الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ١٨ من سورة محمد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٨ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ) أي : وهم غافلون عنها ، ( فقد جاء أشراطها ) أي : أمارات اقترابها ، كقوله تعالى : ( هذا نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ) [ النجم : 56 ، 57 ] ، وكقوله : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) [ القمر : 1 ] وقوله : ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) [ النحل : 1 ] ، وقوله : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ) [ الأنبياء : 1 ] فبعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أشراط الساعة ; لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله به الدين ، وأقام به الحجة على العالمين .
وقد أخبر - صلوات الله وسلامه عليه - بأمارات الساعة وأشراطها ، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله ، كما هو مبسوط في موضعه .
وقال الحسن البصري : بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - من أشراط الساعة .
وهو كما قال ; ولهذا جاء في أسمائه عليه السلام ، أنه نبي التوبة ، ونبي الملحمة ، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه ، والعاقب الذي ليس بعده نبي .
وقال البخاري : حدثنا أحمد بن المقدام ، حدثنا فضيل بن سليمان ، حدثنا أبو حازم ، حدثنا سهل بن سعد قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بأصبعيه هكذا ، بالوسطى والتي تليها : " بعثت أنا والساعة كهاتين " .
ثم قال تعالى : ( فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) أي : فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة ، حيث لا ينفعهم ذلك ، كقوله تعالى : ( يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ) [ الفجر : 23 ] ، ( وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ) [ سبأ : 52 ] .
وقوله ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) يقول تعالى ذكره: فهل ينظر هؤلاء المكذّبون بآيات الله من أهل الكفر والنفاق إلا الساعة التي وعد الله خلقه بعثهم فيها من قبورهم أحياء, أن تجيئهم فجأة لا يشعرون بمجيئها.
والمعنى: هل ينظرون إلا الساعة, هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة.
و ( أَنْ ) من قوله ( إِلا أَنْ ) في موضع نصب بالردّ على الساعة, وعلى فتح الألف من ( أَنْ تَأْتِيَهُمُ ) ونصب ( تأتيهم ) بها قراءة أهل الكوفة.
وقد حُدثت عن الفرّاء, قال: حدثني أبو جعفر الرُّؤاسيّ, قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء: ما هذه الفاء التي في قوله ( فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) قال: جواب الجزاء, قال: قلت: إنها إن تأتيهم, قال: فقال: معاذ الله, إنما هي " إنْ تَأْتِهِمْ "; قال الفرّاء: فظننت أنه أخذها عن أهل مكة, لأنه قرأ, قال الفرّاء: وهي أيضا في بعض مصاحف الكوفيين بسنة واحدة " تَأْتِهِمْ" ولم يقرأ بها أحد منهم.
وتأويل الكلام على قراءة من قرأ ذلك بكسر ألف " إن " وجزم " تأتهم " فهل ينظرون إلا الساعة؟
فيجعل الخبر عن انتظار هؤلاء الكفار الساعة متناهيا عند قوله ( إِلا السَّاعَةَ ) , ثم يُبْتدأ الكلام فيقال: إن تأتهم الساعة بغتة فقد جاء أشراطها, فتكون الفاء من قوله ( فَقَدْ جَاءَ ) بجواب الجزاء.
وقوله ( فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) يقول: فقد جاء هؤلاء الكافرين بالله الساعة وأدلتها ومقدماتها, وواحد الأشراط: شرط, كما قال جرير: تَـرَى شَـرَطَ المِعْـزَى مُهورَ نِسائِهم وفـي شُـرَطِ المِعْـزَى لهُـنَّ مُهُـورُ (2) ويُروَى: " ترى قَزَم المِعْزَى ", يقال منه: أشرط فلان نفسه: إذا علمها بعلامة, كما قال أوس بن حجر: فأَشْـرَطَ فيهـا نَفْسَـهُ وَهْـوَ مُعْصِـمٌ وألْقَــى بأسْــبابٍ لَــهُ وَتَــوَكَّلا (3) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) يعني: أشراط الساعة.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ) قد دنت الساعة ودنا من الله فراغ العباد.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) قال: أشراطها: آياتها.
وقوله ( فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) يقول تعالى ذكره: فمن أيّ وجه لهؤلاء المكذّبين بآيات الله ذكرى ما قد ضيَّعوا وفرّطوا فيه من طاعة الله إذا جاءتهم الساعة, يقول: ليس ذلك بوقت ينفعهم التذكر والندم, لأنه وقت مجازاة لا وقت استعتاب ولا استعمال.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) يقول: إذا جاءتهم الساعة أنى لهم أن يتذكروا ويعرفوا ويعقلوا؟.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) قال: أنى لهم أن يتذكروا أو يتوبوا إذا جاءتهم الساعة.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) قال: الساعة, لا ينفعهم عند الساعة ذكراهم, والذكرى في موضع رفع بقوله ( فَأَنَّى لَهُمْ ) لأن تأويل الكلام: فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة.
------------------------ الهوامش: (2) البيت لجرير بن الخطفي الشاعر الإسلامي ( ديوانه 226 ) وفي روايته : " وفي قزم المعزي لهن مهور " .
وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( الورقة 223 ) قال عند قوله تعالى : " فقد جاء أشراطها " : أعلامها .
وإنما سمي الشرط فيما نرى ، أنهم أعلموا أنفسهم .
وأشراط المال صغار الغنم وشراره .
وقال جرير : " ترى شرط ...
البيت " .
وفي ( اللسان : شرط) : والشرط ( بالتحريك ) : رذال الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء .
قال جرير : تسـاق مـن المعـزى مهـور نسائهم ومـن شـرط المعـزى لهـن مهـور وشرط الناس : خشارتهم+ .
(3) البيت لأوس بن حجر ( اللسان : شرط ) قال : الأصمعي : أشراط الساعة علاماتها .
قال : ومنه الاشتراط الذي يشترط الناس بعضهم على بعض ، أي هي علامات يجعلونها بينهم .
ولهذا سميت الشرط ، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها .
وحكى الخطابي عن بعض أهل اللغة أنه أنكر هذا التفسير وقال : أشراط الساعة : ما تنكره الناس من صغار أمورها ، قبل أن تقوم الساعة .
وشرط السلطان : نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده .
وقول أوس بن حجر " فأشرط فيها ...
البيت " أي جعل نفسه علمًا لهذا الأمر.
قوله تعالى : فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم .قوله تعالى : فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة أي فجأة .
وهذا وعيد للكفار .
فقد جاء أشراطها أي أماراتها وعلاماتها .
وكانوا قد قرءوا في كتبهم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - آخر الأنبياء ، فبعثه من أشراطها وأدلتها ، قاله الضحاك والحسن .
وفي الصحيح عن أنس قال : قال [ ص: 220 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بعثت أنا والساعة كهاتين وضم السبابة والوسطى ، لفظ مسلم ، وخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه .
ويروى بعثت والساعة كفرسي رهان .
وقيل : أشراط الساعة أسبابها التي هي دون معظمها .
ومنه يقال للدون من الناس : الشرط .
وقيل : يعني علامات الساعة انشقاق القمر والدخان ، قاله الحسن أيضا .
وعن الكلبي : كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام ، وقلة الكرام وكثرة اللئام .
وقد أتينا على هذا الباب في كتاب ( التذكرة ) مستوفى والحمد لله .وواحد الأشراط شرط ، وأصله الأعلام .
ومنه قيل الشرط ; لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها .
ومنه الشرط في البيع وغيره .
قال أبو الأسود :فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا فقد جعلت أشراط أوله تبدوويقال : أشرط فلان نفسه في عمل كذا أي : أعلمها وجعلها له .
قال أوس بن حجر يصف رجلا تدلى بحبل من رأس جبل إلى نبعة يقطعها ليتخذ منها قوسا :فأشرط نفسه فيها وهو معصم وألقى بأسباب له وتوكلاأن تأتيهم بغتة ( أن ) بدل اشتمال من ( الساعة ) ، نحو قوله : أن تطئوهم من قوله : رجال مؤمنون ونساء مؤمنات .
وقرئ ( بغتة ) بوزن جربة ، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها ؛ وهي مروية عن أبي عمرو .
الزمخشري وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي عن أبي عمرو ، وأن يكون الصواب ( بغتة ) بفتح الغين من غير تشديد ، كقراءة الحسن .
وروى أبو جعفر الرؤاسي وغيره من أهل مكة ( إن تأتهم بغتة ) .
قال المهدوي : ومن قرأ ( إن تأتهم بغتة ) كان الوقف على ( الساعة ) ثم استأنف الشرط .
وما يحتمله الكلام من الشك مردود إلى الخلق ، كأنه قال : إن شكوا في مجيئها ( فقد جاء أشراطها )قوله تعالى : فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ( ذكراهم ) ابتداء وأنى لهم الخبر .
والضمير المرفوع في جاءتهم للساعة ، التقدير : فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة ، قال معناه قتادة وغيره .
وقيل : فكيف لهم بالنجاة إذا جاءتهم الذكرى عند مجيء الساعة ، قاله ابن زيد .
وفي الذكرى وجهان : أحدهما : تذكيرهم بما عملوه من خير أو شر .
الثاني : هو دعاؤهم بأسمائهم تبشيرا وتخويفا ، روى أبان عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أحسنوا أسماءكم [ ص: 221 ] فإنكم تدعون بها يوم القيامة يا فلان قم إلى نورك يا فلان قم لا نور لك ذكره الماوردي .
أي: فهل ينظر هؤلاء المكذبون أو ينتظرون { إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } أي: فجأة، وهم لا يشعرون { فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } أي: علاماتها الدالة على قربها.{ فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } أي: من أين لهم، إذا جاءتهم الساعة وانقطعت آجالهم أن يتذكروا ويستعتبوا؟
قد فات ذلك، وذهب وقت التذكر، فقد عمروا ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءهم النذير.ففي هذا الحث على الاستعداد قبل مفاجأة الموت، فإن موت الإنسان قيام ساعته.
( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ) أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت ، حدثنا أبو إسحاق الهاشمي ، حدثنا الحسين بن الحسن ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا معمر بن راشد ، عمن سمع المقبري يحدث عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما ينتظر أحدكم من الدنيا إلا غنى مطغيا ، أو فقرا منسيا ، أو مرضا مفسدا ، أو هرما مفندا ، أو موتا مجهزا ، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر " .
قوله - عز وجل - : ( فقد جاء أشراطها ) أي أماراتها وعلاماتها ، واحدها : شرط ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - من أشراط الساعة .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أحمد بن المقدام ، حدثنا فضل بن سليمان ، حدثنا أبو حازم ، حدثنا سهل بن سعد قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بأصبعيه هكذا ، بالوسطى والتي تلي الإبهام : " بعثت أنا والساعة كهاتين " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا حفص بن عمر الحوضي ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس قال : لأحدثنكم بحديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحدثنكم به أحد غيري ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ، ويكثر الجهل ، ويكثر الزنا ، ويكثر شرب الخمر ، ويقل الرجال ويكثر النساء ، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن سنان ، حدثنا فليح ، حدثني هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي فقال : متى الساعة ؟
فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث ، فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال .
وقال بعضهم : بل لم يسمع ، حتى إذا قضى حديثه ، قال : " أين السائل عن الساعة ؟
" قال : ها أنا يا رسول الله ، قال : " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة " .
قال : كيف إضاعتها ؟
قال : " إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " .
قوله - عز وجل - : ( فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) فمن أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة ؟
نظيره : " يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى " ( الفجر - 2323 ) .
«فهل ينظرون» ما ينتظرون، أي كفار مكة «إلا الساعة أن تأتيهم» بدل اشتمال من الساعة، أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم «بغتة» فجأة «فقد جاء أشرطها» علاماتها: منها النبي صلى الله عليه وسلم وانشقاق القمر والدخان «فأنَّى لهم إذا جاءتهم» الساعة «ذكراهم» تذكرهم، أي لا ينفعهم.
ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا الساعة التي وُعدوا بها أن تجيئهم فجأةً، فقد ظهرت علاماتها ولم ينتفعوا بذلك، فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؟
ثم تعود السورة الكريمة إلى توبيخ هؤلاء المنافقين على غفلتهم وانطماس بصائرهم ، فتقول : ( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) .فالاستفهام للإِنكار والتعجب من حالهم ، وقوله ( أَن تَأْتِيَهُمْ ) بدل اشتمال من الساعة ، والأشراط جمع شَرط - بالتحريك مع الفتح - وهو العلامة ، وأصله الإِعلام عن الشئ .يقال : أشرط فلان نفسه لكذا ، إذا أعلمها له وأعدها ، ومنه الشرطى - كتركى - والجمع شُرَط - بضم ففتح - سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها ، وتميزهم عن غيرهم .وقوله : ( فأنى لَهُمْ ) خبر مقدم و ( ذِكْرَاهُمْ ) مبتدأ مؤخر ، والضمير فى قوله ( جَآءَتْهُمْ ) يعود إلى الساعة ، والكلام على حذف مضاف قبل قوله ( ذِكْرَاهُمْ ) أى : فأنى لهم نفع ذكراهم؟والمعنى : ما ينتظر هؤلاء الجاهلون إلا الساعة ، التى سيفاجئهم مجيؤها مفاجأة بدون مقدمات ، والحق أن علاماتها قد ظهرت دون أن يرفعوا لها رأسا ، ودون أن يعتبروا بها أو يتعظوا لاستيلاء الأهواء عليهم .ولكنهم عندما تداهمهم الساعة بأهوالها ، ويقفون للحساب .
يتذكرون ويؤمنون بالله ورسله .
.
ولكن إيمانهم فى ذلك الوقت لن ينفعهم ، لأنه جاء فى غير محله الذى يقبل فيه ، وتذكرهم واتعاظهم - أيضا - لن يفيدهم لأنه جاء بعد فوات الأوان .ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ( فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ) وقوله - تعالى - : ( وقالوا آمَنَّا بِهِ وأنى لَهُمُ التناوش مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) وقوله - عز وجل - : ( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وأنى لَهُ الذكرى ) قال الآلوسى : الظاهر أن المرد بأشراط الساعة هنا : علاماتها التى كانت واقعة إذ ذاك ، وأخبروا أنها علامات لها ، كبعثة نبينا - صلى الله عليه وسلم - فقد أخرج أحمد والبخارى ومسلم والترمذى عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بعث أنا والساعة كهاتين - وأشار بالسبابة والوسطى " .وأخرج أحمد عن بريدة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول : " بعث أنا والساعة جميعا .
وإن كادت لتسبقنى " وهذا أبلغ فى إفادة القرب .وعدوا منها انشقاق القمر الذى وقع له - صلى الله عليه وسلم - والدخان الذى وقع لأهل مكة ، أما أشراطها مطلقا فكثيرة ، ومنها ككون الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون فى البنيان .
يعني الكافرون والمنافقون لا ينظرون إلا الساعة، وذلك لأن البراهين قد صحت والأمور قد اتضحت وهم لم يؤمنوا فلا يتوقع منهم الإيمان إلا عند قيام الساعة وهو من قبيل بدل الاشتمال على تقدير لا ينظرون إلا الساعة إتيانها بغتة، وقرئ ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ ﴾ على الشرط وجزاؤه لا ينفعهم ذكراهم، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ فأنى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾ ، وقد ذكرنا أن القيامة سميت بالساعة لساعة الأمور الواقعة فيها من البعث والحشر والحساب.
وقوله: ﴿ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لبيان غاية عنادهم وتحقيقه هو أن الدلائل لما ظهرت ولم يؤمنوا لم يبق إلا إيمان اليأس وهو عند قيام الساعة لكن أشراطها بانت فكان ينبغي أن يؤمنوا ولم يؤمنوا فهم في لجة الفساد وغاية العناد ثانيهما: يكون لتسلية قلوب المؤمنين كأنه تعالى لما قال: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ ﴾ فهم منه تعذيبهم والساعة عند العوام مستبطأة فكأن قائلاً قال متى الساعة؟
فقد جاء أشراطها كقوله تعالى: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ والأشراط العلامات، قال المفسرون هي مثل انشقاق القمر ورسالة محمد عليه السلام، ويحتمل أن يقال معنى الأشراط البينات الموضحة لجواز الحشر، مثل خلق الإنسان ابتداء وخلق السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ﴾ والأول هو التفسير.
ثم قال تعالى: ﴿ فأنى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾ يعني لا تنفعهم الذكرى إذ لا تقبل التوبة ولا يحسب الإيمان، والمراد فكيف لهم الحال إذا جاءتهم ذكراهم، ومعنى ذلك يحتمل أن يكون هو قوله تعالى: ﴿ هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ هذا يَوْمُ الفصل الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ ﴾ فيذكرون به للتحسر، وكذلك قوله تعالى: ﴿ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَن تَأْتِيَهُم ﴾ بدل اشتمال من الساعة، نحو: ﴿ أن تطؤهم ﴾ من قوله: ﴿ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات ﴾ [الفتح: 25] ، وقرئ: ﴿ أن تأتهم ﴾ بالوقف على الساعة واستئناف الشرط، وهي في مصاحف أهل مكة كذلك: فإن قلت: فما جزاء الشرط؟
قلت: قوله ﴿ فأنى لهم ﴾ .
ومعناه: إن تأتهم الساعة فكيف لهم ذكراهم، أي تذكرهم واتعاظهم إذا جاءتهم الساعة، يعني لا تنفعهم الذكرى حينئذٍ، كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وأنى لَهُ الذكرى ﴾ [الفجر: 23] .
فإن قلت: بم يتصل قوله: ﴿ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ على القراءتين؟
قلت: بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول، كقولك: إن أكرمني زيد فأنا حقيق بالإكرام أكرمه.
والأشراط: العلامات.
قال أبو الأسود: فَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ بِالصَّرْمِ بَيْنَنَا ** فَقَدْ جَعَلَتْ أَشْرَاط أَوَّلِهِ تَبْدُو وقيل: مبعث محمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم منها، وانشقاق القمر، والدخان.
وعن الكلبي: كثرة المال والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام.
وقرئ: ﴿ بَغِتَة ﴾ بوزن جَرِبَةَ، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها، وهي مروية عن أبي عمرو، وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي على أبي عمرو، وأن يكون الصواب: بغتة، بفتح العين من غير تشديد، كقراءة الحسن فيما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى ﴾ أيْ زادَهَمُ اللَّهُ بِالتَّوْفِيقِ والإلْهامِ، أوْ قَوْلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ وَآتاهم تَقْواهُمْ ﴾ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ أوْ أعانَهم عَلى تَقْواهُمْ، أوْ أعْطاهم جَزاءَها.
﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ ﴾ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ غَيْرَها.
﴿ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ السّاعَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَقَدْ جاءَ أشْراطُها ﴾ كالعِلَّةِ لَهُ، وقُرِئَ «أنْ تَأْتِهِمْ» عَلى أنَّهُ شَرْطٌ مُسْتَأْنَفٌ جَزاؤُهُ: ﴿ فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ ﴾ والمَعْنى أنْ تَأْتِهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً لِأنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أماراتُها كَمَبْعَثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وانْشِقاقِ القَمَرِ فَكَيْفَ لَهم ذِكْراهم أيْ تَذَكُّرُهم إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً، وحِينَئِذٍ لا يَفْرُغُ لَهُ ولا يَنْفَعُ.
<div class="verse-tafsir"
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)
{فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة} أي ينتظرون {أَن تَأْتِيهُم} أي إتيانها فهو بدل اشتمال من الساعة {بَغْتَةً} فجأة {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} علاماتها وهو مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإنشقاق القمر والدخان وقيل قطع الأرحام وقلة الكرام وكثرة اللئام {فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} قال الأخفش التقدير فأنى لهم ذكراهم اذا جاءتهم
﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ ﴾ أيِ القِيامَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً ﴾ أيْ تُباغِتُهم بَغْتَةً وهي المُفاجَأةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ السّاعَةِ أيْ لا يَتَذَكَّرُونَ بِأحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ ولا بِالأخْبارِ بِإتْيانِ السّاعَةِ وما فِيها مِن عَظائِمِ الأحْوالِ فَما يَنْتَظِرُونَ لِلتَّذَكُّرِ إلّا إتْيانَ السّاعَةِ نَفْسِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ جاءَ أشْراطُها ﴾ أيْ عَلاماتُها وأماراتُها كَما في قَوْلِهِ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ: فَإنْ كُنْتَ قَدْ أزْمَعْتَ بِالصَّرْمِ بَيْنَنا فَقَدْ جَعَلْتَ أشْراطَ أوَّلِهِ تَبْدُو وهِيَ جَمْعُ شَرَطٍ بِالتَّحْرِيكِ تَعْلِيلٌ لِمُفاجَأتِها عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلتَّذَكُّرِ أمْرٌ مُتَرَقَّبٌ يَنْتَظِرُونَهُ سِوى إتْيانِ نَفْسِ السّاعَةِ إذْ قَدْ جاءَ أشْراطُها فَلَمْ يَرْفَعُوا لَها رَأْسًا ولَمْ يَعُدُّوها مِن مَبادِئِ إتْيانِها فَيَكُونُ إتْيانُها بِطَرِيقِ المُفاجَأةِ لا مَحالَةَ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإتْيانِ مُطْلَقًا أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا إتْيانَ السّاعَةِ لِأنَّهُ قَدْ جاءَ أشْراطُها وبَعْدَ مَجِيئِها لا بُدَّ مِن وُقُوعِ السّاعَةِ، وتَعْلِيلُ المُقَيَّدِ دُونَ قَيْدِهِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، قِيلَ: ويُقَرِّبُهُ هُنا أنَّ انْتِظارَهم لَيْسَ إلّا لِإتْيانِ السّاعَةِ وتَقْيِيدَهُ بِبَغْتَةٍ لَيْسَ إلّا لِبَيانِ الواقِعِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هو تَعْلِيلٌ لِانْتِظارِ السّاعَةِ لِأنَّ ظُهُورَ أماراتِ الشَّيْءِ سَبَبٌ لِانْتِظارِهِ، وفي جَعْلِهِ تَعْلِيلًا لِلْمُفاجَأةِ خَفاءٌ لِأنَّها لا تُناسِبُ مَجِيءَ الأشْراطِ إلّا بِتَأْوِيلٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ البَدَلَ هو المَقْصُودُ فالِانْتِظارُ لِإتْيانِ السّاعَةِ بَغْتَةً فالتَّعْلِيلُ المَذْكُورُ تَعْلِيلٌ لِلْمُقَيَّدِ دُونَ قَيْدِهِ أيْضًا فَكانَ ما في الإرْشادِ مُتَعَيِّنٌ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ تَأْوِيلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ ﴾ عَلى ما أفادَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ تَعْجِيبٌ مِن نَفْعِ الذِّكْرى عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ وإنْكارٌ لِعَدَمِ تَشْمِرِهِمْ لَها ولِانْتِظارِهِمْ إيّاها هُزُؤًا وجُحُودًا، وفي الإرْشادِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ ﴾ حُكْمٌ بِخَطَئِهِمْ وفَسادُ رَأْيِهِمْ في تَأْخِيرِ التَّذَكُّرِ إلى إتْيانِها بِبَيانِ اسْتِحالَةِ نَفْعِ التَّذَكُّرِ حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى ﴾ أيْ فَكَيْفَ لَهم ذِكْراهم عَلى أنَّ (أنّى) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و ﴿ ذِكْراهُمْ ﴾ مُبْتَدَأٌ و ﴿ إذا جاءَتْهُمْ ﴾ اعْتِراضٌ وسَّطَ بَيْنَهُما رَمْزًا إلى غايَةِ سُرْعَةِ مَجِيئِها، وإطْلاقُ المَجِيءِ عَنْ قَيْدِ البَغْتَةِ لِما أنَّ مَدارَ اسْتِحالَةِ نَفْعِ التَّذَكُّرِ كَوْنُهُ عِنْدَ مَجِيئِها مُطْلَقًا لا مُقَيَّدًا بِقَيْدِ البَغْتَةِ، وقِيلَ: (أنّى) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَأنّى لَهُمُ الخَلاصُ إذا جاءَتْهُمُ الذِّكْرى بِما يُخْبِرُونَ بِهِ فَيُنْكِرُونَهُ مَنُوطَةً بِالعَذابِ ولا يَخْفى حالُهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ (إنْ تَأْتِهِمْ) عَلى أنَّهُ شَرْطٌ مُسْتَأْنَفٌ جَزاؤُهُ ﴿ فَأنّى لَهُمْ ﴾ إلَخْ أيْ إنْ تَأْتِهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً إذْ قَدْ جاءَ أشْراطُها فَأنّى تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى وقْتَ مَجِيئِها، و(إنْ) هُنا بِمَعْنى إذا لِأنَّ إتْيانَ السّاعَةِ مُتَيَقَّنٌ، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِها لِلتَّعْرِيضِ بِهِمْ وأنَّهم في رَيْبٍ مِنها أوْ لِأنَّها لِعَدَمِ تَعْيِينِ زَمانِها أشْبَهَتِ المَشْكُوكَ فِيهِ وإذا جاءَتْهم بِاعْتِبارِ الواقِعِ فَلا تَعارُضَ بَيْنِهِما كَما يُتَوَهَّمُ في النَّظْرَةِ الحَمْقاءِ.
وفِي الكَشْفِ ( إذا ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّمانُعُ بَيْنَ ( إذا جاءَتْهم ) و( إنْ تَأْتِهِمْ ) وفي الإتْيانِ بِأنَّ مَعَ الجَزْمِ بِالوُقُوعِ تَقْوِيَةَ أمْرِ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ كَما لا يَخْفى انْتَهى، وعَلى ما ذَكَرْنا لا يَحْتاجُ إلى جَعْلِ إذا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ.
وقَرَأ الجُعْفِيُّ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (بَغَتَّةً) بِفَتْحِ الغَيْنِ وشَدِّ التّاءِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهي صِفَةٌ وانْتِصابُها عَلى الحالِ ولا نَظِيرَ لَها في المَصادِرِ ولا في الصِّفاتِ بَلْ في الأسْماءِ نَحْوَ الجِرْبَةِ وهي القَطِيعُ مِن حُمُرِ الوَحْشِ، وقَدْ يُسَمّى الأقْوِياءُ مِنَ النّاسِ إذا كانُوا جَماعَةً مُتَساوِينَ جِرْبَةً، والشَّرْبَةُ وهي اسْمُ مَوْضِعٍ وكَذا قالَ أبُو العَبّاسِ بْنُ الحاجِّ مِن أصْحابِ أبِي عَلِيٍّ الشَّلُوبِينَ في كِتابِهِ المَصادِرِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما أخْوَفَنِي أنْ تَكُونَ غَلْطَةً مِنَ الرّاوِي عَنْ أبِي عَمْرٍو وأنْ يَكُونَ الصَّوابُ (بَغَتَةً) بِفَتْحِ الغَيْنِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ كَقِراءَةِ الحَسَنِ فِيما تَقَدَّمَ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا عَلى عادَتِهِ في تَغْلِيطِ الرُّواةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأشْراطِ السّاعَةِ هُنا عَلاماتُها الَّتِي كانَتْ واقِعَةً إذْ ذاكَ وأخْبَرُوا أنَّها عَلاماتٌ لَها كَبَعْثَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والوُسْطى)» وأرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَزِيدَ القُرْبِ بَيْنَ مَبْعَثِهِ والسّاعَةِ فَإنَّ السَّبّابَةَ تَقْرَبُ مِنَ الوُسْطى طُولًا فِينا وهَكَذا فِيهِ .
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أمْرَ الطُّولِ والقِصَرِ في وُسْطاهُ وسَبّابَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى عَكْسِ ما فِينا خَطَأٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إلّا أنْ يَكُونَ أرادَ ذَلِكَ في أصابِعِ رِجْلَيْهِ الشَّرِيفَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ جَمِيعًا وإنْ كادَتْ لَتَسْبِقُنِي)».
وهَذا أبْلَغُ في إفادَةِ القُرْبِ وعَدُّوا مِنها انْشِقاقَ القَمَرِ الَّذِي وقَعَ لَهُ والدُّخّانَ الَّذِي وقَعَ لِأهْلِ مَكَّةَ وأمّا أشْراطُها مُطْلَقًا فَكَثِيرَةٌ أُلِّفَتْ فِيها كُتُبٌ مُخْتَصَرَةٌ ومُطَوَّلَةٌ وهي تَنْقَسِمُ إلى مُضَيَّقَةٍ لا تَبْقى الدُّنْيا بَعْدَ وُقُوعِها إلّا أيْسَرَ يَسِيرٍ كَخُرُوجِ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما يَقُولُ أهْلُ السُّنَّةِ دُونَ ما يَقُولُهُ الشِّيعَةُ القائِلُونَ بِالرَّجْعَةِ فَإنَّ الدُّنْيا عِنْدَهم بَعْدَ ظُهُورِهِ تَبْقى مُدَّةً مُعْتَدًّا بِها وكَنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخُرُوجِ الدَّجّالِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وخُرُوجِ الدّابَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وغَيْرِ مُضَيَّقَةٍ وهي أكْثَرُ الأشْراطِ كَكَوْنِ الحُفاةِ الرُّعاةِ رُؤُوسِ النّاسِ وتَطاوُلِهِمْ في البُنْيانِ وفُشُوِّ الغِيبَةِ وأكْلِ الرِّبا وشُرْبِ الخَمْرِ وتَعْظِيمِ رَبِّ المالِ وقِلَّةِ الكِرامِ وكَثْرَةِ اللِّئامِ وتَباهِي النّاسِ في المَساجِدِ واتِّخاذِها طُرُقًا وسُوءِ الجِوارِ وقَطِيعَةِ الأرْحامِ وقِلَّةِ العِلْمِ وأنْ يُوَسَّدَ الأمْرُ إلى غَيْرِ أهْلِهِ وأنْ يَكُونَ أسْعَدُ النّاسِ بِالدُّنْيا لُكَعَ بْنَ لُكَعٍ إلى ما يَطُولُ ذِكْرُهُ.
ومَن وقَفَ عَلى الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ في هَذا الشَّأْنِ واطَّلَعَ عَلى أحْوالِ الأزْمانِ رَأى أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ العَلاماتِ قَدْ بَرَزَتْ لِلْعِيانِ وامْتَلَأتْ مِنها البُلْدانُ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ أمْرُ السّاعَةِ مَجْهُولٌ ورِداءُ الخَفاءِ عَلَيْهِ مَسْدُولٌ.
وقُصارى ما يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ ما بَقِيَ مِن عُمُرِ الدُّنْيا أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَضى، وفي بَعْضِ الآثارِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَطَبَ أصْحابَهُ بَعْدَ العَصْرِ حِينَ كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ ولَمْ يَبْقَ مِنها إلّا أسَفٌ أيْ شَيْءٌ فَقالَ: (والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما مِثْلُ ما مَضى مِنَ الدُّنْيا فِيما بَقِيَ مِنها إلّا مِثْلُ ما مَضى مِن يَوْمِكم هَذا فِيما بَقِيَ مِنهُ وما بَقِيَ مِنهُ إلّا اليَسِيرُ)».
ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ الألْفَ الثّانِيَةَ بَعْدَ الهِجْرَةِ وهي الألْفُ الَّتِي نَحْنُ فِيها هي ألْفٌ مُخَضْرَمَةٌ أيْ نِصْفُها مِنَ الدُّنْيا ونِصْفُها الآخَرُ مِنَ الآخِرَةِ، وقالَ الجَلالَ السُّيُوطِيُّ في رِسالَةٍ سَمّاها ”الكَشْفُ عَنْ مُجاوَزَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ الألْفَ“: الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ أنَّ مُدَّةَ هَذِهِ الأُمَّةِ تَزِيدُ عَلى ألْفِ سَنَةٍ ولا تَبْلُغُ الزِّيادَةُ عَلَيْها ألْفَ سَنَةٍ وبَنى الأمْرَ عَلى ما ورَدَ مِن أنَّ مُدَّةَ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ وأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بُعِثَ في آخِرِ الألْفِ السّادِسَةِ وأنَّ الدَّجّالَ يَخْرُجُ عَلى رَأْسِ مِائَةٍ ويَنْزِلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يَمْكُثُ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً وأنَّ النّاسَ يَمْكُثُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً وأنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وذَكَرَ الأحادِيثَ والأخْبارَ في ذَلِكَ.
وفِي بَهْجَةِ النّاظِرِينَ وآياتِ المُسْتَدِلِّينَ قَدِ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى تَعْيِينِ قُرْبِ زَمانِها بِأحادِيثَ لا تَخْلُو عَنْ نَظَرٍ فَمِنهم مَن قالَ: بَقِيَ مِنها كَذا، ومِنهم مَن قالَ: يَخْرُجُ الدَّجّالُ عَلى رَأْسِ كَذا وتَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلى رَأْسِ كَذا، وأفْرَدَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ رِسالَةً لِذَلِكَ كُلِّهِ وقالَ: تَقُومُ السّاعَةُ في نَحْوِ الألْفِ والخَمْسِمِائَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ ولَيْسَ لِلْمُتَكَلِّمِينَ في ذَلِكَ إلّا ظَنٌّ وحُسْبانٌ لا يَقُومُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ بُرْهانٌ انْتَهى، ونَقَلَهُ السَّفارِينِيُّ في البُحُورِ الزّاخِرَةِ في عُلُومِ الآخِرَةِ، وذَكَرَ السُّيُوطِيُّ عِدَّةَ أخْبارٍ في كَوْنِ مُدَّةِ الدُّنْيا سَبْعَةَ آلافِ سَنَةٍ، أوَّلُها ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوادِرِ الأُصُولِ بِسَنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إنَّما الشَّفاعَةُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَن عَمِلَ الكَبائِرَ مِن أُمَّتِي ثُمَّ ماتُوا عَلَيْها فَهم في البابِ الأوَّلِ مِن جَهَنَّمَ).
وساقَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ، وفِيهِ (وأطْوَلُهم مُكْثًا فِيهِ مَن يَمْكُثُ فِيها مِثْلَ الدُّنْيا مُنْذُ خُلِقَتْ إلى يَوْمِ أُفْنِيَتْ وذَلِكَ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ)» الحَدِيثَ.
وتَعَقَّبَهُ السَّفارِينِيُّ بِقَوْلِهِ: ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ في كِتابِهِ صِفَةِ النّارِ أنَّ هَذا الحَدِيثَ خَرَّجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ، وخَرَّجَهُ الإسْماعِيلِيُّ مُطَوَّلًا، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ في كِتابِ المُخْتَلَفِ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وذَكَرَ عِلَلَهُ، ومِمّا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في ذَلِكَ ما نُقِلَ هو ضَعْفُ إسْنادِ رَفْعِهِ، وقَدْ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ قَدْ مَضى مِن زَمَنِ البَعْثَةِ إلى يَوْمِنا هَذا ألْفُ ومِئَتانِ وثَمانِي وسِتُّونَ سَنَةً وإذا ضُمَّ إلَيْها ما ذَكَرَهُ مِن سِنِّي مُكْثِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَقاءِ الدُّنْيا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وهي مِائَتا سَنَةٍ تَصِيرُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وثَمانِيَ وسَبْعِينَ فَيَبْقى مِنَ المُدَّةِ الَّتِي ذَكَرَها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً وإلى الآنِ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها ولا خَرَجَ الدَّجّالُ الَّذِي خُرُوجُهُ قَبْلَ طُلُوعِها مِن مَغْرِبِها بِعِدَّةِ سِنِينَ ولا ظَهَرَ المَهْدِيُّ الَّذِي ظُهُورُهُ قَبْلَ الدَّجّالِ بِسَبْعِ سِنِينَ ولا وقَعَتِ الأشْراطُ الَّتِي قَبْلَ ظُهُورِ المَهْدِيِّ، ولا يَكادُ يُقالُ: إنَّهُ يَظْهَرُ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ويَظْهَرُ الدَّجّالُ بَعْدَها بِسَبْعِ سِنِينَ عَلى رَأْسِ المِائَةِ الثّالِثَةِ مِنَ الألْفِ الثّانِيَةِ لِأنَّ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّماتٌ تَكُونُ في سِنِينَ كَثِيرَةٍ، فالحَقُّ أنَّهُ لا يَعْلَمُ ما بَقِيَ مِن مُدَّةِ الدُّنْيا إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ وإنْ طالَ أقْصَرُ قَصِيرٍ وما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا إلّا قَلِيلٌ، وكَذا فِيما أرى مَبْدَأُ خَلْقِها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وما يَذْكُرُونَهُ في المَبْدَأِ لَوْ صَحَّ فَإنَّما هو في مَبْدَأِ خَلْقِ الخَلِيفَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا مَبْدَأِ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ ونَحْوِها.
وحَكى الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ عَنْ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ اجْتِماعًا رُوحانِيًّا وسَألَهُ عَنِ العالَمِ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ نَعْلَمُ أنَّ العالَمَ حادِثٌ ولا نَعْلَمُ مَتى حَدَثَ.
والفَلاسِفَةُ عَلى المَشْهُورِ يَزْعُمُونَ أنَّ مِنَ العالَمِ ما هو قَدِيمٌ بِالشَّخْصِ وما هو قَدِيمٌ بِالنَّوْعِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالحُدُوثِ الذّاتِيِّ ولا يَدْثُرُ عِنْدَهم.
وذَهَبَ المُلّا صَدْرٌ الشِّيرازِيُّ أنَّهم لا يَقُولُونَ إلّا بِقِدَمِ العُقُولِ المُجَرَّدَةِ دُونَ عالَمِ الأجْسامِ مُطْلَقًا بَلْ هم قائِلُونَ بِحُدُوثِها ودُثُورِها، وأطالَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في الأسْفارِ وأتى بِنُصُوصِ أجِلَّتِهِمْ كَأرِسْطُو وغَيْرِهِ.
وحَكى البَعْضُ عَنْهم أنَّهُ خَلَقَ هَذا العالَمَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وهو عالَمُ الكَوْنِ والفَسادِ والطّالِعُ السُّنْبُلَةِ ويَدَّثِرُ عِنْدَ مُضِيِّ ثَمانِيَةٍ وسَبْعِينَ ألْفِ سَنَةٍ وذَلِكَ عِنْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ سُلْطانِ كُلٍّ مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشْرَ ووُصُولِ الأمْرِ إلى بُرْجِ المِيزانِ، وزَعَمُوا أنَّ مُدَّةَ سُلْطانِ الحَمَلِ اثْنا عَشَرَ ألْفِ سَنَةٍ ومُدَّةُ سُلْطانِ الثَّوْرِ أقَلُّ بِألْفٍ وهَكَذا إلى الحُوتِ.
ونَقَلَ البَكْرِيُّ عَنْ هِرْمِسَ أنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في سُلْطانِ الحَمَلِ والثَّوْرِ والجَوْزاءِ عَلى الأرْضِ حَيَوانٌ فَلَمّا كانَ سُلْطانُ الأسَدِ تَكَوَّنَتْ دَوابُّ الماءِ وهَوامُّ الأرْضِ، فَلَمّا كانَ سُلْطانُ الأسَدِ تَكَوَّنَتِ الدَّوابُّ ذَواتُ الأرْبَعِ، فَلَمّا كانَ سُلْطانُ السُّنْبُلَةِ تَوَلَّدَ الإنْسانانِ الأوَّلانِ أدْمانُوسُ وحَوانُوسُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مُدَّةَ العالَمِ مِقْدارُ قِطْعِ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ لِدَرَجِ الفَلَكِ الَّتِي هي ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ دَرَجَةً، وقَطْعُها لِكُلِّ دَرَجَةٍ عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنهم في مِائَةِ سَنَةٍ فَتَكُونُ مُدَّتُهُ سِتًّا وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ وكُلُّ ذَلِكَ خَبْطٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
ومِن أعْجَبِ ما رَأيْتُ ما زَعَمَهُ بَعْضُ الإسْلامِيِّينَ مِن أنَّ السّاعَةَ تَقُومُ بَعْدَ ألْفٍ وأرْبَعِمِائَةٍ وسَبْعِ سِنِينَ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً ﴾ بِناءً عَلى أنَّ عِدَّةَ حُرُوفِ (بَغْتَةً) بِالجُمَلِ الكَبِيرِ ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ وسَبْعٌ ويُوشِكُ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: هي ألْفٌ وثَمانُمِائَةٍ واثْنانِ وبِحَسَبِ تاءِ التَّأْنِيثِ أرْبَعُمِائَةٍ لا خَمْسَةٌ فَإنَّهُ رَأى بَعْضَ أهْلِ الحِسابِ كَما في فَتاوى خَيْرِ الدِّينِ الرَّمْلِيِّ ويَجِيءُ آخَرُ ويَقُولُ: هي أكْثَرُ مِن ذَلِكَ أيْضًا، ويَعْتَبِرُ بَسْطَ الحُرُوفِ عَلى نَحْوِ ما قالُوا في اسْمِ مُحَمَّدٍ إنَّهُ مُتَضَمِّنٌ عِدَّةَ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يُعَوِّلَ عَلَيْهِ أوْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ، والحَزْمُ الجَزْمُ بِأنَّهُ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني: وكم من قرية فيما مضى.
يعني: أهل قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً يعني: أشد منعة، وأكثر عدداً، وأكثر أموالاً، مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني: أهل مكة الذين أخرجوك من مكة إلى المدينة، أَهْلَكْناهُمْ يعني: عذبناهم عند التكذيب فَلا ناصِرَ لَهُمْ يعني: لم يكن لهم مانع مما نزل بهم من العذاب، وهذا تخويف لأهل مكة.
قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ قال مقاتل والكلبي: يعني: محمدا وأبا جهل بن هشام يعني: لا يكون حال من كان على بيان من الله تعالى، كمن حسن له قبح عمله.
وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ بعبادة الأوثان.
ويقال: هذا في جميع المسلمين، وجميع الكافرين.
لا يكون حال الكفار، مثل حال المؤمنين في الثواب.
قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ يعني: صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الذين يتقون الشرك، والفواحش، فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قرأ ابن كثير: مِن مّاء غير أسن بغير مد.
والباقون: بالمد، ومعناهما واحد.
يعني: ماء غير منتن، ولا متغير الطعم والريح.
وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ إلى الحموضة كما يتغير لبن أهل الدنيا من الحالة الأولى.
وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يعني: لذيذة.
ويقال: لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) [الواقعة: 19] .
وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ليس فيها العكر، ولا الكدرة، ولا الدردي، كعسل أهل الدنيا.
قال مقاتل: هذه الأنهار الأربعة تتفجر من الكوثر، إلى أهل الجنة.
ويقال: من تحت شجرة طوبى إلى أهل الجنة.
وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يعني: من ألوان الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لذنوبهم في الآخرة.
ويقال: في الدنيا.
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ يعني: هل يكون حال من هو في هذه النعم، كمن هو في النار أبداً.
وَسُقُوا مَاء حَمِيماً أي: حاراً قد انتهى حره فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ من شدة الحر، فذابت أمعاؤهم، كقوله تعالى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) [الحج: 20] .
ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني: من المنافقين من يستمع إليك حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً وذلك أن النبيّ خطب الناس يوم الجمعة، وعاب في خطبته المنافقين، فلما خرجوا من عنده، قال بعض المنافقين لعبد الله بن مسعود، وهو الذي أوتي العلم.
ماذا قال آنفاً؟
يعني: الساعة، على جهة الاستهزاء.
قال الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ مجازاة لهم وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ يعني: عملوا بهوى أنفسهم.
ثم ذكر المؤمنين، المصدقين، فقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً يعني: آمنوا بالله تعالى، وأحسنوا الاستماع إلى ما قال النبيّ : زادَهُمْ هُدىً يعني: زادهم الله بصيرة في دينهم، وتصديقاً لنبيهم.
ويقال: زادهم بما قال رسول الله هدى.
ويقال: زادهم قول المنافقين واستهزاؤهم.
هُدىً يعني: تصديقاً، وثباتاً على الإسلام، وشكر الله تعالى.
وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ حين بيّن لهم التقوى.
ويقال: ألهمهم قبول الناسخ، وترك المنسوخ.
قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أي: ما ينتظر قومك إلا قيام الساعة.
يعني: فما ينتظر قومك إن لم يؤمنوا إلا الساعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعني: فجأة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها يعني: علاماتها، وهو انشقاق القمر، والدخان، وخروج النبي .
وروى مكحول عن حذيفة قال: سئل رسول الله : متى الساعة؟
فقال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ: تَقَارُبُ الأَسْوَاقِ يعني: كَسَادَهَا وَمَطَرٌ وَلاَ نَبَاتَ يعني: مطر في غَيْرِ حِينِهِ، وَتَفْشُو الْفِتْنَةُ، وَتَظْهَرُ أَوْلادُ البَغْيَةِ، وَيَعْظُمُ رَبُّ المَالِ، وَتَعْلُو أصْواتُ الفَسَقَةِ فِي الْمَسِاجِدِ، وَيَظْهَرُ أهْلُ الْمُنْكَرِ عَلَى أهْلِ الْحَقِّ» .
ثم قال: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ يعني: من أين لهم التوبة، إذا جاءتهم الساعة.
وقال قتادة: فأنى لهم أن يتذكروا أو يتذاكروا إذا جاءتهم الساعة.
وقال مقاتل: فيه تقديم.
يعني: أنى لهم التذكرة، والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم، وقد فرطوا فيها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ.
وفِيما يَسْتَمِعُونَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ سَماعُ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
والثّانِي: سَماعُ قَوْلِهِ عَلى عُمُومِ الأوْقاتِ.
فَأمّا " الَّذِينَ أُوتُوا العَلَمَ "، فالمُرادُ: بِهِمْ عُلَماءُ الصَّحابَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ماذا قالَ السّاعَةَ، وهو مِن قَوْلِكَ: اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ: إذا ابْتَدَأْتَهُ، ورَوْضَةٌ أنُفٌ: لِمَن تُرْعَ، أيْ: لَها أوَّلُ يُرْعى؛ فالمَعْنى: ماذا قالَ في أوَّلِ وقْتٍ يَقْرُبُ مِنّا.
وحُدِّثْنا عَنْ أبِي عُمَرَ غُلامِ ثَعْلَبَ أنَّهُ قالَ: مَعْنى "آنِفًا" مُذْ ساعَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ: "أنِفًا" بِالقَصْرِ، وهَذِهِ قِراءَةُ عِكْرِمَةَ، وحُمَيْدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ كَثِيرٍ تَوَهَّمَ، مِثْلَ حاذِرٍ وحَذِرٍ، وفاكِهٍ وفَكِهٍ.
وَفِي اسْتِفْهامِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِأنَّهم لَمْ يَعْقِلُوا ما يَقُولُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ باقِي الآيَةِ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى الإيمانِ بِأنْبِيائِهِمْ وبِمُحَمَّدٍ ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ آمَنُوا بِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفِي الَّذِي زادَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
والثّانِي: قَوْلُ الرَّسُولِ.
والثّالِثُ: اسْتِهْزاءُ المُنافِقِينَ زادَ المُؤْمِنِينَ هُدًى، ذَكَرَهُنَّ الزَّجّاجُ.
وفي مَعْنى الهُدى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ.
والثّانِي: البَصِيرَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَآتاهم تَقْواهُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ثَوابُ تَقْواهم في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: اتِّقاءُ المَنسُوخِ والعَمَلُ بِالنّاسِخِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
والثّالِثُ: أعْطاهُمُ التَّقْوى مَعَ الهُدى، فاتَّقَوا مَعْصِيَتَهُ خَوْفًا مِن عُقُوبَتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
ويَنْظُرُونَ بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ، ﴿ أنْ تَأْتِيَهُمْ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الأشْهَبِ، وحُمَيْدٌ: "إنْ تَأْتِهِمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ بَعْدَ التّاءِ.
والأشْراطُ: العَلاماتُ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأشْراطُ: الأعْلامُ، وإنَّما سُمِّيَ الشَّرَطَ -فِيما تَرى- لِأنَّهم أعْلَمُوا أنْفُسَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ظُهُورُ النَّبِيِّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وانْشِقاقُ القَمَرِ والدُّخانُ وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ فَأنّى لَهُمْ ﴾ أيْ: فَمِن أيْنَ لَهم ﴿ إذا جاءَتْهُمْ ﴾ السّاعَةُ ﴿ ذِكْراهُمْ ﴾ ؟!
قالَ قَتادَةُ: أنّى لَهم أنْ يَذْكُرُوا ويَتُوبُوا إذا جاءَتْ؟!
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مَن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ ﴾ الآيَةُ.
تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ عَلى شَيْءٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وهي مُعادَلَةٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى مُحَمَّدٍ في أنَّهُ الَّذِي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وإلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في أنَّهُمُ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ، وبَقِيَ اللَفْظُ عامًّا لِأهْلِ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ غابِرَ الدَهْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى قَضِيَّةٍ واضِحَةٍ وعَقِيدَةٍ نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ ودِينٍ بَيِّنٍ" وألْحَقَ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والَّذِي يُسْنَدُ إلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "زُيِّنَ" ﴾ هو الشَيْطانُ، و"اتِّباعُ الأهْواءِ": طاعَتُها، كَأنَّها تَذْهَبُ إلى ناحِيَةٍ والمَرْءُ يَذْهَبُ مَعَها.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ وغَيْرُهُ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: صِفَةُ الجَنَّةِ ما تَسْمَعُونَ فِيها كَذا وكَذا، وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الَّذِي يُتْلى بِقَوْلِهِ: فِيها كَذا وكَذا، والَّذِي ساقَ إلى أنْ تَجْعَلَ "مَثَلُ" بِمَثابَةِ "صِفَةٍ" هو أنَّ المُمَثَّلَ بِهِ لَيْسَ في الآيَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ القَصْدَ في التَمْثِيلِ هو إلى الشَيْءِ الَّذِي يَتَخَيَّلُهُ المَرْءُ عِنْدَ سَماعِهِ: "فِيها كَذا وكَذا"، فَإنَّهُ يَتَصَوَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ بِقاعًا عَلى هَذِهِ الصُورَةِ، وذَلِكَ هي مَثَلُ الجَنَّةِ ومِثالُها، أو فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَثَلُ الجَنَّةِ ظاهِرٌ في نَفْسِ مَن وعى هَذِهِ الأوصافَ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِثالُ الجَنَّةِ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أمْثالُ الجَنَّةِ"، وعَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ كُلِّها فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ ﴾ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أساكِنُ هَذِهِ؟
أو تَقْدِيرُهُ: أهَؤُلاءِ؟
إشارَةٌ إلى المُتَّقِينَ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أيْضًا أنْ يَكُونَ الحَذْفُ في صَدْرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟
ويَكُونُ قَوْلُهُ مُسْتَفْهِمًا عنهُ بِغَيْرِ ألِفِ اسْتِفْهامٍ، فالمَعْنى: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ - وهي بِهَذِهِ الأوصافِ - كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟
فَتَكُونُ الكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَمَن" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّشْبِيهِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فِيها أنْهارٌ" ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
و ﴿ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ مَعْناهُ: غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وقَتادَةُ، وسَواءٌ أُنْتِنَ أو لَمْ يُنْتَنْ، يُقالُ: أسِنَ الماءُ - بِفَتْحِ السِينِ - وأسِنَ بِكَسْرِها - وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "آسِنٍ" ﴾ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أسِنَ" عَلى وزْنِ فَعِلَ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، والأسْنُ: الَّذِي يَخْشى عَلَيْهِ مِن رِيحٍ مُنْتِنَةٍ مِن ماءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: التارِكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ ∗∗∗ يَمِيلُ في الرُمْحِ مَيْلَ المائِحِ الأسِنِ وقالَ الأخْفَشُ: "آسِنٍ" لُغَةٌ، والمَعْنى الإخْبارُ بِهِ عَنِ الحالِ، ومَن قالَ: "آسِنٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، فَهو يُرِيدُ بِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، فَنَفى ذَلِكَ في الآيَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَيْرَ يَسِنٍ" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ عن عَوْفٍ: كَذَلِكَ كانَتْ في المُصْحَفِ "غَيْرَ يَسِنٍ" فَغَيَّرَها الحَجّاجُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في اللَبَنِ: ﴿ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ نَفْيٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الفَسادِ في اللَبَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ جَمَعْتُ طِيبَ المَطْعَمِ وزَوالَ الآفاتِ مِنَ الصُداعِ وغَيْرَهُ، و"لَذَّةٍ" نَعْتٌ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ، وتَصْفِيَةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لِبَوْسَتِهِ وضَرَرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأنْواعِ، لَكِنَّها بَعِيدَةُ الشَبَهِ، إذْ تِلْكَ لا عَيْبَ فِيها ولا تَعَبَ بِوَجْهٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ مَعْناهُ: وتَنْعِيمٌ أعْطَتْهُ المَغْفِرَةُ وسَبَّبَتْهُ؛ وإلّا فالمَغْفِرَةُ إنَّما هي قَبْلَ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَسُقُوا" ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "مَن" لِأنَّ المُرادَ بِهِ جَمْعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ النَبِيِّ ويَسْمَعُونَ كَلامَهُ وتِلاوَتَهُ، فَإذا خَرَجُوا قالَ بَعْضُهم لِمَن شاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا وانْتَفَعُوا: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟
فَكانَ مِنهم مَن يَقُولُ هَذا اسْتِخْفافًا، أيْ: ما مَعْنى ما قالَ؟
وما نَفْعُهُ؟
وما قَدْرُهُ؟
ومِنهم مَن كانَ يَقُولُ ذَلِكَ جَهْلًا ونَسْيانًا لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ الكَلامِ مُقْبِلًا عَلى فِكْرَتِهِ في أمْرِ دُنْياهُ وفي كُفْرِهِ، فَكانَ القَوْلُ يَمُرُّ صَفْحًا، فَإذا خَرَجَ قالَ: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟
وهَذا أيْضًا فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِخْفافِ لِأنَّهُ كانَ يُصَرِّحُ أنَّهُ كانَ يَقْصِدُ الإعْراضَ وقْتَ الكَلامِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَصْدٍ لَمٍ يَبْعُدْ أنْ يَجْرِيَ عَلى بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِمَّنْ سُئِلَ هَذا السُؤالَ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
و" آنِفًا" مَعْناهُ: مُبْتَدِئًا، كَأنَّهُ قالَ ما القَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عنهُ؟
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنِفًا" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "أنْفًا" عَلى وزْنِ فَعْلٍ، وهُما اسْما فاعِلٍ مِنِ "ائْتَنَفَ"، وجَرَيا عَلى غَيْرِ فِعْلِهِما، وهَذا كَما جَرى "فَقِيرٌ" عَلى "افْتَقَرَ" ولَمْ يُسْتَعْمَلْ "فَقْرٌ"، وهَذا كَثِيرٌ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: "أنْفًا" مَعْناهُ: الساعَةُ الماضِيَةُ القَرِيبَةُ مِنّا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ طَبَعَ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ الفاعِلِينَ لِهَذا، وهَذا الطَبْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على ما مضى من وصف أحوال الكافرين من قوله: ﴿ أفلم يسيروا في الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ [محمد: 10 16] الشاملة لأحوال الفريقين ففرع عليها أن كلا الفريقين ينتظرون حلول الساعة لينالوا جزاءهم على سوء كفرهم فضمير ينظرون مراد به الكافرون لأن الكلام تهديد ووعيد، ولأن المؤمنين ينتظرون أموراً أخر مثل النصر والشهادة، قال تعالى: ﴿ قل هل تَربَّصُون بنا إلا إحدى الحُسْنَيْينِ ﴾ [التوبة: 52] الآية.
والنظر هنا بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى: ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ﴾ [الأنعام: 158] الآية.
والاستفهام إنكار مشوب بتهكم، وهو إنكار وتهكم على غائبين، موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي لا تحسب تأخير مؤاخذتهم إفلاتاً من العقاب، فإنه مُرجَوْن إلى الساعة.
وهذا الاستفهام الإنكاري ناظر إلى قوله آنفاً ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ﴾ [محمد: 12].
والقصر الذي أفاده الاستثناء قصر ادعائي، نُزل انتظارهم ما يأملونه من المرغوبات في الدنيا منزلة العدم لضآلة أمره بعد أن نُزلوا منزلة من ينتظرون فيما ينتظرون الساعة لأنهم لتحقق حلوله عليهم جديرون بأن يكونوا من منتظريها.
و ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من الساعة.
و ﴿ بغتة ﴾ حال من الساعة قال تعالى: ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ [الأعراف: 187].
والبغتة: الفجأة، وهو مصدر بمعنى: المرة، والمراد به هنا الوصف، أي مباغتة لهم.
ومعنى الكلام: أن الساعة موعدهم وأن الساعة قريبة منهم، فحالهم كحال من ينتظر شيئاً فإنما يكون الانتظار إذا اقترب موعد الشيء، هذه الاستعارة تهكمية.
والفاء من قوله: ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ فاء الفصيحة كالتي في قول عباس بن الأحنف: قالوا خراسانُ أقصى ما يراد بنا *** ثم القفول فقد جئنا خراسانا وهذه الفصيحة تفيد معنى تعليل قرب مؤاخذتهم.
والأشراط: جمع شَرَط بفتحتين، وهو: العلامة والأمارة على وجود شيء أو على وصفه.
وعلامات الساعة هي علامات كونها قريبة.
وهذا القرب يتصور بصورتين: إحداهما أن وقت الساعة قريب قرباً نسبياً بالنسبة إلى طول مدة هذا العالم ومن عليه من الخلق.
والثانية: أن ابتداء مشاهدة أحوال الساعة يحصل لكل أحد بموته فإن روحه إذا خلصت عن جسده شاهدت مصيرها مشاهدة إجمالية وبه فسر حديث أبي هريرة مرفوعاً «القبر روضة من رياض الجنة أو حفر من حفر النار» رواه الترمذي.
وهو ضعيف ويفسره حديث ابن عمر مرفوعاً «إذا مات الميت عرض عليه مقعده بالغداة والعشي فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ثم يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» ونهاية حياة المرء قريبة وإن طال العمر.
والأشراط بالنسبة للصورة الأولى: الحوادث التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقع بين يدي الساعة، وأولها بعثته لأنه آخر الرسل وشريعته آخر الشرائع ثم ما يكون بعد ذلك، وبالنسبة للصورة الثانية أشراطها الأمراض والشيخوخة.
﴿ أَشْرَاطُهَا فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ﴾ .
تفريع على ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ .
و ﴿ أنّى ﴾ اسم يدل على الحالة، ويضمّن معنى الاستفهام كثيراً وهو هنا استفهام إنكاري، أي كيف يحصل لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعة، والمقصود: إنكار الانتفاع بالذكرى حينئذٍ.
و ﴿ أنَّى ﴾ مبتدأ ثان مقدم لأن الاستفهام له الصدارة.
و ﴿ ذكراهم ﴾ مبتدأ أول و ﴿ لهم ﴾ خبر عن ﴿ أنّى ﴾ ، وهذا التركيب مثل قوله تعالى: ﴿ أنّى لهم الذكرى ﴾ في سورة الدخان (13)، وضمير جاءتهم } عائد إلى ﴿ الساعة ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والبَيِّنَةُ الوَحْيُ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، والبَيِّنَةُ مُعْجِزَةُ الرَّسُولِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الدِّينُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِبادَتُهُمُ الأوْثانَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: شِرْكُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كافَّةُ المُشْرِكِينَ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الِاثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ.
وَفِيمَن زَيَّنَهُ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشَّيْطانُ.
الثّانِي: أنْفُسُهم.
﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتٌ لِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأنهار من ماء غير آسن ﴾ قال: غير متغير.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من ماء غير آسن ﴾ قال: غير منتن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يحلب.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ قال: لم يخرج من بين فرث ودم ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ قال: لم تدنسه الرجال بأرجلهم ﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ قال: لم يخرج من بطون النحل.
وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن معاوية بن حيدة رضي الله الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها بعد» .
وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة؟
ونهر سيحان نهر الماء في الجنة.
وأخرج ابن مردويه عن الكلبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ الآية قال: حدثني أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي فانطلق بي الملك فانتهى بي إلى نهر الخمر فإذا عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقلت للملك: أيّ نهر هذا؟
فقال: هذا نهر دجلة.
فقلت له: إنه ماء قال هو ماء في الدنيا يسقي الله به من يشاء، وهو في الآخرة خمر لأهل الجنة.
قال: ثم انطلقت مع الملك إلى نهر الرب فقلت للملك: أي نهر هذا؟
قال: هو جيحون وهو الماء غير آسن، وهو في الدنيا ماء يسقي الله به من يشاء، وهو في الآخرة ماء غير آسن، ثم انطلق بي فأبلغني نهر اللبن الذي يلي القبلة، فقلت للملك: أيّ نهر هذا؟
قال: هذا نهر الفرات، فقلت: هو ماء قال: هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا، وهو لبن في الآخرة لذرية المؤمنين الذين رضي الله عنهم وعن آبائهم، ثم انطلق بي فأبلغني نهر العسل الذي يخرج من جانب المدينة، فقلت للملك الذي أرسل معي: أيّ نهر هذا؟
قال: هذا نهر مصر.
قلت: هو ماء.
قال: هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا وهو في الآخرة عسلٌ لأهل الجنة» ﴿ ولهم فيها من كل الثمرات ﴾ يقول: في الجنة ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ يقول: لذنوبهم.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي وائل رضي اللهعنه قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان ألى ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف؟
أياء تجده أما الفا؟
من ماء غير ياسن أو من ماء غير آسن؟
فقال له عبد الله رضي الله عنه: وكل القرآن أحصيت غير هذا؟
فقال أني لأقرأ المفصل في ركعة.
قال: هذا كهذا الشعر إن قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن القرآن إذا وقع في القلب فرسخ نفع، إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن سعد بن طريف رضي الله عنه قال: سألت أبا إسحاق رضي الله عنه عن ﴿ ماء غير آسن ﴾ قال: سألت عنها الحارث فحدثني أن الماء الذي غير آسن تسنيم، قال: بلغني أنه لا تمسه يد وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل فمه والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ﴾ وتفسير هذا قد تقدَّم في آي كثيرة [الحج: 55، الزخرف: 66]، قال أبو إسحاق: موضع أن نصب على البدل من الساعة، المعنى: فهل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة، وهذا من البدل المشتمل على الأول في المعنى (١) (٢) (٣) ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ أي عن قتال في الشهر الحرام ومثله: ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ إنما هو لولا أن تطؤوهم.
قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ قال أبو عبيد: قال الأصمعي: هي علاماتها، قال: ومنه الاشتراط الذي يشترط الناس بعضهم على بعض، إنما هي علامات يجعلونها بينهم قال: ولهذا سميت الشُّرط لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها.
قال أبو عبيد: وقال غيره في بيت (٤) فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهْوَ مُعْصِمٌ ...
وأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وتَوكَّلا (٥) هو من هذا أيضًا، يريد أنه جعل نفسه علماً لهذا الأمر.
وقال أبو سعيد: أشراط الساعة أسبابها التي هي دون معظمها وقيامها، قال: وأشراط كل شيء ابتداء أوله، ومنه يقال للدون من الناس: الشَّرَط لأنهم دون الذين هم أعظمهم وأنشد للكميت: وجدتُ الناسَ غيرَ ابْنَي نِزارٍ ...
ولم أَذْمُمْهُم شَرَطاً وَدُونَا (٦) قال الليث: والشرطان كوكبان، يقال إنهما قرنا الحمل، وهو أول نجم من نجوم الربيع، ومن ذلك صار أوائل كل أمر يقع أشراطُه (٧) (٨) (٩) (١٠) وأنشد أبو عبيدة لابن المفرغ (١١) وَشَريتُ بُرْداً لَيْتَنِي ...
من بعد بُرْدٍ كنتُ هَامَهْ وتَبِعْثُ عبد بَنِي عِلاَجٍ ...
تِلكَ أَشْرَاطُ القِيامَهْ (١٢) (١٣) - من أشراطها، وقد قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين" (١٤) (١٥) وقال الحسن: محمد من أشراطها (١٦) - فقد عاينوا هذا كله (١٧) قوله تعالى ﴿ فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: فمن أين لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة، (ذكراهم) في موضع رفع بقوله: (فأنى) (١٨) (١٩) وقال مقاتل: في الآية تقديم، تقول: من أين لهم التذكرة والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم وقد فرطوا فيها (٢٠) وقال قتادة: يقول: أنى لهم أن يتذكروا ويتوبوا إذا جاءتهم الساعة (٢١) وقال الحسن: إذا جاءت الساعة لا تقبل منهم (٢٢) قال الفراء: ومثله قوله (٢٣) ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ﴾ .
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 11.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 61.
(٣) لم أقف على قولي الكسائي والمبرد.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (شرط) 11/ 309، "اللسان" (يشترط) 7/ 330.
(٥) انظر: المرجعين السابقين، "الدر المصون" 6/ 152.
(٦) انظر: ديوانه 2/ 111، "تهذيب اللغة" (شرط) 11/ 309، "المحتسب" لابن جني 1/ 89، "اللسان" (شرط) 11/ 331.
(٧) من قوله: قال أبو عبيد: قال الأصمعي ..
إلخ.
انظره بنصه في "تهذيب اللغة" (شرط) 11/ 209 - 210.
(٨) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 215، وقول المبرد في "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 185.
(٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 11.
(١٠) انظر: "جامع البيان" للطبري 13/ 52، "تفسير الثعلبي" 10/ 127 أ "تفسير البغوي" 7/ 284.
(١١) هو: يزيد بن زياد بن ربيعة الملقب بمفرغ الحميري أبو عثمان شاعر غزل هو الذي وضع سيرة تبع وأشعاره وكان هجاء مقذعا وله مديح ونظمه سائر كانت وفاته حوالي 69 هـ.
انظر: "خزانة البغدادي" 2/ 112، "الوفيات" 2/ 289، "الأعلام" 8/ 183.
(١٢) انظر: "مجاز القرآن" الأبي عبيدة 1/ 48، 304، وقد أورد البيت الأول فقط، == وأورده أيضًا صاحب "اللسان" في مادة (شرى) 14/ 428.
(١٣) ذكر ذلك الماوردي في تفسيره لكن بلفظ: (أوائلها) وعلق عليها المحقق، فقال: هكذا في الأصول ولعلها: أدلتها أي: أماراتها 5/ 299.
(١٤) أخرج ذلك البخاري عن سهل بن سعد - -.
انظر: "صحيح البخاري" كتاب التفسير 6/ 79 تفسير سورة النازعات، وأخرجه مسلم عن أنس بن مالك - - انظر: "صحيح مسلم"، كتاب الفتن، وأشراط الساعة، باب 27 قرب الساعة 3/ 2268 رقم 2951.
وأخرجه البغوي في شرح السنة 15/ 98، ورقم 4294.
(١٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في "المسند" عن سهل بن سعد - -، انظر: "المسند" 5/ 331.
(١٦) انظر: "تفسير الحسن" 2/ 289، و"تفسير ابن كثير" 6/ 317، و"الدر المنثور" 7/ 467.
(١٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 48.
(١٨) انظر: "معاني القرآن للزجاج" 5/ 11.
(١٩) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" 10/ 127 أمن غير نسبة، وكذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 404، ونسبه لقتادة، ونسبه في "الوسيط" 4/ 124 لعطاء.
(٢٠) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 48.
(٢١) انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 299، "زاد المسير" 7/ 404، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 241.
(٢٢) ذكر ذلك الهواري في "تفسيره" من غير نسبة.
انظر 4/ 165، وكذلك ذكره الفخر الرازي 28/ 60.
(٢٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 61.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة ﴾ الضمير للمنافقين، والمعنى هل ينتظرون إلا الساعة قريبة ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ أي علاماتها والذي كان قد جاء من ذلك مبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: «أنا من أشراط الساعة، وبثعت أنا والساعة كهاتين» ﴿ فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾ أي كيف لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعة بغتة؟
فلا يقدرون على عمل ولا تنفعهم التوبة، ففاعل جاءتهم الساعة، وذكراهم مبتدأ وخبره الاستفهام المتقدم، والمراد به الاستبعاد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.
الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.
الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.
﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.
التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟
فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.
وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.
وقيل: هم أهل الكتاب.
والأظهر العموم.
قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.
وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.
وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد لا يرد عليه النسخ أبداً.
وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.
وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.
والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.
وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.
وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.
وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.
قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.
وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.
وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".
﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.
فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.
وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.
لأن رسول الله منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.
وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.
وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.
وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.
وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.
والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.
وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.
قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.
وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.
وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.
وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.
وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى .
عن أبي هريرة أن النبي قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.
وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.
ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.
ومعنى الابتلاء من الله قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.
ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.
وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.
وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.
ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.
يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.
عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.
وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.
ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.
ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.
والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.
والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.
ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.
وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.
وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.
وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟
وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.
وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.
والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.
قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.
والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.
فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله أعلم بمراده.
وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟
والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.
وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.
ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.
وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.
ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.
وعن السدي: بين لهم ما يتقون.
وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول .
ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.
وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.
ومنه مبعث محمد فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.
وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".
وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟
والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر عاقبة المؤمنين من الاتباع لأمره والتصديق لرسله، وهو قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وبين ما لأولئك الذين اختاروا من الكفر به والتكذيب لرسله في العاقبة، حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ أي: مأوى لهم بما اختاروا، والله أعلم.
وذلك أن أهل الإيمان والتوحيد نظروا في جميع أحوالهم وأمورهم إلى ما فيه أمر الله - - وما يعقب لهم نفعاً في العاقبة، لم ينظروا إلى ما فيه قضاء شهواتهم ومناهم؛ بل اختاروا أمر الله على جميع ما ذكرنا، وأولئك الكفرة، لم ينظروا إلى ما فيه أمر الله، ولا يوجب لهم في العاقبة من النفع؛ بل اختاروا لشهواتهم ومناهم، وما فيه هواهم على ما فيه أمر الله ونهيه، فجعل للمؤمنين في الآخرة قضاء شهواتهم التي تركوا قضاءها في الدنيا، وكفوا أنفسهم عن مناها مكان ذلك في الجنة والبساتين التي وعد لهم في الآخرة، وجعل لأولئك الكفرة في الآخرة مكان ما قضوا في الدنيا من شهواتهم، وإعطاء أنفسهم مناها النار، وما ينقصهم ما أعطوا أنفسهم في الدنيا.
ثم قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ يحتمل تشبيه أولئك الكفرة بالأنعام في الأكل وجهين: أحدهما: يخبر أنهم يأكلون، وهمتهم في الأكل ليست إلا الشبع، وامتلاء البطن، وقضاء الشهوة، لا ينظرون إلى ما أمر الله به ونهاهم عنه، كالأنعام التي ذكر همتها ليست في الأكل إلا الشبع، وامتلاء البطن، واقتضاء الشهوة، والله أعلم.
والثاني: يخبر عنهم أنهم لا ينظرون في أكلهم وشربهم إلى عاقبة، ولا إلى وقت ثانٍ؛ بل نظرهم إلى الحال التي هم فيها، كالأنعام التي ذكر أنها تأكل ولا تنظر، ولا تدّخر شيئاً لوقت ثانٍ، ولا تترك شيئاً ما دامت تشتهي، فعلى ذلك أولئك الكفرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ كانت سنة الله - - في الذين كانوا من قبل أنه إذا أخرج الرسل - عليهم السلام - من بين أظهرهم أهلكهم، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب؛ إذ أخرجت من بين أظهرهم كما يستوجب أولئك الكفرة، لكن الله بفضله ورحمته أخر ذلك عنهم؛ لأنه بعثك إليهم رحمة؛ كقوله - -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ، أو أخر ذلك عنهم؛ لما وعد أنه خاتم الأنبياء - عليهم السلام - ليبقي شريعته إلى يوم القيامة، ولو أهلكهم واستأصلهم؛ على ما فعل بأولئك لانقطعت رسالته وشريعته، وقد وعد أنها تبقى، وأنه رحمة لهم، وأنه لا يخلف الميعاد.
ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشدّ قوة وبطشاً من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله، ولا مانع يمنعهم عنه، فأنتم يأهل مكة أولى ألا تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَخْرَجَتْكَ ﴾ أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولوا إخراجه بأنفسهم؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم؛ لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأنهم قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء - عليهما السلام - من الجنة بقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ ، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ذلك على الخروج، فكأنه وجد الإخراج منه، وأصله: أن الأشياء والأفعال ربما تنسب إلى أسبابها، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ هو خير من الله - - أي: لا يكون لهم ناصر، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا يكون ناصر في الآخرة.
والثاني: على إضمار؛ أي: لم يكن لهم ناصر وقت ما عذبوا في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ لم يخرج لهذا الحرف جواب؛ لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس من كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبع هواه، يعرف ذلك بالبديهة كمن يقول: ليس المحسن كالمسيء، وليس من يحسن كمن يسيء، ونحو ذلك مما يعرفه كل أحد لا يحتاج إلى بيان وجواب، فعلى ذلك هذا.
ثم في ذلك وجهان: أحدهما: يذكر سفههم باختيارهم اتباع هواهم وما زين لهم من سوء عملهم على اتباع من كان على بينة منه، وبيان، على علم بذلك، ويقين، والله أعلم.
والثاني: فيه ذكر دلالة البعث، يقول - والله أعلم -: لما عرفتم أن من كان على بينة من ربه ليس كمن يتبع هوى نفسه، وقد استويا في هذه الدنيا: انتفع هذا كما انتفع الآخر، وفي العقول لا استواء بينهما؛ فدل استواؤهما في هذه الدار على أن هناك داراً أخرى، ثم يفرق بينهما ويميز، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن قوله - -: ﴿ وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ على حقيقة المثل، كأنه يقول: مثل الجنة التي وعد المتقون من جناتكم هذه لو كانت جناتكم في الدنيا على المثل الذي وصف في الآية، أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها، وتحرص في طلبها؛ لتكون تلك الجنة لها، فما بالكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وعد المتقون في الآخرة لا ترغبون فيها، ولا تحرصون في طلبها؟
والله أعلم.
ويخرج على هذا التأويل قوله - -: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ أي: ليس من كان خالداً في جنة من جناتكم التي ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من نيرانكم.
والثاني: يحتمل قوله - -: ﴿ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ ما ذكر، فيخرج على الصلة؛ لما تقدم من قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ثم وصف ونعت الجنة التي أخبر أنه يدخلهم فيها فقال: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ أي: صفتها ﴿ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن...
﴾ كذا وكذا الآية، وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ يحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ ، ثم وصف تلك النار التي أخبر أنها مثوى لهم ومأوى لهم فقال: ﴿ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً...
﴾ الآية.
والثالث: يذكر على أن من وعد له ما وعد للمتقين من الجنة وما فيها من النعم، ليس كمن وعد له النار؛ ألا ترى أنه - جل وعلا - ذكر في آخر ما ذكر من وصف الجنة: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس هذا كهذا، ولا سواء بينهما، أي: لا مساواة، وهو كقوله - - فيما تقدم من حيث قال: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ ، أي: ليس هذا كهذا؛ فعلى هذا يحتمل ما ذكر من وصف الجنة ووصف النار؛ أي: ليس من وعد له الجنة التي وصفها ونعتها كمن وعد له النار التي وصفها ما ذكر، والله أعلم.
ثم قال: ﴿ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...
﴾ الآية، يخبر أن ما يكون في الجنة من المياه, والخمور، والألبان، وما ذكر ليس كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها، وكذلك اللبن في الدنيا يتغير ويفسد عن قريب إذا ترك لما ذكر، فيخبر أن ألبان الجنة لا تفسد للترك، ولا يصيبها شيء فيفسدها ويخرجها عن طعم اللبن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ يخبر أن الخمر في الجنة مما يتلذذ بها أهلها عند الشرب ليس كخمور الدنيا يتكره أهلها عند شربها ويعبسون بوجوههم عند التناول منها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ﴾ أي: أنهار من عسل خلق، وأنشئ مصفى لا كدورة فيه، لا أنه كان كدراً [ثم] صفي، أو كان خلق بعضه كدراً وبعضه مصفى، ولكن خلق كله مصفى من الابتداء، وهو كقوله - -: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ أي: خلقها في الابتداء مرفوعة، لا أنها كانت موضوعة ثم رفعها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ يحتمل: أي: من كل الثمرات التي عرفوها في الدنيا ورأوها.
أو يقول: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ التي يريدون فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس من وعد له ما ذكر من الجنة وهو خالد فيها متنعم بما ذكر من ألوان الثمار والتنعم بما ذكر من المياه والخمور والألبان، كمن هو خالد في النار وما ذكر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فهل ينتظر الكفار إلا أن تأتيهم الساعة فجأة من غير سابق علم لهم بها؟!
فقد جاءت علاماتها، ومنها بعثته ، وانشقاق القمر، فكيف لهم أن يتذكروا إذا جاءتهم الساعة؟
<div class="verse-tafsir" id="91.9nmX8"