الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٣٨ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٨ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( فإن استكبروا ) أي : عن إفراد العبادة له وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره ، ( فالذين عند ربك ) يعني الملائكة ، ( يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ) ، كقوله ( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) [ الأنعام : 89 ] .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا سفيان - يعني ابن وكيع - حدثنا أبي ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تسبوا الليل ولا النهار ، ولا الشمس ولا القمر ، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم ، وعذابا لقوم " .
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (38) يقول تعالى ذكره: فإن استكبر يا محمد هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم من مشركي قريش, وتعظموا عن أن يسجدوا لله الذي خلقهم وخلق الشمس والقمر, فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك, ولا يتعظمون عنه, بل يسبحون له, ويصلون ليلا ونهارًا,( وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ) يقول وهم لا يفترون عن عبادتهم, ولا يملون الصلاة له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي.
عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) قال: يعني محمدا, يقول: عبادي, ملائكة صافون يسبحون ولا يستكبرون.
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوايعني الكفار عن السجود للهفَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَمن الملائكةيُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَأي لا يملون عبادته .قال زهير : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
{ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا } عن عبادة الله تعالى، ولم ينقادوا لها، فإنهم لن يضروا الله شيئًا، والله غني عنهم، وله عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ولهذا قال: { فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } يعني: الملائكة المقربين { يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } أي: لا يملون من عبادته، لقوتهم، وشدة الداعي القوي منهم إلى ذلك.
( فإن استكبروا ) عن السجود ، ( فالذين عند ربك ) يعني الملائكة ( يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ) لا يملون ولا يفترون .
«فإن استكبروا» عن السجود لله وحده «فالذين عند ربك» أي فالملائكة «يسبحون» يصلون «له بالليل والنهار وهم لا يسأمون» لا يملون.
فإن استكبر هؤلاء المشركون عن السجود لله، فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك، بل يسبحون له، وينزِّهونه عن كل نقص بالليل والنهار، وهم لا يَفْتُرون عن ذلك، ولا يملون.
ثم بين - سبحانه - أن استكبار الجاهلين عن عبادة الله - تعالى - وحده ، لن ينقص من ملكه شيئا فقال : ( فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بالليل والنهار وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ ) .أى : فإن تكبر هؤلاء الكافرون عن إخلاص العبادة لله - تعالى - فلا تحزن أيها الرسول الكريم - فإن الذين عند ربك من الملائكة .
ينزهونه - تعالى - ويعبدونه عبادة دائمة بالليل والنهار وهم لا يسأمون ولا يملون ، لاستلذاذهم لتلك العبادة والطاعة ، وخوفهم من مخالفة أمره - عز وجل - .فالآية الكريمة تهون من شأن هؤلاء الكافرين ، وتبين أنه - تعالى - فى غنى عنهم وعن عبادتهم؛ لأن عنده من مخلوقاته الكرام من يعبده بالليل والنهار بدون سأم أو كلل .والمراد بالعندية فى قوله - تعالى - ( عِندَ رَبِّكَ ) عندية المكانة والتشريف لا عندية المكان .وقوله ( فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبِّكَ ) تعليل لجواب الشرط المقدر ، أى : فإن استكبروا فدعهم وشأنهم فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ .
يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ).
اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنا ذكرنا أن الكلام من أول هذه السورة إنما ابتدئ حيث قالوا للرسول ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ ومرادهم ألا نقبل قولك ولا نلتفت إلى دليلك، ثم ذكروا طريقة أخرى في السفاهة، فقالوا: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ ﴾ وإنه سبحانه ذكر الأجوبة الشافية، والبيانات الكافية في دفع هذه الشبهات وإزالة هذه الضلالات، ثم إنه سبحانه وتعالى بيّن أن القوم وإن أتوا بهذه الكلمات الفاسدة، إلا أنه يجب عليك تتابع المواظبة على التبليغ والدعوة، فإن الدعوة إلى الدين الحق أكمل الطاعات ورأس العبادات، وعبّر عن هذا المعنى فقال: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صالحا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ المسلمين ﴾ فهذا وجه شريف حسن في نظم آيات هذه السورة.
وفيه وجه آخر وهو أن مراتب السعادات اثنان: التام، وفوق التام، أما التام: فهو أن يكتسب من الصفات الفاضلة ما لأجلها يصير كاملاً في ذاته، فإذا فرغ من هذه الدرجة اشتغل بعدها بتكميل الناقصين وهو فوق التام، إذا عرفت هذا فنقول إن قوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ إشارة إلى المرتبة الأولى، وهي اكتساب الأحوال التي تفيد كمال النفس في جوهرها، فإذا حصل الفراغ من هذه المرتبة وجب الانتقال إلى المرتبة الثانية وهي الاشتغال بتكميل الناقصين، وذلك إنما يكون بدعوة الخلق إلى الدين الحق، وهو المراد من قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله ﴾ فهذا أيضاً وجه حسن في نظم هذه الآيات.
واعلم أن من آتاه الله قريحة قوية ونصاباً وافياً من العلوم الإلهية الكشفية، عرف أنه لا ترتيب أحسن ولا أكمل من ترتيب آيات القرآن.
المسألة الثانية: من الناس من قال المراد من قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله ﴾ هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال هم المؤذنون، ولكن الحق المقطوع به أن كل من دعا إلى الله بطريق من الطرق فهو داخل فيه، والدعوة إلى الله مراتب: فالمرتبة الأولى: دعوة الأنبياء عليهم السلام راجحة على دعوة غيرهم من وجوه: أحدها: أنهم جمعوا بين الدعوة بالحجة أولاً، ثم الدعوة بالسيف ثانياً، وقلما اتفق لغيرهم الجمع بين هذين الطريقين.
وثانيها: أنهم هم المبتدئون بهذه الدعوة، وأما العلماء فإنهم يبنون دعوتهم على دعوة الأنبياء، والشارع في إحداث الأمر الشريف على طريق الابتداء أفضل.
وثالثها: أن نفوسهم أقوى قوة، وأرواحهم أصفى جوهراً، فكانت تأثيراتها في إحياء القلوب الميتة وإشراق الأرواح الكدرة أكمل، فكانت دعوتهم أفضل.
ورابعها: أن النفوس على ثلاثة أقسام: ناقصة وكاملة لا تقوى على تكميل الناقصين وكاملة تقوى على تكميل الناقصين فالقسم الأول: العوام والقسم الثاني: هم الأولياء والقسم الثالث: هم الأنبياء، ولهذا السبب قال صلى الله عليه وسلم: علماء أمتي كأنبياء إسرائيل وإذا عرفت هذا فنقول: إن نفس الأنبياء حصلت لها مزيتان: الكمال في الذات، والتكميل للغير، فكانت قوتهم على الدعوة أقوى، وكانت درجاتهم أفضل وأكمل، إذا عرفت هذا فنقول: الأنبياء عليهم السلام لهم صفتان: العلم والقدرة، أما العلماء، فهم نواب الأنبياء في العلم، وأما الملوك، فهم نواب الأنبياء في القدرة، والعلم يوجب الإستيلاء على الأرواح، والقدرة توجب الاستيلاء على الأجساد، فالعلماء خلفاء الأنبياء في عالم الأرواح، والملوك خلفاء الأنبياء في عالم الأجساد.
وإذا عرفت هذا ظهر أن أكمل الدرجات في الدعوة إلى الله بعد الأنبياء درجة العلماء، ثم العلماء على ثلاثة أقسام: العلماء بالله، والعلماء بصفات الله، والعلماء بأحكام الله.
أما العلماء بالله، فهم الحكماء الذين قال الله تعالى في حقهم ﴿ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ وأما العلماء بصفات الله تعالى فهم أصحاب الأصول، وأما العلماء بأحكام الله فهم الفقهاء، ولكل واحد من هذه المقامات ثلاث درجات لا نهاية لها، فلهذا السبب كان للدعوة إلى الله درجات لا نهاية لها، وأما الملوك فهم أيضاً يدعون إلى دين الله بالسيف، وذلك بوجهين إما بتحصيله عند عدمه مثل المحاربة مع الكفار، وإما بإبقائه عند وجوده وذلك مثل قولنا المرتد يقتل، وأما المؤذنون فهم يدخلون في هذا الباب دخولاً ضعيفاً، أما دخولهم فيه فلأن ذكر كلمات الأذان دعوة إلى الصلاة، فكان ذلك داخلاً تحت الدعاء إلى الله، وأما كون هذه المرتبة ضعيفة فلأن الظاهر من حال المؤذن أنه لا يحيط بمعاني تلك الكلمات وبتقدير أن يكون محيطاً بها إلا أنه لا يريد بذكرها تلك المعاني الشريفة، فهذا هو الكلام، في مراتب الدعوة إلى الله.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله ﴾ يدل على أن الدعوة إلى الله أحسن من كل ما سوها، إذا عرفت هذا فنقول: كل ما كان أحسن الأعمال وجب أن يكون واجباً، لأن كل ما لا يكون واجباً فالواجب أحسن منه، فثبت أن كل ما كان أحسن الأعمال فهو واجب، إذا عرفت هذا فنقول الدعوة إلى الله أحسن الأعمال بمتقضى هذه الآية، وكل ما كان أحسن الأعمال فهو واجب، ثم ينتج أن الدعوة إلى الله واجبة، ثم نقول الأذان دعوة إلى الله والدعوة إليه واجبة فينتج الأذان واجب، واعلم أن الأكثرين من الفقهاء زعموا أن الأذان غير واجب، وزعموا أن الأذان غير داخل في هذه الآية، والدليل القاطع عليه أن لدعوة المرادة بهذه الآية يجب أن تكون أحسن الأقوال، وثبت أن الأذان ليس أحسن الأقوال، لأن الدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى بالدلائل اليقينية أحسن من الأذان، ينتج من الشكل الثاني أن الداخل تحت هذه الآية ليس هو لأذان.
المسألة الرابعة: اختلف الناس في أن الأولى أن يقول الرجل أنا المسلم أو الأولى أن يقول أنا مسلم إن شاء الله، فالقائلون بالقول الأول احتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فإن التقدير ومن أحسن قولاً ممن قال إني من المسلمين، فحكم بأن هذا القول أحسن الأقوال، ولو كان قولنا إن شاء الله معتبراً في كونه أحسن الأقوال لبطل ما دل عليه ظاهر هذه الآية.
المسألة الخامسة: الآية تدل على أن أحسن الأقوال قول من جمع بين خصال ثلاثة أولها: الدعوة إلى الله.
وثانيها: العمل الصالح.
وثالثها: أن يكون من المسلمين، أما الدعوة إلى الله فقد شرحناها وهي عبارة عن الدعوة إلى الله بإقامة الدلائل اليقينية والبراهين القطعية.
وأما قوله: ﴿ وَعَمِلَ صالحا ﴾ فاعلم أن العمل الصالح إما أن يكون عمل القلوب وهو المعرفة، أو عمل الجوارح وهو سائر الطاعات.
وأما قوله: ﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين ﴾ فهو أن ينضم إلى عمل القلب وعمل الجوارح الإقرار باللسان، فيكون هذا الرجل موصوفاً بخصال أربعة أحدها: الإقرار باللسان، والثاني: الأعمال الصالحة بالجوارح والثالث: الاعتقاد الحق بالقلب والرابع: الاشتغال بإقامة الحجة على دين الله، ولا شك أن الموصوف بهذه الخصال الأربعة أشرف الناس وأفضلهم، وكمال الدرجة في هذه المراتب الأربعة ليس إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة ﴾ وعلم أنا بينا أن الكلام من أول السورة ابتدئ من أن الله حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ فأظهروا من أنفسهم الإصرار الشديد على أديانهم القديمة وعدم التأثر بدلائل محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنه تعالى أطنب في الجواب عنه وذكر الوجوه الكثيرة وأردفها بالوعد والوعيد، ثم حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم: ﴿ لا تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ ﴾ وأجاب عنها أيضاً بالوجوه الكثيرة، ثم إنه تعالى بعد الإطناب في الجواب عن تلك الشبهات رغب محمداً صلى الله عليه وسلم في أن لا يترك الدعوة إلى الله فابتدأ أولاً بأن قال: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ فلهم الثواب العظيم ثم ترقى من تلك الدرجة إلى درجة أخرى وهي أن الدعوة إلى الله من أعظم الدرجات، فصار الكلام من أول السورة إلى هذا الموضع واقعاً على أحسن وجوه الترتيب، ثم كأن سائلاً سأل فقال إن الدعوة إلى الله وإن كانت طاعة عظيمة، إلا أن الصبر على سفاهة هؤلاء الكفار شديد لا طاقة لنا به، فعند هذا ذكر الله ما يصلح لأن يكون دافعاً لهذا الإشكال فقال: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة ﴾ والمراد بالحسنة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين الحق، والصبر على جهالة الكفار، وترك الانتقام، وترك الالتفات إليهم، والمراد بالسيئة ما أظهروه من الجلافة في قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ وما ذكروه في قولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ ﴾ فكأنه قال يا محمد فعلك حسنة وفعلهم سيئة، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، بمعنى أنك إذا أتيت بهذه الحسنة تكون مستوجباً للتعظيم في الدنيا والثواب في الآخرة، وهم بالضد من ذلك، فلا ينبغي أن يكون إقدامهم على تلك السيئة مانعاً لك من الاشتغال بهذه الحسنة.
ثم قال: ﴿ ادفع بالتي هِىَ أَحْسَنُ ﴾ يعني ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق الذي هو أحسن الطرق، فإنك إذا صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى، ولم تقابل سفاهتهم بالغضب ولا إضرارهم بالإيذاء والإيحاش استحيوا من تلك الأخلاق المذمومة وتركوا تلك الأفعال القبيحة.
ثم قال: ﴿ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ يعني إذا قابلت إساءتهم بالإحسان، وأفعالهم القبيحة بالأفعال الحسنة تركوا أفعالهم القبيحة وانقلبوا من العداوة إلى المحبة ومن البغضة إلى المودة، ولما أرشد الله تعالى إلى هذا الطريق النافع في الدين والدنيا والآخرة عظمة فقال: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ ﴾ قال الزجاج: أي وما يلقى هذه الفعلة إلا الذين صبروا على تحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ وترك الانتقام.
ثم قال: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ ﴾ من الفضائل النفسانية والدرجة العالية في القوة الروحانية، فإن الاشتغال بالانتقام والدفع لا يحصل إلا بعد تأثر النفس، وتأثر النفس من الواردات الخارجية لا يحصل إلا عند ضعف النفس فأما إذا كانت النفس قوية الجوهر لم تتأثر من الواردات الخارجية، وإذا لم تتأثر منها لم تضعف ولم تتأذ ولم تشتغل بالانتقام، فثبت أن هذه السيرة التي شرحناها لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم من قوة النفس وصفاء الجوهر وطهارة الذات، ويحتمل أن يكون المراد: وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم من ثواب الآخرة، فعلى هذا الوجه قوله: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ ﴾ مدح بفعل الصبر، وقوله: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ ﴾ وعد بأعظم الحظ من الثواب.
ولما ذكر هذا الطريق الكامل في دفع الغضب والانتقام، وفي ترك الخصومة ذكر عقيبه طريقاً آخر عظيم النفع أيضاً في هذا الباب، فقال: ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ﴾ وهذه الآية مع ما فيها من الفوائد الجليلة مفسرة في آخر سورة الأعراف على الاستقصاء، قال صاحب الكشاف النزغ والنسغ بمعنى واحد وهو شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان، كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي وجعل النزغ نازغاً، كما قيل: جد جده أو أُريد ﴿ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ ﴾ نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر، وبالجملة فالمقصود من الآية وإن صرفك الشيطان عما شرعت من الدفع بالتي هي أحسن، فاستعذ بالله من شره، وامض على شأنك ولا تطعه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الضمير في ﴿ خَلَقَهُنَّ ﴾ لليل والنهار والشمس والقمر؛ لأنّ حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث.
يقال: الأقلام بريتها وبريتهنّ: أو لما قال ﴿ وَمِنْ ءاياته ﴾ كن في معنى الآيات، فقيل: خلقهنّ.
فإن قلت: أين موضع السجدة؟
قلت: عند الشافعي رحمه الله تعالى: ﴿ تَعْبُدُونَ ﴾ وهي رواية مسروق عن عبد الله لذكر لفظ السجدة قبلها.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: يسأمون؛ لأنها تمام المعنى، وهي عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب: لعل ناساً منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن هذه الواسطة، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله تعالى خالصاً، إن كانوا إياه يعبدون وكانوا موحدين غير مشركين ﴿ فَإِنِ استكبروا ﴾ ولم يمتثلوا ما أمروا به وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن الله عز سلطانه لا يعدم عابداً ولا ساجداً بالإخلاص وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل والنهار عن الأنداد، وقوله: ﴿ عِندَ رَبِّكَ ﴾ عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة وهم لا يسأمون.
وقرئ: ﴿ لا يسأمون ﴾ بكسر الياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ ﴾ لِأنَّهُما مَخْلُوقانِ مَأْمُورانِ مِثْلَكم.
﴿ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، والمَقْصُودُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِهِما إشْعارًا بِأنَّهُما مِن عِدادِ ما لا يُعْلَمُ ولا يُخْتارُ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ فَإنَّ السُّجُودَ أخَصُّ العِباداتِ وهو مَوْضِعُ السُّجُودِ عِنْدَنا لِاقْتِرانِ الأمْرِ بِهِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ آخِرُ الآيَةِ الأُخْرى لِأنَّهُ تَمامُ المَعْنى.
﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا ﴾ عَنِ الِامْتِثالِ.
﴿ فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ دائِمًا لِقَوْلِهِ: ﴿ وَهم لا يَسْأمُونَ ﴾ أيْ لا يَمَلُّونَ.
<div class="verse-tafsir"
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)
{فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبِّكَ} أي الملائكة {يسبحون له بالليل
والنهار وهم لا يسأمون} لا يملون والمعنى فإن استكبروا ولم يمتثلوا ما أمروا به وأبوا إلا الواسطة وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصاً فدعهم وشانهم فان الله تعالى لا يعدم عابدا وساجدا بالإخلاص وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل والنهار عن الانداد وعند ربك عبارة عن الزافى والمكانة والكرامة وموضع السجدة عندنا لاَ يَسْئَمُونَ وعند الشافعى رحمه الله عند تبعدون والاول احوط
﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا ﴾ تَعاظَمُوا عَنِ اجْتِنابِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ السُّجُودِ لِتِلْكَ المَخْلُوقاتِ وامْتِثالِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِخالِقِهِنَّ فَلا يَعْبَأْ بِهِمْ أوْ فَلا يُخِلُّ ذَلِكَ بِعَظَمَةِ رَبِّكَ ﴿ فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ أيْ في حَضْرَةِ قُدُسِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ هم خَيْرٌ مِنهم ﴿ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ دائِمًا وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم لَيْلٌ ونَهارٌ ﴿ وهم لا يَسْأمُونَ ﴾ لا يَمَلُّونَ ذَلِكَ، وجَوابُ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوْ نَحْوُهُ وما ذُكِرَ قائِمٌ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى مَعْنى الإخْبارِ كَما قِيلَ في نَحْوِ إنْ أكْرَمْتَنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمْتُكَ أمْسِ أنَّهُ عَلى مَعْنى فَأُخْبِرْكَ إنِّي قَدْ أكْرَمْتُكَ أمْسِ.
وقُرِئَ «لا يِسْأمُونَ» بِكَسْرِ الياءِ، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في أُناسٍ مِنَ الكَفَرَةِ كانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ كالصّابِئِينَ في عِبادَتِهِمُ الكَواكِبَ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَقْصِدُونَ بِالسُّجُودِ لَهُما السُّجُودَ لِلَّهِ تَعالى فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الواسِطَةِ وأُمِرُوا أنْ يَقْصِدُوا بِسُجُودِهِمْ وجْهَ اللَّهِ تَعالى خالِصًا.
واسْتَدَلَّ الشَّيْخُ أبُو إسْحاقَ في المُهَذَّبِ بِالآيَةِ عَلى صَلاتَيِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ قالَ: لِأنَّهُ لا صَلاةَ تَتَعَلَّقُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ غَيْرُهُما وأُخِذَ مِن ذَلِكَ تَفْضِيلُهُما عَلى صَلاةِ الِاسْتِسْقاءِ لِكَوْنِهِما في القُرْآنِ بِخِلافِها <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا يعني: قالوا ربنا الله، فعرفوه، واستقاموا على المعرفة.
وقال القتبي: يعني: آمنوا، ثم استقاموا على طاعة الله.
وقال ابن عباس في رواية الكلبي: ثُمَّ اسْتَقامُوا على ما افترض الله عليهم.
وروي عن أبي بكر الصديق أنه قرأ هذه الآية، ثم قال: أتدرون ما استقاموا عليه؟
فقالوا: ما هو يا خليفة رسول الله ؟
قال: «اسْتَقَامُوا، وَلَمْ يُشْرِكُوا» .
وقال عمر بن الخطاب : ثُمَّ اسْتَقامُوا ولم يروغوا روغان الثعلب على طاعة الله.
فقال ابن عباس في رواية القتبي: ثُمَّ اسْتَقامُوا.
وعن أبي العالية أنه قال: ثُمَّ اسْتَقامُوا أي: أخلصوا له الدين، والعمل.
ويقال: وحّدوا الله تعالى، واستقاموا على طاعته، ولزموا سنة نبيه.
وقال بعض المتأخرين: معناه: ثم استقاموا أفعالاً، كما استقاموا أقوالاً.
وقد قيل أيضاً: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا يعني: يقولون الله مانعنا، ومعطينا، وضارنا، ونافعنا، ثُمَّ اسْتَقامُوا على ذلك القول، ولا يرون النفع، ولا يرجون من أحد دون الله تعالى، ولا يخافون أحداً دون الله، فذكر أعمالهم، ثم ذكر ثوابهم.
فقال: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قال الكلبي يعني: تتنزل عليهم الملائكة عند قبض أرواحهم، ويبشرونهم، ويقولون: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا يعني: لا تخافوا ما أمامكم من العذاب.
وَلاَ تَحْزَنُواْ على ما خلفكم من الدنيا.
وقال مقاتل: تتنزل عليهم الملائكة يعني: تتنزل عليهم الحفظة من السماء، يوم القيامة، فتقول له: أتعرفني؟
فيقول: لا.
فيقول: أنا الذي كنت أكتب عملك، وبشره بالجنة، فذلك قوله: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا.
وقال زيد بن أسلم البشرى: في ثلاث مواطن، عند الموت، وفي القبر، وفي البعث.
وقال بعض المتأخرين: هذه البشرى للخائف الحزين، لا للآمن المستبشر.
يعني: الذي كان خائفاً في الدنيا.
ثم قال عز وجل: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: تقول لهم الحفظة، نحن كنا أولياؤكم في الحياة الدنيا، ونحن أولياؤكم، وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ يعني: لكم في الجنة ما تحب، وتتمنى قلوبكم، وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ يعني: تسألون.
ثم قال: نُزُلًا أي: رزقاً مِنْ غَفُورٍ للذنوب العظام، رَحِيمٍ بالمؤمنين.
حكى الزجاج عن الأخفش: نُزُلًا منصوباً من وجهين، أحدهما على المصدر، فمعناه: أنزلناه نزلاً.
ويجوز أن يكون على الحال.
قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً قال بعضهم: الآية نزلت في شأن المؤذنين، يدعون الناس إلى الصلاة.
وَعَمِلَ صالِحاً يعني: صلى بين الأذان، والإقامة.
ويقال: الأنبياء يدعون الخلق إلى توحيد الله تعالى عَمِلَ صالِحاً يعني: الطاعات.
ويقال: العلماء يعلمون الناس أمور دينهم، ويدعونهم إلى طريق الآخرة وَعَمِلَ صالِحاً يعني: عملوا بالعلم.
ويقال: نزلت الآية في الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر.
يعني: يأمرون بالمعروف، ويعملون به، ويصبرون على ما أصابهم.
قوله: وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: أكون على دين الإسلام، لأنه لا تقبل طاعة بغير دين الإسلام.
فقال عز وجل: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ قال الزجاج: لا زائدة، مؤكدة، والمعنى: لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ يعني: لا تستوي الطاعة، والمعصية.
ولا يستوي الكفر، والإيمان.
ويقال: لا يستوي البصير، والأعمى.
ويقال: لا يستوي الصبر، والجزع، واحتمال الأذى، والإساءة.
وذلك أن النبيّ كان يؤذيه أبو جهل لعنة الله عليه، وكان النبيّ يكره رؤيته بُغْضاً له، فأمره الله تعالى بالعفو، والصفح، فقال: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: ادفع بالكلمة الحسنة، الكلمة القبيحة، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ يعني: إذا فعلت ذلك، يصير الذي بينك وبينه عداوة، بمنزلة القرابة في النسب.
قوله تعالى: وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا يعني: الكلمة الحسنة، ودفع السيئة، ما يعطاها إلا الذين صبروا على طاعة الله، وأداء الفرائض، وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ يعني: ذو نصيب وافر في الآخرة.
ويقال: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: بقول لا إله إلا الله السيئة.
يعني: الشرك.
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على كظم الغيظ.
ثم قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ يعني: يصيبك مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ يعني: وسوسة على الاحتمال، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من شره، وامض على احتمالك.
وقال مقاتل: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ يعني: يفتتنك مِنَ الشَّيْطَانِ.
نَزْغٌ أي: فتنة.
وقال الكلبي: الذنب عند دفع السيئة.
ويقال: يَنْزَغَنَّكَ يعني: يغوينك فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ يعني: تعوذ بالله، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ للاستعاذة، الْعَلِيمُ بقول الكفار وعقوبتهم.
<div class="verse-tafsir"
والتدبيراتُ البدنيَّةُ هي الحائلة بَيْنَهَا وبين الملائكة، فإذا زالَتْ تلك العلائِقُ، فقد زَالَ الْغِطَاءُ، واتَّصَلَ الأثر بالمؤثر، والقطرةُ بالبَحْرِ، والشعلةُ بالشمْسِ، انتهى.
ت: وقد نقل الثعلبيُّ من كلام أرباب المعاني هنا كلاماً كثيراً حَسَناً جِدًّا، موقظاً لأربابِ الهِمَمِ، فانظره إنْ شِئْتَ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «إذَا فَنِيَتْ أَيَّامُ الدُّنْيَا عَنْ هَذَا الْعَبْدِ المُؤْمِنِ، بَعَثَ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ مَنْ يَتَوَفَّاهَا، قَالَ: فَقَالَ صَاحِبَاهُ اللَّذَانِ يَحْفَظَانِ عَلَيْهِ عمله: إنّ هذا قد كان لَنَا أَخاً وَصَاحِباً، وَقَدْ حَانَ الْيَوْمَ مِنْهُ فِرَاقٌ، فَأْذَنُوا لَنَا، أَوْ قَالَ: دَعُونَا نُثْنِ على أَخِينَا، فَيُقَالُ: أَثْنِيَا عَلَيْهِ، فَيَقُولاَنِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً، وَرَضِيَ عَنْكَ، وَغَفَرَ لَكَ، وأَدْخَلَكَ الجَنَّةَ فَنِعْمَ الأَخُ كُنْتَ والصَّاحِبُ مَا كَانَ أَيْسَرَ مُؤْنَتَكَ، وَأَحْسَنَ مَعُونَتَكَ على نَفْسِكَ، مَا كَانَتْ خَطَايَاكَ تَمنَعُنَا أَنْ نَصْعَدَ إلى رَبِّنَا، فَنُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، وَنُقَدِّسَ لَهُ، وَنَسْجُدَ لَهُ، وَيَقُولُ الَّذِي يتوفى نَفْسَهُ: اخرج أَيُّهَا الرُّوْحُ الطَّيِّبُ إلى خَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، فَنِعْمَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ، اخرج إلَى الرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَجَنَّاتِ النعيم وربّ عليك غير غضبان، وفنيت أَيَّامُ الدُّنْيَا عَنِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ، بَعَثَ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ مَنْ يَتَوَفَّاهَا، فَيَقُولُ صَاحِبَاهُ اللَّذَانِ كَانَا يَحْفَظَانِ عَلَيْهِ عَمَلَهُ: إنَّ هَذَا قَدْ كَانَ لَنَا صَاحِباً، وَقَدْ حَانَ مِنْهُ فِرَاقٌ/، فَأْذَنُوا لَنَا، وَدَعُونَا نُثْنِ على صَاحِبِنَا، فَيُقَالُ: أَثْنِيَا عَلَيْهِ فَيَقُولاَن: لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ عَلَيْهِ، وَلاَ غَفَرَ لَهُ، وَأَدْخَلَهُ النَّارَ فَبِئْسَ الصَّاحِبُ ما كان أشدّ مؤنته، ونقدّس ما كَانَ يُعِينُ على نَفْسِهِ إنْ كَانَتْ خَطَايَاهُ وَذُنُوبُهُ لَتَمْنَعُنَا أَنْ نَصْعَدَ إلى رَبِّنَا فَنُسَبِّحَ لَهُ، وَنُقَدِّسَ لَهُ، وَنَسْجُدَ لَهُ، وَيَقُولُ الَّذِي يتوفى نَفْسَهُ: اخرج أَيُّهَا الرُّوحُ الخَبِيثُ إلى شَرِّ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، فَبِئْسَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ، اخرج إلَى الحَمِيمِ وَتَصْلِيَةِ الجَحِيمِ وَرَبٍّ عليك غضبان» «١» ، انتهى.
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)
وقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ ...
الآية ابتداء توصية لنبيّه ع، وهو لفظ يَعُمُّ كلَّ مَنْ دعا قديماً وحديثاً إلى اللَّه عزَّ وجلَّ من الأنبياء والمؤمنين، والمعنى: لا أَحَدَ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ هذه حاله، وإلى العموم ذهب الحسن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ المُؤَذِّنُونَ.
رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ في المُؤَذِّنِينَ"،» وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ دَعا إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ أجابَ اللَّهَ إلى ما دَعاهُ، ودَعا النّاسَ إلى ذَلِكَ ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ في إجابَتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: صَلّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الأذانِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ.
ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ ﴾ قالَ: الأذانُ ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ قالَ: الصَّلاةُ بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ.
والثّانِي: أدّى الفَرائِضَ وقامَ لِلَّهِ بِالحُقُوقِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: صامَ وصَلّى، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "لا" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ والمَعْنى: ولا تَسْتَوِي [الحَسَنَةُ] والسَّيِّئَةُ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِما ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ: الإيمانُ، والسَّيِّئَةَ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الحِلْمُ والفُحْشُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: النُّفُورُ والصَّبْرُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ وذَلِكَ كَدَفْعِ الغَضَبِ بِالصَّبْرِ، والإساءَةِ بِالعَفْوِ، فَإذا فَعْلْتَ ذَلِكَ صارَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كالصَّدِيقِ القَرِيبِ.
وقالَ عَطاءٌ: هو السَّلامُ عَلى مَن تُعادِيهِ إذا لَقِيتَهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُلَقّاها ﴾ أيْ: ما يُعْطاها.
قالَ الزَّجّاجُ: ما يُلَقّى هَذِهِ الفَعْلَةَ: وهي دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ ﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ عَلى كَظْمِ الغَيْظِ ﴿ وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ مِنَ الخَيْرِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: إلّا ذُو جَدٍّ.
وقالَ قَتادَةُ: الحَظُّ العَظِيمُ: الجَنَّةُ؛ فالمَعْنى: ما يُلَقّاها إلّا مَن وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [الأعْرافِ: ٢٠٠] .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ نَحْنُ أولِياؤُكم في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ ﴾ ﴿ نُزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ﴿ وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ المُتَكَلِّمُ بِـ"نَحْنُ أولِياؤُكُمْ" هُمُ المَلائِكَةُ القائِلُونَ: "لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا"، أيْ: يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ المَوْتِ وعِنْدَ مُشاهَدَةِ الحَقِّ: نَحْنُ كُنّا أولِياءَكم في الدُنْيا ونَحْنُ هم في الآخِرَةِ، قالَ السَدِّيُّ: المَعْنى: نَحْنُ حَفَظَتُكم في الدُنْيا وأولِياؤُكم في الآخِرَةِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِمْ: ﴿ "فِيها" ﴾ عائِدٌ عَلى الآخِرَةِ، و"تَدَّعُونَ" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ.
و"نُزُلًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: بِإسْكانِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا ﴾ الآيَةُ.
ابْتِداءُ تَوْصِيَةٍ لِمُحَمَّدٍ ، وهو لَفْظٌ يَعُمُّ كُلَّ مَن دَعا قَدِيمًا وحَدِيثًا إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإلى طاعَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومِنَ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: لا أحَدَ أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ هَذِهِ حالُهُ، وإلى العُمُومِ ذَهَبَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ، وجَماعَةٌ، وبَيَّنَ أنَّ حالَةَ مُحَمَّدٍ كانَتْ كَذَلِكَ مُبْرِزَةً، إلى تَخْصِيصِهِ بِالآيَةِ ذَهَبَ السَدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ سَيْرَيْنِ، وقالَ قَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ، وعائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها، وعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُؤَذِّنِينَ، قالَ قَيْسُ: "وَعَمِلَ صالِحًا" هو الصَلاةُ بَيْنَ الآذانِ والإقامَةِ، وذَكَرَ النِقاشُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى القَوْلِ بِأنَّها في المُؤَذِّنِينَ أنَّهم داخِلُونَ فِيها، وأمّا نُزُولُها فَبِمَكَّةَ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ آذانٌ، وإنَّما تَرَتَّبَ بِالمَدِينَةِ، وإنَّ الأذانَ لَمِنَ الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى، ولَكِنَّهُ جُزْءٌ مِنهُ، والدُعاءُ إلى اللهِ بِقُوَّةٍ، كَجِهادِ الكُفّارِ ورَدْعِ الطُغاةِ وكَفِّ الظَلَمَةِ وغَيْرُهُ أعْظَمُ غِناءٍ مِن تَوَلِّي الأذانِ؛ إذْ لا مَشَقَّةَ فِيهِ، والأصْوَبُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عامَّةً، قالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: المَعْنى: مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ تَعالى بِالسَيْفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ" ﴾ بِنُونَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [إنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ] بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ رُفَيْدَةَ: كُنْتُ مُؤَذِّنًا في أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالَ لِي عاصِمُ بْنُ هُبَيْرَةَ: إذا أكْمَلْتَ الآذانَ فَقُلْ: إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
ثُمَّ وعَظَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ونَبَّهَهُ عَلى أحْسَنِ مُخاطَبَةٍ، فَقَرَّرَ أنَّ الحَسَنَةَ والسَيِّئَةَ لا تَسْتَوِي، أيْ: فالحَسَنَةُ أفْضَلُ، وكَرَّرَ "لا" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا السَيِّئَةُ ﴾ تَأْكِيدًا لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: "وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ والسَيِّئَةُ ولا السَيِّئَةُ والحَسَنَةُ"، فَحَذَفَ اخْتِصارًا ودَلَّتْ [لا] عَلى هَذا الحَذْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ آيَةٌ جَمَعَتْ مَكارِمَ الأخْلاقِ وأنْواعَ الحِلْمِ، والمَعْنى: ادْفَعْ أُمُورَكَ وما يُعَرَضُ لَكَ مَعَ الناسِ ومُخالَطَتَكَ لَهم بِالفِعْلَةِ أو بِالسِيرَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الفِعْلاتِ والسِيرِ، فَمِن ذَلِكَ بَذْلُ السَلامِ، وحُسْنُ الأدَبِ، وكَظْمُ الغَيْظِ، والسَماحَةُ في القَضاءِ والِاقْتِضاءِ، وغَيْرُ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا فَعَلَ المُؤْمِنُ هَذِهِ الفَضائِلَ، عَصَمَهُ اللهُ تَعالى مِنَ الشَيْطانِ، وخَضَعَ لَهُ عَدُّوهُ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ وعَطاءُ هَذِهِ الآيَةَ بِالسَلامِ عِنْدَ اللِقاءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّ السَلامَ هو مَبْدَأُ الدَفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وهو جُزْءٌ مِنهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ، فَدَخَّلَ كافَ التَشْبِيهِ؛ لِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ عَداوَةٌ لا يَعُودُ ولِيًّا حَمِيمًا، وإنَّما يَحْسُنُ ظاهِرُهُ، فَيُشَبِّهُ بِذَلِكَ الوَلِيَّ الحَمِيمَ، و"الحَمِيمُ" هو القَرِيبُ الَّذِي يَحْتَمُّ لِلْإنْسانِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يُلَقّاها" ﴾ عائِدٌ عَلى هَذِهِ الخُلُقِ، الَّتِي يَتَضَمَّنُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ: وما يُلَقّى لا إلَهَ إلّا اللهَ، وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ مَدْحٌ بَلِيغٌ لِلصَّبْرِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ لِلْمُتَأمِّلِ؛ لِأنَّ الصَبْرَ لِلطّاعاتِ وعَنِ الشَهَواتِ، جامِعٌ لِخِصالِ الخَيْرِ كُلِّها.
والحَظُّ العَظِيمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ العَقْلِ والفَضْلِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مَدْحًا، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا شَتَمَ أبا بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ ، فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ ساعَةً، ثُمَّ جاشَ بِهِ الغَضَبُ، فَرَدَّ عَلى الرَجُلِ، فَقامَ النَبِيُّ ، فاتَّبَعَهُ أبُو بَكْرٍ وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، قُمْتَ حِينَ انْتَصَرْتُ؟
فَقالَ: إنَّهُ كانَ يَرُدُّ عنكَ مَلَكٌ، فَلَمّا قَرُبْتَ تَنْتَصِرُ، ذَهَبَ المَلَكُ وجاءَ الشَيْطانُ، فَما كُنْتُ لِأُجالِسُهُ،» ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِنَ الجَنَّةِ وثَوابِ الآخِرَةِ، فَتَكُونُ الآيَةُ وعْدًا، وبِالجَنَّةِ فَسَّرَ قتادَةُ "الحَظَّ" هُنا.
<div class="verse-tafsir"
الفاء للتفريع على نهيهم عن السجود للشمس والقمر وأمرِهم بالسجود لله وحده، أي فإن استكبروا أن يتبعوك وصمموا على السجود للشمس والقمر، أو فإن استكبروا عن الاعتراف بدلالة الليل والنهار والشمس والقمر على تفرد الله بالإِلهية (فيعم ضمير ﴿ اسْتَكْبَرُوا ﴾ جميع المشركين) فالله غني عن عبادتهم إياه.
والاستكبار: قوة التكبر، فالسين والتاء للمبالغة وأصل السين والتاء المستعملين للمبالغة هما السين والتاء للحسبان، أي عدوا أنفسهم ذوي كبر شديد من فرط تكبرهم.
وجملة: ﴿ فالذِينَ عِندَ رَبِّكَ ﴾ دليل جواب الشرط.
والتقدير: فإن تكبروا عن السجود لله فهو غني عن سجودهم، لأن له عبيداً أفضل منهم لا يفترون عن التسبيح له بإقبال دون سآمة.
والمراد بالتسبيح: كل ما يدل على تنزيه الله تعالى عما لا يليق به بإثبات أضداد ما لا يليق به، أو نفي ما لا يليق، وذلك بالأقوال قال تعالى: ﴿ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ﴾ [الشورى: 5]، أو بالأعمال قال: ﴿ ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ [النحل: 49 50] وذلك ما يقتضيه قوله: ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ من كون ذلك التسبيح قولاً وعملاً وليس مجرد اعتقاد.
والعِندية في قوله: ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ عندية تشريف وكرامة كقوله في سورة الأعراف (206) ﴿ إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ﴾ وهؤلاء الملائكة هم العامرون للعوالم العليا التي جعلها الله مشرفة بأنها لا يقع فيها إلا الفضيلة فكانت بذلك أشد اختصاصاً به تعالى من أماكنَ غيرها قصداً لتشريفها.
والسآمة: الضجر والملل من الإِعياء.
وذكر الليل والنهار هنا لقصد استيعاب الزمان، أي يسبحون له الزمان كله.
وجملة: ﴿ وَهُمْ لا يَسْأَمُون ﴾ في موضع الحال وهو أوقع من محمل العطف لأن كون الإِخبار عنهم مقيداً بهذه الحال أشد من إظهار عجيب حالهم إذ شأن العمل الدائم أن يسلم منه عامله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ دَعَوْا إلى اللَّهِ، قالَهُ قَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ ومُجاهِدٌ.
﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أداءُ الفَرائِضِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، قالَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
وَرَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ بِلالٌ إذا قامَ يُؤَذِّنُ قالَتِ اليَهُودُ قامَ غُرابٌ - لا قامَ - فَنادى بِالصَّلاةِ، وإذا رَكَعُوا في الصَّلاةِ قاَلُوا قَدْ جَثَوْا - لا جَثَوْا - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بِلالٍ والمُصَلِّينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ المُداراةُ، والسَّيِّئَةَ الغِلْظَةُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: الحَسَنَةُ الصَّبْرُ والسَّيِّئَةُ النُّفُورُ.
الثّالِثُ: الحَسَنَةُ الإيمانُ، والسَّيِّئَةُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: الحَسَنَةُ العَفْوُ والسَّيِّئَةُ الِانْتِصارُ، حَكاهُ ابْنُ عُمَيْرٍ.
الخامِسُ: الحَسَنَةُ الحِلْمُ والسِّيِّئَةُ الفُحْشُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
السّادِسُ: الحَسَنَةُ حُبُّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ والسَّيِّئَةُ بُغْضُهم، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ادْفَعْ بِحِلْمِكَ جَهْلَ مَن يَجْهَلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ادْفَعْ بِالسَّلامَةِ إساءَةَ المُسِيءِ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ادْفَعْ بِالتَّغافُلِ إساءَةَ المُذْنِبِ، والذَّنْبُ مِنَ الأدْنى، والإساءَةُ مِنَ الأعْلى.
﴿ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ قالَهُ عِكْرِمَةُ: الوَلِيُّ الصَّدِيقُ، والحَمِيمُ القَرِيبُ.
وَقِيلَ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ كانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ، فَأمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ والصَّفْحِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يُلَقّى دَفْعَ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الحِلْمِ.
الثّانِي: ما يُلَقّى الجَنَّةَ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الطّاعَةِ.
﴿ وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذُو جَدٍّ عَظِيمٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ذُو نَصِيبٍ [وافِرٍ] مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الحَظَّ العَظِيمَ الجَنَّةُ.
قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما عَظُمَ حَظٌّ قَطُّ دُونَ الجَنَّةِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ ذُو الخُلُقِ الحَسَنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّزْغُ الغَضَبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الوَسْوَسَةُ وحَدِيثُ النَّفْسِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ النَّجِسُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّهُ الفِتْنَةُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ الهَمَزاتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ أيِ اعْتَصِمْ بِاللَّهِ.
﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِاسْتِعاذَتِكَ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِأذِيَّتِكَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الليل والنهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم وعذاباً لقوم» .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لا يسأمون ﴾ قال: لا يملون ولا يفترون قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: من الخوف لا ذي سأمة من عبادة ** ولا مؤمن طول التعبد يجهد وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما كان يسجد بآخر الآيتين من ﴿ حم ﴾ السجدة، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يسجد الأولى منهما.
وأخرج سعيد بن منصور عن أبي إسحاق قال: كان عبدالله رضي الله عنه وأصحابه يسجدون بالآية الأولى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن رجل من بني سليم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد بالآية الأولى.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يسجد بالآية الأولى.
وأخرج البخاري عن عبدة بن حسن البصري رضي الله عنه وله صحبة أنه سجد في الآية الأولى من ﴿ حم ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يسجد في الآية الأخيرة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ ﴾ إن شرطية دخلت عليها ما الزائدة، ونزغ الشيطان: وساوسه وأمره بالسوء ﴿ الذي خَلَقَهُنَّ ﴾ الضمير يعود على الليل والنهار والشمس والقمر، لأن جماعة ما لا يعقل كجماعة المؤنث، أو كالواحدة المؤنثة، وقيل: إنما يعود على الشمس والقمر، وجمعهما لأن الاثنين جمع هذا بعيد ﴿ فالذين عِندَ رَبِّكَ ﴾ الملائكة ﴿ لاَ يَسْأَمُونَ ﴾ أي لا يملون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.
وقرأ يعقوب بالجر.
الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.
الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.
ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.
وقد مر في أوّل "هود".
وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.
والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.
قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.
والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.
والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.
وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.
وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.
فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.
ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.
قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.
ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.
ثم أمر رسوله أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.
ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.
قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.
ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.
ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.
وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.
وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.
ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.
والممنون المقطوع.
وقيل: هو من المنة.
قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.
﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.
قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.
وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.
وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.
ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.
وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.
واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.
وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله عن ذلك.
قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".
قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
وزعم المتكلمون أن الله خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.
واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.
وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله ﴿ إن يسرق فقد ﴾ أي إن يكن يسرق.
وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.
ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.
فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.
قلت: لو لم يكن قوله ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.
وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.
قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.
للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.
ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.
ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.
وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.
ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.
ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.
وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.
والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.
وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.
وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.
قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.
قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.
والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.
وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.
وإما مبهم مميز بما بعده.
يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.
وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.
ثم قال لنبيه ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.
يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.
فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.
فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.
وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.
فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.
فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.
ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟
قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.
قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.
وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.
وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.
وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.
وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.
والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.
وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.
ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.
وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.
ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.
والتركيب يدور على الضم والجمع.
عن ابن عباس أن الله ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.
والأيام النحسات هي التي فسرها الله في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.
واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.
وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.
والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.
والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.
وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.
قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.
قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.
وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.
واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.
على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.
ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.
وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.
والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.
قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.
قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".
وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.
وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.
وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.
وعن النبي : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.
قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.
والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟
وقد مر تمام البحث في "يس".
عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟
فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.
فذكرت ذلك للنبي فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.
وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.
وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.
ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.
والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.
قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ﴾ .
قيل: و"لا" الأخير هاهنا زائدة كأنه قال: ولا تستوي الحسنة والسيئة، وقد يزاد حرف "لا" في الكلام وقد ينقص؛ فعلى ذلك هذا.
ثم جائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ كل واحد منها موصولاً بالآخر، يقول: لا تستوي الحسنة، وجائز أن يكون كل واحد منها مقطوعاً من الآخر على الابتداء، فإن كان أحدهما موصولا بالآخر يقول: لا تستوي الحسنة والسيئة في جلب حب القلوب واللين والعطف لها؛ بل الحسنة تجلب حب القلوب والميل إليها لا السيئة.
﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي: ادفع بالحسنة دون السيئة؛ وهو كقوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ...
﴾ الآية [آل عمران: 159]؛ فعلى ذلك يقول هاهنا أنْ: لا تستوي الحسنة والسيئة في الطاعة والميل وجلب حب القلوب، بل هما مختلفان مفترقان فادفع سيئتهم بالحسنة، والله أعلم.
وجائز أن يكونا جميعاً على الابتداء لا اتصال لأحدهما بالآخر، فإن كان الابتداء فمعناه - والله أعلم -: أنكم تعلمون بعقولكم أن لا استواء بين الحسنة والسيئة ولا بين المحسن والمسيء، وكذا لا استواء بينهما في الحكمة، وقد رأيتم أنهما قد استويا في هذه الدنيا في جميع منافعها ولذاتها، وجمع بينهما في هذه، وفي الحكمة والعقول التفريق بينهما، دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما في الجزاء والثواب فيهما - والله أعلم - وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ ﴾ أي: لا نجعل هذا كهذا في هذه الحياة الدنيا؛ فدل ذلك على أن هناك دارا أخرى فيها يقع ذلك التمييز والتفريق، فعلى ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ .
صرف عامة أهل التأويل ذلك إلى رسول الله وإلى أبي جهل - لعنه الله - أنه أمر رسوله أن يدفع سيئة أبي جهل بالحسنة، لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه لم يذكر أن أبا جهل صار لرسول الله كما ذكر حيث قال: ﴿ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ، بل دامت عداوته إياه إلى أن خرج على رسول الله يوم بدر وأغرى الناس عليه، فرجع ذلك الإغراء إليه فقتل في ذلك اليوم؛ فدل أنه لا وجه لصرف الآية إلى هذا.
ثم يخرج قوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ على وجهين: أحدهما: ادفع سيئتهم في حادث الوقت بحسنة تكون منك إليهم، أي: إذا أحسنت إليهم كفوا هم عن الإساءة إليك في حادث الوقت - والله أعلم - فيكون كقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ ﴾ .
والثاني: أي ادفع سيئتهم بالعفو والصفح عنهم، أي: لا تكافئهم بمساويهم ولكن تجاوز عنهم واصفح، فإذا فعلت ذلك يصير الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، أي: لا يعاد ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ : على أمر الله والقيام بجميع أموره، أو يقول: لا يعطى ولا يؤتى المعاملة التي ذكر ولا يوفق لذلك إلا من عزم على الصبر على ما أمر الله والصبر على ذلك.
وقوله: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ .
يقول: ولا يعطى هذه المعاملة التي ذكر من الدفع بالحسنة والصفح عن المجرم إلا من كان له حظ ونصيب عظيم عند الله ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون الاستعاذة التي ذكر هي مباشرة الأسباب التي بها يدفع نزغ الشيطان ووساوسه، أمره أن يأتي بالأسباب التي يتهيأ له أن يدفع بها نزغاته وغمزاته، وهذا كالاستغفار الذي أمره به، ليس هو أمراً بأن يقولوا: نستغفر الله بألسنتهم، ولكن أَمْرٌ بمباشرة أسباب يقع ويجب لهم المغفرة بها؛ فعلى ذلك الاستعاذة.
والثاني: جائز أن يكون أمره بالاستعاذة إياه أمراً له بسؤال لطف من عند الله يدفع به نزغاته وهمزاته، والله أعلم.
وعلى قول المعتزلة لا يصح الاستعاذة منه؛ لأنهم يقولون: إنه قد أعطى كلاماً به يدفع نزغاته وهمزاته متى لم يبق عنده شيء يملك إعطاءه إياهم من اللطف وغيره، والله الهادي.
<div class="verse-tafsir"
فإن استكبروا وأعرضوا، ولم يسجدوا لله الخالق، فالملائكة الذين هم عند الله يسبِّحونه ويحمدونه سبحانه في الليل والنهار معًا، وهم لا يملُّون من عبادته.
من فوائد الآيات منزلة الاستقامة عند الله عظيمة.
كرامة الله لعباده المؤمنين وتولِّيه شؤونهم وشؤون مَن خلفهم.
مكانة الدعوة إلى الله، وأنها أفضل الأعمال.
الصبر على الإيذاء والدفع بالتي هي أحسن خُلُقان لا غنى للداعي إلى الله عنهما.
<div class="verse-tafsir" id="91.RLgJm"