الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ١٤ من سورة الفتح
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 29 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٤ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السماوات والأرض : ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما ) أي : لمن تاب إليه وأناب ، وخضع لديه .
وقوله ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول تعالى ذكره: ولله سلطان السموات والأرض, فلا أحد يقدر أيها المنافقون على دفعه عما أراد بكم من تعذيب على نفاقكم إن أصررتم عليه أو منعه من عفوه عنكم إن عفا, إن أنتم تبتم من نفاقكم وكفركم, وهذا من الله جلّ ثناؤه حثّ لهؤلاء الأعراب المتخلفين عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على التوبة والمراجعة إلى أمر الله في طاعة رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, يقول لهم: بادروا بالتوبة من تخلفكم عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فإن الله يغفر للتائبين ( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) يقول: ولم يزل الله ذا عفو عن عقوبة التائبين إليه من ذنوبهم ومعاصيهم من عباده, وذا رحمة بهم أن يعاقبهم على ذنوبهم بعد توبتهم منها.
قوله تعالى : ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما .أي هو غني عن عباده ، وإنما ابتلاهم بالتكليف ليثيب من آمن ويعاقب من كفر وعصى .
أي: هو تعالى المنفرد بملك السماوات والأرض، يتصرف فيهما بما يشاء من الأحكام القدرية، والأحكام الشرعية، والأحكام الجزائية، ولهذا ذكر حكم الجزاء المرتب على الأحكام الشرعية، فقال: { يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ } وهو من قام بما أمره الله به { وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } ممن تهاون بأمر الله، { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } أي: وصفه اللازم الذي لا ينفك عنه المغفرة والرحمة، فلا يزال في جميع الأوقات يغفر للمذنبين، ويتجاوز عن الخطائين، ويتقبل توبة التائبين، وينزل خيره المدرار، آناء الليل والنهار.
" ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفوراً رحيماً ".
«ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذِّب من يشاء وكان الله غفورا رحيما» أي لم يزل متصفا بما ذكر.
ولله ملك السموات والأرض وما فيهما، يتجاوز برحمته عمن يشاء فيستر ذنبه، ويعذِّب بعدله من يشاء.
وكان الله سبحانه وتعالى غفورًا لمن تاب إليه، رحيمًا به.
ثم بين - سبحانه - أنه هو المالك لكل شئ فقال : ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوت والأرض ) خَلقا وتصرفا ( يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ) أن يغفر له ( وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ) أن يعذبه .( وَكَانَ ) - سبحانه - وما زال ( غَفُوراً ) أى : واسع المغفرة ( رَّحِيماً ) أى : واسع الرحمة .
بعد ما ذكر من له أجر عظيم من المبايعين ومن له عذاب أليم من الظانين الضالين، أشار إلى أنه يغفر للأولين بمشيئته ويعذب الآخرين بمشيئته، وغفرانه ورحمته أعم وأشمل وأتم وأكمل، وقوله تعالى: ﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ يفيد عظمة الأمرين جميعاً لأن من عظم ملكه يكون أجره وهبته في غاية العظم وعذابه وعقوبته كذلك في غاية النكال والألم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والارض ﴾ يدبره تدبير قادر حكيم، فيغفر ويعذب بمشيئته، ومشيئته تابعة لحكمته، وحكمته المغفرة للتائب وتعذيب المصر ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ رحمته سابقة لغضبه، حيث يكفر السيئات باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا ﴾ وضَعَ الكافِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إيذانًا بِأنَّ مَن لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَهو كافِرٌ وأنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ لِلسَّعِيرِ بِكُفْرِهِ، وتَنْكِيرُ سَعِيرًا لِلتَّهْوِيلِ أوْ لِأنَّها نارٌ مَخْصُوصَةٌ.
﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يُدَبِّرُهُ كَيْفَ يَشاءُ.
﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ إذْ لا وُجُوبَ عَلَيْهِ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فَإنَّ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ مِن ذاتِهِ والتَّعْذِيبَ داخِلٌ تَحْتَ قَضائِهِ بِالعَرْضِ، ولِذَلِكَ جاءَ فِي الحَدِيثِ الإلَهِيِّ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي».» <div class="verse-tafsir"
{وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض} يدبره تدبير قادر حكيم {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} يغفر ويعذب بمشيئته وحكمته وحكمته المغفرة للمؤمنين والتعذيب للكافرين {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} سبقت رحمته غضبه
﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَهو عَزَّ وجَلَّ المُتَصَرِّفُ في الكُلِّ كَما يَشاءُ ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ﴿ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِن غُفْرانِهِ تَعالى وتَعْذِيبِهِ جَلَّ وعَلا وُجُودًا وعَدَمًا ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ لِمَن يَشاءُ ولا يَشاءُ سُبْحانَهُ إلّا لِمَن تَقْتَضِي الحِكْمَةُ المَغْفِرَةَ لَهُ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ سُبْحانَهُ ورَسُولِهِ وأمّا مَن عَداهُ مِنَ الكافِرِينَ المُجاهِرِينَ والمُنافِقِينَ فَهم بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ قَطْعًا وفي تَقْدِيمِ المَغْفِرَةِ والتَّذْيِيلِ بِكَوْنِهِ تَعالى غَفُورًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ وضَمِّ رَحِيمًا إلَيْهِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ أيْضًا دُونَ التَّذْيِيلِ بِما يُفِيدُ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مُعَذِّبًا مِمّا يَدُلُّ عَلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ ما فِيهِ.
وفِي الحَدِيثِ: «كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» وهَذا السَّبْقُ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ في أنْوارِ التَّنْزِيلِ ذاتِيٌّ وذَلِكَ لِأنَّ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ بِحَسَبِ الذّاتِ والتَّعْذِيبَ بِالعَرَضِ وتَبَعِيَّتِهِ لِلْقَضاءِ والعِصْيانِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ الخَيْرَ هو المَقْضِيُّ بِالذّاتِ والشَّرَّ بِالعَرَضِ إذْ لا يُوجَدُ شَرٌّ جُزْئِيٌّ إلّا وهو مُتَضَمِّنٌ لِخَيْرٍ كُلِّيٍّ، وفُصِّلَ ذَلِكَ في شَرْحِ الهَياكِلِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بِالسَّبْقِ في الحَدِيثِ كَثْرَةُ الرَّحْمَةِ وشُمُولُها وكَذا المُرادُ بِالغَلَبَةِ الواقِعَةِ في بَعْضِ الرِّواياتِ، وذَلِكَ نَظِيرُ ما يُقالُ: غَلَبَ عَلى فُلانٍ الكَرَمُ، ومَن جَعَلَ الرَّحْمَةَ والغَضَبَ مِن صِفاتِ الأفْعالِ لَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِ أمْرُ السَّبْقِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى جَعْلِهِ ذاتِيًّا كَما لا يَخْفى، والآيَةُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لِتَرْجِيَةِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ بَعْضَ التَّرْجِيَةِ إذا آمَنُوا حَقِيقَةً، وقِيلَ: لِحَسْمِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ في اسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ، وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ( مَن يَشاءُ ) الأوَّلَ بِالتّائِبِ والثّانِيَ بِالمُصِرِّ، ثُمَّ قالَ: يُكَفِّرُ سُبْحانَهُ السَّيِّئاتِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، ويَغْفِرُ الكَبائِرَ بِالتَّوْبَةِ وهو اعْتِزالٌ مِنهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، وقالَ الطِّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ ﴾ إلَخْ مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ الآيَةَ عَلى أنْ يُقَدِّرَ لَهُ ما يُقابِلُهُ مِن قَوْلِهِ ومَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعَتَدْنا لِلْمُؤْمِنِينَ الجِنانَ مَثَلًا فَلا يُقَيَّدُ شَيْءٌ مِمّا قَيَّدَهُ لِيُؤْذِنَ بِالتَّصَرُّفِ التّامِّ والمَشِيئَةِ النّافِذَةِ والغُفْرانِ الكامِلِ والرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يعني: يوم الحديبية تحت الشجرة، وهي بيعة الرضوان، قال الكلبي: بايعوا تحت الشجرة، وهي شجرة السَّمرة، وهم يومئذٍ ألف وخمسمائة وأربعون رجلاً.
وروى هشام عن محمد بن الحسن قال: كانت الشجرة أم غيلان.
إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يعني: كأنهم يبايعون الله، لأن النبيّ إنما بايعهم بأمر الله تعالى.
ويقال: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أي: لأجله، وطلب رضاه.
ثم قال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يعني: يد الله بالنصرة، والغلبة، والمغفرة، فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالطاعة.
وقال الزجاج: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يحتمل ثلاثة أوجه.
أحدها يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالوفاء، ويحتمل يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالثواب، فهذان وجهان جاءا في التفسير، ويحتمل أيضاً يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ في المِنَّة عليهم، وفي الهداية فوق أيديهم في الطاعة.
فَمَنْ نَكَثَ يعني: نقض العهد، والبيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ يعني: عقوبته على نَفْسِهِ.
وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ قرأ حفص: برفع الهاء.
أي: وفى بما عاهد عليه من البيعة، فيتم ذلك مع رسول الله يعني: أوفى بما عاهد الله عليه من البيعة، والتمام في ذلك مع رسول الله .
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً في الجنة.
قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر: فَسَنُؤْتِيهِ بالنون.
والباقون: بالياء.
وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.
يعني: سيؤتيه الله ثواباً عظيماً.
قوله تعالى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ وهم أسلم، وأشجع، وغفار، وذلك أن النبي حين خرج إلى مكة عام الحديبية، فاستتبعهم، وكانت منازلهم بين مكة والمدينة.
فقالوا فيما بينهم: نذهب معه إلى قوم جاءوه فقتلوا أصحابه، فقاتلهم، فاعتلوا عليه بالشغل، حتى رجع، فأخبر الله تعالى رسوله قبل ذلك، أنه إذا رجع إليهم استقبلوه بالعذر، وهم كاذبون.
فقال: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ يعني: الذين تخلفوا عن بيعة الحديبية شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا يعني: خفنا عليهم الضيعة، ولولا ذلك لخرجنا معك.
فَاسْتَغْفِرْ لَنا في التخلف.
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ يعني: من طلب الاستغفار وهم لا يبالون، أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تستغفر لهم.
قُلْ يا محمد فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: من يقدر أن يمنع عنكم من عذاب الله شيئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا يعني: قتلاً، أو هزيمة، أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً يعني: النصرة.
قرأ حمزة والكسائي ضَرًّا بضم الضاد، وهو سوء الحال والمرض، وما أشبه ذلك.
والباقون: بالنصب.
وهو ضد النفع.
اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير.
يعني: لا يقدر أحد على دفع الضر، ومنع النفع غير الله.
ثم استأنف الكلام فقال: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً يعني: عالماً بتخلفكم، ومرادكم.
قوله عز وجل: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ يعني: بل منعكم من السير معه، لأنكم ظننتم أن لن ينقلب الرسول وَالْمُؤْمِنُونَ من الحديبية إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ يعني: حُسِّن التخلف فى قلوبكم وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ يعني: حسبتم الظن القبيح وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً يعني: هلكى.
وروي عن ابن عباس أنه قال: البور في لغة أزد عمان: الشيء الفاسد.
والبور في كلام العرب: لا شيء.
يعني: أعمالهم بور أي: مبطلة.
قوله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: من لم يصدق بالله في السر، كما صدقه في العلانية فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً يعني: هيأنا لهم عذاب السعير.
قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض.
ويقال: ونفاذ الأمر في السموات والأرض.
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وهو فضل منه المغفرة، وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء على الذنب الصغير، وهو عدل منه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً بهم.
<div class="verse-tafsir"
وغيره: تعزّزوه بزاءين من العِزَّةِ «١» ، قال الجمهور: الضمير في تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفي تُسَبِّحُوهُ لله عز وجل، والبكرة: الغدوّ، والأصيل: العشيّ.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ: يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة، حين أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأهبة لقتال قريش، لِمَا بَلَغَهُ قتل عثمانَ بن عفانَ، رسولِهِ إليهم، وذلك قبل أن ينصرفَ من الحُدَيْبِيَّةِ، وكان في ألف وأربعمائة، وبايعهم صلّى الله عليه وسلّم على الصبر المتناهي في قتال العَدُوّ إلى أقصى الجهد حتى قال سَلَمَةُ بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الموت «٢» ، وقال عبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه: بايعنا رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم على أَلاَّ نَفِرّ «٣» ، والمبايعة في هذه الآية مُفَاعَلَةٌ من البيع لأنَّ اللَّه تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأَنَّ لهم الجنة، ومعنى إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أَنَّ صفقتهم إنما يمضيها ويمنح/ الثمن اللَّه تعالى.
ت: وهذا تفسير لا يَمَسُّ الآية، ولا بُدَّ، وقال الثعلبيُّ: «إنما يبايعون اللَّه» أي: أخذك البيعة عليهم عقد اللَّه عليهم، انتهى، وهذا تفسير حسن.
وقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ قال جمهور المتأولين: اليد بمعنى النعمة، إذْ نعمة اللَّه في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» : التي مَدُّوها لبيعتك، وقيل:
المعنى: قُوَّةُ اللَّه فوقَ قُوَاهُمْ في نصرك.
ت: وقال الثعلبيُّ: «يد اللَّه فوق أيديهم» أي: بالوفاء والعهد، وقيل:
بالثواب، وقيل: «يد اللَّه» : في المِنَّةِ عليهم «فوق أيديهم» : في الطاعة عند المبايعة، وهذا حَسَنٌ قريب من الأول.
وقوله تعالى: فَمَنْ نَكَثَ أي: فَمَنْ نقض هذا العهد، فإنما يجني على نفسه ومَنْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا أرادَ العُمْرَةَ اسْتَنْفَرَ مَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِن أهْلِ البَوادِي والأعْرابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، خَوْفًا مِن قَوْمِهِ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ بِصَدٍّ، فَتَثاقَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنهُمْ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: "سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ"، قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ [ابْنِ عَبّاسٍ]: وهم غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأشْجَعُ والدَّيْلُ وأسْلَمُ.
قالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: الدَّيْلُ في عَبْدِ القَيْسِ ساكِنُ الياءِ.
والدُّولُ مِن حَنِيفَةَ ساكِنُ الواوِ، والدُّئَلُ في كِنانَةَ رَهْطُ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ.
فَأمّا المُخَلَّفُونَ، فَإنَّهم تَخَلَّفُوا مَخافَةَ القَتْلِ.
﴿ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا ﴾ أيْ: خِفْنا عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ ﴿ فاسْتَغْفِرْ لَنا ﴾ أيِ: ادْعُ [اللَّهَ] أنْ يَغْفِرَ لَنا تَخَلُّفَنا عَنْكَ ﴿ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ: ما يُبالُونَ اسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: "ضُرًّا" بِضَمِّ الضّادِ؛ والباقُونَ: بِالفَتْحِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الضَّرُّ" بِالفَتْحِ: خِلافُ النَّفْعِ، وبِالضَّمِّ: سُوءُ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا لُغَتَيْنِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، وذَلِكَ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ تَخَلُّفَهم يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ، ويُعَجِّلُ لَهُمُ النَّفْعَ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إنْ أرادَ بِهِمْ شَيْئًا، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى دَفْعِهِ [عَنْهُمْ]، ﴿ بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ مِن تَخَلُّفِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ أنَّهم سَيَهْلَكُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ ﴾ أيْ: تَوَهَّمْتُمْ ﴿ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ ﴾ أيْ: لا يَرْجِعُونَ إلى المَدِينَةِ، لِاسْتِئْصالِ العَدُوِّ إيّاهُمْ، ﴿ وَزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكُمْ ﴾ وذَلِكَ مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [الفَرْقانِ: ١٨] .
<div class="verse-tafsir"
وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا فاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أو أرادَ بِكم نَفْعًا بَلْ كانَ اللهِ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾ ﴿ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ ومَن كانَ حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ القَبائِلِ، فَإنَّهم في خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ إلى عُمْرَتِهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ رَأوا أنَّهُ يَسْتَقْبِلُ عَدُوًّا عَظِيمًا مِن قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ وكِنانَةَ والقَبائِلِ المُجاوِرَةِ وهُمُ الأحابِيشُ، ولَمْ يَكُنْ تَمَكُّنُ إيمانِ أُولَئِكَ المُجاوِرِينَ لِلْمَدِينَةِ، فَقَعَدُوا عَنِ النَبِيِّ وتَخَلَّفُوا، وقالُوا: لَنْ يَرْجِعَ مُحَمَّدٌ ولا أصْحابُهُ مِن هَذِهِ السُفْرَةِ، فَفَضَحَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وأعْلَمَ مُحَمَّدًا بِقَوْلِهِمْ واعْتِذارِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، فَكانَ كَذَلِكَ، قالُوا: شَغَلَتْنا الأمْوالُ والأهْلُونَ فاسْتَغْفِرْ لَنا، وهَذا مِنهم خُبْثٌ وإبْطالٌ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قالَ الرُمّانِيُّ: لا يُقالُ أعْرابِيٌّ إلّا لِأهْلِ البَوادِي خاصَّةً.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ : قُلْ لَهُمْ: ﴿ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللهِ شَيْئًا ﴾ ، أيْ: مَن يَحْمِي مِنهُ أمْوالَكم وأهْلِيكم إنْ أرادَ بِكم فِيها سُوءًا؟
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا" ﴾ بِفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "ضُرّا" بِالضَمِّ، ورَجَّحَها أبُو عَلِيٍّ، وهُما لُغَتانِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إنْ أرادَ بِكم سُوءًا".
ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ ، ثُمَّ فَسَّرَ لَهُمُ العِلَّةَ الَّتِي تَخَلَّفُوا مِن أجْلِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ ﴾ الآيَةُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "إلى أهْلِهِمْ" بِغَيْرِ ياءٍ، و ﴿ "بُورًا" ﴾ مَعْناهُ: فاسِدِينَ هَلْكى بِسَبَبِ فَسادِهِمْ، والبَوارُ: الهَلاكُ، و"بارَتِ السِلْعَةُ" مَأْخُوذٌ مِن هَذا، و"بُورٌ" يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والإفْرادُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزَبَعْرى: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي ∗∗∗ راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ والبُورُ في لُغَةِ أزِدْ عَمّانَ: الفاسِدُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الدَرْداءِ: "فَأصْبَحَ ما جَمَعُوا بُورًا" أيْ فاسِدًا ذاهِبًا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: لا يَنْفَعُ الطُولُ مِن نُوكِ القُلُوبِ وقَدْ ∗∗∗ ∗∗∗ يَهْدِي الإلَهُ سَبِيلَ المَعْشَرِ البُورِ وقالَ الطَبَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ : يَعْنِي بِهِ قَوْلَهُمْ: ﴿ فاسْتَغْفِرْ لَنا ﴾ ؛ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ مُصانَعَةً مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ ولا نَدَمٍ، قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: ولا يَنْفَعُكُمُ اسْتِغْفارِي، وهَلْ أمْلِكُ لَكم شَيْئًا واللهُ قَدْ أرادَ ضُرَّكم بِسَبَبِ مَعْصِيَتِكُمْ؟
كَما لا أمْلِكُ إنْ أرادَ بِكُمُ النَفْعَ في أمْوالِكم وأهْلِيكم.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ فمن يملك لكم من الله شيئاً ﴾ [الفتح: 11] فهو من أجزاء القول، وهذا انتقال من التخويف الذي أوهمه ﴿ فمن يملك لكم من الله شيئا ﴾ إلى إطماعهم بالمغفرة التي سألوها، ولذلك قدم الضر على النفع في الآية الأولى فقيل ﴿ إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ﴾ [الفتح: 11] ليكون احتمال إرادة الضر بهم أسبق في نفوسهم.
وقدمت المغفرة هنا بقوله: ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ ليتقرر معنى الإطماع في نفوسهم فيبتدروا إلى استدراك ما فاتهم.
وهذا تمهيد لوعدهم الآتي في قوله: ﴿ فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً ﴾ [الفتح: 16].
وزاد رجاءَ المغفرة تأكيداً بقوله: ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ أي الرحمة والمغفرة أقرب من العقاب، وللأمرين مواضع ومراتب في القرب والبعد، والنوايا والعوارض، وقيمة الحسنات والسيئات، قد أحاط الله بها وقدرها تقديراً.
ولفظ ﴿ من يشاء ﴾ في الموضعين إجمال للمشيئة وأسبابها وقد بينت غير مرة في تضاعيف القرآن والسنة ومن ذلك قوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [النساء: 48].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فاسِدِينَ قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: هالِكِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزَّبَعْرى يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِيَ راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورٌ الثّالِثُ: أشْرارٌ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ ؎ لا يَنْفَعُ الطُّولُ مِن نَوْكِ الرِّجالِ وقَدْ ∗∗∗ يَهْدِي الإلَهُ سَبِيلَ المَعْشَرِ البُورِ <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن جويبر رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم حين انصرف من الحديبية وسار إلى خيبر تخلف عنه أناس من الأعراب فلحقوا بأهاليهم، فلما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر ساروا إليه، وقد كان الله أمره أن لا يعطي أحداً تخلف عنه من مغنم خيبر، ويقسم مغنمها من شهد الفتح، وذلك قوله: ﴿ يريدون أن يبدلوا كلام الله ﴾ يعني ما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يعطي أحداً تخلف عنه من مغنم خيبر شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب ﴾ قال: أعراب المدينة جهينة ومزينة استنفرهم لخروجه إلى مكة، فقالوا: نذهب معه إلى قوم جاؤوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم في ديارهم، فاعتلوا له بالشغل، فأقبل معتمراً فأخذ أصحابه أناساً من أهل الحرم غافلين فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك الأظفار ببطن مكة، ورجع محمد صلى الله عليه وسلم فوعد مغانم كثيرة فجعلت له خيبر، فقال المخلفون: ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ وهي المغانم التي قال الله: ﴿ إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ﴾ وعرض عليهم قتال قوم أولي بأس شديد فهم فارس والمغانم الكثيرة التي وعدوا ما يأخذون حتى اليوم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب ﴾ الآية: سماهم بالمخلفين، لأنهم تخلفوا عن عزوة الحديبية، والأعراب هم أهل البوادي من العرب، لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة يعتمر، رأوا أنه يستقبل عدواً كثيراً من قريش وغيرهم، فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن إيمانهم متمكناً، فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر ففضحهم الله في هذه السورة، وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ يحتمل أن يريد قولهم: ﴿ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ لأنهم كذبوا في ذلك، أو قولهم: ﴿ فاستغفر لَنَا ﴾ لأنهم قالوا ذلك رياء من غير صدق ولا توبة ﴿ قَوْماً بُوراً ﴾ أي هالكين من البوار، وهو الهلاك ويعني به الهلاك في الدين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ لله ما لله - - على عباده، [و]ما لبعضهم على بعض؛ فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ أي: مبيناً؛ أي لتبين ما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض؛ وهو قول أبي بكر الأصم.
وقال بعضهم: أي: شاهداً للرسل - عليهم السلام - بالتبليغ بالإجابة لمن أجابهم، وشاهداً على من أبى الإجابة بالإباء والرد، فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ على حقيقة الشهادة؛ على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقال بعضهم: أي: أرسلناك شاهداً على أمتك وعلى الأنبياء - عليهم السلام - بالتبليغ ومن ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ : البشارة: هي تذكر عواقب الخيرات والحسنات، والإخبار عن أحوالها: أنها إلى ماذا يفضي أربابها وعما لهم؛ ليرغبهم فيها.
والنذارة: هي تذكر عواقب الشرور والسيئات، والإخبار عن أحوالها أنها إلى ماذا يفضي أربابها ومرتكبيها؛ ليزجرهم عنها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ خاطب بهذا البشر كلهم وفي الأول خاطب رسول الله ، كأنه يقول على الجمع بينهما في الخطاب: أرسلناك رسولا شاهداً؛ لتؤمنوا أنتم بالله ورسوله.
ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ أي: إنا أرسلناك مبشراً ونذيرا، وقل لهم: إنما أرسلت لتؤمنوا بالله ورسوله، وهو كقوله - -: ﴿ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ ، معناه: يأيها النبي، قل لهم: إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن، فعلى ذلك جائز ما ذكرنا، والله أعلم.
وقرئ بالياء، وهي ظاهرة.
ثم الإيمان بالله - - هو أن يشهد له بالوحدانية والألوهية، وأن له الخلق والأمر في كل شيء وكل أمر.
والإيمان برسوله: هو أن يشهد له بالصدق في كل أمر، وبالعدالة له فيما يحكم ويقضي، ويصدقه في كل ما يقوله، ويجيبه في كل ما يدعو إليه، ويطيعه في كل أمر يأمر به، وينهى عنه؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أي: تنصروه وتعينوه.
وقال بعضهم: أي: تطيعوه.
وقال بعضهم: أي: تعظموه.
فمن يقول: إن قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ ليس على النصر والإعانة، ولكن على التعظيم، أو على الطاعة - استدل بما قال في آية أخرى: ﴿ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ﴾ ذكر التعزير وعطف النصر عليه؛ والمعطوف غير المعطوف عليه، فدل أنه غير النصر، ولكن جائز أن يذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين ومعناهما واحد على التأكيد، وكذلك من يقول بالتعظيم يقول: أمرهم بتعظيمه في الحرفين؛ أعني: قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ وذلك جائز في الكلام.
ويحتمل أن يكون التعزير هو الطاعة له، والتوقير هو التعظيم، وفي الطاعة له تعظيمه، والله أعلم.
ومن قال بالنصر والمعونة في التبليغ تبليغ الرسالة إلى الخلق، والدفع عنه، والذب، والتعظيم له في قلبه وجميع جوارحه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ والتسبيح، أجمع أهل التأويل أن قوله - -: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً ﴾ راجع إلى الله - - وكذلك ذكر في بعض القراءة ﴿ ويسبحون الله بكرة وأصيلا ﴾ ، والتسبيح هو التنزيه في الأفعال والأقوال، فجائز نسبة ذلك إلى رسول الله ؛ لأنه كان برئيا من العيوب في أفعاله وأقواله لا يدخل في أفعاله وأقواله عيب، وإن كان هو تنزيهاً عن الحدثية، والفناء، وآفات كل في نفسه، فذلك لا يجوز إضافته ونسبته [إلا] إلى الله - عز وجل - فأما غيره لا يجوز إضافة ذلك إليه.
وأصله ما ذكر أهل التأويل من صرفه إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ صرف أهل التأويل البكرة إلى صلاة الفجر، والأصيل إلى صلاة المغرب والعشاء، ولكن جائز أن تكون البكرة كناية عن النهار، والأصيل كناية وعبارة عن الليل، فكأنه يقول: سبحوه بالليل والنهار جملة في كل وقت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ أجمع أهل التأويل أو عامتهم على أن المبايعة المذكورة في هذه الآية هي البيعة التي كانت بالحديبية، بايعوه على ألا يفروا إذا لقوا عدوا.
قال معقل بن يسار: "لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة؛ أي: ألف وأربعمائة نفر، وقال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر".
وجائز أن تكون المبايعة على ألا يفروا كما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ ﴾ والمبايعة هي المعاهدة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ ﴾ ذكر في أول الآية المبايعة، وفي آخرها المعاهدة؛ ليعلم أن المبايعة والمعاهدة سواء، والله أعلم.
ثم إضافة مبايعتهم رسوله إلى نفسه يحتمل وجهين: أحدهما: لما بأمره يبايعونه.
أو ذكر ونسب إلى نفسه؛ لعظيم قدره، وجليل منزلته عنده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ قال بعضهم: يد الله في جزاء المبايعة فوق أيديهم في المبايعة؛ أو كلام نحوه.
وجائز أن يكون قوله ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: يد الله في الجزاء إذا وفوا بالعهد فوق أيديهم عند رسول الله ؛ لأنه لما بايعوا رسول الله كانت لهم عنده يد، فيخبر أن جزاء الله الذي يجزيهم بوفاء تلك المبايعة فوق أيديهم التي عند رسول الله .
ويحتمل أن يكون ما ذكر من يد الله وإضافتها إليه يريد بها رسول الله كأنه يقول: يد رسول الله عندكم فيما بايعكم فوق أيديكم عنده؛ لما يحتمل أن يقع عندهم أن يكون لهم يد عند رسول الله بما بايعوه؛ كقوله - -: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...
﴾ الآية [الحجرات: 17]؛ فيخبر أن يد رسول الله فوق أيديكم عنده بالمبايعة التي بايعتم، والله أعلم.
ويحتمل: أي: يد رسول الله بالمد والبسط بالمبايعة فوق أيديهم، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: توفيق الله - - إياكم ومعونته على مبايعتكم رسوله فوق وخير من وفائكم ببيعته وعهده، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: يد الله في النصر لرسوله فوق أيديهم؛ كقوله - -: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ حقيقة النصر إنما يكون بالله ؛ ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾ أي: من نكث فعليه ضرر نكثه، وإليه يرجع ذلك الضرر لا إلى رسول الله وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - لأن الله - جل وعلا - وعد النصر له والظفر بأولئك، فمن نكث فإنما يرجع ضرر نكثه إليه؛ إذ الله يفي لرسوله ما وعد الله من النصر له، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولله وحده ملك السماوات والأرض، يغفر ذنوب من يشاء من عباده، فيدخله الجنة بفضله، ويعذب من يشاء من عباده بعدله، وكان الله غفورًا لذنوب من تاب من عباده، رحيمًا بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.2K3zX"