تفسير الآية ٦ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٦ من سورة محمد

وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٦ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) أي : عرفهم بها وهداهم إليها .

قال مجاهد : يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم ، وحيث قسم الله لهم منها ، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا ، لا يستدلون عليها أحدا .

وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا .

وقال محمد بن كعب : يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة ، كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة .

وقال مقاتل بن حيان : بلغنا أن الملك الذي كان وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة ، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له ، فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة ، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل [ إلى ] منزله وأزواجه ، وانصرف الملك عنه ، ذكرهن ابن أبي حاتم ، رحمه الله .

وقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضا ، رواه البخاري من حديث قتادة ، عن أبي المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري [ رضي الله عنه ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار ، يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ، والذي نفسي بيده ، إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ) يقول: ويُدخلهم الله جنته عرّفها, يقول: عرّفها وبيَّنها لهم, حتى إن الرجل ليأتي منـزله منها إذا دخلها كما كان يأتي منـزله في الدنيا, لا يشكل عليه ذلك.

كما حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن أبي سعيد الخُدريّ, قال: " إذا نجَّى الله المؤمنين من النار حُبسوا على قنطرة بين الجنة والنار, فاقتصّ بعضهم من بعض مظالم كثيرة كانت بينهم في الدنيا, ثم يُؤذن لهم بالدخول في الجنة, قال: فما كان المؤمن بأدلَّ بمنـزله في الدنيا منه بمنـزله في الجنة حين يدخلها ".

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ) قال: أي منازلهم فيها.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ) قال: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم, وحيث قسم الله لهم لا يخطئون, كأنهم سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدا.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ) قال: بلغنا عن غير واحد قال: يدخل أهل الجنة الجنة, ولهم أعرف بمنازلهم فيها من منازلهم في الدنيا التي يختلفون إليها في عمر الدنيا; قال: فتلك قول الله جلّ ثناؤه ( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويدخلهم الجنة عرفها لهم أي إذا دخلوها يقال لهم تفرقوا إلى منازلكم ، فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم .

قال معناه مجاهد وأكثر المفسرين .

وفي البخاري ما يدل على صحة هذا القول عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقص لبعضهم من بعض مظالم كان بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا .

وقيل : عرفها لهم أي : بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال .

قال الحسن : وصف الله تعالى لهم الجنة في الدنيا ، فلما دخلوها عرفوها بصفتها .

وقيل : فيه حذف ، أي : عرف طرقها ومساكنها وبيوتها لهم ، فحذف المضاف .

وقيل : هذا التعريف بدليل ، وهو الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه ويتبعه العبد حتى يأتي العبد منزله ، ويعرفه الملك جميع ما جعل له في الجنة .

وحديث أبي سعيد الخدري يرده .

وقال ابن [ ص: 213 ] عباس : عرفها لهم أي : طيبها لهم بأنواع الملاذ ، مأخوذ من العرف ، وهو الرائحة الطيبة .

وطعام معرف أي : مطيب ، تقول العرب : عرفت القدر إذا طيبتها بالملح والأبزار .

وقال الشاعر يخاطب رجلا ويمدحه : .عرفت كإتب عرفته اللطائميقوله : كما عرف الإتب ، وهو البقير والبقيرة ، وهو قميص لا كمين له تلبسه النساء .

وقيل : هو من وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته ، يقال حرير معرف ، أي : بعضه على بعض ، وهو من العرف المتتابع كعرف الفرس .

وقيل : عرفها لهم أي : وفقهم للطاعة حتى استوجبوا الجنة .

وقيل : عرف أهل السماء أنها لهم إظهارا لكرامتهم فيها .

وقيل : عرف المطيعين أنها لهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } أي: عرفها أولا، بأن شوقهم إليها، ونعتها لهم، وذكر لهم الأعمال الموصلة إليها، التي من جملتها القتل في سبيله، ووفقهم للقيام بما أمرهم به ورغبهم فيه، ثم إذا دخلوا الجنة، عرفهم منازلهم، وما احتوت عليه من النعيم المقيم، والعيش السليم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) أي بين لهم منازلهم في الجنة حتى يهتدوا إلى مساكنهم لا يخطئون ولا يستدلون عليها أحدا كأنهم سكانها منذ خلقوا ، فيكون المؤمن أهدى إلى درجته ، وزوجته وخدمه منه إلى منزله وأهله في الدنيا ، هذا قول أكثر المفسرين .

وروى عطاء عن ابن عباس : " عرفها لهم " أي طيبها لهم ، من العرف ، وهو الريح الطيبة ، وطعام معرف أي : مطيب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويدخلهم الجنة عرَّفها» بيَّنها «لهم» فيهتدون إلى مساكنهم منها وأزواجهم وخدمهم من غير استدلال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإذا لقيتم- أيها المؤمنون- الذين كفروا في ساحات الحرب فاصدقوهم القتال، واضربوا منهم الأعناق، حتى إذا أضعفتموهم بكثرة القتل، وكسرتم شوكتهم، فأحكموا قيد الأسرى: فإما أن تَمُنُّوا عليهم بفك أسرهم بغير عوض، وإما أن يفادوا أنفسهم بالمال أو غيره، وإما أن يُسْتَرَقُّوا أو يُقْتَلوا، واستمِرُّوا على ذلك حتى تنتهي الحرب.

ذلك الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين ومداولة الأيام بينهم، ولو يشاء الله لانتصر للمؤمنين من الكافرين بغير قتال، ولكن جعل عقوبتهم على أيديكم، فشرع الجهاد؛ ليختبركم بهم، ولينصر بكم دينه.

والذين قُتلوا في سبيل الله من المؤمنين فلن يُبْطِل الله ثواب أعمالهم، سيوفقهم أيام حياتهم في الدنيا إلى طاعته ومرضاته، ويُصْلح حالهم وأمورهم وثوابهم في الدنيا والآخرة، ويدخلهم الجنة، عرَّفهم بها ونعتها لهم، ووفقهم للقيام بما أمرهم به -ومن جملته الشهادة في سبيله-، ثم عرَّفهم إذا دخلوا الجنة منازلهم بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ ) أى : ويدخلهم بعد كل ذلك الجنة يوم القيامة ويهديهم إلى بيوتهم ومساكنهم فيها ، بحيث لا يخطئونهأ ، حتى لكأنهم يقيمون فيها منذ خلقوا ، وذلك كله بإلهام من الله - تعالى - : لهم .قال الآلوسى ما ملخصه : ( عَرَّفَهَا لَهُمْ ) هذا التعريف فى الآخرة .

قال مجاهد : يهدى أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم ، وحيث قسم الله - تعالى - لهم منها ، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا .

.

.

وذلك بإلهام منه - عز وجل - .وورد فى بعض الآثار أن حسناته تكون دليلا له على منزلته فيها ، وقيل : إنه - تعالى - : رسم على كل منزل اسم صاحبه وهو نوع من التعريف .وقيل : معنى عرفها لهم .

طيبها لهم منا لعرف وهو الرائحة الطيبة ، ومنه طعام معرف ، أى مطيب .وعن الجبائى أن التعريف فى الدنيا ، وهو يذكر أوصافها ، والمراد أنه - سبحانه - لم يزل يمدحها لهم ، حتى عشقوها ، فاجتهدوا فى فعل ما يوصلهم إليها .

.هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1- وجوب قتال الكافرين بكل شدة وقوة ، حتى تضعف شوكتهم ، وتدول دولتهم ، ويخضعوا لحكم شريعة الإِسلام فيهم .وفى هذه المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير ) 2- أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى - : ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ) أن السير من الأعداء يدور أمره بين هاتين الحالتين إما أن نطلق سراحه بدون مقابل ، وإما أن نطلق سراحه فى مقابل فدية معينة نأخذها منه ، وقد تكون هذه الفدية مالا ، أو عملا ، أو غير ذلك مما فيه منفعة للمسلمين .ويرى بعض العلماء أن هذه الآية منسوخة بقوله - تعالى - : ( فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) ويرى المحققون من العلماء أن هذه الآية ، وهى قوله - تعالى - : ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ) .

تحكى حالات معينة يكون امر الأسرى فيها دائرا بين المن والفداء ، لأنهما من مصلحة المسلمين ، وهناك حالات أخرى يكون الأصلح فيها قتل الأعداء ، أو استرقاقهم .فمسألة الأسرى من الأعداء ، يكون الحكم فيها على حسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين ، ومرجع الحكم فيها إلى البصراء بالحرب وبوضع خططها ، لأنهم أعرف الناس بكيفة معاملة الأسرى .وهذا الرأى الأخير هو الذى تطمئن إليه النفس ، لأنه الثابت من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أفعاله أصحابه ، ولأن ذكر المن والفداء لا ينافى جواز غيره كالقتل - مثلا - لأن هذا الغير مفهوم من آيات أخرى ذكرت هذا الحكم فى أوقات وحالات معينة .وقد رجح هذا الرأى كثير من العلماء ، منهم الإِمام ابن جرير ، فقد قال ما ملخصه - بعد أن ساق جملة من الأقوال - : والصواب من القول عندنا فى ذلك ، أن هذه الآية محكم غير منسوخة لأنه غير مستنكر أن يكون جعل الخيار من المن والقتل والفداء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم وإلى القائمين بعده بأمر الأمة .

وإن لم يكن القتل مذكورا فى هذه الآية ، لأنه قد أذن - سبحانه - بقتلهم فى آيات أخرى منها ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) وقد فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك ، مع الأسرى ففى بدر قتل عقبة بن أبى معيط .

وأخذ الفداء من غيره .

.

ومَنَّ على ثمامة بن أثال الحنفى وهو أسير فى يده .وقال القرطبى - بعد أن ذكر أربعة أقوال - : الخامس : أن الآية محكمة ، والإِمام مخير فى كل حال .وبهذا قال كثير من العلماء منهم : ابن عمر ، والحسن وعطاء ، وهو مذهب مالك والشافعى والثورى والأوزاعى .

.

وغيرهم ، وهو الاختيار؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك .فقد قتل النبى - صلى الله عليه وسلم - فى بدر النضربن الحارث .

وأخذ الفداء من أسارى بدر .

.

وقد مَنَّ على سبى هوزان ، وهذا كله ثابت فى الصحيح .وقال بعض العلماء ما ملخصه : وما نحسبنا مخطئين إذ قلنا إن الذى كان من النبى - صلى الله عليه وسلم - نم الأعمال المختلفة ، كان نزولا على مقتضى المصلحة ، ولذلك نراه كان يجتهد فى تعرف وجوه المصلحة ، فيستشير أصحابه .ولو كان الأمر أمر خطة مرسومة ، واحدا لا يتخطى .

ما كان هناك معنى للاستشارة ، ولا للنزول على رأى بعض أصحابه ، ولما خالف فى الواحدة بين أسير وأسير ، فقتل هذا ، وأخذ الفداء من هذا .

ومنَّ على هذا .وإذا فالمصلحة العامة وحدها المحكْمة ، وهى الخطة التى تتبع فى الحروب ، خصوصا والحرب مكر وخديعة ، ما دامت مكر أو خديعة فليترك للماكرين وضع خطط المكر والخديعة ولا يرسم لهم كيف يمكرون ، وإلا ما كانوا ما كرين .3- بشارة الشهداء بالثواب الجزيل ، وبالأجر العظيم ، ويكفى لذلك قوله - تعالى - : ( والذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ ) .وقد ذكر الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث منها : ما أخرجه الإِمام أحمد عن قيس الجذامى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يعطى الشهيد ست خصال : عند أول قطرة من دمه يكفر عنه كل خطيئة ، ويرى مقعده من الجنة ، ويزوج من الحور العين ، ويؤمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر ، ويحلى حلة الإِيمان " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وكأن الله تعالى عند حشرهم يهديهم إلى طريق الجنة ويلبسهم في الطريق خلع الكرامة، وهو إصلاح البال ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجنة ﴾ فهو على ترتيب الوقوع.

وأما قوله: ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ .

ففيه وجوه: أحدها: هو أن كل أحد يعرف منزلته ومأواه، حتى أن أهل الجنة يكونون أعرف بمنازلهم فيها من أهل الجمعة ينتشرون في الأرض كل أحد يأوي إلى منزله، ومنهم من قال الملك الموكل بأعماله يهديه الوجه الثاني: ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أي طيبها يقال طعام معرف الوجه الثالث: قال الزمخشري يحتمل أن يقال عرفها لهم حددها من عرف الدار وأرفها أي حددها، وتحديدها في قوله: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض  ﴾ ويحتمل أن يقال المراد هو قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا  ﴾ مشيراً إليها معرفاً لهم بأنها هي تلك وفيه وجه آخر وهو أن يقال معناه ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ قبل القتل فإن الشهيد قبل وفاته تعرض عليه منزلته في الجنة فيشتاق إليها ووجه ثان: معناه ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجنة ﴾ ولا حاجة إلى وصفها فإنه تعالى: ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ مراراً ووصفها ووجه ثالث: وهو من باب تعريف الضالة فإن الله تعالى لما قال: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة  ﴾ فكأنه تعالى قال من يأخذ الجنة ويطلبها بماله أو بنفسه فالذي قتل سمع التعريف وبذل ما طلب منه عليها فأدخلها، ثم إنه تعالى لما بيّن ما على القتال من الثواب والأجر وعدهم بالنصر في الدنيا زيادة في الحث ليزداد منهم الإقدام فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَقِيتُمُ ﴾ من اللقاء وهو الحرب ﴿ فَضَرْبَ الرقاب ﴾ أصله: فاضربوا الرقاب ضرباً، فحذف الفعل وقدّم المصدر فأنيب منابه مضافاً إلى المفعول.

وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد؛ لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه.

وضرب الرقاب عبارة عن القتل وإن ضرب غير رقبته من المقاتل، لأنّ الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء، وذلك أنهم كانوا يقولون: ضرب الأمير رقبة فلان، وضرب عنقه وعلاوته، وضرب ما فيه عيناه إذا قتله، وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، فوقع عبارة عن القتل، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل كما ذكرنا في قوله: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم ﴾ [الشورى: 30] على أن في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه.

ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله تعالى: ﴿ فاضربوا فَوْقَ الاعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ [الأنفال: 12] .

﴿ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه، من الشيء الثخين: وهو الغليظ.

أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض ﴿ فَشُدُّواْ الوثاق ﴾ فأسروهم.

والوثاق بالفتح والكسر: اسم ما يوثق به (منا) و(فداء) منصوبان بفعليهما مضمرين، أي: فإمّا تمنون منا، وإما تفدون فداء.

والمعنى: التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم.

فإن قلت: كيف حكم أسارى المشركين؟

قلت: أمّا عند أبي حنيفة وأصحابه فأحد أمرين: إمّا قتلهم وإمّا استرقاقهم، أيهما رأى الإمام، ويقولون في المنّ والفداء المذكورين في الآية: نزل ذلك في يوم بدر ثم نسخ.

وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق.

ويجوز أن يراد بالمنّ: أن يمنّ عليهم بترك القتل ويسترقوا.

أو يمنّ عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمّة.

وبالفداء أن يفادى بأساراهم أسارى المسلمين، فقد رواه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة، والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره، خيفة أن يعودوا حرباً للمسلمين، وأما الشافعي فيقول: للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين، وهو: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن.

ويحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منّ على أبي عروة الحجبي، وعلى ثمامة بن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.

وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأي.

وقرئ: ﴿ فدى ﴾ بالقصر مع فتح الفاء.

أو زار الحرب: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع.

قال الأعشى.

وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ** رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُوراً وسميت أوزارها لأنه لما لم يكن لها بد من جرّها فكأنها تحملها وتستقل بها، فإذا انقضت فكأنها وضعتها.

وقيل: أوزارها آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب.

وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.

فإن قلت: (حتى) بم تعلقت؟

قلت: لا تخلو إما أن تتعلق بالضرب والشد: أو بالمن والفداء؛ فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رضي الله عنه: أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين.

وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.

وقيل: إذا نزل عيسى ابن مريم عليه السلام.

وعند أبي حنيفة رحمه الله: إذا علق بالضرب والشد؛ فالمعنى: أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين.

وإذا علق بالمن والفداء، فالمعنى: أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل ﴿ ذلك ﴾ أي الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك ﴿ لانتصر منهم ﴾ لا نتقم منهم ببعض أسباب الهلك: من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق.

أو موت جارف، ﴿ ولكن ﴾ أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين: بأن يجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب العظيم، والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب.

وقرئ: ﴿ قتلوا ﴾ بالتخفيف والتشديد: وقتلوا.

وقاتلوا.

وقرئ: ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ ، وتضل أعمالهم: على البناء للمفعول.

ويضل أعمالهم من ضل.

وعن قتادة: أنها نزلت في يوم أحد ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أعلمها لهم وبينها بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة.

قال مجاهد: يهتدي أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون، كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها.

وعن مقاتل: إن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله، أو طيبها لهم، من العرف: وهو طيب الرائحة.

وفي كلام بعضهم: عزف كنوح القماري وعرف كفوح القماري.

أو حددها لهم؛ فجنة كل أحد محدودة مفرزة عن غيرها، من: عرف الدار وارفها.

والعرف والأَرف، الحدود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في المُحارَبَةِ.

﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ أصْلُهُ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا فَحَذَفَ الفِعْلَ وقَدَّمَ المَصْدَرَ، وأُنِيبَ مَنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ ضَمًّا إلى التَّأْكِيدِ والِاخْتِصارِ.

والتَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ القَتْلِ إشْعارًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِضَرْبِ الرِّقابِ حَيْثُ أمْكَنَ، وتَصْوِيرٌ لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ.

﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أكْثَرْتُمْ قَتْلَهم وأغْلَظْتُمُوهُ مِنَ الثَّخِينِ وهو الغَلِيظُ.

﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهُمْ، والوَثاقُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ ما يُوثَقُ بِهِ.

﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ أيْ فَإمّا تَمُنُّونَ مِنّا أوْ تَفْدُونَ فِداءً، والمُرادُ التَّخْيِيرُ بَعْدَ الأسْرِ بَيْنَ المَنِّ والإطْلاقِ وبَيْنَ أخْذِ الفِداءِ، وهو ثابِتٌ عِنْدَنا فَإنَّ الذَّكَرَ الحُرَّ المُكَلَّفَ إذا أُسِرَ تَخَيَّرَ الإمامُ بَيْنَ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ، والِاسْتِرْقاقُ مَنسُوخٌ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ أوْ مَخْصُوصٌ بِحَرْبِ بَدْرٍ فَإنَّهم قالُوا: يَتَعَيَّنُ القَتْلُ أوِ الِاسْتِرْقاقُ.

وقُرِئَ «فِدا» كَعَصا.

﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ آلاتِها وأثْقالَها الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها كالسِّلاحِ والكُراعِ، أيْ تَنْقَضِي الحَرْبُ ولَمْ يَبْقَ إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ.

وقِيلَ: آثامَها والمَعْنى حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ شِرْكَهم ومَعاصِيَهُمْ، وهو غايَةٌ لِلضَّرْبِ أوِ الشَّدِّ أوْ لِلْمَنِّ والفِداءِ أوْ لِلْمَجْمُوعِ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ جارِيَةٌ فِيها حَتّى لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ المُشْرِكِينَ بِزَوالِ شَوْكَتِهِمْ.

وقِيلَ: بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ، أوِ افْعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ.

﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ لا لانْتَقَمَ مِنهم بِالِاسْتِئْصالِ.

﴿ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ ولَكِنْ أمَرَكم بِالقِتالِ لِيَبْلُوَ المُؤْمِنِينَ بِالكافِرِينَ بِأنْ يُجاهِدُوهم فَيَسْتَوْجِبُوا الثَّوابَ العَظِيمَ والكافِرِينَ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُعاجِلَهم عَلى أيْدِيهِمْ بِبَعْضِ عَذابِهِمْ كَيْ يَرْتَدِعَ بَعْضُهم عَنِ الكُفْرِ.

﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ جاهَدُوا، وقَرَأ البَصْرِيّانِ وحَفْصٌ قُتِلُوا أيِ اسْتُشْهِدُوا.

﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ فَلَنْ يُضَيِّعَها، وقُرِئَ «يَضِلَّ» مَن ضَلَّ و«يُضَلَّ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ إلى الثَّوابِ، أوْ سَيُثَبِّتُ هِدايَتَهم.

﴿ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ﴾ ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ وقَدْ عَرَّفَها لَهم في الدُّنْيا حَتّى اشْتاقُوا إلَيْها فَعَمِلُوا ما اسْتَحَقُّوها بِهِ، أوْ بَيَّنَها لَهم بِحَيْثُ يَعْلَمُ كُلُّ واحِدٍ مَنزِلَهُ ويَهْتَدِي إلَيْهِ كَأنَّهُ كانَ ساكِنَهُ مُنْذُ خُلِقَ، أوْ طَيَّبَها لَهم مِنَ العَرْفِ وهو طَيِّبُ الرّائِحَةِ، أوْ حَدَّدَها لَهم بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلِّ جَنَّةٌ مَفْرَزَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ} عن مجاهد عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجون أن يسألوا أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ سَيُوصِلُهم إلى ثَوابِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والفَضْلِ العَظِيمِ، وهَذا كالبَيانِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أوْ سَيُثْبِتُ جَلَّ شَأْنُهُ في الدُّنْيا هِدايَتَهُمْ، والمُرادُ الوَعْدُ بِأنْ يَحْفَظَهم سُبْحانَهُ ويَصُونَهم عَمّا يُورِثُ الضَّلالَ وحَبْطَ الأعْمالِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كالبَيانِ لَهُ أيْضًا.

﴿ ويُصْلِحُ بالَهُمْ ﴾ أيْ شَأْنَهُمْ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: المُرادُ إصْلاحُ ذَلِكَ في العُقْبى فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما تَقَدَّمَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ إصْلاحُ شَأْنِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا فَلا تَغْفَلْ ﴿ ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والتَّعْرِيفُ في الآخِرَةِ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَهْدِي أهْلَ الجَنَّةِ إلى بُيُوتِهِمْ ومَساكِنِهِمْ وحَيْثُ قَسَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنها لا يُخْطِئُونَ كَأنَّهم ساكِنُوها مُنْذُ خُلِقُوا لا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها أحَدًا، وفي الحَدِيثِ «(لَأحَدُكم بِمَنزِلِهِ في الجَنَّةِ أعْرَفُ مِنهُ بِمَنزِلِهِ في الدُّنْيا)» وذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ المَلَكَ الَّذِي كانَ وُكِّلَ بِحِفْظِ عَمَلِ الشَّخْصِ في الدُّنْيا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ في الجَنَّةِ ويَتْبَعُهُ الشَّخْصُ حَتّى يَأْتِيَ أقْصى مَنزِلٍ هو لَهُ فَيُعَرِّفُهُ كُلَّ شَيْءٍ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الجَنَّةِ فَإذا انْتَهى إلى أقْصى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ دَخَلَ إلى مَنزِلِهِ وأزْواجِهِ وانْصَرَفَ المَلَكُ عَنْهُ.

ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ حَسَناتِهِ تَكُونُ دَلِيلًا إلى مَنزِلِهِ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى رَسَمَ عَلى كُلِّ مِنزِلٍ اسْمَ صاحِبِهِ وهو نَوْعٌ مِنَ التَّعْرِيفِ، وقِيلَ: تَعْرِيفُها تَحْدِيدُها يُقالُ: عَرَّفَ الدّارَ وأرَّفَها أيْ حَدَّدَها أيْ حَدَّدَها لَهم بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلِّ جَنَّةٍ مَفْرَزَةٌ، وقِيلَ: أيْ شَرَّفَها لَهم ورَفَعَها وعَلّاها عَلى أنَّ عَرَّفَها مِنَ الأعْرافِ الَّتِي هي الجِبالُ وما أشْبَهَها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ.

ورُوِيَ عَنْ مُؤَرِّجٍ أيْ طَيَّبَها لَهم عَلى أنَّهُ مِنَ العُرْفِ وهو الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ هاهُنا، ومِنهُ طَعامٌ مُعَرَّفٌ أيْ مُطَيَّبٌ، وعَرَفْتُ القَدْرَ طَيَّبْتُها بِالمِلْحِ والتّابِلِ، وعَنِ الجِبائِيِّ أنَّ التَّعْرِيفَ في الدُّنْيا وهو بِذِكْرِ أوْصافِها، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ يَمْدَحُها لَهم حَتّى عَشِقُوها فاجْتَهَدُوا فِيما يُوصِلُهم إلَيْها: والأُذُنُ تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أحْيانًا وعَلى هَذا المُرادِ قِيلَ: ؎اشْتاقَهُ مِن قَبْلِ رُؤْيَتِهِ كَما تُهْوى الجِنانُ بِطِيبِ الأخْبارِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ يعني: اضربوا الرقاب، صار نصباً بالأمر، ومعناه اضربوا الأعناق ضرباً.

وروى وكيع، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن النبيّ  أنَّه قَالَ: «إِنّي لَمْ أُبْعَثُ لأُعَذِّبَ بِعَذَابِ الله، وَإِنَّمَا بُعثْتُ بِضَرْبِ الرِّقَابِ، وَشَدِّ الوَثَاقِ» حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ يعني: حتى إذا قهرتموهم وأسرتموهم، فشدوا الوثاق يعني: فاستوثقوا أيديهم من خلفهم.

ويقال الإثخان: أن يعطوا أيديهم، ويستسلموا وقال الزجاج حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ يعني: أكثرتم فيهم القتل والأسر بعد المبالغة في القتل.

وقال مقاتل: حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوُهم بالسيف، فظفرتم عليهم فَشُدُّوا الْوَثاقَ يعني: الأسر.

فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ يعني: عتقاً بعد الأسر، بغير فداء وَإِمَّا فِداءً يعني: يفادي نفسه بماله.

وروي عن إبراهيم النخعي، أنه قال: الإمام بالخيار في الأسرى، إن شاء فادى، وإن شاء قتل وإن شاء استرق.

وروي عن أبي بكر الصديق،  ، أنه قال: لا أفادي، وإن طلبوا بمدين من ذهب، وذكر عن أبي بكر، أنه كتب إليه في أسير، التمسوا منه الفداء.

فقال: اقتلوه، لأَنْ أقتل رجلاً من المشركين أحب إليَّ من كذا وكذا.

قال أبو الليث: وقد كره بعض الناس قتل الأسير، واحتج بظاهر هذه الآية فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً وقال أَصْحَابُنَا: لا بأس بقتله، بالخبر الذي روي عن أبي بكر  م.

وروي عن ابن جريج، وغيره من أهل التفسير، أن هذه الآية منسوخة بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] ، وقد قتل النبي  ابن خطل يوم فتح مكة، بعد ما وقع في منعة المسلمين، فهو كالأسير، وأما الفداء: فإن فادوا بأسير من المسلمين، فلا بأس به.

كما قال إبراهيم النخعي: إن شاء فادى بالأسير، وإن أراد أن يفتدى بمال، لا يجوز إلا عند الضرورة، لأن في رد الأسير إلى دار الحرب، قوة لهم في الحرب.

فكره ذلك، كما يكره أن يحمل إليهم السلاح.

للبيع.

ثم قال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها روي عن ابن عباس، أنه قال: حتى تترك الكفار إشراكها، ويوحدوا الرب تبارك وتعالى، حتى لا يبقى إلا مسلم يعني: في ذمة المسلمين، الذين يعطون الجزية، وعن سعيد بن جبير قال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها قال خروج عيسى  ، يكسر الصليب، فيلقى الذئب الغنم، فلا يأخذها، ولا تكون عداوة بين اثنين، وهكذا قال مجاهد، وقال مقاتل حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها يعني: في مكان يقاتل سَمَّاهُم حرباً.

وقال القتبي: حتى تضع الحرب، يعني: حتى يضع أهل الحرب السلاح.

ثم قال عز وجل: ذلِكَ يعني: افعلوا ذلك، ثم استأنف فقال وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ بغير قتال، يعني: يهلكهم وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ يعني: لم يهلكهم، لكي يختبرهم بالقتال، حتى يتبين فضلهم، ويستوجبوا الثواب.

ثم قال: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: جاهدوا عدوهم في طاعة الله تعالى.

فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: لن يبطل ثواب أعمالهم.

قرأ أبو عمرو (قُتِلُوا) بضم القاف بغير ألف، وهكذا روي عن عاصم في إحدى الروايتين، يعني: الذين قتلوا يوم أحد، ويوم بدر وفي سائر الحروب.

وقرأ الباقون وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بالنصب، يعني: جاهدوا الكفار وحاربوهم.

ثم قال سَيَهْدِيهِمْ يعني: يجنبهم من أهوال الآخرة.

ويقال: سيهديهم، يعني: يثبتهم على الهدى وَيُصْلِحُ بالَهُمْ وقد ذكرناه وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ في الآخرة عَرَّفَها لَهُمْ يعني: هداهم الله تعالى إلى منازلهم.

وروى أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ  أنه قال: «إِذَا أُذِنَ لأهْلِ الجَنَّةِ فِي دُخُولِهَا لأَحَدهم أَهْدَى أي: أعرف بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّةِ، من منزله الَّذِي كَانَ فِي الدُّنَّيَا» وعن ابن مسعود، أنه قال: ما أشبههم إلاَّ أهل الجمعة، حين انصرفوا من جمعتهم.

يعني: إن كل واحد منهم، يهتدي إلى منزله.

وقال الزجاج في قوله: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ أي: يصلح لهم أمر معايشهم في الدنيا، مع ما يجازيهم في الآخرة.

وهذا كما قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (11) [نوح: 10، 11] الآية.

ويقال: عَرَّفَها لَهُمْ أي طيبها لهم.

يقال: طعام معرف أي: مطيب.

ثم حث المؤمنين على الجهاد.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ مُحَمَّدٍ  وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ وَصَدُّوا ﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ القَتْلَ ﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ.

و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.

* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.

وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ.

وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ.

والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.

وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ مُحَمَّدٍ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ  ﴾ الآيَةُ: إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ دُخُولِ النَبِيِّ  فِيها عامَ الفَتْحِ أو سَنَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وما كانَ مِثْلَ هَذا فَهو مَعْدُودٌ في المَدَنِيِّ؛ لِأنَّ المُراعى في ذَلِكَ إنَّما هو ما كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ أو بَعْدَها.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، إشارَةٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ أخْرَجُوا رَسُولَ اللهِ  ، وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، إشارَةٌ إلى الأنْصارِ أهْلِ المَدِينَةِ الَّذِينَ آوَوْهُ، وفي الطائِفَتَيْنِ نَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

ثُمَّ هي بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ ألْفاظِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الفِعْلَ المُجاوِزَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وصَدُّوا غَيْرَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، فَيَكُونُ المَعْنى: وصَدُّوا أنْفُسَهُمْ، و"سَبِيلِ اللهِ": شَرْعُهُ وطَرِيقُهُ الَّذِي دَعا إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أتْلَفَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها غايَةَ خَيْرٍ ولا نَفْعًا، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ، وأنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ هي إلى الإنْفاقِ الَّذِي أنْفَقُوهُ في سَفْرَتِهِمْ إلى بَدْرٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأعْمالِ أعْمالُهُمُ البَرَّةُ في الجاهِلِيَّةِ، مِن صِلَةِ رَحِمٍ ونَحْوِهِ، واللَفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.

وقَرَأ الناسُ: "نُزِّلَ" بِضَمِّ النُونِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنْزَلَ" مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: حالُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أمَرَهُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: شَأْنُهُمْ، وتَحْرِيرُ التَفْسِيرِ في اللَفْظَةِ أنَّها بِمَعْنى الفِكْرِ والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ نَظَرُ الإنْسانِ وهو القَلْبُ، فَإذا صَلَحَ ذَلِكَ صَلُحَتْ حالُهُ، فَكَأنَّ اللَفْظَةَ مُشِيرَةٌ إلى صَلاحِ عَقِيدَتِهِمْ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحالِ تابِعٌ، فَقَوْلُكَ: "خَطَرَ في بالِي كَذا" وقَوْلُكَ: "أصْلَحَ اللهُ بالَكَ"، المُرادُ بِهِما واحِدٌ، ذَكَرَهُ المَبَرِّدُ، و"البالُ": مَصْدَرٌ كالحالِ والشَأْنِ، ولا يُسْتَعْمَلُ مِنها فِعْلٌ، وكَذَلِكَ عُرْفُهُ أنْ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقَدْ جاءَ مَجْمُوعًا لَكِنَّهُ شاذٌّ؛ فَإنَّهم قالُوا: بِآلاتٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى الأتْباعِ المَذْكُورِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: كَما اتَّبَعُوا عَلى هَذَيْنَ السَبِيلَيْنِ كَذَلِكَ يَبِينُ أمْرُ كُلِّ فِرْقَةٍ، ويَجْعَلُ لَها ضَرَبَها مِنَ القَوْلِ وصِنْفًا، وضَرْبُ المَثَلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرِيبِ والضَرْبُ الَّذِي هو بِمَعْنى النَوْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أمثالهم * فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ ﴾ .

لا شك أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر لأن فيها قوله: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشُدُّوا الوثاق ﴾ .

وهو الحكم الذي نزل فيه العقاب على ما وقع يوم بدر من فداء الأسرى التي في قوله تعالى: ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حتى يُثْخِن في الأرض ﴾ [الأنفال: 67] الآية إذ لم يكن حكم ذلك مقرراً يومئذٍ، وتقدم في سورة الأنفال.

والفاء لتفريع هذا الكلام على ما قبله من إثارة نفوس المسلمين بتشنيع حال المشركين وظهور خيبة أعمالهم وتنويه حال المسلمين وتوفيق آرائهم.

والمقصود: تهوين شأنهم في قلوب المسلمين وإغراؤهم بقطع دابرهم ليكون الدين كله لله، لأن ذلك أعظم من منافع فداء أسراهم بالمال ليعبد المسلمون ربهم آمنين.

وذلك ناظر إلى آية سورة الأنفال وإلى ما يفيده التّعليل من قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ .

و (إذ) ظرف للمستقبل مضمنة معنى الشرط، وذلك غالب استعمالها وجواب الشرط قوله: ﴿ فضَرْب الرقاب ﴾ .

واللقاء في قوله: ﴿ فإذا لقِيتم الذين كفروا ﴾ : المقابلة، وهو إطلاق شهير للقاء، يقال: يوم اللقاء، فلا يفهم منه إلا لقاء الحرب، ويقال: إن لقيت فلاناً لقيت منه أسداً، وقال النابغة: تجنب بني حُنّ فإن لقاءهم *** كريهٌ وإن لم تلْق إلا بصائر فليس المعنى: إذا لقيتم الكافرين في الطريق، أو نحو ذلك وبذلك لا يحتاج لذكر مخصص لفعل ﴿ لقيتم ﴾ .

والمعنى: فإذا قاتلتم المشركين في المستقبل فأمعنوا في قتلهم حتى إذا رأيتم أن قد خضّدتم شوكتهم، فآسروا منهم أسرى.

وضرب الرقاب: كناية مشهورة يعبر بها عن القتل سواء كان بالضرب أم بالطعن في القلوب بالرماح أو بالرمي بالسهام، وأوثرت على كلمة القتل لأن في استعمال الكناية بلاغة ولأن في خصوص هذا اللفظ غلظة وشدة تناسبان مقام التحريض.

والضرب هنا بمعنى: القطع بالسيف، وهو أحد أحوال القتال عندهم لأنّه أدل على شجاعة المحارب لكونه مواجِهَ عدوه وجهاً لوجه.

والمعنى: فاقتلوهم سواء كان القتَل بضرب السيف، أو طعن الرّماح، أو رشق النبال، لأن الغاية من ذلك هو الإثخان.

والذين كفروا: هم المشركون لأنّ اصطلاح القرآن من تصاريف مادة الكفر، نحو: الكافرين، والكفار، والذين كفروا، هو الشرك.

و ﴿ حتى ﴾ ابتدائية.

ومعنى الغاية معها يؤول إلى معنى التفريع.

والإثخان: الغلبة لأنها تترك المغلوب كالشيء المثخن وهو الثقيل الصُلب الذي لا يخف للحركة ويوصف به المائع الذي جمد أو قارب الجمود بحيث لا يسيل بسهولة، ووصف به الثوب والحبل إذا كثرت طاقاتهما بحيث يعسر تفككها.

وغلب إطلاقه على التوهين بالقتل، وكلا المعنيين في هذه الآية، فإذا فسر بالغلبة كان المعنى حتى إذا غلبتم منهم من وقعوا في قبضتكم أسرى فشدوا وثاقهم وعليه فجواز المنّ والفداءِ غيرُ مقيّد.

وإذا فسّر الإثخان بكثرة القتل فيهم كان المعنى حتى إذا لم يبق من الجيش إلا القليل فأسروا حينئذٍ، أي أبقوا الأسرى، وكلا الاحتمالين لا يخلو من تأويل في نظم الآية إلا أن الاحتمال الأول أظهر.

وتقدم بيانه في سورة الأنفال في قوله: ﴿ حتى يُثخن في الأرض ﴾ .

وانتصب ﴿ ضرب الرقاب ﴾ على المفعولية المطلقة على أنه بدل من فِعله ثم أضيف إلى مفعوله، والتقدير: فاضربوا الرقاب ضرباً، فلما حذف الفعل اختصاراً قدم المفعول المطلق على المفعول به وناب مناب الفعل في العمل في ذلك المفعول وأضيف إلى المفعول إضافة الأسماء إلى الأسماء لأن المصدر راجح في الاسمية.

والشَدّ: قوة الربط، وقوة الإمساك.

والوثاق بفتح الواو: الشيء الذي يوثق به، ويجوز فيه كسر الواو ولم يقرأ به.

وهو هنا كناية عن الأسر لأن الأسر يستلزم الوضع في القيد يشد به الأسير.

والمعنى: فاقتلوهم، فإن أثخنتم منهم فأسروا منهم.

وتعريف ﴿ الرقاب ﴾ و ﴿ الوثاق ﴾ يجوز أن يكون للعهد الذهني، ويجوز أن يكون عوضاً عن المضاف إليه، أي فضربَ رقابِهم وشُدُّوا وثاقهم.

والمنُّ: الإنعام.

والمراد به: إطلاق الأسير واسترقاقه فإن الاسترقاق منٌّ عليه إذ لم يُقتل، والفداء: بكسر الفاء ممدوداً تخليص الأسير من الأسر بعوض من مال أو مبادلة بأسرى من المسلمين في يدي العدّو.

وقدم المن على الفداء ترجيحاً له لأنه أعون على امتلاك ضمير الممنون عليه ليستعمل بذلك بغضه.

وانتصب ﴿ منّا ﴾ و ﴿ فداء ﴾ على المفعولية المطلقة بدلاً من عامليهما، والتقدير: إما تمّنون وإما تُفدون.

وقوله ﴿ بعْدُ ﴾ أي بعد الإثخان وهذا تقييد لإباحة المنّ والفداء.

وذلك موكول إلى نظر أمير الجيش بحسب ما يراه من المصلحة في أحد الأمرين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة هوازن.

وهذا هو ظاهر الآية والأصل عدم النسخ، وهذا رأي جمهور أيمة الفقه وأهل النظر.

فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ عام في كل كافر، أي مشرك يشمل الرجال وهم المعروف حَربهم ويشمل من حارَب معهم من النساء والصبيان والرهبان والأحبار.

وهذه الآية لتحديد أحوال القتال وما بعده، لا لبيان وقت القتال ولا لبيان من هم الكافرون، لأن أوقات القتال مبينة في سورة براءة.

ومعرفة الكافرين معلومة من اصطلاح القرآن بقوله: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [التوبة: 5].

ثم يظهر أن هذه الآية نزلت بعد آية ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ في سورة الأنفال (67).

واختلف العلماء في حكم هذه الآية في القتل والمن والفداء والذي ذهب إليه مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وهو أحدُ قولين عن أبي حنيفة رواه الطحاوي، ومِن السلف عبدُ الله بن عمر، وعطاءُ، وسعيدُ بن جبير: أن هذه الآية غير منسوخة، وأنها تقتضي التخيير في أسرى المشركين بين القتل أو المن أو الفداء، وأمير الجيش مخيّر في ذلك.

ويشبه أن يكون أصحاب هذا القول يرون أن مورد الآية الإذنُ في المنّ أو الفداء فهي ناسخة أو مُنهية لحكم قوله تعالى: ما كانَ لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله: ﴿ لمسَّكُم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ في سورة الأنفال (67، 68).

وهذا أولى من جعلها ناسخة لقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} لما علمت من أن مورد تلك هو تعيين أوقات المتاركة، وأوقات المحاربة، فلذلك لم يقل هؤلاء بحَظْر قتل الأسير في حين أن التخيير هنا وارد بين المنّ والفداء، ولم يذكر معهما القتل.

وقد ثبت في «الصحيح» ثبوتاً مستفيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتل من أسرى بدر النضر بنَ الحارث وذلك قبل نزول هذه الآية، وعقبة بن أبي معيط وقتل أسرى قريظة الذين نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقتل هلال بن خطل ومقيس بن حبابة يوم فتح مكة، وقتل بعد أحد أبا عزّة الجمعي الشاعر وذلك كله لا يعارض هذه الآية لأنها جعلت التخيير لولي الأمر.

وأيضاً لم يذكر في هذه الآية جواز الاسترقاق، وهو الأصل في الأسرى، وهو يدخل في المنّ إذا اعتبر المن شاملاً لترك القتل، ولأن مقابلة المن بالفداء تقتضي أن الاسترقاق مشروع.

وقد روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك: أنَّ المنّ من العتق.

وقال الحسن وعطاء: التخيير بين المنّ والفداء فقط دون قتل الأسير، فقتل الأسير يكون محظوراً.

وظاهر هذه الآية يعضد ما ذهب إليه الحسن وعطاء.

وذهب فريق من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة وأنه لا يجوز في الأسير المشرك إلا القتل بقوله تعالى: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [التوبة: 5].

وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك والسدّي وابن جريج، ورواه العَوفي عن ابن عباس وهو المشهور عن أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة: لا بأس أن يُفادى أسرى المشركين الذين لم يسلموا بأسرى المسلمين الذين بيد المشركين.

وروى الجصّاص أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى أسيرين من المسلمين بأسير من المشركين في ثقيف.

والغاية المستفادة من ﴿ حتى ﴾ في قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ للتعليل لا للتقييد، أي لأجل أن تضع الحرب أوزارها، أي ليكفّ المشركون عنها فتأمنوا من الحرب عليكم وليست غاية لحكم القتال.

والمعنى يستمر هذا الحكم بهذا ليهِن العدوَّ فيتركوا حربكم، فلا مفهوم لهذه الغاية، فالتعليل متصل بقوله: ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وما بينهما اعتراض.

والتقدير: فضرب الرقاب، أي لا تتركوا القتل لأجل أن تضع الحرب أوزارها، فيكون وارداً مورد التعليم والموعظة، أي فلا تشتغلوا عند اللقاء لا بقتل الذين كفروا لتضع الحرب أوزارها فإذا غلبتموهم فاشتغلوا بالإبقاء على من تغلبونه بالأسر ليكون المنّ بعد ذلك أو الفداء.

والأوزار: الأثقال، ووضع الأوزار تمثيل لانتهاء العمل فشبهت حالة انتهاء القتال بحالة وضع الحمّال أو المسافر أثقاله، وهذا من مبتكرات القرآن.

وأخذ منه عبد ربه السُلمى، أو سُليم الحنفي قوله: فألقت عصاها واستقرّ بها النوَى *** كما قرّ عينا بالإياب المسافر فشبه حالة المنتهي من كلفة بحالة السائر يلقي عصاه التي استصحبها في سيره.

﴿ أَوْزَارَهَا ذلك وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ولكن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ ﴾ .

أعيد اسم الإشارة بعد قوله آنفاً: ﴿ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ [محمد: 3] للنكتة التي تقدمت هنالك، وهو خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف.

وتقدير المحذوف: الأمر ذلك، والمشار إليه ما تقدم من قوله: ﴿ فضرب الرقاب ﴾ إلى هنا، ويفيد اسم الإشارة تقرير الحكم ورسوخه في النفوس.

والجملة من اسم الإشارة والمحذوف معترضة و ﴿ لو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ في موضع الحال من الضمير المرفوع المقدر في المصدر من قوله: ﴿ فضَرْبَ الرقاب ﴾ ، أي أمرتم بضرب رقابهم، والحال أن الله لو شاء لاستأصلهم ولم يكلفكم بقتالهم، ولكن الله ناط المسببات بأسبابها المعتادة وهي أن يبلو بعضكم ببعض.

وتعدية (انتصر) بحرف (من) مع أن حقه أن يعدّى بحرف (على) لتضمينه معنى: انتقم.

والاستدراك راجع إلى ما في معنى المشيئة من احتمال أن يكون الله ترك الانتقام منهم لسبب غير ما بعدَ الاستدراك.

والبَلْوْ حقيقته: الاختبار والتجربة، وهو هنا مجاز في لازمه وهو ظهور ما أراده الله من رفع درجات المؤمنين ووقع بأسهم في قلوب أعدائهم ومن إهانة الكفار، وهو أن شأنهم بمرأى ومسمع من الناس.

هذا من مظاهر بلوى بعضهم ببعض وهو مقابل ما في قوله: ﴿ فضرب الرقاببِبَعْضٍ والذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أعمالهم * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ * ياأيها الذين ءامنوا إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وإما فداء ﴾ ، فإن ذلك من مظاهر إهانة الذين كفروا فذُكر هنا ما هو من رفعة الذين قاتلوا في سبيل الله من المؤمنين بعناية الله بهم.

وجملة ﴿ والذين قاتلوا في سبيل الله ﴾ الخ عطف على جملة ﴿ فإذا لَقِيتُمُ الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ الآية فإنه لما أمرهم بقتال المشركين أعقب الأمر بوعد الجزاء على فعله.

وذكر ﴿ الذين قاتلوا في سبيل الله ﴾ إظهار في مقام الإضمار إذ كان مقتضى الظاهر أن يقال: فلن يُضل الله أعمالكم، وهكذا بأسلوب الخطاب، فعدل عن مقتضى الظاهر من الإضمار إلى الإظهار ليكون في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي إفادة تقوّي الخبر، وليكون ذريعة إلى الإتيان بالموصول للتنويه بصلته، وللإيماء إلى وجه بناء الخبر على الصلة بأن تلك الصلة هي علة ما ورد بعدها من الخبر.

فجملة ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خبر عن الموصول، وقرنت بالفاء لإفادة السببية في ترتب ما بعد الفاء على صلة الموصول لأن الموصول كثيراً ما يشرب معنى الشرط فيقرن خبره بالفاء، وبذلك تكون صيغة الماضي في فعل ﴿ قاتلوا ﴾ منصرفة إلى الاستقبال لأن ذلك مقتضى الشرط.

وجملة ﴿ سيهديهم ﴾ وما عطف عليها بيان لجملة ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ .

وتقدم الكلام آنفاً على معنى إضلال الأعمال وإصلاح البال.

ومعنى ﴿ عَرَّفها لهم ﴾ أنه وصفها لهم في الدنيا فهم يعرفونها بصفاتها، فالجملة حال من الجنة، أو المعنى هداهم إلى طريقها في الآخرة فلا يترددون في أنهم داخلونها، وذلك من تعجيل الفرح بها.

وقيل: ﴿ عرفها ﴾ جعل فيها عرْفاً، أي ريحاً طيباً، والتطييب من تمام حسن الضيافة.

وقرأ الجمهور ﴿ قاتلوا ﴾ بصيغة المفاعلة، فهو وعد للمجاهدين أحيائهم وأمواتهم.

وقرأه أبو عمرو وحفص عن عاصم ﴿ قُتِلوا ﴾ بالبناء للنائب، فعلى هذه القراءة يكون مضمون الآية جزاء الشهداء فهدايتهم وإصلاح بالهم كائنان في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ مُحَمَّدٍ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةٍ حِينَ خَرَجَ (عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَكَّةَ جَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ ﴾ الآيَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي كَفَرُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ.

﴿ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ اللَّهِ وهو الإسْلامُ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ يَمْنَعُ قاصِدِيهِ إذا عَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ  - عَلَيْهِمُ الإسْلامَ أنْ يَدْخُلُوا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أحْبَطَ ما فَعَلُوهُ مِنَ الخَيْرِ بِما أقامُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.

الثّانِي: أبْطَلَ ما أنْفَقُوا بِبَدْرٍ لَمّا نالَهم مِنَ القَتْلِ.

الثّالِثُ: أضَلَّهم عَنِ الهُدى بِما صَرَفَهم عَنِ التَّوْفِيقِ.

وَحَكى مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن كُفّارِ مَكَّةَ، ذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهم أبُو جَهْلٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ومُنَبِّهٌ ونَبِيهٌ ابْنا الحَجّاجِ وأبُو البَخْتَرِيِّ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ خاصَّةً في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُواساةُ بِمَساكِنِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُمُ الأنْصارُ.

الثّانِي: الهِجْرَةُ وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهم قُرَيْشٌ.

﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ أيْ آمَنُوا بِمُحَمٍّدٍ  وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ.

﴿ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إيمانَهم هو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ.

الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ هو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ.

﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَتَرَها عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: غَفَرَها بِإيمانِهِمْ.

﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أصْلَحَ شَأْنَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أصْلَحَ حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أصْلَحَ أمْرَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ وهي مُتَأوِّلَةٌ عَلى إصْلاحِ ما تَعَلَّقَ بِدُنْياهم.

الرّابِعُ: أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ.

حَكاهُ النَّقّاشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ فَإنْ تَقْبَلِي بِالوِدِّ أقْبَلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالٍ بالِيا وَهُوَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَحْمُولٌ عَلى إصْلاحِ دِينِهِمْ، والبالُ لا يُجْمَعُ لِأنَّهُ أبْهَمُ إخْوانِهِ مِنَ الشَّأْنِ والحالِ والأمْرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الباطِلَ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: إبْلِيسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وسُمِّيَ بِالباطِلِ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى الباطِلِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الهَوى.

﴿ وَأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اتَّبَعُوا الرَّسُولَ، لِأنَّهُ دَعاهم إلى الحَقِّ وهو الإسْلامُ.

الثّانِي: يَعْنِي القُرْآنَ سُمِّيَ حَقًّا لِمَجِيئِهِ بِالحَقِّ.

﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ قالَ يَحْيى: صِفاتُ أعْمالِهِمْ، وفي النّاسِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ قال: مشركي العرب، يقول ﴿ فضرب الرقاب ﴾ قال: حتى يقولوا لا إله إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ﴾ قال: لا تأسروهم ولا تفادوهم حتى تثخنوهم بالسيف.

وأخرج النحاس عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالخيار في الأسرى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: هذا منسوخ نسختها ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ﴾ [ التوبة: 5] .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ قال: فرخص لهم أن يمنوا على من شاؤوا منهم، نسخ الله ذلك بعد في براءة فقال: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 51] .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: كان المسلمون إذا لقوا المشركين قاتلوهم، فإذا أسروا منهم أسيراً فليس لهم إلا أن يفادوه أو يمنوا عليه، ثم نسخ ذلك بعد ﴿ فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ﴾ [ الأنفال: 57] .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك ومجاهد في قوله: ﴿ فإما منّاً ﴾ قالا: نسختها ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى رجلين من أصحابه برجلين من المشركين أسروا.

وأخرج عبد بن حميد عن أشعث قال: سألت الحسن وعطاء عن قوله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ قال: أحدهما يمن عليه أولا يفادى وقال الآخر: يصنع كما يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم يمن عليه أولا يفادى.

وأخرج ابن جرير ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: أتى الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً يقتله فقال ابن عمر: ليست بهذا أمرنا إنما قال الله: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما أعتق ولد زنية وقال: قد أمرنا الله ورسوله أن نمنَّ على من هو شر منه قال الله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه عن ليث رضي الله عنه قال: قلت لمجاهد: بلغنى أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يحل قتل الأسارى لأن الله تعالى قال: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ فقال مجاهد: لا تعبأ بهذا شيئاً أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ينكر هذا، ويقول: هذه منسوخة، إنما كانت في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، فأما اليوم فلا يقول الله: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ ويقول ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ فإن كانوا من مشركي العرب لم يقبل منهم شيء إلا الإِسلام فإن لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استحيوهم وإن شاؤوا فادوهم إذا لم يتحوّلوا عن دينهم فإن أظهروا الإِسلام لم يفادوا ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصغير والمرأة والشيخ الفاني.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: نسخت ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] ما كان قبل ذلك من فداء أو مَنّ.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عطاء رضي الله عنه أنه كان يكره قتل أهل الشرك صبراً ويتلو ﴿ فشدوا الوثاق فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ ثم نسختها ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ ونزلت زعموا في العرب خاصة وقتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط يوم بدر صبراً.

وأخرج عبد الرزاق عن أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الوصفاء والعسفاء.

وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان إلا من عدا منهم بالسيف.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن القاسم بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فطلبوا رجلاً فصعد شجرة فأحرقوها بالنار فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه بذلك فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني لم أبعث أعذب بعذاب الله، إنّما بضرب الرقاب وشد الوثاق» .

أما قوله تعالى: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى لا يكون شرك.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى يعبد الله ولا يشرك به.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى يخرج عيسى ابن مريم عليه السلام فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب ولا تقرض فأرة جراباً، وتذهب العداوة من الناس كلها، ذلك ظهور الإِسلام على الدين كله، وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دماً إذا وضعها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماماً مهدياً وحكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وتوضع الجزية وتضع الحرب أوزارها» .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: خروج عيسى ابن مريم عليه السلام.

وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي والبغوي والطبراني وابن مردويه «عن سلمة بن نفيل رضي الله عنه قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله: إن الخيل قد سُيبت وَوُضِعَ السلاحُ وزعم أقوام أن لا قتال وأنْ قد وضعت الحرب أوزارها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبوا فالآن جاء القتال، ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله لا يضرهم من خالفهم يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منهم ويقاتلون حتى تقوم الساعة، ولا تزال الخيل معقوداً في نواصيها الخير، حتى تقوم الساعة، ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج» .

وأخرج ابن أبي حاتم «عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: فتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتح فقلت يا رسول الله اليوم ألقى الإِسلام بجرانه، ووضعت الحرب أوزارها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالاً؟

ستاً أولهن موتي ثم فتح بيت المقدس ثم فئتان من أمتي دعواهم واحدة يقتل بعضهم بعضاً ويفيض المال حتى يعطي الرجل المائة دينار فيتسخط وموت يكون كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات الشهر وفي الشهر كنبات السنة، فيرغب فيه قومه فيملكونه يقولون نرجو أن يربك علينا ملكنا فيجمع جمعاً عظيماً ثم يسير حتى يكون فيما بين العريش وأنطاكية، وأميركم يومئذ نعم الأمير فيقول لأصحابه: ما ترون فيقولون نقاتلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم فيقول لا أرى ذلك نحرز ذرارينا وعيالنا ونخلي بينهم وبين الأرض ثم نغزوهم وقد أحرزنا ذرارينا فيسيرون فيخلون بينهم وبين أرضهم حتى يأتوا مدينتي هذه فيستهدون أهل الإِسلام فيهدونهم ثم يقول لا ينتدبن معي إلا من يهب نفسه لله حتى نلقاهم فنقاتل حتى يحكم الله بيني وبينهم فينتدب معه سبعون ألفاً ويزيدون على ذلك فيقول حسبي سبعون ألفاً لا تحملهم الأرض وفيهم عين لعدوّهم فيأتيهم فيخبرهم بالذي كان، فيسيرون إليهم حتى إذا التقوا سألوا أن يخلي بينهم وبين من كان بينهم وبينه نسب فيدعونهم فيقولون ما ترون فيما يقولون فيقول: ما أنتم بأحق بقتالهم ولا أبعد منهم، فيقول: فعندكم فأكسروا أغمادكم فيسل الله سيفه عليهم فيقتل منهم الثلثان، ويقر في السفن الثلث، وصاحبهم فيهم، حتى إذا تراءت لهم جبالهم بعث الله عليهم ريحاً فردتهم إلى مراسيهم من الشام فأخِذوا فَذُبِحوا عند أرجل سفنهم عند الساحل، فيومئذ تضع الحرب أوزارها» .

أما قوله تعالى: ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ قال: أي والله بجنوده الكثيرة كل خلقه له جند فلو سلط أضعف خلقه لكان له جنداً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ذلك ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ قال: لأرسل عليهم ملكاً فدمر عليهم، وفي قوله: ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ قال: نزلت فيمن قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ والذين قاتلوا ﴾ بالألف.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ الآية.

قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في يوم أُحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذ: أعلُ هُبَل، ونادى المسلمون الله أعلى وأجل، ففادى المشركون يوم بيوم بدر، وإن الحرب سجال لنا عُزّى ولا عُزّى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم إن القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ قال: يهدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ عرفها لهم ﴾ قال: عرفهم منازلهم فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ قال: بلغنا أن الملك الذي كان وُكّلَ بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إذا دخلوا الجنة حياهم الله بما يحيون به، وأعطاهم ما أعطاهم، ثم يقال لهم تفرقوا إلى منازلكم فيتفرقون إليها، فلهُم أعرفُ بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم (١) وقال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحداً (٢) هذا قول عامة المفسرين وأهل المعاني (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقال الحسن: وصف الله الجنة في الدنيا لهم فإذا دخلوها عرفوها بصفتها (٨) وروي عن ابن عباس قول آخر، قال عطاء: يريد طيبها لهم (٩) (١٠) (١١) فَتُدخِلُ أيدٍ في خناجرَ أُقْنِعت ...

لِعَادتِها من الخَزِيرِ المُعَرَّفِ (١٢) وعلى هذا معنى الآية: طيبها لهم بما خلق فيها من الروائح الطيبة، وقال بعض أهل المعاني: طيبها لهم بضروب الملاذ التي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه ولا تنكره (١٣) (١٤) (١) أخرج الطبري عن مجاهد وابن زيد نحو هذه الرواية.

انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 44، وكذلك ذكر نحوه البغوي ونسبه لأكثر المفسرين.

انظر: "تفسيره" 7/ 280، وكذلك ذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 321 ولم ينسبه، وذكره في "الوسيط " ولم ينسبه انظر: 4/ 121.

(٢) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.

انظر: "تفسيره" 13/ 44، وأورده الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ، وأورده البغوي في "تفسيره" 7/ 280.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 58، "تفسير غريب القرآن" لابن قتية ص 409، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 465.

(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 214.

(٥) ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط ونسبه لمقاتل.

انظر: البحر 8/ 75.

وذكره الشوكاني مختصرًا ونسبه لمقاتل انظر: "فتح القدير" 5/ 31.

(٦) ذكر ذلك النحاس في "معاني القرآن" ونسبه لسلمة بن كهيل 6/ 466، وذكر معنى هذا القول الشوكاني في "فتح القدير" ولم ينسبه 5/ 31.

(٧) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 231.

(٨) ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" ونسبه للحسن 5/ 294، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 288، ونسبه القرطبي للحسن.

انظر: "الجامع" 16/ 231.

(٩) ذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره"، ولم ينسبه 5/ 294، ونسبه في "الوسيط" لعطاء عن ابن عباس 4/ 121، وذكره البغوي ونسبه لعطاء 7/ 280.

(١٠) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ.

(١١) انظر: "تهذيب اللغة" (عرف) 2/ 345.

(١٢) البيت استشهد به ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ولم ينسبه ص 410، وهو في "تهذيب اللغة" منسوب للأسود بن يعفر 2/ 345، ومعنى أقنعت: مدت ورفعت للفم والخزير: الحساء من الدسم.

وقد استشهد بالبيت الثعلبي في "تفسيره" ولم ينسبه 10/ 125 أ.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 466، و"زاد المسير" 7/ 398، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 231.

(١٤) أنظر: قول أبي العباس في "تهذيب اللغة" (عرف) 2/ 345، وفي "الجامع لأحكام القرآن" من غير نسبة 16/ 231.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أي جعلهم يعرفون منازلهم فيها، فهو من المعرفة وقيل: معناه طيِّبها لهم فهو من العَرْف وهو طيب الرائحة، وقيل: معناه شرَّفها ورفعها، فهو في الأعراف التي هي الجبال.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: هم أهل مكة.

والأشبه أن تكون الآية في كفار المدينة وهم أهل الكتاب؛ لأن السورة مدنية؛ على ما قال بعض أهل التأويل، لكن جائز أن يكون كما قال أهل التأويل بأنها نزلت في كفار [مكة]؛ لأن هذه السورة ذكرت على أثر خبرهم وعقيب نبئهم في سورة الأحقاف.

ثم إن كانت الآية في كفار المدينة وأهل الكتاب فيكون يحتمل: الذين كفروا بمحمد  - وما أنزل عليه ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل إيمانهم الذي كان لهم بسائر الأنبياء وبمحمد  ؛ لأنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - والله أعلم -: قد أبطل إيمانهم الذي كان منهم قبل ذلك بما كفروا بعدما بعث.

وإن كانت الآية في كفار مكة على ما قال أكثرهم؛ فيكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بوحدانية الله -  - أو كفروا بمحمد  وبما أنزل عليه، أو كفروا بالبعث، ونحو ذلك ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل حسناتهم التي كانت لهم في حال كفرهم؛ من نحو الصدقات، وصلة الأرحام، وفك الرقاب، وغير ذلك من الأعمال التي كانوا يتقربون بها - والله أعلم - قد أبطل أعمالهم التي كانوا يتقربون بها ويرونها قربة عند الله.

أو يقول: قد أبطل عبادتهم التي كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها لتقربهم عبادتهم إلى الله زلفى؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ يقول: قد أبطل ذلك ولم يكن على ما رجوا وطمعوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل أن صدوا بأنفسهم؛ أي: أعرضوا عن سبيل الله؛ على ما ذكر عنهم.

ويحتمل: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: صدوا الناس عن سبيل الله، وقد كان منهم الأمران جميعاً ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل؛ يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غلب فلم يتبين.

﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾ يقول: والذين آمنوا بالله وبمحمد  ، وآمنوا بما نزل عليه، وثبتوا على ذلك - لهم يضل أعمالهم، ولم يبطل إيمانهم الذي كان منهم؛ بل يكفر سيئاتهم التي كانت منهم من الكفر وغيره من السيئات.

أو يقول: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾  ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ وهو الكفر والمساوي التي كانت لهم من الكفر؛ كقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ إن كانت الآية في مؤمني ومشركي العرب وأهل مكة فيكون قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ : الشرك والمساوي التي كانت لهم في حال الكفر، وإن كان في مؤمني أهل الكتاب، فيكون قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ في حال إيمانهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: آمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم نزل، وكل شيء من الله فهو الحق.

والثاني: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ أي: وهو الصدق من ربهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ أي: حالهم وشأنهم فيما كان من قبل وفيما بعده.

ثم أخبر أن الذي أبطل أعمالهم لأولئك الكفرة وما ذكر، وثبت الذين آمنوا ولم يبطل أعمالهم وما ذكر من إصلاح حالهم هو ما قال ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ ﴾ يحتمل: الباطل: الشيطان، أو هوى النفس، أو كل باطل، وهو الذي يذمّ عليه فاعله ومتبعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ يقول: لهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الباطل، ولهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ﴾ أي: مثل الذي بين ما لهؤلاء وما لهؤلاء، يبين ما لكل متبع الباطل ومتبع الحق، وضرب المثل هو أن يبين لهم ما خفي وأثبته عليهم بالذي ظهر عندهم وتقرر وتجلى لهم؛ ليصير الذي خفي عليهم وأثبته ظاهراً متجلياً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويدخلهم الجنة يوم القيامة، بيّنها لهم بأوصافها في الدنيا فعرفوها، وعرفهم منازلهم فيها في الآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.kZeD3"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله