الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ١٠ من سورة محمد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 49 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٠ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : ( أفلم يسيروا ) يعني : المشركين بالله المكذبين لرسوله ( في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ) أي : عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم ، أي : ونجى المؤمنين من بين أظهرهم ; ولهذا قال : ( وللكافرين أمثالها )
القول في تأويل قوله تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) يقول تعالى ذكره: أفلم يَسِر هؤلاء المكذّبون محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم المنكرو ما أنـزلنا عليه من الكتاب في الأرض سفرا, وإنما هذا توبيخ من الله لهم, لأنهم قد كانوا يسافرون إلى الشام, فيرون نقمة الله التي أحلَّها بأهل حجر ثمود, ويرون في سفرهم إلى اليمن ما أحلّ الله بسَبَأ, فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين به: أفلم يسِر هؤلاء المشركون سفرا في البلاد فينظروا كيف كان عاقبة تكذيب الذين من قبلهم من الأمم المكذّبة رسلها الرّادّة نصائحها ألم نهلكها فندمِّر عليها منازلها ونخرِّبها, فيتعظوا بذلك, ويحذروا أن يفعل الله ذلك بهم في تكذيبهم إياه, فينيبوا إلى طاعة الله في تصديقك، ثم توعَّدهم جل ثناؤه, وأخبرهم إن هم أقاموا على تكذيبهم رسوله, أنه مُحِلّ بهم من العذاب ما أحلّ بالذين كانوا من قبلهم من الأمم, فقال: ( وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) يقول: وللكافرين من قريش المكذبي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من العذاب العاجل, أمثال عاقبة تكذيب الأمم الذين كانوا من قبلهم رسلهم على تكذيبهم رسوله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) قال: مثل ما دُمَرت به القرون الأولى وعيد من الله لهم.
قوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها .بين أحوال المؤمن والكافر تنبيها على وجوب الإيمان ، ثم وصل هذا بالنظر ، أي : ألم يسر هؤلاء في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم فينظروا بقلوبهم كيف كان آخر أمر الكافرين قبلهم .
دمر الله عليهم أي أهلكهم واستأصلهم .
يقال : دمره تدميرا ، ودمر عليه بمعنى .
ثم تواعد مشركي مكة فقال : وللكافرين أمثالها أي : أمثال هذه الفعلة ، يعني التدمير .
وقال الزجاج والطبري : الهاء تعود على العاقبة ، أي : وللكافرين من قريش أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا .
أي: أفلا يسير هؤلاء المكذبون بالرسول صلى الله عليه وسلم، { فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } فإنهم لا يجدون عاقبتهم إلا شر العواقب، فإنهم لا يلتفتون يمنة ولا يسرة إلا وجدوا ما حولهم، قد بادوا وهلكوا، واستأصلهم التكذيب والكفر، فخمدوا، ودمر الله عليهم أموالهم وديارهم، بل دمر أعمالهم ومكرهم، وللكافرين في كل زمان ومكان، أمثال هذه العواقب الوخيمة، والعقوبات الذميمة.وأما المؤمنون، فإن الله تعالى ينجيهم من العذاب، ويجزل لهم كثير الثواب.
ثم خوف الكفار فقال : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ) أي أهلكهم ( وللكافرين أمثالها ) إن لم يؤمنوا ، يتوعد مشركي مكة .
«أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمَّر الله عليهم» أهلك أنفسهم وأولادهم وأموالهم «وللكافرين أمثالها» أي أمثال عاقبة ما قبلهم.
أفلم يَسِرْ هؤلاء الكفار في أرض الله معتبرين بما حلَّ بالأمم المكذبة قبلهم من العقاب؟
دمَّر الله عليهم ديارهم، وللكافرين أمثال تلك العاقبة التي حلت بتلك الأمم.
ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بما فى هذا الكون من عبر وعظات فقال : ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ ) .والهمزة للاستفهام التقريعى ، والفاء معطوفة على مقدر ، أى : أقبعوا فى مساكنهم فلم يسيروا فى جنبات الأرض ، فيشاهدوا كيف كانت عاقبة المكذبين من قبلهم كقوم عاد وثمود ولوط .
.
وغيرهم .وقوله : ( دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) جملة مستأنفة ، كأنه قيل : كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم؟
فكان الجواب : دمر الله - تعالى - عليهم مساكنهم وأموالهم ، فالمفعول محذوف للتهويل والمبالغة فى الإِهلاك ، يقال : دمرا لله - تعالى - الأعداء تدميرا ، إذا أهلكهم إهلاكا شديدا .
ودمر عليهم ، أى : أهلك ما يختص بهم ، وجاء هنا يكلمة " عليهم " لتضمين التدمير معنى الإِيقاع أو الهجوم .وقوله : ( وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) وعيد وتهديد لهؤلاء الكافرين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - أى : هكذا كنت عاقبة المجرمين السابقين ، وللكافرين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - السائرين على درب سابقيهم فى الكفر والضلال والطغيان ، أمثال تلك العاقبة السيئة .فالضمير فى قوله - تعالى - ( أَمْثَالُهَا ) يعود إلى العاقبة المتقدمة .
وجمع - سبحانه - لفظ الأمثال باعتبار تعدد العذاب الذى نزل بالأمم المكذبة السابقة .
فيه مناسبة للوجه الثالث يعني فينظروا إلى حالهم ويعلموا أن الدنيا فانية.
وقوله: ﴿ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ ﴾ أي أهلك عليهم متاع الدنيا من الأموال والأولاد والأزواج والأجساد.
وقوله تعالى: ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد لهم أمثالها في الدنيا، وحينئذ يكون المراد من الكافرين هم الكافرون بمحمد عليه الصلاة والسلام وثانيهما: أن يكون المراد لهم أمثالها في الآخرة، فيكون المراد من تقدم كأنه يقول: دمر الله عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها، وفي العائد إليه ضمير المؤنث في قوله: ﴿ أمثالها ﴾ وجهان: أحدهما: هو المذكور وهو العاقبة وثانيهما: هو المفهوم وهو العقوبة، لأن التدمير كان عقوبة لهم، فإن قيل على قولنا المراد للكافرين بمحمد عليه السلام أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة يرد سؤال، وهو أن الأولين أهلكوا بوقائع شديدة كالزلازل والنيران وغيرهما من الرياح والطوفان، ولا كذلك قوم محمد صلى الله عليه وسلم، نقول جاز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين لكون دين محمد أظهر بسبب تقدم الأنبياء عليهم السلام عليه وإخبارهم عنه وإنذارهم به على أنهم قتلوا وأسروا بأيديهم من كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم والقتل بيد المثل آلم من الهلاك بسبب عام وسؤال آخر: إذا كان الضمير عائداً إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال؟
قلنا يجوز أن يقال المراد العذاب الذي هو مدلول العاقبة أو الألم الذي كانت العاقبة عليه.
<div class="verse-tafsir"
دمره أهلكه ودمر عليه أهلك عليه ما يختص به والمعنى دمر الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما كان لهم وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا الضمير للعاقبة المذكورة أو للهلكة لأن التدمير يدل عليها أو للسنة لقوله عزّ وعلا: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا ﴾ [الأحزاب 38].
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ ﴾ إنْ تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ.
﴿ يَنْصُرْكُمْ ﴾ عَلى عَدُوِّكم.
﴿ وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ في القِيامِ بِحُقُوقِ الإسْلامِ والمُجاهَدَةِ مَعَ الكُفّارِ.
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ فَعُثُورًا لَهم وانْحِطاطًا ونَقِيضُهُ لَمّا قالَ الأعْشى.
فالتَّعْسُ أوْلى بِها مِن أنْ أقُولَ لَعا.
وانْتِصابُهُ بِفِعْلِهِ الواجِبِ إضْمارُهُ سَماعًا، والجُمْلَةُ خَبَرُ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ مُفَسِّرَةٌ لِناصِبِهِ.
﴿ وَأضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ.
﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ القُرْآنَ لِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّكالِيفِ المُخالِفَةِ لِما ألِفُوهُ واشْتَهَتْهُ أنْفُسُهُمْ، وهو تَخْصِيصٌ وتَصْرِيحٌ بِسَبَبِيَّةِ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ لِلتَّعْسِ والإضْلالِ.
﴿ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ كَرَّرَهُ إشْعارًا بِأنَّهُ يَلْزَمُ الكُفْرَ بِالقُرْآنِ ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ.
<div class="verse-tafsir"
{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض} يعني كفار أمتك {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ دمر الله عليهم} اهلكهم هلال استئصال {وللكافرين} مشركي قريش {أمثالها} أمثال تلك الهلكة لأن التدمير يدل عليها
﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ أيْ أُقْعِدُوا في أماكِنِهِمْ فَلَمْ يَسِيرُوا فِيها ﴿ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ فَإنَّ آثارَ دِيارِهِمْ تُنْبِئُ عَنْ أخْبارِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهُمْ؟
فَقِيلَ: أُهْلِكَ ما يُخْتَصُّ بِهِمْ مِنَ النَّفْسِ والأهْلِ والمالِ يُقالُ: دَمَّرَهُ أهْلَكَهُ دَمَّرَ عَلَيْهِ أهْلَكَ ما يَخْتَصُّ بِهِ فَدَمَّرَ عَلَيْهِ أبْلَغُ مِن دَمَّرَهُ، وجاءَتِ المُبالَغَةُ مِن حَذْفِ المَفْعُولِ وجَعْلِهِ نَسْيًا مَنسِيًّا والإتْيانُ بِكَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ وهي لِتَضَمُّنِ التَّدْمِيرِ مَعْنى الإيقاعِ أوِ الهُجُومِ أوْ نَحْوِهِ ﴿ ولِلْكافِرِينَ ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ السّائِرِينَ سَيْرَتَهم ﴿ أمْثالُها ﴾ أمْثالُ عاقِبَتِهِمْ أوْ عُقُوبَتِهِمْ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْها لَكِنْ لا عَلى أنَّ لِهَؤُلاءِ أمْثالَ ما لِأُولَئِكَ وأضْعافَهُ بَلْ مِثْلَهُ، وإنَّما جُمِعَ بِاعْتِبارِ مُماثَلَتِهِ لِعَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٍ حَسَبَ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابُهم أشَدَّ مِن عَذابِ الأوَّلِينَ وقَدْ قُتِلُوا وأُسِرُوا بِأيْدِي مَن كانُوا يَسْتَخِفُّونَهم ويَسْتَضْعِفُونَهُمْ، والقَتْلُ بِيَدِ المِثْلِ أشَدُّ مِنَ الهَلاكِ بِسَبَبٍ عامٍّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِينَ المُتَقَدِّمُونَ بِطَرِيقِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: دَمَّرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا ولَهُمُ في الآخِرَةُ أمْثالُها <div class="verse-tafsir"
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ يعني: اضربوا الرقاب، صار نصباً بالأمر، ومعناه اضربوا الأعناق ضرباً.
وروى وكيع، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن النبيّ أنَّه قَالَ: «إِنّي لَمْ أُبْعَثُ لأُعَذِّبَ بِعَذَابِ الله، وَإِنَّمَا بُعثْتُ بِضَرْبِ الرِّقَابِ، وَشَدِّ الوَثَاقِ» حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ يعني: حتى إذا قهرتموهم وأسرتموهم، فشدوا الوثاق يعني: فاستوثقوا أيديهم من خلفهم.
ويقال الإثخان: أن يعطوا أيديهم، ويستسلموا وقال الزجاج حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ يعني: أكثرتم فيهم القتل والأسر بعد المبالغة في القتل.
وقال مقاتل: حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوُهم بالسيف، فظفرتم عليهم فَشُدُّوا الْوَثاقَ يعني: الأسر.
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ يعني: عتقاً بعد الأسر، بغير فداء وَإِمَّا فِداءً يعني: يفادي نفسه بماله.
وروي عن إبراهيم النخعي، أنه قال: الإمام بالخيار في الأسرى، إن شاء فادى، وإن شاء قتل وإن شاء استرق.
وروي عن أبي بكر الصديق، ، أنه قال: لا أفادي، وإن طلبوا بمدين من ذهب، وذكر عن أبي بكر، أنه كتب إليه في أسير، التمسوا منه الفداء.
فقال: اقتلوه، لأَنْ أقتل رجلاً من المشركين أحب إليَّ من كذا وكذا.
قال أبو الليث: وقد كره بعض الناس قتل الأسير، واحتج بظاهر هذه الآية فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً وقال أَصْحَابُنَا: لا بأس بقتله، بالخبر الذي روي عن أبي بكر م.
وروي عن ابن جريج، وغيره من أهل التفسير، أن هذه الآية منسوخة بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] ، وقد قتل النبي ابن خطل يوم فتح مكة، بعد ما وقع في منعة المسلمين، فهو كالأسير، وأما الفداء: فإن فادوا بأسير من المسلمين، فلا بأس به.
كما قال إبراهيم النخعي: إن شاء فادى بالأسير، وإن أراد أن يفتدى بمال، لا يجوز إلا عند الضرورة، لأن في رد الأسير إلى دار الحرب، قوة لهم في الحرب.
فكره ذلك، كما يكره أن يحمل إليهم السلاح.
للبيع.
ثم قال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها روي عن ابن عباس، أنه قال: حتى تترك الكفار إشراكها، ويوحدوا الرب تبارك وتعالى، حتى لا يبقى إلا مسلم يعني: في ذمة المسلمين، الذين يعطون الجزية، وعن سعيد بن جبير قال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها قال خروج عيسى ، يكسر الصليب، فيلقى الذئب الغنم، فلا يأخذها، ولا تكون عداوة بين اثنين، وهكذا قال مجاهد، وقال مقاتل حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها يعني: في مكان يقاتل سَمَّاهُم حرباً.
وقال القتبي: حتى تضع الحرب، يعني: حتى يضع أهل الحرب السلاح.
ثم قال عز وجل: ذلِكَ يعني: افعلوا ذلك، ثم استأنف فقال وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ بغير قتال، يعني: يهلكهم وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ يعني: لم يهلكهم، لكي يختبرهم بالقتال، حتى يتبين فضلهم، ويستوجبوا الثواب.
ثم قال: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: جاهدوا عدوهم في طاعة الله تعالى.
فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: لن يبطل ثواب أعمالهم.
قرأ أبو عمرو (قُتِلُوا) بضم القاف بغير ألف، وهكذا روي عن عاصم في إحدى الروايتين، يعني: الذين قتلوا يوم أحد، ويوم بدر وفي سائر الحروب.
وقرأ الباقون وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بالنصب، يعني: جاهدوا الكفار وحاربوهم.
ثم قال سَيَهْدِيهِمْ يعني: يجنبهم من أهوال الآخرة.
ويقال: سيهديهم، يعني: يثبتهم على الهدى وَيُصْلِحُ بالَهُمْ وقد ذكرناه وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ في الآخرة عَرَّفَها لَهُمْ يعني: هداهم الله تعالى إلى منازلهم.
وروى أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ أنه قال: «إِذَا أُذِنَ لأهْلِ الجَنَّةِ فِي دُخُولِهَا لأَحَدهم أَهْدَى أي: أعرف بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّةِ، من منزله الَّذِي كَانَ فِي الدُّنَّيَا» وعن ابن مسعود، أنه قال: ما أشبههم إلاَّ أهل الجمعة، حين انصرفوا من جمعتهم.
يعني: إن كل واحد منهم، يهتدي إلى منزله.
وقال الزجاج في قوله: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ أي: يصلح لهم أمر معايشهم في الدنيا، مع ما يجازيهم في الآخرة.
وهذا كما قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (11) [نوح: 10، 11] الآية.
ويقال: عَرَّفَها لَهُمْ أي طيبها لهم.
يقال: طعام معرف أي: مطيب.
ثم حث المؤمنين على الجهاد.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ مُحَمَّدٍ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ ﴾ .
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ وَصَدُّوا ﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ .
﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ القَتْلَ ﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ.
و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ.
ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.
وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ.
وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ.
والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.
وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهُ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ ﴾ ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ الَّتِي في (بَراءَةَ ): ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، وإنَّ الأسْرَ والمَنَّ والفِداءَ مُرْتَفِعٌ، فَمَتى وقَعَ أسْرٌ فَإنَّما مَعَهُ القَتْلُ ولا بُدَّ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وعَطاءٌ ما مَعْناهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، والمَنُّ والفِداءُ ثابِتٌ، وقَدْ مَنَّ رَسُولُ اللهِ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ، وفادى أسْرى بَدْرٍ، وقالَهُ الحَسَنُ، وقالَ: لا يُقْتَلُ الأسِيرُ إلّا في الحَرْبِ، يَهِيبُ بِذَلِكَ عَلى العَدُوِّ، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُفادِي رَجُلًا بِرَجُلٍ، ومَنَعَ الحَسَنُ أنْ يُفادُوا بِالمالِ، وقَدْ أمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِقَتْلِ أسِيرٍ مِنَ التُرْكِ ذَكَرَ لَهُ أنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ خُصِّصَتْ مِنَ الأُخْرى بِأهْلِ الكِتابِ فَقَطْ، فَفِيهِمُ المَنُّ والفِداءُ، وعُبّادُ الأوثانِ لَيْسَ فِيهِمْ إلّا القَتْلُ.
وعَلى قَوْلِ أكْثَرِ العُلَماءِ الآيَتانِ مَحْكَمَتانِ، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ ﴾ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ تَعالى هُناكَ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، وصَرَّحَ هُنا بِذِكْرِ المَنِّ والفِداءِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُناكَ وهو أمْرٌ مُقَرَّرٌ، وهَذا هو القَوْلُ القَوِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِعْلِ، أيْ: فاضْرِبُوا رِقابَهُمْ، وعَيَّنَ مِن أنْواعِ القَتْلِ أشْهُرَهُ وأعْرَفَهُ فَذَكَرَهُ، والمُرادُ: اقْتُلُوهم بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَ، وقَدْ زادَتْ آيَةٌ أُخْرى: ﴿ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ ﴾ ، وهي مِن أنَكى ضَرَباتِ الحَرْبِ، لِأنَّها تُعَطِّلُ مِنَ المَضْرُوبِ جَمِيعَ جَسَدِهِ؛ إذِ البَنانُ أعْظَمُ آلَةِ المُقاتِلِ وأصْلِها.
و ﴿ أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ.
و"الإثْخانُ" في القَوْمِ أنْ يَكْثُرَ فِيهِمُ القَتْلى والجَرْحى، والمَعْنى: فَشَدُّوا الوَثاقَ بِمَن لَمْ يُقْتَلْ ولَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ إلّا الأسْرُ، و"مَنًّا" و"فِداءً" مَصْدَرانِ مَنصُوبانِ بِفِعْلَيْنِ مُضْمَرَيْنِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فِداءً"، ﴾ وقَرَأ شِبْلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "فَدى"، مَقْصُورًا.
وإمامُ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرٌ في أسْراهُ في خَمْسَةِ أوجُهٍ: القَتْلُ أوِ الِاسْتِرْقاقُ أو ضَرْبُ الجِزْيَةِ أوِ الفِداءُ، ويَتَرَجَّحُ النَظَرُ في أسِيرِ أُسِرَ بِحَسَبِ حالِهِ مِن إذايَةِ المُسْلِمِينَ أو ضِدَّ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها ﴾ مَعْناهُ: حَتّى تَذْهَبَ وتَزُولَ أثْقالُها، و"الأوزارُ" جَمْعُ وِزْرٍ - الأثْقالُ فِيها والآلاتُ لَها، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ الزَبِيدِيِّ: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوزارَها ∗∗∗ رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا وقالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: الأوزارُ في هَذِهِ الآيَةِ الآثامُ، جَمْعُ وِزْرٍ ؛ لِأنَّ الحَرْبَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيها آثامٌ في أحَدِ الجانِبَيْنِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الغايَةِ الَّتِي عِنْدَها تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها، فَقالَ قَتادَةُ: حَتّى يُسْلِمَ الجَمِيعُ فَتَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها، وقالَ حُذّاقُ أهْلِ النَظَرِ: حَتّى تَغْلِبُوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها اسْتِعارَةٌ يُرادُ لَها التِزامُ الأمْرِ أبَدًا، وذَلِكَ أنَّ الحَرْبَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ لا تَضَعُ أوزارَها، فَجاءَ هَذا كَما تَقُولُ: أنا أفْعَلُ كَذا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّما تُرِدُ أنْ تَفْعَلَهُ دائِمًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ أيْ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ يُهْلِكُهم بِهِ في حِينٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ تَعالى أرادَ اخْتِبارَ المُؤْمِنِينَ، وأنْ يَبْلُوَ بَعْضَ الناسِ بِبَعْضٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قاتِلُوا"، وقَرَأ عاصِمٌ، الجَحْدَرِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "قَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ والتاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى، وأبُو رَجاءٍ هَكَذا وشَدَّدُوا التاءَ، والقِراءَةُ الأُولى أعَمُّها وأوضَحُها مَعْنًى.
وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سَيَهْدِيهِمْ" ﴾ أيْ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إصْلاحِ البالِ، وقَدْ رَوى عَبّاسُ بْنُ المُفَضَّلِ عن أبِي عَمْرٍو: "وَيُدْخِلْهُمْ" بِسُكُونِ اللامِ، وفي التَغابُنِ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ﴾ ، وفي سُورَةِ الإنْسانِ ﴿ إنَّما نُطْعِمُكُمْ ﴾ بِسُكُونِ الطاءِ والمِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ ، قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: بَيَّنَها لَهُمْ، أيْ: جَعَلَهم يَعْرِفُونَ مَنازِلَهم مِنها، وفي نَحْوِ هَذا المَعْنى هو قَوْلُ النَبِيِّ : « "لِأحَدِكم بِمَنزِلِهِ في الجَنَّةِ أعْرَفُ مِنهُ بِمَنزِلِهِ في الدُنْيا"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: سَمّاها لَهم ورَسَمَها، كُلُّ مَنزِلٍ بِاسْمِ صاحِبِهِ، فَهَذا نَحْوٌ مَنِ التَعْرِيفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: شَرَّفَها لَهم ورَفَعَها وعَلاها، وهَذا مِنَ الأعْرافِ الَّتِي هي الجِبالُ وما أشْبَهَها، ومِنهُ أعْرافُ الخَيْلِ، وقالَ مُؤَرِّجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: طَيَّبَها، مَأْخُوذٌ مِنَ العُرْفِ، ومِنهُ طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ، وعَرَفْتُ القِدْرَ، أيْ: طَيَّبْتُها بِالمِلْحِ والتَوابِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَنْصُرُوا اللهَ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: دِينَ اللهِ ورَسُولِهِ، والمَعْنى: تَنْصُرُوهُ بِجِدِّكم واتِّباعِكم وإيمانِكُمْ، يَنْصُرْكم بِخَلْقِ القُوَّةِ لَكم والجُرْأةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعارِفِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيُثَبِّتُ" بِفَتْحِ التاءِ المُثَلَّثَةِ وشَدِّ الباءِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِسُكُونِ الثاءِ وتَخْفِيفِ الباءِ، وهَذا التَثْبِيتُ هو في مُواطِنِ الحَرْبِ عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِراطِ في القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: عِثارًا لَهم وهَلاكًا، وهي لَفْظَةٌ تُقالُ لِلْكافِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا سَيِّدِي إنْ عَثَرْتُ خُذْ بِيَدِي ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَقُلْ: لا ولا تَقُلْ تَعِسًا وقالَ الأعْشى في هَذا المَعْنى: بِذاتٍ لَوَتْ عَفِرْناةٍ إذا عَثَرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ فالتَعْسُ أدْنى لَها مِن أنْ أقُولَ: لَعا ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ مِسْطَحٍ لَمّا عَثَرَتْ في مُرْطِها: تَعِسَ مِسْطَحُ، قالَ ابْنُ السِكِّيتِ: التَعْسُ: أنْ يَخِرَّ عَلى وجْهِهِ، و"تَعْسًا" مَصْدَرٌ نَصَبَهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللهُ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ أعْمالَهم في كُفْرِهِمُ الَّتِي هي بِرٌّ مُقَيِّدَةٌ مَحْفُوظَةٌ، ولا خِلافَ أنَّ الكافِرَ لَهُ حَفَظَةٌ يَكْتُبُونَ سَيِّئاتِهِمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في حَسَناتِهِمْ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُلْغاةٌ، يُثابُونَ عَلَيْها بِنِعَمِ الدُنْيا فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُحْصاةٌ مِن أجْلِ ثَوابِ الدُنْيا، ومِن أجْلِ أنَّ [الكافِرَ] قَدْ يُسْلِمُ فَيَنْضافُ ذَلِكَ إلى حَسَناتِهِ في الإسْلامِ، وهَذا أحَدُ التَأْوِيلَيْنِ في «قَوْلِ النَبِيِّ لِحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ: "أسْلِمْتُ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ"،» فَقَوْمٌ قالُوا: تَأْوِيلُهُ: أسْلَمْتُ عَلى أنْ يُعَدَّ لَكَ ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ، وهَذا هو التَأْوِيلُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أسْلَمْتُ عَلى إسْقاطِ ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ، إذْ قَدْ ثُوِّبَتْ عَلَيْهِ بِنِعَمِ دُنْياكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ أعْمالَهُمُ الَّتِي أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَحَبْطِها هي عِبادَتُهُمُ الأصْنامَ وكُفْرُهُمْ، ومَعْنى "أُحْبِطَ": جَعَلَها مِنَ العَمَلِ الَّذِي لا يَزْكُو ولا يُعْتَدُّ بِهِ، فَهي لِذَلِكَ كالَّذِي أُحْبِطَ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على جملة ﴿ والذين كفروا فتعساً لهم ﴾ [محمد: 8] الآية، وتقدم القول في نظائر ﴿ أولم يسيروا في الأرض ﴾ في سورة الروم (9) وفي سورة غافر (21).
والاستفهام تقريري، والمعنى: أليس تعس الذين كفروا مشهوداً عليه بآثاره من سوء عاقبة أمثالهم الذين كانوا قبلهم يدينون بمثل دينهم.
وجملة دمر الله عليهم } استئناف بياني، وهذا تعريض بالتهديد.
والتدمير: الإهلاك والدمار وهو الهلك.
وفعل ﴿ دمَّر ﴾ متعد إلى المدمَّر بنفسه، يقال: دمرهم الله، وإنما عدي في الآية بحرف الاستعلاء للمبالغة في قوة التدمير، فحذف مفعول ﴿ دمر ﴾ لقصد العموم، ثم جعل التدمير واقعاً عليهم فأفاد معنى ﴿ دمّر ﴾ كل ما يختصُّ بهم، وهو المفعول المحذوف، وأن التدمير واقع عليهم فهم من مشموله.
وجملة ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ اعتراض بين جملة ﴿ أفلم يسيروا في الأرض ﴾ وبين جملة ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ [محمد: 11].
والمراد بالكافرين: كفار مكة.
والمعنى: ولكفاركم أمثال عاقبة الذين من قبلهم من الدّمار وهذا تصريح بما وقع به التعريض للتأكيد بالتعميم ثم الخصوص.
وأمثال: جمع مِثْل بكسر الميم وسكون الثاء، وجمع الأمثال لأن الله استأصل الكافرين مرات حتى استقر الإسلام فاستأصل صناديدهم يوم بدر بالسيف، ويوم حنين بالسيف أيضاً، وسلط عليهم الريح يوم الخندق فهزمهم وسلط عليهم الرعب والمذلة يوم فتح مكة، وكل ذلك مماثل لما سلطه على الأمم في الغاية منه وهو نصر الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه، وقد جعل الله ما نصر به رسوله صلى الله عليه وسلم أعلى قيمة بكونه بيده وأيدي المؤمنين مباشرة بسيوفهم وذلك أنكى للعدو.
وضمير ﴿ أمثالها ﴾ عائد إلى ﴿ عاقبة الذين من قبلهم ﴾ باعتبار أنها حالة سوء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِمْ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: كُلُّ مَن خالَفَ دِينَ الإسْلامِ مِن مُشْرِكٍ أوْ كِتابِيٍّ إذا لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ ولا ذِمَّةٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ضَرْبُ أعْناقِهِمْ صَبْرًا عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ قَتَلَهم بِالسِّلاحِ واليَدَيْنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ يَعْنِي بِالإثْخانِ الظَّفَرَ، وبِشَدِّ الوَثاقِ الأسْرَ.
﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ في المَنِّ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَفُوُّ والإطْلاقُ كَما مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ بَعْدَ أسْرِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ العِتْقُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَأمّا الفِداءُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُفاداةُ عَلى مالٍ يُؤْخَذُ مِن أسِيرٍ يُطْلَقُ، كَما فادى رَسُولُ اللَّهِ في بَدْرٍ كُلَّ أسِيرٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وفادى في بَعْضِ المَواطِنِ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ.
الثّانِي: أنَّهُ البَيْعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أوْزارَ الحَرْبِ أثْقالُها، والوِزْرُ الثُّقْلُ ومِنهُ وزِيرُ المَلِكِ لِأنَّهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الأثْقالَ، وأثْقالُها السِّلاحُ.
الثّانِي: هو [وَضْعُ] سِلاحِهِمْ بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ، قالَ الشّاعِرُ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا الثّالِثُ: حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَ كُفْرِهِمْ بِالإسْلامِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الرّابِعُ: حَتّى يَظْهَرَ الإسْلامُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
الخامِسُ: حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ، وأنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ في مَن أسَرَهُ مِنهم بَيْنَ أرْبَعَةِ أُمُورٍ: أنْ يَقْتُلَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ ، أوْ يَسْتَرِقَّ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَرَقَّ العُقَيْلِيِّ، أوْ يَمُنَّ كَما مَنَّ عَلى ثَمامَةَ، أوْ يُفادِي بِمالٍ أوْ أسْرى، فَإذا أسْلَمُوا أسْقَطَ القَتْلَ عَنْهم وكانَ في الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، عَلى خِيارِهِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
﴿ ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بِغَيْرِ قِتالٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، قالَ قَتادَةُ: هم قَتْلى أُحُدٍ.
وَقَرَأ الباقُونَ قاتَلُوا ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَحِقُّ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: يَهْدِيهِمْ إلى مَحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ في القَبْرِ، قالَهُ زِيادٌ.
الثّالِثُ: يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عَرَّفَها بِوَصْفِها عَلى ما يُشَوِّقُ إلَيْها، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: عَرَّفَهم ما لَهم فِيها مِنَ الكَرامَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: مَعْنى عَرَّفَها أيْ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ وهي الرّائِحَةُ الطَّيِّبَّةُ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
الرّابِعُ: عَرَّفَهم مَساكِنَهم فِيها حَتّى لا يَسْألُونَ عَنْها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: وَصَفَ الجَنَّةَ لَهم في الدُّنْيا فَلَمّا دَخَلُوها عَرِفُوها بِصِفَتِها.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ عَرَّفَ أهْلَ السَّماءِ أنَّها لَهم إظْهارًا لِكَرامَتِهِمْ فِيها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ.
الثّانِي: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
﴿ وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ويُثَبِّتُ أقْدامَكم في نَصْرِهِ.
الثّانِي: عِنْدَ لِقاءِ عَدُوِّهِ.
ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَثْبِيتَ الأقْدامِ بِالنَّصْرِ.
الثّانِي: يُرِيدُ تَثْبِيتَ القُلُوبِ بِالأمْنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خِزْيًا لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: شَقاءً لَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: شَتْمًا لَهم مِنَ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: هَلاكًا لَهم، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
الخامِسُ: خَيْبَةً لَهم، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
السّادِسُ: قُبْحًا لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ.
السّابِعُ: بِعَدائِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّامِنُ: رَغْمًا لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.
التّاسِعُ: أنَّ التَّعْسَ الِانْحِطاطُ والعَثارُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ قال: مشركي العرب، يقول ﴿ فضرب الرقاب ﴾ قال: حتى يقولوا لا إله إلا الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ﴾ قال: لا تأسروهم ولا تفادوهم حتى تثخنوهم بالسيف.
وأخرج النحاس عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالخيار في الأسرى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: هذا منسوخ نسختها ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ﴾ [ التوبة: 5] .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ قال: فرخص لهم أن يمنوا على من شاؤوا منهم، نسخ الله ذلك بعد في براءة فقال: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 51] .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: كان المسلمون إذا لقوا المشركين قاتلوهم، فإذا أسروا منهم أسيراً فليس لهم إلا أن يفادوه أو يمنوا عليه، ثم نسخ ذلك بعد ﴿ فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ﴾ [ الأنفال: 57] .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك ومجاهد في قوله: ﴿ فإما منّاً ﴾ قالا: نسختها ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى رجلين من أصحابه برجلين من المشركين أسروا.
وأخرج عبد بن حميد عن أشعث قال: سألت الحسن وعطاء عن قوله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ قال: أحدهما يمن عليه أولا يفادى وقال الآخر: يصنع كما يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم يمن عليه أولا يفادى.
وأخرج ابن جرير ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: أتى الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً يقتله فقال ابن عمر: ليست بهذا أمرنا إنما قال الله: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما أعتق ولد زنية وقال: قد أمرنا الله ورسوله أن نمنَّ على من هو شر منه قال الله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه عن ليث رضي الله عنه قال: قلت لمجاهد: بلغنى أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يحل قتل الأسارى لأن الله تعالى قال: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ فقال مجاهد: لا تعبأ بهذا شيئاً أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ينكر هذا، ويقول: هذه منسوخة، إنما كانت في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، فأما اليوم فلا يقول الله: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ ويقول ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ فإن كانوا من مشركي العرب لم يقبل منهم شيء إلا الإِسلام فإن لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استحيوهم وإن شاؤوا فادوهم إذا لم يتحوّلوا عن دينهم فإن أظهروا الإِسلام لم يفادوا ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصغير والمرأة والشيخ الفاني.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: نسخت ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] ما كان قبل ذلك من فداء أو مَنّ.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عطاء رضي الله عنه أنه كان يكره قتل أهل الشرك صبراً ويتلو ﴿ فشدوا الوثاق فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ ثم نسختها ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ ونزلت زعموا في العرب خاصة وقتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط يوم بدر صبراً.
وأخرج عبد الرزاق عن أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الوصفاء والعسفاء.
وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان إلا من عدا منهم بالسيف.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن القاسم بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فطلبوا رجلاً فصعد شجرة فأحرقوها بالنار فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه بذلك فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني لم أبعث أعذب بعذاب الله، إنّما بضرب الرقاب وشد الوثاق» .
أما قوله تعالى: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى لا يكون شرك.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى يعبد الله ولا يشرك به.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى يخرج عيسى ابن مريم عليه السلام فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب ولا تقرض فأرة جراباً، وتذهب العداوة من الناس كلها، ذلك ظهور الإِسلام على الدين كله، وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دماً إذا وضعها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماماً مهدياً وحكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وتوضع الجزية وتضع الحرب أوزارها» .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: خروج عيسى ابن مريم عليه السلام.
وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي والبغوي والطبراني وابن مردويه «عن سلمة بن نفيل رضي الله عنه قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله: إن الخيل قد سُيبت وَوُضِعَ السلاحُ وزعم أقوام أن لا قتال وأنْ قد وضعت الحرب أوزارها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبوا فالآن جاء القتال، ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله لا يضرهم من خالفهم يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منهم ويقاتلون حتى تقوم الساعة، ولا تزال الخيل معقوداً في نواصيها الخير، حتى تقوم الساعة، ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج» .
وأخرج ابن أبي حاتم «عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: فتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتح فقلت يا رسول الله اليوم ألقى الإِسلام بجرانه، ووضعت الحرب أوزارها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالاً؟
ستاً أولهن موتي ثم فتح بيت المقدس ثم فئتان من أمتي دعواهم واحدة يقتل بعضهم بعضاً ويفيض المال حتى يعطي الرجل المائة دينار فيتسخط وموت يكون كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات الشهر وفي الشهر كنبات السنة، فيرغب فيه قومه فيملكونه يقولون نرجو أن يربك علينا ملكنا فيجمع جمعاً عظيماً ثم يسير حتى يكون فيما بين العريش وأنطاكية، وأميركم يومئذ نعم الأمير فيقول لأصحابه: ما ترون فيقولون نقاتلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم فيقول لا أرى ذلك نحرز ذرارينا وعيالنا ونخلي بينهم وبين الأرض ثم نغزوهم وقد أحرزنا ذرارينا فيسيرون فيخلون بينهم وبين أرضهم حتى يأتوا مدينتي هذه فيستهدون أهل الإِسلام فيهدونهم ثم يقول لا ينتدبن معي إلا من يهب نفسه لله حتى نلقاهم فنقاتل حتى يحكم الله بيني وبينهم فينتدب معه سبعون ألفاً ويزيدون على ذلك فيقول حسبي سبعون ألفاً لا تحملهم الأرض وفيهم عين لعدوّهم فيأتيهم فيخبرهم بالذي كان، فيسيرون إليهم حتى إذا التقوا سألوا أن يخلي بينهم وبين من كان بينهم وبينه نسب فيدعونهم فيقولون ما ترون فيما يقولون فيقول: ما أنتم بأحق بقتالهم ولا أبعد منهم، فيقول: فعندكم فأكسروا أغمادكم فيسل الله سيفه عليهم فيقتل منهم الثلثان، ويقر في السفن الثلث، وصاحبهم فيهم، حتى إذا تراءت لهم جبالهم بعث الله عليهم ريحاً فردتهم إلى مراسيهم من الشام فأخِذوا فَذُبِحوا عند أرجل سفنهم عند الساحل، فيومئذ تضع الحرب أوزارها» .
أما قوله تعالى: ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ قال: أي والله بجنوده الكثيرة كل خلقه له جند فلو سلط أضعف خلقه لكان له جنداً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ذلك ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ قال: لأرسل عليهم ملكاً فدمر عليهم، وفي قوله: ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ قال: نزلت فيمن قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ والذين قاتلوا ﴾ بالألف.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ الآية.
قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في يوم أُحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذ: أعلُ هُبَل، ونادى المسلمون الله أعلى وأجل، ففادى المشركون يوم بيوم بدر، وإن الحرب سجال لنا عُزّى ولا عُزّى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم إن القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ قال: يهدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ عرفها لهم ﴾ قال: عرفهم منازلهم فيها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ قال: بلغنا أن الملك الذي كان وُكّلَ بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ قال مجاهد: أمثال ما دمربه القرون الأولى، وعيد من الله لهم (١) (٢) وقال عطاء: يريد لمن كذَّب النبي - - مثل ما أصاب الأمم قبلهم، قال أبو إسحاق: أي: أمثال تلك العاقبة من الهلاك، فأهلك الله -عز وجل- بالسيف من أهلكه من كفار هذه الأمة (٣) وقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ : يعني: عذاباً ينزل من السماء يصيب قرناً ولم يكن بعد، وإنما حمله على هذا القول أن عذاب الذين كانوا من قبلهم نزل من السماء كالصيحة والرجفة والغرق، ولم يكن بيد المؤمنين، ولما قال الله تعالى: (أمثالها) حملها على ما ينزل من السماء كشأن ما قبلها من عذاب الأمم (٤) (١) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.
انظر: "جامع البيان" 13/ 46، وأورد ذلك السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 463 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل": 4/ 45.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 8.
(٤) لم أقف على هذا القول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ أي لكفار قريش أمثال عاقبة الكفار المتقدمين من الدمار والهلاك.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: هم أهل مكة.
والأشبه أن تكون الآية في كفار المدينة وهم أهل الكتاب؛ لأن السورة مدنية؛ على ما قال بعض أهل التأويل، لكن جائز أن يكون كما قال أهل التأويل بأنها نزلت في كفار [مكة]؛ لأن هذه السورة ذكرت على أثر خبرهم وعقيب نبئهم في سورة الأحقاف.
ثم إن كانت الآية في كفار المدينة وأهل الكتاب فيكون يحتمل: الذين كفروا بمحمد - وما أنزل عليه ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل إيمانهم الذي كان لهم بسائر الأنبياء وبمحمد ؛ لأنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - والله أعلم -: قد أبطل إيمانهم الذي كان منهم قبل ذلك بما كفروا بعدما بعث.
وإن كانت الآية في كفار مكة على ما قال أكثرهم؛ فيكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بوحدانية الله - - أو كفروا بمحمد وبما أنزل عليه، أو كفروا بالبعث، ونحو ذلك ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل حسناتهم التي كانت لهم في حال كفرهم؛ من نحو الصدقات، وصلة الأرحام، وفك الرقاب، وغير ذلك من الأعمال التي كانوا يتقربون بها - والله أعلم - قد أبطل أعمالهم التي كانوا يتقربون بها ويرونها قربة عند الله.
أو يقول: قد أبطل عبادتهم التي كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها لتقربهم عبادتهم إلى الله زلفى؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: قد أبطل ذلك ولم يكن على ما رجوا وطمعوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل أن صدوا بأنفسهم؛ أي: أعرضوا عن سبيل الله؛ على ما ذكر عنهم.
ويحتمل: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: صدوا الناس عن سبيل الله، وقد كان منهم الأمران جميعاً ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل؛ يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غلب فلم يتبين.
﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾ يقول: والذين آمنوا بالله وبمحمد ، وآمنوا بما نزل عليه، وثبتوا على ذلك - لهم يضل أعمالهم، ولم يبطل إيمانهم الذي كان منهم؛ بل يكفر سيئاتهم التي كانت منهم من الكفر وغيره من السيئات.
أو يقول: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾ ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ وهو الكفر والمساوي التي كانت لهم من الكفر؛ كقوله - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ إن كانت الآية في مؤمني ومشركي العرب وأهل مكة فيكون قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ : الشرك والمساوي التي كانت لهم في حال الكفر، وإن كان في مؤمني أهل الكتاب، فيكون قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ في حال إيمانهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: آمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم نزل، وكل شيء من الله فهو الحق.
والثاني: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ أي: وهو الصدق من ربهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ أي: حالهم وشأنهم فيما كان من قبل وفيما بعده.
ثم أخبر أن الذي أبطل أعمالهم لأولئك الكفرة وما ذكر، وثبت الذين آمنوا ولم يبطل أعمالهم وما ذكر من إصلاح حالهم هو ما قال ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ ﴾ يحتمل: الباطل: الشيطان، أو هوى النفس، أو كل باطل، وهو الذي يذمّ عليه فاعله ومتبعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ يقول: لهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الباطل، ولهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ﴾ أي: مثل الذي بين ما لهؤلاء وما لهؤلاء، يبين ما لكل متبع الباطل ومتبع الحق، وضرب المثل هو أن يبين لهم ما خفي وأثبته عليهم بالذي ظهر عندهم وتقرر وتجلى لهم؛ ليصير الذي خفي عليهم وأثبته ظاهراً متجلياً.
<div class="verse-tafsir"
أفلم يسر هؤلاء المكذبون في الأرض، فيتأملوا كيف كانت نهاية الذين كذبوا من قبلهم، فقد كانت نهاية مؤلمة، دمر الله عليهم مساكنهم، فأهلكهم وأهلك أولادهم وأموالهم، وللكافرين في كل زمان ومكان أمثال تلك العقوبات.
<div class="verse-tafsir" id="91.v4rO9"