الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٣١ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣١ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) أي : تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار : نحن كنا أولياءكم ، أي : قرناءكم في الحياة الدنيا ، نسددكم ونوفقكم ، ونحفظكم بأمر الله ، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور ، وعند النفخة في الصور ، ونؤمنكم يوم البعث والنشور ، ونجاوز بكم الصراط المستقيم ، ونوصلكم إلى جنات النعيم .
( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ) أي : في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس ، وتقر به العيون ، ( ولكم فيها ما تدعون ) أي : مهما طلبتم وجدتم ، وحضر بين أيديكم ، [ أي ] كما اخترتم ،
القول في تأويل قوله تعالى : نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل ملائكته التي تتنـزل على هؤلاء المؤمنين الذين استقاموا على طاعته عند موتهم: ( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ) أيها القوم ( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) كنا نتولاكم فيها; وذكر أنهم الحفظة الذين كانوا يكتبون أعمالهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا, ونحن أولياؤكم في الآخرة.
وقوله: ( وَفِي الآخِرَةِ ) يقول: وفي الآخرة أيضا نحن أولياؤكم, كما كنا لكم في الدنيا أولياء, يقول: ولكم في الآخرة عند الله ما تشتهي أنفسكم من اللّذات والشهوات.
وقوله: ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) يقول: ولكم في الآخرة ما تدّعون.
قوله تعالى : نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة أي تقول لهم الملائكة الذين تتنزل عليهم بالبشارة " نحن أولياءكم " قال مجاهد : أي : نحن قرناءكم الذين كنا معكم في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة .
وقال السدي : أي : نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياءكم في الآخرة .
ويجوز أن يكون هذا من قول الله تعالى ، والله ولي المؤمنين ومولاهم .
ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم أي من الملاذ .
ولكم فيها ما تدعون تسألون وتتمنون .
ويقولون لهم أيضا - مثبتين لهم، ومبشرين: { نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } يحثونهم في الدنيا على الخير، ويزينونه لهم، ويرهبونهم عن الشر، ويقبحونه في قلوبهم، ويدعون الله لهم، ويثبتونهم عند المصائب والمخاوف، وخصوصًا عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، وعلى الصراط، وفي الجنة يهنئونهم بكرامة ربهم، ويدخلون عليهم من كل باب { سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } ويقولون لهم أيضا: { وَلَكُمْ فِيهَا } أي: في الجنة { مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ } قد أعد وهيئ.
{ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } أي: تطلبون من كل ما تتعلق به إرادتكم وتطلبونه من أنواع اللذات والمشتهيات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
( نحن أولياؤكم ) تقول لهم الملائكة الذين تنزل عليهم بالبشارة : نحن أولياؤكم أنصاركم وأحباؤكم ، ( في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) [ أي : في الدنيا والآخرة .
وقال السدي : تقول الملائكة : نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا ، ونحن أولياؤكم في الآخرة ] يقولون لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة .
( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ) من الكرامات واللذات ، ( ولكم فيها ) في الجنة ، ( ما تدعون ) تتمنون .
«نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا» أي نحفظكم فيها «وفي الآخرة» أي نكون معكم فيها حتى تدخلوا الجنة «ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون» تطلبون.
وتقول لهم الملائكة: نحن أنصاركم في الحياة الدنيا، نسددكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، ولكم في الجنة كل ما تشتهيه أنفسكم مما تختارونه، وتَقَرُّ به أعينكم، ومهما طلبتم من شيء وجدتموه بين أيديكم ضيافة وإنعامًا لكم مِن غفور لذنوبكم، رحيم بكم.
ثم يقولون لهم - أيضا - على سبيل الزيادة فى المسرة : ( نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة ) .أى : نحن نصراؤكم على الخير ، وأعوانكم على الطاعة فى الحياة الدنيا التى توشكون على مفارقتها ، وفى الآخرة التى هى الدار الباقية ، سنتلقاكم فيها بالتكريم والترحاب .( وَلَكُمْ فِيهَا ) أى : فى الدار الآخرة ، ما تشتهى أنفسكم ، من أنواع الطيبات التى أعدها لكم خالقكم فى جناته .( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) أى : ما تتمنوه وتطلبونه ، فقوله ( تَدَّعُونَ ) افتعال من الدعاء بمعنى الطلب .
اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على كفر أولئك الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر فقال: ﴿ وَقيَضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الصحاح: يقال قايضت الرجل مقايضة أي عاوضته بمتاع، وهما قيضان كما يقال بيعان، وقيض الله فلاناً أي جاءه به وأتى به له، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء ﴾ .
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر، فقالوا إنه تعالى ذكر أنه قيض لهم أولئك القرناء، وكان عالماً بأنه متى قيض لهم أولئك القرناء فإن يزينوا الباطل لهم، وكل من فعل فعلاً وعلم أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر لا محالة، فإن فاعل ذلك الفعل لابد وأن يكون مريداً لذلك الأثر فثبت أنه تعالى لما قيض لهم قرناء فقد أراد منهم ذلك الكفر، أجاب الجبائي عنه بأن قال لو أراد المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين إذ الفاعل لما أراده منه غيره يجب أن يكون مطيعاً له، وبأن قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ يدل على أنه لم يرد منهم إلا العبادة، فثبت بهذا أنه تعالى لم يرد منهم المعاصي، وأما هذه الآية فنقول: إنه تعالى لم يقل وقيضنا لهم قرناء ليزينوا لهم، وإنما قال: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم ﴾ فهو تعالى قيض القرناء لهم بمعنى أنه تعالى أخرج كل أحد إلى آخر من جنسه، فقيض أحد الزوجين للآخر والغني للفقير والفقير للغني ثم بيّن تعالى أن بعضهم يزين المعاصي للبعض.
واعلم أن وجه استدلال أصحابنا ما ذكرناه، وهو أن من فعل فعلاً وعلم قطعاً أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر، فاعل ذلك الفعل يكون مريداً لذلك الأثر، فهاهنا الله تعالى قيض أولئك القرناء لهم وعلم أنه متى قيض أولئك القرناء لهم فإنهم يقعون في ذلك الكفر والضلال، وما ذكره الجبائي لا يدفع ذلك، قوله ولو أراد الله منهم المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين لله، قلنا لو كان من فعل ما أراده غيره مطيعاً له لوجب أن يكون الله مطيعاً لعباده إذا فعل ما أرادوه معلوم أنه باطل، وأيضاً فهذا إلزام لفظي لأنه يقال إن أردت بالطاعة أنه فعل ما أراد فهذا إلزام للشيء على نفسه، وأن أردت غيره فلا بد، من بيانه حتى ينظر فيه أنه هل يصح أم لا.
المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ وذكر الزجاج فيه وجهين: الأول: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنّة ولا نار وما خلفهم من أمر الدنيا، فزينوا أن الدنيا قديمة، وأنه لا فاعل ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك الثاني: زينوا لهم أعمالهم التي يعملونها ويشاهدونها وما خلفهم وما يزعمون أنهم يعملونه، وعبّر ابن زيد عنه، فقال زينوا لهم ما مضى من أعمالهم الخبيثة وما بقي من أعمالهم الخسيسة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين ﴾ فقوله في أمم في محل النصب على الحال من الضمير في عليهم، والتقدير حق عليهم القول حال كونهم كائنين في جملة ﴿ أُمَمٍ ﴾ من المتقدمين ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين ﴾ واحتج أصحابنا أيضاً بأنه تعالى أخبر بأن هؤلاء ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ فلو لم يكونوا كفاراً لانقلب هذا القول الحق باطلاً وهذا العلم جهلاً، وهذا الخبر الصدق كذباً، وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال، فثبت أن صدور الإيمان عنهم، وعدم صدور الكفر عنهم محال.
واعلم أن الكلام في أول السورة ابتدئ من قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فاعمل إِنَّنَا عاملون ﴾ فأجاب الله تعالى عن تلك الشبهة بوجوه من الأجوبة، واتصل الكلام بعضه بالبعض إلى هذا الموضع، ثم إنه حكى عنهم شبهة أخرى فقال: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ ، قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ والغوا فِيهِ ﴾ بفتح الغين وضمها يقال لغى يلغي ويلغو واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته.
واعلم أن القوم علموا أن القرآن كلام كامل في المعنى، وفي اللفظ وأن كل من سمعه وقف على جزالة ألفاظه، وأحاط عقله بمعانيه، وقضى عقله بأنه كلام حق واجب القبول، فدبروا تدبيراً في منع الناس عن استماعه، فقال بعضهم لبعض ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان ﴾ إذا قرئ وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والأشعار الفاسدة والكلمات الباطلة، حتى تخلطوا على القارئ وتشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته، كانت قريش يوصي بذلك بعضهم بعضاً، والمراد افعلوا عند تلاوة القرآن ما يكون لغواً وباطلاً، لتخرجوا قراءة القرآن عن أن تصير مفهومة للناس، فبهذا الطريق تغلبون محمداً صلى الله عليه وسلم، وهذا جهل منهم لأنهم في الحال أقروا بأنهم مشتغلون بالغو والباطل من العمل والله تعالى ينصر محمداً بفضله، ولما ذكر الله تعالى ذلك هددهم بالعذاب الشديد فقال: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ لأن لفظ الذوق إنما يذكر في القدر القليل الذي يؤتى به لأجل التجربة، ثم إنه تعالى ذكر أن ذلك الذوق عذاب الشديد، فإذا كان القليل منه عذاباً شديداً فكيف يكون حال الكثير منه، ثم قال: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ واختلفوا فيه فقال الأكثرون المراد جزاء سوء أعمالهم، وقال الحسن بل المراد أنه لا يجازيهم على محاسن أعمالهم، لأنهم أحبطوها بالكفر فضاعت تلك الأعمال الحسنة عنهم، ولم يبق معهم إلا الأعمال القبيحة الباطلة، فلا جرم لم يتحصلوا إلا على جزاء السيئات.
ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء الله النار ﴾ والمعنى أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ بين أن ذلك الأسوأ الذي جعل جزاء أعداء الله هو النار.
ثم قال تعالى: ﴿ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ ﴾ أي لهم في جملة النار دار السيئات معينة وهي دار العذاب المخلد لهم ﴿ جَزَاءً بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ أي جزاء بما كانوا يلغون في القراءة، وإنما سماه جحوداً لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الاعجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا به فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزاً إلا أنهم جحدوا للحسد.
واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعقاب الشديد مجالسة قرناء السوء بين أن الكفار عند الوقوع في العذاب الشديد يقولون ﴿ رَبَّنَا أَرِنَا الذين أضلانا مِنَ الجن والإنس ﴾ والسبب في ذكر هذين القسمين أن الشيطان على ضربين جني وإنسي، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن ﴾ وقال: ﴿ ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ ﴾ وقيل هما إبليس وقابيل لأن الكفر سنة إبليس، والقتل بغير حق سنة قابيل.
وقرئ ﴿ أَرِنَا ﴾ بسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا في فخذ فخذ، وقيل معناه أعطنا الذين أضلانا وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر، فالمعنى بصرنيه وإذا قلته بالسكون فهو استعطاء معناه أعطني ثوبك.
ثم قال تعالى: ﴿ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ﴾ قال مقاتل يكونان أسفل منا في النار ﴿ لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين ﴾ قال الزجاج: ليكونا في الدرك الأسفل من النار، وكان بعض تلامذتي ممن يميل إلى الحكمة يقول المراد باللذين يضلان الشهوة والغضب، وإليهما الإشارة في قصة الملائكة بقوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء ﴾ ثم قال والمراد بقوله: ﴿ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ﴾ يعني يا ربنا أعنا حتى نجعل الشهوة والغضب تحت أقدام جوهر النفس القدسية، والمراد بكونهما تحت أقدامه كونهما مسخرين للنفس القدسية مطيعين لها، وأن لا يكونا مسؤولين عليها قاهرين لها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين أَضَلاَّنَا ﴾ أي: الشيطانين اللذين أضلانا ﴿ مّنَ الجن والإنس ﴾ لأنّ الشيطان على ضربين: جني وإنسي.
قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن ﴾ [الأنعام: 112] وقال تعالى: ﴿ الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس (5) مِنَ الجنة والناس ﴾ [الناس: 5- 6] وقيل: هما إبليس وقابيل؛ لأنهما سنا الكفر والقتل بغير حق.
وقرئ: ﴿ أرنا ﴾ بسكون الراء لثقل الكسرة، كما قالوا في فخذ: فخذ.
وقيل: معناه أعطنا للذين أضلانا.
وحكوا عن الخليل: أنك إذا قلت: أرني ثوبك بالكسر، فالمعنى: بصرنيه.
وإذا قلته بالسكون، فهو استعطاء، معناه: أعطني ثوبك: ونظيره: اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء.
وأصله: الإحضار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ﴾ اعْتِرافًا بِرُبُوبِيَّتِهِ وإقْرارًا بِوَحْدانِيَّتِهِ.
﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ في العَمَلِ وثُمَّ لِتَراخِيهِ عَنِ الإقْرارِ في الرُّتْبَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَبْدَأُ الِاسْتِقامَةِ، أوْ لِأنَّها عُسْرٌ قَلَّما تَتْبَعُ الإقْرارَ، وما رُوِيَ عَنِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ في مَعْنى الِاسْتِقامَةِ مِنَ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ وإخْلاصِ العَمَلِ وأداءِ الفَرائِضِ فَجُزْئِيّاتُها.
﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ﴾ فِيما يَعِنُّ لَهم بِما يَشْرَحُ صُدُورَهم ويَدْفَعُ عَنْهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ، أوْ عِنْدَ المَوْتِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ القَبْرِ.
﴿ ألا تَخافُوا ﴾ ما تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ.
﴿ وَلا تَحْزَنُوا ﴾ عَلى ما خَلَّفْتُمْ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِالباءِ أوْ مُفَسِّرَةٌ.
﴿ وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ في الدُّنْيا عَلى لِسانِ الرُّسُلِ.
<div class="verse-tafsir"
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)
{نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الحياة الدنيا وَفِى الآخرة} كما أن الشياطين قرناء
العصاة وإخوانهم فكذلك الملائكة اولياء المتقين واحباؤهم في الدراين {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ} من النعيم {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} تتمنون
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ إلى آخِرِهِ مِن بِشاراتِهِمْ في الدُّنْيا أيْ أعْوانُكم في أُمُورِكم نُلْهِمُكُمُ الحَقَّ ونُرْشِدُكم إلى ما فِيهِ خَيْرُكم وصَلاحُكم، ولَعَلَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَمّا يَخْطُرُ بِبالِ المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الطّاعاتِ مِن أنَّ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ لَهم بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ بَعْضِ النّاسِ أنْ تَقُولَ المَلائِكَةُ لِبَعْضِ المُتَّقِينَ شَفاهًا في غَيْرِ تِلْكَ المَواطِنِ: ﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ ﴿ وفِي الآخِرَةِ ﴾ نَمُدُّكم بِالشَّفاعَةِ ونَتَلَقّاكم بِالكَرامَةِ حِينَ يَقَعُ بَيْنَ الكَفَرَةِ وقُرَنائِهِمْ ما يَقَعُ مِنَ الدَّعاوى والخِصامِ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا مِن بِشاراتِهِمْ في أحَدِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ أيْضًا عَلى مَعْنى كُنّا نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الدُّنْيا ونَحْنُ أوْلِياؤُكم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى دُونَ المَلائِكَةِ أيْ نَحْنُ أوْلِياؤُكم بِالهِدايَةِ والكِفايَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ ولَكم فِيها ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿ ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ ﴾ مِن فُنُونِ المَلاذِّ ﴿ ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ ﴾ ما تَتَمَنَّوْنَ وهو افْتِعالٌ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى الطَّلَبِ أيْ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم وهو عِنْدَ بَعْضٍ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ قَدْ يَقَعُ الطَّلَبُ في أُمُورٍ مَعْنَوِيَّةٍ وفَضائِلَ عَقْلِيَّةٍ رُوحانِيَّةٍ، وقِيلَ: بَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ إذْ قَدْ يَشْتَهِي المَرْءُ ما لا يَطْلُبُهُ كالمَرِيضِ يَشْتَهِي ما يَضُرُّهُ ولا يُرِيدُهُ، وكَوْنُ التَّمَنِّي أعَمَّ مِنَ الإرادَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، نَعَمْ قِيلَ: إذا أُرِيدَ بِالمُتَمَنّى ما يَصِحُّ تَمَنِّيهِ لا ما يَتَمَنّى بِالفِعْلِ فَذاكَ.
وقالَ ابْنُ عِيسى: المُرادُ ما تَدَّعُونَ أنَّهُ لَكم فَهو لَكم بِحُكْمِ رَبِّكم ( ولَكم ) في المَوْضِعَيْنِ خَبَرٌ وما مُبْتَدَأٌ و( فِيها ) حالٌ مِن ضَمِيرِهِ في الخَبَرِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ ( ما تَدَّعُونَ ) عَلى ﴿ ما تَشْتَهِي ﴾ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ نزلت الآية في أبي جهل، وأصحابه، فإنه قال: إذا تلى محمد القرآن، فارفعوا أصواتكم، بالأشعار، والكلام في وجوههم، حتى تلبسوا عليهم، فذلك قوله: وَالْغَوْا فِيهِ يعني: الغطوا، واللغط هو الشغب، والجلب، لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي: تغلبوهم فيسكتون.
قال الزجاج: قوله: وَالْغَوْا فِيهِ أي: عارضوه بكلام لا يفهم، يكون ذلك الكلام لغواً.
يقول الله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً يعني: في الدنيا بالقتل، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ في الآخرة أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: أقبح ما كانوا يعملون، ويقال: هذا كله من عذاب الآخرة.
يعني: فلنذيقن الذين كفروا في الآخرة عذاباً شديداً، ولنجزينهم من العذاب أَسْوَأَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
يعني: بأسوإ أعمالهم، وهو الشرك.
ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ يعني: ذلك العذاب الشديد هو جزاء أعداء الله النار.
يعني: ذلك العذاب هو النار ويقال: صار رفعاً بالبدل عن الجزاء.
ثم قال: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ يعني: في النار موضع المقام أبداً، جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعني: بالكتاب، والرسل.
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ يعني: الصنفين اللذين أَضَلَّانا يعني: استنا ضلالتنا، مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ويقال: جهلانا حتى نسينا الآخرة.
ثم قال: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ في النار.
ويقال: من الجن.
ويقال: يعني: إبليس هو الذي أضلنا، ومن الإنس يعني: ابن آدم الذي قتل أخاه.
ويقال: يعني: رؤساؤهم في الضلالة.
كقوله: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا [الأحزاب: 67] الآية.
قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر: أَرِنَا بجزم الراء.
والباقون: بالكسر ومعناهما واحد.
<div class="verse-tafsir"
ثم وصف تعالى حالهم في الدنيا وما أصابهم به حِينَ أعرضوا، فَحْتَّمَ عليهم، فقال:
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ، أي: يَسَّرْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ سَوْءٍ من الشياطين وغُوَاةِ الإنْسِ.
وقوله: فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي: عَلَّمُوهم، وقَرَّروا لهم في نفوسهم معتقداتِ سوءٍ في الأمور التي تقدَّمتهم من أمر الرسُلِ والنُبُوَّاتِ، ومَدْحِ عبادةِ الأصنامِ، واتباع فعل الآباء، إلى غير ذلك مِمَّا يُقَالُ: إنَّه بين أيدِيهِمْ، وذلك كلُّ ما تقدَّمهم في الزَّمَنِ، واتصل إليهم أثره أو خَبَرُهُ، وكذلك أعطُوهُمْ معتقداتِ سوءٍ فيما خَلْفهم، وهو كلُّ ما يأتي بَعْدَهُمْ من القيامة والبعث ونَحْوِ ذلك وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: سبق عليهم القضاءُ الحَتْمُ، وأَمَرَ اللَّهُ بتَعْذِيبِهِمْ في جملةِ أُمَمٍ مُعَذِّبِينَ، كُفَّارٍ من الجنِّ والإنس.
وقالت فرقة: «في» بمعنى «مع» ، أي: مع أمم، قال ع «١» : والمعنى/ يتأدى بالحرفين، ولا نحتاج أنْ نجعل حرفاً بمعنى حَرْفٍ، إذ قد أبى ذلك رؤساءُ البصريّين.
وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ ...
الآية: حكاية لما فعله بعض كفار قريش، كأبي جَهْلٍ وغيره، لما خافوا استمالَةَ القُلُوبِ بالقُرْآنِ، قالوا: متى قرأَ محمد فالغطوا بالصَّفِيرِ والصِّيَاحِ وإنشادِ الشِّعْرِ حتى يخفى صَوْتُهُ، فهذا الفعلُ منهم هو اللغو، وقال أبو العالية: أرادوا: قَعُوا فيه وعَيِّبوه، وقولهم: لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي:
تطمسون أمر محمد، وتُمِيتُون ذكره، وتَصْرِفُون عنه القلوبَ، فهذه الغاية التي تمنوها، ويأبى اللَّه إلاَّ أنْ يتم نوره ولو كره الكافرون.
وقوله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً ...
الآية، قوله: فَلَنُذِيقَنَّ:
الفاء دخلَتْ على لام القسم، وهي آيةُ وعيدٍ لقريشٍ، والعذابُ الشديدُ: هو عذابُ الدنيا في بَدْرٍ وغيرها، والجزاء بأسوإ أعمالهم هو عذابُ الآخرة.
ت: حَدَّثَ أبو عُمَرَ في «كتاب التمهيد» قال: حدَّثنا أحمد بن قَاسِمٍ، قال:
حدَّثنا محمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بْنُ موسَى بن جميل، قال: حدّثنا
عبد اللَّه بن محمَّد بن أبي الدنيا، قال: حدثنا العَتَكِيُّ.
قال: حدثنا خالد أبو يزيد الرَّقِّيُّ عن يحيى المَدَنِيِّ، عن سالمِ بنِ عبد اللَّهِ عَنْ أبيه قال: خرجْتُ مرةً، فمررْتُ بِقَبْرٍ مِنْ قُبُورِ الجاهِلِيَّةِ، فإذا رجلٌ قد خرج من القَبْرِ، يَتَأَجَّجُ ناراً، في عُنُقِهِ سلسلةٌ، ومعي إدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَلَمَّا رآني قال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اسقني، قال: فَقُلْتُ: عَرِّفْنِي، فَدَعَانِي باسمي، أو كلمة تقولها العَرَبُ: يِا عَبْدِ اللَّهِ، إذْ خَرَجَ على أَثَرِهِ رَجُلٌ من القَبْرِ، فقال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَسْقِهِ، فَإنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ أَخَذَ السِّلْسِلَةَ فاجتذبه، فَأَدْخَلَهُ القَبْرَ، قال: ثم أَضَافَنِي اللَّيْلَ إلى بَيْتِ عَجُوزٍ، إلى جَانِبِهَا قَبْرٌ، فسمعْتُ مِنَ القَبْرِ صَوْتاً يَقُولُ: / بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ، شَنٌّ وَمَا شَنٌّ، فقلتُ للعَجُوزِ:
ما هذا؟
قالَتْ: كَانَ زَوْجاً لِي، وكان إذَا بَالَ لَمْ يَتَّقِ البَوْلَ، وكُنْتُ أَقُولُ لَهُ: وَيْحَك!
إنَّ الجَمَلَ إذَا بَالَ تَفَاجّ، وكان يأبى، فهو يُنَادِي من يَوْم مَاتَ: بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ، قلتُ: فما الشَّنُّ؟
قالت: جاء رجل عطشان فقال: اسقني!
فقال: دُونَكَ الشَّنَّ، فإذا لَيْسَ فيه شَيْءٌ فخَرَّ الرَّجُلُ مَيِّتاً، فهُو ينادي مُنْذُ ماتَ: شَنٌّ وَمَا شنٌّ، فلما قَدِمْتُ على رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم أخبرتُهُ، فنهى: أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ.
قال أبو عمر: هذا الحديث في إسناده مجهولُونَ، ولم نُورِدْهُ لِلاحتجاجِ به ولكنْ لِلاعتبار، وما لم يكنْ حكم، فقد تسامح الناسُ في روايته عن الضعفاء، انتهى من ترجمة عبد الرحمن بن حَرْمَلَةَ، وكلامه على قول النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ، فَإذَا كَانُوا ثَلاَثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ» «١» وقد ذكرنا الحكاية الأولى عن الوَائِليِّ في سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ بغير هذا السند، وأَنَّ الرجُلَ الأَوَّلَ هو أبو جَهْلٍ، انتهى، ثم ذكر تعالى مقالة كُفَّارِ يومِ القيامة إذا دَخَلُوا النار فإنَّهم يَرَوْنَ عظيمَ ما حَلَّ بِهِمْ وسُوء مُنْقَلَبِهِمْ، فَتَجُولُ أَفكارهم فيمن كان سبب غوايتهم ومبادي ضلالتهم، فيعظم غيظهم وَحَنَقُهُمْ عليه، وَيَوَدُّونَ أنْ يَحْصُلَ في أشدِّ عذابٍ، فحينئذٍ يقولُونَ: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا وظاهر اللفظ يقتضِي أَنَّ الذي في قولهم: الَّذِينَ إنما هو لِلْجِنْسِ، أي: أَرنا كلَّ مُغْوٍ من الجنِّ والإنْسِ، وهذا قول جماعة من المفسرين.
وقيل: طلبوا ولد آدم الذي سَنَّ القَتْلَ والمعصية من البَشَرِ، وإبليسَ الأبالسة من الجِنِّ، وهذا قولٌ لا يخفى ضعفه، والأَوَّلُ هو/ القويُّ، وقولهم: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا يريدون في أسفل طبقة في النار وهي أشدُّ عذابا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ ﴾ أيْ: لا تَسْمَعُوهُ ﴿ والغَوْا فِيهِ ﴾ أيْ: عارِضُوهُ بِاللَّغْوِ، وهو الكَلامُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ.
وكانَ الكُفّارُ يُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا: إذا سَمِعْتُمُ القُرْآنَ مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ فارْفَعُوا أصْواتَكم حَتّى تُلَبِّسُوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم.
وقالَ مُجاهِدٌ: والغَوا فِيهِ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والتَّخْلِيطِ مِنَ القَوْلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ إذا قَرَأ ﴿ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ ﴾ فَيَسْكُتُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي العَذابَ المَذْكُورَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ النّارُ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَزاءِ ﴿ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ ﴾ أيْ: دارُ الإقامَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: النّارُ هِيَ الدّارُ، ولَكِنَّهُ كَما تَقُولُ: لَكَ في هَذِهِ الدّارِ دارُ السُّرُورِ، وأنْتَ تَعْنِي الدّارَ بِعَيْنِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويَسْألُها يَأْبى الظُّلامَةَ مِنهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللهِ النارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءُ بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الفاءُ دَخَلَتْ عَلى لامِ القَسَمِ، وهي آيَةُ وعِيدٍ لِقُرَيْشٍ، و"العَذابُ الشَدِيدُ" هو عَذابُ الدُنْيا في بَدْرٍ وغَيْرِها، و"الجَزاءُ بِأسْوَإ أعْمالِهِمْ" هو عَذابُ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ المُتَقَدِّمِ، و"جَزاءُ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، و"النارُ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَزاءُ"، ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "جَزاءُ" ابْتِداءٌ، و"النارُ" خَبَرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ ﴾ أيْ مَوْضِعُ البَقاءِ ومَسْكَنُ العَذابِ الدائِمِ، فالظَرْفِيَّةُ فِيهِ مُتَمَكِّنَةٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هي لَهم دارُ الخُلْدِ، فَفي قَوْلِهِ: "فِيها" مَعْنى التَحْدِيدِ، كَما قالَ الشاعِرُ: وفي اللهِ إنْ لَمْ يُنْصِفُوا حَكَمٌ عَدْلُ وَفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللهِ النارُ دارُ الخُلْدِ]، وسَقَطَ: "لَهم فِيها"، وجُحُودُهم بِآياتِ اللهِ مُطْرَدٌ في عَلاماتِهِ المَنصُوبَةِ لِخَلْقِهِ، وفي آياتِ كِتابِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى نَبِيِّهِ .
ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ مَقالَةَ كُفّارِ يَوْمِ القِيامَةِ، إذا دَخَلُوا النارَ، فَإنَّهم يَرَوْنَ عَظِيمَ ما حَلَّ بِهِمْ وسُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، فَتَجُولُ أفْكارُهم فِيمَن كانَ سَبَبَ غَوايَتِهِمْ وبادِي ضَلالَتِهِمْ، فَيَعْظُمُ غَيْظُهم وحَنَقُهم عَلَيْهِ، ويَوَدُّونَ أنْ يَحْصُلَ في أشَدِّ العَذابِ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ رَبَّنا أرِنا اللَذَيْنِ أضَلانا ﴾ ، وظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ "الَّذِي" في قَوْلِهِمِ: [الَّذِينَ] إنَّما هو لِلْجِنْسِ، أيْ: أرِنا كُلَّ مُغْوٍ ومُضِلٍّ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَتادَةُ: وطَلَبُوا ولَدَ آدَمَ الَّذِي سَنَّ القَتْلَ والمَعْصِيَةَ مِنَ البَشَرِ، وإبْلِيسَ الأبالِسَةِ مِنَ الجِنِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمُّلْ هَذا، هَلْ يَصِحُّ هَذا عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ؟
لِأنَّ ولَدَ آدَمَ مُؤْمِنٌ عاصٍ، وهَؤُلاءِ إنَّما طَلَبُوا المُضِلِّينَ بِالكُفْرِ المُؤَدِّي إلى الخُلُودِ، وإنَّما القَوِيُّ أنَّهم طَلَبُوا النَوْعَيْنِ، وقَدْ أصْلَحَ بَعْضُهم هَذا القَوْلَ بِأنْ قالَ: يَطْلُبُ ولَدَ آدَمَ كُلُّ عاصٍ دَخَلَ النارَ مِن أهْلِ الكَبائِرَ، ويَطْلُبُ إبْلِيسَ كُلُّ كافِرٍ، ولَفْظُ الآيَةِ يَزْحَمُ هَذا التَأْوِيلَ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الكَفَرَةَ إنَّما طَلَبُوا اللَذَيْنِ أضَلّا.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أرِنا" بِكَسْرِ الراءِ، وهي رُؤْيَةُ عَيْنٍ، ولِذَلِكَ فَهو فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عَمْرُو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "أرِنا" بِسُكُونِ الراءِ، فَقالَ هِشامُ بْنُ عامِرٍ: هو خَطَأٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هي مُخَفَّفَةٌ مِن "أرِنا" كَما قالُوا: ضَحْكٌ وفَخْذٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِإشْمامِ الراءِ الكَسْرَ، ورُوِيَتْ عن أهْلِ مَكَّةَ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا ﴾ يُرِيدُونَ: في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ، وهي أشَدُّ عَذابًا، وهي دَرْكُ المُنافِقِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ الآيَةُ.
آيَةُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الثَقَفِيُّ: « "قُلْتُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: أخْبَرَنِي بِأمْرٍ أعْتَصِمُ بِهِ، فَقالَ: قُلْ رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ، قُلْتُ: فَما أخْوَفُ ما تَخافُ عَلَيَّ؟
فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ بِلِسانِ نَفْسِهِ فَقالَ: هَذا".» واخْتَلَفَ الناسُ في مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فَذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْناهُ: اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي.
وتَلا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ، ثُمَّ قالَ: اسْتَقامُوا - واللهِ - لِلَّهِ بِطاعَتِهِ، ولَمْ يَرُوغُوا رَوَغانَ الثَعالِبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَهَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى حَمْلِ الناسِ عَلى الأتَمِّ الأفْضَلِ، وإلّا فَيَلْزَمُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مِن دَلِيلِ خِطابِهِ ألّا تَتَنَزَّلَ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ عَلى غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ عَلى الطاعَةِ، وذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مَعَهُ إلى أنَّ المَعْنى: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى قَوْلِهِمْ: "رَبُّنا اللهُ"، فَلَمْ يَخْتَلْ تَوْحِيدُهم ولا اضْطَرَبَ إيمانُهُمْ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "قَدْ قالَها الناسُ، ثُمَّ كَفَرَ أكْثَرُهُمْ، فَمَن ماتَ عَلَيْها، فَهو مِمَّنِ اسْتَقامَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى: فَهو في أوَّلِ دَرَجاتِ الِاسْتِقامَةِ، أمْنِ الخُلُودِ، فَهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلّا اللهَ دَخَلَ الجَنَّةَ"،» وهَذا هو المُعْتَقِدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ العُصاةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وغَيْرِها فِرْقَتانِ: فَأمّا مَن قَضى اللهُ تَعالى بِالمَغْفِرَةِ لَهُ وتَرْكِ تَعْذِيبِهِ، فَلا مَحالَةَ مِمَّنْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ بِالبِشارَةِ، وهو إنَّما اسْتَقامَ عَلى تَوْحِيدِهِ فَقَطْ، وأمّا مَن قَضى اللهُ بِتَعْذِيبِهِ مُدَّةً، ثُمَّ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ يَلْقى جَمِيعَ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ ويَعْلَمُهُ، ولَيْسَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالُهُ كَحالَةِ الكافِرِ اليائِسِ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى، وإذْ قَدْ كانَ هَذا، فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ البِشارَةُ بِألّا يَخافَ الخُلُودَ ولا يَحْزَنَ مِنهُ، وبِأنَّهُ يَصِيرُ آخِرًا إلى الخُلُودِ في الجَنَّةِ، وهَلِ العُصاةُ المُؤْمِنُونَ، إلّا تَحْتَ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ؟
فَهم داخِلُونَ فِيمَن يُقالُ لَهُمْ: ﴿ وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ، فَلا يُخْتَلَفُ أنَّ المُوَحِّدَ المُسْتَقِيمَ عَلى الطاعَةِ، أتَمُّ حالًا وأكْمَلُ بِشارَةً، وهو مَقْصِدُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَلى نَحْوِ ذَلِكَ قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: ﴿ "اسْتَقامُوا": ﴾ عَمِلُوا بِنَحْوِ ما قالُوا، وقالَ الرَبِيعُ: أعْرِضُوا عَمّا سِوى اللهِ تَعالى، وقالَ الفَضْلَ: زَهِدُوا في الفانِيَةِ ورَغِبُوا في الباقِيَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلَّما كانَ المَرْءُ أشَدَّ اسْتِعْدادًا، كانَ أسْرَعَ فَوْزًا بِفَضْلِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ أمَنَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ هَمٍّ مُسْتَأْنَفٍ، وتَسْلِيَةٍ تامَّةٍ عن كُلِّ فائِتٍ ماضٍ، وقَدْ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لا تَخافُونَ ما تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلَّفْتُمْ مِن دُنْياكُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ لا تَخافُوا] بِإسْقاطِ الألِفِ، بِمَعْنى: يَقُولُونَ لا تَخافُوا.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ لهم فيها دارُ الخُلدِ ﴾ [فصلت: 28]، أي ويقولون في جهنم، فعدل عن صيغة الاستقبال إلى صيغة المضيّ للدلالة على تحقيق وقوع هذا القول وهو في معنى قوله تعالى: ﴿ حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فئآتهم عذاباً ضعفاً من النار ﴾ [الأعراف: 38]، فالقائلون ﴿ رَبَّنَا أَرِنَا اللذين أضلانا ﴾ : هم عامّةُ المشركين، كما يدل عليه قوله: ﴿ اللذَيْننِ أَضَلاَّنَا ﴾ .
ومعنى ﴿ أَرِنَا ﴾ عيّن لنا، وهو كناية عن إرادة انتقامهم منهم ولذلك جُزم ﴿ نَجْعَلْهُمَا ﴾ في جواب الطلب على تقدير: إن ترناهما نجعلهما تحت أقدامنا.
والجعل تحت الأقدام: الوطء بالأقدام والرفسُ، أي نجعل آحادهم تحت أقدام آحاد جماعتنا، فإن الدهماء أكثر من القادة فلا يعوزهم الانتقام منهم.
وكان الوطء بالأرجل من كيفيات الانتقام والامتهان، قال ابن وَعْلَة الجَرمي: ووَطِئْنَا وَطْأً على حَنَق *** وَطْأَ المُقَيَّد نابتَ الهَرْم وإنما طلبوا أن يُرَوْهُما لأن المضلين كانوا في دركات من النار أسفل من دركات أتباعهم فلذلك لم يعرفوا أين هم.
والتعليل ﴿ لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ﴾ توطئة لاستجابة الله تعالى لهم أن يريَهُمُوهُما لأنهم علموا من غضب الله عليهم أنه أشد غضباً على الفريقين المضلين فتوسلوا بعزمهم على الانتقام منهم إلى تيسير تمكينهم من الانتقام منهم.
والأسفلون: الذين هم أشد حَقارة من حقارة هؤلاء الذين كفروا، أي ليكونوا أحقر منا جزاء لهم، فالسفالة مستعارة للإِهانة والحقارة.
وقرأ الجمهور ﴿ أَرِنَا ﴾ بكسر الراء.
وقرأه ابن كثير وابن عامر والسوسي عن أبي عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوبُ بسكون الراء للتخفيف من ثقل الكسرة، كما قالوا: فَخْذ في فَخِذ.
وعن الخليل إذا قلت: أرِني ثوبك بكسر الراء، فالمعنى: بصِّرْنيه، وإذا قلته بسكون الراء فهو استعطاء، معناه: أعطنيه.
وعلى هذا يَكون معنى قراءة ابن كثير وابن عامر ومَن وافقهما: مَكِّنا من الذين أضلاَّنا كي نجعلهما تحت أقدامنا، أي ائذَن لنا بإهانتهما وخزيهما.
وقرأ ابن كثير ﴿ اللَّذينِّ ﴾ بتشديد النون من اسم الموصول وهي لغة، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ واللذانِّ يأتيانها منكم ﴾ في سورة النساء (16).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هَيَّأْنا لَهم شَياطِينَ، قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الآخِرَةِ فَقالُوا لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الدُّنْيا فَزَيَّنُوا لَهُمُ اللَّذّاتِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ هو فِعْلُ الفَسادِ في زَمانِهِمْ، وما خَلْفَهم هو ما كانَ قَبْلَهم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ما فَعَلُوهُ، وما خَلْفَهم ما عَزَمُوا أنْ يَفْعَلُوهُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن مُسْتَقْبَلِ الطّاعاتِ أنْ لا يَفْعَلُوها، وما خَلْفَهم مِن سالِفِ المَعاصِي أنْ لا يَتُوبُوا مِنها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تَتَعَرَّضُوا لِسَماعِهِ.
الثّانِي: لا تَقْبَلُوهُ.
الثّالِثُ: لا تُطِيعُوهُ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْعُ والطّاعَةُ.
﴿ والغَوْا فِيهِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي قَعُوا فِيهِ وعِيبُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: جَحِّدُوهُ وأنْكِرُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: عادُوهُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ.
الرّابِعُ: الغَوْا فِيهِ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ، والتَّخْلِيطِ في النُّطْقِ حَتّى يَصِيرَ لَغْوًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ فِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: دُعاةُ الضَّلالَةِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي مِنَ الجِنِّ إبْلِيسَ، يَدْعُوهُ كُلُّ مَن دَخَلَ النّارَ مِنَ المُشْرِكِينَ، والَّذِي مِنَ الإنْسِ ابْنُ آدَمَ القاتِلُ أخاهُ يَدْعُوهُ كُلُّ عاصٍ مِنَ الفاسِقِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أرِنا اللَّذَيْنِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أعْطِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا.
الثّانِي: أبْصِرْنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا.
﴿ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: انْتِقامًا مِنهم.
الثّانِي: اسْتِذْلالًا لَهم.
﴿ لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ يَعْنِي في النّارِ، قالُوا ذَلِكَ حَنَقًا عَلَيْهِما وعَداوَةً لَهُما.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿ مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الأذَلِّينَ.
الثّانِي: مِنَ الأشَدِّينَ عَذابًا لِأنَّ مَن كانَ في أسْفَلِ النّارِ كانَ أشَدَّ عَذابًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإِنس ﴾ قال: هو ابن آدم الذي قتل أخاه وإبليس.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وإبراهيم، مثله.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا ﴾ يقولون هذا إذا دخلوا جهنم، فقولهم مستقبل ذكر بلفظ الماضي، ومعنى اللذين أضلانا: كل من أغوانا من الجن والإنس، وقيل: المراد ولد آدم الذي سن القتل وإبليس الذي أمر بالكفر والعصيان، وهذا باطل لأن ولد آدم مؤمن عاصي، وإنما طلب هؤلاء من أضلهم بالكفر ﴿ تَحْتَ أَقْدَامِنَا ﴾ أي في أسفل طبقة من النار ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، استقاموا على قولهم: ربنا الله، فصح إيمانهم ودام توحيدهم وقال عمر بن الخطاب: المعنى استقاموا على الطاعة وترك المعاصي، وقول عمر أكمل وأحوط، وقول أبي بكر أرجح لما روى أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: قد قالها قوم كفروا فمن مات عليها فهو ممن استقام» ، وقال بعض الصوفية: معنى استقاموا أعرضوا عما سوى الله، وهذه حالة الكمال على أن اللفظ لا يقتضيه ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة ﴾ يعني عند الموت ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا ﴾ الضمير للآخرة ﴿ مَا تَدَّعُونَ ﴾ أي ما تطلبون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.
وقرأ يعقوب بالجر.
الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.
الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.
ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.
وقد مر في أوّل "هود".
وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.
والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.
قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.
والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.
والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.
وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.
وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.
فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.
ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.
قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.
ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.
ثم أمر رسوله أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.
ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.
قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.
ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.
ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.
وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.
وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.
ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.
والممنون المقطوع.
وقيل: هو من المنة.
قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.
﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.
قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.
وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.
وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.
ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.
وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.
واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.
وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله عن ذلك.
قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".
قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
وزعم المتكلمون أن الله خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.
واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.
وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله ﴿ إن يسرق فقد ﴾ أي إن يكن يسرق.
وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.
ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.
فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.
قلت: لو لم يكن قوله ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.
وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.
قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.
للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.
ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.
ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.
وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.
ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.
ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.
وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.
والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.
وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.
وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.
قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.
قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.
والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.
وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.
وإما مبهم مميز بما بعده.
يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.
وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.
ثم قال لنبيه ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.
يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.
فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.
فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.
وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.
فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.
فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.
ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟
قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.
قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.
وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.
وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.
وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.
وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.
والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.
وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.
ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.
وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.
ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.
والتركيب يدور على الضم والجمع.
عن ابن عباس أن الله ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.
والأيام النحسات هي التي فسرها الله في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.
واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.
وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.
والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.
والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.
وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.
قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.
قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.
وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.
واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.
على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.
ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.
وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.
والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.
قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.
قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".
وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.
وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.
وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.
وعن النبي : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.
قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.
والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟
وقد مر تمام البحث في "يس".
عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟
فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.
فذكرت ذلك للنبي فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.
وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.
وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.
ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.
والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.
قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ ﴾ .
كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً...
﴾ الآية [الزخرف: 36].
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا ﴾ .
قال بعضهم: هيأنا لهم في الدنيا قوماً من الشياطين وغيرهم.
وقال بعضهم: أي: مكنا للشياطين حتى يقذفوا في قلوبهم من الوساوس وغيرها أو كلام نحوه.
وقال بعضهم: أي: خلينا بينهم وبين الشياطين حتى عملوا بهم ما ذكر.
وقوله: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ، اختلف في قوله: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ؛ قال بعضهم: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: حسنوا لهم التكذيب بالآخرة والحساب والثواب والعقاب، أن ليس ذلك.
وقوله: ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ، أي: حسنوا لهم أمر الدنيا وأنها دائمة باقية.
وقيل: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي: ما عملوا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ أي: وما يريدون أن يعملوا من بعد.
والثالث: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : ما عملوا بأنفسهم، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ما سنوا لغيرهم من بعدهم، كقوله : ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ .
يحتمل: وجب عليهم القول بالعذاب أو السخط.
وقوله: ﴿ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ .
أي: مع أمم، وذلك جائز.
وقوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي: من قبل هؤلاء من الإنس والجن من الأمم الخالية ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .
أي: لا تسمعوا أنتم بأنفسكم والغوا فيه؛ لئلا يسمع منه قراءته ولا صوته، دل هذا القول على أنهم قد عرفوا أنه حجة، وأنه من عند الله جاء، وأن من سمع ذلك أذعن له وأطاع إذا لم يكابر عقله؛ ولهذا قالوا: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ ؛ لئلا يذعن [له] ولا يطاع ﴿ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ بالمكاء والتصدية، وكانوا يفعلون ذلك؛ ليخلطوا عليه صلاته وقراءته لعلكم بالمكاء والتصدية لقولهم: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ .
وقوله: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: يذيقن الذين كفروا وداموا على الكفر حتى ماتوا على ذلك، فأما من كفر في وقت ثم ترك ذلك، وأسلم، فليس له ذلك.
ثم من الناس من يقول: إن قوله: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ أراد به في الدنيا، وقوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، في الآخرة، يجعل أحد العذابين في الدنيا و[الآخر] في الآخرة.
وجائز أن يكون كله في الآخرة.
ثم دل قوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: لهم محاسن في الدنيا، لكن تلك المحاسن تبطل ولا يجزون بها شيئاً، وإنما يجزون على المساوئ التي عملوها في الدنيا؛ لأن المحاسن إنما تثبت وتبقى ويستوجب بها الجزاء إذا أتوا بالإيمان والتوحيد، فأما إذا لم يأتوا به لم ينتفعوا بتلك المحاسن، ولم يجزوا بها، وقد ذكر للمؤمنين مقابل ذلك: أن يكفر عنهم سيئاتهم ويجزوا بأحسن ما كانوا يعملون، وهو قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وعد للمؤمنين تكفير المساوئ التي عملوا في الدنيا والجزاء لهم بالمحاسن التي عملوها، ووعد للكافرين إسقاط محاسنهم والجزاء على مساوئهم لما لم يأتوا بالإيمان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ﴾ .
هذا يدل على أن ذلك في الآخرة.
وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ دَارُ الخُلْدِ ﴾ ، أي: دار البقاء يبقون فيها أبداً، فيكون اسماً للجنة، ويحتمل أن يكون في الجنة دار أو موضع يسمى: دار الخلد فيكون اسم موضع خاص، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ ﴾ .
قال بعضهم: الذي أضلهم من الجن هو إبليس؛ لأنه أول من عصى الله وسن لهم ذلك، ومن الإنس ولد آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه أول من سن القتل، ولكن عندنا أنهم سألوا أن يريهم الذي أضلهم كل جني يوسوس ويقذف في قلوبهم الوساوس والمساوي، وكل إنسي يدعوهم ظاهراً إلى الضلال، وهكذا كل ضال وكافر إنما كان ذلك الضلال والكفر لوساوس من جني أو تلقين من إنسي بلسانه.
سألوا الله أن يجعلهم ظاهرين فيجعلوهم تحت أقدامهم؛ لما يكون العذاب في كل ما كان أسفل أشد؛ لذلك سألوا ذلك وهو ما سألوا ربهم زيادة العذاب لهم في آية أخرى حيث قال: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ ﴾ فعلى ذلك سؤال هؤلاء.
<div class="verse-tafsir"
نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا، فقد كنا نسدد ونحفظكم، ونحن أولياؤكم في الآخرة، فولايتنا لكم مستمرة، ولكم في الجنة ما تشتهيه أنفسكم من الملذات والشهوات، ولكم فيها كل ما تطلبونه مما تشتهونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.dDgbp"