الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٣٤ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 84 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٤ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) أي : فرق عظيم بين هذه وهذه ، ( ادفع بالتي هي أحسن ) أي : من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه ، كما قال عمر [ رضي الله عنه ] ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه .
وقوله : ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) وهو الصديق ، أي : إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك ، والحنو عليك ، حتى يصير كأنه ولي لك حميم أي : قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك .
وقوله: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ) يقول تعالى ذكره: ولا تستوي حسنة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا, فأحسنوا في قولهم, وإجابتهم وبهم إلى ما دعاهم إليه من طاعته, ودعوا عباد الله إلى مثل الذي أجابوا ربهم إليه, وسيئة الذين قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فكذلك لا تستوي عند الله أحوالهم ومنازلهم, ولكنها تختلف كما وصف جلّ ثناؤه أنه خالف بينهما, وقال جلّ ثناؤه: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ) فكرر لا والمعنى: لا تستوي الحسنة ولا السيئة, لأن كلّ ما كان غير مساو شيئا, فالشيء الذي هو له غير مساو غير مساويه, كما أن كل ما كان مساويا لشيء فالآخر الذي هو له مساو, مساو له, فيقال: فلان مساو فلانا, وفلان له مساو, فكذلك فلان ليس مساويا لفلان, لا فلان مساويا له, فلذلك كرّرت لا مع السيئة, ولو لم تكن مكرّرة معها كان الكلام صحيحا.
وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: يجوز أن يقال: الثانية زائدة; يريد: لا يستوي عبد الله وزيد, فزيدت لا توكيدا, كما قال لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ أي لأن يعلم, وكما قال: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ .
وقد كان بعضهم ينكر قوله هذا في: لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ , وفي قوله: لا أُقْسِمُ فيقول: لا الثانية في قوله: لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أن لا يقدرون ردّت إلى موضعها, لأن النفي إنما لحق يقدرون لا العلم, كما يقال: لا أظنّ زيدا لا يقوم, بمعنى: أظن زيدا لا يقوم; قال: وربما استوثقوا فجاءوا به أوّلا وآخرا, وربما اكتفوا بالأول من الثاني.
وحُكي سماعا من العرب: ما كأني أعرفها: أي كأني لا أعرفها.
قال: وأما " لا " في قوله لا أُقْسِمُ فإنما هو جواب, والقسم بعدها مستأنف, ولا يكون حرف الجحد مبتدأ صلة.
وإنما عنى يقوله.( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَة ) ولا يستوي الإيمان بالله والعمل بطاعته والشرك به والعمل بمعصيته.
وقوله: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك, وبعفوك عمن أساء إليك إساءة المسيء, وبصبرك عليهم مكروه ما تجد منهم, ويلقاك من قِبلهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في تأويله.
* ذكر من قال ذلك.
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب, والحلم والعفو عند الإساءة, فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان, وخضع لهم عدوُّهم, كأنه وليّ حميم.
وقال آخرون: معنى ذلك: ادفع بالسلام على من أساء إليك إساءته.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا سفيان, عن طلحة بن عمرو, عن عطاء ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال: بالسلام.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن عبد الكريم الجزري, عن مجاهد ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال: السلام عليك إذا لقيته.
وقوله: ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) يقول تعالى ذكره: افعل هذا الذي أمرتك به يا محمد من دفع سيئة المسيء إليك بإحسانك الذي أمرتك به إليه, فيصير المسيء إليك الذي بينك وبينه عداوة, كأنه من ملاطفته إياك.
وبرّه لك, وليّ لك من بني أعمامك, قريب النسب بك, والحميم: هو القريب.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد.
قال: ثنا سعيد, , عن قتادة ( كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) : أي كأنه وليّ قريب.
قوله تعالى : ولا تستوي الحسنة ولا السيئة قال الفراء : " لا " صلة أي : ولا تستوي الحسنة والسيئة ، وأنشد :ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمرأراد أبو بكر وعمر ، أي : لا يستوي ما أنت عليه من التوحيد ، وما المشركون عليه من الشرك .
قال ابن عباس : الحسنة لا إله إلا الله ، والسيئة الشرك .
وقيل : الحسنة الطاعة ، والسيئة الشرك .
وهو الأول بعينه .
وقيل : الحسنة المداراة ، والسيئة الغلظة .
وقيل : الحسنة العفو ، والسيئة الانتصار .
وقال الضحاك : الحسنة العلم ، والسيئة الفحش .
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : الحسنة حب آل الرسول ، والسيئة بغضهم .قوله تعالى : ادفع بالتي هي أحسن نسخت بآية السيف ، وبقي المستحب من ذلك : حسن العشرة والاحتمال والإغضاء .
قال ابن عباس : أي : ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك .
وعنه أيضا : هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر : إن كنت صادقا فغفر الله لي ، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك .
وكذلك يروى في الأثر : أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال ذلك لرجل نال منه .
وقال مجاهد : بالتي هي أحسن يعني السلام إذا لقي من يعاديه ، وقاله عطاء .
وقول ثالث ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام وهو المصافحة .
وفي الأثر : ( تصافحوا يذهب الغل ) .
ولم ير مالك المصافحة ، وقد اجتمع مع سفيان فتكلما فيها فقال سفيان : قد صافح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعفرا حين قدم من أرض الحبشة ، فقال له مالك : ذلك خاص .
فقال له سفيان : ما خص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخصنا ، وما عمه يعمنا ، والمصافحة ثابتة فلا وجه لإنكارها .
وقد روى قتادة قال قلت لأنس : هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال : نعم .
[ ص: 323 ] وهو حديث صحيح .
وفي الأثر : من تمام المحبة الأخذ باليد .
ومن حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدم ، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي ، فقرع الباب فقام إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عريانا يجر ثوبه - والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده - فاعتنقه وقبله .قلت : قد روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء .
وقد مضى ذلك في " يوسف " وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما .قوله تعالى : فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم أي قريب صديق .
قال مقاتل : نزلت في أبي سفيان بن حرب ، كان مؤذيا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام حميما بالقرابة .
وقيل : هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام ، كان يؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه ، ذكره الماوردي .
والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر ، لقوله تعالى : فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم .
وقيل : كان هذا قبل الأمر بالقتال .
قال ابن عباس : أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل ، والعفو عند الإساءة ، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان ، وخضع لهم عدوهم .
وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي بن أبي طالب فناداه علي : يا قنبر !
دع شاتمك ، واله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان ، وتعاقب شاتمك ، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه .
وأنشدوا :وللكف عن شتم اللئيم تكرما أضر له من شتمه حين يشتم[ ص: 324 ] وقال آخر :وما شيء أحب إلى سفيه إذا سب الكريم من الجوابمتاركة السفيه بلا جواب أشد على السفيه من السبابوقال محمود الوراق :سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه لدي الجرائمفما الناس إلا واحد من ثلاثة شريف ومشروف ومثل مقاومفأما الذي فوقي فأعرف قدره وأتبع فيه الحق والحق لازموأما الذي دوني فإن قال صنت عن إجابته عرضي وإن لام لائموأما الذي مثلي فإن زل أو هفا تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم
يقول تعالى: { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ } أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في جزائها { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، فقال: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فَصلْهُ، وإن ظلمك، فاعف عنه، وإن تكلم فيك، غائبًا أو حاضرًا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين.
وإن هجرك، وترك خطابك، فَطيِّبْ له الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة.{ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } أي: كأنه قريب شفيق.
قوله عز وجل : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) قال الفراء : " لا " هاهنا صلة ، معناه : ولا تستوي الحسنة والسيئة - يعني - : الصبر والغضب ، والحلم والجهل ، والعفو والإساءة .
( ادفع بالتي هي أحسن ) قال ابن عباس : أمر بالصبر عند الغضب ، وبالحلم عند الجهل ، وبالعفو عند الإساءة .
( فإذا الذي بينك وبينه عداوة ) يعني : إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك ، وصار الذي بينك وبينه عداوة ، ( كأنه ولي حميم ) كالصديق والقريب .
قال مقاتل بن حيان : نزلت في أبي سفيان بن حرب ، وذلك أنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أسلم فصار وليا بالإسلام حميما بالقرابة .
«ولا تستوي الحسنة ولا السيئة» في جزئياتهما بعضهما فوق بعض «ادفع» السيئة «بالتي» أي بالخصلة التي «هي أحسن» كالغضب بالصبر والجهل بالحلم والإساءة بالعفو «فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» أي فيصير عدوك كالصديق القريب في محبته إذا فعلت ذلك فالذي مبتدأ وكأنه الخبر وإذا ظرف لمعنى التشبيه.
ولا تستوي حسنة الذين آمنوا بالله، واستقاموا على شرعه، وأحسنوا إلى خلقه، وسيئة الذين كفروا به وخالفوا أمره، وأساؤوا إلى خلقه.
ادفع بعفوك وحلمك وإحسانك مَن أساء إليك، وقابل إساءته لك بالإحسان إليه، فبذلك يصير المسيء إليك الذي بينك وبينه عداوة كأنه قريب لك شفيق عليك.
وما يُوفَّق لهذه الخصلة الحميدة إلا الذين صبروا أنفسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله، وما يُوفَّق لها إلا ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة.
ثم أرشد - سبحانه - إلى ما ينمى روح المحبة والمودة .
.
بين الداعى والمدعوين بصفة خاصة ، وبين المسلم وغيره بصفة عامة ، فقال : ( وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة ) .أى : ولا تستوى الخصلة الحسنة ولا الخصلة السيئة ، لا فى ذواتهما ولا فى الآثار التى تترتب عليهما ، إذا الخصلة الحسنة جميلة فى ذاتها ، وعظيمة فى الآثار الطيبة التى تنتج عنها ، أما الخصلة السيئة فهى قبيحة فى ذاتها وفى نتائجها .وقوله - تعالى - : ( ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ ) إرشاد منه - تعالى - إلى ما يجب أن يتحلى به عباده المؤمنون .أى : ما دامت الخصلة الحسنة لا تتساوى مع الخصلة السيئة ، فعليك - أيها المسلم - أن تدفع السيئة إذا جاءتك من المسئ ، بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات ، بأن تقابل ذنبه بالعفو ، وغضبه بالصبر ، وقطعه بالصلة وفظاظته بالسماحة .وقوله - سبحانه - : ( فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) بيان للآثار الجميلة التى تترتب على دفع السيئة بالحسنة .والولى : هو الصديق المحب الشفيق عليك ، من الولى بمعنى القرب .والحميم : يطلق فى الأصل على الماء الحار .
.
والمراد به هنا : الصديق الصدوق معك .أى : أنت إذا دفعت السيئة بالحسنة ، صار عدوك الذى أساء إليك ، كأنه قريب منك ، لأن من شأن النفوس الكريمة أنها تحب من أحسن إليها ، ومن عفا عنها ، ومن قابل شرها بالخير ، ومنعها بالعطاء .
أعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بهذا الوعد الشريف، وهذا ترتيب لطيف مدار كل القرآن عليه، وقد ذكرنا مراراً أن الكمالات على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية وأشرف المراتب النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية، وذكرنا أن الكمالات النفسانية محصورة في نوعين العلم اليقيني والعمل الصالح، فإن أهل التحقيق قالوا كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ﴾ ورأس الأعمال الصالحة ورئيسها أن يكون الإنسان مستقيماً في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط، كما قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا ﴾ وقال أيضاً: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ وإليه الإشارة في هذه الآية بقوله: ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ وسمعت أن القارئ قرأ في مجلس العبادي هذه الآية، فقال العبادي: والقيامة في القيامة، بقدر الاستقامة، إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ ليس المراد منه القول باللسان فقط لأن ذلك لا يفيد الاستقامة، فلما ذكر عقيب ذلك القول الاستقامة علمنا أن ذلك القول كان مقروناً باليقين التام والمعرفة الحقيقية، إذ عرفت هذا فنقول في الاستقامة قولان أحدهما: أن المراد منه الاستقامة في الدين والتوحيد والمعرفة الثاني: أن المراد منه الاستقامة في الأعمال الصالحة أما على القول الأول ففيه عبارات: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ثم استقاموا أي لم يتلفتوا إلى إله غيره، قال ابن عباس في بعض الروايات هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه وقع في أنواع شديدة من البلاء والمحنة ولم يتغير ألبتة عن دينه، فكان هو الذي قال: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ وبقي مستقيماً عليه لم يتغير بسبب من الأسباب، وأقول يمكن فيه وجوه أخرى، وذلك أن من أقر بأن لهذا العالم إلهاً بقيت له مقامات أخرى فأولها: أن لا يتوغل في جانب النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل، ولا يتوغل في جانب الاثبات إلى حيث ينتهي إلى التشبيه، بل يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل، وأيضاً يجب أن يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين الجبر والقدر، وكذا في الرجاء والقنوط يجب أن يكون على الخط المتسقيم، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ وأما على القول الثاني وهو أن نحمل الاستقامة على الإتيان بالأعمال الصالحة، فهذا قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، قالوا وهذا أولى حتى يكون قوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ﴾ متناولاً للقول والاعتقاد ويكون قوله: ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ متناولاً للأعمال الصالحة.
ثم قال: ﴿ تَتَنَزَلَ عَلَيْهِمْ الملائكة ﴾ قيل عند الموت وقيل في مواقف ثلاثة عند الموت وفي القبر وعند البعث إلى القيامة ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ ﴾ أن بمعنى أي أو بمخففة من الثقيلة وأصله بأنه لا تخافوا والهاء ضمير لشأن واعلم أن الغاية القصوى في رعاية المصالح دفع المضار وجلب المنافع، ومعلوم أن دفع المضرة أولى بالرعاية من جلب المصلحة، والمضرة إما أن تكون حاصلة في المستقبل أو في الحال أو في الماضي، وهاهنا دقيقة عقلية وهي أن المتسقبل مقدم على الحاضر والحاضر مقدم على الماضي، فإن الشيء الذي لم يوجد ويتوقع حدوثه يكون مستقبلاً، فإذا وجد يصير حاضراً، فإذا عدم وفني بعد ذلك يصير ماضياً، وأيضاً المستقبل في كل ساعة يصير أقرب حصولاً والماضي في كل حالة أبعد حصولاً، ولهذا قال الشاعر: فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس وإذا ثبت هذا فالمضار التي يتوقع حصولها في المستقبل أولى بالدفع من المضار الماضية، وأيضاً الخوف عبارة عن تألم القلب بسبب توقع حصول مضرة في المستقبل، والغم عبارة عن تألم القلب بسبب قوة نفع كان موجوداً في الماضي، وإذا كان كذلك فدفع الخوف أولى من دفع الحزن الحاصل بسبب الغم، إذا عرفت هذا، فنقول: إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم في أول الأمر يخبرون بأنه لا خوف عليكم بسبب ما تستقبلونه من أحوال القيامة، ثم يخبرون بأنه لا حزن عليكم بسبب ما فاتكم من أحوال الدنيا، وعند حصول هذين الأمرين فقد زالت المضار والمتاعب بالكلية، ثم بعد الفراغ منه يبشرون بحصول المنافع وهو قوله تعالى: ﴿ وَأَبْشِرُواْ بالجنة التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ فإن قيل البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع، فأما إذا أخبر الرجل بحصول منفعة ثم أخبر ثانياً بحصولها كان الإخبار الثاني إخباراً ولا يكون بشارة، والمؤمن قد يسمع بشارات الخير فإذا سمع المؤمن هذا الخبر من الملائكة وجب أن يكون هذا إخباراً ولا يكون بشارة، فما السبب في تسمية هذا الخبر بالبشارة، قلنا المؤمن يسمع أن من كان مؤمناً تقياً كان له الجنة، أما من لم يسمع ألبتة أنه من أهل الجنة فإذا سمع هذا الكلام من الملائكة كان هذا إخباراً بنفع عظيم مع أنه هو الخبر الأول بذلك فكان ذلك بشارة.
واعلم أن هذا الكلام يدل على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث لا يكون فازعاً من الأهوال ومن الفزع الشديد، بل يكون آمن القلب ساكن الصدر لأن قوله: ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ يفيد نفي الخوف والحزن على الإطلاق.
ثم إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم قالوا للمؤمنين ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة ﴾ وهذا في مقابلة ما ذكره في وعيد الكفار حيث قال: ﴿ وَقيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء ﴾ ومعنى كونهم أولياء للمؤمنين أن للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية، بالإلهامات والمكاشفات اليقينية، والمقامات الحقيقية، كما أن للشياطين تأثيرات في الأوراح بإلقاء الوساوس فيها وتخييل الأباطيل إليها.
وبالجملة فكون الملائكة أولياء للأرواح الطيبة الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات والمشاهدات، فهم يقولون: كما أن تلك الولاية كانت حاصلة في الدينا فهي تكون باقية في الآخرة فإن تلك العلائق ذاتية لازمة غير قابلة للزوال، بل كأنها تصير بعد الموت أقوى وأبقى، وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة، وهي كالشعلة بالنسبة إلى الشمس، والقطرة بالنسبة إلى البحر، والتعلقات الجسمانية هي التي تحول بينها وبين الملائكة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات» فإذا زالت العلائق الجسمانية والتدبيرات البدنية، فقد زال الغطاء والوطاء، فيتصل الأثر بالمؤثر، والقطرة بالبحر، والشعلة بالشمس، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الأخرة ﴾ ثم قال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ أي ما تتمنون، كقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ فِيهَا فاكهة وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ فإن قيل فعلى هذا التفسير لا يبقى فرق بين قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ﴾ وبين قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ قلنا: الأقرب عندي أن قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ﴾ إشارة إلى الجنة الجسمانية، وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله: ﴿ دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ .
ثم قال: ﴿ نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ﴾ والنزل: رزق النزيل وهو الضيف، وانتصابه على الحال، قال العارفون: دلّت هذه الآية على أن كل هذه الأشياء المذكورة جارية مجرى النزل، والكريم إذ أعطى النزل فلابد وأن يبعث الخلع النفيسة بعدها، وتلك الخلع النفيسة ليست إلا السعادات الحاصلة عند الرؤية والتجلي والكشف التام، نسأل الله تعالى أن يجعلنا لها أهلاً بفضله وكرمه، إنه قريب مجيب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِّمَّن دَعآ إِلَى الله ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى الإسلام ﴿ وَعَمِلَ صالحا ﴾ فيما بينه وبين ربه، وجعل الإسلام نحلة له.
وعنه: أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها: ما كنا نشك أنّ هذه الآية نزلت في المؤذنين، وهي عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن يكون موحداً معتقداً لدين الإسلام، عاملاً بالخير داعياً إليه؛ وما هم إلاّ طبقة العالمين العاملين من أهل العدل والتوحيد، الدعاة إلى دين الله وقوله: ﴿ وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ المسلمين ﴾ ليس الغرض أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده، كما تقول: هذا قول أبي حنيفة، تريد مذهبه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ ﴾ إلى عِبادَتِهِ.
﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ.
﴿ وَقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ تَفاخُرًا بِهِ واتِّخاذًا لِلْإسْلامِ دِينًا ومَذْهَبًا مِن قَوْلِهِمْ: هَذا قَوْلُ فُلانٍ لِمَذْهَبِهِ.
والآيَةُ عامَّةٌ لِمَنِ اسْتَجْمَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في النَّبِيِّ وقِيلَ: في المُؤَذِّنِينَ.
﴿ وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ﴾ في الجَزاءِ وحُسْنِ العاقِبَةِ ولا الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ ادْفَعِ السَّيِّئَةَ حَيْثُ اعْتَرَضَتْكَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ مِنها وهي الحَسَنَةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأحْسَنِ الزّائِدُ مُطْلَقًا، أوْ بِأحْسَنِ ما يُمْكِنُ دَفْعُها بِهِ مِنَ الحَسَناتِ، وإنَّما أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِئْنافِ عَلى أنَّهُ جَوابُ مَن قالَ كَيْفَ أصْنَعُ؟
لِلْمُبالَغَةِ ولِذَلِكَ وضَعَ أحْسَنَ مَوْضِعَ الحَسَنَةِ.
﴿ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ أيْ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ صارَ عَدُوُّكَ المُشاقُّ مِثْلَ الوَلِيِّ الشَّفِيقِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ تَسْتَوِى الحسنة وَلاَ السيئة ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ} يعني أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك كما لو أساء إليك رجل إساءة فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك مثل أن يذمك فتمدحه او يقتل ولدك فتفتدى وله من يدعوه {فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ} فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك ثم قال
﴿ ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ مَحاسِنِ الأعْمالِ الجارِيَةِ بَيْنَ العِبادِ إثْرَ بَيانِ مَحاسِنِ الأعْمالِ الجارِيَةِ بَيْنَ العَبْدِ والرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ تَرْغِيبًا لِرَسُولِ اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ ومُقابَلَةِ إساءَتِهِمْ بِالإحْسانِ، والحُكْمُ عامٌّ أيْ لا تَسْتَوِي الخَصْلَةُ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ في الآثارِ والأحْكامِ، ولا الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ ﴾ لِأنَّ اسْتَوى لا يَكْتَفِي بِمُفْرَدٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحُسْنِ عاقِبَةِ الحَسَنَةِ أيِ ادْفَعِ السَّيِّئَةَ حَيْثُ اعْتَرَضَتْكَ مِن بَعْضِ أعادِيكَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ مِنها وهي الحَسَنَةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأحْسَنِ الزّائِدُ مُطْلَقًا أوْ بِأحْسَنِ ما يُمْكِنُ دَفْعُها بِهِ مِنَ الحَسَناتِ كالإحْسانِ إلى مَن أساءَ فَإنَّهُ أحْسَنُ مِن مُجَرَّدِ العَفْوِ فَأحْسَنُ عَلى ظاهِرِهِ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ عامٌّ ولِذا حُذِفَ كَما في اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ، وإخْراجُهُ مَخْرَجَ الجَوابِ عَنْ سُؤالِ مَن قالَ: كَيْفَ أصْنَعُ ؟
لِلْمُبالَغَةِ والإشارَةِ إلى أنَّهُ مُهِمٌّ يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ والسُّؤالُ عَنْهُ، ولِلْمُبالَغَةِ أيْضًا وُضِعَ ( أحْسَنُ ) مَوْضِعَ الحَسَنَةِ لِأنَّ مَن دَفَعَ بِالأحْسَنِ هانَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ بِما دُونَهُ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ أمْرَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ الحَسَنَةُ حُبُّ الرَّسُولِ وآلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والسَّيِّئَةُ بُغْضُهم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الحَسَنَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والسَّيِّئَةُ الشِّرْكُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الدَّعْوَتانِ إلَيْهِما، وقالَ الضَّحّاكُ: الحُلْمُ والفُحْشُ، وقِيلَ: الصَّبْرُ، وقِيلَ: المُدارَةُ والغِلْظَةُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ بَعْضَ المَرْوِيِّ يَكادُ لا تَصِحُّ إرادَتُهُ هُنا فَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ تَفاوَتِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ في أنْفُسِهِما بِمَعْنى أنَّ الحَسَناتِ تَتَفاوَتُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ والسَّيِّئاتِ كَذَلِكَ فَتَعْرِيفُ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ لِلْجِنْسِ ولا الثّانِيَةُ لَيْسَتْ مَزِيدَةً وأفْعَلُ عَلى ظاهِرِهِ، والكَلامُ في ﴿ ادْفَعْ ﴾ ..
إلَخْ عَلى مَعْنى الفاءِ أيْ إذا كانَ كُلٌّ مِنَ الجِنْسَيْنِ مُتَفاوِتَ الأفْرادِ في نَفْسِهِ فادْفَعْ بِأحْسَنِ الحَسَنَتَيْنِ السَّيِّئِ والأسْوَأِ، وتُرِكَ الفاءُ لِلِاسْتِئْنافِ الَّذِي ذَكَرْنا وهو أقْوى الوَصْلَيْنِ ولَعَلَّ الأوَّلَ أقْرَبُ ﴿ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ بَيانٍ لِنَتِيجَةِ الدَّفْعِ المَأْمُورِ بِهِ أيْ فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ صارَ عَدُوُّكَ المَشاقُّ مِثْلَ الوَلِيِّ الشَّفِيقِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَخَلَتْ ( كَأنَّ ) المُفِيدَةُ لِلتَّشْبِيهِ لِأنَّ العَدُوَّ لا يَعُودُ ولِيًّا حَمِيمًا بِالدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ وإنَّما يَحْسُنُ ظاهِرُهُ فَيُشْبِهُ بِذَلِكَ الوَلِيَّ الحَمِيمَ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ بِأقَلِّ اللّازِمِ وهَذا بِالنَّظَرِ إلى الغالِبِ وإلّا فَقَدَ تَزُولُ العَداوَةُ بِالكُلِّيَّةِ بِذَلِكَ كَما قِيلَ: إنَّ العَداوَةَ تَسْتَحِيلُ مَوَدَّةً بِتَدارُكِ الهَفَواتِ بِالحَسَناتِ و ﴿ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ ﴾ أبْلَغُ مِن عَدُوِّكَ ولِذا اخْتِيرَ عَلَيْهِ مَعَ اخْتِصارِهِ، والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ كانَ عَدُوًّا مُبِينًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَصارَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ ولِيًّا مُصافِيًا وكَأنَّ ما عِنْدَهُ انْتَقَلَ إلى ولَدِ ولَدِهِ يَزِيدَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما يَسْتَحِقُّ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ نزلت الآية في أبي جهل، وأصحابه، فإنه قال: إذا تلى محمد القرآن، فارفعوا أصواتكم، بالأشعار، والكلام في وجوههم، حتى تلبسوا عليهم، فذلك قوله: وَالْغَوْا فِيهِ يعني: الغطوا، واللغط هو الشغب، والجلب، لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي: تغلبوهم فيسكتون.
قال الزجاج: قوله: وَالْغَوْا فِيهِ أي: عارضوه بكلام لا يفهم، يكون ذلك الكلام لغواً.
يقول الله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً يعني: في الدنيا بالقتل، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ في الآخرة أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: أقبح ما كانوا يعملون، ويقال: هذا كله من عذاب الآخرة.
يعني: فلنذيقن الذين كفروا في الآخرة عذاباً شديداً، ولنجزينهم من العذاب أَسْوَأَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
يعني: بأسوإ أعمالهم، وهو الشرك.
ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ يعني: ذلك العذاب الشديد هو جزاء أعداء الله النار.
يعني: ذلك العذاب هو النار ويقال: صار رفعاً بالبدل عن الجزاء.
ثم قال: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ يعني: في النار موضع المقام أبداً، جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعني: بالكتاب، والرسل.
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ يعني: الصنفين اللذين أَضَلَّانا يعني: استنا ضلالتنا، مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ويقال: جهلانا حتى نسينا الآخرة.
ثم قال: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ في النار.
ويقال: من الجن.
ويقال: يعني: إبليس هو الذي أضلنا، ومن الإنس يعني: ابن آدم الذي قتل أخاه.
ويقال: يعني: رؤساؤهم في الضلالة.
كقوله: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا [الأحزاب: 67] الآية.
قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر: أَرِنَا بجزم الراء.
والباقون: بالكسر ومعناهما واحد.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا قال سفيان بن عبد اللَّه الثَّقَفِيُّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: «قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ استقم» «١» .
ت: هذا الحديث خَرَّجه مسلم في «صحيحه» ، قال صاحب «المُفْهِمِ» : جوابه صلّى الله عليه وسلّم من جوامع الكَلِم، وكأَنَّهُ مُنْتَزَعٌ من قول اللَّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ...
الآية، وتلخيصه: اعْتَدَلُوا على طاعته قولاً وفعلاً وعقداً، انتهى من «شرح الأربعين حديثاً» لاِبْنِ الفَاكِهَانِيِّ، قال ع «٢» : واخْتَلَفَ النَّاسُ في مقتضى قوله: ثُمَّ اسْتَقامُوا فذهب الحَسَنُ وجماعةٌ إلى أَنَّ معناه: استقاموا بالطاعاتِ واجتناب المعاصِي، وتلا عُمَرُ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- هذه الآيةُ على المِنْبَرِ، ثم قال: استقاموا- واللَّهِ- بطاعتهِ، ولم يروغوا روِغانَ الثَّعَالِبِ، قال ع «٣» : فذهب- رحمه اللَّه- إلى حَمْلِ الناس على الأَتَمِّ الأفْضَلِ، وإلاَّ فيلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب أَلاَّ تتنزل الملائكةُ عِنْدَ الموت على غير مستقيمٍ على الطاعَةِ، وذهب أبو بكْرٍ- رضي اللَّه عنه- وجماعةٌ معه إلى أَنَّ المعنى:
ثم: استقاموا على قولهم: رَبُّنَا اللَّهُ، فلم يختلَّ توحيدُهُمْ، ولا اضطرب إيمانهم، قال ع «٤» : وفي الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّه، دخل الجنّة» «٥»
وهذا هو الْمُعْتَقَدُ إن شاء اللَّه، وذلك أَنَّ العصاة من أُمَّةِ محمَّد وغيرها فرقتان: فأَمَّا مَنْ غفر اللَّه له، وترك تعذيبه، فلا محالة أَنَّه مِمَّن/ تتنزَّل عليهم الملائكة بالبشارة، وهو إنَّما استقام على توحيده فَقَطْ، وأَمَّا مَنْ قَضَى اللَّهُ بِتَعْذِيبِهِ مُدَّةً، ثم [يأمر] بإدخاله الجَنَّةَ، فلا محالة أَنَّه يلقى جميعَ ذلك عند مَوْتِهِ وَيَعْلَمُهُ، وليس يَصِحُّ أنْ تكون حاله كحالة الكافر واليائِسِ مِنْ رحمة اللَّه، وإذا كان هذا فقَدْ حَصَلَتْ له بشارة بأَلاَّ يخافَ الخُلُودَ، ولا يحزنَ منه، ويدخل فيمن يقال لهم: أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ومع هذا كله فلا يختلف في أَنَّ المُوَحِّدَ المستقيمَ عَلَى الطَّاعَةِ أَتَمُّ حالاً وأَكمل بشارةً، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر- رضي اللَّه عنه-، وبالجملة، فكُلَّما كان المرءُ أشَدَّ استعدادا، كان أسْرَعَ فوزاً بفَضْلِ اللَّه تعالى قال الثعلبيُّ: قوله تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أي: عند الموت أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا قال وَكِيعٌ: والبشرى في ثلاثة مَوَاطِنَ: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، وفي البخاريّ: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أي: عند الموت «١» ، انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ
قال المُفَسِّرُونَ: عند الموت، وأنا أقول: كُلَّ يَوْم، وأَوْكَدُ الأيام: يومُ الموت، وحينَ القَبْرِ، ويَوْمُ الفزع الأكبر، وفي ذلك آثار بَيَّنَّاها في موضعها، انتهى، قال ع «٣» : قوله تعالى: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا: أَمَنَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ هَمِّ مستأنفٍ، وتسليةٌ تَامَّةٌ عن كُلِّ فَائِتٍ مَاضٍ، وقال مجاهدٌ: المعنى: لا تخافُونَ ما تَقْدُمُونَ عليه، ولا تحزنوا على ما خلّفتم من دنياكم.
ت: وذكر أبو نُعَيْمٍ عن ثابتٍ البُنَانيِّ أَنَّه قرأ: حم السجدةِ حَتَّى بلغ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ/ الْمَلائِكَةُ، فوقف، وقال: بلغنا أنَّ العَبْدَ المؤمن حين يُبْعَثُ من قبره يتلقَّاه المَلَكَانِ اللَّذانِ كانا معه في الدنيا، فيقولانِ له: لاَ تَخَفْ، ولا تَحْزَنْ، وأبشر بالجنة التي كنت تُوْعَدُ، قال: فَأَمَّنَ اللَّه خوفَه، وأَقَرَّ عينه، الحديث «١» .
انتهى.
قال ابن المبارك في «رقائقه» : سمعتُ سفيانَ يَقُولُ في قوله تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ:
أي عند الموت أَلَّا تَخافُوا: ما أمامكم وَلا تَحْزَنُوا: على ما خلفتم من ضَيْعَاتِكُمْ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ قال: يُبَشَّرُ «٢» بثلاث بشاراتٍ: عند الموت، وإذا خرج من القبر، وإذا فَزِعَ، نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
قال: كانوا معهم، قال ابن المبارك: وأخبرنا رَجُلٌ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله تعالى: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
قال: قُرَنَاؤُهُمْ يلقونهم يوم القيامة، فيقولون: لا نفارقكم حتّى تدخلوا الجنة، ا.
هـ.
وقوله تعالى: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
المتكلم ب نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ
هم الملائكة القائلون: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا أي: يقولون للمؤمنين عند الموت وعند مشاهدة الحق: نحن كُنَّا أولياءَكُمْ في الدنيا، ونحن هُمْ أولياؤكم في الآخرة قال السُّدِّيُّ: المعنى: نحن حَفَظَتُكُم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة «٣» ، والضمير في قوله: فِيها
عائد على الآخرة، وتَدَّعُونَ
معناه: تَطْلُبُونَ قال الفَخْرُ «٤» : ومعنى كونِهِمْ أولياءَ للمؤمنين، إشارةٌ إلى أَنَّ للملائكة تأثيراتٍ في الأرواح [البشريّة، بالإلهامات والمكاشفات اليقينيّة والمناجاة الخفيَّةِ كما أَنَّ للشياطينِ تَأْثيراتٍ في الأرواحِ] «٥» بإلقاء الوسَاوِسِ، وبالجملة، فَكَوْنُ الملائكةِ أولياءَ للأرواح الطَّيِّبَةِ الطاهرةِ، حاصِلٌ من جهاتٍ كثيرةٍ معلومةٍ لأربابِ المكاشفاتِ والمشاهَدَاتِ، فَهُمْ يَقُولُونَ: كما أَنَّ تلك الولاياتِ حاصلةٌ في الدنيا، فهي تكونُ باقيةً في الآخرة فإنَّ تلك العلائِقَ ذاتِيَّةٌ/ لازمة، غير مائلة إلى الزوال بل تصير بعد الموت أقوى وأبقى وذلك لأَنَّ جوهر النفْسِ من جنس الملائكة، وهي كالشُّعْلَةِ بالنسبة إلى الشمس والقطرة بالنسبة إلى البحر، وإنَّما التّعلّقات الجسدانيّة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لَمّا دَخَلُوا النّارَ ﴿ رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أرْنا" بِسُكُونِ الرّاءِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنُونَ إبْلِيسَ وقابِيلَ، لِأنَّهُما سَنّا المَعْصِيَةَ، ﴿ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ أيْ: في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وهو أشَدُّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ﴾ \[أيْ: وحَّدُوهُ\] ﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اسْتَقامُوا عَلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: عَلى الإخْلاصِ والعَمَلِ إلى المَوْتِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ اليَهُودُ: رَبُّنا اللَّهُ، وعُزَيْرٌ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ النَّصارى: رَبُّنا اللَّهُ، والمَسِيحُ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ أبُو بَكْرٍ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، ومُحَمَّدٌ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فاسْتَقامَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَخافُوا.
وفي وقْتِ نُزُولِها عَلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا في مَعْنى "لا تَخافُوا" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا تَخافُوا المَوْتَ، ولا تَحْزَنُوا عَلى أوْلادِكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: لا تَخافُوا ما أمامَكُمْ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلْفَكُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ إذا قامُوا مِنَ القُبُورِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى "لا تَخافُوا": أنَّهم يُبَشِّرُونَهم بِزَوالِ الخَوْفِ والحُزْنِ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُمْ، والمَعْنى: نَحْنُ [الَّذِينَ] كُنّا نَتَوَلّاكم في الدُّنْيا، لِأنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ وتُحِبُّهم لِما تَرى مِن أعْمالِهِمُ المَرْفُوعَةِ إلى السَّماءِ، ﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ أيْ: ونَحْنُ مَعَكم في الآخِرَةِ لا نُفارِقُكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الحَفَظَةُ عَلى ابْنِ آدَمَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَأْتُونَ لِقَبْضِ الأرْواحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم فِيها ﴾ أيْ: في الجَنَّةِ.
﴿ نُزُلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أبْشِرُوا بِالجَنَّةِ تَنْزِلُونَها [نُزُلًا] .
وقالَ الأخْفَشُ: لَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم أنْزَلْناهُ نُزُلًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللهِ النارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءُ بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الفاءُ دَخَلَتْ عَلى لامِ القَسَمِ، وهي آيَةُ وعِيدٍ لِقُرَيْشٍ، و"العَذابُ الشَدِيدُ" هو عَذابُ الدُنْيا في بَدْرٍ وغَيْرِها، و"الجَزاءُ بِأسْوَإ أعْمالِهِمْ" هو عَذابُ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ المُتَقَدِّمِ، و"جَزاءُ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، و"النارُ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَزاءُ"، ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "جَزاءُ" ابْتِداءٌ، و"النارُ" خَبَرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ ﴾ أيْ مَوْضِعُ البَقاءِ ومَسْكَنُ العَذابِ الدائِمِ، فالظَرْفِيَّةُ فِيهِ مُتَمَكِّنَةٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هي لَهم دارُ الخُلْدِ، فَفي قَوْلِهِ: "فِيها" مَعْنى التَحْدِيدِ، كَما قالَ الشاعِرُ: وفي اللهِ إنْ لَمْ يُنْصِفُوا حَكَمٌ عَدْلُ وَفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللهِ النارُ دارُ الخُلْدِ]، وسَقَطَ: "لَهم فِيها"، وجُحُودُهم بِآياتِ اللهِ مُطْرَدٌ في عَلاماتِهِ المَنصُوبَةِ لِخَلْقِهِ، وفي آياتِ كِتابِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى نَبِيِّهِ .
ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ مَقالَةَ كُفّارِ يَوْمِ القِيامَةِ، إذا دَخَلُوا النارَ، فَإنَّهم يَرَوْنَ عَظِيمَ ما حَلَّ بِهِمْ وسُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، فَتَجُولُ أفْكارُهم فِيمَن كانَ سَبَبَ غَوايَتِهِمْ وبادِي ضَلالَتِهِمْ، فَيَعْظُمُ غَيْظُهم وحَنَقُهم عَلَيْهِ، ويَوَدُّونَ أنْ يَحْصُلَ في أشَدِّ العَذابِ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ رَبَّنا أرِنا اللَذَيْنِ أضَلانا ﴾ ، وظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ "الَّذِي" في قَوْلِهِمِ: [الَّذِينَ] إنَّما هو لِلْجِنْسِ، أيْ: أرِنا كُلَّ مُغْوٍ ومُضِلٍّ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَتادَةُ: وطَلَبُوا ولَدَ آدَمَ الَّذِي سَنَّ القَتْلَ والمَعْصِيَةَ مِنَ البَشَرِ، وإبْلِيسَ الأبالِسَةِ مِنَ الجِنِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمُّلْ هَذا، هَلْ يَصِحُّ هَذا عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ؟
لِأنَّ ولَدَ آدَمَ مُؤْمِنٌ عاصٍ، وهَؤُلاءِ إنَّما طَلَبُوا المُضِلِّينَ بِالكُفْرِ المُؤَدِّي إلى الخُلُودِ، وإنَّما القَوِيُّ أنَّهم طَلَبُوا النَوْعَيْنِ، وقَدْ أصْلَحَ بَعْضُهم هَذا القَوْلَ بِأنْ قالَ: يَطْلُبُ ولَدَ آدَمَ كُلُّ عاصٍ دَخَلَ النارَ مِن أهْلِ الكَبائِرَ، ويَطْلُبُ إبْلِيسَ كُلُّ كافِرٍ، ولَفْظُ الآيَةِ يَزْحَمُ هَذا التَأْوِيلَ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الكَفَرَةَ إنَّما طَلَبُوا اللَذَيْنِ أضَلّا.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أرِنا" بِكَسْرِ الراءِ، وهي رُؤْيَةُ عَيْنٍ، ولِذَلِكَ فَهو فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عَمْرُو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "أرِنا" بِسُكُونِ الراءِ، فَقالَ هِشامُ بْنُ عامِرٍ: هو خَطَأٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هي مُخَفَّفَةٌ مِن "أرِنا" كَما قالُوا: ضَحْكٌ وفَخْذٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِإشْمامِ الراءِ الكَسْرَ، ورُوِيَتْ عن أهْلِ مَكَّةَ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا ﴾ يُرِيدُونَ: في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ، وهي أشَدُّ عَذابًا، وهي دَرْكُ المُنافِقِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ الآيَةُ.
آيَةُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الثَقَفِيُّ: « "قُلْتُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: أخْبَرَنِي بِأمْرٍ أعْتَصِمُ بِهِ، فَقالَ: قُلْ رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ، قُلْتُ: فَما أخْوَفُ ما تَخافُ عَلَيَّ؟
فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ بِلِسانِ نَفْسِهِ فَقالَ: هَذا".» واخْتَلَفَ الناسُ في مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فَذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْناهُ: اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي.
وتَلا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ، ثُمَّ قالَ: اسْتَقامُوا - واللهِ - لِلَّهِ بِطاعَتِهِ، ولَمْ يَرُوغُوا رَوَغانَ الثَعالِبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَهَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى حَمْلِ الناسِ عَلى الأتَمِّ الأفْضَلِ، وإلّا فَيَلْزَمُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مِن دَلِيلِ خِطابِهِ ألّا تَتَنَزَّلَ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ عَلى غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ عَلى الطاعَةِ، وذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مَعَهُ إلى أنَّ المَعْنى: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى قَوْلِهِمْ: "رَبُّنا اللهُ"، فَلَمْ يَخْتَلْ تَوْحِيدُهم ولا اضْطَرَبَ إيمانُهُمْ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "قَدْ قالَها الناسُ، ثُمَّ كَفَرَ أكْثَرُهُمْ، فَمَن ماتَ عَلَيْها، فَهو مِمَّنِ اسْتَقامَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى: فَهو في أوَّلِ دَرَجاتِ الِاسْتِقامَةِ، أمْنِ الخُلُودِ، فَهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلّا اللهَ دَخَلَ الجَنَّةَ"،» وهَذا هو المُعْتَقِدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ العُصاةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وغَيْرِها فِرْقَتانِ: فَأمّا مَن قَضى اللهُ تَعالى بِالمَغْفِرَةِ لَهُ وتَرْكِ تَعْذِيبِهِ، فَلا مَحالَةَ مِمَّنْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ بِالبِشارَةِ، وهو إنَّما اسْتَقامَ عَلى تَوْحِيدِهِ فَقَطْ، وأمّا مَن قَضى اللهُ بِتَعْذِيبِهِ مُدَّةً، ثُمَّ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ يَلْقى جَمِيعَ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ ويَعْلَمُهُ، ولَيْسَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالُهُ كَحالَةِ الكافِرِ اليائِسِ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى، وإذْ قَدْ كانَ هَذا، فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ البِشارَةُ بِألّا يَخافَ الخُلُودَ ولا يَحْزَنَ مِنهُ، وبِأنَّهُ يَصِيرُ آخِرًا إلى الخُلُودِ في الجَنَّةِ، وهَلِ العُصاةُ المُؤْمِنُونَ، إلّا تَحْتَ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ؟
فَهم داخِلُونَ فِيمَن يُقالُ لَهُمْ: ﴿ وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ، فَلا يُخْتَلَفُ أنَّ المُوَحِّدَ المُسْتَقِيمَ عَلى الطاعَةِ، أتَمُّ حالًا وأكْمَلُ بِشارَةً، وهو مَقْصِدُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَلى نَحْوِ ذَلِكَ قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: ﴿ "اسْتَقامُوا": ﴾ عَمِلُوا بِنَحْوِ ما قالُوا، وقالَ الرَبِيعُ: أعْرِضُوا عَمّا سِوى اللهِ تَعالى، وقالَ الفَضْلَ: زَهِدُوا في الفانِيَةِ ورَغِبُوا في الباقِيَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلَّما كانَ المَرْءُ أشَدَّ اسْتِعْدادًا، كانَ أسْرَعَ فَوْزًا بِفَضْلِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ أمَنَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ هَمٍّ مُسْتَأْنَفٍ، وتَسْلِيَةٍ تامَّةٍ عن كُلِّ فائِتٍ ماضٍ، وقَدْ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لا تَخافُونَ ما تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلَّفْتُمْ مِن دُنْياكُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ لا تَخافُوا] بِإسْقاطِ الألِفِ، بِمَعْنى: يَقُولُونَ لا تَخافُوا.
<div class="verse-tafsir"
عَطْفُ هذه الجملة له موقع عجيب، فإنه يجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلاً مِمَّن دَعَا إلى الله ﴾ [فصلت: 33] الخ تكملة لها فإن المعطوف عليها تضمنت الثناء على المؤمنين إثر وعيد المشركين وذمِّهم، وهذه الجملة فيها بيان التفاوت بين مرتبة المؤمنين وحال المشركين، فإن الحسنة اسم منقول من الصفة فتلمُّحُ الصفة مقارن له، فالحسنة حالة المؤمنين والسيئة حالة المشركين، فيكون المعنى كمعنى آيات كثيرة من هذا القبيل مثل قوله تعالى: ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء ﴾ [غافر: 58]، فعطف هذه الجملة على التي قبلها على هذا الاعتبار يكون من عطف الجمل التي يجمعها غرض واحد وليس من عطف غرض على غرض.
ويجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه لعلكم تَغلبون ﴾ [فصلت: 26] الواقعة بعد جملة ﴿ وقالوا قلوبنا في أكِنَّة مِمَّا تدعُونَا إليه ﴾ [فصلت: 5] إلى قوله: ﴿ فاعمل إننا عاملون ﴾ [فصلت: 5] فإن ذلك مثير في نفس النبي صلى الله عليه وسلم الضجر من إصرار الكافرين على كفرهم وعدم التأثر بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحق فهو بحال من تضيق طاقة صبره على سفاهة أولئك الكافرين، فأردف الله ما تقدم بما يدفع هذا الضيق عن نفسه بقوله: ﴿ ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السيئة ﴾ الآية.
فالحسنة تعم جميع أفراد جنسها وأُولاها تبادراً إلى الأذهان حسنةُ الدعوة إلى الإسلام لما فيها من جمّ المنافع في الآخرة والدنيا، وتشمل صفة الصفح عن الجفاء الذي يلقَى به المشركون دعوةَ الإسلام لأن الصفح من الإحسان، وفيه ترك ما يثير حميتهم لدينهم ويقرب لين نفوس ذوي النفوس اللينة.
فالعطف على هذا من عطف غرض على غرض، وهو الذي يعبر عنه بعطف القصة على القصة، وهي تمهيد وتوطئة لقوله عقبها ﴿ ادْفَع بالتي هِيَ أحْسَنُ ﴾ الآية.
وقد علمتَ غير مرة أن نفي الاستواء ونحوه بين شيئين يراد به غالباً تفضيل أحدهما على مُقابله بحسب دلالة السياق كقوله تعالى: ﴿ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ﴾ [السجدة: 18].
وقوللِ الأعشى: ما يُجْعَلُ الجُدُّ الضَّنُونُ الذي *** جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِببِ الماطر مِثلَ الفُراتيِّ إذَا مَا طَمَا *** يَقْذِفُ بالبُوصِيِّ والماهرِ فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ولا تستوي الحسنة والسيئة، دون إعادة ﴿ لا ﴾ النافية بعد الواو الثانية كما قال تعالى: ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ [غافر: 58]، فإعادة ﴿ لا ﴾ النافية تأكيد لأختها السابقة.
وأحسن من اعتبار التأكيد أن يكون في الكلام إيجاز حذف مؤذن باحتباك في الكلام، تقديره: وما تسْتوي الحسنة والسيئةُ ولا السيئة والحسنة.
فالمراد بالأول نفي أن تلتحق فضائل الحسنة مساوئ السيئة، والمراد بالثاني نفي أن تلتحق السيئة بشرف الحسنة.
وذلك هو الاستواء في الخصائص، وفي ذلك تأكيد وتقوية لنفي المساواة ليدل على أنه نفي تام بين الجنسين: جنسسِ الحسنة وجنس السيئة لا مبالغة فيه ولا مجازَ، وقد تقدم الكلام على نظيره في سورة فاطر.
وفي التعبير بالحسنة والسيئة دون المُحسن والمسيء إشارة إلى أن كل فريق من هذين قد بلغ الغاية في جنس وصفه من إحسان وإساءة على طريقة الوصف بالمصدر، وليتأتى الانتقال إلى موعظة تهذيب الأخلاق في قوله: ﴿ ادْفَع بالتي هي أحسن ﴾ ، فيشبه أن يكون إيثارُ نفي المساواة بين الحسنة والسيئة توطئةً للانتقال إلى قوله: ﴿ ادْفَعَ بالتي هي أحسن ﴾ .
وقوله: ﴿ ادْفَعَ بالتي هي أحسن ﴾ يجري موقعُه على الوجهين المتقدمين في عطف جملة ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ .
فالجملة على الوجه الأول من وجهي موقع جملة ﴿ ولاَ تَسْتَوي الحسنة ولا السيئة ﴾ تخلص من غرض تفضيل الحسنة على السيئة إلى الأمر بخُلق الدفع بالتي هي أحسن لمناسبةِ أَن ذلك الدفع من آثار تفضيل الحسنة على السيئة إرشاداً من الله لرسوله وأمته بالتخلق بخلق الدفع بالحسنى.
وهي على الوجه الثاني من وجهيْ موقع جملة ﴿ ولاَ تَسْتَوي الحسنة ولا السيئة ﴾ واقعة موقع النتيجة من الدليل والمقصدِ من المقدمة، فمضمونها ناشئ عن مضمون التي قبلها.
وكلا الاعتبارين في الجملة الأولى مقتض أن تكون جملة ﴿ ادفَع بالتي هي أحْسَن ﴾ مفصولة غير معطوفة.
وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك لأن منتهى الكمال البشري خُلُقُه كما قال: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ".
وقالت عائشة لما سئلت عن خلُقه (كان خلقه القرآن) لأنه أفضل الحكماء.
والإحسان كمال ذاتي ولكنه قد يكون تركه محموداً في الحدود ونحوها فذلك معنىً خاص.
والكمال مطلوب لذاته فلا يعدل عنه ما استطاع ما لم يخش فوات كمال أعظم، ولذلك قالت عائشة: «ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلاّ أن تُنتهك حرمات الله فيغضب لله».
وتخلُّقُ الأمة بهذا الخلق مرغوب فيه قال تعالى: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على اللَّه ﴾ [الشورى: 40].
وروى عياض في «الشفاء» وهو مما رواه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله وابنُ جرير في «تفسيره» لما نزل قوله تعالى: ﴿ خذ العفو ﴾ [الأعراف: 199] سألَ النبيءُ صلى الله عليه وسلم جبريلَ عن تأويلها فقال له: حتى أسأل العالِم، فأتاه فقال: «يا محمد إن الله يأمرك أن تَصِل من قطعك وتُعطيَ من حَرمَك وتعفوَ عمن ظلمك».
ومفعول ﴿ ادْفَع ﴾ محذوف دل عليه انحصار المعنى بين السيئة والحسنة، فلما أمر بأن تكون الحسنة مدفوعاً بها تعيّن أن المدفوع هو السيئة، فالتقدير: ادفع السيئة بالتي هي أحسن كقوله تعالى: ﴿ ويدرءون بالحسنة السيئة ﴾ في سورة الرعد (22) وقوله: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيئة ﴾ في سورة المؤمنين (96).
و ﴿ التي هي أحسن ﴾ هي الحسنة، وإنما صيغت بصيغة التفضيل ترغيباً في دفع السيئة بها لأن ذلك يشق على النفس فإن الغضب من سوء المعاملة من طباع النفس وهو يبعث على حب الانتقام من المسيء فلما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجازي السيئة بالحسنة أشير إلى فضل ذلك.
وقد ورد في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم «ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح».
وقد قيل: إن ذلك وصفه في التوراة.
وفرع على هذا الأمر قوله: ﴿ فَإِذَا الذي بَيْنَك وبينه عداوة كأنَّه وليٌّ حَمِيمٌ ﴾ لبيان ما في ذلك الأمر من الصلاح ترويضاً على التخلق بذلك الخُلق الكريم، وهو أن تكون النفس مصدراً للإحسان.
ولما كانت الآثار الصالحة تدل على صلاح مَثَارِها.
وأَمَرَ الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدفع بالتي هي أحسن أردفه بذكر بعض محاسنه وهو أن يصير العدو كالصديق، وحُسن ذلك ظاهر مقبول فلا جرم أن يدل حُسنه على حسن سببه.
ولذكر المُثُل والنتائج عقب الإرشاد شأن ظاهر في تقرير الحقائق وخاصة التي قد لا تقبلها النفوس لأنها شاقة عليها، والعداوة مكروهة والصداقة والولاية مرغوبة، فلما كان الإحسان لمن أساء يدنيه من الصداقة أو يُكسبه إياها كان ذلك من شواهد مصلحة الأمر بالدفع بالتي هي أحسن.
و (إذا) للمفاجأة، وهي كناية عن سرعة ظهور أثر الدفع بالتي هي أحسن في انقلاب العدوّ صديقاً.
وعدل عن ذكر العَدوّ معرفاً بلام الجنس إلى ذكره باسم الموصول ليتأتى تنكير عداوة للنوعية وهو أصل التنكير فيصدق بالعداوة القوية ودونِها، كما أن ظرف ﴿ بَيْنَك وبَيْنَه ﴾ يصدق بالبين القريب والبين البعيد، أعني ملازمة العداوة أو طُرُوَّها.
وهذا تركيب من أعلى طَرَف البلاغة لأنه يجمع أحوال العداوات فيعلم أن الإِحسان ناجع في اقتلاع عداوة المحسَن إليه للمحِسِن على تفاوت مراتب العداوة قوة وضعفاً، وتمكناً وبعداً، ويعلم أنه ينبغي أن يكون الإحسان للعدوّ قوياً بقدر تمكن عداوته ليكون أنجع في اقتلاعها.
ومن الأقوال المشهورة: النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.
والتشبيه في قوله: ﴿ كأنَّه وليُّ حَميمٌ ﴾ ، تشبيه في زوال العداوة ومخالطة شوائب المحبة، فوجه الشبه هو المصافاة والمقاربة وهو معنى متفاوتُ الأحوال، أي مقول على جنسه بالتشكيك على اختلاف تأثر النفس بالإِحسان وتفاوت قوة العداوة قبلَ الإحسان، ولا يبلغ مبلغ المشبَّه به إذ من النادر أن يصير العدوّ وليّاً حميماً، فإنْ صاره فهو لعوارض غير داخلة تحت معنى الإِسراع الذي آذنتْ به (إذا) الفجائية.
والعداوةُ التي بين المشركين وبين النبي صلى الله عليه وسلم عداوة في الدين، فالمعنى: فإذا الذي بينك وبينه عداوة لكفره، فلذلك لا تشمل الآية من آمنوا بعدَ الكفر فزالت عداوتهم للنبيء صلى الله عليه وسلم لأجل إيمانهم كما زالت عداوة عمر رضي الله عنه بعد إسلامه حتى قال يوماً للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنتَ أحب إليّ من نفسي التي بين جنَبيَّ، وكما زالت عداوة هند بنت عتبة زوج أبي سفيان إذ قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم ما كان أهل خِباءٍ أحبُّ إليّ من أن يذلُّوا مِن أهل خبائك واليومَ ما أهلُ خِباء أحبُّ إليَّ من أن يعِزُّوا من أهل خبائك فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم وأيضاً، أي وستزيدِين حباً.
وعن مقاتل: أنه قال: هذه الآية نزلت في أبي سفيان كان عدواً للنبيء صلى الله عليه وسلم في الجاهلية فصار بعد إسلامه ولياً مصافياً.
وهو وإن كان كما قالوا فلا أحسب أن الآية نزلت في ذلك لأنها نزلت في اكتساب المودة بالإِحسان.
والولي: اسم مشتق من الوَلاية بفتح الواو، والولاء، وهو: الحليف والناصر، وهو ضد العدو، وتقدم في غير آية من القرآن.
والحميم: القريب والصديق.
ووجه الجمع بين ﴿ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ أنه جمَع خصلتين كلتاهما لا تجتمع مع العداوة وهما خصلتا الولاية والقرابة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وحَّدُوا اللَّهَ تَعالى.
﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى أنَّ اللَّهَ رَبُّهم وحْدَهُ، وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: اسْتَقامُوا عَلى طاعَتِهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: عَلى إخْلاصِ الدِّينِ والعِلْمِ إلى المَوْتِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا في أفْعالِهِمْ كَما اسْتَقامُوا في أقْوالِهِمْ.
الخامِسُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا سِرًّا كَما اسْتَقامُوا جَهْرًا.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ الِاسْتِقامَةَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ فِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي لِأنَّ التَّكْلِيفَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرٍ بِطاعَةٍ تَبْعَثُ عَلى الرَّغْبَةِ ونَهْيٍ عَنْ مَعْصِيةٍ يَدْعُو إلى الرَّهْبَةِ.
﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ لِلْبَعْثِ، قالَهُ ثابِتٌ ومُقاتِلٌ.
﴿ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا تَخافُوا أمامَكم ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلْفَكم، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا عَلى أوْلادِكم.
وَهَذا قَوْلُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ ﴾ الآيَةَ.
قِيلَ إنَّ بُشْرى المُؤْمِنِ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ: أحَدُها عِنْدَ المَوْتِ، ثُمَّ في القَبْرِ، ثُمَّ بَعْدَ البَعْثِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَحْنُ الحَفَظَةُ لِأعْمالِكم في الدُّنْيا وأوْلِياؤُكم في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: نَحْفَظُكم في الحَياةِ الدُّنْيا ولا نُفارِقُكم في الآخِرَةِ حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الدُّنْيا بِالهِدايَةِ وفي الآخِرَةِ بِالكَرامَةِ.
﴿ وَلَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الخُلُودُ لِأنَّهم كانُوا يَشْتَهُونَ البَقاءَ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: ما يَشْتَهُونَهُ مِنَ النَّعِيمِ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
﴿ وَلَكم فِيها ما تَدَّعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما تَمَنَّوْنَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: ما تَدَّعِي أنَّهُ لَكَ فَهو لَكَ بِحُكْمِ رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ نُزُلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي ثَوابًا.
الثّانِي: يَعْنِي مَنزِلَةً.
الثّالِثُ: يَعْنِي مَنًّا، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: عَطاءً، مَأْخُوذٌ مِن نَزَلَ الضَّيْفُ ووَظائِفَ الجُنْدِ ﴿ مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قالت: المؤذن ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قالت: ركعتان فيما بين الآذان والإِقامة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما أرى هذه الآية نزلت إلا في المؤذنين ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال: هو النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: هو المؤمن عمل صالحاً ودعا إلى الله تعالى.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ﴾ قال: هذا عبد صدق قوله، وعمله، ومولجه، ومخرجه، وسره، وعلانيته، ومشهده، ومغيبه.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال: قول لا إله إلا الله يعني المؤذن ﴿ وعمل صالحاً ﴾ صام وصلى.
وأخرج الخطيب في تاريخه عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال: الأذان ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: الصلاة بين الآذان والاقامة قال الخطيب: قال أبو بكر النقاش رضي الله عنه، قال لي أبو بكر بن أبي داود في تفسيره عشرون ومائة ألف حديث ليس فيه هذا الحديث.
وأخرج سعيد بن منصور عن عاصم بن هبيرة قال: إذا فرغت من اذانك فقل: لا إله إلا الله، والله أكبر، وأنا من المسلمين، ثم قرأ ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن معاوية رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن المؤذنين أطول الناس أعناقاً يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والديلمي عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلال سيد المؤذنين يوم القيامة ولا يتبعه إلا مؤمن، والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «المؤذن يغفر له مد صوته ويصدقه كل رطب ويابس» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه أنه قال لرجل: ما عملك؟
قال: الآذان قال: نعم العمل عملك، يشهد لك كل شيء سمعك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لو أطقت الآذان مع الخليفي لأذنت.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد رضي الله عنه قال: لأن أقوى على الآذان أحب إليّ من أن أحج، أو أعتمر، أو أجاهد.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لو كنت مؤذناً ما باليت أن لا أحج، ولا أغزو.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب رضي الله عنه قال: من أذن كتب له سبعون حسنة، وإن أقام فهو أفضل.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق هشام عن يحيى رضي الله عنه قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو علم الناس ما في الآذان لتجاذبوه قال: وكان يقال: ابتدروا الآذان ولا تبتدروا الإِمامة» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: المؤذن المحتسب أول ما يكسى يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا ﴾ يقولون هذا إذا دخلوا جهنم، فقولهم مستقبل ذكر بلفظ الماضي، ومعنى اللذين أضلانا: كل من أغوانا من الجن والإنس، وقيل: المراد ولد آدم الذي سن القتل وإبليس الذي أمر بالكفر والعصيان، وهذا باطل لأن ولد آدم مؤمن عاصي، وإنما طلب هؤلاء من أضلهم بالكفر ﴿ تَحْتَ أَقْدَامِنَا ﴾ أي في أسفل طبقة من النار ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، استقاموا على قولهم: ربنا الله، فصح إيمانهم ودام توحيدهم وقال عمر بن الخطاب: المعنى استقاموا على الطاعة وترك المعاصي، وقول عمر أكمل وأحوط، وقول أبي بكر أرجح لما روى أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: قد قالها قوم كفروا فمن مات عليها فهو ممن استقام» ، وقال بعض الصوفية: معنى استقاموا أعرضوا عما سوى الله، وهذه حالة الكمال على أن اللفظ لا يقتضيه ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة ﴾ يعني عند الموت ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا ﴾ الضمير للآخرة ﴿ مَا تَدَّعُونَ ﴾ أي ما تطلبون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.
وقرأ يعقوب بالجر.
الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.
الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.
ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.
وقد مر في أوّل "هود".
وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.
والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.
قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.
والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.
والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.
وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.
وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.
فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.
ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.
قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.
ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.
ثم أمر رسوله أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.
ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.
قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.
ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.
ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.
وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.
وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.
ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.
والممنون المقطوع.
وقيل: هو من المنة.
قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.
﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.
قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.
وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.
وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.
ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.
وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.
واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.
وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله عن ذلك.
قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".
قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
وزعم المتكلمون أن الله خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.
واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.
وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله ﴿ إن يسرق فقد ﴾ أي إن يكن يسرق.
وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.
ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.
فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.
قلت: لو لم يكن قوله ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.
وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.
قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.
للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.
ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.
ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.
وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.
ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.
ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.
وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.
والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.
وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.
وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.
قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.
قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.
والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.
وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.
وإما مبهم مميز بما بعده.
يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.
وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.
ثم قال لنبيه ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.
يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.
فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.
فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.
وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.
فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.
فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.
ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟
قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.
قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.
وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.
وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.
وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.
وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.
والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.
وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.
ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.
وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.
ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.
والتركيب يدور على الضم والجمع.
عن ابن عباس أن الله ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.
والأيام النحسات هي التي فسرها الله في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.
واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.
وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.
والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.
والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.
وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.
قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.
قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.
وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.
واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.
على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.
ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.
وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.
والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.
قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.
قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".
وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.
وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.
وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.
وعن النبي : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.
قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.
والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟
وقد مر تمام البحث في "يس".
عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟
فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.
فذكرت ذلك للنبي فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.
وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.
وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.
ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.
والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.
قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ .
روي عن عمر بن الخطاب - - عن رسول الله لما نزلت هذه الآية قال: "أمتي أمتي؛ لأن اليهود قالوا: ربنا الله، ثم قالوا: عزير ابن الله، وأن النصارى قالوا: ربنا الله، ثم قالوا: المسيح ابن الله، وأن أمتي قالوا: ربنا الله، ولم يشركوا به أحداً" ، وكذلك روي عن أبي بكر الصديق - - قال: " ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئاً" فإن ثبت ذلك عن رسول الله وعن أبي بكر - - فهو تفسير الاستقامة التي ذكر، والله أعلم.
وقال بعضهم: أي قالوا ربنا الله، ثم استقاموا في إخلاص العمل له والقيام بذلك.
وقال بعضهم: ثم استقاموا على أداء الفرائض والشرائع والحدود.
وقيل: ثم استقاموا في الطاعات له.
والاستقامة وجوه ثلاثة: أحدها: في الاعتقاد، اعتقدوا ألا يعصوه ويجتنبوا جميع ما يخالف أمره ونهيه.
والثاني: استقاموا في اجتناب جميع ما يخالف ما أعطوا بلسانهم: أنه ربنا الله، وقاموا بوفاء ما أعطوا بلسانهم قولا وفعلا.
والثالث: قاموا في جميع الأعمال مخلصين لله لم يشركوا فيها أحداً لأحد فيها نصيباً من المراءاة غيرها، بل خالصاً لله سالماً، والله أعلم بما أراد بذلك.
وقوله: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك عند قبضهم الأرواح في الدنيا يبشر لهم بما ذكر.
وقال بعضهم: تقول لهم الملائكة يوم القيامة عند معاينتهم الأهوال والأفزاع؛ ليسكن بذلك قلوبهم عند تلك الأهوال والشدائد، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ أي: لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفتم من الأهل والأولاد.
وقيل: لا تخافوا ما تقدمون عليه من الموت وأمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من أهل أو دين.
وقال بعضهم: لا تخافوا من العذاب ولا تحزنوا على فوت ما وعدتم من النعيم؛ فإنها دائمة لا يفوت ولا ينقطع أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ .
على ألسن الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فمن قال: إن البشارة التي ذكر في الدنيا عند قبض الأرواح، فلما ذكر في الخبر عن النبي أنه قال: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" ؛ لأن المؤمن يُرَى له الجنة ويبشر بها في ذلك الوقت؛ فيصير الدنيا له سجناً لما عاين مما هُيِّئ له وجعل له من الثواب، والكافر لما رأى له مكانه في النار أو بشر به صارت له الدنيا جنة؛ وعلى ذلك يخرج قوله - -: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يشبه أن يكون هذا القول من الذين بشروهم بما بشروا يقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وجائز أن يكون ذلك من الله ، وإن كان المذكور على أثر البشارة الملائكة؛ وذلك كقوله - -: ﴿ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ثم إن كان ذلك من الله - وتعالى - فيكون تأويله ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ ﴾ في عصمتكم في الدنيا، وأولى بكم في الآخرة في المعونة، أو نقول: نحن أولى بكم في النصر والتوفيق في الدنيا والجزاء والثواب في الآخرة، والله أعلم.
وإن كان ذلك من أولئك الذين بشروهم يقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا بالصحبة، فكذلك يكون في الآخرة.
وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ ﴾ أي: لكم ما ترغب به أنفسكم وتتوق إليه.
أو لكم فيها ما تتلذذ به أنفسكم وتتنعم بها.
وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ .
قيل: ما تتمنون وتسألون، أو يقول: ما تدعون من الدعوى.
وقوله: ﴿ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ نُزُلاً ﴾ أي: رزقاً من غفور رحيم وهو من الإنزال، وقال بعضهم: ﴿ نُزُلاً ﴾ أي: إنزالا في المنزل من غفور رحيم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .
كأنه يقول: ومن أحسن مذهباً ومسيرة ممن دعا إلى الله، أي: إلى توحيد الله ودينه، أو دعا إلى المعروف والنهي عن المنكر، أي: دعا غيره إلى ذلك وعمل بنفسه، وهذا الحرف يجمع جميع الخيرات والطاعات، فإن كان قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ﴾ على ما ذكرنا من المذاهب والسيرة فكأنه يقول: ومن أحكم وأتقن مذهباً وسيرة ممن ذكر، وإن كان على حقيقة القول فيكون قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ﴾ أي: ومن أصدق قولا ممن قال ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .
أي: اختار الانتساب إلى الإسلام من بين غيره من الأديان والمذاهب، وقد أبى سائر الفرق الانتساب إلى الإسلام سوى أهل الإسلام.
والثاني: انتسب إلى ما خص الله وتعالى تسميتهم به وهو الإسلام؛ كقوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ ، وقال في حق إبراهيم - -: ﴿ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ويكون اسم المؤمن خاصّاً لأهل الحق؛ فإن اليهود والنصارى سلموا أنفسهم مؤمنين، ولا يمتنعون عن إطلاق اسم المؤمن ويمتنعون عن إطلاق اسم المسلم؛ ولهذا يقال: دار الإسلام، ولا يقال: دار الإيمان، وإن كان الإسلام والإيمان واحداً؛ لاختصاص هذا الاسم بهؤلاء، والله أعلم.
أو يقال: إنه اختار النسبة إلى الإسلام، وغيرهم من الناس انتسبوا إلى ما لهم من العز في الدنيا والشرف فيها، وغير ذلك من الأسباب التي كانت لهم في الدنيا.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: هو رسول الله .
وقال بعضهم: هم المؤذنون، وعلى ذلك رويت الأخبار أنها نزلت في المؤذنين.
وقال بعضهم: ذلك في كل مؤمن دعا الخلق إلى طاعة الله وعمل بنفسه، والله أعلم.
وعن الحسن: أنه تلا قوله - -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ قال: هذا صفوة الله، هذا خِيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله ، أجاب في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، قال إنني من المسلمين لربّه، هذا خليفة الله .
<div class="verse-tafsir"
ولا يستوى فعل الحسنات والطاعات التي ترضي الله، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه، ادفع بالخصلة التي هي أحسنُ إساءةَ من أساء إليك من الناس، فإذا الذي بينك وبينه عداوة سابقة -إذا دفعتَ إساءته بالإحسان إليه- قريب شفيق.
<div class="verse-tafsir" id="91.gYWDN"