ فِيها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ أنْبَتَ شَجَرَها مِن غَيْرِ غَرْسٍ وأخْرَجَ زَرْعَها مِن غَيْرِ بِذْرٍ، قالَ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أوْدَعَها مَنافِعَ أهْلِها وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
﴿ وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: قَدَّرَ أرْزاقَ أهْلِها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: قَدَّرَ فِيها مَصالِحَها مِن جِبالِها وبِحارِها وأنْهارِها وشَجَرِها ودَوابِّها قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها مِنَ المَطَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: قَدَّرَ في كُلِّ بَلْدَةٍ مِنها ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ ﴾ يَعْنِي تَتِمَّةَ أرْبَعَةِ أيّامٍ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلُ: خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشَرَةِ أيّامٍ، وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا، أيْ في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ المَرْفُوعِ «أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الأرْضَ يَوْمَ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ وخَلَقَ الجِبالَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والماءَ والخَرابَ والعُمْرانَ، فَتِلْكَ أرْبَعَةُ أيّامٍ، وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ، وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ وآدَمَ.
» وفي خَلْقِها شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَعْتَبِرَ بِهِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُحْضِرُوا.
والثّانِي: لِيَعْتَبِرَ بِهِ العُبّادُ الَّذِينَ أُخْبِرُوا.
﴿ سَواءً لِلسّائِلِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَواءً لِلسّائِلِينَ عَنْ مَبْلَغِ الأجَلِ في خَلْقِ اللَّهِ الأرْضَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: سَواءً لِلسّائِلِينَ في أقْواتِهِمْ وأرْزاقِهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَمَدَ إلى السَّماءِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: اسْتَوى أمْرُهُ إلى السَّماءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِها، ويَكُونُ مَعْنى ائْتِيا أيْ كُونا فَكانَتا كَما قالَ تَعالى ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهُما بَعْدَ خَلْقِهِما.
فَعَلى هَذا يَكُونُ في مَعْناها أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أُعْطِيا الطّاعَةَ في السَّيْرِ المُقَدَّرِ لَكُما طَوْعًا أوْ كَرْهًا أيِ اخْتِيارًا أوْ إجْبارًا قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: ائْتِيا عِبادَتِي ومَعْرِفَتِي طَوْعًا أوْ كَرْهًا بِاخْتِيارٍ أوْ غَيْرِ اخْتِيارٍ.
الثّالِثُ: ائْتِيا بِما فِيكُما طَوْعًا أوْ كَرْهًا، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الرّابِعُ: كُونا كَما أمَرْتُ مِن شِدَّةٍ ولِينٍ، وحَزَنٍ وسَهْلٍ ومَنِيعٍ ومُمْكِنٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ لَها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلٌ تَكَلَّمَ بِهِ.
الثّانِي: أنَّها قُدْرَةٌ مِنهُ ظَهَرَتْ لَهُما فَقامَ مَقامَ الكَلامِ في بُلُوغِ المُرادِ ﴿ قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ أعْطَيْنا الطّاعَةَ، رَواهُ طاوُسٌ.
الثّانِي: أتَيْنا بِما فِينا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتَتِ السَّماءُ بِما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، وأتَتِ الأرْضُ بِما فِيها مِنَ الأشْجارِ والأنْهارِ والثِّمارِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ كَما أرادَ اللَّهُ أنْ نَكُونَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي قَوْلِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ظُهُورُ الطّاعَةِ مِنهُما قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِما.
الثّانِي: أنَّهُما تَكَلَّمَتا بِذَلِكَ.
قالَ أبُو النَّصْرِ السَّكْسَكِيُّ: فَنَطَقَ مِنَ الأرْضِ مَوْضِعُ الكَعْبَةِ ونَطَقَ مِنَ السَّماءِ ما بِحِيالِها فَوَضَعَ اللَّهُ فِيها حَرَمَهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، قِيلَ يَوْمَ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ، قالَ السُّدِّيُّ: سُمِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِأنَّهُ جُمِعَ فِيهِ خَلْقُ السَّماواتِ وخَلْقُ الأرَضِينَ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: خَلَقَ السَّماواتِ قَبْلَ الأرَضِينَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الأرَضِينَ والجِبالَ في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ، وخَلَقَ ما سِواهُما مِنَ العالَمِ يَوْمَ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ ثالِثَةٌ أنَّهُ خَلَقَ السَّماءَ دُخانًا قَبْلَ الأرْضِ ثُمَّ فَتَقَها سَبْعَ سَماواتٍ بَعْدَ الأرَضِينَ واللَّهُ أعْلَمُ بِما فَعَلَ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الأقاوِيلُ ولَيْسَ لِلِاجْتِهادِ فِيهِ مَدْخَلٌ.
﴿ وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أسْكَنَ في كُلِّ سَماءٍ مَلائِكَتَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: خَلَقَ في كُلِّ سَماءٍ خَلْقَها خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وصَلاحَها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أوْحى إلى أهْلِ كُلِّ سَماءٍ مِنَ المَلائِكَةِ ما أمَرَهم بِهِ مِنَ العِبادَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ﴾ أيْ جَعَلْناها زِينَةً وحِفْظًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما، «أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة فقال تعالى ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ﴾ وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه.
فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حين يموت من مات.
وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء من منتفع به.
وفي الثالثة خلق آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟
قال: ثم استوى على العرشقالوا: لقد أصبت لو أتممت.
ثم قالوا: استراح.
فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً.
فنزل ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب، فاصبر على ما يقولون ﴾ [ ق: 38] » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وقدر فيها أقواتها ﴾ قال: شق الأنهار، وغرس الأشجار، ووضع الجبال، وأجرى البحار، وجعل في هذه ما ليس في هذه، وفي هذه ما ليس في هذه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وقدر فيها أقواتها ﴾ قال: قدر في كل أرض شيئاً لا يصلح في غيرها.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وقدر فيها أقواتها ﴾ قال: لا يصلح النيسابوري إلا بنيسابور، ولا ثياب اليمن إلا باليمن.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن ﴿ وقدر فيها أقواتها ﴾ قال: أرزاقها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سواء للسائلين ﴾ قال: من سأل فهو كما قال الله.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: خلق الله السموات من دخان، ثم ابتدأ خلق الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين فذلك قول الله تعالى ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين...
وقدر فيها أقواتها ﴾ في يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فذلك قوله: ﴿ وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ فسمكها وزينها بالنجوم والشمس والقمر وأجراهما في فلكهما، وخلق فيها ما شاء من خلقه وملائكته يوم الخميس ويوم الجمعة، وخلق الجنة يوم الجمعة، وخلق اليهود يوم السبت لأنه يسبت فيه كل شيء، وعظمت النصارى يوم الأحد لأنه ابتدئ فيه خلق كل شيء، وعظم المسلمون يوم الجمعة لأن الله فرغ فيه من خلقه، وخلق في الجنة رحمته، وجمع فيه آدم عليه السلام، وفيه هبط من الجنة، وفيه قبلت توبته وهو أعظمها.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن الله تعالى خلق يوماً فسماه الأحد، ثم خلق ثانياً فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثاً فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعاً فسماه الأربعاء، وخلق خامساً فسماه الخميس، فخلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل، كذلك وخلق مواضع الأنهار والشجر والقرى يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس، وخلق الإِنسان يوم الجمعة، وفرغ من الخلق يوم السبت.
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: إن الله تعالى ابتدأ الخلق وخلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات يوم الخميس والجمعة إلى صلاة العصر، وخلق آدم عليه السلام في تلك الساعة التي لا يوافقها عبد يدعو ربه إلا استجاب له، فهو ما بين صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس.
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه «أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يوم الأحد؟
قال: خلق الله فيه الأرض قالوا: فيوم الأربعاء؟
قال: الأقوات قالوا: فيوم الخميس؟
قال: فيه خلق الله السموات قالوا: فيوم الجمعة؟
قال: خلق في ساعتين الملائكة، وفي ساعتين الجنة والنار، وفي ساعتين الشمس والقمر والكواكب، وفي ساعتين الليل والنهار قالوا: ألست تذكر الراحة فقال سبحان الله..
!
فأنزل الله: ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ﴾ [ ق: 38] » .
وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى فرغ من خلقه في ستة أيام.
أولهن يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، خلق يوم الأحد السموات، وخلق يوم الاثنين الشمس والقمر، وخلق يوم الثلاثاء دواب البحر ودواب الأرض وفجر الأنهار وقوت الأقوات، وخلق الأشجار يوم الأربعاء، وخلق يوم الخميس الجنة والنار، وخلق آدم عليه السلام يوم الجمعة، ثم أقبل على الأمر يوم السبت» .
وأخرج ابن جرير عن أبي بكر رضي الله عنه قال: جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟
فقال: «خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق المدائن والاقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء، وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول ساعة الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم، قالوا: صدقت أن تممت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يريدون فغضب، فأنزل الله: ﴿ وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون ﴾ [ ق: 38] » .
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً ﴾ قال: قال للسماء أخرجي شمسك اخرجي قمرك ونجومك، وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ﴿ فقالتا أتينا طائعين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ائتيا ﴾ قال: اعطيا وفي قوله: ﴿ أتينا ﴾ قال: أعطينا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ قال: ما أمر به وأراده من خلق النيرات وغير ذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ قال: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ رِيحاً صَرْصَراً ﴾ قيل: إنه من الصرّ وهو شدة البرد فمعناه باردة وقيل: إنه من قولك: صرصر إذا صوت فمعناه لها صوت هائل في أيام نحسات معناه من النحس وهو ضد السعد وقيل شديدة البرد وقيل: متتابعة والأول أرجح، وروي أنها كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء وقرئ نحسات بإسكان الحاء وكسرها فأما الكسر فهو جمع نحس وهو صفة وأما الإسكان فتخفيف من الكسر على وزن فعل أو وصف بالمصدر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ .
ظاهر هذا أن تفسير ﴿ حـمۤ ﴾ هو قوله: ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ ، وحم خبر لمبتدأ محذوف مقدر ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ مبتدأ من: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ وكذلك قوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ ، والأصل في حواميم وسائر الحروف المقطعة: أنها تبعث سامعها على التفكر والتأمل؛ لأنه لا يفهمها وقت قرعها السمع حتى يتأمل ويتفكر فيها؛ لأنها كلام لم يسمعوه قبل ذلك، فيحملهم ذلك على الاستماع والتفكر فيها والنظر، فيقع ما هو المقصود من الخطاب في سماعهم ويعرفوا وجه الإعجاز؛ فيتوصلوا بذلك إلى الحق، وقد ذكرنا في الحروف المقطعة وجوهاً أخر فيما تقدم.
ثم ذكر هاهنا رحمته ورأفته؛ ليرغبهم فيما يرحمهم ويرأف بهم، وهو قوله: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، وذكر في السورة الأولى عزه وقدرته وسلطانه وعلمه؛ ليحذروا مخالفته وعصيانه ظاهرا وباطناً حيث قال: ﴿ حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ ، ليطلبوا العز من عنده.
وقوله: ﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: ثبت فيه من الحلال والحرام، وما لهم وما عليهم، وما يؤتى وما يتقى ونحوه.
وعندنا يحتمل قوله: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: فرقت كل آية من الأخرى، من نحو: آية التوحيد فرقت من آية الرسالة، وفرقت آية البعث من غيرها، فرق كل آية من الأخرى.
والثاني: يحتمل التفريق في الإنزال، أي: فرقت آياته في الإنزال، لم يجمع بينها في الإنزال، ولكن فرق في أوقات متباعدة.
ويحتمل قوله: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ : ثبتت، على غير ما قاله أهل التأويل، وهو أن يثبت آياته بالحجج والبراهين حتى يعلم أنها آيات من الله .
وقوله: ﴿ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: أنزله بلسان يعلمونه ويفهمونه لا بلسان لا يعلمونه ولا يفهمونه، أي: أنزله بلسانهم.
ويحتمل ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: ينتفعون بعلمهم، أي: حصل إنزاله لقوم ينتفعون، فأما من لم ينتفع به، فلم يحصل إلا الإنزال له، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ قرآنا عربيا لقوم يعقلون ﴾ .
وقوله: ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .
البشارة والنذارة هي بيان ما يكون في العاقبة من الخير والشر، أو يقال: البشارة هي الدعاء إلى ما يوجب لهم من الحسنات والخيرات في العاقبة، والنذارة هي الزجر عما يوجب لهم من السيئات والمكروهات في العاقبة، والنذارة هي الزجر؛ فصار معنى الآية: أن النبي أرسل داعياً إلى الحسنات وزاجراً عن السيئات، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ ﴾ .
يحتمل إعراضهم عنه وجهين: أحدهما: أي: أعرضوا عن التفكر فيه والتأمل.
والثاني: أعرضوا عن اتباعه بعدما تأملوا فيه وتفكروا، وعرفوا أنه حق وأنه من الله ، لكنهم تركوا اتباعه عناداً منهم ومكابرة؛ حذرا عن ذهاب الرياسة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ .
أي: لا يجيبون على ما ذكرناه.
قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ ﴾ .
لا شك أن قلوبهم على ما ذكروا أنها في أكنة وفي آذانهم وقر؛ لأنه ذكر - جلا وعلا - أنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا؛ حيث قال : ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ على ما أخبروا أن قلوبهم في أكنة وغطاء، وفي آذانهم وقر، لا يفقهون ما يدعون إليه، ولا يسمعون ذلك وإن كانوا يفقهون غيره ويسمعون؛ لأنهم كذلك قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ .
إن ثبت ما ذكر بعض أهل التأويل: أن ثوباً فيما بينهم وبين رسول الله فقالوا: كن أنت يا محمد في جانب، ونكون نحن في جانب آخر، ونحوه من الكلام - فهو ذلك، وإلا احتمل أن يكون قوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ : هو ما حجبتهم ظلمة الكفر وغطتهم عن فهم ما دعوا إليه وعلم ما دعاهم إليه محمد .
وقوله: ﴿ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: اعمل أنت بدينك فإنا عاملون بديننا؛ كقوله : ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ .
والثاني: فاعمل أنت في كيدنا فإنا عاملون في كيدكم والمكر بكم، والله أعلم.
ويحتمل أن يقولوا: اعمل أنت لإلهك فإنا عاملون لإلهنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
هذا الحرف يخرج على وجهين: أحدهما: كأنه يقول لهم: إنما أنا بشر مثلكم أفهم وأعقل يوحى إليَّ وأسمع ذلك، فأنتم في قولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر - لا عذر لكم في ذلك؛ لأنه إنما يحجبكم عن ذلك ويغطي قلوبكم عن فهم ذلك الكفرُ الذي أنتم عليه والضلال الذي أنتم فيه، فاتركوا ذلك حتى تفهموا وتعقلوا ما تدعون إليه وتؤمرون به، كما أفهم أنا وأعقل إذ أنا بشر، والله أعلم.
والثاني: يقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ﴾ ، أي: إنما أنا بشر مثلكم أمرت أن أبلغ إليكم أن إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه، وإلا لو [لم] أؤمر بتبليغ الرسالة إليكم إنما إلهكم إله واحد - لكنت أترككم وما أنتم عليه؛ لقولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر فاعمل إننا عاملون.
على هذين الوجهين تأويل الآية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ .
قال بعضهم: أي: فاستقيموا إليه بالطاعة.
وقيل: أي: استقيموا إلى ما دعاكم إليه من التوحيد.
وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ﴾ .
أي: انتهوا عما أنتم عليه من الكفر والضلال؛ ليغفر لكم ما كان منكم في حال الكفر؛ كقوله : ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
ويحتمل: أي: كونوا على حال بحيث يقبل استغفاركم وطلب تجاوزكم.
وقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
والإشكال: أنه لماذا خص المشرك الذي لم يؤتِ الزكاة، وينكر الآخرة - بالويل، وقد يلحق الويل للمشرك آتى الزكاة أو لم يؤت، آمن بالآخرة أو كفر بها - فنقول: قال بعض أهل التأويل: معناه: وويل للمشركين الذين لا يؤمنون بإيتاء الزكاة، ولا يؤمنون بالآخرة، وخصهم بذكر جحود الزكاة والآخرة؛ لما كان سبب كفرهم مختلفاً: منهم [من] كان سبب كفره بخله في المال وشحه، حمله ذلك على إنكار الزكاة والامتناع عن الإيتاء، [و]منهم من كان كفره إنكاره جزاء الأعمال، حمله ذلك على إنكار الآخرة، ومنهم من كان سبب كفره الخضوع لمن دونه أو مثله في أمر الدنيا، حمله ذلك على إنكار الرسالة والجحود لها، وغير ذلك من الأسباب التي حملتهم على الكفر والضلال وهي مختلفة.
ويحتمل قوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ﴾ لا على زكاة الأموال، ولكن على زكاة الأنفس؛ كأنه يقول: وويل للمشركين الذين لا يعلمون ولا يسمعون فيما به تركوا أنفسهم ويشرف ذكرها ويصلح أعمالهم به ولا ما يجزون به في الآخرة، أي: ويل لمن لا يعمل ذلك، والله أعلم.
وهذان الوجهان جواب عمّن تعلق بظاهر هذه الآية على أن الكفار يخاطبون بالشرائع؛ حيث ألحق الوعيد بهم بترك إيتاء الزكاة، والزكاة من الشرائع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ .
أي: غير مقطوع وذلك في الآخرة.
وقال بعضهم: أي: غير ممتن عليهم، وذلك في الآخرة أيضاً، ومعناه - والله أعلم -: أنه يزاد لهم في الآخرة على قدر أعمالهم، ولا يمن عليهم في تلك الزيادة، وقال بعضهم: ﴿ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير منقوص ولا ممنوع، وذلك - والله أعلم - أن من كان يعمل في حال شبابه وقوته الصالحات والطاعات، ثم كبر وعجز عن إتيانها أنه لا يمنع ولا ينقص منه الأجر الذي كان مُجرى عليه ويكتب له في حال شبابه وقوته، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فبعثنا عليهم ريحًا ذات صوت مزعج في أيام مشؤومات عليهم لما فيها من العذاب؛ لنذيقهم عذاب الذل والمهانة لهم في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة الذي ينتظرهم أشدَّ إذلالًا لهم، وهم لا يجدون من ينصرهم بإنقاذهم من العذاب.
<div class="verse-tafsir" id="91.99APB"