الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٢٢ من سورة محمد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 133 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٢ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( فهل عسيتم إن توليتم ) أي : عن الجهاد ونكلتم عنه ، ( أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) أي : تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء ، تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام
القول في تأويل قوله تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف أنهم إذا نـزلت سورة محكمة, وذُكر فيها القتال نظروا إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نظر المغشيّ عليه ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ ) أيها القوم, يقول: فلعلكم إن توليتم عن تنـزيل الله جلّ ثناؤه, وفارقتم أحكام كتابه, وأدبرتم عن محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعما جاءكم به ( أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ ) يقول: أن تعصوا الله في الأرض, فتكفروا به, وتسفكوا فيها الدماء ( وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) وتعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرّق بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام, وألَّف به بين قلوبكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ )...
الآية.
يقول: فهل عسيتم كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله, ألم يسفكوا الدم الحرام, وقطَّعوا الأرحام, وعَصَوا الرحمن.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) قال: فعلوا.
حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: أخبرنا محمد بن جعفر وسليمان بن بلال, قالا ثنا معاوية بن أبي المزرّد المديني, عن سعيد بن يسار, عن أبي هريرة, عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه قال: " خَلَقَ اللّهُ الخَلْقَ, فَلَمَّا فَرغ مِنْهُمْ تَعَلَّقَتِ الرَّحِمُ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقالَ مَهْ: فَقالَتْ: هَذَا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ, قالَ: أَفمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ, وَأصِلَ مَنْ وَصَلَكِ؟
قالَتْ: نَعَمْ, قالَ: فَذلكِ لَكِ".
قال سليمان في حديثه: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) وقد تأوّله بعضهم: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس أن تفسدوا في الأرض بمعنى الولاية, وأجمعت القرّاء غير نافع على فتح السين من عَسَيتم , وكان نافع يكسرها عَسِيتم.
والصواب عندنا قراءة ذلك بفتح السين لإجماع الحجة من القرّاء عليها, وأنه لم يسمع في الكلام: عَسِيَ أخوك يقوم, بكسر السين وفتح الياء; ولو كان صوابا كسرها إذا اتصل بها مكنّى, جاءت بالكسر مع غير المكنّى, وفي إجماعهم على فتحها مع الاسم الظاهر, الدليل الواضح على أنها كذلك مع المكنّى, وإن التي تَلِي عسيتم مكسورة, وهي حرف حزاء, و " أن " التي مع تفسدوا في موضع نصب بعسيتم.
قوله تعالى : قوله تعالى : فهل عسيتم إن توليتم اختلف في معنى إن توليتم فقيل : هو من الولاية .
قال أبو العالية : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا .
وقال الكلبي : أي : فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم .
وقال ابن جريج : المعنى فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام .
وقال كعب : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضا .
وقيل : من الإعراض عن الشيء .
قال قتادة : أي : فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام ، وتقطعوا أرحامكم .
وقيل : فهل عسيتم أي : فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم .
وقرئ بفتح السين وكسرها .
وقد مضى في ( البقرة ) القول فيه مستوفى .
وقال بكر المزني : إنها نزلت في الحرورية والخوارج ، وفيه بعد .
والأظهر أنه إنما عني بها المنافقون .
وقال ابن حيان : قريش .
ونحوه قال المسيب بن شريك والفراء ، قالا : نزلت في بني أمية وبني هاشم ، ودليل هذا التأويل ما روى عبد الله بن مغفل قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : [ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض - ثم قال - هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألا يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم ] .
وقرأ علي بن أبي طالب ( إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ) بضم التاء والواو وكسر اللام .
وهي قراءة ابن أبي إسحاق ، ورواها رويس عن يعقوب .
يقول : إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم .
وتقطعوا أرحامكم بالبغي والظلم والقتل .
وقرأ يعقوب وسلام وعيسى وأبو حاتم ( وتقطعوا ) بفتح التاء وتخفيف القاف ، من القطع ، اعتبارا بقوله تعالى : ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل .
وروى هذه القراءة هارون عن أبى عمرو .وقرأ الحسن ( وتقطعوا ) [ ص: 225 ] مفتوحة الحروف مشددة ، اعتبارا بقوله تعالى : وتقطعوا أمرهم بينهم .
الباقون وتقطعوا بضم التاء مشددة الطاء ، من التقطيع على التكثير ، وهو اختيار أبي عبيد .
وتقدم ذكر عسيتم في ( البقرة ) .
وقال الزجاج في قراءة نافع : لو جاز هذا لجاز ( عسي ) بالكسر .
قال الجوهري : ويقال عسيت أن أفعل ذلك ، وعسيت بالكسر .
وقرئ ( فهل عسيتم ) بالكسر .قلت : ويدل قوله هذا على أنهما لغتان .
وقد مضى القول فيه في ( البقرة ) مستوفى .في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذاك لك - ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - اقرءوا إن شئتم فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم .
أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم .
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها .
وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار .وقال قتادة وغيره : معنى الآية فلعلكم ، أو يخاف عليكم ، إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض لسفك الدماء .
قال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن .
فالرحم على هذا رحم دين الإسلام والإيمان ، التي قد سماها الله إخوة بقوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة وعلى قول الفراء أن الآية نزلت في بني هاشم وبني أمية ، والمراد من أضمر منهم نفاقا ، فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرابة بتكذيبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وذلك يوجب القتال .وبالجملة فالرحم على وجهين : عامة وخاصة ، فالعامة رحم الدين ، ويوجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم ، والنصيحة وترك مضارتهم والعدل بينهم ، والنصفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة ، كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم ، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم .
وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه ، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة ، كالنفقة وتفقد أحوالهم ، وترك .
التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم ، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة ، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب .
وقال بعض أهل العلم : إن الرحم التي تجب صلتها هي كل رحم محرم وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال .وقيل : بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث ، محرما كان أو غير محرم .
فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم .
وهذا ليس بصحيح ، والصواب أن كل ما يشمله ويعمه الرحم تجب صلته على كل حال ، قربة ودينية ، على ما ذكرناه أولا والله أعلم .قد روى أبو داود الطيالسي في مسنده قال : حدثنا شعبة قال أخبرني محمد بن عبد الجبار قال سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن للرحم لسانا يوم القيامة تحت [ ص: 227 ] العرش يقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إلي فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك .
وفي صحيح مسلم عن جبير بن مطعم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يدخل الجنة قاطع .
قال ابن أبي عمر قال سفيان : يعني قاطع رحم .
ورواه البخاري .قوله - عليه السلام - : إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم .
.
.
خلق بمعنى اخترع وأصله التقدير ، كما تقدم .
والخلق هنا بمعنى المخلوق .
ومنه قوله تعالى : هذا خلق الله أي : مخلوقه .
ومعنى فرغ منهم كمل خلقهم .
لا أنه اشتغل بهم ثم فرغ من شغله بهم ، إذ ليس فعله بمباشرة ولا مناولة ، ولا خلقه بآلة ولا محاولة ، تعالى عن ذلك .
وقوله : قامت الرحم فقالت يحمل على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة فيقول ذلك ، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ووزر من قطعها ، كما وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين ، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين .
وثانيهما : أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للإعياء وشدة الاعتناء .
فكأنه قال : لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام ، كما قال تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ثم قال وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون .
وقوله : فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم ، وأن الله سبحانه قد نزلها بمنزلة من استجار به فأجاره ، وأدخله في ذمته وخفارته .
وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض ، ولذلك قال مخاطبا للرحم : ( أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ) .
وهذا كما قال - عليه السلام - : ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يكبه في النار على وجهه .
ثم ذكر تعالى حال المتولي عن طاعة ربه، وأنه لا يتولى إلى خير، بل إلى شر، فقال: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } أي: فهما أمران، إما التزام لطاعة الله، وامتثال لأوامره، فثم الخير والرشد والفلاح، وإما إعراض عن ذلك، وتولٍ عن طاعة الله، فما ثم إلا الفساد في الأرض بالعمل بالمعاصي وقطيعة الأرحام.
( فهل عسيتم ) فلعلكم ( إن توليتم ) أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه ( أن تفسدوا في الأرض ) تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية فتفسدوا في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدماء ، وترجعوا إلى الفرقة بعد ما جمعكم الله بالإسلام .
( وتقطعوا أرحامكم ) قرأ يعقوب : " وتقطعوا " بفتح التاء خفيف ، والآخرون بالتشديد " وتقطعوا " من التقطيع ، على التكثير ، لأجل الأرحام ، قال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام ، وقطعوا الأرحام ، وعصوا الرحمن ؟
وقال بعضهم : هو من الولاية .
وقال المسيب بن شريك والفراء : يقول فهل عسيتم إن وليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم ، نزلت في بني أمية وبني هاشم ، يدل عليه قراءة علي بن أبي طالب " توليتم " بضم التاء والواو وكسر اللام ، يقول : إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وعاونتموهم .
«فهل عسَِيتم» بكسر السين وفتحها وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب، أي لعلكم «إن توليتم» أعرضتم عن الإيمان «أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم» أي تعودوا إلى أمر الجاهلية من البغي والقتال.
فلعلكم إن أعرضتم عن كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن تعصوا الله في الأرض، فتكفروا به وتسفكوا الدماء وتُقَطِّعوا أرحامكم.
ثم بين - سبحانه - ما هو متوقع منهم ، ووجه الخطاب إليهم على سبيل الالتفات ليكون أزجر لهم ، فقال : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ ) .قال الفخر الرازى ما ملخصه : وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه ، وهو أنهم كانوا يقولون : كيف نقاتل العرب وهم من ذوى أرحامنا وقبائلنا .والاستفهام للتقرير المؤكد ، وعسى للتوقع ، وفى قوله ( إِن تَوَلَّيْتُمْ ) وجهان : أحدهما : أنه من الولاية ، يعنى : فهل يتوقع منكم - أيها المنافقون - إن أخذتم الولاية وسار الناس بأمركم ، إلا فساد فى الأرض وقطع الأرحام؟وثانيهما : أنه من التولى بمعنى الإِعراض وهذا أنسب - أى : إن كنتم تتركون القتال ، وتقولون فيه الإِفاسد وقطع الأرحام ، لكون الكفار أقاربنا ، فإن فى هذه الحالة لا يتوقع منكم إلا الإِفساد وقطع الأرحام كما كان حالكم فى الجاهلية .وعلى كلا القولين فالمقصود من الآية توبيخهم على جبنهم وكراهتهم لما يأمرهم به النبى - صلى الله عليه وسلم - من الجهاد فى سبيل الله - تعالى - ، وتقريعهم على أعذارهم الباظلة ، ببيان أنهم لو أعرضوا عن القتال وخالفوا تعاليم الإِسلام فلن يكون منهم إلا الإِفساد وقطع الأرحام ، وكذلك سيكون حالهم لو تولوا أمور الناس ، وكانوا حكاما لهم .وقوله : ( أَن تُفْسِدُواْ ) خبر عسى ، وقوله : ( إِن تَوَلَّيْتُمْ .
.
) جملة معترضة ، وجواب ( إِن ) محذوف لدلالة قوله : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ ) عليه .أى : ما يتوقع منكم إلا الإِفساد وقطع الأرحام ، إن أعرضتم عن تعاليم الإِسلام ، أو إن توليتم أمور الناس ، فأحذروا أن يكون منكم هذا التولى الذى سيفضى بكم إلى سوء المصير ، الذى بينه - سبحانه - فى قوله : ( أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله )
وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه، وهو أنهم كانوا يقولون كيف نقاتل والقتل إفساد والعرب من ذوي أرحامنا وقبائلنا؟
فقال تعالى: ﴿ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ لا يقع منكم إلا الفساد في الأرض فإنكم تقتلون من تقدرون عليه وتنهبونه والقتال واقع بينكم، أليس قتلكم البنات إفساداً وقطعاً للرحم؟
فلا يصح تعللكم بذلك مع أنه خلاف ما أمر الله وهذا طاعة وفيه مسائل: المسألة الأولى: في استعمال عسى ثلاثة مذاهب أحدها: الإتيان بها على صورة فعل ماضٍ معه فاعل تقول عسى زيد وعسينا وعسوا وعسيت وعسيتما وعسيتم وعست وعستا والثاني: أن يؤتى بها على صورة فعل معه مفعول تقول عساه وعساهما وعساك وعساكما وعساي وعسانا.
والثالث: الإتيان بها من غير أن يقرن بها شيء تقول عسى زيد يخرج وعسى أنت تخرج وعسى أنا أخرج والكل له وجه وما عليه كلام الله أوجه، وذلك لأن عسى من الأفعال الجامدة واقتران الفاعل بالفعل أولى من اقتران المفعول لأن الفاعل كالجزء من الفعل ولهذا لم يجز فيه أربع متحركات في مثل قول القائل نصرت وجوز في مثل قولهم نصرك ولأن كل فعل له فاعل سواء كان لازماً أو متعدياً ولا كذلك المفعول به، فعسيت وعساك كعصيت وعصاك في اقتران الفاعل بالفعل والمفعول به، وأما قول من قال عسى أنت تقوم وعسى أن أقوم فدون ما ذكرنا للتطويل الذي فيه.
المسألة الثانية: الاستفهام للتقرير المؤكد، فإنه لو قال على سبيل الإخبار ﴿ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ لكان للمخاطب أن ينكره فإذا قال بصيغة الاستفهام كأنه يقول أنا أسألك عن هذا وأنت لا تقدر أن تجيب إلا بلا أو نعم، فهو مقرر عندك وعندي.
المسألة الثالثة: عسى للتوقيع والله تعالى عالم بكل شيء فنقول فيه ما قلنا في لعل، وفي قوله: ﴿ لِنَبْلُوَهُمْ ﴾ إن بعض الناس قال يفعل بكم فعل المترجي والمبتلي والمتوقع، وقال آخرون كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك ونحن قلنا محمول على الحقيقة وذلك لأن الفعل إذا كان ممكناً في نفسه فالنظر إليه غير مستلزم لأمر، وإنما الأمر يجوز أن يحصل منه تارة ولا يحصل منه أخرى فيكون الفعل لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجي سواء كان الفاعل يعلم حصول الأمر منه وسواء أن لم يكن يعلم، مثاله من نصب شبكة لاصطياد الصيد يقال هو متوقع لذلك فإن حصل له العلم بوقوعه فيه بإخبار صادق أنه سيقع فيه أو بطريق أخرى لا يخرج عن التوقع، غاية ما في الباب أن في الشاهد لم يحصل لنا العلم فيما نتوقعه فيظن أن عدم العلم لازم للمتوقع، وليس كذلك بل المتوقع هو المنتظر لأمر ليس بواجب الوقوع نظراً لذلك الأمر فحسب سواء كان له به علم أو لم يكن وقوله: ﴿ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه من الولاية يعني إن أخذتم الولاية وصار الناس بأمركم أفسدتم وقطعتم الأرحام وثانيهما: هو من التولي الذي هو الإعراض وهذا مناسب لما ذكرنا، أي كنتم تتركون القتال وتقولون فيه الإفساد وقطع الأرحام لكون الكفار أقاربنا فلا يقع منكم إلا ذلك حيث تقاتلون على أدنى شيء كما كان عادة العرب الأول: يؤكده قراءة علي عليه السلام توليتم، أي إن تولاكم ولاة ظلمة جفاة غشمة ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم معهم وقطعتم أرحامكم، والنبي عليه السلام لا يأمركم إلا بالإصلاح وصلة الأرحام، فلم تتقاعدون عن القتال وتتباعدون في الضلال.
<div class="verse-tafsir"
كانوا يدعون الحرص على الجهاد ويتمنونه بألسنتهم ويقولون: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ في معنى الجهاد ﴿ فَإِذآ أُنزِلَتْ ﴾ وأمروا فيها بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا وشق عليهم، وسقطوا في أيديهم، كقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس ﴾ [النساء: 77] .
﴿ مُّحْكَمَةٌ ﴾ مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجهاً إلا وجوب القتال.
وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة، وهي أشدّ القرآن على المنافقين.
وقيل لها ﴿ محكمة ﴾ لأنّ النسخ لا يرد عليها من قبل أنّ القتال قد نسخ ما كان من الصفح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة.
وقيل: هي المحدثة؛ لأنها حين يحدث نزولها لا يتناولها النسخ، ثم تنسخ بعد ذلك أو تبقى غير منسوخة.
وفي قراءة عبد الله ﴿ سورة محدثة ﴾ وقرئ: ﴿ فإذا نزلت سورة وذَكَرَ فيها القتالُ ﴾ على البناء للفاعل ونصب القتال ﴿ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ هم الذين كانوا على حرف غير ثابتي الأقدام ﴿ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت ﴾ أي تشخص أبصارهم جبناً وهلعاً وغيظاً، كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت ﴿ فأولى لَهُمْ ﴾ وعيد بمعنى: فويل لهم.
وهو أفعل: من الولي وهو القرب.
ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه ﴿ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ كلام مستأنف، أي: طاعة وقول معروف خير لهم.
وقيل: هي حكاية قولهم، أي قالوا (طاعةٌ وقول) وقول معروف، بمعنى: أمرنا طاعة وقول معروف.
وتشهد له قراءة أبيّ: يقولون طاعة وقول معروف ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الامر ﴾ أي جدّ.
والعزم والجد لأصحاب الأمر.
وإنما يسندان إلى الأمر إسناداً مجازياً.
ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الامور ﴾ [الشورى: 43] .
﴿ فَلَوْ صَدَقُواْ الله ﴾ فيما زعموا من الحرص على الجهاد.
أو: فلو صدقوا في إيمانهم وواطأت قلوبهم فيه ألسنتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ أيْ إذا عَلِمْتَ سَعادَةَ المُؤْمِنِينَ وشَقاوَةَ الكافِرِينَ فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ وتَكْمِيلِ النَّفْسِ بِإصْلاحِ أحْوالِها وأفْعالِها وهَضْمِها بِالِاسْتِغْفارِ لِذَنْبِكَ.
﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ ولِذُنُوبِهِمْ بِالدُّعاءِ لَهم والتَّحْرِيضِ عَلى ما يَسْتَدْعِي غُفْرانَهُمْ، وفي إعادَةِ الجارِّ وحَذْفِ المُضافِ إشْعارٌ بِفَرْطِ احْتِياجِهِمْ وكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ وأنَّها جِنْسٌ آخَرُ، فَإنَّ الذَّنْبَ لَهُ ما لَهُ تَبِعَةُ ما بِتَرْكِ الأوْلى.
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ﴾ في الدُّنْيا فَإنَّها مَراحِلُ لا بُدَّ مِن قَطْعِها.
﴿ وَمَثْواكُمْ ﴾ في العُقْبى فَإنَّها دارُ إقامَتِكم فاتَّقُوا اللَّهَ واسْتَغْفِرُوهُ وأعِدُّوا لِمَعادِكم.
<div class="verse-tafsir"
{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ} أي فلعلكم إن أعرضتم عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً ووأد البنات وخبر عسى أَن تُفْسِدُواْ والشرط اعتراض بين الاسم والخبر والتقدير فهل عسيتم ان تفسدوا في الارض تقطعوا أرحامكم إن توليتم
﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ خِطابٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ، وهَلْ لِلِاسْتِفْهامِ والأصْلُ فِيهِ أنْ يَدْخُلَ الخَبَرُ لِلسُّؤالِ عَنْ مَضْمُونِهِ والإنْشاءِ المَوْضُوعِ لَهُ عَسى ما دَلَّ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ أيْ فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم ويُنْتَظَرُ ﴿ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أُمُورَ النّاسِ وتَأمَّرْتُمْ عَلَيْهِمْ فَهو مِنَ الوِلايَةِ والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأبِي العالِيَةِ والكَلْبِيِّ ﴿ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ ﴾ تَناحُرًا عَلى الوِلايَةِ وتَكالُبًا عَلى جِيفَةِ الدُّنْيا والمُتَوَقَّعُ كُلُّ مَن يَقِفُ عَلى حالِهِمْ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا يَصِحُّ مِنهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ والِاسْتِفْهامُ أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا فالمَعْنى إنَّكم لِما عُهِدَ مِنكم مِنَ الأحْوالِ الدّالَّةِ عَلى الحِرْصِ عَلى الدُّنْيا حَيْثُ أُمِرْتُمْ بِالجِهادِ الَّذِي هو وسِيلَةٌ إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ فَكَرِهْتُمُوهُ وظَهَرَ عَلَيْكم ما ظَهَرَ أحِقّاءٌ بِأنْ يَقُولَ لَكم كُلُّ مَن ذاقَكم وعَرَفَ حالَكم يا هَؤُلاءِ ما تَرَوْنَ هَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ إلَخْ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَلِّيَ بِالإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ فالفِعْلُ لازِمٌ أيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ أنْ تَرْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإفْسادِ في الأرْضِ بِالتَّغاوُرِ والتَّناهُبِ وقَطْعِ الأرْحامِ بِمُقاتَلَةِ بَعْضِ الأقارِبِ بَعْضًا ووَأْدِ البَناتِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ الواقِعَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَحْذُورِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ ما يَتْبَعُهُ مِنَ المَفاسِدِ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِ ولا رَيْبَ في أنَّ الإعْراضَ عَنِ الإسْلامِ رَأْسُ كُلِّ شَرٍّ وفَسادٌ فَحَقُّهُ أنْ يُجْعَلَ عُمْدَةً في التَّوْبِيخِ لا وسِيلَةً لِلتَّوْبِيخِ بِما دُوَنَهُ مِنَ المَفاسِدِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ بَعْضٍ ( وُلِّيتُمْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وكَذا قِراءَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما ذُكِرَ في البَحْرِ ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
ورُوَيْسٌ ويَعْقُوبُ ( تُولِّيتُمْ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى تَوَلّاكُمُ النّاسُ واجْتَمَعُوا عَلى مُوالاتِكُمْ، والمُرادُ كُنْتُمْ فِيهِمْ حُكّامًا، وقِيلَ: المَعْنى تَوَلّاكم وُلاةٌ غَشْمَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهم ومَشَيْتُمْ تَحْتَ لِوائِهِمْ وأفْسَدْتُمْ بِإفْسادِهِمْ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ تَفْسِيرَهُ بِالإعْراضِ إلّا أنَّهُ قالَ: المَعْنى إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى في القِتالِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِعَدَمِ مَعُونَةِ أهْلِ الإسْلامِ عَلى أعْدائِهِمْ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكم لِأنَّ مِن أرْحامِكم كَثِيرًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَإذا لَمْ تُعِينُوهم قَطَّعْتُمْ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم مِنَ الرَّحِمِ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ حَمْلَ الإفْسادِ عَلى الإفْسادِ بِعَدَمِ المَعُونَةِ فِيهِ خَفاءٌ، وكَذا الإتْيانُ بِأنَّ عَلَيْهِ دُونَ إذا مِن حَيْثُ إنَّ الإعْراضَ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى في القِتالِ كالمُحَقَّقِ مِن أُولَئِكَ المُنافِقِينَ فَتَأمَّلْ، ( وأنْ تُفْسِدُوا ) خَبَرُ عَسى.
﴿ وإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ اعْتِراضٌ، وجَوابُ أنَّ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأظْهَرَ جَعْلُ ﴿ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ حالًا مُقَدَّرَةً، وفِيهِ أنَّ الشُّرَطَ بِدُونِ الجَوابِ لَمْ يُعْهَدْ وُقُوعُهُ حالًا في غَيْرِ أنَّ الوَصْلِيَّةَ وهي لا تُفارِقُ الواوَ، وإلْحاقُ الضَّمائِرِ بِعَسى كَما في سائِرِ الأفْعالِ المُتَصَرِّفَةِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبَنُو تَمِيمٍ لا يُلْحِقُونَها بِهِ ويَلْتَزِمُونَ دُخُولَهُ عَلى أنْ والفِعْلِ فَيَقُولُونَ الزَّيْدانَ عَسى أنْ يَقُوما والزَّيْدُونَ عَسى أنْ يَقُومُوا، وذَكَرَ الإمامُ هاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: عَسى أنْتَ تَقُومُ وعَسى أنا أقُومُ فَدُونَ ما ذَكَرْنا لِلتَّطْوِيلِ الَّذِي فِيهِ فَإنْ كانَ مَقْصُودُهُ حِكايَةَ لُغَةٍ ثالِثَةٍ هي انْفِصالُ الضَّمِيرِ فَنَحْنُ لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن نَقَلَةِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ ذَكَرَها وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ جَدْوى.
وقَرَأ نافِعٌ (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ المُهْمَلَةِ، وهو غَرِيبٌ.
وقَرَأ عَمْرٌو في رِوايَةٍ.
وسَلامٌ ويَعْقُوبُ وأبانُ وعِصْمَةُ (تَقْطَعُوا) بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعُ قَطَعَ، والحَسَنُ ( تَقَطَّعُوا) بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ وشَدِّ الطّاءِ وأصْلُهُ تَتَقَطَّعُوا بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ أحَدُهُما ونَصَبُوا ( أرْحامَكم ) عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ أيْ في أرْحامِكم لِأنَّ تَقَطَّعَ لازِمٌ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني: وكم من قرية فيما مضى.
يعني: أهل قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً يعني: أشد منعة، وأكثر عدداً، وأكثر أموالاً، مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني: أهل مكة الذين أخرجوك من مكة إلى المدينة، أَهْلَكْناهُمْ يعني: عذبناهم عند التكذيب فَلا ناصِرَ لَهُمْ يعني: لم يكن لهم مانع مما نزل بهم من العذاب، وهذا تخويف لأهل مكة.
قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ قال مقاتل والكلبي: يعني: محمدا وأبا جهل بن هشام يعني: لا يكون حال من كان على بيان من الله تعالى، كمن حسن له قبح عمله.
وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ بعبادة الأوثان.
ويقال: هذا في جميع المسلمين، وجميع الكافرين.
لا يكون حال الكفار، مثل حال المؤمنين في الثواب.
قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ يعني: صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الذين يتقون الشرك، والفواحش، فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قرأ ابن كثير: مِن مّاء غير أسن بغير مد.
والباقون: بالمد، ومعناهما واحد.
يعني: ماء غير منتن، ولا متغير الطعم والريح.
وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ إلى الحموضة كما يتغير لبن أهل الدنيا من الحالة الأولى.
وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يعني: لذيذة.
ويقال: لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) [الواقعة: 19] .
وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ليس فيها العكر، ولا الكدرة، ولا الدردي، كعسل أهل الدنيا.
قال مقاتل: هذه الأنهار الأربعة تتفجر من الكوثر، إلى أهل الجنة.
ويقال: من تحت شجرة طوبى إلى أهل الجنة.
وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يعني: من ألوان الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لذنوبهم في الآخرة.
ويقال: في الدنيا.
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ يعني: هل يكون حال من هو في هذه النعم، كمن هو في النار أبداً.
وَسُقُوا مَاء حَمِيماً أي: حاراً قد انتهى حره فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ من شدة الحر، فذابت أمعاؤهم، كقوله تعالى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) [الحج: 20] .
ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني: من المنافقين من يستمع إليك حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً وذلك أن النبيّ خطب الناس يوم الجمعة، وعاب في خطبته المنافقين، فلما خرجوا من عنده، قال بعض المنافقين لعبد الله بن مسعود، وهو الذي أوتي العلم.
ماذا قال آنفاً؟
يعني: الساعة، على جهة الاستهزاء.
قال الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ مجازاة لهم وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ يعني: عملوا بهوى أنفسهم.
ثم ذكر المؤمنين، المصدقين، فقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً يعني: آمنوا بالله تعالى، وأحسنوا الاستماع إلى ما قال النبيّ : زادَهُمْ هُدىً يعني: زادهم الله بصيرة في دينهم، وتصديقاً لنبيهم.
ويقال: زادهم بما قال رسول الله هدى.
ويقال: زادهم قول المنافقين واستهزاؤهم.
هُدىً يعني: تصديقاً، وثباتاً على الإسلام، وشكر الله تعالى.
وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ حين بيّن لهم التقوى.
ويقال: ألهمهم قبول الناسخ، وترك المنسوخ.
قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أي: ما ينتظر قومك إلا قيام الساعة.
يعني: فما ينتظر قومك إن لم يؤمنوا إلا الساعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعني: فجأة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها يعني: علاماتها، وهو انشقاق القمر، والدخان، وخروج النبي .
وروى مكحول عن حذيفة قال: سئل رسول الله : متى الساعة؟
فقال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ: تَقَارُبُ الأَسْوَاقِ يعني: كَسَادَهَا وَمَطَرٌ وَلاَ نَبَاتَ يعني: مطر في غَيْرِ حِينِهِ، وَتَفْشُو الْفِتْنَةُ، وَتَظْهَرُ أَوْلادُ البَغْيَةِ، وَيَعْظُمُ رَبُّ المَالِ، وَتَعْلُو أصْواتُ الفَسَقَةِ فِي الْمَسِاجِدِ، وَيَظْهَرُ أهْلُ الْمُنْكَرِ عَلَى أهْلِ الْحَقِّ» .
ثم قال: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ يعني: من أين لهم التوبة، إذا جاءتهم الساعة.
وقال قتادة: فأنى لهم أن يتذكروا أو يتذاكروا إذا جاءتهم الساعة.
وقال مقاتل: فيه تقديم.
يعني: أنى لهم التذكرة، والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم، وقد فرطوا فيها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: اثْبُتْ عَلى عِلْمِكَ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِهَذا الخِطابِ غَيْرَهُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في فاتِحَةِ " الأحْزاب " .
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِما يَقُولُونَ، فَقِيلَ لَهُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا كاشِفَ لِما بِكَ إلّا اللَّهُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ فَإنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وأُمِرَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ إكْرامًا لَهم لِأنَّهُ شَفِيعٌ مُجابٌ.
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مُتَقَلَّبُكم في الدُّنْيا ومَثْواكم في الآخِرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مُتَقَلَّبُكم في أصْلابِ الرِّجالِ إلى أرْحامِ النِّساءِ، ومَقامُكم في القُبُورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: "مُتَقَلَّبُكُمْ" بِالنَّهارِ و "مَثْواكُمْ" أيْ: مَأْواكم بِاللَّيْلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُنَزِّلَ سُورَةً فِيها ثَوابُ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، اشْتِياقًا مِنهم إلى الوَحْيِ وحِرْصًا عَلى الجِهادِ، فَقالُوا: "لَوْلا" أيْ: هَلّا؛ وكانَ أبُو مالِكٍ الأشْجَعِيُّ يَقُولُ: "لا" هاهُنا صِلَةٌ، فالمَعْنى: لَوْ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، شَوْقًا مِنهم إلى الزِّيادَةِ في العِلْمِ، ورَغْبَةً في الثَّوابِ والأجْرِ بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ الفَرائِضِ.
وَفِي مَعْنى "مُحْكَمَةٌ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها القِتالُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الحَلالُ والحَرامُ.
والثّالِثُ: الَّتِي لا مَنسُوخَ فِيها، حَكاهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَذُكِرَ فِيها القِتالُ ﴾ أيْ: فُرِضَ فِيها الجِهادُ.
وَفِي المُرادِ بِالمَرَضِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النِّفاقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ ﴾ أيْ يَشْخَصُونَ نَحْوَكَ بِأبْصارِهِمْ يَنْظُرُونَ نَظَرًا شَدِيدًا كَما يَنْظُرُ الشّاخِصُ بِبَصَرِهِ عِنْدَ المَوْتِ، لِأنَّهم يَكْرَهُونَ القِتالَ، ويَخافُونَ إنْ قَعَدُوا أنْ يَتَبَيَّنَ نِفاقُهم.
﴿ فَأوْلى لَهُمْ ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِمْ في التَّهْدِيدِ: "أوْلى لَكَ" أيْ: ولِيَكَ وقارَبَكَ ما تَكْرَهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ -إذا أرَدْتَ بِهِ سُوءًا، فَفاتَكَ- أوْلى لَكَ، ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ: ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ.
.
.
﴾ وقالَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ: المَعْنى: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ.
وقالَ الفَرّاءُ: الطّاعَةُ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، إذا قِيلَ لَهُمُ: افْعَلُوا كَذَلِكَ، قالُوا: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَوَصَفَ [اللَّهُ] قَوْلَهم قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ السُّورَةُ أنَّهم يَقُولُونَ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَإذا نَزَلَ الأمْرُ كَرِهُوا.
وأخْبَرَنِي حِبّانُ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَأوْلى ﴾ ، ثُمَّ قالَ: ﴿ لَهُمْ ﴾ أيْ: لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنهم ﴿ طاعَةٌ ﴾ ، فَصارَتْ "أوْلى" وعِيدًا لِمَن كَرِهَها، واسْتَأْنَفَ الطّاعَةَ بِـ "لَهُمْ"؛ والأوَّلُ عِنْدَنا كَلامُ العَرَبِ، وهَذا غَيْرُ مَرْدُودٍ، يَعْنِي حَدِيثَ أبِي صالِحٍ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ والمَعْنى: فَأوْلى لَهم أنْ يُطِيعُوا وأنْ يَقُولُوا مَعْرُوفًا بِالإجابَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ﴾ قالَ الحَسَنُ: جَدَّ الأمْرُ.
وقالَ غَيْرُهُ: جَدَّ رَسُولُ اللَّهِ وأصْحابُهُ في الجِهادِ، ولَزِمَ فَرْضُ القِتالِ، وصارَ الأمْرُ مَعْرُوفًا عَلَيْهِ.
وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ نَكَلُوا؛ يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: في إيمانِهِمْ وجِهادِهِمْ ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ مِنَ المَعْصِيَةِ والكَراهَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ ﴾ ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا الساعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْراطُها فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ ﴾ ﴿ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ واللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى المُنافِقِينَ بِما هم أهْلُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، فَبَيَّنَ الفَرْقَ، وشَرَّفَهم بِإسْنادِ فِعْلِ الِاهْتِداءِ إلَيْهِمْ، وهي إشارَةٌ إلى تَكَسُّبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زادَهم هُدًى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في "زادَهُمُ" اللهُ تَعالى، والزِيادَةُ في هَذا المَعْنى تَكُونُ إمّا بِزِيادَةِ التَفْهِيمِ والأدِلَّةِ، وإمّا بِوُرُودِ الشَرائِعِ والنَواهِي والأخْبارِ، فَيَزِيدُ الِاهْتِداءُ لِتَزِيدَ عِلْمَ ذَلِكَ كُلِّهِ والإيمانَ بِهِ، وذَلِكَ بِفَضْلِ اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في "زادَهُمْ" قَوْلُ المُنافِقِينَ واضْطِرابُهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَتَعَجَّبُ المُؤْمِنُ مِنهُ، ويَحْمَدُ اللهَ عَلى إيمانِهِ، ويَتَزَيَّدُ بَصِيرَةً في دِينِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: والمُهْتَدُونَ المُؤْمِنُونَ زادَهم فِعْلُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هُدًى، أيْ: كانَتِ الزِيادَةُ بِسَبَبِهِ، فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ النَصارى آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ، فالفاعِلُ في "زادَهُمْ" مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، كانَ سَبَبَ الزِيادَةِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى - عَلى هَذا القَوْلِ -: ﴿ "اهْتَدَوْا" ﴾ يُرِيدُ تَعالى: في إيمانِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ زادَهم مُحَمَّدٌ هُدًى حِينَ آمَنُوا بِهِ، والفاعِلُ في "آتاهُمْ" يَتَصَرَّفُ القَوْلُ بِحَسَبِ التَأْوِيلاتِ المَذْكُورَةِ، وأقْواها أنَّ الفاعِلَ اللهُ تَعالى، و"آتاهُمْ" مَعْناهُ: أعْطاهُمْ، أيْ: جَعَلَهم مُتَّقِينَ لَهُ، والتَقْدِيرُ: تَقْواهم إيّاهُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَأنْطاهُمْ"، وهي بِمَعْنى أعْطاهُمْ، ورَواها مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ عن أبِيهِ، وهي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ يُرِيدُ المُنافِقِينَ، والمَعْنى: يَنْتَظِرُونَ، أيْ: هَكَذا هو الأمْرُ في نَفْسِهِ وإنْ كانُوا هم في أنْفُسِهِمْ يَنْتَظِرُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإنَّ ما في أنْفُسِهِمْ غَيْرُ مُراعًى لِأنَّهُ باطِلٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أنْ تَأْتِيَهُمْ" فَـ"أنْ" بَدَلٌ مِنَ "الساعَةَ"، وقَوْلُهُ تَعالى - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ -: ﴿ فَقَدْ جاءَ أشْراطُها ﴾ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ، والفاءُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً مِنَ الكَلامِ عَلى جُمْلَةٍ.
وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ - فِيما رَوى الرُؤاسِيُّ -: "إنْ تَأْتِهِمْ" بِكَسْرِ الألِفِ وَجَزَمَ الفِعْلَ عَلى الشَرْطِ، والفاءَ "فَقَدْ" جَوابُ الشَرْطِ، ولَيْسَتْ بِعاطِفَةٍ عَلى القِراءَةِ الأُولى فَثَمَّ نَحْوُ مِن مَعْنى الشَرْطِ، و"بَغْتَةً" مَعْناهُ: فَجْأةً، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "بَغَتَّةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ وشَدِّ التاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ جاءَ أشْراطُها ﴾ - عَلى القِراءَتَيْنِ - مَعْناهُ: فَيَنْبَغِي أنْ يَقَعَ الِاسْتِعْدادُ والخَوْفُ مِنها لِمَن جَزَمَ ونَظَّرَ لِنَفَسِهِ، والَّذِي جاءَ مِن أشْراطِ الساعَةِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِأنَّهُ آخِرُ الأنْبِياءِ، فَقَدْ بانَ مِن أمْرِ الساعَةِ قَدْرٌ ما، وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: "أنا مِن أشْراطِ الساعَةِ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِإصْبَعَيْهِ» "وَكَفَرَسَيِّ رِهانٍ"، ويُقالُ: شَرْطٌ أو أشْراطٌ بِسُكُونِ الراءِ وتَخْفِيفِها، وأشْرَطَ الرَجُلُ نَفْسَهُ: ألْزَمَها أُمُورًا، وقالَ أوسُ بْنُ حُجْرٍ: فَأشْرَطَ فِيها نَفْسَهُ وهو مِعْصَمٌ ∗∗∗ وألْقى بِأسْبابٍ لَهُ وتَوَكَّلا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنّى لَهُمْ ﴾ الآيَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأنّى لَهُمُ الخَلاصُ أوِ النَجاةُ إذا جاءَتْهُمُ الذِكْرى بِما كانُوا يُخْبِرُونَ بِهِ في الدُنْيا فَيُكَذِّبُونَ بِهِ وجاءَهُمُ العَذابُ مَعَ ذَلِكَ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأنّى لَهم ذِكْراهم وعَمَلَهم بِحَسْبِها إذا جاءَتْهُمُ الساعَةُ؟
وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، نَظِيرُهُ ﴿ وَأنّى لَهُمُ التَناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ الآيَةُ إضْرابٌ عن أمْرِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وذِكْرُ الأهَمِّ مِنَ الأمْرِ، والمَعْنى: دُمْ عَلى ذَلِكَ، وهَذا هو القانُونُ في كُلِّ أمْرٍ بِشَيْءٍ هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ، وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ داخِلٌ فِيهِ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ مِن أهْلِ السُنَّةِ: إنَّ العِلْمَ والنَظَرَ قَبْلَ القَوْلِ، والإقْرارِ في مَسْألَةِ أوَّلِ الواجِباتِ، وبَوَّبَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى: العِلْمَ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللهُ ﴾ ، ﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ الآيَةُ، وواجِبٌ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "مَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُتَصَدَّقُ بِهِ فاليَسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ فَإنَّها صَدَقَةٌ"» وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿ "مُتَقَلَّبَكُمْ": ﴾ تَصَرُّفَكم في يَقَظَتِكُمْ، ﴿ "وَمَثْواكُمْ": ﴾ مَنامُكُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُتَقَلَّبَكُمْ": تَصَرُّفَكم في حَياتِكُمُ الدُنْيا، "وَمَثْواكُمْ": في إفاقَتِكم في قُبُورِكم وفي آخِرَتِكم.
<div class="verse-tafsir"
مقتضى تناسق النظم أن هذا مفرع على قوله: ﴿ فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم ﴾ [محمد: 21] لأنه يفهم منه أنه إذا عزم الأمر تولوا عن القتال وانكشف نفاقهم فتكون إتماماً لما في الآية السابقة من الإنباء بما سيكون من المنافقين يوم أُحُد.
وقد قال عبد الله بن أبي: عَلاَم نقتل أنفسنا ها هنا؟
وربما قال في كلامه: وكيف نقاتل قريشاً وهم من قومنا، وكان لا يرى على أهل يثرب أن يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ويرى الاقتصار على أنهم آووه.
والخطاب موجّه إلى الذين في قلوبهم مرض على الالتفات.
والاستفهام مستعمل في التكذيب لما سيعتذرون به لانخزالهم ولذلك جيء فيه ب ﴿ هل ﴾ الدالة على التحقيق لأنّها في الاستفهام بمنزلة (قد) في الخبر، فالمعنى: أفيتحقق إن توليتم أنكم تفسدون في الأرض وتقطعون أرحامكم وأنتم تزعمون أنكم توليتم إبقاء على أنفسكم وعلى ذوي قرابة أنسابكم على نحو قوله تعالى: ﴿ قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا ﴾ [البقرة: 246] وهذا توبيخ كقوله تعالى: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ [البقرة: 85].
والمعنى: أنكم تقعون فيما زعمتم التّفادي منه وذلك بتأييد الكفر وإحداث العداوة بينكم وبين قومكم من الأنصار.
فالتولّي هنا هو الرجوع عن الوجهة التي خرجوا لها كما في قوله تعالى: ﴿ فلما كتب عليهم القتال تولّوا إلا قليلاً منهم ﴾ [البقرة: 246] وقوله: ﴿ أفرأيت الذي تولّى ﴾ [النجم: 33] وقوله: ﴿ فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى ﴾ [طه: 60].
وبمثله فسر ابن جريج وقتادة على تفاوتتٍ بين التفاسير.
ومن المفسرين من حمل التولّي على أنه مطاوع وَلاّه إذا أعطاه ولاية، أي ولاية الحكم والإمارة على الناس وبه فسر أبو العالية والكلبي وكعب الأحبار.
وهذا بعيد من اللفظ ومن النظم وفيه تفكيك لاتصال نظم الكلام وانتقال بدون مناسبة، وتجاوز بعضهم ذلك فأخذ يدعي أنها نزلت في الحرورية ومنهم من جعلها فيما يحدث بين بني أمية وبني هاشم على عادة أهل الشيع والأهواء من تحميل كتاب الله ما لا يتحمله ومن قصر عموماته على بعض ما يراد منها.
وقرأ نافع وحده ﴿ عَسِيتُم ﴾ بكسر السين.
وقرأه بقية العشرة بفتح السين وهما لغتان في فعل عسى إذا اتصل به ضمير.
قال أبو علي الفارسي: وجه الكسر أن فعله: عَسِي مثل رَضِي، ولم ينطقوا به إلاّ إذا أسند هذا الفعل إلى ضمير، وإسناده إلى الضمير لغة أهل الحجاز، أما بنو تميم فلا يسندونه إلى الضمير البتة، يقولون: عسى أن تفعلوا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، وزَيْدُ بْنُ الصُّلَيْتِ، والحارِثُ بْنُ عَمْرٍو، ومالِكُ بْنُ الدَّخْشَمِ.
وَفِيما يَسْتَمِعُونَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَحْضُرُونَ الخُطْبَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَإذا سَمِعُوا ذِكْرَ المُنافِقِينَ فِيها أعْرَضُوا عَنْهُ، فَإذا خَرَجُوا سَألُوا عَنْهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهم كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، فَيَسْمَعُونَ مِنهُ ما يَقُولُ، فَيَعِيهِ المُؤْمِنُ ولا يَعِيهِ المُنافِقُ.
﴿ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴾ أيْ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ .
﴿ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أبُو الدَّرْداءِ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الصَّحابَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ هَذا سُؤالُ المُنافِقِينَ لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ .
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَرِيبًا.
الثّانِي: مُبْتَدِئًا.
وَفي مَقْصُودِهِمْ بِهَذا السُّؤالِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الِاسْتِهْزاءُ بِما سَمِعُوهُ.
الثّانِي: البَحْثُ عَمّا جَهِلُوهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِهْزاءَ زادَ المُؤْمِنِينَ هُدًى، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ زادَهم هُدًى، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: أنَّ النّاسِخَ والمَنسُوخَ زادَهم هُدًى، قالَهُ عَطِيَّةُ.
وَفي الهُدى الَّذِي زادَهم أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: زادَهم عِلْمًا، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّانِي: عَلِمُوا ما سَمِعُوا، وعَلِمُوا بِما عَمِلُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: زادَهم بَصِيرَةً في دِينِهِمْ وتَصْدِيقًا لِنَبِيِّهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: شَرَحَ صُدُورَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: والَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالحَقِّ زادَهم هُدًى لِلْحَقِّ.
﴿ وَآتاهم تَقْواهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: آتاهُمُ الخَشْيَةَ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّانِي: ثَوابُ تَقْواهم في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: وفَّقَهم لِلْعَمَلِ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الرّابِعُ: بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ تَرَكَ المَنسُوخَ والعَمَلَ بِالنّاسِخِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً.
﴿ فَقَدْ جاءَ أشْراطُها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أشْراطُها آياتُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أوائِلُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ انْشِقاقُ القَمَرِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: ظُهُورُ النَّبِيِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ الضَّحّاكُ لِأنَّهُ آخِرُ الرُّسُلِ وأُمَّتُهُ آخِرُ الأُمَمِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (بُعِثْتُ والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ وأشارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبّابَةُ والوُسْطى.
» ﴿ فَأنّى لَهُمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ فَكَيْفَ لَهُمُ النَّجاةُ.
﴿ إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: إذا جاءَتْهُمُ الذِّكْرى عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي الذِّكْرى وجْهانِ: أحَدُهُما: تَذْكِيرُهم بِما عَمِلُوهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
الثّانِي: هو دُعاؤُهم بِأسْمائِهِمْ تَبْشِيرًا أوْ تَخْوِيفًا.
رَوى أبانُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (أحْسِنُوا أسْماءَكم فَإنَّكم تُدْعَوْنَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ، يا فُلانُ قُمْ إلى نُورِكَ، يا فُلانُ قُمْ فَلا نُورَ لَكَ)» .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ ﴾ وفِيهِ - وإنْ كانَ الرَّسُولُ عالِمًا بِهِ - ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَكَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
الثّانِي: ما عَلِمْتَهُ اسْتِدْلالًا فاعْلَمْهُ خَبَرًا يَقِينًا.
الثّالِثُ: يَعْنِي فاذْكُرْ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَعَبَّرَ عَنِ الذِّكْرِ بِالعِلْمِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُ.
﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي اسْتِغْفِرِ اللَّهَ أنْ يَقَعَ مِنكَ ذَنْبٌ.
الثّانِي: اسْتِغْفِرِ اللَّهَ لِيَعْصِمَكَ مِنَ الذُّنُوبِ.
﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ أيِ اسْتِغْفِرْ لَهم ذُنُوبَهم.
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُتَقَلَّبَكم في أسْفارِكم، ومَثْواكم في أوْطانِكم.
الثّانِي: مُتَقَلَّبَكم في أعْمالِكم نَهارًا ومَثْواكم في لَيْلِكم نِيامًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: كان المؤمنون والمنافقون يجتمعون إلى النبي صلى الله عليه سولم فيستمع المؤمنون منه ما يقول ويعونه، ويسمعه المنافقون فلا يعونه، فإذا اخرجوا سألوا المؤمنين ماذا قال آنفاً؟
فنزلت ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس رضي الله عنهما: ماذا قال آنفاً؟
فيقول: كذا وكذا.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما من الذين أوتوا العلم.
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً ﴾ قال: أنا منهم، ولقد سئلت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال: هؤلاء المنافقون دخل رجلان، فرجل عقل عن الله وانتفع بما يسمع ورجل لم يعقل عن الله ولم يعه ولم ينتفع به.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن عساكر عن ابن بريدة رضي الله عنه ﴿ قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً ﴾ قال: هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
قوله تعالى: ﴿ والذين اهتدوا ﴾ الآية.
أخرج ابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عكرمة رضي الله عنه أن ناساً من أهل الكتاب آمنوا برسلهم وصدقوهم، وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به فذلك قوله: ﴿ فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ وكان قوم من أهل الكتاب آمنوا برسلهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث آمنوا به فذلك قوله: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ قال: لما أنزل القرآن آمنوا به فكان هدى فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى.
أما قوله تعالى: ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها ﴾ .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ قال: دنت الساعة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ قال: أول الساعات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم من أشراطها.
وأخرج البخاري «عن سهل بن مسعود رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا الوسطى والتي تليها بعثت أنا والساعة كهاتين» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى» .
وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن أبي عروبة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها ﴾ قال: كان قتادة رضي الله عنه يقول: قد دنت الساعة ودنا منكم فداء ودنا من الله فراغ للعباد، قال قتادة رضي الله عنه وذكر لنا أن النبي الله صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه بعد العصر حتى كادت الشمس تغرب ولم يبق منها إلا أسف أي شيء قال: «والذي نفس محمد بيده ما مثل ما مضى من الدنيا فيما بقي منها إلا مثل ما مضى من يومكم هذا فيما بقي منه وما بقي منه إلا اليسير» .
وأخرج أحمد عن بريدة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بعثت أنا والساعة جميعاً إن كادت تسبقني» .
وأخرج البخاري وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جبيرة بن الضحاك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت في سم الساعة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون على خمسين امرأة قيم واحد» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بارزاً للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله متى الساعة؟
فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها وإذا كانت الحفاة العراة رعاء الشاء رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها» .
وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: متى الساعة؟
فقال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.
قال يا رسول الله: وكيف إضاعتها؟
قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رجل فقال يا رسول الله متى الساعة؟
قال: ما السائل بأعلم من المسؤول.
قال: فلو علمتنا أشراطها.
قال: تقارب الأسواق.
قلت: وما تقارب الأسواق؟
قال: أن يشكو الناس بعضهم إلى بعض قلة إصابتهم، ويكثر ولد البغي وتفشوا الغيبة، ويعظم رب المال، وترتفع أصوات الفساق في المساجد، ويظهر أهل المنكر، ويظهر البغاء» .
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسو الله صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة سوء الجوار وقطيعة الأرحام وأن يعطل السيف من الجهاد وأن ينتحل الدنيا بالدين» .
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع» .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تذهب الدنيا حتى تصير للكع بن لكع» .
وأخرج أحمد والبخاري وابن ماجة عن عمرو بن تغلب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة» .
وأخرج النسائي عن عمرو بن تغلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يقبض العلم ويفشو المال وتفشو التجارة ويظهر القلم» قال عمرو: فإن كان هذا الرجل ليبيع البيع فيقول حتى استأمر تاجر بن فلان ويلتمس في الحواء العظيم الكاتب فلا يوجد.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون بين يدي الساعة أيام فيرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر في الهرج» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن ربيب الجندي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا الوليد يا عبادة بن الصامت إذا رأيت الصدقة كتمت وغلت واستؤجر في الغزو، وعمر الخراب، وخرب العامر، والرجل يتمرس بأمانته كما يتمرس البعير بالشجرة، فإنك والساعة كهاتين» وأشار بأصبعه السبابة والتي تليها.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» .
وأخرج أحمد والترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فيكون السنة كالشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كالضرم بالنار» .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر ويكون الشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة» .
وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً» .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن وكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيراً.
ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوباً بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه لا يسقي به، ولتقومن الساعة وقد رفعت أكلته إلى فيه فلا يطعمها» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفحش وسوء الجوار وقطيعة الأرحام، وحتى يخون الأمين ويؤتمن الخائن.
ثم قال: إنما مثل المؤمن مثل النخلة وقعت فأكلت طيباً ولم تفسد ولم تكسر، ومثل المؤمن كمثل القطعة الذهب الأحمر أدخلت النار فنفخ عليها ولم تتغير ووزنت فلم تنقص» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطراً عامّاً ولا تنبت الأرض شيئاً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن جابر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بين يدي الساعة كذابون منهم صاحب اليمامة وصاحب صنعاء العنسي، ومنهم صاحب حمير، ومنهم الدجال وهو أعظمهم فتنة» .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين الساعة قريب من ثلاثين دجالين كلهم يقول أنا نبي أنا نبي» .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون في أمتي دجالون كذّابون يأتونكم ببدع من الحديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يفتنونكم» .
وأخرج أحمد والطبراني عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر» .
وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن في أمتي لنيفاً وسبعين داعياً كلهم داع إلى النار لو أشاء لأنبأتكم بأسمائهم وقبائلهم» .
وأخرج أبو يعلى عن أبي الجلاس قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول لعبد الله السبائي: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً» وإنك لأحدهم.
وأخرج أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون قبل خروج الدجال ينيف على سبعين دجالاً» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه أن بين يدي الساعة لستاً وسبعين دجالاً.
وأخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تمطر السماء مطراً لا يكن منه بيوت المدر ولا يكن منه إلا بيوت الشعر» .
وأخرج البيهقي في البعث والنشور عن الحسن قال: قال عليّ خرجت في طلب العلم فقدمت الكوفة فإذا أنا بعبدالله بن مسعود رضي الله عنه فقلت يا أبا عبد الرحمن: هل للساعة من علم تعرف به؟
قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «إن من أشراط الساعة أن يكون الولد غيظاً والمطر قيظاً، وتفيض الأشرار فيضاً، ويصدق الكاذب، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويسود كل قبيلة وكل سوق فجارهم، وتزخرف المحاريب، وتخرب القلوب ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ويخرب عمران الدنيا، ويعمر خرابها، وتظهر الفتنة، وأكل الربا وتظهر المعازف والكنوز وشرب الخمر، ويكثر الشرط والغمازون والهمازون» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة، إذ رأيتم الناس أماتوا الصلاة وأضاعوا الأمانة وأكلوا الربا واستحلوا الكذب واستخفوا بالدماء واستعلوا البناء وباعوا الدين بالدنيا وتقطعت الأرحام ويكون الحكم ضعفاً والكذب صدقاً والحرير لباساً وظهر الجور وكثرة الطلاق وموت الفجاءة وائتمن الخائن وخوّن الأمين وصدق الكاذب وكذب الصادق وكثر القذف وكان المطر قيظاً والولد غيظاً وفاض اللئام فيضاً، وغاض الكرام غيضاً، وكان الأمراء والوزراء كذبة والأمناء خونة والعرفاء ظَلَمَة والقراء فَسَقَة إذا لبسوا مسوك الضأن قلوبهم أنتن من الجيف وأمرّ من الصبر يغشيهم الله تعالى فتنة يتهاركون فيها تهارك اليهود الظلمة وتظهر الصفراء يعني الدنانير، وتطلب البيضاء وتكثر الخطايا ويقل الأمن، وحليت المصاحف وصورت المساجد وطوّلت المنائر وخرّبت القلوب وشربت الخمور وعطلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة قد صاروا ملوكاً، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وحلف بغير الله، وشهد المؤمن من غير أن يستشهد، وسلم للمعرفة، وتفقه لغير دين الله، وطلب الدنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دولاً والأمانة مغنماً والزكاة مغرماً، وكان زعيم القوم أرذلهم، وعق الرجل أباه وجفا أمه وضر صديقه وأطاع امرأته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذ القينات والمعازف، وشربت الخمور في الطرق، واتخذ الظلم فخراً وبيع الحكم، وكثرت الشرط، واتخذ القرآن مزامير وجلود السباع خفافاً، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وخسفاً ومسخاً وقذفاً وآيات» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه أنهم سألوا متى الساعة فقال: لقد سألتموني عن أمر ما يعلمه جبريل ولا ميكائيل، ولكن إن شئتم أنبأتكم بأشياء إذا كانت لم يكن للساعة كثير لبث إذا كانت الألسن لينة والقلوب جنادل ورغب الناس في الدنيا وظهر البناء على وجه الأرض، واختلف الإِخوان فصار هواهما شتى، وبيع حكم الله بيعاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: «إن من اقتراب الساعة أن يظهر البناء على وجه الأرض، وأن تقطع الأرحام، وأن يؤذي الجار جاره» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن من أشراط الساعة أن يظهر الفحش والتفحش وسوء الخلق وسوء الجوار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: إن من أشراط الساعة أن يظهر القول ويخزن العمل ويرتفع الأشرار ويوضع الأخيار ويقرأ المثاني عليهم فلا يعيها أحد منهم.
قلت: ما المثاني؟
قال: كل كتاب سوى كتاب الله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن رجاء بن حيوة قال: لا تقوم الساعة حتى تحمل النخلة إلا تمرة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس قال: لا تقوم الساعة حتى تقوم رأس البقرة بالأوقية.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الوداك قال: من اقتراب الساعة انتفاخ الإِهلّة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلاً فيقال ابن ليلتين» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي شيبة عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلاً فيقال ابن ليلتين» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل ويرفع العلم حتى يقوم الرجل إلى أمه فيكربها بالسيف من الجهل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمر قال: يأتي على الناس زمان يجتمعون ويصلون في المساجد وليس فيهم مؤمن.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلاً والجهل علماً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال: ليأتين على الناس زمان يجد النسوة نعلاً ملقى على الطريق فيقول بعضهن لبعض قد كانت هذه النعلة مرة لرجل.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار عن علي رضي الله عنه قال: «قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟
فزبره رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا صلى الفجر رفع رأسه إلى السماء فقال: تبارك خالقها ورافعها ومبدلها وطاويها كطي السجل للكتاب ثم تطلع إلى الأرض فقال تبارك خالقها وواضعها ومبدلها وطاويها كطي السجل للكتاب ثم قال: أين السائل عن الساعة؟فجثا رجل من آخر القوم على ركبتيه فإذا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عند حيف الأئمة، وتكذيب بالقدر، وإيمان بالنجوم، وقوم يتخذون الأمانة مغنماً والزكاة مغرماً والفاحشة زيارة، فسألته عن الفاحشة زيارة، قال: الرجلان من أهل الفسق يصنع أحدهما طعاماً وشراباً ويأتيه بالمرأة فيقول اصنع لي كما صنعت فيتزاورون على ذلك قال: فعند ذلك هلكت أمتي يا ابن الخطاب» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة، وحتى تتخذ المساجد طرقاً لا يسجد لله فيها حتى يجاوز، وحتى يبعث الغلام بالشيخ بريداً بين الأفقين، وحتى ينطلق الفاحر إلى الأرض النامية فلا يجد فضلاًّ» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ثم أخذ بحلقة باب الكعبة فقال: أيها الناس ألا أخبركم بأشراط الساعة؟
فقام إليه سلمان رضي الله عنه فقال: أخبرنا فداك أبي وأمي يا رسول الله.
قال: إن من أشراط الساعة إضاعة الصلاة، والميل مع الهوى، وتعظيم رب المال.
فقال سلمان: ويكون هذا يا رسول الله؟
قال: نعم والذي نفس محمد بيده، فعند ذلك يا سلمان تكون الزكاة مغرماً والفيء مغنماً، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويتكلم الرويبضة.
قال: وما الرويبضة؟
قال: يتكلم في الناس من لم يتكلم، وينكر الحق تسعة أعشارهم، ويذهب الإِسلام فلا يبقى إلا اسمه، ويذهب القرآن فلا يبقى إلا رسمه، وتحلى المصاحف بالذهب وتتسمن ذكور أمتي وتكون المشورة للإِماء ويخطب على المنابر الصبيان وتكون المخاطبة للنساء، فعند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع، وتطول المنائر وتكثر الصفوف، مع قلوب متباغضة وألسن مختلفة وأهواء جمة.
قال سلمان: ويكون ذلك يا رسول الله؟
قال: نعم والذي نفس محمد بيده، عند ذلك يا سلمان يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره، ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر، فعند ذلك يا سلمان يكون أمراء فسقة ووزراء فجرة وأمناء خونة يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات، فإن أدركتموهم فصلوا صلاتكم لوقتها.
عند ذلك يا سلمان يجيء سبي من المشرق وسبي من المغرب جثاؤهم جثاء الناس وقلوبهم قلوب الشياطين لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً، عند ذلك يا سلمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام تحج ملوكهم لهواً وتنزهاً وأغنياؤهم للتجارة ومساكينهم للمسألة وقراؤهم رياء وسمعة.
قال: ويكون ذلك يا رسول الله؟
قال: نعم والذي نفسي بيده، عند ذلك يا سلمان يفشو الكذب ويظهر الكوكب له الذنب، وتشارك المرأة زوجها في التجارة وتتقارب الأسواق.
قال: وما تقاربها؟
قال: كسادها وقلة أرباحها عند ذلك يبعث الله ريحاً فيها حيات صفر فتلتقط رؤساء العلماء لما رأوا المنكر فلم يغيروه قال: ويكون ذلك يا رسول الله؟
قال: نعم والذي بعث محمداً بالحق» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن حذيفة رضي الله عنه قال: والله لا تقوم الساعة حتى يلي عليكم من لا يزن عشر بعوضة يوم القيامة.
وأخرج أحمد وابن ماجة والطبراني عن سلامة بنت الحر قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي على الناس زمان يقومون ساعة لا يجدون إماماً يصلي بهم» .
وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أيام الدجال خداعة يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة.
قيل: وما الرويبضة؟
قال: الفاسق يتكلم في أمر العامة» .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قبل الساعة سنون خداعة يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق بها الرويبضة» .
وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في البعث والضياء عن بريدة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أمتي يسوقها قوم اعراض الوجوه، صغار الأعين كأن وجوههم الحجف ثلاث مرار حتى يلحقوهم بجزيرة العرب.
أما السابقة الأولى فينجو من هرب منهم وإما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة فيصطلمون كلهم من بقي منهم.
قالوا يا رسول الله: من هم؟
قال: هم الترك» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يتسافد الناس في الطرق تسافد الحمر.
وفي لفظ: حتى يتهارجون في الطرق تهارج الحمر فيأتيهم إبليس، فيصرفهم إلى عبادة الأوثان.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين ذلف الأنف كأن وجوههم المجانّ الْمُطَرَّقَة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن حذيفة رضي الله عنه قال: «إن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر كيما أعرفه فأتقيه، قلت يا رسول الله: أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله يكون بعده شر؟
قال: نعم قلت: فما العصمة من ذلك؟
قال: السيف.
قلت: وهل للسيف من بقية؟
قال: نعم.
قلت: ثم ماذا؟
قال: ثم على دخن جماعة على فرية، فإن كان يومئذ لله خليفة ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع وإلا فمت عاضّاً بجذل شجرة، قلت: ثم ماذا؟
قال: يخرج الدجال ومعه نهر ونار فمن وقع في ناره وقع وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره.
قلت: ثم ماذا؟
قال: ثم إنما هي قيام الساعة» .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» .
وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم، وصححه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله، وحتى تمر المرأة بقطعة النعل فتقول: قد كان لهذه رجل مرة وحتى يكون الرجل قيم خمسين امرأة، وحتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض» .
وأخرج الحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة على رجل يقول لا إله إلا الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر» وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض أحد لله فيه حاجة، وحتى تؤخذ المرأة نهاراً جهاراً تُنْكحُ وسط الطريق، لا ينكر ذلك أحد، فيكون أمثلهم الذي يقول: لو نحيتها عن الطريق قليلاً فذاك فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن علباء السلمي مرفوعاً: «لا تقوم الساعة إلا على حثالة الناس» .
وأخرج أحمد ومسلم عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا يدركني زمان لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» .
وأخرج أحمد عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا يدركني زمان ولا تدركون زماناً لا يتبع فيه العليم ولا يستحيا من الحليم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب اليات نساء دوس على ذي الخلصة، وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمر قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء حول الأصنام» .
وأخرج الطبراني عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن تعزب العقول وتنقص الأحلام» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: كان يقال من اقتراب الساعة موت الفجأة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: من أشراط الساعة موت البدار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال: كنا نتحدث أنه سيأتي على الناس زمان خير أهله الذي يرى الخير فيجانبه قريباً.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في البعث عن طلحة بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة هلاك العرب» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقاً وحتى يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة، وحتى تتجر المرأة وزوجها، وحتى تغلو الخيل والنساء ثم ترخص فلا تغلوا إلى يوم القيامة» .
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة وقطع الأرحام وفشو القلم وظهور الشهادة بالزور وكتمان شهادة الحق» .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين، وأن لا يسلم الرجل إلا على من يعرفه، وأن يبرد الصبي الشيخ لفقره، وأن تتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض فيبقى منها عجاج لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً» .
وأخرج أحمد ومسلم والحاكم وصححه عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن طالت بك مدة يوشك أن ترى قوماً يغدون في سخط ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: «يكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمتهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم» .
فقلت لأبي: وما المياثر؟
قال: سروجٌ عظام.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي أمامة مرفوعاً: «يخرج في هذه الأمة في آخر الزمان رجال معهم سياط كأنها أذناب البقرة يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته» .
وأخرج البزار والحاكم بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي بعثني بالحق لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف.
قالوا: ومتى ذاك يا نبي الله؟
قال: إذا رأيت النساء ركبن السروج وكثرت القينات وشهد شهادت الزور وشرب المصلون في آنية أهل الشرك الذهب والفضة، واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء فاستبدروا واستعدوا» .
وأخرج الطبراني وصححه عن أبي أمامة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزداد الأمر إلى شدة ولا المال إلا إفاضة، ولا تقوم الساعة إلا على شرار خلقه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجعنا تعجل ناس فدخلوا المدينة، فسأل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر أنهم تعجلوا المدينة، فقال: «يوشك أن يدعوها أحسن ما كانت ليت شعري متى تخرج نار من جبل الوراق يضيء لها أعناق البخت ببصرى يروها كضوء النهار» .
وأخرج أحمد والحاكم عن رافع بن بشر السلمي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تخرج نار من حبس سيل تسير بطيبة تكمن بالليل وتسير بالنهار تغدو وتروح، يقال غدت النار أيها الناس فاغدوا قالت النار: أيها الناس فقيلوا راحت النار فروحوا من أدركته أكلته» .
وأخرج الحاكم عن أبي البداح بن عاصم الأنصاري رضي الله عنه بسند ضعيف قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثان ما قدم فقال: أي حبس سيل؟
قلنا: لا ندري فمر بي رجل من بني سليم، فقلت: ومن أين جئت؟
قال: من حبس سيل.
فأتيت فقلت يا رسول الله: إن هذا الرجل يخبر أن أهله بحبس سيل، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أخر أهلك فإنه يوشك ان تخرج منه نار تضيء أعناق الإِبل ببصرى» .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار الحجاز تضيء منها أعناق الإِبل ببصرى» .
وأخرج أحمد وصححه، وضعفه الذهبي، عن معاذ بن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال الأمة على شريعة ما لم يظهر فيهم ثلاث: ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر ولد الخبث، ويظهر فيهم السقارون.
قالوا: وما السقارون؟
قال: بشر يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة فيصبح القوم فيقولون: من صعق البارحة فيقولون: صعق فلان وفلان» .
وأخرج البزار وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يُحج البيت» .
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي خليفة يحثي المال حثياً لا يعده عداً، ثم قال: والذي نفسي بيده ليعودن الأمر كما بدأ ليعودن كل إيمان إلى المدينة كما بدأ بها حتى يكون كل إيمان بالمدينة.
ثم قال: لا يخرج رجل من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه، وليسمعن ناس برخص من أسعار وزيف فيتبعونه والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضبّ لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على أمتي زمان يكثر فيه القراء وتقل الفقهاء ويقل العلم ويكثر الهرج.
قالوا وما الهرج يا رسول الله؟
قال: القتل بينكم.
ثم يأتي بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال لا يجاوز تراقيهم.
ثم يأتي بعد ذلك زمان يحاول المنافق الكافر المشرك بالله المؤمن بمثل ما يقول» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإِنسان، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: يكون فتنة فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون الخامسة وهي مجللة تنشق في الأرض كما ينشق الماء.
وأخرج مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن لا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرّ في ذلك شيئاً لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث مجلساً أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعد الفتن: منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئاً ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار قال حذيفة رضي الله عنه: فذهب أولئك الرهط غيري.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يكون في هذه الأمة أربع فتن آخرها الغناء» .
وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا قعوداً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل يا رسول الله: وما فتنة الأحلاس؟
قال: هي فتنة حرب وهرب ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه نبي وليس مني إنما أوليائي المتقون ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته، حتى إذا قيل انقضت عادت، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه فإذا كان ذاكم فانظروا الدجال من يومه أو من غده» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلاً فمنا من يضرب خباءه، ومنا من ينتضل إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة.
فانتهيت إليه وهو يخطب الناس ويقول: «أيها الناس إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيراً لهم، وينذرهم ما يعلمه شراً لهم، الا وان عافية هذه الأمة في أولها سيصيب آخرها بلاء وفتن يرفق بعضها بعضاً، تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه تهلكني، ثم تنكشف، ثم تجيء فيقول هذه وهذه ثم تجيء فيقول هذه وهذه، ثم تنكشف فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع» .
وأخرج ابن خزيمة والحاكم عن العداء بن خالد رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ قام قومة له كأنه مفزع ثم رجع فقال: أحذركم الدجالين الثلاث فقال ابن مسعود رضي الله عنه بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرتنا عن الدجال الأعور وعن أكذب الكذابين فمن الثالث؟
قال: رجل يخرج في قوم أولهم مثبور وآخرهم مثبور عليهم اللعنة دائبة في فتنة الجارفة وهو الدجال الأكيس يأكل عباد الله قال محمد: وهو أبعد الناس من سننه قال الذهبي: الحديث منكر بمرة.
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر بن سمرة مرفوعاً: «ليفتحن لكم كنوز كسرى.
الأبيض أو الذي في الأبيض عصابة من المسلمين» .
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «تكون هدة في شهر رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان ثم تظهر عصابة في شوال ثم مقمعة في ذي الحجة تنتهك المحارم ثم يكون موت في صفر، ثم تتنازل القبائل في ربيع ثم العجب كل العجب بين جمادى ورجب، ثم في المحرم ناقة مقتبة خير من دسكرة تقل مائة ألف» قال الحاكم: غريب المتن، وقال الذهبي: موضوع.
وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شيطان الردهة يحتدره رجل من بجيلة يقال له الأشهب أو ابن الأشهب راعي الخيل غلامه في القوم الظلمة» قال الذهبي ما أبعده من الصحة وأنكره!
وأخرج ابن أبي شيبة عن أرقم بن يعقوب قال: سمعت عبد الله رضي الله عنه يقول: كيف أنتم إذا أخرجتم من أرضكم هذه إلى جزيرة العرب ومنابت الشيخ؟
قلت: من يخرجنا؟
قال: عدو الله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال: كأني أراهم مسر آذان خيلهم وابطبها بحافتي الفرات.
وأخرج الحاكم وصححه عن معيقيب ونعيم بن حماد عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: «لن تفنى أمتي حتى يظهر فيهم التمايز والتمايل والمقامع.
قلت يا رسول الله: ما التمايز؟
قال: عصبية يظهرها الناس بعدي في الإِسلام.
قلت: فما التمايل؟
قال: تميل القبيلة علن القبيلة فتستحل حرمتها.
قلت: فما المقامع؟
قال: تسير الأحبار بعضها إلى بعض تختلف أعناقها في الحرب» .
وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا وقعت الملاحم خرج بعث من الموالي من دمشق هم أكرم العرب فرساً وأجودهم سلاحاً يؤيد الله بهم هذا الدين» .
وأخرج الحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ستكون فتنة تحصل الناس منها كما يحصل الذهب في المعدن فلا تسبوا أهل الشام وسبوا ظَلَمَتَهُمْ، فإن فيهم الأبدال، وسيرسل الله سيباً من السماء فيغرقهم حتى لو قاتلهم الثعالب غلبتهم، ثم يبعث الله عند ذلك رجلاً من عترة الرسول عليه الصلاة والسلام في إثني عشر ألفاً إن قلوا أو خمسة عشر ألفاً إن كثروا أمارتهم أن علامتهم أمت أمت على ثلاث رايات يقاتلهم أهل سبع رايات ليس من صاحب راية إلا وهو يطمع في الملك، فيقتلون ويهزمون ثم يظهر الهاشمي فيردّ الله على الناس إلفتهم ونعمتهم فيكونون على ذلك حتى يخرج الدجال.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتستصعبن الأرض بأهلها حتى لا يكون على ظهرها أهل بيت مَدَر ولا وبر وليبتلين آخر هذه الأمة بالرجف فإن تابوا تاب عليهم، وإن عادوا عاد الله عليهم بالرجف والقذف والمسخ والصواعق» .
وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشركم بالمهدي يبعثه الله في أمتي على اختلاف من الزمان وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ويرضى عنه ساكنوا السماء وساكنوا الأرض، يقسم الأرض ضحاحاً.
فقال له رجل: ما ضحاحا؟
قال: بالسوية بين الناس، ويملأ قلوب أمة محمد غنى، ويسعهم عدله حتى يأمر مناد ينادي يقول: من كانت له في مال حاجة فما يقوم من المسلمين إلا رجلٌ واحد، فيقول: ائت السادن يعني الخازن فقل له: إن المهديّ يأمرك أن تعطيني مالاً فيقول له: أحث حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفساً إذ عجز عني ما وسعهم قال: فيرد، فلا يقبل منه، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين ثم لا خير في العيش بعده قال: ثم لا خير في الحياة بعده» .
وأخرج أحمد وأبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يملك الأرض رجل من أهل بيتي أجلي أقنى» ولفظ أبي داود: «المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت قبله ظلماً وجوراً يكون سبع سنين» .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج المهدي في أمتي خمساً أو سبعاً- شك أبو الجوري- قلنا: أي شيء قال: سنين، ثم ترسل السماء عليهم مدراراً ولا تدخر الأرض من نباتها شيئاً، ويكون المال كردساً يجيء الرجل إليه فيقول يا مهدي أعطني أعطني فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل» .
وأخرج أحمد ومسلم: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج في آخر الزمان خليفة يعطي الحق بغير عدد» .
عن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يكون عطاؤه حثياً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلاً منا يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة» .
وأخرج أبو داود عن أبي إسحاق قال: قال علي، ونظر إلى ابنه الحسن، فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل مني أو من أهل بيتي، وفي لفظ، لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً» .
وأخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» .
وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وأبو يعلى والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة فيأتيه ناس من أهل المدينة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى الناس ذلك أتاه إبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه ثم ينشأ رجل من قريش اخواله كلب فيبعث إليهم بعثاً، فيظهرون عليهم فذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس سنة نبيهم ويلقى الإِسلام يجرانه إلى الأرض فليبث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اغرورقت عيناه وتغير لونه، فقلت: ما تزال ترى في وجهك شيئاً نكرهه فقال: إنا أهل بيت اختار لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يُعْطونَهُ فيقاتلون فَيُنْصَرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملأوها قسطاً كما ملأوها جوراً فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج» .
وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقاتلونكم قتالاً لم يقاتله قوم ذكر شيئاً لا أحفظه، قال: فإذا رأيتموه فتابعوه ولو حَبْواً على الثلج فإنه خليفة الله المهدي» .
وأخرج الترمذي ونعيم بن حماد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل بأمتي آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم حتى تضيق عليهم الأرض فيبعث الله رجلاً من عترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا تدخر الأرض من بذرها شيئاً إلا أخرجته ولا السماء شيئاً من قطرها إلا صبته، يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان أو تسع» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن المهدي لا يخرج حتى يقتل النفس الزكية فإذا قتلت النفس الزكية غضب عليهم من في السماء ومن في الأرض فأتى الناس المهدي فزفوه كما تزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها، وهو يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وتخرج الأرض نباتها وتمطر السماء مطرها وتنعم أمتي في ولايته نعمة لا تنعمها قط.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الجلد قال: تكون فتنة بعدها فتنة ألا وفي الآخرة كثمرة السوط يتبعها ذباب السيف، ثم لا يكون بعد ذلك فتنة تُسْتَحَلُّ فيها المحارم كلها ثم يأتي الخلافة خير أهل الأرض وهو قاعد في بيته ههنا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عاصم بن عمرو البجلي رضّي الله عنه قال: لَيُنادَيَنَّ باسم رجل من السماء لا ينكره الذليل ولا يمتنع منه الدليل.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق ثابت بن عطية عن عبدالله قال: الزموا هذه الطاعة والجماعة فإنه حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة إن الله لم يخلق شيئاً إلا جعل له منتهى، وإن هذا الدين قد تم، وإنه صائر إلى نقصان وإن أمارة ذلك أن تقطع الأرحام، ويؤخذ المال بغير حقه، ويسفك الدماء ويشتكي ذو القرابة قرابته لا يعود عليه شيء، ويطوف السائل لا يوضع في يده شيء، فبينما هم كذلك إذ خارت الأرض خور البقرة يحسب كل إنسان أنها خارت من قبلهم فبينما الناس كذلك إذ قذفت الأرض بأفلاذ كبدها من الذهب والفضة لا ينفع بعد شيء منه ذهب ولا فضة.
وأخرج أحمد «عن عبدالله بن عمرو قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فرفع رأسه فنظر إليّ فقال: ست فيكم أيتها الأمة موت نبيكم، فكأنما انتزع قلبي من مكانه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واحدة قال: ويفيض المال فيكم حتى إن الرجل ليعطى عشرة آلاف فيظل يسخطها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتين قال: وفتنة تدخل بيت كل رجل منكم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث.
قال: وموت كقعاص الغنم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع، وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيجمعون لكم تسعة أشهر بقدر حمل المرأة ثم يكونون أولى بالغدر منكم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس، وفتح مدينة.
قلت يا رسول الله: أي مدينة؟
قال: قسطنطينية» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجة «عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة أدم فقال: أعدد ستّاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفاً زاد أحمد فسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة في مدينة يقال لها دمشق» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ست من أشراط الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس، وموت يأخذ في الناس كقعاص الغنم، وفتنة يدخل حرها بيت كل مسلم، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها، وأن يغدر الروم فيسيرون بثمانين بنداً تحت كل بند اثنا عشر ألفاً» .
وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن دمشق» .
وأخرج الحاكم عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: «إذا رأيت بيدة بيد رجل وأهل بيته فعند ذلك فتح القسطنطينية» .
وأخرج مسلم والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟
فقالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق حتى إذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، فيقولون لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها، ثم يقولون الثانية لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلونها، فيغنمون فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ أن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون» قال الحاكم: يقال إن هذه المدينة هي القسطنطينية صح أن فتحها مع قيام الساعة.
وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وأبو يعلى ونعيم بن حماد في الفتن والطبراني والبيهقي في البعث والضياء والمقدسي في المختارة عن عبدالله بن بسر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين الملحمة وفتح القسطنطينية سنين ويخرج الدجال في السابعة» .
وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: فتح القسطنطينية مع قيام الساعة.
وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق فيخرج إليهم جلب من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ فإذا تصافوا قالت الروم: خلو بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم فيقاتل المسلمون لا والله، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله ويصبح ثلث لا يفتنون أبداً فيبلغون القسطنطينية فيفتتحون، فبينما هم يقتسمون غنائمهم وقد علقوا سلاحهم بالزيتون إذ صاح الشيطان؛ أن المسيح قد خلفكم في أهليكم، وذاك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة صلاة الصبح، فينزل عيسى ابن مريم فأمهم فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن الله يقتله بيده فيريهم دمه في حربته» .
وأخرج ابن ماجة والحاكم عن كثير بن عبدالله المزني عن أبيه عن جده: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تذهب الدنيا حتى تقاتلوا بني الأصفر يخرج إليهم روقة المؤمنين أهل الحجاز الذين يجاهدون في سبيل الله ولا تأخذهم في الله لومة لائم حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير فينهدم حصنها فيصيبون نيلاً عظيماً لم يصيبوا مثله قط حتى إنهم يقتسمون بالترس ثم يصرخ صارخ بأهل الإِسلام قد خرج الدجال في بلادكم وذراريكم فينفضّ الناس حتى عن المال منهم الآخذ ومنهم التارك فالآخذ نادم والتارك نادم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب حضور الملحمة، وحضور الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية، خروج الدجال» ثم ضرب معاذ على منكب عمر بن الخطاب وقال، والله إن ذلك لحق كما أنك جالس.
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر» .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه عن ذي مخمر ابن أخي النجاشي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستصالحكم الروم صلحاً آمناً حتى تغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم فتنصرون وتغتنمون وتنصرفون تنزلوا بمرج ذي تلال فيقول قائل من الروم: غلب الصليب ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب فيتداولانها بينهم فيثور المسلم إلى صليبهم وهم منهم غير بعيد فيدقه وتثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه، ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة من المسلمين بالشهادة فتقول الروم لصاحب الروم كفيناك حد العرب، فيندرون فيجمعون الملحمة فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً» .
وأخرج أحمد والبخاري والبزار وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن بشر الغنوي حدثني أبي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي قبيل قال: تذاكر فتح القسطنطينية والرومية أيهما تفتح أولاً فدعا عبدالله بن عمر بصندوق ففتحه فأخرج منه كتاباً قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب فقيل: أي المدينتين تفتح أوّلاً يا رسول الله قسطنطينية أو رومية؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أوّلاًيريد القسطنطينية» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عوف بن مالك رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم واقناء معلقة وقنو منها حشف ومعه عصا فطعن بالعصا في القنو وقال: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها.
إن صاحب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة، أما والله يا أهل المدينة لتدعنها مذللة أربعين عاماً للعوافي.
قلنا: الله ورسوله أعلم قال: أتدرون ما العوافي؟
قالوا: لا.
قال:الطير والسباع» .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً «لتتركن المدينة على خير ما كانت تأكلها الطير والسباع» .
وأخرج الحاكم وصححه «عن محجن بن الأدرع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وصعدت معه فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال لها قولاً، ويل أمك أو ويح أمها قرية يدعها أهلها أينع ما تكون يأكلها عافية الطير والسباع ولا يدخلها الدجال إن شاء الله، كلما أراد دخولها يلقاه، بكل نقب من أنقابها ملك مصلت يمنعه عنها» .
وأخرج الحاكم وصححه عن واثلة بن الأسقع سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى يكون عشر آيات خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدجال ونزول يأجوج ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تحشر الذر والنمل» .
وأخرج أبو يعلي والروياني وابن قانع والحاكم وصححه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله ريحاً يبعثها على رأس مائة سنة تقبض روح كل مؤمن» .
وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن عياش بن أبي ربيعة.
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تجيء ريح بن يدي الساعة تقبض فيها روح كل مؤمن» .
وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحداً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته» .
وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، ويبعث الله ريحاً طيبة فتتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين على العدوّ لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك» فقال عبدالله بن عمرو: أجل ويبعث الله ريحاً ريحها المسك ومسها مس الحرير، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإِيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة.
وأخرج الحاكم عن ابن عمرو قال: لا تقوم الساعة حتى يبعث الله ريحاً لا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من تقى أو نهي إلا قبضته، ويلحق كل قوم بما كان يعبد آباؤهم في الجاهلية، ويبقى عجاج من الناس لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، يتناكحون في الطرق، فإذا كان ذلك اشتد غضب الله على أهل الأرض فأقام الساعة.
وخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون الذي أنجو» .
وأخرج مسلم عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله.
قال: فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تخرج معادن مختلفة فيها قريب من الحجاز يأتيه شرار الناس يقال له فرعون فبينما هم يعملون فيه إذ حسر عن الذهب فأعجبهم معتمله إذ خسف به وبهم.
وأخرج أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ» .
وأخرج أحمد والبغوي وابن قانع والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن صحار العبدي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من العرب فيقال من بني فلان» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو قال: ليخسفن بالدار إلى جنب الدار وبالدار إلى جنب الدار حيث تكون المظالم.
وأخرج ابن سعد عن أبي عاصم الغطفاني قال: كان حذيفة رضي الله عنه لا يزال يحدث الحديث يستفظعونه، فقيل له يوشك أن تحدثنا أنه سيكون فينا مسخ، قال: نعم ليكونن فيكم مسخ قردة وخنازير.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن فرقد السبخي قال: قرأت في التوراة التي جاء بها جبريل إلى موسى عليه السلام: ليكونن مسخ وقذف وخسف في أمة محمد في أهل القبلة.
قيل يا أبا يعقوب: ما أعمالهم؟
قال: باتخاذهم القينات وضربهم بالدفوف ولباسهم الحرير والذهب، ولن تغيب حتى ترى أعمالاً أزلية فاستيقن واستعد واحذر.
قيل: ما هي؟
قال: تكافأ الرجال بالرجال والنساء بالنساء.
ورغبت العرب في آنية العجم، فعند ذلك ثم قال: والله ليقذفن رجال من السماء بالحجارة يشدخون بها في طرقهم وقبائلهم كما فعل بقوم لوط، وليمسخن آخرون قردة وخنازير كما فعل ببني إسرائيل، وليخسف بقوم كما خسف بقارون.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن سالم بن أبي الجعد رضي الله عنه قال: ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل منهم ينتظرون أن يخرج إليهم فيطلبون إليه الحاجة، فيخرج إليهم، وقد مسخ قرداً أو خنزيراً وليمرنَّ الرجل على الرجل في حانوته يبيع فيرجع عليه وقد مسخ قرداً أو خنزيراً.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي الزاهرية رضي الله عنه قال: لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه فيمسخ أحدهما قرداً أو خنزيراً فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته، وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه فيخسف بأحدهما، فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته منه.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن غنم قال: يوشك أن تعقد أمتان على رحى فتطحنان فتمسخ إحداهما والأخرى تنظر.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن غنم قال: سيكون خباءان متجاوران فينشق بينهما نهر فيسقيان منه بسهم واحد يقبس بعضهم من بعض، فيصبحان يوماً من الأيام قد خسف بأحدهما والآخر حيّ.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: بلغني أن ريحاً تكون في آخر الزمان وظلمة، فيفزع الناس إلى علمائهم فيجدونهم قد مسخوا.
وأخرج الترمذي في نوادر الأصول عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة وخنازير» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة أنه قال: لتعملن عمل بني إسرائيل فلا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله.
فقال رجل: يكون منا قدرة وخنازير؟
قال: وما يبرئك من ذلك لا أم لك؟
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: كيف أنتم إذا أتاكم زمان يخرج أحدهم من حجلته إلى حشه فيرجع وقد مسخ قرداً؟
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن أنس أن عبدالله بن سلام قال يا رسول الله: ما أول أشراط الساعة؟
قال: «نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» .
وأخرج الدارقطني في الأفراد والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف تسوقهم سوق الجمل الكسير» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وقال: حسن صحيح عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستخرج نار قبل يوم القيامة من بحر حضرموت تحشر الناس، قالوا يا رسول الله: فما تأمرنا؟
قال: عليكم بالشام» .
أما قوله تعالى: ﴿ فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ﴾ .
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ﴾ يقول: إذا جاءت الساعة أنى لهم الذكرى؟
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ﴾ قال: إذا جاءتهم الساعة فأنى لهم أن يذكروا ويتوبوا ويعملوا، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ فأعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ .
أخرج الطبراني وابن مردويه والديلمي عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الذكر لا إلا الله وأفضل الدعاء الاستغفار، ثم قرأ ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ » .
وأخرج أبو يعلى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك اهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون» .
وأخرج أحمد والنسائي والطبراني والحاكم والترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله يرجع ذلك إلى قلب موقن إلا دخل الجنة» وفي لفظ: «إلا غفر الله له» .
وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء إلا بينه وبين الله حجاب إلا قول لا إله إلا الله ودعاء الوالد» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش» .
وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «اعلم أنه من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة» وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله إلا حرم على النار» .
وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فلن تطعمه النار» .
وأخرج أحمد والطبراني «عن سهيل بن البيضاء رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا رديفه، فقال: يا سهيل بن بيضاء ورفع صوته، فاجتمع الناس، فقال: إنه من شهد أن لا إله إلا الله حرمه الله على النار وأوجب له الجنة» .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: رؤي طلحة حزيناً فقيل له: ما لك؟
قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا نفَّسَ الله عنه كربته وأشرق لونه ورأى ما يسره» وما منعني أن أسأله عنها إلا القدرة عليه حتى مات فقال عمر: إني لأعلمها فقال: فما هي؟
قال: لا نعلم كلمة هي أعظم من كلمة أمر بها عمه.
لا إله إلا الله قال: فهي والله هي.
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن حبان والبيهقي عن عثمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» .
وأخرج البيهقي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر بشّر الناس أنه من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» .
وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني والحاكم ومسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله أنجته يوماً من الدهر أصابه قبلها ما أصابه» .
وأخرج البيهقي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله طلست ما في صحيفته من السيئات حتى يعود إلى مثلها» .
وأخرج البيهقي عن حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ختم له بشهادة أن لا إله إلا الله صادقاً دخل الجنة، ومن ختم له بصوم يوم يبتغي به وجه الله دخل الجنة، ومن ختم له عند الموت بإطعام مسكين يبتغي به وجه الله دخل الجنة» .
قوله تعالى: ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ الآية.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه «عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأكلت معه من طعام فقلت: غفر الله لك يا رسول الله.
قال: ولك.
فقيل: أستغفر لك يا رسول الله؟
قال: نعم ولكم، وقرأ ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه وابن مردويه «عن عبيد بن المغيرة رضي الله عنه قال: سمعت حذيفة رضي الله عنه تلا قوله تعالى ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ﴾ قال: كنت ذرب اللسان على أهلي، فقلت يا رسول الله: إني أخشى أن يُدخلني لساني النار.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين أنت عن الإِستغفار أني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والطبراني عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله فيها مائة مرة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني وابن مردويه عن رجل من المهاجرين يقال له الأغر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه فإني استغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مائة مرة» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان وابن مردويه عن الأغر المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليغان على قلبي وأني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة» وفي لفظ «التواب والغفور» .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة» .
أما قوله تعالى: ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والله يعلم متقلبكم ﴾ في الدنيا ﴿ ومثواكم ﴾ في الآخرة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ قال: متقلب كل دابة بالليل والنهار.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ وقوله: ﴿ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد عن الإسلام (١) قال أبو إسحاق: لعلكم إن توليتم عما جاء به النبي - - أن تعودوا إلى أمر الجاهلية فتفسدوا ويقتل بعضكم بعضًا وتقطعوا أرحامكم أي: تئدوا البنات وتدفنوهن أحياء (٢) وقال ابن قتيبة: أي إذا انصرفتم عن النبي - - أن تفسدوا يريد فهل تريدون إذا أنتم تركتم محمداً وما يأمركم به أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر والإفساد في الأرض وقطع الأرحام (٣) - حين جمعهم به وأكرمهم بالإلفة بعد ما كانوا عليه في جاهليتهم من القتل والبغي وقطيعة الرحم، فيقول: لعلكم إذا كرهتم الإسلام والقرآن، تريدون أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه، والمراد بقطع الأرحام قتل بعضكم بعضاً، ويحتمل ما ذكره أبو إسحاق من الوأد.
وفي الآية قول آخر قال الكلبي: إن توليتم إمرة هذه الأمة (٤) -: إن وُلِّيتُم (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١) ذكر البغوي 7/ 287، وابن الجوزي 7/ 407 قريبًا من هذا المعنى، ولم ينسباه.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 13.
(٣) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 123.
(٤) ذكر ذلك القرطبى 16/ 245، وانظر: "تنوير المقباس" ص 509.
(٥) انظر: "المحتسب" لابن جني 2/ 172، و "البحر المحيط" 8/ 82، و"التذكرة في القراءات" لابن غلبون ص 684، قال: وقرأ رويس: توليتم: بضم التاء والواو وكسر اللام.
وانظر: "النشر في القراءات العشر" 2/ 374، وقال القرطبي: قرأ علي بن أبي طالب: تُوُلِّيتُم.
بضم التاء والواو وكسر اللام.
وهي قراءة ابن أبي إسحاق ورواها رويس عن يعقوب 16/ 243.
(٦) هم: بطن من قريش من العدنانية وهم بو أمية الأكبر بن عبد شمس بن مناف.
وبنو أمية هؤلاء هم المراد ببني أمية عند الإطلاق وكان له عشرة أولاد أربعة منهم يسمون أعياص، وهم: العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص، وستة يسمون العنابس، وهم: حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو.
وسموا بذلك بابن من أبناء حرب أحد أسماء عنبسة غلب عليهم اسمه ومن عقبه عثمان بن عفان ومنهم أيضًا معاوية بن أبي سفيان.
انظر: "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 85.
(٧) هم: بنو هاشم من قريب من العدنانية.
وهم بنو هاشم بن عبد مناف، كان له خمسة أولاد منهم: عبد المطلب، وحنظلة وأسد وصيفي وأبو صيفي واسم هاشم عمرو وسمي هاشمًا لهشمه الثريد لقومه في شدة المحل، وذلك أنه كان إليه الرفادة والسقاية بمكة، وانتهت إليه سيادة قريش.
انظر: "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 386.
(٨) هو: المسيب بن شريك أبو سعيد التميمي الشقري الكوفي روي عن الأعمش، قال يبيح: ليس بشيء، وقال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال البخاري: سكتوا عنه.
انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 114.
(٩) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 128 ب، وأبو حيان في "البحر" 8/ 82، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 245.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 63، "معاني القرآن للزجاج" 5/ 13.
(١١) كذا رسمها في الأصل، ولم يتضح لي معناها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ هذا خطاب للمنافقين المذكورين خرج من الغيبة إلى الخطاب، ليكون أبلغ في التوبيخ والمعنى هل يتوقع منكم، إلاّ فساد في الأرض وقطع الأرحام إن توليتم، ومعنى توليتم: صرتم ولاة على الناس وصار الأمر لكم، وعلى هذا قيل: إنها نزلت في بني أمية.
وقيل: معناه أعرضتم عن الإسلام.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.
الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.
الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.
﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.
التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟
فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.
وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.
وقيل: هم أهل الكتاب.
والأظهر العموم.
قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.
وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.
وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد لا يرد عليه النسخ أبداً.
وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.
وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.
والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.
وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.
وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.
وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.
قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.
وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.
وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".
﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.
فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.
وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.
لأن رسول الله منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.
وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.
وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.
وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.
وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.
والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.
وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.
قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.
وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.
وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.
وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.
وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى .
عن أبي هريرة أن النبي قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.
وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.
ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.
ومعنى الابتلاء من الله قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.
ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.
وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.
وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.
ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.
يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.
عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.
وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.
ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.
ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.
والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.
والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.
ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.
وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.
وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.
وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟
وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.
وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.
والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.
قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.
والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.
فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله أعلم بمراده.
وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟
والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.
وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.
ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.
وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.
ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.
وعن السدي: بين لهم ما يتقون.
وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول .
ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.
وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.
ومنه مبعث محمد فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.
وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".
وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟
والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ﴾ جعل الله - عز وجل - آيات رسالة رسوله وحججه على المنافقين - صنيعهم وما أسروا في أنفسهم من الخلاف له والعداوة، فأطلع الله رسوله على ما أسروا في أنفسهم وأضمروه؛ ليكون ذلك آية لرسالته، وحجة لنبوته؛ إذ علموا أن لا أحد يطلع على ما في القلوب إلا الله - - فإذا أخبر رسول الله لهم بما أسروا وأضمروا، وعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله - - [كقوله:] ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ ، ونحو ذلك.
ثم الناس في الاستماع إلى رسول الله يفرقون إلى فرق ثلاث: فالمؤمنون كانوا يستمعون إليه للاسترشاد واستزادة الهدى، وهو كقوله - -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً...
﴾ الآية [التوبة: 124] ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...
﴾ الآية [التوبة: 125].
وقوله - -: ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ أي: أعطاهم ما اتقوا مخالفة أمره.
ويحتمل: ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ أي: يوفقهم ما يتقون مخالفة أمره من بعد في المستأنف.
وقال بعضهم: أي: أعطاهم الله ثواب أعمالهم في الآخرة؛ يقول: كلما جاء من الله أمر أخذوا به، فزادهم الله - - هدى ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ ؛ أي: أجرهم.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ وأنطاهم تقواهم ﴾ أي: أعطاهم، وهي لغة معروفة، أنطى: أي: أعطى، وكذلك قرأ: ﴿ إنا أنطيناك الكوثر ﴾ .
وقوله - -: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ﴾ كأن هذه الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون إلا عند قيام الساعة؛ كأنه يقول: ما ينظرون لإيمانهم إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ ، كأنه - والله أعلم - يؤيس رسوله عن الطمع في إيمانهم قبل ذلك الوقت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل ما ذكر من مجيء أشراطها هو رسول الله ؛ لأنه خاتم الأنبياء، وبه ختمت النبوة، وروي عنه أنه قال: "بعثت [أنا] والساعة كهاتين" ، وأشار إلى أصبعين جمع بينهما، فإن كان التأويل هذا فهو على تحقيق مجيء أشراط الساعة؛ أي: قد جاءت أشراط الساعة حقيقة وتحققت.
والثاني: يحتمل أن يكون ما ذكر من مجيء أشراطها هي الأعلام والشرائط التي جعلت علماً لقيامها؛ من نحو نزول عيسى، وخروج دابة الأرض، وخروج الدجال، وغير ذلك، فقد مضى بعض تلك الأعلام؛ فيكون قوله: ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ أي: كأن قد جاء أشراطها؛ إذ كل ما هو آت جاءٍ؛ فكأنه قد جاء؛ كقوله - -: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من أنى ينتفعون بإيمانهم في ذلك الوقت؟
وكيف لهم منفعة الذكرى إذا جاءت، والتوبة لا تقبل حينئذ؟
والثاني: من أين لهم الإيمان والتوبة إذا جاءتهم الذكرى؛ أي: ما يذكرهم في الدنيا قبل ذلك فلم يؤمنوا، ولم يتذكروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: اعلم في حادث الوقت أنه لا إلا إلا الله؛ كقوله : ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ وقوله - -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ ﴾ ، ونحو ذلك.
والثاني: يقول: فاعلم أن الإله المستحق للعبادة والمعبود الحق هو الإله الذي لا إله غيره؛ إذ الإله عند العرب هو المعبود؛ يقول: إن المعبود الذي يستحق العبادة هو الله - - لا الأصنام التي تعبدونها دونه [و] تزعمون أن عبادتكم إياها تقربكم إليه زلفى.
والثالث: أمره أن يشعر قلبه في كل وقت [و]حال كلمة الإخلاص، والتوحيد له، والقول به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ إنما هو لافتتاح الكلام وابتدائه، على ما يؤمر المرء أن يبتدئ بالدعاء لنفسه عند أمره بالدعاء لغيره، وكان حقيقة الأمر بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات دون نفسه، ولكن أمر بالدعاء لنفسه استحباباً، والله أعلم.
وجائز أن يكون له ذنب فيأمره بالاستغفار له، لكن نحن لا نعلم، وليس علينا أن نتكلف حفظ ذنوب الأنبياء - عليهم السلام - وذكرها، وكل موهوم منه الذنب يجوز أن يؤمر بالاستغفار، كقول إبراهيم - - حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ ﴾ لكن ليس ذنب الأنبياء وخطاياهم كذنب غيرهم؛ فذنب غيرهم ارتكاب القبائح من الصغائر والكبائر، وذنبهم ترك الأفضل دون مباشرة القبيح في نفسه، والله الموفق.
ثم أرجى آية للمؤمنين هذه الآية؛ لأنه - عز وجل - أمر رسوله - - أن يستغفر لهم، فلا يحتمل ألا يستغفر وقد أمره مولاه بالاستغفار، ثم لا يحتمل - أيضاً - أنه إذا استغفر لهم على ما أمره به فلا يجيب له، وكذلك دعاء سائر الأنبياء - عليهم السلام - نحو دعاء نوح - -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ، وقول إبراهيم - -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ ، ونحو ذلك، وكذا استغفار الملائكة لهم - أيضاً - لقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ...
﴾ الآية [غافر: 7] هذه الآيات أرجى آيات للمؤمنين ودعوات الأنبياء - عليهم السلام - أفضل وسائل تكون إلى الله - - وأعظم قربة عنده، والله الموفق.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ فيه دلالة نقض قول المعتزلة، لأنهم يقولون: إن الصغائر مغفورة، لا يجوز لله - - أن يعذب عباده عليها، والكبائر مما لا يحل له أن يغفرها لهم إلا بالاستغفار منهم والتوبة؛ فهذه الآية تنقض قولهم ومذهبهم؛ لأنه أمر رسوله أن يستغفر لهم، فلا يخلو إما أن تكون صغائر، وهي مغفورة عندهم؛ فكأنه يقول: اللهم لا تجر؛ لأنها مغفورة لا يسع له أن يعذب عليها، أو كبائر ولا يحل له المغفرة عنها، فيكون قوله: اللهم اغفر لهم، كأنه قال: اللهم جر؛ لأن مغفرته إياهم الكبائر يكون جوراً ووضع الشيء في غير موضعه.
فكيفما كان ففيها نقض قولهم وحجة لقولنا: إن له أن يعذبهم عليها وإن كانت صغائر، وله أن يعفو عنها وإن كانت كبائر؛ إذ المغفرة عن الذنب تكون، والله الموفق للصواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ﴾ في النهار ﴿ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ من الليل.
وقيل: يعلم ما ينقلبون بالنهار ويسكنون بالليل؛ وهما واحد.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ﴾ في الدنيا ﴿ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ في الآخرة؛ أي: مقامكم فيها.
وهو يخرج عندنا على وجوه: أحدها: يحتمل هذا لظن قوم وتوهمهم أن الله - - يجهل عواقب الأمور؛ حيث أنشأ هذا العالم، فجحدوه وجحدوا نعمه، فلا يحتمل أن ينشئهم، ويجعل لهم النعم وهو يعلم أنهم يجحدون وينكرون نعمه؛ لأن من فعل هذا في الشاهد فهو عابث غير حكيم، فعلى ذلك هذا، على زعمهم، فقال - - جواباً لهم: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ أي: على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم، لا عن جهل على ما ظنوا هم، لكن ما ينبغي لهم أن ينسبوا الجهل إلى الله - - لجهلهم بحق الحكمة في فعله؛ لأن الله - جل وعلا - لم ينشئ هذا العالم لحاجة له، أو لمنافع نفسه؛ بل إنما أنشأه لمنافع أنفسهم، ولحاجتهم، فإليهم ترجع منفعة الإجابة والطاعة، وعليهم تكون مضرة الجحود والرد، فأما في الشاهد فمن يأمر أحداً أو ينهاه عن أمر أو أرسل إليه رسولا على علم منه بالرد والجحود فهو سفيه غير حكيم؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه ولمنفعة له، فإذا علم منه الرد والإنكار فهو غير حكيم، فافترق الشاهد والغائب؛ لافتراق وجه الحكمة، والله الموفق.
والثاني: قوله - -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ أي: يعلم جميع أحوالكم من حركاتكم، وسكونكم، وجميع تقلبكم؛ لتكونوا أبداً على حذر ويقظة، والله أعلم.
والثالث: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ أي: يعلم متقلبكم في الدنيا، ويعلم إلى ماذا يكون مرجعكم في الآخرة؛ أي: أنشأ كلا على ما علم أنه يكون منهم؛ كقوله - -: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ أي: أنشأ من علم أنه يختار الكفر وعداوته لجهنم، وأنشأ من علم أنه يختار التوحيد وولايته للجنة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ﴾ إن الذين آمنوا كانوا يتمنون إنزال السورة، ويقولون: هلا نزلت سورة؛ لوجوه: أحدها: لتكون السورة حجة لهم، وآية على أعدائهم في الرسالة والبعث والتوحيد.
والثاني: كانوا يستفيدون بإنزال السورة أشياء ويزداد لهم يقين وتحقق في الدين؛ كقوله - -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ وأما المنافقون ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ ؛ على ما ذكر.
والثالث: يتمنون نزول السورة؛ ليتبين لهم المصدق من المكذب، والمتحقق من المرتاب.
هذه الوجوه التي ذكرنا تكون لأهل الإيمان؛ لذلك يتمنون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ ﴾ أي: محدثة، والمحدثة ليست بتفسير للمحكمة، إلا أن يعنوا بالمحدث: الناسخ، والناسخ هو المحدث والمتأخر نزولا، وهو محكم؛ لأنه يلزم العمل به، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ لولا نزلت سورة محدثة ﴾ ، والوجه ما ذكرنا.
والمحكمة عندنا على وجهين: أحدهما: أي: محكمة بالحجج والبراهين.
والثاني: لما أنزلت على أيدي قوم وتداولت فيما بينهم فلم يغيروه ولم يبدلوه؛ بل حفظوه؛ ليعلم أنه من عند الله حقّاً ومنه نزل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ﴾ جعل الله - عز وجل - في القتال خصالا: أحدها: كثرة أهل الإسلام، وكثرة الأموال، وإن كان في ظاهر القتال إفناء الأنفس والأموال؛ لأنه قبل أن يفرض القتال كان يدخل من الإسلام واحد، فلما فرض القتال دخل فيه فوج فوج؛ على ما أخبر: ﴿ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً ﴾ .
والثاني: ليتبين المصدق منهم من المكذب لهم، والمتحقق من المرتاب؛ لأنه لم يكن ليظهر ويتبين لهم المنافق من غيره إلى ذلك الوقت، فلما فرض القتال عند ذلك ظهر وتبين لهم أهل النفاق والارتياب من أهل الإيمان والتصديق.
والثالث: فيه آية الرسالة والبعث، وأما آية الرسالة فلأن أصحاب رسول الله كانوا عدداً قليلا لا عدة لهم ولا قوة، أمروا بالقتال مع عدد لا يحصون، ولهم عدة وقوة؛ ليعلم أنهم لا بأنفسهم يقاتلون، ولكن بالله - - إذ لا يحتمل قيام أمثالهم لأمثال أولئك مع كثرتهم وقوتهم، والله أعلم.
وأما آية البعث فلأنهم أمروا بقتال أقاربهم، وأرحامهم، والمتعلق بهم، وفي ذلك قطع أرحامهم، وقطع صلة قراباتهم؛ ليعلم أنهم إنما يفعلون هذا بالأمر لعاقبة تؤمل وتقصد؛ إذ لا يحتمل فعل ذلك بلا عاقبة تقصد، وبلا شيء يعتقد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ﴾ كان أهل النفاق يكرهون نزول ما ينبئهم عما في ضميرهم من النفاق والارتياب، كقوله - -: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم ﴾ وإذا أنزلت السورة يزداد لهم ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾ قال أهل التأويل: هذا وعيد لهم؛ كقوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ...
﴾ الآية [القيامة: 34]، لكن ظاهره ليس بتوعد ولا تهدد، إنما ظاهره، أي: أحرى لكم وأولى أن تطيعوه، وأن تقولوا معروفاً، فإذا تركوا ذلك يكون وعيداً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ ﴾ اختلف في تأويله: قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ﴾ ، وعزم الأمر؛ فعند ذلك كان ما ذكر من المنافقين حيث قال: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ ، وليس في نفس ذكر القتال ما ذكر من نظر المغشي عليه من الموت إنما ذلك الوصف وتلك الحال عند وجوب القتال، ولزومه، وتأكيده عليهم، وذلك في قوله - -: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: وجب وفرض، فعند ذلك يكون حالهم ما ذكر، فأما بذكر نفس القتال فلا، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ ﴾ هو في الآخرة، أي: فإذا تحقق وظهر ما كان أوعدهم الرسول - - من نزول العذاب بهم في الآخرة ﴿ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في الدنيا لكان خيراً لهم في الآخرة؛ حيث كان لا ينزل العذاب بهم في الآخرة؛ أي: لو صدقوا رسول الله فيما يوعدهم من العذاب أنه ينزل بهم في الآخرة وتركوا مخالفته في الدنيا - لكان خيراً لهم في الآخرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ويغلب على حالكم إن أعرضتم عن الإيمان بالله وطاعته أنكم تفسدون في الأرض بالكفر والمعاصي، وتقطعون أواصر الرحم؛ كما كانت حالكم في الجاهلية.
<div class="verse-tafsir" id="91.aVzoe"