الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٨ من سورة محمد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 51 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٨ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم قال تعالى : ( والذين كفروا فتعسا لهم ) ، عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وقد ثبت في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد القطيفة - [ وفي رواية : تعس عبد الخميصة ] - تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش " ، أي : فلا شفاه الله .
وقوله : ( وأضل أعمالهم ) أي : أحبطها وأبطلها ;
القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) يقول تعالى ذكره: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله, فجحدوا توحيده ( فَتَعْسًا لَهُمْ ) يقول: فخزيا لهم وشقاء وبلاء.
كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ) قال: شقاء لهم.
وقوله ( وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) يقول وجعل أعمالهم معمولة على غير هدى ولا استقامة, لأنها عملت في طاعة الشيطان, لا في طاعة الرحمن.
وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) قال: الضلالة التي أضلهم الله لم يهدهم كما هَدى الآخرين, فإن الضلالة التي أخبرك الله: يضلّ من يشاء, ويهدي من يشاء; قال: وهؤلاء ممن جعل عمله ضلالا وردّ قوله ( وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) على قوله ( فَتَعْسًا لَهُمْ ) وهو فعل ماض, والتعس اسم, لأن التعس وإن كان اسما ففي معنى الفعل لما فيه من معنى الدعاء, فهو بمعنى: أتعسهم الله, فلذلك صلح ردّ أضلّ عليه, لأن الدعاء يجري مجرى الأمر والنهي, وكذلك قوله حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا &; 22-162 &; الْوَثَاقَ مردودة على أمر مضمر ناصب لضرب.
قوله تعالى : والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم .قوله تعالى : والذين كفروا يحتمل الرفع على الابتداء ، والنصب بما يفسره فتعسا لهم كأنه قال : أتعس الذين كفروا .
و تعسا لهم نصب على المصدر بسبيل الدعاء ، قاله الفراء ، مثل سقيا له ورعيا .
وهو نقيض لعا له .
قال الأعشى :[ ص: 214 ]فالتعس أولى لها من أن أقول لعاوفيه عشرة أقوال : الأول : بعدا لهم ، قاله ابن عباس وابن جريج .
الثاني : حزنا لهم ، قاله السدي .
الثالث : شقاء لهم ، قاله ابن زيد .
الرابع : شتما لهم من الله ، قاله الحسن .
الخامس : هلاكا لهم ، قاله ثعلب .
السادس : خيبة لهم ، قاله الضحاك وابن زيد .
السابع : قبحا لهم ، حكاه النقاش .
الثامن : رغما لهم ، قاله الضحاك أيضا .
التاسع : شرا لهم ، قاله ثعلب أيضا .
العاشر : شقوة لهم ، قاله أبو العالية .
وقيل : إن التعس الانحطاط والعثار .
قال ابن السكيت : التعس أن يخر على وجهه .
والنكس أن يخر على رأسه .
قال : والتعس أيضا الهلاك .
قال الجوهري : وأصله الكب ، وهو ضد الانتعاش .
وقد تعس ( بفتح العين ) يتعس تعسا ، وأتعسه الله .
قال مجمع بن هلال :تقول وقد أفردتها من خليلها تعست كما أتعستني يا مجمعيقال : تعسا لفلان ، أي : ألزمه الله هلاكا .
قال القشيري : وجوز قوم تعس ( بكسر العين ) .قلت : ومنه حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض خرجه البخاري .
في بعض طرق هذا الحديث تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش خرجه ابن ماجه .قوله تعالى : وأضل أعمالهم أي أبطلها لأنها كانت في طاعة الشيطان .
ودخلت الفاء في قوله : فتعسا لأجل الإبهام الذي في الذين ، وجاءوأضل أعمالهم على الخبر حملا على لفظ الذين ; لأنه خبر في اللفظ ، فدخول الفاء حملا على المعنى ، وأضل حملا على اللفظ .
وأما الذين كفروا بربهم، ونصروا الباطل، فإنهم في تعس، أي: انتكاس من أمرهم وخذلان.{ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } أي: أبطل أعمالهم التي يكيدون بها الحق، فرجع كيدهم في نحورهم، وبطلت أعمالهم التي يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله.
( والذين كفروا فتعسا لهم ) قال ابن عباس : بعدا لهم .
وقال أبو العالية : سقوطا لهم .
وقال الضحاك : خيبة لهم .
وقال ابن زيد : شقاء لهم .
قال الفراء : هو نصب على المصدر ، على سبيل الدعاء .
وقيل : في الدنيا العثرة ، وفي الآخرة التردي في النار .
ويقال للعاثر : تعسا إذا لم يريدوا قيامه ، وضده لعا إذا أرادوا قيامه ( وأضل أعمالهم ) لأنها كانت في طاعة الشيطان .
«والذين كفروا» من أهل مكة مبتدأ خبره تعسوا يدل عليه «فتعسا لهم» أي هلاكا وخيبة من الله «وأضل أعمالهم» عطف على تعسوا.
والذين كفروا فهلاكًا لهم، وأذهب الله ثواب أعمالهم؛ ذلك بسبب أنهم كرهوا كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكذبوا به، فأبطل أعمالهم؛ لأنها كانت في طاعة الشيطان.
وبعد هذا النداء الذى يحمل أكرم البشارات للمؤمنين ، ذم - سبحانه - الكافرين ذما شديداً ، فقال : ( والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) .والاسم الموصول مبتدأ وخبره محذوف ، و ( تَعْساً ) منصوب على المصدر بفعل مضمر من لفظه ، واللام فى قوله ( لَّهُمْ ) لتبيين المخاطب ، كما فى قولهم : سقيا له ، أى : أعنى له يقال : تعس فلان - من باب منع وسمع - بمعنى هلك .قال القرطبى ما ملخصه وقوله : ( تَعْساً لَّهُمْ ) نصب على المصدر بسبيل الدعاء ، مثل سقيا له .
.
وفيه عشرة أقوال : الأول : بعداً لهم .
الثانى : حزنا لهم .
.
الخامسه هلاكا لهم .
.
يقال : تعسا لفلان ، أى ألزمه الله هلاكا .ومنه الحديث الشريف : " تعس بعد الدينار والدرهم والقطيفة .
إن أعطى رضى ، وإن لم يعط لم يرض " .وفى رواية : " تعس وانتكس ، وإذا شيك - أى أصابته شوكة - فلا انتقش " أى : فلا شفى من مرضه .والمعنى : والذين كفروا فتعسوا تعسا شديدا ، وهلكوا هلاكا مبيراً ، وأضل الله - تعالى - أعمالهم ، بأن أحبطها ولم يقبلها منهم ، لأنهم صدرت عن نفوس أشركت مع خالقها ورازقها آلهة أخرى فى العبادة .فقوله : ( وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) معطوف على الفعل المقدر الذى نصب به لفظ " تعسا " ودخلت الفاء على هذا اللفظ ، تشبيها للاسم الموصول بالشرط .
هذا زيادة في تقوية قلوبهم، لأنه تعالى لما قال: ﴿ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ جاز أن يتوهم أن الكافر أيضاً يصير ويثبت للقتال فيدوم القتال والحراب والطعان والضراب، وفيه المشقة العظيمة فقال تعالى: لكم الثبات ولهم الزوال والتغير والهلاك فلا يكون الثبات، وسببه ظاهر لأن آلهتهم جمادات لا قدرة لها ولا ثبات عند من له قدرة، فهي غير صالحة لدفع ما قدره الله تعالى عليهم من الدمار، وعند هذا لابد عن زوال القدم والعثار، وقال في حق المؤمنين ﴿ وَيُثَبّتْ ﴾ بصيغة الوعد لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء، وقال في حقهم بصيغة الدعاء، وهي أبلغ من صيغة الإخبار من الله لأن عثارهم واجب لأن عدم النصرة من آلهتهم واجب الوقوع إذ لا قدرة لها والتثبيت من الله ليس بواجب الوقوع، لأنه قادر مختار يفعل ما يشاء.
وقوله: ﴿ وَأَضَلَّ أعمالهم ﴾ إشارة إلى بيان مخالفة موتاهم لقتلى المسلمين، حيث قال في حق قتلاهم ﴿ فَلَن يُضِلَّ أعمالهم ﴾ وقال في موتى الكافرين ﴿ وَأَضَلَّ أعمالهم ﴾ ثم بيّن الله تعالى سبب ما اختلفوا فيه فقال: <div class="verse-tafsir"
﴿ إِن تَنصُرُواْ ﴾ دين ﴿ الله ﴾ ورسوله ﴿ يَنصُرْكُمْ ﴾ على عدوكم ويفتح لكم ﴿ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ في مواطن الحرب أو على محجة الإسلام.
<div class="verse-tafsir"
.
﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في المُحارَبَةِ.
﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ أصْلُهُ فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا فَحَذَفَ الفِعْلَ وقَدَّمَ المَصْدَرَ، وأُنِيبَ مَنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ ضَمًّا إلى التَّأْكِيدِ والِاخْتِصارِ.
والتَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ القَتْلِ إشْعارًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِضَرْبِ الرِّقابِ حَيْثُ أمْكَنَ، وتَصْوِيرٌ لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ.
﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أكْثَرْتُمْ قَتْلَهم وأغْلَظْتُمُوهُ مِنَ الثَّخِينِ وهو الغَلِيظُ.
﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهُمْ، والوَثاقُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ ما يُوثَقُ بِهِ.
﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ أيْ فَإمّا تَمُنُّونَ مِنّا أوْ تَفْدُونَ فِداءً، والمُرادُ التَّخْيِيرُ بَعْدَ الأسْرِ بَيْنَ المَنِّ والإطْلاقِ وبَيْنَ أخْذِ الفِداءِ، وهو ثابِتٌ عِنْدَنا فَإنَّ الذَّكَرَ الحُرَّ المُكَلَّفَ إذا أُسِرَ تَخَيَّرَ الإمامُ بَيْنَ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ، والِاسْتِرْقاقُ مَنسُوخٌ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ أوْ مَخْصُوصٌ بِحَرْبِ بَدْرٍ فَإنَّهم قالُوا: يَتَعَيَّنُ القَتْلُ أوِ الِاسْتِرْقاقُ.
وقُرِئَ «فِدا» كَعَصا.
﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ آلاتِها وأثْقالَها الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها كالسِّلاحِ والكُراعِ، أيْ تَنْقَضِي الحَرْبُ ولَمْ يَبْقَ إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ.
وقِيلَ: آثامَها والمَعْنى حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ شِرْكَهم ومَعاصِيَهُمْ، وهو غايَةٌ لِلضَّرْبِ أوِ الشَّدِّ أوْ لِلْمَنِّ والفِداءِ أوْ لِلْمَجْمُوعِ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ جارِيَةٌ فِيها حَتّى لا يَكُونَ حَرْبٌ مَعَ المُشْرِكِينَ بِزَوالِ شَوْكَتِهِمْ.
وقِيلَ: بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ، أوِ افْعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ.
﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ لا لانْتَقَمَ مِنهم بِالِاسْتِئْصالِ.
﴿ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ ولَكِنْ أمَرَكم بِالقِتالِ لِيَبْلُوَ المُؤْمِنِينَ بِالكافِرِينَ بِأنْ يُجاهِدُوهم فَيَسْتَوْجِبُوا الثَّوابَ العَظِيمَ والكافِرِينَ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُعاجِلَهم عَلى أيْدِيهِمْ بِبَعْضِ عَذابِهِمْ كَيْ يَرْتَدِعَ بَعْضُهم عَنِ الكُفْرِ.
﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ جاهَدُوا، وقَرَأ البَصْرِيّانِ وحَفْصٌ قُتِلُوا أيِ اسْتُشْهِدُوا.
﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ فَلَنْ يُضَيِّعَها، وقُرِئَ «يَضِلَّ» مَن ضَلَّ و«يُضَلَّ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ إلى الثَّوابِ، أوْ سَيُثَبِّتُ هِدايَتَهم.
﴿ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ﴾ ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ وقَدْ عَرَّفَها لَهم في الدُّنْيا حَتّى اشْتاقُوا إلَيْها فَعَمِلُوا ما اسْتَحَقُّوها بِهِ، أوْ بَيَّنَها لَهم بِحَيْثُ يَعْلَمُ كُلُّ واحِدٍ مَنزِلَهُ ويَهْتَدِي إلَيْهِ كَأنَّهُ كانَ ساكِنَهُ مُنْذُ خُلِقَ، أوْ طَيَّبَها لَهم مِنَ العَرْفِ وهو طَيِّبُ الرّائِحَةِ، أوْ حَدَّدَها لَهم بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلِّ جَنَّةٌ مَفْرَزَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
{والذين كَفَرُواْ} في موضع رفع بالابتداء والخبر {فَتَعْساً لَّهُمْ} وعطف قوله {وَأَضَلَّ أعمالهم} على الفعل الذي نصب تعسا لأن المعنى فقال تعساً لهم والتعس العثور وعن ابن عباس رضى الله عنهما يرد في الدنيا القتل وفي الآخرة التردي في النار
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ مِن تَعَسَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ العَيْنِ تَعْسًا أيْ سَقَطَ عَلى وجْهِهِ، وضِدُّهُ انْتَعَشَ أيْ قامَ مِن سُقُوطِهِ.
وقالَ شِمْرٌ وابْنُ شُمَيْلٍ وأبُو الهَيْثَمِ وغَيْرُهُمْ: تَعِسَ بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُقالُ: تَعْسًا لَهُ ونُكْسًا عَلى أنَّ الأوَّلَ كَما قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ بِمَعْنى السُّقُوطِ عَلى الوَجْهِ والثّانِي بِمَعْنى السُّقُوطِ عَلى الرَّأْسِ، وقالَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِيهِ عَلى التَّصْرِيحِ: تَعِسَ تَعْسًا أيْ لا انْتَعَشَ مِن عَثْرَتِهِ ونُكْسًا بِضَمِّ النُّونِ وقَدْ تُفْتَحُ إمّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ وإمّا اتِّباعًا لِتَعْسًا، والنُّكْسُ بِالضَّمِّ عَوْدُ المَرَضِ بَعْدَ النَّقَهِ، ويُرادُ بِذَلِكَ الدُّعاءُ، وكَثُرَ في الدُّعاءِ عَلى العاثِرِ تَعْسًا لَهُ، وفي الدُّعاءِ لَهُ لَعا لَهُ أيِ انْتِعاشًا وإقامَةً، وأنْشَدُوا قَوْلَ الأعْشى يَصِفُ ناقَةً: كَلَفْتُ مَجْهُولَةَ نَفْسِي وشايَعَنِي هَمِّي عَلَيْها إذا ما آلَها لَمَعا بِذاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةٍ إذا عَثَرَتْ ∗∗∗ فالتَّعْسُ أوْلى لَها مِن أنْ أقُولَ لَعا وقالَ ثَعْلَبٌ وابْنُ السِّكِّيتِ أيْضًا: التَّعِسُ الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ مَجْمَعِ بْنِ هِلالٍ: تَقُولُ وقَدْ أفْرَدْتُها مِن حَلِيلِها ∗∗∗ تَعِسْتَ كَما أتْعَسْتَنِي يا مَجْمَعُ وفِي القامُوسِ التَّعْسُ الهَلاكُ والعِثارُ والسُّقُوطُ والشَّرُّ والبُعْدُ والِانْحِطاطُ والفِعْلُ كَمَنِعَ وسَمِعَ أوْ إذا خاطَبْتَ قُلْتَ: تَعِسْتُ كَمَنِعَ وإذا حَكَيْتَ قُلْتَ: تَعِسَ كَسَمِعَ، ويُقالُ: تَعَسَهُ اللَّهُ تَعالى وأتْعَسَهُ ورَجُلٌ تاعِسٌ وتَعِسٌ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ يَجِبُ إضْمارُهُ لِأنَّهُ لِلدُّعاءِ كَسُقْيًا ورَعْيًا فَيَجْرِي مَجْرى الأمْثالِ إذا قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ، والجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ لِلتَّبْيِينِ عِنْدَ كَثِيرٍ أيْ أعْنِي لَهُ مَثَلًا فَنَحْوَ تَعِسًا لَهُ جُمْلَتانِ.
وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ كَلامٌ واحِدٌ، ولِابْنِ هِشامٍ كَلامٌ في هَذا الجارِّ مَذْكُورٌ في بَحْثِ لامِ التَّبْيِينِ فَلْيُنْظَرْ هُناكَ.
واخْتَلَفَتِ العِباراتُ في تَفْسِيرِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ بُعْدًا لَهم وابْنُ جُرَيْجٍ والسُّدِّيُّ أيْ حُزْنًا لَهُمْ، والحَسَنُ أيْ شَتْمًا لَهُمْ، وابْنُ زَيْدٍ أيْ شَقاءٌ لَهُمْ، والضَّحّاكُ أيْ رَغْمًا لَهُمْ، وحَكى النِّقّاشُ تَفْسِيرَهُ بِقُبْحًا لَهُمْ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ عُثُورًا وانْحِطاطًا لَهُمْ، وما ألْطَفَ ذِكْرَ ذَلِكَ في حَقِّهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُرِيدُ في الدُّنْيا القَتْلَ وفي الآخِرَةِ التَّرَدِّيَ في النّارِ، وأكْثَرُ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ في إعْرابِهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ كَما تَقَدَّمَ.
والثّانِي مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْ فَقَضى تَعْسًا لَهُمْ، وقَدَّرَ عَلى الأوَّلِ القَوْلَ أيْ فَقالَ: تَعْسًا لَهُمْ، والَّذِي دَعاهُ لِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ جَعْلُ ( الَّذِينَ ) مُبْتَدَأً والجُمْلَةِ المَقْرُونَةِ بِالفاءِ خَبَرًا لَهُ وهي لِإنْشاءِ الدُّعاءِ.
والإنْشاءُ لا يَقَعُ خَبَرًا بِدُونِ تَأْوِيلٍ، فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مَعَها قَوْلٌ أوْ تُجْعَلَ خَبَرًا بِتَقْدِيرِ قَضى، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ عَطْفًا عَلى ما قُدِّرَ.
وفِي الكَشْفِ المُرادُ مِن قالَ: تَعْسًا لَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ لا أنَّ ثَمَّ دُعاءً وقَوْلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَدَّعِي عَلى شَخْصٍ إلّا وهو مُسْتَحِقٌّ لَهُ فَإذا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِ دَلَّ عَلى تَحَقُّقِ الهَلاكِ لا سِيَّما وظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ الدُّعاءَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا مَجازٌ عَلى مَجازٍ أعْنِي أنَّ القَوْلَ مَجازٌ وكَذَلِكَ الدُّعاءُ بِالتَّعْسِ، ولَمْ يُجْعَلِ العَطْفُ عَلى تَعْسًا لِأنَّهُ دُعاءٌ، ( وأضَلَّ ) إخْبارٌ، ولَوْ جُعِلَ دُعاءً أيْضًا عَطْفًا عَلى تَعْسًا عَلى التَّجَوُّزِ المَذْكُورِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اعْتِبارَ ما اعْتَبَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ لِأجْلِ أمْرِ العَطْفِ فَقَطْ بَلْ لِأجْلِ أمْرِ الخَبَرِيَّةِ أيْضًا، فَإنْ قِيلَ بِصِحَّةِ الأخْبارِ بِالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ اسْتَغْنى عَمّا قالَهُ بِالكُلِّيَّةِ، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ النّاصِبُ- لِتَعْسًا- أيْ أتْعَسَ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ تَعِسَ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا تَعْسًا لِما سَمِعْتُ عَنِ القامُوسِ وقَدْ حُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، والفاءُ زائِدَةٌ في الكَلامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ ويَزِيدُها العَرَبُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى تَوَهُّمِ الشَّرْطِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ الفِعْلُ مُضارِعًا مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُثَبِّتُ ﴾ أيْ ويُتْعِسُ الَّذِينَ إلَخْ.
والفاءُ لِلْعَطْفِ فالمُرادُ إتْعاسٌ بَعْدَ إتْعاسٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ أوْ لِأنَّ حَقَّ المُفَسِّرِ أنْ يَذْكُرَ عَقِبَ المُفَسَّرِ كالتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ، وفِيهِ مَقالٌ.
<div class="verse-tafsir"
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ يعني: اضربوا الرقاب، صار نصباً بالأمر، ومعناه اضربوا الأعناق ضرباً.
وروى وكيع، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن النبيّ أنَّه قَالَ: «إِنّي لَمْ أُبْعَثُ لأُعَذِّبَ بِعَذَابِ الله، وَإِنَّمَا بُعثْتُ بِضَرْبِ الرِّقَابِ، وَشَدِّ الوَثَاقِ» حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ يعني: حتى إذا قهرتموهم وأسرتموهم، فشدوا الوثاق يعني: فاستوثقوا أيديهم من خلفهم.
ويقال الإثخان: أن يعطوا أيديهم، ويستسلموا وقال الزجاج حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ يعني: أكثرتم فيهم القتل والأسر بعد المبالغة في القتل.
وقال مقاتل: حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوُهم بالسيف، فظفرتم عليهم فَشُدُّوا الْوَثاقَ يعني: الأسر.
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ يعني: عتقاً بعد الأسر، بغير فداء وَإِمَّا فِداءً يعني: يفادي نفسه بماله.
وروي عن إبراهيم النخعي، أنه قال: الإمام بالخيار في الأسرى، إن شاء فادى، وإن شاء قتل وإن شاء استرق.
وروي عن أبي بكر الصديق، ، أنه قال: لا أفادي، وإن طلبوا بمدين من ذهب، وذكر عن أبي بكر، أنه كتب إليه في أسير، التمسوا منه الفداء.
فقال: اقتلوه، لأَنْ أقتل رجلاً من المشركين أحب إليَّ من كذا وكذا.
قال أبو الليث: وقد كره بعض الناس قتل الأسير، واحتج بظاهر هذه الآية فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً وقال أَصْحَابُنَا: لا بأس بقتله، بالخبر الذي روي عن أبي بكر م.
وروي عن ابن جريج، وغيره من أهل التفسير، أن هذه الآية منسوخة بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] ، وقد قتل النبي ابن خطل يوم فتح مكة، بعد ما وقع في منعة المسلمين، فهو كالأسير، وأما الفداء: فإن فادوا بأسير من المسلمين، فلا بأس به.
كما قال إبراهيم النخعي: إن شاء فادى بالأسير، وإن أراد أن يفتدى بمال، لا يجوز إلا عند الضرورة، لأن في رد الأسير إلى دار الحرب، قوة لهم في الحرب.
فكره ذلك، كما يكره أن يحمل إليهم السلاح.
للبيع.
ثم قال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها روي عن ابن عباس، أنه قال: حتى تترك الكفار إشراكها، ويوحدوا الرب تبارك وتعالى، حتى لا يبقى إلا مسلم يعني: في ذمة المسلمين، الذين يعطون الجزية، وعن سعيد بن جبير قال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها قال خروج عيسى ، يكسر الصليب، فيلقى الذئب الغنم، فلا يأخذها، ولا تكون عداوة بين اثنين، وهكذا قال مجاهد، وقال مقاتل حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها يعني: في مكان يقاتل سَمَّاهُم حرباً.
وقال القتبي: حتى تضع الحرب، يعني: حتى يضع أهل الحرب السلاح.
ثم قال عز وجل: ذلِكَ يعني: افعلوا ذلك، ثم استأنف فقال وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ بغير قتال، يعني: يهلكهم وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ يعني: لم يهلكهم، لكي يختبرهم بالقتال، حتى يتبين فضلهم، ويستوجبوا الثواب.
ثم قال: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: جاهدوا عدوهم في طاعة الله تعالى.
فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: لن يبطل ثواب أعمالهم.
قرأ أبو عمرو (قُتِلُوا) بضم القاف بغير ألف، وهكذا روي عن عاصم في إحدى الروايتين، يعني: الذين قتلوا يوم أحد، ويوم بدر وفي سائر الحروب.
وقرأ الباقون وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بالنصب، يعني: جاهدوا الكفار وحاربوهم.
ثم قال سَيَهْدِيهِمْ يعني: يجنبهم من أهوال الآخرة.
ويقال: سيهديهم، يعني: يثبتهم على الهدى وَيُصْلِحُ بالَهُمْ وقد ذكرناه وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ في الآخرة عَرَّفَها لَهُمْ يعني: هداهم الله تعالى إلى منازلهم.
وروى أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ أنه قال: «إِذَا أُذِنَ لأهْلِ الجَنَّةِ فِي دُخُولِهَا لأَحَدهم أَهْدَى أي: أعرف بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّةِ، من منزله الَّذِي كَانَ فِي الدُّنَّيَا» وعن ابن مسعود، أنه قال: ما أشبههم إلاَّ أهل الجمعة، حين انصرفوا من جمعتهم.
يعني: إن كل واحد منهم، يهتدي إلى منزله.
وقال الزجاج في قوله: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ أي: يصلح لهم أمر معايشهم في الدنيا، مع ما يجازيهم في الآخرة.
وهذا كما قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (11) [نوح: 10، 11] الآية.
ويقال: عَرَّفَها لَهُمْ أي طيبها لهم.
يقال: طعام معرف أي: مطيب.
ثم حث المؤمنين على الجهاد.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ مُحَمَّدٍ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ ﴾ .
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ وَصَدُّوا ﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ .
﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ القَتْلَ ﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ.
و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ.
ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.
وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ.
وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ.
والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.
وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ مُحَمَّدٍ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ ﴾ الآيَةُ: إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ دُخُولِ النَبِيِّ فِيها عامَ الفَتْحِ أو سَنَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وما كانَ مِثْلَ هَذا فَهو مَعْدُودٌ في المَدَنِيِّ؛ لِأنَّ المُراعى في ذَلِكَ إنَّما هو ما كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ أو بَعْدَها.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، إشارَةٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ أخْرَجُوا رَسُولَ اللهِ ، وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، إشارَةٌ إلى الأنْصارِ أهْلِ المَدِينَةِ الَّذِينَ آوَوْهُ، وفي الطائِفَتَيْنِ نَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
ثُمَّ هي بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ ألْفاظِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الفِعْلَ المُجاوِزَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وصَدُّوا غَيْرَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، فَيَكُونُ المَعْنى: وصَدُّوا أنْفُسَهُمْ، و"سَبِيلِ اللهِ": شَرْعُهُ وطَرِيقُهُ الَّذِي دَعا إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أتْلَفَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها غايَةَ خَيْرٍ ولا نَفْعًا، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ، وأنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ هي إلى الإنْفاقِ الَّذِي أنْفَقُوهُ في سَفْرَتِهِمْ إلى بَدْرٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأعْمالِ أعْمالُهُمُ البَرَّةُ في الجاهِلِيَّةِ، مِن صِلَةِ رَحِمٍ ونَحْوِهِ، واللَفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.
وقَرَأ الناسُ: "نُزِّلَ" بِضَمِّ النُونِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنْزَلَ" مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: حالُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أمَرَهُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: شَأْنُهُمْ، وتَحْرِيرُ التَفْسِيرِ في اللَفْظَةِ أنَّها بِمَعْنى الفِكْرِ والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ نَظَرُ الإنْسانِ وهو القَلْبُ، فَإذا صَلَحَ ذَلِكَ صَلُحَتْ حالُهُ، فَكَأنَّ اللَفْظَةَ مُشِيرَةٌ إلى صَلاحِ عَقِيدَتِهِمْ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحالِ تابِعٌ، فَقَوْلُكَ: "خَطَرَ في بالِي كَذا" وقَوْلُكَ: "أصْلَحَ اللهُ بالَكَ"، المُرادُ بِهِما واحِدٌ، ذَكَرَهُ المَبَرِّدُ، و"البالُ": مَصْدَرٌ كالحالِ والشَأْنِ، ولا يُسْتَعْمَلُ مِنها فِعْلٌ، وكَذَلِكَ عُرْفُهُ أنْ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقَدْ جاءَ مَجْمُوعًا لَكِنَّهُ شاذٌّ؛ فَإنَّهم قالُوا: بِآلاتٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى الأتْباعِ المَذْكُورِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: كَما اتَّبَعُوا عَلى هَذَيْنَ السَبِيلَيْنِ كَذَلِكَ يَبِينُ أمْرُ كُلِّ فِرْقَةٍ، ويَجْعَلُ لَها ضَرَبَها مِنَ القَوْلِ وصِنْفًا، وضَرْبُ المَثَلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرِيبِ والضَرْبُ الَّذِي هو بِمَعْنى النَوْعِ.
<div class="verse-tafsir"
لما ذكر أنه لو شاء الله لانتصر منهم عُلم منه أن ما أمر به المسلمين من قتال الكفار إنما أراد منه نصرَ الدين بخضد شوكة أعدائه الذين يصدون الناس عنه، أتبعه بالترغيب في نصر الله والوعد بتكفل الله لهم بالنصر إن نصروه، وبأنه خاذل الذين كفروا بسبب كراهيتهم ما شرعه من الدين.
فالجملة استئناف ابتدائي لهاته المناسبة.
وافتتح الترغيب بندائهم بصلة الإيمان اهتماماً بالكلام وإيماء إلى أن الإيماء يقتضي منهم ذلك، والمقصود تحريضهم على الجهاد في المستقبل بعد أن اجتنوا فائدته مشاهدة يوم بدر.
ومعنى نصرهم الله: نصرُ دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن الله غني عن النصر في تنفيذ إرادته كما قال: ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ [محمد: 4].
ولا حاجة إلى تقدير مضاف بين ﴿ تنصروا ﴾ واسم الجلالة تقديره: دين الله، لأنه يقال: نصر فلان فلاناً، إذا نصر ذويه وهو غير حَاضر.
وجيء في الشرط بحرف ﴿ إنْ ﴾ الذي الأصل فيه عدم الجزم بوقوع الشرط للإشارة إلى مشقة الشرط وشدته ليُجعل المطلوبُ به كالذي يشك في وفائه به.
وتثبيت الأقدام: تمثيل لليقين وعدم الوهن بحالة من ثبتت قدمه في الأرض فلم يَزِل، فإن الزلل وهَن يسقط صاحبه، ولذلك يمثَّل الانهزام والخيبة والخطأ بزلل القدم قال تعالى: ﴿ فتزل قدَم بعد ثبوتها ﴾ [النحل: 94].
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ مُحَمَّدٍ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةٍ حِينَ خَرَجَ (عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَكَّةَ جَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ ﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي كَفَرُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ.
﴿ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ اللَّهِ وهو الإسْلامُ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ يَمْنَعُ قاصِدِيهِ إذا عَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِمُ الإسْلامَ أنْ يَدْخُلُوا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أحْبَطَ ما فَعَلُوهُ مِنَ الخَيْرِ بِما أقامُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
الثّانِي: أبْطَلَ ما أنْفَقُوا بِبَدْرٍ لَمّا نالَهم مِنَ القَتْلِ.
الثّالِثُ: أضَلَّهم عَنِ الهُدى بِما صَرَفَهم عَنِ التَّوْفِيقِ.
وَحَكى مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن كُفّارِ مَكَّةَ، ذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهم أبُو جَهْلٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ومُنَبِّهٌ ونَبِيهٌ ابْنا الحَجّاجِ وأبُو البَخْتَرِيِّ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ خاصَّةً في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُواساةُ بِمَساكِنِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُمُ الأنْصارُ.
الثّانِي: الهِجْرَةُ وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهم قُرَيْشٌ.
﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ أيْ آمَنُوا بِمُحَمٍّدٍ وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ.
﴿ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إيمانَهم هو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ.
الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ هو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ.
﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَتَرَها عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: غَفَرَها بِإيمانِهِمْ.
﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أصْلَحَ شَأْنَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أصْلَحَ حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أصْلَحَ أمْرَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ وهي مُتَأوِّلَةٌ عَلى إصْلاحِ ما تَعَلَّقَ بِدُنْياهم.
الرّابِعُ: أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ.
حَكاهُ النَّقّاشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ فَإنْ تَقْبَلِي بِالوِدِّ أقْبَلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالٍ بالِيا وَهُوَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَحْمُولٌ عَلى إصْلاحِ دِينِهِمْ، والبالُ لا يُجْمَعُ لِأنَّهُ أبْهَمُ إخْوانِهِ مِنَ الشَّأْنِ والحالِ والأمْرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الباطِلَ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: إبْلِيسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وسُمِّيَ بِالباطِلِ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى الباطِلِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الهَوى.
﴿ وَأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اتَّبَعُوا الرَّسُولَ، لِأنَّهُ دَعاهم إلى الحَقِّ وهو الإسْلامُ.
الثّانِي: يَعْنِي القُرْآنَ سُمِّيَ حَقًّا لِمَجِيئِهِ بِالحَقِّ.
﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ قالَ يَحْيى: صِفاتُ أعْمالِهِمْ، وفي النّاسِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ قال: مشركي العرب، يقول ﴿ فضرب الرقاب ﴾ قال: حتى يقولوا لا إله إلا الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ﴾ قال: لا تأسروهم ولا تفادوهم حتى تثخنوهم بالسيف.
وأخرج النحاس عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالخيار في الأسرى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: هذا منسوخ نسختها ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ﴾ [ التوبة: 5] .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ قال: فرخص لهم أن يمنوا على من شاؤوا منهم، نسخ الله ذلك بعد في براءة فقال: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 51] .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ قال: كان المسلمون إذا لقوا المشركين قاتلوهم، فإذا أسروا منهم أسيراً فليس لهم إلا أن يفادوه أو يمنوا عليه، ثم نسخ ذلك بعد ﴿ فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ﴾ [ الأنفال: 57] .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك ومجاهد في قوله: ﴿ فإما منّاً ﴾ قالا: نسختها ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى رجلين من أصحابه برجلين من المشركين أسروا.
وأخرج عبد بن حميد عن أشعث قال: سألت الحسن وعطاء عن قوله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ قال: أحدهما يمن عليه أولا يفادى وقال الآخر: يصنع كما يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم يمن عليه أولا يفادى.
وأخرج ابن جرير ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: أتى الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً يقتله فقال ابن عمر: ليست بهذا أمرنا إنما قال الله: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما أعتق ولد زنية وقال: قد أمرنا الله ورسوله أن نمنَّ على من هو شر منه قال الله: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه عن ليث رضي الله عنه قال: قلت لمجاهد: بلغنى أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يحل قتل الأسارى لأن الله تعالى قال: ﴿ فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ فقال مجاهد: لا تعبأ بهذا شيئاً أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ينكر هذا، ويقول: هذه منسوخة، إنما كانت في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، فأما اليوم فلا يقول الله: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ ويقول ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ فإن كانوا من مشركي العرب لم يقبل منهم شيء إلا الإِسلام فإن لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استحيوهم وإن شاؤوا فادوهم إذا لم يتحوّلوا عن دينهم فإن أظهروا الإِسلام لم يفادوا ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصغير والمرأة والشيخ الفاني.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: نسخت ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] ما كان قبل ذلك من فداء أو مَنّ.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عطاء رضي الله عنه أنه كان يكره قتل أهل الشرك صبراً ويتلو ﴿ فشدوا الوثاق فإما منّاً بعدُ وإما فداء ﴾ ثم نسختها ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ ونزلت زعموا في العرب خاصة وقتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط يوم بدر صبراً.
وأخرج عبد الرزاق عن أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الوصفاء والعسفاء.
وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان إلا من عدا منهم بالسيف.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن القاسم بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فطلبوا رجلاً فصعد شجرة فأحرقوها بالنار فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه بذلك فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني لم أبعث أعذب بعذاب الله، إنّما بضرب الرقاب وشد الوثاق» .
أما قوله تعالى: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى لا يكون شرك.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى يعبد الله ولا يشرك به.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: حتى يخرج عيسى ابن مريم عليه السلام فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب ولا تقرض فأرة جراباً، وتذهب العداوة من الناس كلها، ذلك ظهور الإِسلام على الدين كله، وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دماً إذا وضعها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماماً مهدياً وحكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وتوضع الجزية وتضع الحرب أوزارها» .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ قال: خروج عيسى ابن مريم عليه السلام.
وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي والبغوي والطبراني وابن مردويه «عن سلمة بن نفيل رضي الله عنه قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله: إن الخيل قد سُيبت وَوُضِعَ السلاحُ وزعم أقوام أن لا قتال وأنْ قد وضعت الحرب أوزارها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبوا فالآن جاء القتال، ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله لا يضرهم من خالفهم يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منهم ويقاتلون حتى تقوم الساعة، ولا تزال الخيل معقوداً في نواصيها الخير، حتى تقوم الساعة، ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج» .
وأخرج ابن أبي حاتم «عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: فتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتح فقلت يا رسول الله اليوم ألقى الإِسلام بجرانه، ووضعت الحرب أوزارها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالاً؟
ستاً أولهن موتي ثم فتح بيت المقدس ثم فئتان من أمتي دعواهم واحدة يقتل بعضهم بعضاً ويفيض المال حتى يعطي الرجل المائة دينار فيتسخط وموت يكون كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات الشهر وفي الشهر كنبات السنة، فيرغب فيه قومه فيملكونه يقولون نرجو أن يربك علينا ملكنا فيجمع جمعاً عظيماً ثم يسير حتى يكون فيما بين العريش وأنطاكية، وأميركم يومئذ نعم الأمير فيقول لأصحابه: ما ترون فيقولون نقاتلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم فيقول لا أرى ذلك نحرز ذرارينا وعيالنا ونخلي بينهم وبين الأرض ثم نغزوهم وقد أحرزنا ذرارينا فيسيرون فيخلون بينهم وبين أرضهم حتى يأتوا مدينتي هذه فيستهدون أهل الإِسلام فيهدونهم ثم يقول لا ينتدبن معي إلا من يهب نفسه لله حتى نلقاهم فنقاتل حتى يحكم الله بيني وبينهم فينتدب معه سبعون ألفاً ويزيدون على ذلك فيقول حسبي سبعون ألفاً لا تحملهم الأرض وفيهم عين لعدوّهم فيأتيهم فيخبرهم بالذي كان، فيسيرون إليهم حتى إذا التقوا سألوا أن يخلي بينهم وبين من كان بينهم وبينه نسب فيدعونهم فيقولون ما ترون فيما يقولون فيقول: ما أنتم بأحق بقتالهم ولا أبعد منهم، فيقول: فعندكم فأكسروا أغمادكم فيسل الله سيفه عليهم فيقتل منهم الثلثان، ويقر في السفن الثلث، وصاحبهم فيهم، حتى إذا تراءت لهم جبالهم بعث الله عليهم ريحاً فردتهم إلى مراسيهم من الشام فأخِذوا فَذُبِحوا عند أرجل سفنهم عند الساحل، فيومئذ تضع الحرب أوزارها» .
أما قوله تعالى: ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ قال: أي والله بجنوده الكثيرة كل خلقه له جند فلو سلط أضعف خلقه لكان له جنداً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ذلك ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ قال: لأرسل عليهم ملكاً فدمر عليهم، وفي قوله: ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ قال: نزلت فيمن قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ والذين قاتلوا ﴾ بالألف.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ الآية.
قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في يوم أُحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذ: أعلُ هُبَل، ونادى المسلمون الله أعلى وأجل، ففادى المشركون يوم بيوم بدر، وإن الحرب سجال لنا عُزّى ولا عُزّى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم إن القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ قال: يهدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ عرفها لهم ﴾ قال: عرفهم منازلهم فيها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ قال: بلغنا أن الملك الذي كان وُكّلَ بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ قال الكلبي: يعني: كفار قريش (١) (٢) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ ﴾ يعم المؤمنين كلهم، كذلك ما بعده من حكم الكفار، ومعنى التَّعْس في اللغة: قال النضر: التعس: الهلاك.
وتعس: هلك (٣) وقال أبو الهيثم: تعس يتعس معناه: انكب وعثر فسقط على يديه، وأتعسه الله (٤) وقال أبو إسحاق: التعس في اللغة: الانحطاط والعثور (٥) وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة: تعسه الله وأتعسه في باب فعَلت وأفعلت بمعنى واحد، قال شمر: لا أعرف: تعسه الله، ولكن يقال: تعس بنفسه وأتعسه الله، وذكر عن الفراء قال: يقال تَعَسْتَ، إذا خاطبت الرجل.
فإذا صرت إلى أن تقول فَعَل قلت: تعِس بكسرالعين، قال شمر: وهكذا سمعته في حديث عائشة: تعس مسطح (٦) (٧) (٨) فالتَّعْسُ أَدْنَى لهَا من أنْ أَقول لَعَا (٩) قال: ولا يجوز تعس، ولو جاز لقال: فالتعس أدنى لها، هذا قول أهل اللغة في تفسير التعس وتعريفه.
وأما المفسرون، فقال ابن عباس: يريد في الدنيا العثرة وفي الآخرة التردي في النار (١٠) وقال مقاتل: فنكسًا لهم.
قال: ويقال: فخيبة لهم (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال ابن جرير: فخزياً وبلاء (١٥) (١٦) وأما إعراب الآية ونظمها فقال أبو إسحاق: (الذين) في موضع رفع على الابتداء ويكون: (فتعسًا لهم) الخبر (١٧) ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ وإنما جاء بالفاء في الجواب؛ لأن ذلك لم يوجبه عليهم إلا بشريطة الكفر، وهذا الذي قال صاحب النظم قد تقدم شرحُه في مواضع، منها قوله: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ ﴾ ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ ﴾ وانتصب (تعسًا) على الدعاء كما تقول: سقياً له ورعياً، على معنى: سقاه الله سقياً، ورعاه رعياً، كذلك هاهنا تعسهم الله تعساً على قول أبي عبيدة وعلى قول غيره: أتعسهم الله فتعسوا تعساً (١٨) ﴿ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ على ﴿ فَتَعْسًا ﴾ لأن التقدير: فأتعسهم الله وأضل أعمالهم، قاله الفراء (١٩) (١) قال في "تنوير المقباس": (أبطل حسناتهم ونفقاتهم يوم بدر) ص 507.
(٢) أخرج الطبري عن قتادة قال: هي عامة للكفار 13/ 46.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 78.
(٤) انظر: "اللسان" (تعس) 6/ 32.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 8.
(٦) أخرج ذلك البخاري عن عائشة ا.
انظر: "صحيح البخاري"، كتاب التفسير باب 25، ومن سورة النور 5/ 332.
(٧) نص الحديث عند البخاري عن أبي هريرة - -، قال: قال رسول الله - -: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ..).
انظر: "صحيح البخاري" كتاب الجهاد والسير، باب 70، الحراسة في الغزو في سبيل الله 3/ 222.
(٨) انظر: هذا النص من قوله: روى أبو عبيد عن أبي عبيدة في "تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 78 وانظر: "اللسان" (تعس) 6/ 32.
(٩) انظر: "ديوان الأعشى" ص 105، و"تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 79، "اللسان" (تعس) 6/ 32، والكشاف 3/ 454، وقال في مشاهد الإنصاف: يقال للعاثر لعا لك، دعاء له بالانتعاش وتعسًا لك دعاء عليه بالسقوط، يريد أنها لا تعثر ولو عثرت فالدعاء عليها أحق بها من الدعاء لها.
انظر: "مثساهد الإنصاف على شواهد الكشاف" ص 76.
(١٠) ذكر ذلك أبو حيان في البحر منسوبًا لابن عباس لكن بلفظ: (في الدنيا القتل ..).
انظر: البحر المحيط 8/ 76، وذكره البغوي في "تفسيره" ولم ينسبه.
انظر: "تفسيره" 7/ 281، ونسبه الزمخشري لابن عباس لكن بلفظ: (في الدنيا القتل وفي الآخرة التردد في النار).
انظر: "الكشاف" 3/ 454.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 45.
(١٢) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 281، والقرطبي في "الجامع" 16/ 232.
(١٣) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 281.
(١٤) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 281، والقرطبي في "الجامع" 16/ 232.
(١٥) انظر: "جامع البيان" للطبري 13/ 45.
(١٦) لم أقف على هذا القول.
(١٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 8.
(١٨) انظر: "تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 79، "الدر المصون" 6/ 148.
(١٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 58.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَعْساً لَّهُمْ ﴾ أي عثاراً وهلاكاً.
وانتصابه على المصدرية، والعامل فيه فعل مضمر، وعلى هذا عَطَفَ وأضلَّ أعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: هم أهل مكة.
والأشبه أن تكون الآية في كفار المدينة وهم أهل الكتاب؛ لأن السورة مدنية؛ على ما قال بعض أهل التأويل، لكن جائز أن يكون كما قال أهل التأويل بأنها نزلت في كفار [مكة]؛ لأن هذه السورة ذكرت على أثر خبرهم وعقيب نبئهم في سورة الأحقاف.
ثم إن كانت الآية في كفار المدينة وأهل الكتاب فيكون يحتمل: الذين كفروا بمحمد - وما أنزل عليه ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل إيمانهم الذي كان لهم بسائر الأنبياء وبمحمد ؛ لأنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - والله أعلم -: قد أبطل إيمانهم الذي كان منهم قبل ذلك بما كفروا بعدما بعث.
وإن كانت الآية في كفار مكة على ما قال أكثرهم؛ فيكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بوحدانية الله - - أو كفروا بمحمد وبما أنزل عليه، أو كفروا بالبعث، ونحو ذلك ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل حسناتهم التي كانت لهم في حال كفرهم؛ من نحو الصدقات، وصلة الأرحام، وفك الرقاب، وغير ذلك من الأعمال التي كانوا يتقربون بها - والله أعلم - قد أبطل أعمالهم التي كانوا يتقربون بها ويرونها قربة عند الله.
أو يقول: قد أبطل عبادتهم التي كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها لتقربهم عبادتهم إلى الله زلفى؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: قد أبطل ذلك ولم يكن على ما رجوا وطمعوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل أن صدوا بأنفسهم؛ أي: أعرضوا عن سبيل الله؛ على ما ذكر عنهم.
ويحتمل: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: صدوا الناس عن سبيل الله، وقد كان منهم الأمران جميعاً ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل؛ يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غلب فلم يتبين.
﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾ يقول: والذين آمنوا بالله وبمحمد ، وآمنوا بما نزل عليه، وثبتوا على ذلك - لهم يضل أعمالهم، ولم يبطل إيمانهم الذي كان منهم؛ بل يكفر سيئاتهم التي كانت منهم من الكفر وغيره من السيئات.
أو يقول: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾ ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ وهو الكفر والمساوي التي كانت لهم من الكفر؛ كقوله - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ إن كانت الآية في مؤمني ومشركي العرب وأهل مكة فيكون قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ : الشرك والمساوي التي كانت لهم في حال الكفر، وإن كان في مؤمني أهل الكتاب، فيكون قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ في حال إيمانهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: آمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم نزل، وكل شيء من الله فهو الحق.
والثاني: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ أي: وهو الصدق من ربهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ أي: حالهم وشأنهم فيما كان من قبل وفيما بعده.
ثم أخبر أن الذي أبطل أعمالهم لأولئك الكفرة وما ذكر، وثبت الذين آمنوا ولم يبطل أعمالهم وما ذكر من إصلاح حالهم هو ما قال ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ ﴾ يحتمل: الباطل: الشيطان، أو هوى النفس، أو كل باطل، وهو الذي يذمّ عليه فاعله ومتبعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ يقول: لهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الباطل، ولهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ﴾ أي: مثل الذي بين ما لهؤلاء وما لهؤلاء، يبين ما لكل متبع الباطل ومتبع الحق، وضرب المثل هو أن يبين لهم ما خفي وأثبته عليهم بالذي ظهر عندهم وتقرر وتجلى لهم؛ ليصير الذي خفي عليهم وأثبته ظاهراً متجلياً.
<div class="verse-tafsir"
والذين كفروا بالله وبرسوله فلهم الخسران والهلاك، وأبطل الله ثواب أعمالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.EXDjk"