الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٢١ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 81 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢١ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ) أي : لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم ، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء : ( قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة ) أي : فهو لا يخالف ولا يمانع ، وإليه ترجعون .
قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا علي بن قادم ، حدثنا شريك ، عن عبيد المكتب ، عن الشعبي ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : ضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وتبسم ، فقال : " ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت ؟
" قالوا : يا رسول الله من أي شيء ضحكت ؟
قال : " عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة ، يقول : أي ربي ، أليس وعدتني ألا تظلمني ؟
قال : بلى فيقول : فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي .
فيقول الله تبارك وتعالى : أو ليس كفى بي شهيدا ، وبالملائكة الكرام الكاتبين ؟
!
قال : فيردد هذا الكلام مرارا " .
قال : " فيختم على فيه ، وتتكلم أركانه بما كان يعمل ، فيقول : بعدا لكن وسحقا ، عنكن كنت أجادل " .
ثم رواه هو وابن أبي حاتم ، من حديث أبي عامر الأسدي ، عن الثوري ، عن عبيد المكتب ، عن فضيل بن عمرو ، عن الشعبي ثم قال : " لا نعلم رواه عن أنس غير الشعبي " .
وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر ، عن أبي النضر ، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي ، عن الثوري به .
ثم قال النسائي : " لا أعلم أحدا رواه عن الثوري غير الأشجعي " .
وليس كما قال كما رأيت ، والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثنا إسماعيل ابن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن حميد بن هلال قال : قال أبو بردة : قال أبو موسى : ويدعى الكافر والمنافق للحساب ، فيعرض عليه ربه - عز وجل - عمله ، فيجحد ويقول : أي رب ، وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل !
فيقول له الملك : أما عملت كذا ، في يوم كذا ، في مكان كذا ؟
فيقول : لا وعزتك ، أي رب ما عملته .
[ قال ] فإذا فعل ذلك ختم على فيه - قال الأشعري : فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا زهير حدثنا حسن ، عن ابن لهيعة : قال دراج عن أبي الهيثم عن أبى سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله ، فجحد وخاصم ، فيقال : هؤلاء جيرانك ، يشهدون عليك ؟
فيقول : كذبوا .
فيقول : أهلك [ و ] عشيرتك ؟
فيقول : كذبوا .
فيقول : احلفوا فيحلفون ، ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم ، ويدخلهم النار " .
وقال ابن أبي حاتم : وحدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث : سمعت أبي : حدثنا علي بن زيد ، عن مسلم بن صبيح أبي الضحى ، عن ابن عباس : أنه قال لابن الأزرق : إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم ، ثم يؤذن لهم فيختصمون ، فيجحد الجاحد بشركه بالله ، فيحلفون له كما يحلفون لكم ، فيبعث الله عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم ، جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم ، ويختم على أفواههم ، ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح ، فتقول : ( أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ) فتقر الألسنة بعد الجحود .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عبدة بن سليمان ، حدثنا ابن المبارك ، حدثنا صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير الحضرمي ، عن رافع أبي الحسن - وصف رجلا جحد - قال : فيشير الله إلى لسانه ، فيربو في فمه حتى يملأه ، فلا يستطيع أن ينطق بكلمة ، ثم يقول لآرابه كلها : تكلمي واشهدي عليه .
فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده ، وفرجه ويداه ورجلاه : صنعنا ، عملنا ، فعلنا .
وقد تقدم أحاديث كثيرة ، وآثار عند قوله تعالى في سورة يس : ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) [ يس : 65 ] ، بما أغنى عن إعادته هاهنا .
وقال ابن أبي حاتم - رحمه الله - : حدثنا أبي ، حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي ، عن ابن خثيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال : لما رجعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مهاجرة البحر قال : " ألا تحدثون بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة ؟
" فقال فتية منهم : بلى يا رسول الله ، بينا نحن جلوس إذ مرت علينا عجوز من عجائز رهابينهم ، تحمل على رأسها قلة من ماء ، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ، ثم دفعها فخرت على ركبتيها ، فانكسرت قلتها .
فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت : سوف تعلم يا غدر ، إذا وضع الله الكرسي ، وجمع الأولين والآخرين ، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون ، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا ؟
قال : يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صدقت [ و ] صدقت ، كيف يقدس الله قوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم ؟
" .
هذا حديث غريب من هذا الوجه .
ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا يحيى بن سليم ، به
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الذين يحشرون إلى النار من أعداء الله سبحانه لجلودهم إذ شهدت عليهم بما كانوا في الدنيا يعملون: لم شهدتم علينا بما كنا نعمل في الدنيا؟.
فأجابتهم جلودهم: ( أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) فنطقنا; وذكر أن هذه الجوارح تشهد على أهلها عند استشهاد الله إياها عليهم إذا هم أنكروا الأفعال التي كانوا فعلوها في الدنيا بما سخط الله, وبذلك جاء الخبر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
* ذكر الأخبار التي رُويت عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: حدثنا أحمد بن حازم الغفاريّ, قال: أخبرنا عليّ بن قادم الفزاري, قال: أخبرنا شريك, عن عبيد المُكْتِب, عن الشعبيّ, عن أنس, قال: ضحك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ذات يوم حتى بدت نواجذه, ثم قال: " ألا تَسْأَلُونِي ممَّ ضَحِكْتُ؟" قالوا: ممّ ضحكتَ يا رسول الله؟
قال: " عَجِبْتُ مِنْ مُجَادَلَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ!
قال: يقُولُ: يا رَبّ ألَيْسَ وَعَدْتَنِي أنْ لا تَظْلِمَنِي؟
قالَ: فإنَّ لكَ ذلكَ, قال: فإنّي لا أقْبَلُ عليَّ شاهدًا إلا مِنْ نَفْسِي, قالَ: أوَلَيْس كفَى بِي شَهِيدًا, وَبالمَلائِكَةِ الكرَام الكاتبين؟
قالَ فَيُخْتمُ عَلى فِيه, وَتَتَكَلَّمُ أرْكانُهُ بِمَا كانَ يَعْمَلُ, قالَ: فَيَقُولُ لَهُنَّ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقا, عَنْكُنَّ كُنْتُ أُجادِلُ".
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن عبيد المكتب, عن فضيل بن عمرو, عن الشعبي, عن أنس, عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بنحوه.
حدثني عباس بن أبي طالب, قال: ثنا يحيى بن أبي بكر, عن شبل, قال: سمعت أبا قزعة يحدّث عمرو بن دينار, عن حكيم بن معاوية, عن أبيه, عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه قال, وأشار بيده إلى الشأم, قال: " هاهُنا إلى هاهُنا تحْشَرُونَ رُكْبانا وَمُشاةً على وُجُوهِكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ, على أفْوَاهِكُمْ الفِدامُ, تُوَقُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ آخِرُها وأكْرَمُها على الله, وإن أوَّلَ ما يُعْرِبُ مِنْ أحَدِكُمْ فَخِذُهُ".
حدثنا مجاهد بن موسى, قال: ثنا يزيد, قال: أخبرنا الحريري, عن حكيم بن معاوية, عن أبيه عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: وتَجِيئُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ على أفْوَاهِكُمْ الفِدامُ, وإنَّ أوَّلَ ما يَتَكَلَّمُ مِنَ الآدَمِيّ فَخِذُهُ وكَفُّهُ".
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن بهز بن حكيم, عن أبيه, عن جده, قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم " ما لي أُمْسكُ بحُجَزِكُمْ مِنَ النَّارِ؟
ألا إن رَبِّي داعيَّ وإنَّهُ سائِلي هَلْ بَلَّغْت عِبادَهُ؟
وإنّي قائِلٌ: رَبّ قَدْ بَلَّغْتُهُمْ, فَيُبَلِّغَ شاهدُكُمْ غائِبَكُمْ, ثُمَّ إنَّكُمْ مُدَّعُونَ مُفَدَّمَةً أفْوَاهُكُمْ بالفِدامِ, ثُمَّ إنَّ أوَّل ما يُبِينُ عَنْ أَحْدِكَمْ لفَخِذُهُ وكَفُّهُ".
حدثني محمد بن خلف, قال: ثنا الهيثم بن خارجة, عن إسماعيل بن عياش, عن ضمضم بن زُرْعة, عن شريح بن عبيد, عن عقبة, سمع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: " إنَّ أوَّل عَظْمٍ تَكَلَّمَ مِنَ الإنْسانِ يَوْمَ يخْتَمُ على الأفْوَاهِ فَخِذُه ُمِنَ الرِّجْل الشمال ".
وقوله: ( وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) يقول تعالى ذكره: والله خلقكم الخلق الأول ولم تكونوا شيئا.
يقول: وإليه مصيركم من بعد مماتكم.
وقالوا يعني الكفار لجلودهم لم شهدتم علينا وإنما كنا نجادل عنكم " قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء " لما خاطبت وخوطبت أجريت مجرى من يعقل .
وهو خلقكم أول مرة أي ركب الحياة فيكم بعد أن كنتم نطفا ، فمن قدر عليه قدر على أن ينطق الجلود وغيرها من الأعضاء .
وقيل : وهو خلقكم أول مرة ابتداء كلام من الله .
وإليه ترجعون .
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله فضحك فقال : هل تدرون مم أضحك ؟
قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : من مخاطبة العبد ربه ، يقول : يا رب ألم تجرني من الظلم ؟
قال : يقول بلى ؟
قال : فيقول : فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني .
قال : يقول : كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا ، وبالكرام الكاتبين شهودا .
قال فيختم على فيه فيقال لأركانه : انطقي ، فتنطق بأعماله .
قال : ثم يخلي بينه وبين الكلام .
قال : فيقول : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أناضل وفي حديث أبي هريرة ثم يقال : الآن نبعث شاهدنا عليك .
ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي ، فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه : انطقي ، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ، وذلك ليعذر من نفسه ، وذلك المنافق ، وذلك الذي سخط الله عليه خرجه أيضا مسلم .
فإذا شهدت عليهم عاتبوها، { وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ } هذا دليل عل أن الشهادة تقع من كل عضو كما ذكرنا: { لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا } ونحن ندافع عنكن؟
{ قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ } فليس في إمكاننا، الامتناع عن الشهادة حين أنطقنا الذي لا يستعصي عن مشيئته أحد.{ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } فكما خلقكم بذواتكم، وأجسامكم، خلق أيضا صفاتكم، ومن ذلك، الإنطاق.
{ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في الآخرة، فيجزيكم بما عملتم، ويحتمل أن المراد بذلك، الاستدلال على البعث بالخلق الأول، كما هو طريقة القرآن.
( وقالوا ) يعني : الكفار الذين يحشرون إلى النار ، ( لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ) تم الكلام هاهنا .
وقال الله تعالى : ( وهو خلقكم أول مرة ) وليس هذا من جواب الجلود ، ( وإليه ترجعون ) .
«وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء» أي أراد نطقه «وهو خلقكم أول مرةٍ وإليه ترجعون» قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده وموقعه قريب مما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداء وإعادتكم بعد الموت أحياء قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم.
وقال هؤلاء الذين يُحْشرون إلى النار من أعداء الله لجلودهم معاتبين: لِمَ شهدتم علينا؟
فأجابتهم جلودهم: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، وهو الذي خلقكم أول مرة ولم تكونوا شيئًا، وإليه مصيركم بعد الموت للحساب والجزاء.
ثم حكى - سبحانه - ما يقوله هؤلاء الكافرون لجوارحهم على سبيل التوبيخ والتعجيب فقال : ( وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا .
.
)أى : وقال هؤلاء الكافرون لجلودهم التى تشمل جميع جوارحهم بتعجب وذهول : لماذا شهدتم علينا مع أننا ما دافعنا إلا عنكم ، لكى ننقذكم من النار؟وهنا ترد عليهم جوارهم بقولها - كما حكى سبحانه عنها - ( قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ .
.
.
)أى : قالوا فى الرد عليهم : أنطقنا الله - تعالى - الذى أنطق كل شئ بقدرته التى لا يعدزها شئ ( وهو ) - سبحانه - الذى ( خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) ولم تكونوا شيئا مذكورا .( وَإِلَيْهِ ) وحده ( تُرْجَعُونَ ) فيحاسبكم على أعمالكم ، ويحكم فيكم بحكمه العادل .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث ، منها ما جاء عن أنس ابن مالك - رضى الله عنه - قال : " ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وتبسم فقال : " ألا تسألون عن أى شئ ضحكت "؟
قالوا : يا رسول الله ، من أى شئ ضحكت؟
قال : " عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة ، يقول : أى ربى ، أليس قد وعدتنى أن لا تظلمنى؟
قال : بلى .
فيقول : فإنى لا أقبل على شاهدا إلا من نفسى .
فيقول الله - تعالى - : أو ليس كفى بى شهيدا .
وبالملائكة الكرام الكاتبين؟
قال : فيردد هذا الكلام مرارا قال : فيختم على فيه ، وتتكلم أركانه بما كان يعمل .
فيقول : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أجادل " " .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ).
اعلم أن الكلام إنما ابتدئ من قوله: ﴿ أَنَّمَا إلهكم إله واحد ﴾ واحتج عليه بقوله: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذى خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ﴾ وحاصله أن الإله الموصوف بهذه القدرة القاهرة كيف يجوز الكفر به، وكيف يجوز جعل هذه الأجسام الخسيسة شركاء له في الإلهية؟
ولما تمم تلك الحجة قال: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صاعقة مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ وبيان ذلك لأن وظيفة الحجة قد تمت على أكمل الوجوه، فإن بقوا مصرين على الجهل لم يبق حينئذٍ علاج في حقهم إلا إنزال لعذاب عليهم فلهذا السبب قال: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ ﴾ بمعنى أن أعرضوا عن قبول هذه الحجة القاهرة التي ذكرناها وأصروا على الجهل والتقليد ﴿ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ ﴾ والإنذار هو: التخويف، قال المبرد والصاعقة الثائرة المهلكة لأي شيء كان، وقرئ ﴿ صاعقة مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ قال صاحب الكشاف وهي المرة من الصعق.
ثم قال: ﴿ إِذْ جَاءتْهُمُ الرسل مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ وفيه وجهان الأول: المعنى أن الرسل المبعوثين إليهم أتوهم من كل جانب واجتهدوا بهم وأتوا بجميع وجوه الحيل فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض، كما جكى الله تعالى عن الشيطان قوله: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ يعني لآتينهم من كل جهة ولأعملن فيهم كل حيلة، ويقول الرجل: استدرت بفلان من كل جانب فلم تؤثر حيلتي فيه.
السؤال الثاني: المعنى: أن الرسل جاءتهم من قبلهم ومن بعدهم، فإن قيل: الرسل الذين جاؤا من قبلهم ومن بعدهم، كيف يمكن وصفهم بأنهم جاؤهم؟
قلنا: قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل، وبهذا التقدير فكأن جميع الرسل قد جاؤهم.
ثم قال: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله ﴾ يعني أن الرسل الذي جاؤهم من بين أيديهم ومن خلفهم أمروهم بالتوحيد ونفي الشرك، قال صاحب الكشاف أن في قوله: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله ﴾ بمعنى أي أو مخففة من الثقيلة أصله بأنه لا تعبدوا أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا إلا الله.
ثم حكى الله تعالى عن أولئك الكفار أنهم قالوا: ﴿ لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ ملائكة ﴾ يعني أنهم كذبوا أولئك الرسل، وقالوا الدليل على كونكم كاذبين أنه تعالى لو شاء إرسال الرسالة إلى البشر لجعل رسله من زمرة الملائكة، لأن إرسال الملائكة إلى الخلق أفضى إلى المقصود من البعثة والرسالة، ولما ذكروا هذه الشبهة قالوا: ﴿ فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون ﴾ معناه: فإذاً أنتم بشر ولستم بملائكة، فأنتم لستم برسل، وإذا لم تكونوا من الرسل لم يلزمنا قبول قولكم، وهو المراد من قوله: ﴿ فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون ﴾ .
واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهات في سورة الأنعام، وقوله: ﴿ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ ليس بإقرار منهم بكون أولئك الأنبياء رسلاً، وإنما ذكروه حكاية لكلام الرسل أو على سبيل الاستهزاء، كما قال فرعون ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ .
روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والسحر والكهانة فكلمه، ثم أتانا ببيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة والله لقد سمعت الشعر والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علماً وما يخفى علي، فأتاه فقال: يا محمد أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
لم تشتم آلهتنا وتضللنا؟
فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك للواء فكنت رئيسنا، وإن تكن بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن، أي بنات من شئت من قريش، وإن كان المال مرادك جمعنا لك ما تستغني به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فزع قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ حم * تنزيل من الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله: ﴿ صاعقة مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلم احتبس عنهم قالوا، لا نرى عتبة إلا قد صبأ، فانطلقوا إليه وقالوا يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت: فغضب وأقسم لا يكلم محمداً أبداً، ثم قال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء ما هو شعر ولا سحر ولا كهانة، ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم، ولقد علمت أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
واعلم أنه تعالى لما بيّن كفر قوم عاد وثمود على الإجمال بيّن خاصية كل واحدة من هاتين الطائفتين فقال: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق ﴾ وهذالاستكبار فيه وجهان الأول: إظهارالنخوة والكبر، وعدم الالتفات إلى الغير والثاني: الاستعلاء على الغير واستخدامهم، ثم ذكر تعالى سبب ذلك الاستكبار وهو أنهم قالو ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ وكانوا مخصوصين بكبر الأجسام وشدة القوة، ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنه لا يجوز لهم أن يغتروا بشدة قوتهم، فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ يعني أنهم وإن كانوا أقوى من غيرهم، فالله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، فإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص في طاعة الكامل، فهذه المعاملة توجب عليهم كونهم منقادين لله تعالى، خاضعين لأوامره ونواهيه.
واحتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات القدرة لله، فقالوا القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله: ﴿ الله الذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ يدل على إثبات القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله: ﴿ إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين ﴾ فإن قيل صيغة أفعل التفضيل إنما تجري بين شيئين لأحدهما مع الآخر نسبة، لكن قدرة العبد متناهية وقدرة الله لا نهاية لها، والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي، فما معنى قوله إن الله أشد منهم قوة؟
قلنا هذا ورد على قانون قولنا الله أكبر.
ثم قال: ﴿ وَكَانُواْ بئاياتنا يَجْحَدُونَ ﴾ والمعنى أنهم كانوا يعرفون أنها حق ولكنهم جحدوا كما يجحد المودع الوديعة.
واعلم أن نظم الكلام أن يقال: أما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وكانوا بآياتنا يجحدون، وقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ واعتراض وقع في البين لتقرير السبب الداعي لهم إلى الاستكبار.
واعلم أنا ذكرنا أن مجامع الخصال الحميدة الإحسان إلى الخلق والتعظيم للخالق، فقوله: ﴿ استكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق ﴾ مضاد للإحسان إلى الخلق وقوله: ﴿ وَكَانُواْ بئاياتنا يَجْحَدُونَ ﴾ مضاد للتعظيم للخالق، وإذا كان الأمر كذلك فهم قد بلغوا في الصفات المذمومة الموجبة للهلاك والإبطال إلى الغاية القصوى، فلهذا المعنى سلّط الله العذاب عليهم فقال: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ﴾ وفي الصرصر قولان أحدهما: أنها العاصفة التي تصرصر أن تصوت في هبوبها، وفي علة هذه التسمية وجوه قيل إن الرياح عند اشتداد هبوبها يسمع منها صوت يشبه صوت الصرصر فسميت هذه الرياح بهذا الاسم وقيل هو من صرير الباب، وقيل من الصرة والصيحة، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ ﴾ والقول الثاني: أنها الباردة التي تحرق ببردها كما تحرق النار بحرها، وأصلها من الصر وهو البرد قال تعالى: ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الرياح ثمان أربع منها عذاب العاصف والصرصر والعقيم والسموم، وأربع منها رحمة الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات» وعن ابن عباس أن الله تعالى ما أرسل على عباده من الريح إلا قدر خاتمي، والمقصود أنه مع قلته أهلك الكل وذلك يدل على كمال قدرته.
وأما قوله: ﴿ فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ بسكون الحاء والباقون بكسر الحاء، قال صاحب الكشاف يقال نحس نحساً نقيض سعد سعداً فهو نحس، وأما نحس فهو إما مخفف نحس أو صفة على فعل أو وصف بمصدر.
المسألة الثانية: استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه الآية على أن بعض الأيام قد يكون نحساً وبعضها قد يكون سعداً، وقالوا هذه الآية صريحة في هذا المعنى، أجاب المتكلمون بأن قالوا: ﴿ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ﴾ أي ذوات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر فيه ويتصرف، وأيضاً قالوا معنى كون هذه الأيام نحسات أن الله أهلكهم فيها، أجاب المستدل الأول بأن النحسات في وضع اللغة هي المشؤمات لأن السعد يقابله السعد، والكدر يقابله الصافي، وأجاب عن السؤال الثاني أن الله تعالى أخبر عن إيقاع ذلك العذاب في تلك الأيام النحسات، فوجب أن يكون كون تلك الأيام نحسة مغايراً لذلك العذاب الذي وقع فيها.
ثم قال تعالى: ﴿ ولنذيقهم عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا ﴾ أي عذاب الهوان والذل، والسبب فيه أنهم استكبروا، فقابل الله ذلك الاستكبار بإيصال الخزي والهوان والذل إليهم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَعَذَابُ الآخرة أخزى ﴾ أي أشد إهانة وخزياً ﴿ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ أي أنهم يقعون في الخزي الشديد ومع ذلك فلا يكون لهم ناصر يدفع ذلك الخزي عنهم.
ولما ذكر الله قصة عاد أتبعه بقصة ثمود فقال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ ﴾ قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ ثَمُودُ ﴾ بالرفع والنصب منوناً وغير منون والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء وقرئ بضم الثاء وقوله: ﴿ فهديناهم ﴾ أي دللناهم على طريق الخير والشر ﴿ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ﴾ أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد.
واعلم أن صاحب الكشاف ذكر في تفسير الهدى في قوله تعالى: ﴿ هُدىً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ أن الهدى عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية، وهذه الآية تبطل قوله، لأنها تدل على أن الهدى قد حصل مع أن الإفضاء إلى البغية لم يحصل، فثبت أن قيد كونه مفضياً إلى البغية غير معتبر في اسم الهدى.
وقد ثبت في هذه الآية سؤال يشعر بذلك إلا أنه لم يذكر جواباً شافياً فتركناه، قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن الله تعالى قد ينصب الدلائل ويزيح الأعذار والعلل، إلا أن الإيمان إنما يحصل من العبد لأن قوله: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم ﴾ يدل على أنه تعالى قد نصب لهم الدلائل وقوله: ﴿ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ﴾ يدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى فهذا يدل على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد، وأقول بل هذه الآية من أدل الدلائل، على أنهما إنما يحصلان من الله لا من العبد، وبيانه من وجهين: الأول: أنهم إنما صدر عنهم ذلك العمى، لأنهم أحبوا تحصيله، فلما وقع في قلبهم هذه المحبة دون محبة ضده، فإن حصل ذلك الترجيح لا لمرجح فهو باطل، وإن كان المرجح هو العبد عاد الطلب، وإن كان المرجح هو الله فقد حصل المطلوب الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ﴾ ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً لا يحب العمى والجهل مع العلم بكونه عمى وجهلاً، بل ما لم يظن في ذلك العمى والجهل كونه تبصرة وعلماً لا يرغب فيه، فإقدامه على اختيار ذلك الجهل لابد وأن يكون مسبوقاً بجهل آخر، فإن كان ذلك الجهل الثاني باختياره أيضاً لزم التسلسل وهو محال، فلابد من انتهاء تلك الجهالات إلى جهل يحصل فيه لا باختياره وهو المطلوب، ولما وصف الله كفرهم قال: ﴿ فَأَخَذَتْهُمْ صاعقة العذاب الهون ﴾ و ﴿ صاعقة العذاب ﴾ أي داهية العذاب و ﴿ الهون ﴾ الهوان، وصف به العذاب مبالغة أو أبدل منه ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ يريد من شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة، وشرع صاحب الكشاف هاهنا في سفاهة عظيمة.
والأولى أن لا يلتفت إليه أنه وإن كان قد سعى سعياً حسناً فيما يتعلق بالألفاظ، إلا أن المسكين كان بعيداً من المعاني.
ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال: ﴿ وَنَجَّيْنَا الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ ﴾ يعني وكانوا يتقون الأعمال التي كان يأتي بها قوم عاد وثمود، فإن قيل: كيف يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه مثل صاعقة عاد وثمود، مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد صرّح الله تعالى بذلك في قوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وجاء في الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع من الآفات قلنا إنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة جوزوا حدوث ما يكون من جنس ذلك، وإن كان أقل درجة مهم وهذا القدر يكفي في التخويف.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ يحشر ﴾ على البناء للمفعول.
ونحشر بالنون وضم الشين وكسرها، ويحشر: على البناء للفاعل، أيّ: يحشر الله عزّ وجلّ ﴿ أَعْدَاء الله ﴾ الكفار من الأوّلين والآخرين ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يحبس أوّلهم على آخرهم، أي: يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، نسأل الله أن يجيرنا منها بسعة رحمته؛ فإن قلت: (ما) في قوله: ﴿ حتى إِذَا مَا جَاءوهَا ﴾ ما هي؟
قلت: مزيدة للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها: أنّ وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم، ولا وجه لأن يخلو منها.
ومثله قوله تعالى: ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ ﴾ [يونس: 51] أي: لابد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به شهادة الجلود بالملامسة للحرام، وما أشبه ذلك مما يفضي إليها من المحرّمات.
فإن قلت: كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟
قلت: الله عزّ وجلّ ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلاماً.
وقيل: المراد بالجلود: الجوارح.
وقيل: هي كناية عن الفروج، أراد بكل شيء: كل شيء، من الحيوان، كما أراد به في قوله تعالى: ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 284] كل شيء من المقدورات، والمعنى: أن نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان، وعلى خلقكم وإنشائكم أوّل مرّة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه- وإنما قالوا لهم: ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ﴾ لما تعاظمهم من شهادتها وكبر عليهم من الافتضاح على ألسنة جوارحهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ ﴾ وقُرِئَ «يَحْشُرُ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ نافِعٌ نَحْشُرُ بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الشِّينِ ونَصْبِ أعْداءً.
﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِئَلّا يَتَفَرَّقُوا وهو عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ أهْلِ النّارِ.
﴿ حَتّى إذا ما جاءُوها ﴾ إذا حَضَرُوها وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ الشَّهادَةِ بِالحُضُورِ.
﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ بِأنْ يُنْطِقَها اللَّهُ تَعالى، أوْ يُظْهِرَ عَلَيْها آثارًا تَدُلُّ عَلى ما اقْتُرِفَ بِها فَتَنْطِقُ بِلِسانِ الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} لما تعاظمهم من شهادتها عليهم
{قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ} من الحيوان والمعنى أن نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وهو قادر على إنشائكم أول مرة وعلى إعادتكم ورجوعكم إلى جزائه
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ﴾ فَإنَّ ما تَشْهَدُ بِهِ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ جِنايَةً وقُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ مِمّا يَشْهَدُ بِهِ السَّمْعُ والأبْصارُ مِنَ الجِناياتِ المُكْتَسَبَةِ بِتَوَسُّطِهِما وفِيهِ نَظَرٌ ولَعَلَّ إرادَةَ الظّاهِرِ أوْلى، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ السُّؤالِ بِالجُلُودِ لِأنَّها بِمَرْأى مِنهم بِخِلافِ السَّمْعِ والبَصَرِ أوْ لِأنَّها هي مُدْرِكَةٌ العَذابَ بِالقُوَّةِ المُودَعَةِ فِيها كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ قالَ الجَلَبِيُّ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ العَلّامَةِ الثّانِي في ذَلِكَ أنَّ الشَّهادَةَ مِنَ الجُلُودِ أعْجَبُ وأبْعَدُ إذْ لَيْسَ شَأْنُها الإدْراكَ بِخِلافِ السَّمْعِ والبَصَرِ، وتَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: فِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ الجِلْدَ مَحَلُّ القُوَّةِ اللّامِسَةِ الَّتِي هي أهَمُّ الحَواسِّ لِلْحَيَوانِ كَما أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ مَحَلُّ السّامِعَةِ والباصِرَةِ والَّذِي يُنْطِقُ الأعْيانَ دُونَ الأعْراضِ ثُمَّ إنَّ اللّامِسَةَ تَشْتَمِلُ عَلى الذّائِقَةِ الَّتِي هي الأهَمُّ بَعْدَ اللّامِسَةِ، ثُمَّ قالَ: ويَلُوحُ بِما قَرَّرْناهُ وجْهٌ آخَرُ لِلتَّخْصِيصِ فَإنَّ الأهَمِّيَّةَ لِلْإنْسانِ والِاشْتِمالِ عَلى أهَمِّ مِن غَيْرِها يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا، فانْقِلابُ ما يَرْجُونَ مِنهُ أكْمَلَ النَّفْعِ أعْجَبُ ومِثْلُهُ أحَقُّ بِالتَّوْبِيخِ مِن غَيْرِهِ.
واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ رَدَّهُ عَلى العَلّامَةِ لَمْ يُصادِفْ مَحَزَّهُ إذْ لَيْسَ المُرادُ مِمّا ذَكَرَهُ مِن أنَّها لَيْسَ مِن شَأْنِها الإدْراكُ إلّا إدْراكَ أنْواعِ المَعاصِي الَّتِي يُشْهَدُ عَلَيْها كالكُفْرِ والكَذِبِ والقَتْلِ والزِّنا مَثَلًا وإدْراكُ مِثْلِها مُنْحَصِرٌ في السَّمْعِ والبَصَرِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ طَيِّ كُشْحِ البَحْثِ في هَذا الجَوابِ أنَّ ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ لا يُناسِبُ ظاهِرَ السُّؤالِ أعْنِي ﴿ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ﴾ وأوْلى ما قِيلَ مِن أوْجُهِ التَّخْصِيصِ: إنَّ المُدافَعَةَ عَنِ الجُلُودِ أزْيَدُ مِنَ المُدافَعَةِ عَنِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَإنَّ جِلْدَ الإنْسانِ الواحِدِ لَوْ جُزِّئَ لَزادَ عَلى ألْفِ سَمْعٍ وبَصَرٍ وهو يُدافِعُ عَنْ كُلِّ جُزْءٍ ويَحْذَرُ أنْ يُصِيبَهُ ما يَشِينُهُ فَكانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الجُلُودِ عَلَيْهِمْ أعْجَبَ وأبْعَدَ عَنِ الوُقُوعِ.
وفِي الحَدِيثِ - «إنَّ أوَّلَ ما يَنْطِقُ مِنَ الإنْسانِ فَخِذُهُ اليُسْرى ثُمَّ تَنْطِقُ الجَوارِحُ فَيَقُولُ: تَبًّا لَكِ فَعَنْكِ كُنْتُ أُدافِعُ»، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ قَدْ مَرَّ أوَّلَ التَّفْسِيرِ، ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ والجِلْدِ أشارَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ قالَ: لَمّا كانَتِ الحَواسُّ خَمْسَةً السَّمْعَ والبَصَرَ والشَّمَّ والذَّوْقَ واللَّمْسَ وكانَ الذَّوْقُ مُنْدَرِجًا في اللَّمْسِ إذْ بِمُماسَّةِ جَلْدِ اللِّسانِ الرَّطْبِ لِلْمَذُوقِ يَحْصُلُ إدْراكُ طَعْمِ المَذُوقِ وكانَ حِسُّ الشَّمِّ لَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفٌ لا أمْرَ ولا نَهْيَ وهو ضَعِيفٌ اقْتَصَرَ مِنَ الحَواسِّ عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ واللَّمْسِ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ.
وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ أنَّ المُرادَ بِالجُلُودِ ما سِوى السَّمْعِ والأبْصارِ وأنَّ ذِكْرَ السَّمْعِ لِما أنَّهُ وسِيلَةُ إدْراكِ أكْثَرِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ وذِكْرُ الأبْصارِ لِما أنَّها وسِيلَةُ إدْراكِ أكْثَرِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ.
وقَدْ أُشِيرَ إلى كُلٍّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ ﴾ عَلى وجْهٍ، وأنَّ شَهادَتَهُما فِيما يَتَعَلَّقُ بِالكُفْرِ، فَيَشْهَدُ السَّمْعُ عَلَيْهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا بِالآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها الرُّسُلُ وسَمِعُوها مِنهم، والأبْصارُ أنَّهم لَمْ يَعْبَئُوا بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي أبْصَرُوها وكَفَرُوا بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ شَهادَةَ الجُلُودِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِما سِوى الكُفْرِ مِنَ المَعاصِي الَّتِي نَهى عَنْها الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كالزِّنا مَثَلًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَهادَةُ السَّمْعِ بِإدْراكِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ والأبْصارِ بِإدْراكِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والجُلُودِ بِالكُفْرِ بِما يَقْتَضِيهِ كُلٌّ وبِالمَعاصِي الآخَرُ، ولا بُعْدَ في شُمُولِ ما ( كانُوا يَعْمَلُونَ ) لِإدْراكِ الآياتِ والإحْساسِ بِها بِقِسْمَيْها فَتَدَبَّرْ.
ولَعَلَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لِمَ شَهِدْتُمْ ﴾ سُؤالٌ عَنِ العِلَّةِ المُوجِبَةِ، وصِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ في ﴿ شَهِدْتُمْ ﴾ وما بَعْدُ مَعَ أنَّ المُرادَ مِنهُ لَيْسَ مِن ذَوِي العُقُولِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ في مَوْقِعِ السُّؤالِ والجَوابِ المُخْتَصَّيْنِ بِالعُقَلاءِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «لِمَ شَهِدْتُنَّ» بِضَمِيرِ المُؤْنَّثاتِ ﴿ قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ أنْطَقَنا اللَّهُ تَعالى وأقْدَرَنا عَلى بَيانِ الواقِعِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِنَ القَبائِحِ وما كَتَمْنا، وحَيْثُ كانَ مَعْنى السُّؤالِ لِأيِّ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ شَهِدْتُمْ ؟
صَلَحَ ما ذُكِرَ جَوابًا لَهُ، وقِيلَ: لا قَصْدَ هُنا لِلسُّؤالِ أصْلًا وإنَّما القَصْدُ إلى التَّعَجُّبِ ابْتِداءً لِأنَّ التَّعَجُّبَ يَكُونُ فِيما لا يُعْلَمُ سَبَبُهُ وعِلَّتُهُ فالسُّؤالُ عَنِ العِلَّةِ المُسْتَلْزِمُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِها جُعِلَ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ التَّعَجُّبِ، فَقَدْ قِيلَ: إذا ظَهَرَ السَّبَبُ بَطَلَ العَجَبُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ نُطْقُنا بِعَجَبٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فالنُّطْقُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كَما هو الظّاهِرُ وكَذا الشَّهادَةُ، ولا يُقالُ: الشّاهِدُ أنْفُسُهم والسَّمْعُ والأبْصارُ والجُلُودُ آلاتٌ كاللِّسانِ فَما مَعْنى ﴿ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ﴾ لِأنَّهُ يُقالُ: لَيْسَ المُرادُ هَذا النَّوْعَ مِنَ النُّطْقِ الَّذِي يُسْنَدُ حَقِيقَةً إلى جُمْلَةِ الشَّخْصِ ويَكُونُ غَيْرُهُ آلَةً بِلا قُدْرَةٍ وإرادَةٍ لَهُ في نَفْسِهِ حَتّى لَوْ أُسْنِدَ إلَيْهِ كانَ مَجازًا كَإسْنادِ الكِتابَةِ إلى القَلَمِ بَلْ هو نُطْقٌ يُسْنَدُ إلى العُضْوِ حَقِيقَةً فَيَكُونُ نَفْسُهُ ناطِقًا بِقُدْرَةٍ وإرادَةٍ خَلَقَهُما اللَّهُ تَعالى فِيهِ كَما يَنْطِقُ الشَّخْصُ بِالآلَةِ، وكَيْفَ لا وأنْفُسُهم كارِهَةٌ لِذَلِكَ مُنْكِرَةٌ لَهُ، وقِيلَ: النّاطِقُ هم بِتِلْكَ الأعْضاءِ إلّا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ كَوْنِها آلاتٍ ولِذا نُسِبَتِ الشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ إلَيْها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ النُّطْقُ مَجازًا عَنِ الدَّلالَةِ فالمُرادُ بِالشَّهادَةِ ظُهُورُ عَلاماتٍ عَلى الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى ما كانَتْ مُلْتَبِسَةً بِهِ في الدُّنْيا بِتَغْيِيرِ أشْكالِها ونَحْوِهِ مِمّا يُلْهِمُ اللَّهُ تَعالى مَن رَآهُ أنَّها تَلَبَّسَتْ بِهِ في الدُّنْيا لِارْتِفاعِ الغِطاءِ في الآخِرَةِ، وهو خِلافُ ظاهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ ولا داعِيَ إلَيْهِ، وعَلى الظّاهِرِ لا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ ( كُلَ شَيْءٍ ) بِكُلِّ حَيٍّ نَطَقَ إذْ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ ولا كُلُّ حَيٍّ يَنْطِقُ بِالنُّطْقِ الحَقِيقِيِّ ومِثْلُ هَذا التَّخْصِيصِ شائِعٌ، ومِنهُ ما قِيلَ في ( واَللَّهُ عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [البَقَرَةَ: 284، آلَ عِمْرانَ: 29، المائِدَةَ: 19، 40، التَّوْبَةَ: 39] و ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النُّطْقُ في ﴿ أنْطَقَنا ﴾ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ ويُحْمَلُ النُّطْقُ في ﴿ أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ عَلى الدَّلالَةِ فَيَبْقى العامُّ عَلى عُمُومِهِ ولا يَحْتاجُ إلى التَّخْصِيصِ المَذْكُورِ ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالنُّطْقِ لِلْمُشاكَلَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والمَوْصُولُ المُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ يَأْباهُ إباءً ظاهِرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ ومَقُولِ القَوْلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ والأوَّلُ أظْهَرُ، والمُرادُ عَلى كُلِّ حالٍ تَقْرِيرُ ما قَبْلَهُ بِأنَّ القادِرَ عَلى الخَلْقِ أوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلى الإنْطاقِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ إذا كانَ الخِطابُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ أنَّ الرَّجْعَ فِيهِ مُتَحَقَّقٌ لا مُسْتَقْبَلَ لِما أنَّ المُرادَ بِالرَّجْعِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الرَّدِّ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ بَلْ ما يَعُمُّهُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ الخالِدِ المُرْتَقَبِ عِنْدَ التَّخاطُبِ عَلى تَغْلِيبِ المُتَوَقَّعِ عَلى الواقِعِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ، <div class="verse-tafsir"
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ أي: خوفتكم، صاعِقَةً أي: عذاباً، مِثْلَ صاعِقَةِ أي: مثل عذاب عادٍ وَثَمُودَ.
وقال مقاتل: كان عاد وثمود ابني عم، وموسى وقارون ابني عم، وإلياس واليسع، ابني عم، وعيسى ويحيى ابني خالة.
ومعنى: الآية إن لم يعتبروا فيما وصف لهم من قدرتي، وعظمتي، في خلق السموات والأرض، وأعرضوا عن الإيمان.
فقال: أنذرتكم عذاباً مثل عذاب عاد وثمود، أنه يصيبهم مثل ما أصابهم.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أخبرني الخليل بن أحمد.
قال: حدّثنا علي بن المنذر.
قال: حدّثنا ابن فضيل، عن الأجلح، عن ابن حرملة، عن جابر بن عبد الله: أن أبا جهل، والملأ من قريش، بعثوا عتبة بن ربيعة إلى رسول الله ، فأتاه، فقال: له أنت يا محمد خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
فلم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك لواء، وكنت رأساً ما بقيت.
وإن كنت تريد الباءة، زوجناك عشرة نسوة تختارهن، من أي حي، من بنات قريش شئت.
وإن كنت تريد المال، جمعنا لك من أموالنا، ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك.
فلما فرغ، قال رسول الله : «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» إلى قوله: «مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ» !.
فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم أن يكف.
ثم رجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم.
فقال: أبو جهل: والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا وقد صبأ، فأتوه.
فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبوت إلى دين محمد، وأعجبك أمره، فغضب عتبة، وأقسم ألا يكلم محمداً أبداً.
وقال: إني أتيته، وقصصت عليه القصة، فأجابني بقوله: «والله ليس فيه سحر ولا شعر، ولا كهانة» فأمسكت على فيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال قولاً، لم يكذب.
فخفت أن ينزل بكم العذاب.
ثم قال تعالى: إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني: من قبل عاد وثمود، وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني: من بعد عاد وثمود، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يعني: ألا تطيعوا في التوحيد غير الله.
وهذا قول الرسل لقومهم، فأجابهم قومهم: قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ولم يرسل إلينا آدمياً، فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ أي: جاحدون.
وقد قيل في قوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني: خوفوهم من بين أيديهم من أمر الآخرة، وحذروهم النار، ورغبوهم في الجنة.
وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني: زهّدوهم في الدنيا، فلم يقبلوا، وقد قيل: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني: ما خلق قبلهم، كيف أهلكهم الله، ومما خلفهم من أمر الآخرة.
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: تعظموا عن الإيمان عن قول لا إله إلا الله، بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً.
يقول الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وقواهم، هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً يعني: بطشاً، ولم يعتبروا بذلك.
وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعني: جاحدين بما آتاهم هود- -، أنه لا ينزل بهم.
قوله عز وجل: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً يعني: ريحاً بارداً، ذا صوت ودوي تحرق، كما تحرق النار.
ويقال: رِيحاً صَرْصَراً أي: شديدة الصوت، فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ.
قال مقاتل: يعني: شدائد.
وقال الكلبي: يعني: أيام مشؤومات.
قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ بجزم الحاء، والباقون: بكسر الحاء، ومعناهما واحد.
ويقال: يوم نحس، ويوم نحس، وأيام نحسه، ونحسه، والنحسات جمع الجمع.
لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ يعني: العذاب الشديد في الدنيا، قبل عذاب الآخرة.
وهذا كقوله: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم: 41] يعني: ليصيبهم بعض العقوبة في الدنيا.
كقوله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يعني: يتوبون.
ثم قال عز وجل: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لاَ يُنْصَرُونَ يعني: أشد مما كان في الدنيا.
وَهُمْ لاَ يُنْصَرُونَ يعني: لا يمنعهم أحد من عذاب الله، لا في الدنيا، ولا فى الآخرة.
وَأَمَّا ثَمُودُ قرأ الأعمش: ثَمُودُ بالتنوين.
وقراءة العامة بغير تنوين.
فَهَدَيْناهُمْ يعني: بيّنا لهم الحق من الباطل، والكفر من الإيمان.
وقال مجاهد: فَهَدَيْناهُمْ أي: دعوناهم.
وقال قتادة ومقاتل: بيّنا لهم.
وقال القتبي: دعوناهم، ودللناهم، فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى يعني: اختاروا الكفر على الإيمان.
ويقال: اختاروا طريق الضلالة، على طريق الهدى، فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ والصاعقة هي العذاب الْهُونِ.
يعني: يهانون فيه.
ويقال: الهون الشديد.
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: يعملون من الشرك، والمعاصي.
قوله عز وجل: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ يعني: آمنوا بصالح النبي ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ عقر الناقة، ويتقون الشرك، والفواحش.
<div class="verse-tafsir"
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)
وقوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً ...
الآية، تقدَّم قَصَصُ هؤلاء، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير: نَحِساتٍ- بسكون الحاء «١» -، وهي جمعُ «نَحْس» وقرأ الباقون: نَحِساتٍ- بكسر الحاء- جمع «نَحِسٍ» على وزن حَذِرٍ، والمعنى في هذه اللفظة: مشائيم من النَّحْسِ المعروفِ، قاله مجاهد وغيره «٢» ، وقال ابن عبَّاس: نَحِساتٍ معناه مُتَتَابِعَاتٍ «٣» ، وقيل: معناه: شديدة، أي: شديدة البَرْدِ.
وقوله تعالى: فَهَدَيْناهُمْ معناه: بَيَّنَّا لهم قاله ابن عَبَّاس وغيره، وهذا كما هي الآن شريعةُ الإسلامُ مُبَيَّنَةٌ لليهودِ والنصارَى المُخْتَلِطِينَ بنا، ولكِّنهم يعرضون ويشتغلون بالضّدّ، فذلك استحباب العمى على الهدى، والْعَذابِ الْهُونِ هو الذي معه هَوَانٌ وإذلالٌ قال أبو حَيَّان «٤» : «الهون» مصْدَرٌ بمعنى «الهَوَانِ» ، وُصِفَ به العذاب، انتهى، وأَعْداءُ اللَّهِ هم الكفار المخالفون لأمر اللَّه سبحانه، ويُوزَعُونَ معناه: يُكَفُّ أَوَّلُهُمْ حَبْساً على آخرهم قاله قتادة، والسُّدِّيُّ «٥» ، وأهل اللغة، وهذا وصف حال من أحوال الكفرة في بعض أوقات القيامة، وذلك عند وصولهم إلى جَهَنَّمَ، فإنَّه سبحانه يستقرهم عند ذلك على أنفسهم، ويسألون سؤالَ توبيخ عن كُفْرهم فيجحدُونَ، ويحسبون أَنْ لا شاهد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا ﴾ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿ فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً ﴾ الصّاعِقَةُ: المُهْلِكُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ والمَعْنى: أنْذَرْتُكم عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ.
وإنَّما خَصَّ القَبِيلَتَيْنِ، لِأنَّ قُرَيْشًا يَمُرُّونَ عَلى قُرى القَوْمِ في أسْفارِهِمْ.
﴿ إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ: أتَتْ آباءَهم ومَن كانَ قَبْلَهم ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ أيْ: مِن خَلْفِ الآباءِ، وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ ﴿ ألا تَعْبُدُوا ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا ﴿ إلا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا ﴾ أيْ: لَوْ أرادَ دَعْوَةَ الخَلْقِ ﴿ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ الإيمانِ وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ.
وكانَ هُودٌ قَدْ تَهَدَّدَهم بِالعَذابِ فَقالُوا: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ بِفَضْلِ قُوَّتِنا.
والآياتُ هاهُنا: الحُجَجُ.
وَفِي الرِّيحِ الصَّرْصَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها البارِدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي الرِّيحُ البارِدَةُ تُحْرِقُ كالنّارِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: هي الشَّدِيدَةُ البَرْدِ جِدًّا؛ فالصَّرْصَرُ مُتَكَرِّرٌ فِيها البَرْدُ، كَما تَقُولُ: أقْلَلْتُ الشَّيْءَ وقَلْقَلْتُهُ، فَأقْلَلْتُهُ بِمَعْنى رَفَعْتُهُ، وقَلْقَلْتُهُ: كَرَّرْتُ رَفْعَهُ.
والثّانِي: أنَّها الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: البارِدَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أيّامٍ نَحِساتٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "نَحِساتٍ" بِإسْكانِ الحاءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِكَسْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ الحاءَ، فَواحِدُهُنَّ " نَحِسٌ "، ومَن أسْكَنَها، فَواحِدُهُنَّ "نَحْسٌ"؛ والمَعْنى: مَشْؤُوماتٌ.
وَفِي أوَّلِ هَذِهِ الأيّامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: يَوْمُ الجُمْعَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والثّالِثُ: يَوْمُ الأرْبِعاءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
والخِزْيُ: الهَوانُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بَيَّنّا لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقالَ قَتادَةُ: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ.
والثّانِي: دَعَوْناهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: دَلَلْناهم عَلى مَذْهَبِ الخَيْرِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَحَبُّوا العَمى ﴾ أيِ: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، ﴿ فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ ﴾ أيْ: ذِي الهَوانِ، وهو الَّذِي يُهِينُهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَنَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ خَزَنَةِ الرِيحِ، فَفَتَحُوا عَلى عادٍ مِنها مِقْدارَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوْ فَتَحُوا مِقْدارَ مُنْخَرِ الثَوْرِ، لَهَلَكَتِ الدُنْيا،» ورُوِيَ «أنَّ الرِيحَ كانَتْ تَرْفَعُ العِيرَ بِأوقارِها فَتُطَيِّرُها، حَتّى تَطْرَحَها في البَحْرِ،» وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، والتَيْمِيُّ: حُبِسَ عنهُمُ المَطَرُ ثَلاثَةَ أعْوامٍ، وإذا أرادَ اللهُ بِقَوْمٍ شَرًّا، حَبَسَ عنهُمُ المَطَرَ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِيحِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الصَرْصَرِ، فَقالَ قَتادَةُ، والسَدِّيُّ، والضَحّاكُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الصِرِّ وهو البَرْدُ، والمَعْنى: رِيحًا بارِدَةً لَها صَوْتٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: صَرْصَرٌ: شَدِيدَةُ السُمُومِ عَلَيْهِمْ، وقالَ الطَبَرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو مِن صَرْصَرَ إذا صَوَّتَ صَوْتًا يُشْبِهُ الصادَ والراءَ، وكَذَلِكَ يَجِيءُ صَوْتُ الرِيحِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوقاتِ بِحَسَبِ ما تَلْقى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، والأعْرَجُ، والنَخْعِيُّ وعِيسى: "نَحْساتٍ" بِسُكُونِ الحاءِ، وهو جَمْعٌ نَحْسٍ، يُقالُ: يَوْمٌ نَحْسٌ وقَوْمٌ نَحْسٌ، فَهو مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ أحْيانًا ويُضافُ إلَيْهِ "اليَوْمَ" أحْيانًا، وعَلى الصِفَةِ بِهِ جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ، واحْتَجَّ أبُو عَمْرُو لِهَذِهِ القِراءَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴾ ، وقالَ النَخْعِيُّ: نَحَساتٍ ولَيْسَتْ بِنَحِساتٍ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "نَحِساتٍ" بِكَسْرِ الحاءِ، وهي جَمْعٌ لِنَحِسٍ عَلى وزْنِ حَذِرٍ، فَهو صِفَةٌ لِلْيَوْمِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَحْسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: نَحِسٌ ونَحْسٌ لُغَتانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ اللُغَةُ الواحِدَةُ تَجْمَعُهُما، أحَدُهُما مَصْدَرٌ والآخِرٌ مِن أمْثِلَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: أبْلِغْ جُذامًا ولَخْمًا أنَّ إخْوَتَهم ∗∗∗ طَيًّا وبَهْراءَ قَوْمٌ نَصَرُهم نَحِسُ وَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ "نَحْساتٌ" بِالسُكُونِ مُخَفَّفَةٌ مِن "نَحِساتٍ" بِالكَسْرِ، والمَعْنى في هَذِهِ اللَفْظَةِ: مَشائِيمُ، مِنَ النَحْسِ المَعْرُوفِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ.
وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: شَدِيدَةٌ، أيْ شَدِيدَةُ البَرْدِ حَتّى كانَ البَرْدُ عَذابًا لَهُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ في النَحْسِ بِمَعْنى البَرْدِ: كَأنَّ سُلافَةً عُرِضَتْ لِنَحْسٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يُحِيلُ شَفِيفُها الماءَ الزُلالا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "نَحِساتٍ" مَعْناهُ: مُتَتابِعاتٌ، وكانَتْ آخِرُ شَوّالَ مِنَ الأرْبِعاءِ إلى الأرْبِعاءِ.
و"عَذابُ الخِزْيِ في الدُنْيا": الهَلاكُ بِسَبَبِ الكُفْرِ ومُخالَفَةِ أمْرِ اللهِ تَعالى، ولا خِزْيٌ أعْظَمُ مِن هَذا، إلّا ما في الآخِرَةِ مِنَ الخُلُودِ في النارِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأمّا ثَمُودُ" ﴾ بِغَيْرِ صَرْفٍ، وهَذا عَلى إرادَةِ القَبِيلَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وبَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ: "وَأمّا ثَمُودٌ" بِالتَنْوِينِ والإجْراءِ، وهَذا عَلى إرادَةِ الحَيِّ، وبِالصَرْفِ كانَ الأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ يَقْرَءانِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَآتَيْنا ثَمُودَ الناقَةَ ﴾ لِأنَّهُ في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألْفٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقٍ، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ - والأعْمَشُ، وعاصِمٌ: "ثَمُودَ" بِالنَصْبِ، وهَذا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَدَيْناهُمْ ﴾ ، وتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَهَدَيْنا ثَمُودَ هَدَيْناهُمْ، والرَفْعُ عِنْدَهُ أوجُهٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقٍ، والأعْمَشِ: (ثَمُودًا) مُنَوَّنَةً مَنصُوبَةً، ورَوى الفَضْلُ عن عاصِمٍ الوَجْهَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [فَهَدَيْناهُمْ]﴾ مَعْناهُ: بَيَّنّا لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ الهُدى هُنا بِمَعْنى الإرْشادِ، وهَذا كَما هي الآنَ شَرِيعَةُ الإسْلامِ مُبَيَّنَةٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى المُخْتَلِطِينَ بِنا، ولَكِنَّهم يَعْرِضُونَ ويَشْتَغِلُونَ بِالضِدِّ، فَذَلِكَ اسْتِحْبابُ العَمى عَلى الهُدى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى ﴾ عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِهِمْ في العَمى، وإلّا فَهو بِالِاخْتِراعِ لِلَّهِ تَعالى، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّها إشارَةٌ إلى تَكَسُّبِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ العَذابِ الهُونِ ﴾ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، والمَعْنى: الَّذِي مَعَهُ هَوانٌ وإذْلالٌ، ثُمَّ قَرَنَ تَعالى بِذِكْرِهِمْ ذِكْرَ مَن آمَنَ واتَّقى ونَجا بِهِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لله يتَّقُونَ * وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار فَهُمْ يُوزَعُونَ * حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ ﴾ ﴿ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذى أَنطَقَ كُلَّ شَئ ﴾ لما فُرغ من موعظة المشركين بحال الأمم المكذبة من قبلهم وإنذارهم بعذاب يحلّ بهم في الدنيا كما حل بأولئك ليكون لهم ذلك عبرة فإن لاستحضار المثل والنظائر أثراً في النفس تعتبر به ما لا تعتبر بتوصف المعاني العقلية، انتقل إلى إنذارهم بما سيحلّ بهم في الآخرة فجملة ﴿ ويَوْمَ نحشر أعداء الله ﴾ الآيات، معطوفة على جملة ﴿ فَقُلْ أنذَرتُكُم صاعقة ﴾ [فصلت: 13] الآيات.
والتقدير: وأنذرهم يوم نحشر أعداء الله إلى النار.
ودل على هذا المقدر قوله: وأعداء الله: هم مشركو قريش لأنهم أعداء رسوله قال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ [الممتحنة: 1] يعني المشركين لقوله بعده: ﴿ يخرجون الرسول وإياكم ﴾ [الممتحنة: 1]، ولأنها نزلت في قضية كِتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يعلمهم بتهيّؤ النبي صلى الله عليه وسلم لغزو مكة ولقوله في آخر هذه الآيات ﴿ ذلك جَزَاءُ أعْدَاءِ الله ﴾ [فصلت: 28] بعد قوله ﴿ وقال الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لهذا القُرءَاننِ والغَوا فِيهِ لَعَلَّكُم تَغْلِبُونَ ﴾ [فصلت: 26].
ولا يجوز أن يكون المراد ب ﴿ أعْدَاءَ الله ﴾ جميع الكفار من الأمم بحيث يدخل المشركون من قريش دخول البعض في العموم لأن ذلك المحمل لا يكون له موقع رشيق في المقام لأن الغرض من ذكر ما أصاب عاداً وثمود هو تهديد مشركي مكة بحلول عذاب مثله في الدنيا لأنهم قد علموه ورأوا آثاره فللتهديد بمثله موقع لا يسعهم التغافل عنه، وأما عذاب عاد وثمود في الآخرة فهو موعود به في المستقبل وهم لا يؤمنون به فلا يناسب أن يجعل موعظة لقريش بل الأجدر أن يقع إنذار قريش رأساً بعذاب يعذَّبونه في الآخرة، ولذلك أطيل وصفه لتهويله ما لم يُطل بمثله حينَ التعرض لِعذاب عاد في الآخرة بقوله: ﴿ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أخزى ﴾ [فصلت: 16] المكتفى به عن ذكر عذاب ثمود.
ولهذا فليس في قوله: ﴿ أَعْدَاءَ الله ﴾ إظهار في مقام الإِضمار من ضمير عاد وثمود.
ويجوز أن يكون ﴿ ويَوْمَ نحشر أعْدَاءَ الله ﴾ مفعولاً لفعل (واذكر) محذوفاً مثل نظائره الكثيرة.
والحشر: جمع الناس في مكَان لمقصد.
ويتعلق قوله: ﴿ إلى النَّارِ ﴾ ب ﴿ نَحْشر ﴾ لتضمين ﴿ نحشر ﴾ معنى: نرسل، أي نرسلهم إلى النار.
والفاء في قوله: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ عطف وتفريع على ﴿ نحشر ﴾ لأن الحشر يقتضي الوزْع إذ هو من لوازمه عُرفاً، إذ الحشر يستلزم كثرة عدد المحشورين وكثرةُ العدد تستلزم الاختلاط وتداخل بعضهم في بعض فلا غنى لهم عن الوزع لتصفيفهم ورَدِّ بعضهم عن بعض.
والوزْع: كفّ بعضهم عن بعض ومنعهم من الفوضى، وتقدم في سورة النمل (17)، وهو كناية عن كثرة المحشورين.
وقرأ نافع ويعقوب ﴿ نَحشر ﴾ بنون العظمة مبنياً للفاعل ونصب ﴿ أَعْدَاءَ ﴾ .
وقرأه الباقون بياء الغائب مبنياً للنائب.
و ﴿ حتى ﴾ ابتدائية وهي مفيدة لمعنى الغاية فهي حرف انتهاء في المعنى وحرف ابتداء في اللفظ، أي أن ما بعدها جملة مستأنفة.
و ﴿ إذا ﴾ ظرف للمستقبل متضمن معنى الشرط وهو متعلق بجوابه، و ﴿ ما ﴾ زائدة للتوكيد بعد ﴿ إذَا ﴾ تفيد توكيد معنى ﴿ إذَا ﴾ من الارتباط بالفعل الذي بعد ﴿ إذا ﴾ سواء كانت شرطية كما في هذه الآية أم كانت لمجرد الظرفية كقوله تعالى: ﴿ وإذا ما غضبوا هم يغفرون ﴾ [الشورى: 37].
ويظهر أن ورود ﴿ مَا ﴾ بعد ﴿ إذا ﴾ يقوّي معنى الشرط في ﴿ إذا ﴾ ، ولعلهُ يكون معنى الشرط حينئذٍ نصاً احتمالاً.
وضمير المؤنث الغائب في ﴿ جَاءُوهَا ﴾ عائد إلى ﴿ النَّارِ ﴾ ، أي إذا وصلوا إلى جهنم.
وجملة ﴿ شَهِدَ عَلَيهِم سَمْعُهُم وأبصارهم ﴾ الخ يقتضي كلام المفسرين أنها جواب ﴿ إذا ﴾ ، فاقتضى الارتباط بين شرطها وجوابها وتعليقها بفعل الجواب.
واستشعروا أن الشهادة عليهم تكون قبل أن يوجهوا إلى النار، فقدَّروا فِعلاً محذوفاً تقديره: وسُئلوا عما كانوا يفعلون فأنكروا فشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم، يعني: سألهم خزنة النار.
وأحسنُ من ذلك أن نقول: إن جواب ﴿ إذا ﴾ محذوف للتهويل وحذف مثله كثير في القرآن، ويكون جملة ﴿ شَهِدَ عَلَيهِم سَمْعُهُم ﴾ إلى آخرها مستأنفة استئنافاً بيانياً نشأ عن مفاد ﴿ حتى ﴾ من الغاية لأن السائل يتطلب ماذا حصل بين حشرهم إلى النار وبين حضورهم عند النار فأجيب بأنه ﴿ شَهِدَ عَلَيهِم سَمْعُهُم وأبصارهم وَجُلُودُهُم ﴾ إلى قوله: ﴿ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ويتضمن ذلك أنهم حوسبوا على أعمالهم وأنكروها فشهدت عليهم جوارحهم وأجسادهم.
أو أن يكون جواب ﴿ إذا ﴾ قوله: ﴿ فَإِن يَصْبِرُوا فالنَّارُ مَثْوَىً لَهُم ﴾ [فصلت: 24] الخ.
وجملة ﴿ شَهِدَ عَلَيهِم سَمْعُهُم وأبصارهم ﴾ وما عطف عليها معترضة بين الشرط وجوابه.
وشهادة جوارحهم وجلودهم عليهم: شهادة تكذيب وافتضاح لأن كون ذلك شهادة يقتضي أنهم لما رأوا النار اعتذروا بإنكار بعض ذنوبهم طمعاً في تخفيف العذاب وإلا فقد علم الله ما كانوا يصنعون وشهدت به الحفظة وقرئ عليهم كتابُهم، وما أُحضروا للنار إلا وقد تحققت إدانتهم، فما كانت شهادة جوارحهم إلا زيادة خزي لهم وتحسيراً وتنديماً على سوء اعتقادهم في سعة علم الله.
وتخصيص السمع والأبصار والجلود بالشهادة على هؤلاء دون بقية الجوارح لأن للسمع اختصاصاً بتلقي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتلقي آيات القرآن، فسمعهم يشهد عليهم بأنهم كانوا يصرفونه عن سماع ذلك كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿ وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ ﴾ [فصلت: 5]، ولأن للأبصار اختصاصاً بمشاهدة دلائل المصنوعات الدالة على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير فذلك دليل وحدانيته في إلهيته، وشهادة الجلود لأن الجلد يحوي جميع الجسد لتكون شهادة الجلود عليهم شهادة على أنفسها فيظهر استحقاقها للحرق بالنار لبقية الأجساد دون اقتصار على حرق موضع السمع والبصر.
ولذلك اقتصروا في توجيه الملامة على جلودهم لأنها حاوية لجميع الحواس والجوارح، وبهذا يظهر وجه الاقتصار على شهادة السمع والأبصار والجلود هنا بخلاف آية سورة النور (24) ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ﴾ ، لأن آية النور تصف الذين يرمون المحصنات وهم الذين اختلقوا تهمة الإِفك ومشَوا في المجامع يُشيعونها بين الناس ويشيرون بأيديهم إلى من اتهموه إفكاً.
وإنما قالوا لجلودهم ﴿ لِمَ شَهِدتُمْ عَلَيْنَا ﴾ دون أن يقولوه لسمعهم وأبصارهم لأن الجلود مواجهة لهم يتوجهون إليها بالملامة.
وإجراء ضمائر السمع والبصر والجلود بصيغتي ضمير جمع العقلاء لأن التحاور معها صيرها بحالة العقلاء يومئذٍ.
ومن غريب التفسير قول من زعموا أن الجلود أريد بها الفروج ونسب هذا للسدي والفراء، وهو تعنت في محمل الآية لا داعي إليه بحال، وعلى هذا التفسير بنى أحمد الجرجاني في كتاب «كنايات الأدباء» فعدَّ الجلود من الكنايات عن الفُروج وعزاه لأهل التفسير فجازف في التعبير.
والاستفهام في قولهم: ﴿ لِمَ شَهِدتُمْ عَلَيْنَا ﴾ مستعمل في الملامة وهم يحسبون أن جلودهم لكونها جزءاً منهم لا يحق لها شهادتها عليهم لأنها تجر العذاب إليها.
واستعمال الاستفهام عن العلة في معرض التوبيخ كثير كقوله تعالى: ﴿ فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ﴾ [آل عمران: 66].
وقول الجلود ﴿ أنطَقَنَا الله ﴾ اعتذار بأن الشهادة جرت منها بغير اختيار.
وهذا النطق من خوارق العادات كما هو شأن العالم الأخروي.
وقولهم: ﴿ الَّذِي أنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ تمجيد لله تعالى ولا علاقة له بالاعتذار، والمعنى: الذي أنطق كل شيء له نطق من الحيوان واختلاف دلالة أصواتها على وجدانها، فعموم ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ مخصوص بالعرف.
﴿ شَئ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ ﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة والتي عطفت عليها من تمام ما أنطق الله به جلودهم قُتفِّيَ على مقالتها تشهيراً بخطئهم في إنكارهم البعث والمصير إلى الله لزيادة التنديم والتحسير، وهذا ظاهر كون الواو في أول الجملة واو العطف فيكون التعبير بالفعل المضارع في قوله: ﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ لاستحضار حالتهم فإنهم ساعتئذٍ في قبضة تصرف الله مباشرة.
وأما رجوعهم بمعنى البعث فإنه قد مضى بالنسبة لوقت إحضارهم عند جهنم، أو يكون المراد بالرجوع الرجوع إلى ما ينتظرهم من العذاب.
ويجوز أن تكون هذه الجملة وما بعدها اعتراضاً بين جملة ﴿ وَيَوْمَ نُحْشَرُ أعْدَاءَ الله إلى النَّارِ ﴾ وجملة ﴿ فَإنْ يَصْبِرُوا فالنَّارُ مَثْوىً لَهُم ﴾ [فصلت: 24] موجهاً من جانب الله تعالى إلى المشركين الأحياء لتذكيرهم بالبعث عقب ذكر حالهم في القيامة انتهازاً لفرصة الموعظة السابقة عند تأثرهم بسماعها.
ويكون فعل ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ مستعملاً في الاستقبال على أصله، والكلام استدلال على إمكان البعث.
قال تعالى: ﴿ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ [ق: 15].
وتقديم متعلق ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ عليه للاهتمام ورعاية الفاصلة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أرْسَلَ مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ عَذابُ الدُّنْيا، وما خَلْفَهم عَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشَّدِيدَةُ البَرْدِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الحُطَيْئَةِ المُطْعِمُونَ إذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ والحامِلُونَ إذا اسْتُودُوا عَلى النّاسِ اسْتُودُوا أيْ سُئِلُوا الدِّيَةَ.
الثّانِي: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّرِيرِ، وقِيلَ إنَّها الدَّبُّورُ.
﴿ فِي أيّامٍ نَحِساتٍ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَشْئُوماتٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، كُلُ آخِرِ شَوّالٍ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءِ إلى يَوْمِ الأرْبِعاءِ وذَلِكَ ﴿ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عُذِّبَ قَوْمٌ إلّا في يَوْمِ الأرْبِعاءِ.
الثّانِي: بارِداتٌ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: مُتَتابِعاتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطِيَّةُ.
الرّابِعُ: ذاتُ غُبارٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: قَدْ أغْتَدِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ∗∗∗ لِلصَّيْدِ في يَوْمٍ قَلِيلِ النَّحْسِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: دَعَوْناهم، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّانِي: بَيَّنّا لَهم سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أعْلَمْناهُمُ الهُدى مِنَ الضَّلالَةِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
﴿ فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: اخْتارُوا العَمى عَلى البَيانِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ.
الثّالِثُ: اخْتارُوا المَعْصِيَةَ عَلى الطّاعَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ ﴾ وفي الصّاعِقَةِ هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النّارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: الصَّيْحَةُ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ.
الثّالِثُ: المَوْتُ وكُلُّ شَيْءٍ أماتَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ عَذابٍ صاعِقَةٌ، وإنَّما سُمِّيَتْ صاعِقَةً لِأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَها يُصْعَقُ لِهَوْلِها.
وَفِي ﴿ الهُونِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: الهَوانُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: العَطَشُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الكلبي رضي الله عنه قال: كل شيء في القرآن ﴿ صاعقة ﴾ فهو عذاب.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود ﴾ يقول: أنذرتكم وقيعة عاد وثمود.
وفي قوله: ﴿ ريحاً صرصراً ﴾ باردة.
وفي قوله: ﴿ نحسات ﴾ قال: مشئومات نكدات.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ﴾ قال: شديدة الشؤم، قال: مشؤومات.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأما ثمود فهديناهم ﴾ قال: بينا لهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأما ثمود فهديناهم ﴾ يقول: بينا لهم سبيل الخير والشر والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُ ﴾ أي بينا لهم فهو بمعنى البيان، لا بمعنى الإرشاد.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
تأويل هذه الآية كما ذكرنا في قوله : ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 28]، وهو يخرج على وجوه: أحدها: كيف تنكرون وحدانيته وتكفرونه، وهو الذي أحياكم لا الأصنام التي تعبدونها؟!
والثاني: تنكرون قدرة الله في البعث، وقد رأيتم قدرته في ابتدائه إنشاءكم وتقليبكم من حال إلى حال؟!
والثالث: كيف تكفرون رسوله وقد خلقكم الله وامتحنكم بأنواع المحن، وكلفكم وأمركم بأوامر ونواهٍ ما لو لم يكن رسول الله لا يمكنكم القيام بأكثرها وكان خلقه إياكم عبثاً؟!
فعلى هذه الوجوه يخرج قوله: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ الآية، أي: أئنكم لتكفرون وحدانية الله وقد خلق الأرض في يومين وما ذكر.
والثاني: إنكم لتكفرون وتنكرون قدرته على البعث وقد خلق الأرض في يومين على بعد أطرافها وسعتها، فكيف تنكرون قدرته على البعث وقد رأيتم قدرته على خلق ما ذكر؟!
والثالث: أئنكم لتكفرون نعمة الله التي أنعمها عليكم من خلق ما ذكر من الأرض وغيرها وما أنعم عليكم من بعث الرسول، فكيف تصرفون شكرها إلى الذي لم يفعل ذلك بكم وتنكرون رسالة رسوله، ولا بد من رسول يرسل إليكم، وذلك من أعظم النعم وأجلها؟!
فيخرج تأويل الآية على هذه الوجوه التي ذكرنا: أحدها: في إنكار وحدانية الله وألوهيته.
والثاني: إنكار قدرته على البعث.
والثالث: في إنكارهم رسالة الرسول، وصرفهم شكر نعمه إلى غيره بعبادتهم غير الله.
ثم الحكمة في خلق الأرض وجعله الحد الذي ذكر يومين، وإن كان قادراً على خلق كل شيء بلا تحديد ولا توقيت - فقال بعضهم: فيه تعريفه الخلق والتعليم لهم الأناة - أي: التأني في الأمور وترك الاستعجال فيها.
والأصل في ذلك عندنا: أن الله - جل وعلا - جعل أمر الدنيا وأمر هذا العالم على التحديد والتقليب من حال إلى حال نحو ما ذكر من تقليبه وتغييره من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، ومن حال المضغة إلى حال تركيب الجوارح ثم إلى حال الإنسان، ثم من تلك الحال إلى أن يكبر يقلبه من حال إلى حال أخرى؛ وكذلك أمر الدنيا وما فيها من الفواكه والنبات وغير ذلك ينشئها ويحدثها في كل عام، وإن كان لو شاء أحدثها في عام واحد وأبقاها إلى آخر الأبد، لكن لم يفعل ذلك؛ لما بنى أمر هذ العالم على الفناء والفساد؛ فيستدل بطريان هذه الأحوال عليها على أصل الوضع؛ ولذلك ركب فيهم المرض والسقم والسلامة والصحة، وبنى أمر الآخرة على البقاء والدوام؛ فعلى ذلك من التحديد والتوقيت في خلق الأرض.
ويحتمل أن يقال: جعل ذلك على التحديد والتقدير؛ لأنها دار محنة وابتلاء، والابتلاء إنما يقع على التوقيت والتقدير في أوقات متباينة وأسباب مختلفة، فأما الآخرة فلا محنة فيها ولا بلية، فهي على الدوام والبقاء؛ لذلك كان ما ذكر.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا ﴾ .
أي: جعل في الأرض جبالا أرسى بها الأرض وأثبتها؛ لأنه ذكر أن الأرض كانت على الماء وكانت تميد بأهلها، لكنه أرساها بالجبال وأقرها بها.
وفيه نوع [لطف منه]؛ لأنه معلوم أن الجبال التي أثبت بها الأرض، وأقر بها كانت تزيد في ثقل الأرض، فالسبيل في التسرب في الماء والانحدار فيه لا الإثبات بها والإقرار، لكنه جعل الجبال سبب إثبات الأرض وإقرارها؛ تعليما منه الخلق تعليق الأشياء بعضها ببعض، وتعليقها بالأسباب من غير أن يكون الأسباب معونة له على ذلك، ولو شاء أثبتها وأرساها بلا سبب ولا شيء علقه به، لكنه علق الأشياء بالأشياء والأسباب، لما ذكرنا من تعليم الخلق تعليق الأشياء بالأسباب.
وقوله: ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ .
يحتمل ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ أي: في الجبال، فقد جعل الله فيها البركات الكثيرة: منها المياه التي أخرجت منها والعيون، ومنها الذهب والفضة وغيرهما، ومنها الثمار والأشجار التي ينتفع بها وأنواع النبات التي تصلح للأدوية، وغير ذلك من المنافع التي يكثر عدها وإحصاؤها.
ويحتمل قوله: ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ أي: في الأرض، فقد جعل الله في الأرض البركات والخيرات من المياه التي تخرج منها وأنواع النبات والثمار وغير ذلك مما به قوام الخلق جميعاً وغذاؤهم من البشر والدواب، والله أعلم.
والبركة: هي اسم كل خير يكون أبداً على الزيادة والنماء.
وقوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ .
أي: قدر في الأرض أقوات أهلها وأرزاقهم في أربعة أيام سواء للسائلين.
قال الزجاج في قوله: ﴿ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ ثلاث لغات: النصب والرفع والخفض.
فمن خفضه: ﴿ سَوَآءً ﴾ صيره صفة ونعتاً للأيام، كأنه قال: في أربعة أيام سواء، أي: مستويات ليس بعضها أطول من بعض.
ومن قرأ بالنصب: ﴿ سَوَآءً ﴾ صيره مصدرا، أي: سواء وتسوية.
ومن قرأ بالرفع صيره على الابتداء، يقول - والله أعلم -: أي ذلك الأقوات التي قدرها سواء للمحتاجين، أي: كفاية لهم على قدر حاجتهم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ : عن ابن عباس - - قال: "من سأل عن ذلك وحده كما قال الله ، ويقول ابن عباس - -: وأنا من السائلين" فكأن قول ابن عباس - ما - ما ذكرنا، أي: كفاية للسائلين المحتاجين على السواء.
وقال بعضهم: عدلا للسائلين، والعدل يخرج على وجهين: أحدهما: العدل الذي يناقض الجور، أي: عدل للسائلين ليس بجور.
والثاني: عدلا للسائلين، أي: سواء، يقول لمن يشاء الرزق من السائلين.
وقال الحسن: في أربعة أيام سواء لمن يسأل عن خلقه في أربعة للسائلين أو كلام نحوه.
وقال بعضهم: هو من تقاديم الكلام يقول: قدر فيها أقواتها سواء في أربعة أيام للسائلين تلك الأقوات والأرزاق سواء، والله أعلم.
ثم في هذا مسألتان: إحداهما: في تكوين الخلق وإحداثه وما ذكر من تقدير الأقوات في الأوقات، فعندنا أن الله - - لم يزل مكوناً محدثاً، وأن ما كان ويكون إلى آخر الأبد إنما يكون بتكوين كان منه في الأول، لا بتكوين يحدث منه في كل وقت يحدث المكون والخلق، والأصل في ذلك ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا أضيف الأوقات إلى فعله فتكوين التوقيت للخلق أعني: المفعول لا لفعله؛ لما ذكرنا أنه لا حاجة تقع له في المعونة بشيء مما ذكر من التوقيت، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم قدم المفعول والخلق، وليعلم أنه محدث.
ومسألة أخرى في ذكر التحديد والتوقيت في خلق ما ذكر؛ لحكمة جعل في ذلك من غير أن يصعب عليه خلق ذلك في ساعة أو طرفة عين؛ إذ المعنى في خلق ما ذكر في أيام وأوقات ذلك غيرُ موجود على السواء، وهو أن الله عالم بذاته قادر بذاته له قدرة ذاتية وعلم ذاتي لا مستفاد، فالأوقات إنما يحتاج إليها من كان يعمل بقدرة مستفادة وعلم مستفاد استعانة له بذلك، فأما الله - وتعالى - ما يكون منه إنما يكون بقدرة ذاتية وعلم ذاتي لا حاجة تقع إلى الاستعانة بشيء من ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا.
ثم قوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ .
الأربعة الأيام التي ذكر هي مع خلق الأرض: يومين لخلق الأرض، ويومين لتقدير الأقوات لأهلها والأرزاق فيكون أربعة، ثم ذكر لخلق السماوات يومين، فإذا جمع يكون ستة أيام، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ، فكان تمام ذلك في ستة أيام، وقد ذكرنا معنى ستة أيام في غير موضع.
وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، يخرج على وجهين: أي ثم استوت المنافع والأقوات التي قدرها في الأرض وجعلها معايش أهلها بالسماء؛ لأنه جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، ما لولا السماء لم يستو منافع الأرض وما قدر لهم فيها، فبالسماء استوى ذلك لهم، أي: تم بذلك، والله أعلم.
والثاني: قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، أي: ثم استوى الهواء والجو الذي بين الأرض والسماء إلى السماء ما لولا ذلك الهواء لم تستو؛ لأن السماء لو كانت ملتزقة بالأرض لا هواء بينهما لكانت لا تخرج ما جعل في الأرض من الأقوات والمعايش، فبالهواء استوى ذلك، والله أعلم.
ومنهم من يصرف الاستواء إلى الله - عز وجل - ومعنى ذلك: استوى أمره وملكه بخلق السماء، أو استوى المقصود بخلق الأرض وأهلها وما فيها بخلق السماء.
وأما التأويلان اللذان ذكرناهما يتوجهان إلى غير ذلك: أحدهما: رجع إلى استواء الهواء، والثاني: إلى استواء ما جعل في الأرض، وعلى هذا يخرج ما سئل ابن عباس - - عندما روي أن رجلا سأل ابن عباس - - فقال: "قرأت آيتين إحداهما تخالف الأخرى، فقال له: من قبل رأيك أتيت، ما هما؟
فقال ذلك السائل: قوله - -: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، وقوله : ﴿ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ "، فمراد السائل أن ظاهر الآية الأولى أنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء، وفي ظاهر الآية الثانية: أنه خلق السماء ثم خلق الأرض، فقال ابن عباس - -: "خلق الله الأرض قبل أن يخلق السماء، فدحى الأرض بعدما خلق السماء، والله أعلم"، أراد به: بسط الأرض بعد خلق السماء، فأما خلق أصل الأرض قبل خلق السماء.
وعندنا أن ليس [بين] ظاهر هاتين الآيتين مخالفة، ولا فيه بيان أنه خلق الأرض قبل السماء ولا هذا بعد هذا؛ لأنه ذكر هاهنا أنه خلق الأرض في يومين ثم قال: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ذكر الاستواء إلى السماء ليس فيه أنه خلقها بعد خلق الأرض، بل فيه أنما استوى إليها بعد خلقها وليس فيه إثبات خلقها قبل ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ .
قال بعضهم: دل قوله: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ على أنه كان هناك نار حتى خلق السماء بدخانها، لكن لا نعلم ذلك إلا بالسمع.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، أي: شبه الدخان، لا حقيقة الدخان، ومنه خلق السماء والأرض.
وقوله: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ .
قال بعضهم في قوله: ﴿ ٱئْتِيَا ﴾ : أعطيا ما جعل فيكما من المنافع والأقوات طوعاً أو كرهاً.
ثم اختلف فيه أنه على التكوين والتسخير ما ذكر من الطوع والكره، أو على حقيقة القول والأمر في ذلك؟!
قال بعضهم: ذلك على التكوين والتسخير خلقه، أي: إنشاؤهما وخلقهما على إخراج ما فيهما من المنافع والأقوات والأرزاق التي جعل فيهما، وكذلك ما ذكر من الطوع والكره لا قولا منه لهما وأمرا، لكنه طبعهما وأنشأهما كذلك على حقيقة القول والأمر منه لهما؛ نحو ما ذكر لكل شيء من الجبال وغيرها: أنه يسبح لله - - على الوجهين، لكن شرط خلق الحياة التي لا بد منها للنطق والسماع؛ فعلى ذلك هاهنا.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ : أي ائتيا عبادتي ومعرفتي، وذلك أن الله حين خلقهما عرض عليهما الطاعة والشهوة واللذات على الثواب والعقاب ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا...
﴾ الآية [الأحزاب: 72]، فهذا الإباء والإعطاء هو إعطاء الخلقة والتكوين على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ .
أي: خلقهن في يومين، هو موصول بقوله: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، وكذلك قوله - -: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا الوجوه في ذلك.
ثم الأعجوبة في خلق السماوات ورفعها أعظم وأكبر من خلق الأرض، وقد ذكر في خلق السماوات من الوقت مثل الوقت الذي ذكر في الأرض، وهو يومان؛ ليعلم أن الوقت الذي ذكر في ذلك، ليس لما يتعذر عليه، ويصعب بدون ذلك الوقت، ولكن لحكمة جعل في ذلك لم يطلع الخلق على ذلك أو كانت الحكمة فيه ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ﴾ .
وهم الملائكة الذين جعلهم أهلا لها.
وقال قائلون: أي: أمر كل أهل سماء أمرها وامتحنهم بمحنة.
وقال بعضهم: هو مما أمر به وأراد؛ وهما واحد.
وقوله: ﴿ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ ﴾ .
أي: بالكواكب، وقوله: ﴿ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا ﴾ التي دنت منكم هي مقابل القصوى من الدنو، ليس أن هذه السماء التي نراها ونشاهدها مزينة بالكواكب هي سماء الدنيا فانية وغيرها من السماء الآخرة لا يفنى، بل كلها تفنى يعني: هذه وغيرها بقوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ ، فهن كلهن دنيويات فانيات، دل أن قوله: ﴿ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: التي دنت منكم وهي مقابل القصوى، لا مقابل الآخرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَحِفْظاً ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أي: حفظناها وجعلناها محفوظة بما ذكر من أن يسترق الشياطين والجن أسماعهم إلى خبر السماء، وما يتحدث به الملائكة فيما بينهم فيلقون ذلك على أسماع أهل الأرض، على ما كانوا يفعلون من قبل، أي: حفظناها بالكواكب التي جعل فيها؛ لترميهم الكواكب وتقذفهم؛ ليكون سماع ذلك من جهة الوحي عن لسان الرسول دون إلقاء من ذكر، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ...
﴾ الآية [الصافات: 6-8].
ويحتمل وجها آخر: ﴿ وَحِفْظاً ﴾ أي: حفظناها على ما هي حتى لا تسقط على الخلق؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ ﴾ ، وقوله : ﴿ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .
يقول: ذلك الذي ذكر كله وصنع هو تقدير العزيز العليم، أي: تقدير من لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
ويحتمل قوله: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ أي: تقدير من له العز الذاتي والعلم الأزلي، لا أنه قدر وصنع ليستفيد بذلك العز أو العلم؛ إذ هو عزيز بذاته وعليم بذاته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ .
كانت معروفة عندهم ظاهرة أنها نزلت بهم؛ دل قوله : ﴿ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ أن صاعقة عاد كانت معروفة عندهم ظاهرة أنها نزلت بهم؛ لتكذيبهم الرسل وتركهم إجابتهم إلى ما دعوا إليه، حيث خوف هولاء بذلك كأنه يقول: أنذرتكم بتكذيبكم إياه وترككم إجابتي إلى ما دعوتكم إليه بالذي نزل بعاد وثمود، وتكذيبهم الرسول الذي أرسل إليهم وتركهم الإجابة إلى ما دعوا إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ لم يرد به عين عذاب أولئك ومثله في رأي العين، ولكن مثله في الهلاك والاستئصال؛ ألا ترى أن عذاب عاد وثمود كان مختلفا في رأي العين: عذاب عاد خلاف عذاب ثمود [و]هما في المعنى واحد؟!
فعلى ذلك ما أوعد هؤلاء بمثل عذاب عاد وثمود، لم يرد مثله في رأي العين، ولكن في المعنى، وهو كما ذكر في قوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ لم يرد به التشابه والمضاهاة على أن نفس القول منهم وعين الكلام كان واحداً، بل كان سبب كفرهم مختلفاً، وقول هؤلاء خلاف قول أولئك، وما كان من هذا الفريق خلاف ما كان من الفريق الآخر، لكن لما كان التكذيب من هؤلاء له كالتكذيب من أولئك والرد له من هؤلاء كهو من أولئك في أن كان كفرا واحدا سواء، فمن هذه الجهة وصف قلوبهم بالتشابه وأقوالهم بالمضاهاة، وهذا يدل على أن الاستواء من جهة واحدة يوجب التشابه والتماثل.
وقوله: ﴿ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ﴿ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ ﴾ بنبأ من كان [قبلهم] ونبأ من كان بعدهم أنهم جميعاً قالوا لقومهم ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .
والثاني: ﴿ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ ﴾ بالوعيد والتخويف بعذاب ينزل بهم ﴿ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي: من حيث يرونه ويعلمونه ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ ، أي: من حيث لا يرونه ولا يعلمون؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ ونحوه.
وقيل: يبعث الله الرسل قبلهم وبعدهم بالذي ذكر، وهو الدعاء إلى توحيد الله وجعل العبادة له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .
هذا القول منهم يناقض قولهم وتكذيبهم الرسل وإنكارهم رسالة البشر وطمعهم رسالة الملائكة؛ لأنهم ما عرفوا الملائكة ولا عاينوا، فإنما عرفوا الملائكة وعلموا بمكانهم برسل البشر، فكيف أنكروا رسالتهم مع ما لو كان الرسل إليهم الملائكة، لم يعرفوا أنهم ملائكة إلا بقولهم؛ لما لم يتقدم لهم المعرفة بالملائكة، فهذا يناقض إنكارهم الرسل من البشر؟!
والثاني: ما قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ قد أقروا رسالتهم حيث قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ ؛ لأنهم لم يقولوا: إنما بما [أرسلتم] إلينا كافرون، ولكن قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ ﴾ فذلك مما يناقض قولهم ويرد تكذيبهم، وإنما قالوا ذلك - أعني: قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً ﴾ - تعنتاً منهم وعنادا، وإلا قد علموا أنهم رسل الله فيناقضون بما قالوا على التعنت منهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .
جائز أن يكون استكبارهم في الأرض بغير الحق على أهل الأرض بما ذكروا من فضل القوة لهم وشدتها من بين غيرهم؛ كقوله : ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾ فهم ذكروا ذلك، فجائز أن يكون استكبارهم على أهل الأرض بغير الحق؛ لشدة بطشهم وقوتهم على غيرهم.
ويشبه أن يكون استكبارهم [رفض] اتباع الرسل، فلم يروا أنفسهم أن يجعلوها تحت تدبير الرسل وأمرهم، وأن يخضعوا لهم ويستسلموا لما دعوهم إليه، وقالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .
ثم قال الله : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ .
هذا استفهام على طريق التقرير، معناه: قد رأوا وعلموا أن الله الذي خلقهم هو أشد قوة، والرسل - عليهم السلام - لم يكونوا يوعدونهم بقوى أنفسهم ولا بعذاب يكون منهم حتى قالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ، ولكن إنما كانوا يوعدونهم ويخوفونهم بعذاب ينزل من عند الله، وبقوته وسلطانه يوعدونهم وقد عرفوا قوته وسلطانه؛ لذلك قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ .
دل هذا على أنهم قد كذبوا هوداً، وأنكروا آياته، وذلك قولهم: ﴿ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ وإنه قد أتاهم بآيات رسالته.
وقوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ﴾ .
ذكر ما أهلكهم من العذاب، وهو الريح الصرصر الباردة؛ كذا قال أبو عوسجة.
وقوله: ﴿ فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ﴾ .
وهو ما ذكر في سورة الحاقة حيث قال: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾ ، وقال في موضع: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ .
ثم اختلف في تأويلها: قال بعضهم: ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ مشومات نكدات؛ وهذا قول القتبي.
وقال بعضهم: ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ أي: شداد.
وقيل: ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ من النحس، يقال نحس يوْمُنا، والنحس: الغبار في الأصل.
وقوله: ﴿ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
أي: عذاباً يذلهم ويفضحهم عند الخلق جميعاً.
وقوله: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ ﴾ .
عليهم أذل وأفضح وأشد من عذاب الدنيا.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ .
يحتمل: لا ينصرون بقوتهم التي كانت لهم، واعتمدوا عليها بقولهم: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .
ويحتمل: لا ينصرون بالأصنام التي عبدوها على رجاء النصر لهم والشفاعة.
وقوله: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ .
يحتمل ما ذكر من الهداية لهم حقيقة الهدى، وهو التوفيق، وحقيقة خلق الاهتداء فيهم، فصاروا مهتدين، وهو ما سألوا من الآية، وهي الناقة، فلما أتاهم على ما سألوا، آمنوا به وصدقوه، ثم كفروا به بعد ذلك وكذبوه وعقروا الناقة على ما ذكر.
ويحتمل قوله: ﴿ فَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ .
أي: بينا لهم غاية ما يبين الحق من الباطل بما يعرفه كل ذي لب وعقل أنها آية، وأنها من الله ؛ حيث جاءتهم الآية التي سألوها على الإشارة والتعيين وهي الناقة.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
أي: اختاروا الكفر على الهدى، واختاروا ما به يعمون على ما يبين لهم.
ثم أخبر عما نزل بهم من العذاب باختيارهم العمى على الهوى، وهو [ما] قال: ﴿ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ ﴾ .
أي: عذاب يهانون فيه، وهو من الهوان والإذلال، وكل عذاب الله صاعقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ ﴾ .
أي: أنجينا الذين اختاروا الهدى على العمى، وكانوا يتقون اختيار العمى على الهدى.
<div class="verse-tafsir"
وقال الكفار لجلودهم: لِمَ شهدتم علينا بما كنا نعمل في الدنيا؟!
قالت الجلود جوابًا لأصحابها: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، وهو خلقكم أول مرة عندما كنتم في الدنيا، وإليه وحده ترجعون في الآخرة للحساب والجزاء.
<div class="verse-tafsir" id="91.5D51J"