الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٥٤ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥٤ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ) أي : في شك من قيام الساعة ; ولهذا لا يتفكرون فيه ، ولا يعملون له ، ولا يحذرون منه ، بل هو عندهم هدر لا يعبئون به وهو واقع لا ريب فيه وكائن لا محالة .
قال ابن أبي الدنيا : حدثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثنا خلف بن تميم ، حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد الأنصاري أن عمر بن عبد العزيز صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، فإني لم أجمعكم لأمر أحدثه فيكم ، ولكن فكرت في هذا الأمر الذي أنتم إليه صائرون ، فعلمت أن المصدق بهذا الأمر أحمق ، والمكذب به هالك ثم نزل .
ومعنى قوله ، رضي الله عنه : " أن المصدق به أحمق " أي : لأنه لا يعمل له عمل مثله ، ولا يحذر منه ولا يخاف من هوله ، وهو مع ذلك مصدق به موقن بوقوعه ، وهو مع ذلك يتمادى في لعبه وغفلته وشهواته وذنوبه ، فهو أحمق بهذا الاعتبار ، والأحمق في اللغة : ضعيف العقل .
وقوله : " والمكذب به هالك " هذا واضح ، والله أعلم .
ثم قال تعالى - مقررا على أنه على كل شيء قدير ، وبكل شيء محيط ، وإقامة الساعة لديه يسير سهل عليه تبارك وتعالى - : ( ألا إنه بكل شيء محيط ) أي : المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته ، وتحت طي علمه ، وهو المتصرف فيها كلها بحكمه ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .
[ آخر تفسير سورة فصلت ] .
القول في تأويل قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) يقول تعالى ذكره: ألا إن هؤلاء المكذّبين بآيات الله في شكّ من لقاء ربهم, يعني أنهم في شك من البعث بعد الممات, ومعادهم إلى ربهم.
كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ ) يقول: في شك.
وقوله: ( أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) يقول تعالى ذكره: ألا أن الله بكل شيء مما خلق محيط علما بجميعه, وقدرة عليه, لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته, ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه.
آخر تفسير سورة فصلت
ألا إنهم في مرية أي في شك من لقاء ربهم في الآخرة .
وقال السدي : أي : من البعث .
ألا إنه بكل شيء محيط أي أحاط علمه بكل شيء .
قاله السدي .
وقال الكلبي : أحاطت قدرته بكل شيء .
وقال الخطابي : هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه ، وهو الذي أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا .
وهذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد ، وحقيقته الإحاطة بكل شيء ، واستئصال المحاط به ، وأصله محيط ، نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت .
يقال منه : أحاط يحيط إحاطة وحيطة ، ومن ذلك حائط الدار ، يحوطها أهلها .
وأحاطت الخيل بفلان : إذا أخذ مأخذا حاصرا من كل جهة ، ومنه قوله تعالى : وأحيط بثمره والله أعلم بصواب ذلك .
{ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ } أي: في شك من البعث والقيامة، وليس عندهم دار سوى الدار الدنيا، فلذلك لم يعملوا للآخرة، ولم يلتفتوا لها.
{ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } علما وقدرة وعزة.تم تفسير سورة فصلت-بمنه تعالى-
( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ) في شك من البعث ، ( ألا إنه بكل شيء محيط ) أحاط بكل شيء علما .
«ألا إنهم في مرية» شك «من لقاء ربهم» لإنكارهم البعث «ألا إنه» تعالى «بكل شيء محيط» علماً وقدرة فيجازيهم بكفرهم.
ألا إن هؤلاء الكافرين في شك عظيم من البعث بعد الممات.
ألا إن الله- جلَّ وعلا- بكل شيء محيط علمًا وقدرة وعزةً، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال : ( أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) .أى : ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة ، لإِنكارهم البعث والحساب والجزاء .
.ألا إنه - سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء .وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء ، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك .وبعد : فهذا تفسير لسورة " فصلت " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
واعلم أنه تعالى لما هدد الكفار في الآية المتقدمة بقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ﴾ ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه في يوم القيامة، وكأن سائلاً قال ومتى يكون ذلك اليوم؟
فقال تعالى إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله فقال: ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة ﴾ وهذه الكلمة تفيد الحصر أي لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا الله، وكما أن هذا العلم ليس إلا عند الله فكذلك العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله سبحانه وتعالى، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين أحدهما: قوله: ﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثمرات مّنْ أَكْمَامِهَا ﴾ والثاني: قوله: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ قال أبو عبيدة أكمامها أوعيتها وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها كم وكمة، قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم (من ثمرات) بالألف على الجمع والباقون (من ثمرة) بغير ألف على الواحد.
واعلم أن نظير هذه الآية قوله: ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزّلُ الغيث ﴾ إلى آخر لآية، فإن قيل أليس أن المنجمين قد يتعرفون من طالع سنة العالم أحوالاً كثيرة من أحوال العالم، وكذلك قد يتعرفون من طوالع الناس أشياء من أحوالهم، وهاهنا شيء آخر يسمى علم الرمل وهو كثير الإصابة وأيضاً علم التعبير بالاتفاق قد يدل على أحوال المغيبات، فكيف الجمع بين هذه العلوم المشاهدة وبين هذه الآية؟
قلنا إن أصحاب هذه العلوم لا يمكنهم القطع والجزم في شيء من المطالب ألبتة وإنما الغاية القصوى ادعاء ظن ضعيف والمذكور في هذه الآية أن علمها ليس إلا عند الله والعلم هو الجزم واليقين وبهذ لطريق زالت المنافاة والمعاندة والله أعلم، ثم إنه تعالى لما ذكر القيامة أردفه بشيء من أحوال يوم القيامة، وهذا الذي ذكره هاهنا شديد التعلق أيضاً بما وقع الابتداء به في أول السورة، وذلك لأن أول السورة يدل على أن شدة نفورهم عن استماع القرآن إنما حصلت من أجل أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى التوحيد وإلى البراءة عن الأصنام والأوثان بدليل أنه قال في أول السورة ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ فذكر في خاتمة السورة وعيد القائلين بالشركاء ولأنداد فقال: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى ﴾ أي بحسب زعمكم واعتقادكم ﴿ قَالُواْ آذناك ﴾ قال ابن عباس أسمعناك كقوله تعالى: ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ ﴾ بمعنى سمعت، وقال الكلبي أعلمناك وهذا بعيد، لأن أهل القيامة يعلمون الله ويعلمون أنه يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.
ثم قال: ﴿ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ وفيه وجوه: الأول: ليس أحد منا يشهد بأن لك شريكاً، فالمقصود أنهم في ذلك اليوم يتبرءون من إثبات الشريك لله تعالى الثاني: ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم لا يبصرونها في ساعة التوبيخ الثالث: أن قوله: ﴿ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ كلام الأصنام فإن الله يحييها، ثم إنها تقول ما منا من أحد يشهد بصحة ما أضافوا إلينا من الشركة، وعلى هذا التقدير فمعنى أنها لا تنفعهم فكأنهم ضلوا عنهم.
ثم قال: ﴿ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ ﴾ وهذا ابتداء كلام من الله تعالى يقول إن الكفار ظنوا أولاً ثم أيقنوا أنه لا محيص لهم عن النار والعذاب، ومنهم من قال إنهم ظنوا أولاً أنه لا محيص لهم عن النار ثم أيقنوا ذلك بعده، وهذا بعيد لأن أهل النار يعلمون أن عقابهم دائم، ولما بيّن الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرءوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متبدل الأحوال متغير المنهج، فإن أحس بخير وقدرة انتفخ وتعظم وإن أحسّ ببلاء ومحنة ذبل، كما قيل في المثل: إن هذا كالقرلى، إن رأى خيراً تدلى، وإن رأى شراً تولى، فقال: ﴿ لاَّ يَسْأمُ الإنسان مِن دُعَاء الخير وَإِن مَّسَّهُ الشر فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ يعني أنه في حال الإقبال ومجيء المرادات لا ينتهي قط إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها ويطمع بالفوز بها، وفي حال الإدبار والحرمان يصير آيساً قانطاً، فالانتقال من ذلك الرجاء الذي لا آخر له إلى هذا اليأس الكلي يدل على كونه مبتدل الصفة متغير الحال وفي قوله: ﴿ يئوس قنوط ﴾ مبالغة من وجهين: أحدهما: من طريق بناء فعول والثاني: من طريق التكرير واليأس من صفة القلب، والقنوط أن يظهر آثار ليأس في الوجه والأحوال الظاهرة.
ثم بيّن تعالى أن هذا الذي صار آيساً قانطاً لو عاودته النعمة والدولة، وهو المراد من قوله: ﴿ وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ ﴾ فإن هذا الرجل يأتي بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة والمذاهب الباطلة الموجبة للكفر والبعد عن الله تعالى فأولها أنه لابد وأن يقول هذا لي وفيه وجهان الأول: معناه أن هذا حقي وصل إلي، لأني استوجبته بما حصل عندي من أنواع الفضائل وأعمال البر والقربة من الله ولا يعلم المسكين أن أحداً لا يستحق على الله شيئاً، وذلك لأنه إن كان ذلك الشخص عارياً عن الفضائل، فهذا الكلام ظاهر الفساد وإن كان موصوفاً بشيء من الفضائل والصفات الحميدة، فهي بأسرها إنما حصلت له بفضل الله وإحسانه، وإذ تفضل الله بشيء على بعض عبيده، امتنع أن يصير تفضله عليه بتلك العطية سبباً لأن يستحق على الله شيئاً آخر، فثبت بهذا فساد قوله إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي والوجه الثاني: أن هذا لي أي لا يزول عني ويبقى علي وعلى أولادي وذريتي.
والنوع الثاني: من كلماتهم الفاسدة أن يقول: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ يعني أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النفرة عن الآخرة، فإذا آل الأمر إلى أحوال الدنيا يقول إنها لي وإذا آل الأمر إلى الآخرة يقول: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ .
والنوع الثالث: من كلماتهم الفاسدة أن يقول ﴿ وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى رَبّي إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ يعني أن الغالب على الظن أن القول بالبعث والقيامة باطل، وبتقدير أن يكون حقاً فإن لي عنده للحسنى، وهذه الكلمة تدل على جزمهم بوصولهم إلى الثواب من وجوه: الأول: أن كلمة إن تفيد التأكيد.
الثاني: أن تقديم كلمة لي تدل على هذا التأكيد الثالث: قوله: ﴿ عِندَهُ ﴾ يدل على أن تلك الخيرات حاضرة مهيئة عنده كما تقول لي عند فلان كذا من الدنانير، فإن هذا يفيد كونها حاضرة عنده، فلو قلت إن لي عند فلان كذا من الدنانير لا يفيد ذلك والرابع: اللام في قوله: ﴿ للحسنى ﴾ تفيد التأكيد الخامس: للحسنى يفيد الكمال في الحسنى.
ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال: ﴿ فَلَنُنَبّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ أي نظهر لهم أن الأمر على ضد ما اعتقدوه وعلى عكس ما تصوروه كما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ﴾ ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى ﴾ .
ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ ﴾ عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع، وقد استعير العرض لكثرة الدماء ودوامه وهو من صفات الأجرام ويستعار له الطول أيضاً كما استعير الغلظ لشدة العذاب.
واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد العظيم على الشرك وبين أن المشركين يرجعون عن القول بالشرك في يوم القيامة، ويظهرون من أنفسهم الذلة والخضوع بسبب استيلاء الخوف عليهم، وبين أن الإنسان جبل على التبدل، فإن وجد لنفسه قوة بالغ في التكبر والتعظم، وإن أحسّ بالفتور والضعف بالغ في إظهار الذلة والمسكنة ذكر عقيبة كلاماً آخر يوجب على هؤلاء الكفار أن لا يبالغوا في إظهار النفرة من قبول التوحيد، وأن لا يفرطوا في إظهار العداوة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ وتقرير هذا الكلام أنكم كلما سمعتم هذا القرآن أعرضتم عنه وما تأملتم فيه وبالغتم في النفرة عنه حتى قلتم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ ثم من المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلاً علماً بديهياً، وليس العلم بفساد القول بالتوحيد والنبوة علماً بديهياً، فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وأن يكون فاسداً بتقدير أن يكون صحيحاً كان إصراركم على دفعه من أعظم موجبات العقاب، فهذا الطريق يوجب عليكم أن تتركوا هذه الثغرة، وأن ترجعوا إلى النظرة والاستدلال فإن دل الدليل على صحته قبلتموه، وإن دل على فساده تركتموه، فأما قبل الدليل فالإصرار على الدفع والإعراض بعيد عن العقل، وقوله: ﴿ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ موضوع موضع منكم بياناً بحالهم وصفاتهم، ولما ذكر هذه الوجوه الكثيرة في تقرير التوحيد والنبوة، وأجاب عن شبهات المشركين وتمويهات الضالين قال: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق ﴾ قال الواحدي واحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض، وكذلك آفاق السماء ونواحيها وأطرافها، وفي تفسير قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِي أَنفُسِهِمْ ﴾ قولان الأول: أن المراد بآيات الآفاق الآيات الفلكية والكوكبية وآيات الليل والنهار وآيات الأضواء والإضلال والظلمات وآيات عالم العناصر الأربعة وآيات المواليد الثلاثة، وقد أكثر الله منها في القرآن، وقوله: ﴿ وَفِي أَنفُسِهِمْ ﴾ المراد منها الدلائل المأخوذة من كيفية تكون الأجنة في ظلمات الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة، كما قال تعالى: ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ يعني نريهم من هذه الدلائل مرة بعد أخرى إلى أن تزول الشبهات عن قلوبهم ويحصل فيها الجزم والقطع بوجود الإله القادر الحكيم العليم المنزّه عن المثل والضد، فإن قيل هذا الوجه ضعيف لأن قوله تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد كان الله أطلعهم عليها قبل ذلك فثبت أنه تعذر حمل هذا اللفظ على هذا الوجه، قلنا إن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب التي أودعها الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، فهو تعالى يطلعهم على تلك العجائب زماناً فزماناً، ومثاله كل أحد رأى بعينه بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب التي أبدعها الله في تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها فكلما ازداد وقوفاً على تلك العجائب والغرائب فصح بهذا الطريق قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ ﴾ والقول الثاني: أن المراد بآيات الآفاق فتح البلاد المحيطة بمكة وبآيات أنفسهم فتح مكة والقائلون بهذا القول رجّحوه على القول الأول لأجل أن قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ يليق بهذا الوجه ولا يليق بالأول إلا أنا أجبنا عنه بأن قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ لائق بالوجه الأول كما قررناه، فإن قيل حمل الآية على هذا الوجه بعيد لأن أقصى ما في الباب أن محمداً صلى الله عليه وسلم استولى على بعض البلاد المحيطة بمكة، ثم استولى على مكة، إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقاً، فإنا نرى أن الكفار قد يحصل لهم استيلاء على بلاد الإسلام وعلى ملوكهم، وذلك لا يدل على كونهم محقين، ولهذا السبب قلنا إن حمل الآية على الوجه الأول أولى، ثم نقول إن أردنا تصحيح هذا الوجه، قلنا إنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد صلى الله عليه وسلم على تلك البلاد على كونه محقاً في ادعاء النبوة، بل نستدل به من حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن مكة أنه يستولي عليها ويقهر أهلها ويصير أصحابه قاهرين للأعداء، فهذا إخبار عن الغيب وقد وقع مخبره مطابقاً لخبره، فيكون هذا إخباراً صدقاً عن الغيب، والإخبار عن الغيب معجزة، فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقاً.
ثم قال: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ ﴾ وقوله: ﴿ بِرَبّكَ ﴾ في موضع الرفع على أنه فاعل ﴿ يَكُفَّ ﴾ و ﴿ أنه على كل شيء شهيد ﴾ بدل منه، وتقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد، ومعنى كونه تعالى شهيداً على الأشياء أنه خلق الدلائل عليها، وقد اسقضينا ذلك في تفسير قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله ﴾ والمعنى ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحها الله تعالى وقررها في هذه السورة وفي كل سور القرآن الدالة على التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة.
ثم ختم السورة بقوله: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ ﴾ أي إن القوم في شك عظيم وشبهة شديدة من البعث والقيامة، وقرئ ﴿ فِى مِرْيَةٍ ﴾ بالضم.
ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ ﴾ أي عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها فيعلم بواطن هؤلاء الكفار وظواهرهم، ويجازي كل أحد على فعله بحسب ما يليق به إن خيراً فخير، وإن شراً فشر فإن قيل قوله: ﴿ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ ﴾ يقتضي أن تكون علومه متناهية، قلنا قوله: ﴿ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ ﴾ يقتضي أن يكون علمه محيطاً بكل شيء من الأشياء فهذا يقتضي كون كل واحد منها متناهياً، لا كون مجموعها متناهياً، والله أعلم بالصواب.
تم تفسير هذه السورة وقت ظهر الرابع من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد لله رب العالمين وصلاته على خاتم النبيين محمد وآله وصحبه وسلم.
﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الأفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ ﴾ يعني ما يسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده ونصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموماً وفي باحة العرب خصوصاً: من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة، وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعافهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أموراً خارجة من المعهود خارقة للعادات؛ ونشر دعوة الإسلام في أقطار المعمورة، وبسط دولته في أقاصيها، والاستقراء يطلعك في التواريخ والكتب المدوّنة في مشاهد أهله وأيامهم: على عجائب لا ترى وقعة من وقائعهم إلا علما من أعلام الله وآية من آياته، يقوى معها اليقين، ويزداد بها الإيمان، ويتبين أن دين الإسلام هو دين الحق الذي لا يحيد عنه إلا مكابر حسه مغالط نفسه؛ وما الثبات والاستقامة إلا صفة الحق والصدق، كما أن الاضطراب والتزلزل صفة الفرية والزور؛ وأن للباطل ريحاً تخفق ثم تسكن، ودولة تظهر ثم تضمحل ﴿ بِرَبّكَ ﴾ في موضع الرفع على أنه فاعل كفى.
و ﴿ أَنَّهُ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ ﴾ بدل منه، تقديره.
أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد.
ومعناه: أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد، أي: مطلع مهيمن يستوي عنده غيبه وشهادته، فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حق وأنه من عنده، ولو لم يكن كذلك لما قوى هذه القوة ولما نصر حاملوه هذه النصرة.
وقرئ ﴿ في مرية ﴾ بالضم وهي الشك ﴿ مُحِيطٌ ﴾ عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها، فلا تخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات» .
﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ ﴾ يَعْنِي ما أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ مِنَ الحَوادِثِ الآتِيَةِ وآثارِ النَّوازِلِ الماضِيَةِ، وما يَسَّرَ اللَّهُ لَهُ ولِخُلَفائِهِ مِنَ الفُتُوحِ والظُّهُورِ عَلى مَمالِكِ الشَّرْقِ والغَرْبِ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ.
﴿ وَفِي أنْفُسِهِمْ ﴾ ما ظَهَرَ فِيما بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وما حَلَّ بِهِمْ، أوْ ما في بَدَنِ الإنْسانِ مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ.
﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أوِ الرَّسُولِ أوِ التَّوْحِيدِ أوِ اللَّهِ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أيْ أوْ لَمْ يَكْفِ رَبَّكَ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ لَمْ تَحْصُلُ الكِفايَةُ بِهِ ولا تَكادُ تُزادُ في الفاعِلِ إلّا مَعَ كَفى.
﴿ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، والمَعْنى أوْ لَمْ يَكْفِكَ أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ مُحَقِّقٌ لَهُ فَيُحَقِّقُ أمْرَكَ بِإظْهارِ الآياتِ المَوْعُودَةِ كَما حَقَّقَ سائِرَ الأشْياءِ المَوْعُودَةِ، أوْ مُطَّلِعٌ فَيَعْلَمُ حالَكَ وحالَهُمْ، أوْ أوَلَمْ يَكْفِ الإنْسانَ رادِعًا عَنِ المَعاصِي أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
﴿ ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ ﴾ شَكٍّ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ كَخِفْيَةٍ وخُفْيَةٍ.
﴿ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ﴾ بِالبَعْثِ والجَزاءِ.
﴿ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ عالِمٌ بِجُمَلِ الأشْياءِ وتَفاصِيلِها، مُقْتَدِرٌ عَلَيْها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنها.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ السَّجْدَةِ أعْطاهُ اللَّهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَناتٍ».»
{أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ} شك {مِّن لّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطُ} عالم يحمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها فلا تخفى عليه خافية فيجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم
سورة شوى مكية وهى ثلاث وخمسون اية
بسم الله الرحمن الرحيم
قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ في شَكٍّ عَظِيمٍ مِن ذَلِكَ بِالبَعْثِ لِاسْتِبْعادِهِمْ إعادَةَ اَلْمَوْتى بَعْدَ تَبَدُّدِ أجْزائِهِمْ وتَفَرُّقِ أعْضائِهِمْ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى أدِلَّةِ ما يَنْفَعُهم عِنْدَ لِقائِهِ تَعالى كَحَقِّيَةِ اَلْقُرْآنِ لِأنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ عَدَمَ اَلْكِفايَةِ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ لِبَيانِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ اَلْمِرْيَةِ بِناءً عَلى أنَّ اَلْمَعْنى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ اَلْأشْياءِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا خافِيَةٌ مِنهم فَيُجازِيهِمْ جَلَّ جَلالُهُ عَلى كُفْرِهِمْ ومِرْيَتِهِمْ لا مَحالَةَ.
وقِيلَ: دَفَعَ لِمِرْيَتِهِمْ وشَكِّهِمْ في اَلْبَعْثِ وإعادَةِ ما تَفَرَّقَ واخْتَلَطَ مِمّا يَتَوَهَّمُونَ عَدَمَ إمْكانِ تَمْيِيزِهِ أيْ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجُمَلِ اَلْأشْياءِ وتَفاصِيلِها مُقْتَدِرٌ عَلَيْها لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنها فَهو سُبْحانَهُ يَعْلَمُ اَلْأجْزاءَ ويَقْدِرُ عَلى اَلْبَعْثِ.
هَذا وما ذَكَرَ في تَفْسِيرِ ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ ﴾ في مَعْنى ما رُوِيَ عَنِ اَلْحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وأبِي اَلْمُنْهالِ وجَماعَةٍ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ إلَخْ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ بِما يَفْتَحُهُ اَللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اَلْأقْطارِ حَوْلَ مَكَّةَ وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اَلْأرْضِ كَخَيْبَرَ وأرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”في أنْفُسِهِمْ“ فَتْحَ مَكَّةَ، وقالَ اَلضَّحّاكُ وقَتادَةُ: في اَلْآفاقِ ما أصابَ اَلْأُمَمَ اَلْمُكَذِّبَةَ في أقْطارِ اَلْأرْضِ قَدِيمًا وفي أنْفُسِهِمْ ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّ في ذَلِكَ دَلالَةً عَلى نُصْرَةِ مَن جاءَ بِالحَقِّ وكُذِّبَ مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ فَيَدُلُّ عَلى حَقِّيَةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما جاءَ بِهِ مِنَ اَلْقُرْآنِ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ يَأْبى كَوْنَ ما في اَلْآفاقِ ما أصابَ اَلْأُمَمَ اَلْمُكَذِّبَةَ لِكَوْنِهِ مَرْئِيًّا لَهم قَبْلُ.
وقالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ مَعْنى ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ ﴾ أيْ أقْطارِ اَلسَّماءِ والأرْضِ مِنَ اَلشَّمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ اَلْكَواكِبِ والرِّياحِ والجِبالِ اَلشّامِخَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ وفي أنْفُسِهِمْ مِن لَطِيفِ اَلصَّنْعَةِ وبَدِيعِ اَلْحِكْمَةِ، وضَعَّفَ ذَلِكَ اَلْإمامُ بِنَحْوِ ما سَمِعْتَ آنِفًا.
وأُجِيبَ بِأنَّ اَلْقَوْمَ وإنْ كانُوا قَدْ رَأوْا تِلْكَ اَلْآياتِ إلّا أنَّ اَلْعَجائِبَ اَلَّتِي أوْدَعَها اَللَّهُ تَعالى فِيها مِمّا لا نِهايَةَ لَها فَهو سُبْحانَهُ يُطْلِعُهم عَلَيْها زَمانًا قَرِيبًا حالًا فَحالًا فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يُشاهِدُ بِنْيَةَ اَلْإنْسانِ إلّا أنَّ اَلْعَجائِبَ اَلْمُودَعَةَ في تَرْكِيبِها لا تُحْصى وأكْثَرُ اَلنّاسِ غافِلُونَ عَنْها فَمَن حَمَلَ عَلى اَلتَّفْكِيرِ فِيها بِالقَوارِعِ اَلتَّنْزِيلِيَّةِ والتَّنْبِيهاتِ اَلْإلَهِيَّةِ كُلَّما اِزْدادَ تَفَكُّرًا اِزْدادَ وُقُوفًا فَصَحَّ مَعْنى اَلِاسْتِقْبالِ.
واخْتارَ ذَلِكَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وبَيَّنَ وجْهَ مُناسَبَةِ اَلْآياتِ لِما قَبْلَها عَلَيْهِ، وجَعَلَ ضَمِيرَ ﴿ أنَّهُ الحَقُّ ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ: إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ إشْعارًا بِأنَّ كَوْنَهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ يُنافِي اَلْكُفْرَ بِهِ وأنَّهم مُسَلِّمُونَ ذَلِكَ لَكِنْ يَطْعَنُونَ في كَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ ولِذا جَعَلَ نَحْوَ ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ في جَوابِ قَوْلِهِمْ ﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ أنَّهُ إعْراضٌ عَنْ كَوْنِهِ مُنْزَلًا وجَوابٌ بِأنَّهُ أساطِيرُ لا مُنْزَلٌ فَأُرِيدَ أنْ يُبَيِّنَ إثْباتَ كَوْنِهِ حَقًّا مِن عِنْدِهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ اَلْكِنايَةِ لِيَكُونَ أوْصَلَ إلى اَلْغَرَضِ ويُناسِبَ ما بُنِيَ عَلَيْهِ اَلْكَلامُ مِن سُلُوكِ طَرِيقِ اَلْإنْصافِ فَقِيلَ: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ أيْ سَيُرِي اَللَّهُ تَعالى، والِالتِفاتُ لِلدَّلالَةِ عَلى زِيادَةِ اَلِاخْتِصاصِ وتَحْقِيقِ ثُبُوتِ اَلْإراءَةِ ثُمَّ قِيلَ: ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ ﴾ أيْ أنَّ اَللَّهَ جَلَّ جَلالُهُ هو اَلْحَقُّ مِن كُلِّ وجْهٍ ذاتًا وصِفَةً وقَوْلًا وفِعْلًا وما سِواهُ باطِلٌ مِن كُلِّ وجْهٍ لا حَقَّ إلّا هو سُبْحانَهُ وإذا تَبَيَّنَ لَهم حَقِّيَّتَهُ عَزَّ شَأْنُهُ مِن كُلِّ وجْهٍ يَلْزَمُ ثُبُوتُ اَلْقُرْآنِ وكَوْنُهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ قِيلَ: أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أيْ أوَلَمْ يَكْفِكَ شُهُودُهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَمِنهُ سُبْحانَهُ تَشْهَدُ كُلَّ شَيْءٍ لا مِن آياتِ اَلْآفاقِ والأنْفُسِ تَشْهَدُهُ تَعالى فالأوَّلُ اِسْتِدْلالٌ بِالأثَرِ عَلى اَلْمُؤَثِّرِ والثّانِي مِنَ اَلْمُؤَثِّرِ عَلى اَلْأثَرِ وهَذا هو اَللَّمِّي اَلْعَيْنِيُّ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِرَبِّكَ ﴾ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإيثارِهِ عَلى أوَلَمْ يَكْفِ بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعَهُ مِن كُلِّ اَلْعارِفِينَ هُمُ اَلَّذِينَ يَكْفِيهِمْ شُهُودُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ دَلِيلًا وأنَّ ذَلِكَ لَهم نَفْسُ عِنايَتِهِ تَعالى وتَرْبِيَتِهِ مِن دُونِ مَدْخَلٍ لِتَعَلُّمِهِمْ فِيهِ بِخِلافِ اَلْأوَّلِ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ﴾ فَلِهَذا لا يَكْفِيهِمْ أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ لِأنَّهُ لا شُهُودَ لَهم لِيَشْهَدُوا شُهُودَهُ تَعالى فَهو شامِلٌ لِفَرِيقَيِ اَلْأبْرارِ والكُفّارِ، أمّا اَلْكُفّارُ فَلِأنَّهم في شَكٍّ في اَلْأصْلِ، وأمّا اَلْأبْرارُ فَلِأنَّهم في شَكٍّ مِنَ اَلشُّهُودِ أيْ لا عِلْمَ لَهم بِهِ إلّا إيمانًا مُتَمَحِّضًا عَنِ اَلتَّقْلِيدِ.
وإطْلاقُ اَلْمِرْيَةِ لِلتَّغْلِيبِ ولا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِهِ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ تَتْمِيمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ ﴾ لِأنَّ مَن أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً لَمْ يَتَخَلَّفْ شَيْءٌ عَنْ شُهُودِهِ فَمَن شَهِدَهُ شَهِدَ كُلَّ شَيْءٍ فَهَذا هو اَلْوَجْهُ في تَعْمِيمِ اَلْآياتِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ لَها بِالفُتُوحِ وهو أنْسَبُ مِن قَوْلِ اَلْحَسَنِ.
ومُجاهِدٍ وأجْرى عَلى قَواعِدِ اَلصُّوفِيَّةِ وعُلَماءِ اَلْأُصُولِ رَحْمَةُ اَللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ اِنْتَهى، وقَدِ ابْعَدَ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ اَلْمَغْزى وتَكَلَّفَ ما تَكَلَّفَ، ونَقَلَ اَلْعارِفُ اَلْجامِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في نَفَحاتِهِ عَنِ اَلْقاشانِيِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى وحْدَةِ اَلْوُجُودِ، وقَدْ رَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِ اَلْقَوْمِ اَلِاسْتِدْلالَ بِهِ عَلى ذَلِكَ وجَعْلَ ضَمِيرِ ﴿ أنَّهُ الحَقُّ ﴾ إلى اَلْمَرْئِيِّ وتَفْسِيرَ ﴿ الحَقُّ ﴾ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِن هَذا ونَحْوِهِ قالَ اَلشَّيْخُ اَلْأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: سُبْحانَ مَن أظْهَرَ اَلْأشْياءَ وهو عَيْنُها وهَذِهِ اَلْوَحْدَةُ هي اَلَّتِي حارَتْ فِيها اَلْأفْهامُ وخَرَجَتْ لِعَدَمِ تَحْقِيقِ أمْرِها رِقابٌ مِن رِبْقَةِ اَلْإسْلامِ، ولِلشَّيْخِ إبْراهِيمَ اَلْكُورانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ اَلنُّورانِيُّ عِدَّةُ رَسائِلَ في تَحْقِيقِ اَلْحَقِّ فِيها وتَشْيِيدِ مَبانِيها نَسْألُ اَللَّهَ تَعالى أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِصَحِيحِ اَلشُّهُودِ ويَحْفَظَنا بِجُودِهِ عَمّا عَلِقَ بِأذْهانِ اَلْمَلاحِدَةِ مِن وحْدَةِ اَلْوُجُودِ، وقُرِئَ (إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ عَلى إضْمارِ اَلْقَوْلِ، وقَرَأ اَلسِّلْمِيُّ.
والحَسَنُ (فِي مُرْيَةٍ) بِضَمِّ اَلْمِيمِ وهي لُغَةٌ فِيها كالكَسْرِ ونَحْوُها خُفْيَةً بِضَمِّ اَلْخاءِ وكَسْرِها والكَسْرُ أشْهَرُ لِمُناسَبَةِ اَلْياءِ.
* * * ومِن كَلِماتِ اَلْقَوْمِ في اَلْآياتِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أجْرَ اَلْمُؤْمِنِ اَلْغَيْرِ اَلْعامِلِ مَمْنُونٌ أيْ مَنقُوصٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْرِ اَلْمُؤْمِنِ اَلْعامِلِ وأجْرُ هَذا اَلْعامِلِ عَلى اَلْأعْمالِ اَلْبَدَنِيَّةِ كالصَّلاةِ والحَجِّ اَلْجَنَّةُ، وعَلى اَلْأعْمالِ اَلْقَلْبِيَّةِ كالرِّضا والتَّوَكُّلِ اَلشَّوْقُ والمَحَبَّةُ وصِدْقُ اَلطَّلَبِ، وعَلى اَلْأعْمالِ اَلرُّوحانِيَّةِ كالتَّوَجُّهِ إلى اَللَّهِ تَعالى كَشْفُ اَلْأسْرارِ وشُهُودُ اَلْمَعانِي والِاسْتِئْناسُ بِاَللَّهِ تَعالى والِاسْتِيحاشُ مِنَ اَلْخَلْقِ والكَراماتُ، وعَلى أعْمالِ اَلْأسْرارِ كالإعْراضِ عَنِ اَلسِّوى بِالكُلِّيَّةِ دَوامُ اَلتَّجَلِّي ﴿ قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ ﴾ أيْ أرْضَ اَلْبَشَرِيَّةِ ﴿ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ يَوْمَيِ اَلْهَوى والطَّبِيعَةِ ﴿ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ﴾ مِنَ اَلْهَوى والطَّبِيعَةِ ﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ اَلْعُقُولَ اَلْإنْسانِيَّةَ ﴿ وبارَكَ فِيها ﴾ بِالحَواسِّ اَلْخَمْسِ ﴿ وقَدَّرَ فِيها ﴾ أقْواتَها مِنَ اَلْقُوى اَلْبَشَرِيَّةِ ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ سَماءِ اَلْقَلْبِ ﴿ وهِيَ دُخانٌ ﴾ هَيُولى إلَهِيَّةٌ ﴿ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ هي اَلْأطْوارُ اَلسَّبْعَةُ لِلْقَلْبِ فالأوَّلُ مَحَلُّ اَلْوَسْوَسَةِ والثّانِي مَظْهَرُ اَلْهَواجِسِ والثّالِثُ مَعْدِنُ اَلرُّؤْيَةِ ويُسَمّى اَلْفُؤادَ والرّابِعُ مَنبَعُ اَلْحِكْمَةِ ويُسَمّى اَلْقَلْبَ والخامِسُ مِرْآةُ اَلْغَيْبِ ويُسَمّى اَلسُّوَيْداءَ والسّادِسُ مَثْوى اَلْمَحَبَّةِ ويُسَمّى اَلشَّغافَ والسّابِعُ مَوْرِدُ اَلتَّجَلِّي ومَرْكَزُ اَلْأسْرارِ ومَهْبِطُ اَلْأنْوارِ ويُسَمّى اَلْحَبَّةَ ﴿ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ يَوْمَيِ اَلرُّوحِ اَلْإنْسانِيِّ والإلْهامِ ﴿ وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ﴾ وهي أنْوارُ اَلْأذْكارِ والطّاعاتِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ﴾ يَوْمَ خُوطِبُوا بِألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟
﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ عَلى إقْرارِهِمْ لَمّا خَرَجُوا إلى عالَمِ اَلصُّوَرِ ولَمْ يَنْحَرِفُوا عَنْ ذَلِكَ كالمُنافِقِينَ والكافِرِينَ، وذَلِكَ أنَّ اَلِاسْتِقامَةَ مُتَفاوِتَةٌ فاسْتِقامَةُ اَلْعَوامِّ في اَلظّاهِرِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي وفي اَلْباطِنِ بِالإيمانِ واسْتِقامَةُ اَلْخَواصِّ في اَلظّاهِرِ بِالرَّغْبَةِ عَنِ اَلدُّنْيا وفي اَلْباطِنِ بِالرَّغْبَةِ عَنِ اَلْجِنانِ شَوْقًا إلى اَلرَّحْمَنِ واسْتِقامَةُ خَواصِّ اَلْخَواصِّ في اَلظّاهِرِ بِرِعايَةِ حُقُوقِ اَلْمُبايَعَةِ بِتَسْلِيمِ اَلنَّفْسِ والمالِ وفي اَلْباطِنِ بِالفَناءِ والبَقاءِ ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ﴾ تَنَزُّلًا مُتَفاوِتًا حَسْبَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ، وعَنْ بَعْضِ أئِمَّةِ أهْلِ اَلْبَيْتِ أنَّ اَلْمَلائِكَةَ لَتُزاحُمِنا بِالرَّكْبِ أوْ ما هَذا مَعْناهُ ﴿ وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ هي أيْضًا مُتَفاوِتَةٌ فَمِنهم مَن يُبَشَّرُ بِالجَنَّةِ اَلْمَعْرُوفَةِ ومِنهم مَن يُبَشَّرُ بِجَنَّةِ اَلْوِصالِ ورُؤْيَةِ اَلْمَلِكِ اَلْمُتَعالِ ﴿ ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ ﴾ بِتَرْكِ ما سِواهُ ﴿ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ لِئَلّا يُخالِفَ حالُهُ قالَهُ ﴿ وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ اَلْمُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ تَعالى اَلرّاضِينَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى صِفاتِ اَلشَّيْخِ اَلْمُرْشِدِ وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ويَحِقَّ أنْ يُقالَ في كَثِيرٍ مِنَ اَلْمُتَصَدِّينَ لِلْإرْشادِ في هَذا اَلزَّمانِ اَلْمُتَلاطِمَةِ أمْواجُهُ بِالفَسادِ: خَلَتِ اَلرِّقاعُ مِنَ اَلرَّخاخِ وتَفَرْزَنَتْ فِيها اَلْبَيادِقْ وتَصاهَلَتْ عَرَجُ اَلْحَمِيرِ ∗∗∗ وذاكَ مِن عَدَمِ اَلسَّوابِقْ ﴿ ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ﴾ وهي اَلتَّوَجُّهُ إلى اَللَّهِ تَعالى بِصِدْقِ اَلطَّلَبِ وخُلُوصِ اَلْمُحِبَّةِ ﴿ ولا السَّيِّئَةُ ﴾ وهي طَلَبُ اَلسِّوى والرِّضا بِالدُّونِ ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ وهي طَلَبُ اَللَّهِ تَعالى طَلَبَ ما سِواهُ سُبْحانَهُ ﴿ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ ﴾ وهو اَلنَّفْسُ اَلْأمّارَةُ بِالسُّوءِ ﴿ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ لِتَزَكِّي اَلنَّفْسِ عَنْ صِفاتِها اَلذَّمِيمَةِ وانْفِطامِها عَنِ اَلْمُخالَفاتِ اَلْقَبِيحَةِ ﴿ وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ لِتَمِيلَ إلى ما يَهْوى ﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ وارْجِعْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِئَلّا يُؤَثِّرُ فِيكَ نَزْغُهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي اَلْأمْنُ مِنَ اَلْمَكْرِ والغَفْلَةُ عَنِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى سُوءِ اَلْمُنْكِرِينَ عَلى اَلْأوْلِياءِ فَإنَّهم مِن آياتِ اَللَّهِ تَعالى والإنْكارُ مِنَ اَلْإلْحادِ نَسْألُ اَللَّهَ تَعالى اَلْعَفْوَ والعافِيَةَ ﴿ قُلْ هُوَ ﴾ أيِ اَلْقُرْآنُ ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ ﴾ عَلى حَسْبِ مَراتِبِهِمْ فَمِنهم مَن يَهْدِيهِ إلى شُهُودِ اَلْمَلِكِ اَلْعَلّامِ فَعَنِ اَلصّادِقِ عَلى آبائِهِ وعَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَقَدْ تَجَلّى اَللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ لِعِبادِهِ ولَكِنْ لا يُبْصِرُونَ ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اَلْخَلْقَ لا يَرَوْنَ اَلْآياتِ إلّا بِإراءَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وهي كَشْفُ اَلْحُجُبِ لِيَظْهَرَ أنَّ اَلْأعْيانَ ما شَمَّتْ رائِحَةَ اَلْوُجُودِ ولا تَشُمُّهُ أبَدًا وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو اَلْأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ كانَ اَللَّهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ وهو سُبْحانَهُ اَلْآنَ عَلى ما عَلَيْهِ كانَ وإلَيْهِ اَلْإشارَةُ عِنْدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ ﴾ ومِن هُنا قالَ اَلشَّيْخُ اَلْأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: ما آدَمُ في اَلْكَوْنِ ما إبْلِيسُ ∗∗∗ ما مُلْكُ سُلَيْمانَ وما بِلْقِيسُ اَلْكُلُّ إشارَةٌ وأنْتَ اَلْمَعْنى ∗∗∗ يا مَن هو لِلْقُلُوبِ مِغْناطِيسُ وأكْثَرُ كَلامِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ مِن هَذا اَلْقَبِيلِ بَلْ هو أُمُّ وحْدَةِ اَلْوُجُودِ وأبُوها وابْنُها وأخُوها، وإيّاكَ أنْ تَقُولَ كَما قالَ ذَلِكَ اَلْأجَلُّ حَتّى تَصِلَ بِتَوْفِيقِ اَللَّهِ تَعالى إلى ما إلَيْهِ وصَلَ واَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ اَلْهادِي إلى سَواءِ اَلسَّبِيلِ، تَمَّ اَلْكَلامُ عَلى اَلسُّورَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى جَزِيلِ نَعْمائِهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ مُظْهِرِ أسْمائِهِ وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ وسائِرِ أتْباعِهِ وأحِبّائِهِ وصَلاةً وسَلامًا باقِيَيْنِ إلى يَوْمِ لِقائِهِ.
قوله تعالى: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ يعني: أعرض الكافر، فلا يدعو ربه.
وقال الكلبي: أعرض عن الإيمان.
وَنَأى بِجانِبِهِ يعني: تباعد بجانبه عن الدعاء، وعن الإيمان.
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ يعني: أصابته الشدة فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ قال مقاتل والكلبي: يعني: كثيراً.
ويقال: يعني: طويلاً.
فإن قيل: قد قال في موضع.
وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ وقال في موضع آخر: فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ مرة ذكر أنه يَؤُوس، ومرة أُخرى ذكر أنه يدعو، فكيف هذا؟
قيل له: هذا في شأن رجل، وهذا في شأن رجل آخر، ويجوز أن يكون في شأن إنسان واحد.
وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ عن كل معبود دون الله، فيدعو الله دائما.
فقال عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني: إن كان هذا الكتاب من عند الله، ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ يعني: جحدتم أنه ليس من عند الله، ماذا تقولون؟
وماذا تجيبون؟
وماذا تحتالون.
إذا نزل لكم العذاب يوم القيامة؟
مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي: في خلاف طويل، بعيد عن الحق.
قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ يعني: عذابنا في البلاد، مثل هلاك عاد، وثمود، وقوم لوط، وهم يرون إذا سافروا، آثارهم، وديارهم.
وَفِي أَنْفُسِهِمْ يبتلون بأنفسهم من البلايا.
ويقال: من قتل أصحابهم الكفار في الحرب، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ يعني: إن الذي قلت هو الحق، فيصدقونك.
وقال مجاهد: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ يعني: ما يفتح الله عليهم من القرى، وَفِي أَنْفُسِهِمْ قال: فتح مكة.
وقال الضحاك: معناه أن أبا جهل قال للنبي : ائتنا بعلامة، فانشق القمر نصفين.
فقال: أبو جهل للنبي : إن كان القمر قد انشق، فهي آية.
ثم قال: يا معشر قريش، إن محمداً قد سحر القمر، فوجهوا رسلكم إلى الآفاق.
هل عاينوا القمر؟
إنْ كان كذلك، فهي آية وإلا فذلك سحر، فوجهوا.
فإذا أهل الآفاق، يتحدثون بانشقاقه.
فقال أبو جهل عليه اللعنة: هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِر.
يعني: ذاهباً في الدنيا.
فنزل سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ وقال بعض المتأخرين.
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ ما وضع في العالم من الدلائل، وفي أنفسهم ما وضع فيها من الدلائل، التي تدل على وحدانية الله تعالى، وأن محمدا صادق ينطق بالوحي فيما يقول.
وهذا كما قال: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ.
قوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ شاهداً أن القرآن من الله تعالى، أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي: عالم بأعمالهم، بالبعث وغيره.
وقال الكلبي: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ يعني: أنه قد أخبرهم بذلك، وإن لم يسافروا.
ويقال: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ ومعنى الكفاية هاهنا، أنه قد بيّن لهم ما فيه كفاية، بالدلالة على توحيده، وتثبيت رسله.
ثم قال: أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا: كلمة تنبيه.
يعني: اعلم أنهم في شك من البعث، أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ يعني: ألا إن الله تعالى عالم بأعمالهم، وعقوبتهم، والإحاطة إدراك الشيء بكماله.
يعني: أحاط علمه سبحانه وتعالى بكل شيء من البعث، وغيره، والحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده وآله وسلم.
الوليد بن المُغِيرَةِ، وقيل: في عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وجُلُّ الآية يُعْطِي أَنَّها نزلَتْ في كُفَّارٍ، وإنْ كان أَوَّلُها يتضمن خُلُقاً ربما شارك فيها بعض المؤمنين.
ودُعاءِ الْخَيْرِ إضافته إضافة المصدر إلى المفعول، وفي مصحف ابن مسعود «١» :
«مِنْ دُعَاءٍ بالْخَيْرِ» والخيرُ في هذه الآية المالُ والصحَّةُ، وبذلك تليق الآية بالكفَّار.
وقوله تعالى: لَيَقُولَنَّ هذا لِي أي: بعملي وبما سعيت/ ولا يرى أَنَّ النِّعَمَ إنَّما هي فَضْلٌ من اللَّهِ تعالى قال- ص-: لَيَقُولَنَّ قال أبو البقاءِ: هو جَوَابُ الشَّرْطِ، والفاء محذوفةٌ، وقيل: هو جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، قال- ص-: قُلْتُ: هذا هو الحَقُّ، والأَوَّلُ غلَطٌ لأَنَّ القَسَمَ قد تقدَّم في قوله: وَلَئِنْ فالجواب له، ولأَنَّ حذف الفاء في الجواب لا يجوزُ، انتهى، وفي تغليط الصَّفَاقُسِيِّ لأبي البقاء نظر.
وقوله: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً قولٌ بَيِّنٌ فيه الجَحْدُ والكُفْر، ثم يقول هذا الكافر:
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي: كما تقولُونَ: «إن لي عنده للحسنى» أي: حالاً ترضيني من مال، وبنين، وغيرِ ذلك، قال ع «٢» : والأمانيُّ على اللَّه تعالى، وتركُ الجِدِّ في الطاعةِ مذمومٌ لكُلِّ أحد فقد قال عليه السلام: «الكَيِّسُ مَنْ دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتمنى عَلَى الله» «٣» .
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)
وقوله تعالى: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ ...
الآية، ذَكَرَ سبحانه الخُلُقَ الذميمة من الإنسان جملةً، وهي في الكافر بَيِّنَةٌ متمكِّنة، وأَمَّا المُؤْمِنُ، ففي الأغلب يَشْكُرُ على النعمة، وكثيرا ما يصبر عند الشدة، ونَأى معناه: بَعُدَ ولم يَمِلْ إلى شُكْر ولا طَاعَةٍ.
وقوله: فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ أي: وطويلٍ أيضا، وعبارة الثعلبيّ: عَرِيضٍ أي:
كثير، والعربُ تستعملُ الطُّولَ والعَرْضَ كليهما في الكَثرة من الكلام، انتهى.
ثم أمر تعالى نبيَّهُ أنْ يوقِّف قريشاً على هذا الاحتجاج، وموضع تغريرهم بأنفسهم، فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وخالفتموه ألستم على هلكة؟
فمن أَضَلَّ مِمَّنْ يبقى على مِثْلِ هذا الغَرَرِ مَعَ اللَّهِ وهذا هو الشقاق ثم وعد تعالى/ نبيّه ع بأَنَّهُ سَيُرِي الكُفَّارَ آياته، واختلف في معنى قوله سبحانه: فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ فقال المِنْهَالُ والسُّدِّيُّ وجماعةٌ: هو وَعْدٌ بما يفتحه اللَّه على رسوله من الأقطارِ حَوْلَ مَكَّةَ، وفي غيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَرْضِ كخَيْبَرَ ونحوها وَفِي أَنْفُسِهِمْ: أراد به فَتْحَ مَكَّةَ «١» قال ع «٢» : وهذا تأويلٌ حَسَنٌ، يتضمَّن الإعلام بِغَيْبٍ ظَهَرَ بَعْدَ ذلك، وقال قتادةُ والضَّحَّاكُ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ: هو ما أصاب الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ في أقطار الأرض قديماً «٣» ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ: يوم بدر، والتأويلُ الأَوَّلُ أرْجَحُ، واللَّه أعلم، والضمير في قوله تعالى: أَنَّهُ الْحَقُّ عائد على الشرع والقرآن فبإظهار اللَّهِ نَبِيَّهُ وفتحِ البلاد عليه يتبيَّن لهم أَنَّه الحَقُّ.
وقوله: بِرَبِّكَ قال أبو حَيَّان «٤» : الباء زائدة، وهو فاعل يَكْفِ أي: أو لَمْ يَكْفِهِمْ رَبُّكَ، انتهى، وباقي الآية بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في الآفاقِ: فَتْحُ أقْطارِ الأرْضِ، وفي أنْفُسِهِمْ: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّها في الآفاقِ: وقائِعُ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، وفي أنْفُسِهِمْ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها في الآفاقِ: إمْساكُ القَطْرِ عَنِ الأرْضِ كُلِّها، وفي أنْفُسِهِمْ: البَلايا الَّتِي تَكُونُ في أجْسادِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّها في الآفاقِ: آياتُ السَّماءِ كالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، وفي أنْفُسِهِمْ: حَوادِثُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الَّتِي في أنْفُسِهِمْ: سَبِيلُ الغائِطِ والبَوْلِ، فَإنَّ الإنْسانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِن مَكانٍ واحِدٍ، ويُخْرِجُ مِن مَكانَيْنِ.
والخامِسُ: أنَّها في الآفاقِ: آثارُ مَن مَضى قَبْلَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ، وفي أنْفُسِهِمْ: كَوْنُهم خُلِقُوا نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ عِظامًا إلى أنْ نُقِلُوا إلى العَقْلِ والتَّمْيِيزِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ.
والثّانِي: إلى جَمِيعِ ما دَعاهم إلَيْهِ الرَّسُولُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ما أنْزَلْنا عَلى مُحَمَّدٍ وأوْحَيْنا إلَيْهِ مِنَ الوَعْدِ لَهُ بِأنّا مُظْهِرُو دِينِهِ عَلى الأدْيانِ كُلِّها.
﴿ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ أيْ: أوْلَمَ يَكْفِ بِهِ أنَّهُ شاهِدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟!
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أوْ لَمْ يَكْفِهِمْ شَهادَةُ رَبِّكَ؟!
وَمَعْنى الكِفايَةِ هاهُنا: أنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَهم ما فِيهِ كِفايَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وتَثْبِيتِ رُسُلِهِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ﴿ ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى الخُلُقَ الذَمِيمَةَ مِنَ الإنْسانِ جُمْلَةً، وهي في الكُفّارِ بَيِّنَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ، وأمّا المُؤْمِنُ في الأغْلَبِ، فَيَشْكُرُ عِنْدَ النِعْمَةِ، وكَثِيرًا ما يَصْبِرُ عِنْدَ الشِدَّةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: ﴿ "وَنَأى"، ﴾ الهَمْزَةُ عَيْنُ الفِعْلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَناءٍ"، الهَمْزَةُ لامُ الفِعْلِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ناءَ قَلْبُ نَأى، "رَجَعَ فَعَلَ فَلَعَ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وكُلُّ خَلِيلٍ راءَنِي فَهو قائِلٌ ∗∗∗ مِن أجْلِكِ هَذا هامَةُ اليَوْمِ أو غَدِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: وقَدْ شاءَنِي أهْلُ السِباقِ وأمْعَنُوا وَ"ناءَ" مَعْناهُ: بَعُدَ ولَمْ يَمِلْ إلى شُكْرٍ ولا طاعَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ﴾ ، أيْ طَوِيلٍ أيْضًا، فاسْتَغْنى بِالصِفَةِ الواحِدَةِ عن لَزِيمَتِها، إذِ العَرْضُ يَقْتَضِي الطُولَ ويَتَضَمَّنُهُ، ولَمْ يَقُلْ: "طَوِيلٌ" لِأنَّ الطَوِيلَ قَدْ لا يَكُونُ عَرِيضًا، فَعَرِيضٌ أدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يَقِفَ قُرَيْشًا عَلى هَذا الِاحْتِجاجِ ومَوْضِعِ تَغْرِيرِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، فَقالَ تَعالى: قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ هَذا الشَرْعُ مِن عِنْدِ اللهِ وبِأمْرِهِ وخالَفْتُمُوهُ أنْتُمْ، ألَسْتُمْ عَلى هَلَكَةٍ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى؟
فَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَبْقى عَلى مِثْلِ هَذا الغُرُرِ مَعَ اللهِ تَعالى؟
وهَذا هو الشِقاقُ.
ثُمَّ وعَدَ تَعالى نَبِيَّهُ بِأنَّهُ سَيُرِي الكُفّارَ آياتِهِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ ﴾ فَقالَ المِنهالُ، والسَدِّيُّ، وجَماعَةٌ: هو وعْدٌ بِما يَفْتَحُهُ اللهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ مِنَ الأقْطارِ حَوْلَ مَكَّةَ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأرْضِ كَخَيْبَرَ ونَحْوَها، و"فِي أنْفُسِهِمْ" أرادَ بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَنْتَظِمُ الإعْلامُ بِغَيْبِ ظَهْرٍ وجَوَّدَهُ بَعْدُ، كَذَلِكَ ويَجْرِي مَعَهُ لَفْظُ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي في الفِعْلِ، وقالَ الضَحّاكُ، وقَتادَةٌ: ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ ﴾ هو ما أصابَ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ في أقْطارِ الأرْضِ قَدِيمًا، ﴿ وَفِي أنْفُسِهِمْ ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وعَطاءٌ: ﴿ "الآفاقِ" ﴾ آفاقُ السَماءِ، وأرادَ بِهِ الآياتِ في الشَمْسِ والقَمَرِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"فِي أنْفُسِهِمْ" عِبْرَةُ الإنْسانِ بِجِسْمِهِ وحَواسِّهِ وغَرِيبِ خِلْقَتِهِ وتَدْرِيجِهِ في البَطْنِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ آياتٌ قَدْ كانَتْ مَرْتَبَةً، فَلَيْسَ هَذا المَعْنى يَجْرِي مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "سَنُرِيهِمْ"، ﴾ والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أرْجَحُها، واللهُ أعْلَمُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّهُ الحَقُّ ﴾ عائِدٌ عَلى الشَرْعِ والقُرْآنِ، فَبِإظْهارِ اللهِ تَعالى إيّاهُ وفَتْحِ البِلادِ عَلَيْهِ تَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ، ثُمَّ قالَ تَعالى وعْدًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: ﴿ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ ﴾ ، والتَقْدِيرُ: أوَلَمْ يَكْفِ رَبُّكَ؟
والباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، و"أنْ" يُحْتَمَلَ أنَّهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ المَوْضِعِ؛ إذِ التَقْدِيرُ: أو لَمْ يَكْفِ رَبُّكَ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِنَ اللَفْظِ، وهَذا كُلُّهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لِأنَّهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "[أنَّهُ]" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: [إنَّهُ] بِكَسْرِها عَلى الِاعْتِراضِ أثْناءَ القَوْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [ألا]﴾ اسْتِفْتاحٌ يَقْتَضِي إقْبالَ السامِعِ عَلى ما يُقالُ لَهُ، فاسْتَفْتَحَ الإخْبارَ عَلى أنَّهم في شَكٍّ ورَيْبٍ وضَلالٍ أدّاهُمُ إلى الشَكِّ في البَعْثِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مِرْيَةٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ: [فِي مُرْيَةٍ] بِضَمِّ المِيمِ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الإخْبارَ بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلى مَعْنى الوَعِيدِ لَهُمْ، وإحاطَتُهُ تَعالى هي بِالقُدْرَةِ والسُلْطانِ، لا إلَهَ إلّا هُوَ، العَزِيزُ الحَكِيمُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (حم السَجْدَةُ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
تذييلان للسورة وفذلكتان افتتحا بحرف التنبيه اهتماماً بما تضمناه.
فأما التذييل الأول فهو جُماع ما تضمنته السورة من أحوال المشركين المعاندين إذ كانت أحوالهم المذكورة فيها ناشئة عن إنكارهم البعث فكانوا في مأمن من التفكير فيما بعد هذه الحياة، فانحصرت مساعيهم في تدبير الحياة الدّنيا وانكبُّوا على ما يعود عليهم بالنفع فيها.
وضمير ﴿ إنهم ﴾ عائد إليهم كما عاد ضمير الجمع في ﴿ سنريهم ﴾ [فصلت: 53].
وأما التذييل الثاني فهو جامع لكل ما تضمنته السورة من إبطاللٍ لأقوالهم وتقويممٍ لاعوجاجهم، لأن ذلك كله من آثار علم الله تعالى بالغيب والشهادة.
وتأكيد الجملتين بحرف التأكيد مع أن المخاطب بهما لا يشكّ في ذلك لقصد الاهتمام بهما واستدعاء النّظر لاستخراج ما تحويانه من المعاني والجزئيات.
والمرية بكسر الميم وهو الأشهر فيها واتفقت عليه القراءات المتواترة، وبكسر الميم وهو لغة مثل: خِفْية وخُفية.
والمرية: الشك.
وحرف الظرفية مستعار لتمكن الشك بهم حتى كأنّهم مظروفون فيه و ﴿ مِنْ ﴾ ابتدائية وتعدى بها أفعال الشك إلى الأمر المشكوك فيه بتنزيل متعلق الفعل منزلة مثار الفعل بتشبيه المفعول بالمَنشإ كأن الشك جاء من مكان هو المشكوك فيه.
وفي تعليقه بذات الشيء مع أن الشك إنما يتعلق بالأحكام مبالغة على طريقة إسناد الأمور إلى الأعيان والمرادُ أوصافها، فتقدير ﴿ في مرية من لقاء ربهم ﴾ : في مرية من وقوع لقاء ربّهم وعدممِ وقوعه كقوله تعالى: ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ﴾ [البقرة: 23] أي في ريب من كونه منزلاً.
وأطلق الشك على جزمهم بعدم وقوع البعث لأن جزمهم خلي عن الدّليل الذي يقتضيه، فكان إطلاق الشك عليه تعريضاً بهم بأن الأوْلى بهم أن يكونوا في شك على الأقل.
ووصف الله بالمحيط مجاز عقلي لأن المحيط بكل شيء هو علمه فأسندت الإحاطة إلى اسم الله لأن (المحيط) صفة من أوصافه وهو العلم.
وبهاتين الفذلكتين آذن بانتهاء الكلام فكان من براعة الختام.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ في الآفاقِ فَتْحَ أقْطارِ الأرْضِ، وفي أنْفُسِهِمْ فَتْحَ مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: في الآفاقِ ما أخْبَرَ بِهِ مِن حَوادِثِ الأُمَمِ، وفي أنْفُسِهِمْ ما أنْذَرْتُهم بِهِ مِنَ الوَعِيدِ.
الثّالِثُ: أنَّها في الآفاقِ آياتُ السَّماءِ وفي أنْفُسِهِمْ حَوادِثُ الأرْضِ.
الرّابِعُ: أنَّها في الآفاقِ إمْساكُ القَطْرِ عَنِ الأرْضِ كُلِّها وفي أنْفُسِهِمُ البَلاءُ الَّذِي يَكُونُ في أجْسادِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: أنَّها في الآفاقِ انْشِقاقُ القَمَرِ، وفي أنْفُسِهِمْ كَيْفَ خَلَقْناهم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ، وكَيْفَ إدْخالُ الطَّعامِ والشَّرابُ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ وإخْراجُهُ مِن مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ.
الثّانِي: أنَّ ما جاءَهم بِهِ الرَّسُولُ ودَعاهم إلَيْهِ حَقٌّ.
﴿ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ ﴾ يَعْنِي أوَلَمْ يَكْفِكَ مِن رَبِّكَ.
﴿ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلِيمٌ.
الثّانِي: حَفِيظٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ.
﴿ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أحاطَتْ قُدْرَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما تخرج من ثمرة من أكمامها ﴾ قال: حين تطلع.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ آذناك ﴾ أعلمناك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ لا يسأم الإِنسان ﴾ قال: لا يمل.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولئن أذقناه رحمة منا..
﴾ الآية.
قال: عافية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ قال: كانوا يسافرون فيرون آثار عاد وثمود يقولون والله لقد صدق محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وما أراهم في أنفسهم ﴾ قال: الأمراض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ ﴾ الضمير لقريش وفيها ثلاثة أقوال: أحدها أن الآيات في الآفاق هي فتح الأقطار للمسلمين، والآيات في أنفسهم هي فتح مكة فجمع ذلك وعداً للمسلمين بالظهور، وتهديداً للكفار، واحتجاجاً عليهم بظهور الحق وخمول الباطل، والثاني أن الآيات في الآفاق: هي ما أصاب الأمم المتقدمة من الهلاك وفي أنفسهم يوم بدر الثالث أن الآيات في الآفاق: هي خلق السماء وما فيها من العبر والآيات، وفي أنفسهم خلقة بني آدم وهذا ضعيف لأنه قال: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ بسين الاستقبال، وقد كانت السموات وخلقة بني آدم مرئية والأول هو الراجح ﴿ أَنَّهُ الحق ﴾ الضمير للقرآن أو للإسلام ﴿ مُّحِيطٌ ﴾ أي بعلمه وقدرته وسلطانه.
بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم القراءات: ﴿ ربنا أرنا ﴾ بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو بالاختلاس.
الآخرون: بكسر الراء.
﴿ اللذين ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.
﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة.
الباقون: بضم الياء وكسر الحاء ﴿ أعجمي ﴾ بهمزة واحدة: هشام.
وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز.
الباقون: بالمد ﴿ ثمرات ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل.
﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ من وراي ﴾ على وزن ﴿ عصاي ﴾ قد مر في سورة مريم ﴿ إلى ربي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ ونأى بجانب ﴾ وقد مر في السورة ﴿ سبحان الذي أسرى ﴾ .
الوقوف: ﴿ والإنس ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ تغلبون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي كائناً لهم فيها ﴿ دار الخلد ﴾ ج ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول ﴿ تدعون ﴾ 5 ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلاً ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ يسأمون ﴾ ه سجدة ﴿ اهتزت وربت ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ شئتم ﴾ ه لا ليكون ما بعده دالاً على أنه أمر تهديد ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ج لأن خبر أن محذوف فيتقدر ههنا أو بعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ كما يجيء ﴿ عزيز ﴾ ه لا لاتصال الصفة ﴿ من خلفه ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وآياته ﴾ ط ﴿ وعربي ﴾ ط ﴿ وشفاء ﴾ ط ﴿ عمى ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ج ﴿ شركائي ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ عامل ﴿ يوم ﴾ ﴿ آنذاك ﴾ لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده ﴿ من شهيد ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الخير ﴾ ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود الكلام يتم بهما ﴿ قنوط ﴾ ه ﴿ هذا لي ﴾ لا تحرز إعمالاً يقوله مسلم قائمة كذلك ﴿ للحسنى ﴾ ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب ﴿ عملوا ﴾ إمهالاً للتذكر في الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ عريض ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج ﴿ محيط ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر.
ومعنى ﴿ قيضنا ﴾ سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم مقام الآخر.
والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ وهو الدنيا وما فيها من الشهوات ﴿ وما خلفهم ﴾ وهو الآخرة بأن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم.
والآية على مذهب الأشاعرة واضحة.
وقالت المعتزلة: معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.
ومعنى ﴿ في أمم ﴾ كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل الأعراف كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط من الكلام فنزلت ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ الآية.
يقال: لغى بكسر الغين يلغى بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضاً، والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز ﴿ لعلكم تغلبون ﴾ القارىء على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد.
وحين حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله ﴿ فلنذيقن ﴾ الآية.
والمضاف في قوله ﴿ أسوأ ﴾ محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله ﴿ ذلك جزاء أعداء الله ﴾ وقوله ﴿ النار ﴾ بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر.
و ﴿ دار الخلد ﴾ موضع المقام.
قال الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها وقد وضع قوله ﴿ بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ موضع أن لو قال بما كانوا يلغون إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم ﴿ ربنا أرنا ﴾ أي أبصرنا ﴿ اللذين أضلانا من الجن والإنس ﴾ وذلك أن الشياطين ضربان: جني وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيراً، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل الذي سن القتل.
ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة.
وقد يقال: معناه إذ ذاك أعطناه.
وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار.
﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ أي نطأهما إذلالاً وإهانة ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل.
وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة.
وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله ﴿ ربنا الله ﴾ إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها.
وقوله ﴿ ثم استقاموا ﴾ إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط دون الميل إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ ومعنى "ثم" تراخي الاستقامة في الرتبة عن الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة.
وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم استقاموا على ذلك في عالم الأشباح.
وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا إلى إله غيره.
﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ عند الموت أو عنده وفي القبر وفي القيامة.
و "أن" مفسرة أو مخففة.
ولقد فسرنا الخوف والحزن مراراً والإبشار لازم.
قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشاراً.
وقوله ﴿ ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال.
وقوله ﴿ وأبشروا ﴾ إخبار عن حصول المنافع.
وقوله ﴿ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ﴾ يقابل قوله ﴿ وقضينا لهم قرناء ﴾ فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة.
وإذا كانت هذه الولاية ثابتة في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق الجسمانية.
وقيل: في الحياة الدنيا بالاستغفار.
﴿ وفي الآخرة ﴾ بالشفاعة.
وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ﴾ يعني الحظوظ الجسمانية ﴿ ولكم فيها ما تدعون ﴾ أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في "يس" سائر الوجوه.
والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر.
وفي ذكر الغفور الرحيم ههنا مناسبة لا تخفى.
قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم ﴿ قلوبنا غلف ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ حرض نبيه على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهار المزية على الجهال وتحصيلاً للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال ﴿ ومن أحسن قولاً ﴾ ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين.
زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة.
والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول الله وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب.
وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه.
ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية.
قال جار الله: ليس معنى قوله ﴿ وقال إنني من المسلمين ﴾ أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة.
وقال آخرون: أراد به التلفظ به تفاخراً بالإسلام وتمدحاً.
وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء الله.
فإنه لو كان ذلك معتبراً لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن التجويز غير الإيجاب.
ثم صبر رسوله على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ "لا" زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلاً كأنه سأل: فكيف نصنع؟
فأجيب ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن "لا" غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة.
مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إسائته.
قال: ومن جعل "لا" مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة.
ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها.
قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة الالتفات إلى غيره.
﴿ فإذا الذي ﴾ إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ولياً مصافياً.
قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذياً لرسول الله فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله وعطفه.
ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ أي لا يعمل بها إلا كل صبار على تجرع المكاره.
﴿ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾ من قوة جوهر النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم بالثواب الجزيل.
وعن الحسن: ما عظم حفظ دون الجنة.
ثم ذكر طريقاً آخر في دفع الغضب والانتقام قائلاً ﴿ وإما ينزغنك ﴾ وقد مر في آخر الأعراف.
والمعنى إن صرفك الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال ههنا ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسباً لما تقدّمه من قوله ﴿ وما يلقاها ﴾ مؤكداً بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على أصل الاسم معرفة والخبر نكرة.
وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله بين الدلائل على وجوده فقال ﴿ ومن آياته ﴾ الخ.
والضمير في ﴿ خلقهن ﴾ للآيات أو الليل وما عطف عليه.
ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء.
وفي قوله ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلاً منهم وزعماً أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفاً ظاهراً في نفسه ﴿ فإن استكبروا ﴾ عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر ﴿ فالذين عند ربك ﴾ عندية بالشرف والرتبة وهم الملائكة المقربون ﴿ يسبحون له بالليل والنهار ﴾ أي على الدوام والاستمرار ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ من السآمة والملالة.
والحاصل أنهم إن يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك لا يعدم عابداً مخلصاً.
ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار.
وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله ﴿ لا يخفون علينا ﴾ وكفى به وعيداً.
ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله ﴿ أفمن يلقى ﴾ الخ.
وقوله ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرف لآمنا أو ليأتي.
ثم هددهم بقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ الخ.
ثم أبدل من قوله ﴿ إن الذين كفروا بالذكر ﴾ أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله ﴿ لا يخفون ﴾ وإنه كلام مستأنف.
وعلى هذا فاختلفوا في خبر "إن".
فالأكثرون على أنه ﴿ أولئك ينادون ﴾ وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر.
وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك.
وقيل: هو محذوف.
ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم.
وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد قوله ﴿ لما جاءهم ﴾ وبعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ وبعد قوله ﴿ حميد ﴾ والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته.
ثم أكد هذا الوصف بقوله ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء.
وقيل: أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه.
وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعماً منه أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفى ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته.
﴿ تنزيل ﴾ أي هو منزل ﴿ من ﴾ إله ﴿ حكيم ﴾ في جميع أفعاله ﴿ حميد ﴾ إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ ما يقال لك ﴾ وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم.
﴿ إن ربك لذو مغفرة ﴾ للمحقين ﴿ وذو عقاب أليم ﴾ للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه.
وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم.
ويجوز أن يكون المقول هو قوله ﴿ إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه.
كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتاً منهم فأجابهم الله بقوله ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا ﴾ معترضين منكرين ﴿ لولا فصلت آياته ﴾ أي بينت بلسان نفهمه.
أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟
وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير.
ولو قلت: واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل.
ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربياً أو أعجمياً.
وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ فإن القرآن إذا كان بلغتهم وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ﴾ لداء الجهل ﴿ والذين ﴾ أي وللذين ﴿ لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه.
وقرأ والذين لا يؤمنون به الخ.
والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم عمي.
ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم.
ثم شبه حال القرآن بحال الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته.
والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ.
ثم ذكر أن جزاء كل أحد يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحداً ثم كان لسائل أن يسأل: متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال ﴿ إليه ﴾ لا إلى غيره ﴿ يرد علم الساعة ﴾ أي إذا سأل عنها.
قيل: لا يعلمها إلا هو.
ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا له .
والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة.
ثم ذكر من أحوال القيامة طرفاً آخر فقال ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر مراراً ﴿ قالوا آذناك ﴾ قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذناً بالفتح إذا استمع.
وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل القيامة يعلمون أنه يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.
قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟
والمعنى ظهر وحصل في الواقع من جهة قولنا ما كان ثابتاً في علمك القديم أنا سنقوله كقوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا ﴾ أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر.
وقولهم ﴿ آذناك ﴾ ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء للإيذان أو إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات لمزيد التوبيخ.
ومعنى ﴿ ما منا من شهيد ﴾ ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك لأنا عرفنا عياناً أنه لا شريك لك.
أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها فتبرأ مما أضيف إليها من الشركة.
ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا.
ومعنى ﴿ يدعون ﴾ يعبدون.
والظن بمعنى اليقين، والمحيص المهرب.
وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكافر تبدله في حالاته كلي أو أكثري.
ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة الحسنى قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف { ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً ﴾ فلا جرم خيب الله أمله وعكس ما تصوره بقوله ﴿ فلننبئن ﴾ وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله بقوله ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ أي تعظم وتجبر.
وقد سلف في "سبحان".
واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ودوامه أيضاً وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب.
فإن قيل: كيف قال أولاً ﴿ فيؤس قنوط ﴾ ثم قال ﴿ فذو دعاء عريض ﴾ ؟
قلنا: أراد أنه يؤس بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني في آخرين.
ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي.
وقوله ﴿ ممن هو في شقاق بعيد ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بياناً لبعد شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف.
وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف وهو قوله مثلاً فمن أضل منكم.
وإنما قال في الأحقاف ﴿ وكفرتم ﴾ بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن دخول "ثم" مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله ﴿ وشهد شاهد ﴾ فلم يحسن إلا الواو.
ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة تكون لذويه فقال ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ وهي الفتوح الواقعة على أيدي الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة.
﴿ وفي أنفسهم ﴾ وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي ﴿ حتى يتبين لهم أنه ﴾ أي محمداً أو القرآن أو الدين ﴿ الحق ﴾ ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقاً دل على صدق المخبر بل إعجازه.
وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض والسماء.
وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه.
ولا ريب أن العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حيناً بعد حين.
وقد أكثر الله من تقدير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ وفي قوله ﴿ سنريهم ﴾ دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون بإراءة الله.
قال جار الله: معنى قوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب المطلع على كل شيء.
وقال حكماء الإسلام: أراد بقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ توبيخ من ليس له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر في الآفاق.
قال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص وقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ لخواص الخواص.
وقيل: أولم يكف الإنسان من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليهم.
وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه على الأشياء كلها.
ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلاً على حسب ما يستحقه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .
يقول: إن كان هذا القرآن من عند الله ثم كفرتم به، وجائز أن يكون على الابتداء ليس بجواب لقوله: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ ويكون كأن لم يذكر جواب ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ ؛ لما عرفوا أن من عاند وعادى ما كان من عند الله أنه ما يعمل بهم وما يصنع؛ وهو كقوله : ﴿ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ يُذْكر له جواب؛ لما عرفوا أن من تريدون عبدوا دون الله بعد معرفتهم أنه إفك وأنه كذب وليس بإله، أن الله ماذا يفعل بهم، فلم يُذْكر لهذا جواب؛ لمعرفتهم بما يُفعل بهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ يجوز أنْ لم يذكر له جواب؛ لما عرفوا أنه ما يفعل بهم وما يستوجبون منه بما عاندوه وعادَوْه بعد معرفتهم أنه من عند الله جاء ثم كفروا به، والله أعلم.
وإن كان موصولا فجوابه ما ذكر من قوله: ﴿ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ ؛ فيكون كأنه يقول - والله أعلم -: أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به، فإذا كفرتم ضللتم، فمن أضل ممن هو في شقاق بعيد؟!
أي: في خلاف وبعد؛ فيكون جوابه كأنه قال: لا أحد أضل ممن عرف أنه من عند الله ثم خالفه وتباعد عنه، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا ﴾ أي نريهم عذابنا الذي نزل بالأمم المتقدمة في بلاد عاد وثمود وقوم لوط، كانوا يمرون عليها ويعرفون أنه لماذا نزل بهم ذلك وتكذيبهم الرسل وعنادهم، ونريهم عذابنا أيضاً في أنفسهم ببدر حيث قتل فراعنتهم يومئذ؛ ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ﴾ ؛ يقول: إن القرآن هو الحق من الله؛ لأن فيه الإخبار عن العذاب للذين كذبوا محمد .
وقال بعضهم: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ ﴾ هو ظهور محمد على البلاد والقرى النائية وفتحها عليه، ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ ﴾ أي: فتح مكة وظهوره عليهم، على ما وعد له ربه - جل وعلا - من النصر له وفتح البلاد والقرى.
فيكون هذان التأويلان آية لرسالته ونبوته، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ ﴾ آيات وحدانيته وألوهيته: أما في الآفاق فما جعل منافع البلاد النائية والقرى المتباعدة متصلة بمنافع أنفسهم ومنافع البلاد القريبة، ومنافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما؛ ليعلم أنه تدبير واحد وفعل فرد لا عدد، أو أن يكون آياته في الآفاق رفع السماء مع غلظها وكثافتها وسعتها بلا سبب ولا تعليق من أعلاها ولا عماد من أسفلها.
وفي أنفسهم: ما حوَّلهم وقلَّبهم في الأرحام من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، ثم من حال المضغة إلى حال الإنسان والتصوير والتركيب، إلى آخر ما ينتهي إليه أمره؛ ليعلم أنه صنع واحد وتدبير فرد لا تدبير لأحد سواه في ذلك.
فهذان التأويلان في آية الألوهية والوحدانية، والأولان في إثبات الرسالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .
كأنه يقول: أولم يكف ربُّك شاهداً أنه من عنده على ما تقول أنت، أو يقول: أولم يكف ربك ناصراً ومعيناً، أو يكون قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ ﴾ أي: أولم يكفهم ما جاء من عند الله من البينات والقرآن؛ كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية [العنكبوت: 51]؛ فعلى ذلك يحتمل هذا.
ويحتمل: أولم يكفهم آية على رسالتك أو آية على وحدانية الله ما جاء من عند الله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ﴾ .
ألا إن شكهم ومريتهم في البعث هو الذي حملهم على تكذيب ما جاء من عند الله وإنكاره، والله أعلم بالصواب.
ألا إن المشركين في شك من لقاء ربهم يوم القيامة لإنكارهم البعث، فهم لا يؤمنون بالآخرة؛ لذلك لا يستعدُّون لها بالعمل الصالح، ألا إن الله بكل شيء محيط علمًا وقدرة.
من فوائد الآيات علم الساعة عند الله وحده.
تعامل الكافر مع نعم الله ونقمه فيه تخبط واضطراب.
إحاطة الله بكل شيء علمًا وقدرة.