الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٥ من سورة محمد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 44 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( سيهديهم ) أي : إلى الجنة ، كقوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ) [ يونس : 9 ] .
وقوله : ( ويصلح بالهم ) أي : أمرهم وحالهم ،
القول في تأويل قوله تعالى : سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) يقول تعالى ذكره: سيوفق الله تعالى ذكره للعمل بما يرضى ويحبّ, هؤلاء الذين قاتلوا في سبيله,( وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ) ويصلح أمرهم وحالهم في الدنيا والآخرة .
قوله تعالى : سيهديهم ويصلح بالهمقال القشيري : قراءة أبي عمرو قتلوا بعيدة ، لقوله تعالى : سيهديهم ويصلح بالهم والمقتول لا يوصف بهذا .
قال غيره : يكون المعنى سيهديهم إلى الجنة ، أو سيهدي من بقي منهم ، أي : يحقق لهم الهداية .
وقال ابن زياد : سيهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر .
قال أبو المعالي : وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها ، ومن ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين : فلن يضل أعمالهم .
سيهديهم ومنه قوله تعالى : فاهدوهم إلى صراط الجحيم معناه فاسلكوا بهم إليها .
{ سَيَهْدِيهِمْ } إلى سلوك الطريق الموصلة إلى الجنة، { وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } أي: حالهم وأمورهم، وثوابهم يكون صالحا كاملا لا نكد فيه، ولا تنغيص بوجه من الوجوه.
( سيهديهم ) أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور ، وفي الآخرة إلى الدرجات ( ويصلح بالهم ) يرضي خصماءهم ويقبل أعمالهم .
«سيهديهم» في الدنيا والآخرة إلى ما ينفعهم «ويصلح بالهم» حالهم فيهما وما في الدنيا لمن لم يقتل وأدرجوا في قتلوا تغليبا.
فإذا لقيتم- أيها المؤمنون- الذين كفروا في ساحات الحرب فاصدقوهم القتال، واضربوا منهم الأعناق، حتى إذا أضعفتموهم بكثرة القتل، وكسرتم شوكتهم، فأحكموا قيد الأسرى: فإما أن تَمُنُّوا عليهم بفك أسرهم بغير عوض، وإما أن يفادوا أنفسهم بالمال أو غيره، وإما أن يُسْتَرَقُّوا أو يُقْتَلوا، واستمِرُّوا على ذلك حتى تنتهي الحرب.
ذلك الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين ومداولة الأيام بينهم، ولو يشاء الله لانتصر للمؤمنين من الكافرين بغير قتال، ولكن جعل عقوبتهم على أيديكم، فشرع الجهاد؛ ليختبركم بهم، ولينصر بكم دينه.
والذين قُتلوا في سبيل الله من المؤمنين فلن يُبْطِل الله ثواب أعمالهم، سيوفقهم أيام حياتهم في الدنيا إلى طاعته ومرضاته، ويُصْلح حالهم وأمورهم وثوابهم في الدنيا والآخرة، ويدخلهم الجنة، عرَّفهم بها ونعتها لهم، ووفقهم للقيام بما أمرهم به -ومن جملته الشهادة في سبيله-، ثم عرَّفهم إذا دخلوا الجنة منازلهم بها.
بل ( سَيَهْدِيهِمْ ) أى : بل سيوصلهم إلى طريق السعادة والفلاح .( وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ) أى : ويصلح أحوالهم وشئونهم وقلوبهم .
إن قرئ ﴿ قتلوا ﴾ أو ﴿ قَاتَلُواْ ﴾ فالهداية محمولة على الآجلة والعاجلة، وإن قرئ ﴿ قتلوا ﴾ فهو الآخرة ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ طريق الجنة من غير وقفة من قبورهم إلى موضع حبورهم.
وقوله: ﴿ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ .
قد تقدم تفسيره في قوله تعالى: ﴿ أَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ والماضي والمستقبل راجع إلى أن هناك وعدهم ما وعدهم بسبب الإيمان والعمل الصالح، وذلك كان واقعاً منهم فأخبر عن الجزاء بصيغة تدل على الوقوع، وهاهنا وعدهم بسبب القتال والقتل، فكان في اللفظ ما يدل على الاستقبال، لأن قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ﴾ يدل على الاستقبال فقال: ﴿ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ مبتدأ وما بعده خبره، أي: ذلك الأمر وهو إضلال أعمال أحد الفريقين وتكفير سيئات الثاني: كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق.
ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كما ذكر بهذا السبب، فيكون محل الجار والمجرور منصوباً على هذا، ومرفوعاً على الأوّل و ﴿ الباطل ﴾ ما لا ينتفع به.
وعن مجاهد: الباطل الشيطان، وهذا الكلام يسميه علماء البيان التفسير ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الضرب ﴿ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أمثالهم ﴾ والضمير راجع إلى الناس، أو إلى المذكورين من الفريقين، على معنى: أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.
فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟
قلت: في أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين.
أو في أن جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السسيئات مثلاً لفوز المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ الإضْلالِ والتَّكْفِيرِ والإصْلاحِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.
﴿ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ بِسَبَبِ اتِّباعِ هَؤُلاءِ الباطِلَ واتِّباعِ هَؤُلاءِ الحَقَّ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ ما قَبْلَها ولِذَلِكَ سُمِّيَ تَفْسِيرًا.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الضَّرْبِ.
﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ ﴾ يُبَيِّنُ لَهم.
﴿ أمْثالَهُمْ ﴾ أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ أوْ أحْوالَ النّاسِ، أوْ يَضْرِبُ أمْثالَهم بِأنْ جَعَلَ اتِّباعَ الباطِلِ مَثَلًا لِعَمَلِ الكُفّارِ والإضْلالَ مَثَلًا لِخَيْبَتِهِمْ واتِّباعَ الحَقِّ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ مَثَلًا لِفَوْزِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{سَيَهْدِيهِمْ} إلى طريق الجنة أو إلى الصواب في جواب منكر ونكير {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} يرضى خصماءهم ويقبل أعمالهم
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لِتَرْتِيبِ ما في حَيِّزِها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ضَلالَ أعْمالِ الكَفَرَةِ وخَيْبَتَهم وصَلاحَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وفَلاحَهم مِمّا يُوجِبُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإذا لَقِيتُمُوهم في المَحارِبِ ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ( لَقِيتُمُ ) مِنَ اللِّقاءِ وهو الحَرْبُ و(ضَرْبَ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والأصْلُ اضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا فَحُذِفَ الفِعْلُ وقُدِّمَ المَصْدَرُ وأُنِيبَ مَنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، وحَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ في مِثْلِ ذَلِكَ بِما أُضِيفَ إلى مَعْمُولِهِ واجِبٌ، وهو أحَدُ مَواضِعَ يَجِبُ فِيها الحَذْفُ ذُكِرَتْ في مُطَوَّلاتِ كُتُبِ النَّحْوِ، ولَيْسَ مِنها نَحْوَ ضَرْبًا زَيْدًا عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عُصْفُورٍ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ فِيما ذُكِرَ اخْتِصارًا وتَأْكِيدًا ولا كَلامَ في الِاخْتِصارِ، وأمّا التَّأْكِيدُ فَظاهِرُ القَوْلِ بِهِ أنَّ المَصْدَرَ بَعْدَ حَذْفِ عامَلِهِ مُؤَكِّدٌ، وقالَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِي التَّصْرِيحِ: إنَّ المَصْدَرَ في ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ في الأصْلِ وأمّا الآنُ فَلا لِأنَّهُ صارَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ الَّذِي سَدَّ هو مَسَدَّهُ فَلا يَكُونُ مُؤَكِّدًا بَلْ كُلُّ مَصْدَرٍ صارَ بَدَلًا مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ لا يَكُونُ مُؤَكِّدًا ولا مُبَيِّنًا لِنَوْعٍ ولا عَدَدٍ، و(ضَرْبَ الرِّقابِ) مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ القَتْلِ، وعُبِّرَ بِهِ عَنْهُ إشْعارًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ حَيْثُ أمْكَنَ وتَصْوِيرًا لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ لِأنَّ ضَرْبَ الرَّقَبَةِ فِيهِ إطارَةُ الرَّأْسِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضاءِ البَدَنِ ومَجْمَعُ حَواسِّهِ وبَقاءُ البَدَنِ مُلْقًى عَلى هَيْئَةٍ مُنْكَرَةٍ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ أنَّ في التَّعْبِيرِ المَذْكُورِ تَشْجِيعَ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم مِنهم بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ القَتْلِ بِضَرْبِ أعْناقِهِمْ في الحَرْبِ ﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ أوْقَعْتُمُ القَتْلَ بِهِمْ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُسْتَعارٌ مِن ثَخْنِ المائِعاتِ لِمَنعِهِ عَنِ الحَرَكَةِ، والمُرادُ حَتّى إذا أكْثَرْتُمْ قَتْلَهم وتَمَكَّنْتُمْ مِن أخْذِ مَن لَمْ يُقْتَلْ ﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ أيْ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهُمْ، فالشَّدُّ وكَذا ما بَعْدُ في حَقِّ مَن أُسِرَ مِنهم بَعْدَ إثْخانِهِمْ لا لِلْمُثْخِنِ إذْ هو بِالمَعْنى السّابِقِ لا يُشَدُّ ولا يُمَنُّ عَلَيْهِ ولا يُفْدى لِأنَّهُ قَدْ قُتِلَ أوِ المَعْنى حَتّى إذا أثْقَلْتُمُوهم بِالجِراحِ ونَحْوَهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ النُّهُوضَ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهم فالشَّدُّ وكَذا ما بَعْدُ في حَقِّ المُثْخَنِ لِأنَّهُ بِهَذا المَعْنى هو الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ القَتْلِ لَكِنْ ثَقُلَ عَنِ الحَرَكَةِ فَصارَ كالشَّيْءِ الثَّخِينِ الَّذِي لَمْ يُسَلْ ولَمْ يَسْتَمِرَّ في ذَهابِهِ، والإثْخانُ عَلَيْهِ مَجازٌ أيْضًا، ( والوَثاقَ ) في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالخَلاصِ وأُرِيدَ بِهِ هُنا ما يُوثَقُ بِهِ.
وقُرِئَ (الوَثاقِ) بِالكَسْرِ وهو اسْمٌ لِذَلِكَ، ومَجِيءُ فَعالٍ اسْمَ آلَةٍ كالحِزامِ والرِّكابِ نادِرٌ عَلى خِلافِ القِياسِ، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ كُلًّا مِنَ المَفْتُوحِ والمَكْسُورِ اسْمٌ لِما يُوثَقُ بِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ المُرادِ هُنا.
﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ أيْ فَإمّا تُمَنُّونَ مِنّا وإمّا تُفْدَوْنَ فِداءً، والكَلامُ تَفْصِيلٌ لِعاقِبَةِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن شَدِّ الوَثاقِ، وحَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: لَأجْهَدْنَ فَإمّا دَرْءُ واقِعَةٍ تُخْشى وإمّا بُلُوغُ السُّؤْلِ والأمَلِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ كُلٍّ مِن ( مَنًّا وفِداءً ) مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْ أوْلُوهم ( مَنًّا ) أوِ اقْبَلُوا مِنهم فِداءً، ولَيْسَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ إعْرابٌ نَحْوِيٌّ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ ( وإمّا فَدى) بِالفَتْحِ والقَصْرِ كَعَصا.
وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَصْرُهُ لِأنَّهُ مَصْدَرُ فادَيْتُهُ، قالَ الشِّهابُ: ولا عِبْرَةَ بِهِ فَإنَّ فِيهِ أرْبَعَ لُغاتٍ: الفَتْحُ والكَسْرُ مَعَ المَدِّ والقَصْرِ ولُغَةٌ خامِسَةٌ البِناءُ مَعَ الكَسْرِ كَما حَكاهُ الثِّقاتُ انْتَهى، وفي الكَشْفِ نَقْلًا عَنِ الصِّحاحِ الفِداءُ إذا كُسِرَ أوَّلُهُ يُمَدُّ ويُقْصَرُ وإذا فُتِحَ فَهو مَقْصُورٌ.
ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ الهَمْزَةَ أيْ يَبْنِيهِ عَلى الكَسْرِ إذا جاوَزَ لامَ الجَرِّ خاصَّةً لِأنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى الدُّعاءِ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ بَيْتَ النّابِغَةِ مَهْلًا فِداءً لَكِ.
وهَذا الكَسْرُ مَعَ التَّنْوِينِ كَما صَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ، وظاهِرُ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ العَظِيمِ امْتِناعُ القَتْلِ بَعْدَ الأسْرِ وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أتى الحَجّاجُ بِأُسارى فَدَفَعَ إلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَجُلًا يَقْتُلُهُ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِهَذا أُمِرْنا إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ وفي حُكْمِ الأُسارى خِلافٌ فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ الإمامَ بِالخِيارِ إنْ شاءَ قَتَلَهم إنْ لَمْ يُسْلِمُوا لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَتَلَ صَبْرًا عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وطُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيٍّ والنَّضْرَ بْنَ الحَرْثِ الَّتِي قالَتْ فِيهِ أُخْتُهُ أبْياتًا مِنها تُخاطِبُ النَّبِيَّ : ما كانَ ضَرُّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما ∗∗∗ مَنَّ الفَتى وهو المُغِيظُ المُحْنِقُ ولِأنَّ في قَتْلِهِمْ حَسْمَ مادَّةِ فَسادِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، ولَيْسَ لِواحِدٍ مِنَ الغُزاةِ أنْ يَقْتُلَ أسِيرًا بِنَفْسِهِ فَإنْ فَعَلَ بِلا مُلْجِئٍ كَخَوْفِ شَرِّ الأسِيرِ كانَ لِلْإمامِ أنْ يُعَزِّرَهُ إذا وقَعَ عَلى خِلافِ مَقْصُودِهِ ولَكِنْ لا يَضْمَنُ شَيْئًا، وإنْ شاءَ اسْتَرَقَّهم لِأنَّ فِيهِ دَفْعَ شَرِّهِمْ مَعَ وُفُورِ المَصْلَحَةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، وإنْ شاءَ تَرَكَهم ذِمَّةً أحْرارًا لِلْمُسْلِمِينَ كَما فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ في أهْلِ السَّوادِ إلّا أُسارى مُشْرِكِي العَرَبِ والمُرْتَدِّينَ فَإنَّهم لا تُقْبَلُ مِنهم جِزْيَةٌ ولا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم بَلِ الحُكْمُ فِيهِمْ إمّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وإنْ أسْلَمَ الأُسارى بَعْدَ الأسْرِ لا يَقْتُلُهم لِانْدِفاعِ شَرِّهِمْ بِالإسْلامِ، ولَكِنْ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم فَإنَّ الإسْلامَ لا يُنافِي الرِّقَّ جَزاءً عَلى الكُفْرِ الأصْلِيِّ وقَدْ وُجِدَ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ المِلْكِ وهو الِاسْتِيلاءُ عَلى الحَرْبِيِّ غَيْرِ المُشْرِكِ مِنَ العَرَبِ، بِخِلافِ ما لَوْ أسْلَمُوا مِن قَبْلِ الأخْذِ فَإنَّهم يَكُونُونَ أحْرارًا لِأنَّهُ إسْلامٌ قَبْلَ انْعِقادِ سَبَبِ المِلْكِ فِيهِمْ، ولا يُفادى بِالأُسارى في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِما في ذَلِكَ مِن مَعُونَةِ الكُفْرِ لِأنَّهُ يَعُودُ الأسِيرُ الكافِرُ حَرْبًا عَلَيْنا، ودَفْعُ شَرِّ حَرابَتِهِ خَيْرٌ مِنِ اسْتِنْقاذِ المُسْلِمِ لِأنَّهُ إذا بَقِيَ في أيْدِيهِمْ كانَ ابْتِلاءً في حَقِّهِ فَقَطْ، والضَّرَرُ بِدَفْعِ أسِيرِهِمْ إلَيْهِمْ يَعُودُ عَلى جَماعَةِ المُسْلِمِينَ.
والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْهُ أنَّهُ يُفادى وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ وأبِي يُوسُفَ والإمامِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ وأحْمَدَ إلّا بِالنِّساءِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ المُفاداةُ بِهِنَّ عِنْدَهُمْ، ومَنَعَ أحْمَدُ المُفاداةَ بِصِبْيانِهِمْ، وهَذِهِ رِوايَةُ السِّيَرِ الكَبِيرِ، قِيلَ: وهو أظْهَرُ الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: تَجُوزُ المُفاداةُ بِالأُسارى قَبْلَ القِسْمَةِ لا بَعْدَها، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ بِكُلِّ حالٍ.
ووَجْهُ ما ذَكَرَهُ الأئِمَّةُ مِن جَوازِ المُفاداةِ أنَّ تَخْلِيصَ المُسْلِمِ أوْلى مِن قَتْلِ الكافِرِ لِلِانْتِفاعِ بِهِ ولِأنَّ حُرْمَتَهُ عَظِيمَةٌ وما ذُكِرَ مِنَ الضَّرَرِ الَّذِي يَعُودُ إلَيْنا بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ يَدْفَعُهُ ظاهِرًا المُسْلِمُ الَّذِي يَتَخَلَّصُ مِنهم لِأنَّهُ ضَرَرُ شَخْصٍ واحِدٍ فَيَقُومُ بِدَفْعِهِ واحِدٌ مِثْلُهُ ظاهِرًا فَيَتَكافَئانِ وتَبْقى فَضِيلَةُ تَخْلِيصِ المُسْلِمِ وتَمْكِينِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ فِيها زِيادَةَ تَرْجِيحٍ.
ثُمَّ إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِمْرانَ ابْنِ حُصَيْنٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَدى رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، ويُحْتَجُّ لِمُحَمَّدٍ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا عَنْ إياسِ بْنِ سَلَمَةَ «عَنْ أبِيهِ سَلَمَةَ قالَ: خَرَجْنا مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمَّرَهُ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ إلى أنْ قالَ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الغَدِ في السُّوقِ فَقالَ: يا سَلَمَةَ هَبْ لِي المَرْأةَ يَعْنِي الَّتِي نَفَلَهُ أبُو بَكْرٍ إيّاها.
فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أعْجَبَتْنِي وما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الغَدِ في السُّوقِ فَقالَ: (يا سَلَمَةَ هَبْ لِي المَرْأةَ لِلَّهِ أبُوكَ) فَقُلْتُ: هي لَكَ يا رَسُولِ اللَّهِ فَواللَّهِ ما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا فَبَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ فَفَدى بِها ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أُسِرُوا بِمَكَّةَ».
ولا يُفادى بِالأسِيرِ إذا أسْلَمَ وهو بِأيْدِينا لِأنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا إذا طابَتْ نَفْسُهُ وهو مَأْمُونٌ عَلى إسْلامِهِ فَيَجُوزُ لِأنَّهُ يُفِيدُ تَخْلِيصَ مُسْلِمٍ مِن غَيْرِ إضْرارٍ بِمُسْلِمٍ آخَرَ، وأمّا المُفاداةُ بِمالٍ فَلا تَجُوزُ في المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ لِما بَيَّنَ في المُفاداةِ بِالمُسْلِمِينَ مِن رَدِّهِمْ حَرْبًا عَلَيْنا.
وفي السَّيْرِ الكَبِيرِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ إذا كانَ بِالمُسْلِمِينَ حاجَةٌ.
قِيلَ: اسْتِدْلالًا بِأُسارى بَدْرٍ فَإنَّهُ لا شَكَّ في احْتِياجِ المُسْلِمِينَ بَلْ في شِدَّةِ حاجَتِهِمْ إذْ ذاكَ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ المُفاداةِ الكائِنَةِ في بَدْرٍ بِالمالِ.
وأمّا المَنُّ عَلى الأُسارى وهو أنْ يُطَلِّقَهم إلى دارِ الحَرْبِ مِن غَيْرِ شَيْءٍ فَلا يَجُوزُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ وأحْمَدَ، وأجازَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنَّ عَلى جَماعَةٍ مِن أسْرى بَدْرٍ مِنهم أبُو العاصِ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ بِسَنَدِهِ، وأبُو دُوادَ مِن طَرِيقِهِ إلى عائِشَةَ «لَمّا بَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ في فِداءِ أسْراهم بَعَثَتْ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في فِداءِ أبِي العاصِ بِمالٍ وبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلادَةٍ كانَتْ خَدِيجَةُ أدْخَلَتْها بِها عَلى أبِي العاصِ حِينَ بِنائِهِ عَلَيْها فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ ذَلِكَ رَقَّ لَها رِقَّةً شَدِيدَةً وقالَ لِأصْحابِهِ: (إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَها أسِيرَها وتَرُدُّوا لَها الَّذِي لَها) فَفَعَلُوا ذَلِكَ مُغْتَبِطِينَ بِهِ،» ورَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وزادَ «(وكانَ النَّبِيُّ قَدْ أخَذَ عَلَيْهِ أنْ يُخَلِّيَ زَيْنَبَ إلَيْهِ فَفَعَلَ) ومَنَّ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أثالِ ابْنِ النُّعْمانِ الحَنَفِيِّ سَيِّدِ أهْلِ اليَمامَةِ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ،» وحَدِيثُهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ويَكْفِي ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(لَوْ كانَ المُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلاءِ النَّتْنى- يَعْنِي أُسارى بَدْرٍ- لَتَرَكْتُهم لَهُ)» فَإنَّهُ أخْبَرَ وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ بِأنَّهُ يُطْلِقُهم لَوْ سَألَهُ المُطْعَمُ، والإطْلاقُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لا يَثْبُتُ إلّا وهو جائِزٌ شَرْعًا لِمَكانِ العِصْمَةِ، وكَوْنُهُ لَمْ يَقَعْ لِعَدَمِ وُقُوعِ ما عُلِّقَ عَلَيْهِ لا يَنْفِي جَوازَهُ شَرْعًا.
واسْتُدِلَّ أيْضًا بِالآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ فِيها بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَنِّ الإطْلاقُ مَجّانًا وكَوْنُ المُرادِ المَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ القَتْلِ وإبْقاءَهم مُسْتَرِقِّينَ أوْ تَخْلِيَتِهِمْ لِقَبُولِ الجِزْيَةِ وكَوْنُهم مِن أهْلِ الذِّمَّةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وبَعْضُ النُّفُوسِ يَجِدُ طُعْمَ الآلاءِ أحْلى مِن هَذا المَنِّ.
وأجابَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ بِأنَّ الآيَةَ مَنسُوحَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ مِن سُورَةِ بَراءَةَ فَإنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوازِ المَنِّ وكَذا عَدَمَ جَوازِ الفِداءِ وهي آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في هَذا الشَّأْنِ، وزَعَمَ أنَّ ما وقَعَ مِنَ المَنِّ والفِداءِ إنَّما كانَ في قَضِيَّةِ بَدْرٍ وهي سابِقَةٌ عَلَيْها وإنْ كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ فَهو أيْضًا قَبْلَ السُّورَةِ.
والقَوْلُ بِالنَّسْخِ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ في رِواياتٍ ذَكَرَها الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ الهَمّامِ: قَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ- يَعْنِي ما في سُورَةِ بَراءَةَ- في حَقِّ غَيْرِ الأُسارى بِدَلِيلِ جَوازِ الِاسْتِرْقاقِ فِيهِمْ فَيُعْلَمُ أنَّ القَتْلَ المَأْمُورَ بِهِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، وما ذَكَرَهُ في جَوازِ الِاسْتِرْقاقِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ إذْ لا يَجُوزُ كَما عَلِمْتَ اسْتِرْقاقَ مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ أيْ آلاتِها وأثْقالَها مِنَ السِّلاحِ وغَيْرِهِ، قالَ الأعْشى: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها ∗∗∗ رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تُساقُ إلى الحَرْبِ عِيرًا فَعِيرًا وهِيَ في الأصْلِ الأحْمالُ فاسْتُعِيرَتْ لِما ذُكِرَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ( الحَرْبُ ) اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِأنْ تُشَبَّهَ بِإنْسانٍ يَحْمِلُ حَمْلًا عَلى رَأْسِهِ أوْ ظَهْرِهِ ويَثْبُتُ لَها ما أُثْبِتَ تَخْيِيلًا، وكَلامُ الكَشّافِ أمِيلُ إلَيْهِ، وقِيلَ: هِيَ أحْمالُ المُحارِبِ أُضِيفَتْ لِلْحَرْبِ تَجَوُّزًا في النِّسْبَةِ الإضافِيَّةِ وتَغْلِيبًا لَها عَلى الكُراعِ، وإسْنادُ الوَضْعِ لِلْحَرْبِ مَجازِيٌّ أيْضًا ولَيْسَ بِذاكَ.
وعَدَّ بَعْضُ الأماثِلِ الكَلامَ تَمْثِيلًا، والمُرادُ حَتّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ وقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إرادَةُ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ كَما في قَوْلِهِ: فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّ بِها النَّوى.
فَإنَّهُ كَنّى بِهِ عَنِ انْقِضاءِ السَّفَرِ والإقامَةِ، قِيلَ: الأوْزارُ جَمْعُ وِزٍ بِمَعْنى إثْمٍ وهو هُنا الشِّرْكُ والمَعاصِي، و( تَضَعُ ) بِمَعْنى تَتْرُكُ مَجازًا، وإسْنادُهُ لِلْحَرْبِ مَجازٌ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والمَعْنى حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ شِرْكَهم ومَعاصِيَهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُسْتَحْسَنُ إضافَةُ الأوْزارِ بِمَعْنى الآثامِ إلى الحَرْبِ، ( وحَتّى ) عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ومَن قالَ نَحْوَ قَوْلِهِ: غايَةٌ لِلضَّرْبِ، والمَعْنى اضْرِبُوا أعْناقَهم حَتّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ، ولَيْسَ هَذا بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ ولا تَأْكِيدًا لَهُ بِناءً عَلى ما قَرَّرُوهُ مِن أنَّ حَتّى الدّاخِلَةَ عَلى إذا الشَّرْطِيَّةِ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ غايَةٌ لِلشَّدِّ أوْ لِلْمَنِّ والفِداءِ مَعًا أوْ لِلْمَجْمُوعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ إلَخْ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ جارِيَةٌ فِيهِمْ حَتّى لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ المُشْرِكِينَ بِزَوالِ شَوْكَتِهِمْ، وقِيلَ: بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والحَسَنِ، وفي الحَدِيثِ ما يُؤَيِّدُهُ.
أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ قالَ: بَيْنَما أنا جالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إذْ جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الخَيْلَ قَدْ سُيِّبَتْ ووُضِعَ السِّلاحُ وزَعَمَ أقْوامٌ أنْ لا قِتالَ وأنْ قَدْ وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (كَذَبُوا فالآنَ جاءَ القِتالُ ولا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم يُزِيغُ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَ قَوْمٍ لِيَرْزُقَهم مِنهم وتُقاتِلُونَ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا تَزالُ الخَيْلُ مَعْقُودًا في نَواصِيها الخَيْرُ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها حَتّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ)».
وهِيَ عِنْدَ مَن يَقُولُ: لا مَنَّ ولا فِداءَ اليَوْمَ غايَةً لِلْمَنِّ والفِداءِ إنْ حَمَلَ عَلى الحَرْبِ عَلى حَرْبِ بَدْرٍ بِجَعْلِ تَعْرِيفِهِ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى المَنُّ عَلَيْهِمْ ويُفادُونَ حَتّى تَضَعَ حَرْبُ بَدْرٍ أوْزارَها، وغايَةً لِلضَّرْبِ والشَّدِّ إنْ حُمِلَتْ عَلى الجِنْسِ، والمَعْنى أنَّهم يَقْتُلُونَ ويُؤْسَرُونَ حَتّى تَضَعَ جِنْسُ الحَرْبِ أوْزارَها بِأنْ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِينَ شَوْكَةٌ، ولا تُجْعَلُ غايَةً لِلْمَنِّ والفِداءِ مَعَ إرادَةِ الجِنْسِ.
وفِي زَعْمِ جَوازِهِ والتِزامِ النَّسْخِ كَلامٌ فَتَأمَّلْ ( ذَلِكَ ) أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوِ افْعَلُوا ذَلِكَ فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ إلَخْ لا إلى ما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هاهُنا لِأنَّ افْعَلُوا لا يَقَعُ عَلى جَمِيعِ السّالِفِ وعَلى الرَّفْعِ يَنْفَكُّ النَّظْمُ الجَلِيلُ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ لِأنَّ ما بَعْدُ كَلامٌ فِيهِمْ ﴿ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ لانْتَقَمَ مِنهم بِبَعْضِ أسْبابِ الهَلاكِ مِن خَسْفٍ أوْ رَجْفَةٍ أوْ غَرَقٍ أوْ مَوْتٍ جارِفٍ ﴿ ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ ولَكِنْ أمَرَكم سُبْحانَهُ بِالقِتالِ لِيَبْلُوَ المُؤْمِنِينَ بِالكافِرِينَ بِأنْ يُجاهِدُوهم فَيَنالُوا الثَّوابَ ويُخَلَّدُ في صُحُفِ الدَّهْرِ ما لَهم مِنَ الفَضْلِ الجَسِيمِ والكافِرِينَ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُعاجِلَهم عَزَّ وجَلَّ بِبَعْضِ انْتِقامِهِ سُبْحانَهُ فَيَتَّعِظُ بِهِ بَعْضٌ مِنهم ويَكُونُ سَبَبًا لِإسْلامِهِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيِ اسْتَشْهَدُوا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (قاتَلُوا) أيْ جاهَدُوا، والجَحْدَرِيُّ بِخِلافٍ عَنْهُ (قَتَلُوا) بِفَتْحِ القافِ والتّاءِ بِلا ألِفٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى والجَحْدَرِيُّ أيْضًا (قُتِّلُوا) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وشَدِّ التّاءِ.
﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ فَلَنْ يُضَيِّعَها سُبْحانَهُ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( يُضَلَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (أعَمالُهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ.
وقُرِئَ (يَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ مِن ضَلَّ (أعْمالُهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.
والآيَةُ قالَ قَتادَةُ: كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ ذُكِرَ لَنا «أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ أُحُدٍ ورَسُولُ اللَّهِ في الشِّعْبِ وقَدْ فَشَتْ فِيهِمُ الجِراحاتُ والقَتْلُ وقَدْ نادى المُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ اعْلُ هُبَلُ ونادى المُسْلِمُونَ اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ فَنادى المُشْرِكُونَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وإنَّ الحَرْبَ سِجالٌ لَنا عِزّى ولا عِزّى لَكم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم إنَّ القَتْلى مُخْتَلِفَةٌ أمّا قَتْلانا فَأحْياءٌ مَرْزُوقُونَ وأمّا قَتْلاكم فَفي النّارِ يُعَذَّبُونَ)».
ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ قِراءَةِ (قُتِّلُوا) بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ <div class="verse-tafsir"
وهي ثمان وثلاثون آية مكية قوله تبارك وتعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا أي: جحدوا بتوحيد الله تعالى، وبالقرآن وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: صرفوا الناس عن طاعة الله، وهو الجهاد أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل الله حسناتهم التي عملوا في الدنيا، لأنهم عملوا بغير إيمان، وكل عمل يكون بغير إيمان، فهو باطل كما قال وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: 85] الآية.
قال الكلبي: نزلت في مطعمي بدر، وهم رؤساء مكة، الذين كانوا يطعمون الناس في حال خروجهم إلى بدر، منهم أبو جهل والحارث ابنا هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبي وأمية ابنا خلف، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وغيرهم.
ويقال: هذا في عامة الكفار.
وهذا كقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [النور: 39] الآية.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الَّذِينَ كَفَرُوا هم أهل مكة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال هم الأنصار، الذين آمنوا، يعني: صدَّقوا بالله تعالى، وبمحمد ، وبالقرآن وَعَمِلُواْ الصالحات، يعني: أدوا الفرائض والسنن، وهم أصحاب النبيّ ، ومن كان في مثل حالهم وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني: صدقوا بما أنزل جبريل على محمد ، وهو الحق وليس فيه باطل، ولا تناقض كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني: محا عنهم ذنوبهم التي عملوا في الشرك، بإيمانهم بمحمد ، وطاعتهم لله تعالى، فيما يأمرهم به من الجهاد وَأَصْلَحَ بالَهُمْ يعني: حالهم.
وهذا قول قتادة.
وقال مقاتل: يعني: بين أمورهم في الإسلام، وعملهم وحالهم، حتى يدخلوا الجنة.
وروى مجاهد وَأَصْلَحَ بالَهُمْ يعني: شأنهم وقال القتبي كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي: سترها وَأَصْلَحَ بالَهُمْ أي: حالهم.
ويقال: أصلح بالهم يعني: أظهر الله تعالى أمرهم في الإسلام، حتى يقتدى بهم.
ثم بين المعنى الذي أحبط أعمال الكافرين، وأصلح شأن المؤمنين فقال: ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: ذلك الإبطال، بأن الذين كفروا اتَّبَعُوا الْباطِلَ يعني: اختاروا الشكر وثبتوا عليه، ولم يرغبوا في الإسلام.
ويقال: معناه لأنهم اختاروا الباطل على الحق، واتباع الهوى، على اتباع رضى الله سبحانه وتعالى وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهم أصحاب محمد اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني: اتبعوا القرآن، وعملوا به.
ويقال: معناه اختاروا الإيمان على الكفر، واتباع القرآن، واتباع رضى الله تعالى على اتباع الهوى.
قوله تعالى: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ يعني: هكذا يبين الله صفة أعمالهم.
ثم حرض المؤمنين على القتال فقال: <div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ مُحَمَّدٍ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ ﴾ الآيَةُ: إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ دُخُولِ النَبِيِّ فِيها عامَ الفَتْحِ أو سَنَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وما كانَ مِثْلَ هَذا فَهو مَعْدُودٌ في المَدَنِيِّ؛ لِأنَّ المُراعى في ذَلِكَ إنَّما هو ما كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ أو بَعْدَها.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، إشارَةٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ أخْرَجُوا رَسُولَ اللهِ ، وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، إشارَةٌ إلى الأنْصارِ أهْلِ المَدِينَةِ الَّذِينَ آوَوْهُ، وفي الطائِفَتَيْنِ نَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
ثُمَّ هي بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ ألْفاظِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الفِعْلَ المُجاوِزَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وصَدُّوا غَيْرَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، فَيَكُونُ المَعْنى: وصَدُّوا أنْفُسَهُمْ، و"سَبِيلِ اللهِ": شَرْعُهُ وطَرِيقُهُ الَّذِي دَعا إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أتْلَفَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها غايَةَ خَيْرٍ ولا نَفْعًا، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ، وأنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ هي إلى الإنْفاقِ الَّذِي أنْفَقُوهُ في سَفْرَتِهِمْ إلى بَدْرٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأعْمالِ أعْمالُهُمُ البَرَّةُ في الجاهِلِيَّةِ، مِن صِلَةِ رَحِمٍ ونَحْوِهِ، واللَفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.
وقَرَأ الناسُ: "نُزِّلَ" بِضَمِّ النُونِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنْزَلَ" مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: حالُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أمَرَهُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: شَأْنُهُمْ، وتَحْرِيرُ التَفْسِيرِ في اللَفْظَةِ أنَّها بِمَعْنى الفِكْرِ والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ نَظَرُ الإنْسانِ وهو القَلْبُ، فَإذا صَلَحَ ذَلِكَ صَلُحَتْ حالُهُ، فَكَأنَّ اللَفْظَةَ مُشِيرَةٌ إلى صَلاحِ عَقِيدَتِهِمْ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحالِ تابِعٌ، فَقَوْلُكَ: "خَطَرَ في بالِي كَذا" وقَوْلُكَ: "أصْلَحَ اللهُ بالَكَ"، المُرادُ بِهِما واحِدٌ، ذَكَرَهُ المَبَرِّدُ، و"البالُ": مَصْدَرٌ كالحالِ والشَأْنِ، ولا يُسْتَعْمَلُ مِنها فِعْلٌ، وكَذَلِكَ عُرْفُهُ أنْ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقَدْ جاءَ مَجْمُوعًا لَكِنَّهُ شاذٌّ؛ فَإنَّهم قالُوا: بِآلاتٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى الأتْباعِ المَذْكُورِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: كَما اتَّبَعُوا عَلى هَذَيْنَ السَبِيلَيْنِ كَذَلِكَ يَبِينُ أمْرُ كُلِّ فِرْقَةٍ، ويَجْعَلُ لَها ضَرَبَها مِنَ القَوْلِ وصِنْفًا، وضَرْبُ المَثَلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرِيبِ والضَرْبُ الَّذِي هو بِمَعْنى النَوْعِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل وَأَنَّ الذين ءَامَنُواْ اتبعوا الحق مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أمثالهم ﴾ هذا تبيين للسبب الأصيل في إضلال أعمال الكافرين وإصلاح بال المؤمنين.
والإتيان باسم الإشارة لتمييز المشار إليه أكملَ تمييز تنويهاً به.
وقد ذُكرت هذه الإشارة أربع مرات في هذه الآيات المتتابعة للغرض الذي ذكرناه.
والإشارة إلى ما تقدم من الخبرين المتقدمين، وهما ﴿ أضل أعمالهم ﴾ [محمد: 1] و ﴿ كفَّر عنهم سيئاتهمْ وأصلح بالهم ﴾ [محمد: 2]، مع اعتبار علتي الخبرين المستفادتين من اسمي الموصول والصلتين وما عطف على كلتيهما.
واسم الإشارة مبتدأ، وقوله: ﴿ بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ الخ خبره، والباء للسببيّة ومجرورها في موضع الخبر عن اسم الإشارة، أي ذلك كائن بسبب اتباع الكافرين الباطل واتباع المؤمنين الحق، ولما كان ذلك جامعاً للخبرين المتقدمين كان الخبر عنه متعلقاً بالخبرين وسبباً لهما.
وفي هذا محسن الجمع بعد التفريق ويسمونه كعكسه التفسيرَ لأن في الجمع تفسيرا للمعنى الذي تشترك فيه الأشياء المتفرقة تقدمَ أو تأخَّرَ.
وشاهده قول حسان من أسلوب هذه الآية: قوم إذا حاربوا ضَرّوا عدوَّهم *** أو حاولوا النفعَ في أشياعهم نفَعوا سَجية تلكَ فيهم غير مُحدثة *** إنَّ الخَلائق فاعَلمْ شرُّها البِدَع قال في «الكشاف»: وهذا الكلام يسميه علماء البيان التفسير، يريد أنه من المحسنات البديعية.
ونقل عن الزمخشري أنه أنشد لنفسه لمّا فسر لطلبته هذه الآية فقُيد عنه في الحواشي قوله: به فُجع الفرسان فوق خيولهم *** كما فُجعت تحت الستور العواتق تساقط من أيديهم البِيضُ حيرة *** وزُعزع عن أجيادهن المخانق وفي هذه الآية محسِّن الطباق مرتين بين ﴿ الذين كفروا ﴾ و ﴿ الذين آمنوا ﴾ وبين ﴿ الحق ﴾ و ﴿ الباطل ﴾ .
وفي بيتي الزمخشري محسّن الطباق مرة واحدة بين فوق وتحت.
واتباع الباطل واتباع الحق تمثيليتان لهيئتي العمل بما يأمر به أيمة الشرك أولياءهم وما يدعو إليه القرآن، أي عملوا بالباطل وعمل الآخرون بالحق.
ووصف ﴿ الحق ﴾ بأنه ﴿ من ربهم ﴾ تنويه به وتشريف لهم.
﴿ رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ ﴾ .
تذييل لما قبله، أي مثل ذلك التبيين للحالين يبين الله الأحوال للناس بياناً واضحاً.
والمعنى: قد بيّنا لكل فريق من الكافرين والمؤمنين حاله تفصيلاً وإجمالاً، وما تفضي إليه من استحقاق المعاملة بحيث لم يبق خفاء في كنه الحالين، ومثل ذلك البيان يمثل الله للناس أحوالهم كيلا تلتبس عليهم الأسباب والمسببات.
ومعنى ﴿ يضرب ﴾ : يلقي وهذا إلقاء تبيين بقرينة السياق، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ أن يضرب مثلاً ﴾ ما في سورة البقرة (26).
والأمثال: جمع مثَل بالتحريك وهو الحال التي تمثل صاحبها، أي تشهره للناس وتعرفهم به فلا يلتبس بنظائره.
واللام للأجل، والمراد بالناس جميع الناس.
وضمير أمثالهم} للناس.
والمعنى: كهذا التبيين يبّين الله للناس أحوالهم فلا يبقوا في غفلة عن شؤون أنفسهم محجوبين عن تحقق كنههم بحِجَاب التعود لئلا يختلط الخبيث بالطيب، ولكي يكونوا على بصيرة في شؤونهم، وفي هذا إيماء إلى وجوب التوسم لتمييز المنافقين عن المسلمين حقاً، فإن من مقاصد السورة التحذير من المنافقين.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ مُحَمَّدٍ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةٍ حِينَ خَرَجَ (عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَكَّةَ جَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ ﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي كَفَرُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ.
﴿ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ اللَّهِ وهو الإسْلامُ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ يَمْنَعُ قاصِدِيهِ إذا عَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِمُ الإسْلامَ أنْ يَدْخُلُوا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أحْبَطَ ما فَعَلُوهُ مِنَ الخَيْرِ بِما أقامُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
الثّانِي: أبْطَلَ ما أنْفَقُوا بِبَدْرٍ لَمّا نالَهم مِنَ القَتْلِ.
الثّالِثُ: أضَلَّهم عَنِ الهُدى بِما صَرَفَهم عَنِ التَّوْفِيقِ.
وَحَكى مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن كُفّارِ مَكَّةَ، ذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهم أبُو جَهْلٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ومُنَبِّهٌ ونَبِيهٌ ابْنا الحَجّاجِ وأبُو البَخْتَرِيِّ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ خاصَّةً في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُواساةُ بِمَساكِنِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُمُ الأنْصارُ.
الثّانِي: الهِجْرَةُ وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهم قُرَيْشٌ.
﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ أيْ آمَنُوا بِمُحَمٍّدٍ وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ.
﴿ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إيمانَهم هو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ.
الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ هو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ.
﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَتَرَها عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: غَفَرَها بِإيمانِهِمْ.
﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أصْلَحَ شَأْنَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أصْلَحَ حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أصْلَحَ أمْرَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ وهي مُتَأوِّلَةٌ عَلى إصْلاحِ ما تَعَلَّقَ بِدُنْياهم.
الرّابِعُ: أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ.
حَكاهُ النَّقّاشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ فَإنْ تَقْبَلِي بِالوِدِّ أقْبَلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالٍ بالِيا وَهُوَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَحْمُولٌ عَلى إصْلاحِ دِينِهِمْ، والبالُ لا يُجْمَعُ لِأنَّهُ أبْهَمُ إخْوانِهِ مِنَ الشَّأْنِ والحالِ والأمْرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الباطِلَ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: إبْلِيسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وسُمِّيَ بِالباطِلِ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى الباطِلِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الهَوى.
﴿ وَأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اتَّبَعُوا الرَّسُولَ، لِأنَّهُ دَعاهم إلى الحَقِّ وهو الإسْلامُ.
الثّانِي: يَعْنِي القُرْآنَ سُمِّيَ حَقًّا لِمَجِيئِهِ بِالحَقِّ.
﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ قالَ يَحْيى: صِفاتُ أعْمالِهِمْ، وفي النّاسِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ﴾ قال: هم أهل مكة قريش نزلت فيهم ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: هم أهل المدينة الأنصار ﴿ وأصلح بالهم ﴾ قال: أمرهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أضل أعمالهم ﴾ قال: كانت لهم أعمال فاضلة لا يقبل الله مع الكفر عملاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وأصلح بالهم ﴾ قال: أصلح حالهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وأصلح بالهم ﴾ قال: شأنهم.
وفي قوله: ﴿ وذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ قال: الشيطان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ ينقض هذا القول، فإن ابن عباس قال: سيهديهم إلى أرشد الأمور ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا (١) ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ وبقوله: ﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴾ إلى قوله: ﴿ أَنْهَارًا ﴾ (٢) (٣) (١) ذكر ذلك ابن الجوزي ونسبه لابن عباس ولم يذكر قوله: (ويعصمهم ...).
انظر: زاد المسير" 7/ 398، وذكره المؤلف في "الوسيط" عن ابن عباس.
انظر: 4/ 121.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 7.
(٣) في الأصل كتبت (يعني) ولعل الصواب (معنى).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ أصله فاضربوا الرقاب ضرباً، ثم حذف الفعل وأقام المصدر مقامه، والمراد، اقتلوهم.
ولكن عبّر عنه بضرب الرقاب، لأنه الغالب في صفة القتل ﴿ حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ أي هزتموهم، والإثخان أن يكثر فيهم القتل والأسر ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ عبارة معن الأسر ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ المن: العتق، والفداء: فك الأسير بمال، وهما جائزان فإن مذهب مالك أن الإمام مخيّر في الأسارى بين خمسة أشياء: وهي: المن والفداء والقتل والاسترقاق وضرب الجزية.
وقيل: لا يجوز المنّ ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله: ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ [التوبة: 5] فلا يجوز على هذا إلا قتلهم.
والصحيح أنها محكمة وانتصب منَّا وفِداء على المصدرية، والعامل فيهما فعلان مضمران ﴿ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ﴾ الأوزار في اللغة: الأثقال، فالمعنى حتى تذهب وتزول أثقالها، وهي آلاتها وقيل: الأوزار: الآثام، لأن الحرب لابد أن يكون فيها إثم في أحد الجانبين، واختلف في الغاية المرادة هنا فقيل: حتى يسلموا جميعاً؛ فحينئذ تضع الحرب أوزارها وقيل: حتى تقتلوهم وتغلبوهم، وقيل: حتى ينزل عيسى ابن مريم: قال ابن عطية: ظاهر اللفظ أنها استعارة يراد بها التزام الأمر أبداً، كما تقول: أنا فاعل ذلك إلى يوم القيامة ﴿ ذَلِكَ ﴾ تقديره: الأمر ذلك ﴿ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ أو لو شاء الله لأهلك الكفار بعذاب من عنده، ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين، وأن يبلو بعض الناس ببعض.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: هم أهل مكة.
والأشبه أن تكون الآية في كفار المدينة وهم أهل الكتاب؛ لأن السورة مدنية؛ على ما قال بعض أهل التأويل، لكن جائز أن يكون كما قال أهل التأويل بأنها نزلت في كفار [مكة]؛ لأن هذه السورة ذكرت على أثر خبرهم وعقيب نبئهم في سورة الأحقاف.
ثم إن كانت الآية في كفار المدينة وأهل الكتاب فيكون يحتمل: الذين كفروا بمحمد - وما أنزل عليه ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل إيمانهم الذي كان لهم بسائر الأنبياء وبمحمد ؛ لأنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - والله أعلم -: قد أبطل إيمانهم الذي كان منهم قبل ذلك بما كفروا بعدما بعث.
وإن كانت الآية في كفار مكة على ما قال أكثرهم؛ فيكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بوحدانية الله - - أو كفروا بمحمد وبما أنزل عليه، أو كفروا بالبعث، ونحو ذلك ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل حسناتهم التي كانت لهم في حال كفرهم؛ من نحو الصدقات، وصلة الأرحام، وفك الرقاب، وغير ذلك من الأعمال التي كانوا يتقربون بها - والله أعلم - قد أبطل أعمالهم التي كانوا يتقربون بها ويرونها قربة عند الله.
أو يقول: قد أبطل عبادتهم التي كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها لتقربهم عبادتهم إلى الله زلفى؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: قد أبطل ذلك ولم يكن على ما رجوا وطمعوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل أن صدوا بأنفسهم؛ أي: أعرضوا عن سبيل الله؛ على ما ذكر عنهم.
ويحتمل: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: صدوا الناس عن سبيل الله، وقد كان منهم الأمران جميعاً ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل؛ يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غلب فلم يتبين.
﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾ يقول: والذين آمنوا بالله وبمحمد ، وآمنوا بما نزل عليه، وثبتوا على ذلك - لهم يضل أعمالهم، ولم يبطل إيمانهم الذي كان منهم؛ بل يكفر سيئاتهم التي كانت منهم من الكفر وغيره من السيئات.
أو يقول: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾ ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ وهو الكفر والمساوي التي كانت لهم من الكفر؛ كقوله - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ إن كانت الآية في مؤمني ومشركي العرب وأهل مكة فيكون قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ : الشرك والمساوي التي كانت لهم في حال الكفر، وإن كان في مؤمني أهل الكتاب، فيكون قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ في حال إيمانهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: آمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم نزل، وكل شيء من الله فهو الحق.
والثاني: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ أي: وهو الصدق من ربهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ أي: حالهم وشأنهم فيما كان من قبل وفيما بعده.
ثم أخبر أن الذي أبطل أعمالهم لأولئك الكفرة وما ذكر، وثبت الذين آمنوا ولم يبطل أعمالهم وما ذكر من إصلاح حالهم هو ما قال ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ ﴾ يحتمل: الباطل: الشيطان، أو هوى النفس، أو كل باطل، وهو الذي يذمّ عليه فاعله ومتبعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ يقول: لهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الباطل، ولهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ﴾ أي: مثل الذي بين ما لهؤلاء وما لهؤلاء، يبين ما لكل متبع الباطل ومتبع الحق، وضرب المثل هو أن يبين لهم ما خفي وأثبته عليهم بالذي ظهر عندهم وتقرر وتجلى لهم؛ ليصير الذي خفي عليهم وأثبته ظاهراً متجلياً.
<div class="verse-tafsir"
سيوفقهم لاتباع الحق في حياتهم الدنيا، ويصلح شأنهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.MdnPN"