تفسير الآية ١٩ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ١٩ من سورة الفتح

وَمَغَانِمَ كَثِيرَةًۭ يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ١٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 48 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٩ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا موسى ، أخبرنا موسى - يعني ابن عبيدة - حدثني إياس بن سلمة ، عن أبيه ، قال : بينما نحن قائلون .

إذ نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيها الناس ، البيعة البيعة ، نزل روح القدس .

قال : فثرنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه ، فذلك قول الله تعالى : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) [ قال ] : فبايع لعثمان بإحدى يديه على الأخرى ، فقال الناس : هنيئا لابن عفان ، طوف بالبيت ونحن هاهنا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو مكث كذا كذا سنة ما طاف حتى أطوف " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ) يقول تعالى ذكره: وأثاب الله هؤلاء الذين بايعوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تحت الشجرة, مع ما أكرمهم به من رضاه عنهم, وإنـزاله السكينة عليهم, وإثابته إياهم فتحا قريبا, معه مغانم كثيرة يأخذونها من أموال يهود خيبر, فإن الله جعل ذلك خاصة لأهل بيعة الرضوان دون غيرهم.

وقوله ( وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) يقول: وكان الله ذا عزّة في انتقامه ممن انتقم من أعدائه, حكيما في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء من قضائه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ومغانم كثيرة يأخذونها يعني أموال خيبر ، وكانت خيبر ذات عقار وأموال ، وكانت بين الحديبية ومكة .

ف ( مغانم ) على هذا بدل من ( فتحا قريبا ) والواو مقحمة .

وقيل : ومغانم فارس والروم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } أي: له العزة والقدرة، التي قهر بها الأشياء، فلو شاء لانتصر من الكفار في كل وقعة تكون بينهم وبين المؤمنين، ولكنه حكيم، يبتلي بعضهم ببعض، ويمتحن المؤمن بالكافر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ومغانم كثيرة يأخذونها ) من أموال يهود خيبر ، وكانت خيبر ذات عقار وأموال ، فاقتسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم ( وكان الله عزيزا حكيما ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومغانم كبيرة يأخذونها» من خيبر «وكان الله عزيزا حكيما» أي لم يزل متصفا بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد رضي الله عن المؤمنين حين بايعوك -أيها النبي- تحت الشجرة (وهذه هي بيعة الرضوان في "الحديبية") فعلم الله ما في قلوب هؤلاء المؤمنين من الإيمان والصدق والوفاء، فأنزل الله الطمأنينة عليهم وثبَّت قلوبهم، وعوَّضهم عمَّا فاتهم بصلح "الحديبية" فتحًا قريبًا، وهو فتح "خيبر"، ومغانم كثيرة تأخذونها من أموال يهود "خيبر".

وكان الله عزيزًا في انتقامه من أعدائه، حكيمًا في تدبير أمور خلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى تلك الغنائم فقال : ( وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا .

.

.

) .أى : وأثابكم مغانم كثيرة تأخذونها من خيبر .

( وَكَان الله ) - تعالى - وما زال ( عَزِيزاً ) أى : غالبا ( حَكِيماً ) فى كل أفعاله وأحكامه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن طاعة كل واحد منهما طاعة الآخر فجمع بينهما بياناً لطاعة الله، فإن الله تعالى لو قال: ومن يطع الله، كان لبعض الناس أن يقول: نحن لا نرى الله ولا نسمع كلامه، فمن أين نعلم أمره حتى نطيعه؟

فقال طاعته في طاعة رسوله وكلامه يسمع من رسوله.

ثم قال: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ﴾ أي بقلبه، ثم لما بيّن حال المخلفين بعد قوله: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله  ﴾ عاد إلى بيان حالهم وقال: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من الصدق كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض ﴿ فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ ﴾ حتى بايعوا على الموت، وفيه معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جنات  ﴾ فجعل طاعة الله والرسول علامة لإدخال الله الجنة في تلك الآية، وفي هذه الآية بيّن أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان، أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين ﴾ وأما طاعة الرسول فبقوله: ﴿ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة ﴾ بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين ﴾ لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة كما قال تعالى: ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا رَضِيَ الله عَنْهُمْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والفاء للتعقيب وعلم الله قبل الرضا لأنه علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم؟

نقول قوله: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة ﴾ كما يقول القائل فرحت أمس إذ كلمت زيداً فقام إليّ، أو إذ دخلت عليه فأكرمني، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتيباً كذلك، هاهنا قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب، بل عند المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم، والفاء في قوله: ﴿ فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ ﴾ للتعقيب الذي ذكرته فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم، وفي علم بيان وصف المبايعة بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم وهذا توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه الله تعالى إلى معاني كتابه الكريم وقوله تعالى: ﴿ وأثابهم فَتْحاً قَرِيباً ﴾ هو فتح خيبر ﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ﴾ مغانمها وقيل مغانم هجر ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً ﴾ كامل القدرة غنياً عن إعانتكم إياه ﴿ حَكِيماً ﴾ حيث جعل هلاك أعدائه على أيديكم ليثيبكم عليه أو لأن في ذلك إعزاز قوم وإذلال آخرين، فإنه يذل من يشاء بعزته ويعز من يشاء بحكمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هي بيعة الرضوان، سميت بهذه الآية، وقصتها: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل الحديبية بعث خِراش بن أمّية الخزاعي رسولاً إلى أهل مكة، فهموا به فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر رضي الله عنه ليبعثه فقال: إني أخافهم على نفسي، لما عرف من عداوتي إياهم وما بمكة عدويّ يمنعني، ولكني أدلك على رجل هو أعز بها مني وأحب إليهم: عثمان بن عفان فبعثه فخبرهم أنه لم يأت بحرب، وإنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته، فوقروه وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبس عندهم فأرجف بأنهم قتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة وكانت سمرة.

قال جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها.

وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في أصل الشجرة وعلى ظهره غصن من أغصانها.

قال عبد الله بن المغفل: وكنت قائماً على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه.

فرفعت الغصن عن ظهره، فبايعوه على الموت دونه، وعلى أن لا يفروا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم اليوم خير أهل الأرض» وكان عدد المبايعين ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفاً وأربعمائة، وقيل: ألفاً وثلثمائة ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه ﴿ فَأنزَلَ السكينة ﴾ أي: الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم ﴿ وأثابهم فَتْحاً قَرِيباً ﴾ وقرئ: ﴿ وآتاهم ﴾ وهو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة.

وعن الحسن: فتح هجر، وهو أجلّ فتح: اتسعوا بثمرها زماناً ﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ﴾ هي مغانم خيبر، وكانت أرضاً ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليهم، ثم أتاه عثمان بالصلح فصالحهم وانصرف بعد أن نحر بالحديبية وحلق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ رُوِيَ: «أنَّهُ  لَمّا نَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ بَعَثَ جَوّاسَ بْنَ أُمِّيَّةَ الخُزاعِيَّ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَهَمُّوا بِهِ فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ فَرَجَعَ، فَبَعَثَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَبَسُوهُ فَأرْجَفَ بِقَتْلِهِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ  أصْحابَهُ وكانُوا ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ أوْ أرْبَعَمِائَةٍ أوْ خَمْسَمِائَةٍ، وبايَعَهم عَلى أنْ يُقاتِلُوا قُرَيْشًا ولا يَفِرُّوا عَنْهم وكانَ جالِسًا تَحْتَ سَمُرَةٍ أوْ سِدْرَةٍ.

فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الإخْلاصِ.» ﴿ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ الطُّمَأْنِينَةَ وسُكُونَ النَّفْسِ بِالتَّشْجِيعِ أوِ الصُّلْحِ.

﴿ وَأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ فَتْحَ خَيْبَرَ غَبَّ انْصِرافِهِمْ، وقِيلَ: مَكَّةُ أوْ هَجَرَ.

﴿ وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ﴾ يَعْنِي مَغانِمَ خَيْبَرَ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ غالِبًا مُراعِيًا مُقْتَضى الحِكْمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم {وَكَانَ الله عَزِيزاً} منيعاً فلا يغالب {حَكِيماً} فيما يحكم فلا يعارض

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ﴾ هي مَغانِمُ خَيْبَرَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وقَسَّمَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما فِي حَدِيثِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ فَأعْطى لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ وكانَ مِنهم ثَلاثُمِائَةِ فارِسٍ ولِلرّاجِلِ سَهْمًا، وقِيلَ: مَغانِمُ هَجَرَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، ودُلْبَةُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ورْشٍ وأبُو دِحْيَةَ وسِقْلابٌ عَنْ نافِعٍ والأنْطاكِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ (تَأْخُذُونَها) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِتَشْرِيفِهِمْ في الِامْتِنانِ ﴿ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ غالِبًا ﴿ حَكِيمًا ﴾ مُراعِيًا لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ في أحْكامِهِ تَعالى وقَضاياهُ جَلَّ شَأْنُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يعني: يوم الحديبية تحت الشجرة، وهي بيعة الرضوان، قال الكلبي: بايعوا تحت الشجرة، وهي شجرة السَّمرة، وهم يومئذٍ ألف وخمسمائة وأربعون رجلاً.

وروى هشام عن محمد بن الحسن قال: كانت الشجرة أم غيلان.

إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يعني: كأنهم يبايعون الله، لأن النبيّ  إنما بايعهم بأمر الله تعالى.

ويقال: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أي: لأجله، وطلب رضاه.

ثم قال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يعني: يد الله بالنصرة، والغلبة، والمغفرة، فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالطاعة.

وقال الزجاج: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يحتمل ثلاثة أوجه.

أحدها يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالوفاء، ويحتمل يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالثواب، فهذان وجهان جاءا في التفسير، ويحتمل أيضاً يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ في المِنَّة عليهم، وفي الهداية فوق أيديهم في الطاعة.

فَمَنْ نَكَثَ يعني: نقض العهد، والبيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ يعني: عقوبته على نَفْسِهِ.

وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ قرأ حفص: برفع الهاء.

أي: وفى بما عاهد عليه من البيعة، فيتم ذلك مع رسول الله  يعني: أوفى بما عاهد الله عليه من البيعة، والتمام في ذلك مع رسول الله  .

فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً في الجنة.

قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر: فَسَنُؤْتِيهِ بالنون.

والباقون: بالياء.

وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

يعني: سيؤتيه الله ثواباً عظيماً.

قوله تعالى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ وهم أسلم، وأشجع، وغفار، وذلك أن النبي  حين خرج إلى مكة عام الحديبية، فاستتبعهم، وكانت منازلهم بين مكة والمدينة.

فقالوا فيما بينهم: نذهب معه إلى قوم جاءوه فقتلوا أصحابه، فقاتلهم، فاعتلوا عليه بالشغل، حتى رجع، فأخبر الله تعالى رسوله قبل ذلك، أنه إذا رجع إليهم استقبلوه بالعذر، وهم كاذبون.

فقال: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ يعني: الذين تخلفوا عن بيعة الحديبية شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا يعني: خفنا عليهم الضيعة، ولولا ذلك لخرجنا معك.

فَاسْتَغْفِرْ لَنا في التخلف.

يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ يعني: من طلب الاستغفار وهم لا يبالون، أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تستغفر لهم.

قُلْ يا محمد فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: من يقدر أن يمنع عنكم من عذاب الله شيئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا يعني: قتلاً، أو هزيمة، أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً يعني: النصرة.

قرأ حمزة والكسائي ضَرًّا بضم الضاد، وهو سوء الحال والمرض، وما أشبه ذلك.

والباقون: بالنصب.

وهو ضد النفع.

اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير.

يعني: لا يقدر أحد على دفع الضر، ومنع النفع غير الله.

ثم استأنف الكلام فقال: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً يعني: عالماً بتخلفكم، ومرادكم.

قوله عز وجل: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ يعني: بل منعكم من السير معه، لأنكم ظننتم أن لن ينقلب الرسول وَالْمُؤْمِنُونَ من الحديبية إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ يعني: حُسِّن التخلف فى قلوبكم وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ يعني: حسبتم الظن القبيح وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً يعني: هلكى.

وروي عن ابن عباس أنه قال: البور في لغة أزد عمان: الشيء الفاسد.

والبور في كلام العرب: لا شيء.

يعني: أعمالهم بور أي: مبطلة.

قوله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: من لم يصدق بالله في السر، كما صدقه في العلانية فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً يعني: هيأنا لهم عذاب السعير.

قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض.

ويقال: ونفاذ الأمر في السموات والأرض.

يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وهو فضل منه المغفرة، وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء على الذنب الصغير، وهو عدل منه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أَوفى بما عاهد عليه اللَّهَ فسنؤتيه أجراً عظيما، وهو الجنة.

وقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره «١» : هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] «٢» عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبي- صلّى الله عليه وسلّم- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا صلّى الله عليه وسلّم بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:

قُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود «٣» : إنْ أراد بكم سوءا

ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ...

الآية، وبُوراً معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان» : الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.

وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد «١» : كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره صلّى الله عليه وسلّم وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.

ت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.

وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.

وقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ «٢» ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره «٣» : هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد «٤» ، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» «٥» على القطع أي: أو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ ﴾ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الغَزْوَ والغَنِيمَةَ فَسَتُدْعَوْنَ إلى جِهادِ قَوْمٍ ﴿ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ .

وَفِي هَؤُلاءِ القَوْمِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم فارِسُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعَطاءُ الخُراسانِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ جُرَيْجٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ الحَسَنُ، ورَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الأوْثانِ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الرُّومُ، قالَهُ كَعْبٌ.

والخامِسُ: أنَّهم هَوازِنُ وغَطَفانُ، وذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: بَنُو حَنِيفَةَ يَوْمَ اليَمامَةِ، وهم أصْحابُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: خِلافَةُ أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ بَيِّنَةٌ مُؤَكَّدَةٌ.

وَقالَ رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دُعِيَ أبُو بَكْرٍ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَعَلِمْنا أنَّهم هم.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، وفارِسُ والرُّومُ إنَّما يُقاتَلُونَ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِها بَنُو حَنِيفَةَ، فَأبُو بَكْرٍ دَعا إلى قِتالِهِمْ، وإنْ أُرِيدَ بِها فارِسُ والرُّومُ، فَعُمَرُ دَعا إلى قِتالِهِمْ، والآيَةُ تُلْزِمُهُمُ اتِّباعَ طاعَةِ مَن يَدْعُوهُمْ، وتَتَوَعَّدُهم عَلى التَّخَلُّفِ بِالعِقابِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِما إذا كانَ المُتَوَلِّي عَنْ طاعَتِهِما مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَإنْ تُطِيعُوا أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَنْ طاعَتِهِما ﴿ كَما تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عَنْ طاعَةِ مُحَمَّدٍ  في المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنْ تُبْتُمْ وتَرَكْتُمْ نِفاقَكم وجاهَدْتُمْ، يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا، وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَأقَمْتُمْ عَلى نِفاقِكُمْ، وأعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والجِهادِ كَما تَوَلَّيْتُمْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَذَرَ اللَّهُ أهْلَ الزَّمانَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" و "نُعَذِّبُهُ" بِالنُّونِ فِيهِما؛ والباقُونَ: بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ ﴿ وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ لَمّا بَلَغَ عَزَّ وجَلَّ في عَتْبِ هَؤُلاءِ المُتَخَلِّفِينَ مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ "كَجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وغِفارٍ وأسْلَمَ وأشْجَعَ" عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ عَذَّرَ أهْلَ الأعْذارِ مِنَ العَمى والعَرَجِ والمَرَضِ جُمْلَةً، ورَفَعَ الحَرَجَ عنهم والضِيقَ والمَأْثَمَ، وهَذا حُكْمُ هَؤُلاءِ المَعاذِيرِ في كُلِّ جِهادٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا أنْ يَحْزُبَ حازِبٌ في حَضْرَةٍ مّا، فالفَرْضُ مُتَوَجِّهٌ بِحَسَبِ الوُسْعِ، ومَعَ ارْتِفاعِ الحَرَجِ، فَجائِزٌ لَهُمُ الغَزْوُ وأجْرُهم فِيهِ مُضاعَفٌ؛ لِأنَّ الأعْرَجَ أحْرى الناسِ بِالصَبْرِ وألّا يَفِرَّ، وقَدْ غَزا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وكانَ يُمْسِكُ الرايَةَ في بَعْضِ حُرُوبِ القادِسِيَّةِ، وقَدْ خَرَّجَ النَسائِيُّ هَذا المَعْنى وذَكَرَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "يُدْخِلُهُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ: "نُدْخِلُهُ" بِالنُونِ، وكَذَلِكَ: "يُعَذِّبُهُ" و"نُعَذِّبُهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَجَرَةِ ﴾ تَشْرِيفٌ وإعْلامٌ بِرِضاهُ عنهم حِينَ البَيْعَةِ، وبِهَذا سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِضْوانِ، والرِضى بِمَعْنى الإرادَةِ، فَهو صِفَةُ ذاتٍ، ومَن جَعَلَ "إذْ" مُسَبِّبَةً، بِمَعْنى: لِأنَّهم بايَعُوا تَحْتَ الشَجَرَةِ جازَ أنْ يَجْعَلَ "رَضِيَ" بِمَعْنى: إظْهارِ النِعَمِ عَلَيْهِمْ، بِسَبَبِ بَيْعَتِهِمْ، فالرِضى - عَلى هَذا - صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المُبايَعَةِ ومَعْناها.

وكانَ سَبَبُ هَذِهِ المُبايَعَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  أرادَ أنْ يَبْعَثَ إلى مَكَّةَ رَجُلًا يُبَيِّنُ لِقُرَيْشٍ أنَّ النَبِيَّ  لا يُرِيدُ حَرْبًا وإنَّما جاءَ مُعْتَمِرًا، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ خِراشَ بْنَ أُمِّيَّةَ الخُزاعِيَّ، وحَمْلَهُ عَلى جَمَلٍ يُقالُ لَهُ: الثَعْلَبُ، فَلَمّا كَلَّمَهم عَقَرُوا الجُمَلَ وأرادُوا قَتْلَ خِراشٍ فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ، وبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ  فَأرادَ بَعْثَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ عُمْرُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ فَظاظَتِي عَلى قُرَيْشٍ، وهم يُبْغِضُونَنِي، ولَيْسَ هُناكَ مِن بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَن يَحْمِينِي، ولَكِنِ ابْعَثْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ  ، فَذَهَبَ، فَلَقِيَهُ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، فَنَزَلَ عن دابَّتِهِ وحَمَلَهُ عَلَيْها، وأجارَهُ حَتّى إذا جاءَ قُرَيْشًا فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا لَهُ: إنْ شِئْتَ يا عُثْمانُ أنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ فَطُفْ، وأمّا دُخُولُكم عَلَيْنا فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كُنْتُ لِأطُوفَ بِهِ حَتّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللهِ  ، ثُمَّ إنَّ بَنِي سَعِيدِ بْنِ العاصِي حَبَسُوا عُثْمانَ عَلى جِهَةِ المَبَرَّةِ، فَأبْطَأ عَلى رَسُولِ اللهِ  وكانَتِ الحُدَيْبِيَةُ مِن مَكَّةَ عَلى عَشَرَةِ أمْيالٍ، فَصَرَخَ صارِخٌ مِن عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ  : قُتِلَ عُثْمانُ، فَحَمِيَ رَسُولُ اللهِ  والمُؤْمِنُونَ وقالُوا: لا نَبْرَحُ إنْ كانَ هَذا حَتّى نَلْقى القَوْمَ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ  إلى البَيْعَةِ، ونادى مُنادِيهِ: أيُّها الناسُ، البَيْعَةَ البَيْعَةَ.

نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، فَما تَخَلَّفَ عَنِ البَيْعَةِ أحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ إلّا الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ المُنافِقُ، وحِينَئِذٍ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ  يَدَهُ عَلى يَدِهِ، وقالَ: هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ، وهي خَيْرٌ مِن يَدِ عُثْمانَ، ثُمَّ جاءَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ ذَلِكَ سالِمًا»، والشَجَرَةُ سَمُرَةُ كانَتْ هُنالِكَ، ذَهَبَتْ بَعْدَ سِنِينَ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالمَوْضِعِ في خِلافَتِهِ فاخْتَلَفَ أصْحابُهُ في مَوْضِعِها، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ سِيرُوا، هَذا التَكَلُّفُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى المَوْتِ ونَحْوِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ فِيهِ مَذَمَّةٌ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالالطَبَرِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَعْناهُ: مِنَ الإيمانِ وصِحَّتِهِ والحُبِّ في الدِينِ والحِرْصِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَكِنَّهُ مَن كانَتْ هَذِهِ حالُهُ فَلا يَحْتاجُ إلى نُزُولِ ما يَسْكُنُهُ، أما أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُجازى بِالسَكِينَةَ والفَتْحِ القَرِيبِ والمَغانِمِ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: مِنَ الهَمِّ بِالِانْصِرافِ عَنِ المُشْرِكِينَ والأنَفَةِ في ذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما خاطَبَ فِيهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَتَرَتَّبُ مَعَهُ نُزُولُ السَكِينَةِ والتَعْرِيضِ بِالفَتْحِ القَرِيبِ، والسَكِينَةُ هُنا تَقْرِيرُ قُلُوبِهِمْ وتَذْلِيلُها لِقَبُولِ أمْرِ اللهِ تَعالى والصَبْرِ لَهُ.

وقَرَأ الناسُ: ﴿ "وَأثابَهُمْ"، ﴾ قالَ هارُونُ: وقَدْ قُرِئَتْ: "وَأتابَهُمْ" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ.

و"الفَتْحُ القَرِيبُ": خَيْبَرُ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  انْصَرَفَ بِالمُؤْمِنِينَ إلى المَدِينَةِ وقَدْ وعَدَهُ اللهُ بِخَيْبَرَ، وخَرَجَ إلَيْها لَمْ يَلْبَثْ، قالَ أبُو جَعْفَرِ النَحّاسُ: وقَدْ قِيلَ: الفَتْحُ القَرِيبُ: فَتْحُ مَكَّةَ و"المَغانِمُ الكَثِيرَةُ": فَتْحُ خَيْبَرَ، وقَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "تَأْخُذُونَها" عَلى مُخاطَبَتِهِمْ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَأْخُذُونَها" ﴾ عَلى الغَيْبَةِ.

واخْتُلِفَ في عِدَّةِ المُبايِعِينَ، فَقِيلَ: ألْفٌ وخَمْسِمِائَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: وأرْبَعِمِائَةٍ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وقِيلَ: وخَمْسِمِائَةٍ وخَمْسَةٍ وعِشْرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: وثَلاثِمِائَةٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي أوفى، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا ذَكَرْناهُ مِن قَبْلُ، وأوَّلُ مَن بايَعَ في ذَلِكَ رَجُلٌ مَن بَنِي أسَدٍ يُقالُ لَهُ: أبُو سِنانَ بْنِ وهْبٍ، قالَهُ الشَعْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عود إلى تفصيل ما جازى الله به أصحاب بيعة الرضوان المتقدم إجماله في قوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ [الفتح: 10]، فإن كون بيعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر بيعة لله تعالى أوْمأ إلى أن لهم بتلك المبايعة مكانة رفيعة من خير الدنيا والآخرة، فلما قطع الاسترسال في ذلك بما كان تحذيراً من النكث وترغيباً في الوفاء، بمناسبة التضاد وذكر ما هو وسط بين الحالين وهو حال المخلَّفين، وإبطال اعتذارهم وكشف طويتهم، وإقصائهم عن الخير الذي أعده الله للمبايعين وأرجائهم إلى خير يسنح من بعدُ إن هم صدقوا التوبة وأخلصوا النية.

فقد أنال الله المبايعين رضوانَه وهو أعظم خير في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72] والشهادة لهم بإخلاص النية، وإنزاله السكينة قلوبهم ووعدهم بثواب فتح قريب ومغانم كثيرة.

وفي قوله: ﴿ عن المؤمنين إذ يبايعونك ﴾ إيذان بأن من لم يبايع ممن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس حينئذٍ بمؤمن وهو تعريض بالجدّ بن قيس إذ كان يومئذٍ منافقاً ثم حَسن إسلامه.

وقد دعيت هذه البيعة بيعةَ الرضوان من قوله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ .

و ﴿ إذ يبايعونك ﴾ ظرف متعلّق ب ﴿ رضي ﴾ ، وفي تعليق هذا الظرف بفعل الرضى ما يفهم أن الرضى مسبب عن مفاد ذلك الظرف الخاص بما أضيف هو إليه، مع ما يعطيه توقيت الرضى بالظرف المذكور من تعجيل حصول الرضى بحدثان ذلك الوقت، ومع ما في جعل الجملة المضاف إليها الظرفُ فِعليةً مضارعيّةً من حصول الرضى قبل انقضاء الفعل بل في حال تجدده.

فالمضارع في قوله ﴿ يبايعونك ﴾ مستعمل في الزمان الماضي لاستحضار حالة المبايعة الجليلة، وكون الرضى حصل عند تجديد المبايعة ولم ينتظر به تمامها، فقد علمت أن السورة نزلت بعد الانصراف من الحديبية.

والتعريف في ﴿ الشجرة ﴾ تعريف العهد وهي: الشجرة التي عهدها أهل البيعة حين كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في ظلها، وهي شجرة من شجر السَّمُر بفتح السين المهملة وضم الميم وهو شجر الطلح.

وقد تقدم أن البيعة كانت لما أُرجف بقتل عثمان بن عفان بمكة فعن سلمة بن الأكوع وعبد الله بن عمر، يزيدُ أحدهما على الآخر «بينما نحن قائلون يوم الحديبية وقد تفرق الناس في ظلال الشجر إذ نادى عمر بن الخطاب: أيّها الناس البيعةَ البيعةَ، نَزَل روحُ القدُس فاخرُجوا على اسم الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي دعا الناس إلى البيعة فثار الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه كلهم إلا الجدَّ بن قيس».

وعن جابر بن عبد الله بعدَ أن عمي لو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة.

وتواتر بين المسلمين علم مكان الشجرة بصلاة الناس عند مكانها.

وعن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل أي في عمرة القضية نسيناها فلم نقدر عليها وعن طارق بن عبد الرحمان قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟

قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسولُ الله بيعة الرضوان.

فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم أفأنتم أعلم».

والمراد بقول طارق: ما هذا المسجد: مكانُ السجود، أي الصلاة، وليس المراد البيت الذي يبني للصلاة لأن البناء على موضع الشجرة وقع بعد ذلك الزمن فهذه الشجرة كانت معروفة للمسلمين وكانوا إذا مروا بها يصلون عندها تيمنا بها إلى أن كانت خلافة عمر فأمر بقطعها خشية أن تكون كذاتتِ أنواط التي كانت في الجاهلية، ولا معارضة بين ما فعله المسلمون وبين ما رواه سعيد بن المسيب عن أبيه أنه وبعض أصحابه نسوا مكانها لأن الناس متفاوتون في توسُّم الأمكنة واقتفاء الآثار.

والمروي أن الذي بنى مسجداً على مكان الشجرة أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي ولكن في المسجد المذكور حجر مكتوب فيه «أمر عبد الله أمير المؤمنين أكرمه الله ببناء هذا المسجد مسجد البيعة وأنه بني سنة أربع وأربعين ومائتين، وهي توافق مدة المتوكّل جعفر بن المعتصم وقد تخرب فجدده المستنصر العباسي سنة 629 ثم جدده السلطان محمود خان العثماني سنة 1254 وهو قائم إلى اليوم.

وذكر ﴿ تحت الشجرة ﴾ لاستحضار تلك الصورة تنويهاً بالمكان فإن لذكر مواضع الحوادث وأزمانها معاني تزيد السامع تصوراً ولما في تلك الحوادث من ذكرى مثل مواقع الحروب والحوادث كقول عبد الله بن عباس «ويوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه» الحديث.

ومواقع المصائب وأيامها.

و ﴿ إذ ﴾ ظرف يتعلق بفعل ﴿ رضي ﴾ ، أي رضي الله عنهم في ذلك الحين.

وهذا رضى خاص، أي تعلّق رضى الله تعالى عنهم بتلك الحالة.

والفاء في قوله: ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ ليست للتعقيب لأن علم الله بما في قلوبهم ليس عقب رضاه عنهم ولا عقب وقوع بيعتهم فتعين أن تكون فاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر بعدها.

والتقدير: فلما بايعوك علم ما في قلوبهم من الكآبة، ويجوز أن تكون الفاء لتفريع الأخبار بأن الله علم ما في قلوبهم بعد الإخبار برضى الله عنهم لما في الإخبار بعلمه ما في قلوبهم من إظهار عنايته بهم.

ويجوز أن يكون المقصود من التفريع قوله: ﴿ فأنزل السكينة عليهم ﴾ ويكون قوله: ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ توطئة له على وجه الاعتراض.

والمعنى: لقد رضي الله عن المؤمنين من أجل مبايعتهم على نصرك فلما بايعوا وتحفزوا لقتال المشركين ووقع الصلح حصلت لهم كآبة في نفوسهم فأعلمهم الله أنه اطلع على ما في قلوبهم من تلك الكآبة، وهذا من علمه الأشياء بعد وقوعها وهو من تعلق علم الله بالحوادث بعد حدوثها، أي علمه بأنها وقعت وهو تعلق حادث مثل التعلقات التنجيزية.

والمقصود بإخبارهم بأن الله علم ما حصل في قلوبهم الكآبة عن أنه قَدَر ذلك لهم وشكرهم على حبهم نصر النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل ولذلك رتب عليه قوله: ﴿ فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ .

والسكينة هنا هي: الطمأنينة والثقة بتحقيق ما وعدهم الله من الفتح والارتياض على ترقبه دون حسرة فترتب على علمه ما في قلوبهم إنزاله السكينة عليهم، أي على قلوبهم فعبر بضميرهم عوضاً عن ضمير ﴿ قلوبهم ﴾ لأن قلوبهم هي نفوسهم.

وعطف ﴿ أثابهم ﴾ على فعل ﴿ رضي اللَّه ﴾ .

ومعنى أثابهم: أعطاهم ثواباً، أي عوضاً، كما يقال في هبة الثواب، أي عوضهم عن المبايعة بفتح قريب.

والمراد: أنه وعدهم بثواب هو فتح قريب ومغانم كثيرة، ففعل ﴿ أثابهم ﴾ مستعمل في المستقبل.

وهذا الفتح هو فتح خيبر فإنه كان خاصاً بأهل الحديبية وكان قريباً من يوم البيعة بنحو شهر ونصف.

والمغانم الكثيرة المذكورة هنا هي: مغانم أرض خيبر والأنعام والمتاع والحوائط فوصفت ب ﴿ كثيرة ﴾ لتعدّد أنواعها وهي أول المغانم التي كانت فيها الحوائط.

وفائدة وصف المغانم بجملة ﴿ يأخذونها ﴾ تحقيق حصول فائدة هذا الوعد لجميع أهل البيعة قبل أن يقع بالفعل ففيه زيادة تحقيق لكون الفتح قريباً وبشارةٌ لهم بأنهم لا يهلك منهم أحد قبل رؤية هذا الفتح.

وجملة ﴿ وكان اللَّه عزيزاً حكيماً ﴾ معترضة، وهي مفيدة تذييل لجملة ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ لأن تيسير الفتح لهم وما حصل لهم فيه من المغانم الكثيرة من أثر عزة الله التي لا يتعاصى عليها شيء صعب، ومن أثر حكمته في ترتيب المسببات على أسبابها في حالة ليظن الرائي أنها لا تيسّر فيها أمثالها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ كانَتْ سَبَبُ هَذِهِ البَيْعَةِ وهي بَيْعَةُ الرِّضْوانِ تَأخُّرَ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ حِينَ أنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ الحُدَيْبِيَةِ رَسُولًا إلى الإسْلامِ فَأبْطَأ وأرْجَفَ بِقَتْلِهِ، فَبايَعَ أصْحابَهُ وبايَعُوهُ عَلى الصَّبْرِ والجِهادِ، وكانُوا فِيما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ، وقالَ جابِرٌ: كانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى: ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ.

وَكانَتِ البَيْعَةُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بِالحُدَيْبِيَةِ والشَّجَرَةُ سَمُرَةُ.

وَسُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن صِدْقِ النِّيَّةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى أنْ يُقاتِلُوا مَعَهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ خَيْبَرَ لِقُرْبِها مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فَتْحُ مَكَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم ﴾ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعا أعراب المدينة جهينة ومزينة الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى خروجه إلى مكة دعاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قتال فارس قال: فإن تطيعوا إذا دعاكم عمر تكن توبة لتخلفكم عن النبي صلى الله عليه وسلم يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا إذا دعاكم عمر كما توليتم من قبل إذ دعاكم النبي صلى الله عليه وسلم يعذبكم عذاباً أليماً.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: فارس والروم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: أهل الأوثان.

وأخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: هوازن وبني حنيفة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة وسعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: هوازن يوم حنين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ﴾ من أموال يهود خيبر، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، هذا قول الأكثرين (١) (٢) ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ غالباً (حكيماً) في أمره حكم لكم بالغنيمة، ولأهل خيبر بالسبي والهزيمة.

(١) انظر:"تفسير الثعلبي" 10/ 380 ب، "تفسير البغوي" 7/ 306، "زاد المسير" 7/ 435، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 278.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 513.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ ﴾ الآية معناها أن الله تعالى عذر الأعمى والأعرج والمريض في تركهم للجهاد؛ لسبب أعذارهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ ﴾ .

قوله -  -: ﴿ ٱلْمُخَلَّفُونَ ﴾ سماهم: مخلفين، ولم يخلفهم رسول الله  ولا أصحابه، ولكن الله  خلفهم عن ذلك بأن أحدث منهم فعل التخلف؛ لما علم منهم ما كان من اختيارهم التخلف، كقوله  : ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ  ﴾ أي: منعهم، فعلى ذلك ما ذكر من المخلفين أن الله -  وتعالى - خلفهم عن ذلك، وهم اكتسبوا فعل التخلف في أنفسهم؛ دل أن خالق أفعال العباد هو الله  ، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: خبرا عنهم: ﴿ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ .

هذا القول منهم قول اعتذار وطلب العذر من رسول الله  .

وقولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ طلبوا منه الاستغفار مع إظهارهم العذر في التخلف بقولهم: ﴿ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ يقولون: وإن حبستنا أموالنا وأهلونا لم يكن لنا التخلف عنك، فاستغفر لنا، ولكن مع هذا لم يقبل عذرهم؛ لأنهم كانوا لا يحققون في طلبهم الاستغفار منه؛ لأنهم أهل نفاق لا يؤمنون برسالته ولا بالبعث كي ينفعهم المغفرة في الآخرة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ...

﴾ الآية [المنافقون: 5]؛ دل هذا الفعل منهم على أنهم كانوا غير محققين طلب الاستغفار منه بقولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ ؛ حيث قال: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ ، أي: يقولون بألسنتهم قولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ ما ليس في قلوبهم حقيقة ذلك.

ولا جائز أن يصرف قولهم: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ إلى قولهم: ﴿ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ أي: كاذبين في العذر، ولكن طلبوا الاستغفار حقيقة، لا يقال هذا؛ لأنهم كانوا صادقين في أن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن ذلك، فلا يمكن صرف الآية إلى ذلك، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً ﴾ .

قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله  يكون على الإيجاب فينظر أن لو كان ذلك السؤال من مستفهم كيف يجاب له؟

فيكون من الله  على الإيجاب: أن لا أحد يملك لكم نفعاً إن كان الله أراد بكم ضرا، ولا أحد يملك لكم ضرا إن كان الله أراد بكم نفعاً، يخبر أنكم وإن تخلفتم لحفظ أموالكم وأهليكم، فإن الله  لو أراد بكم ضرّاً لا تملكون دفعه عن أنفسكم، وإن تتخلفوا ولكن خرجتم معه، فلا يملك أحد الضرر لكم، غير أنه لا عذر له في التخلف عن رسول الله  .

ثم أوعدهم فقال: ﴿ بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ جعل الله - عز وجل - أنفس المنافقين وصنيعهم آية ودلالة على رسالة رسوله  في حق المنافقين، حين كان يطلع رسوله على جميع ما أسروا في أنفسهم وأضمروا في قلوبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله - جل وعلا - وجعل الآية له في حق غيرهم من الكفرة من غير صنيعهم وأنفسهم حتى علموا بذلك أنه بالله قدر على ذلك، والله أعلم.

وقال أهل التأويل: ﴿ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً ﴾ أي: الهزيمة ﴿ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً ﴾ ظهورا على عدوكم وغنيمة، يحتمل أن يكون الخطاب بهذا لأهل الإيمان والوعظ لهم بذلك؛ لأن أهل النفاق كانوا لا يصدقون رسول الله  ولا يقبلون ما يقول من المواعظ وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً ﴾ .

فإن قيل: ما الذي حملهم على الظن الذي ظنوا أن رسول الله  والمؤمنين لا يرجعون إلى أهليهم أبدا إذا كان ذلك في خروجهم إلى الحديبية - على ما قال أهل التأويل: إن ذلك كان في خروجهم إلى الحديبية - وكان خروجهم للحج وقضاء المناسك لا للقتال والحرب معهم، حتى يقع عندهم أنهم لا يرجعون، بل يهلكون في ذلك، وأهل مكة لم يكونوا يتبعون أحدا من أهل الإيمان يدخل مكة للحج وقضاء المناسك.

قيل: لأن أهل النفاق كانوا قد كتبوا إلى أهل مكة وأعلموهم أن رسول الله  وأصحابه -  م - خرجوا إليكم للحج وزيارة البيت، فقالوا: إنا لا ندعهم يدخلون مكة بل نقاتلهم ونحاربهم ولا نتركهم يدخلونها، فإذا كان منهم ما ذكرنا، فجائز أن يكونوا ظنوا ما ذكرنا من ظنهم، فأما على غير ذلك فلا يحتمل مع اجتماع أهل التأويل على أن ذلك كان في أمر الحديبية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ .

أي: ظننتم برسول الله  وأصحابه -  م - ظن السوء أنهم لا يرجعون إلى أهليهم.

ويحتمل ظننتم بالله ظن السوء أنه لا ينصر رسوله ولا يعينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بُوراً ﴾ أي: هلكى، أي: تصيرون قوما هلكى؛ فيه دليل أنهم يموتون على نفاقهم.

وقال الحسن: ﴿ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ﴾ أي: فاسدون لا خير فهم، وكذلك يقول ابن عباس -  ما -: إن البور هو الفاسد.

وقال بعضهم: البور في كلام العرب: لا شيء.

وقال القتبي: البور: الهلكى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً ﴾ فهو ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ قيل فيه بوجوه: أحدها: ولله خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود -  - أنه كان يقرؤه: ﴿ ولله خزائن السماوات والأرض ﴾ .

والثاني: ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض، أي: لله حقيقة ملك كل ملك في السماوات والأرض.

والثالث: ولله ولاية أهل السماوات والأرض وسلطانه، أي: الولاية والسلطان له على أهل السماوات والأرض.

ثم يحتمل ذكره هذا وجهين: أحدهما: يخبر أنه فيما يأمرهم وينهاهم ويمتحنهم بأنواع المحن إنما يأمرهم وينهى ويمتحن لا لحاجة نفسه ولا لمنفعة له؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولا يحتمل من له ملك ما ذكر أن يقع له الحاجة إلى ما ذكر أو المنفعة؛ لأنه غني بذاته؛ ولكن يأمرهم وينهاهم، ويمتحنهم بما امتحن؛ لحاجتهم ولمنفعتهم، والله أعلم.

والثاني: يذكر هذا ليقطعوا الرجاء عما في أيدي الخلق، ويصرفوا الطمع والرجاء إلى الله -  - ومنه يرون كل نفع وخير يصل إليهم، ومنه يخافون في كل أمر فيه خوف، لا يخافون سواه، ولا يطمعون غيره، وهو ما أخبر: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ  ﴾ ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ يقول - والله أعلم -: هو يغفر لمن يشاء، وهو المالك لذلك، وهو يعذب من يشاء؛ أي ليس يملك أحد مغفرة ذنوب أحد سواه ولا تعذيبه، إنما ذلك منه، وله ملك ذلك، وله الفعل دون خلقه؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم في كل أمر إلى الله -  - ومنه يخافون في كل أمر فيه خوف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ، وكان الله لم يزل رحيما، لا أنه حدث ذلك له بخلقة، والله الموفق.

وقوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ ﴾ من الحديبية، خلفهم الله - عز وجل - لما علم منهم من اختيار التخلف.

وقوله: ﴿ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ...

﴾ الآية.

ذكر أهل التأويل: أن رسول الله  لما صالح أهل مكة عام الحديبية ورجع اشتد ذلك على أصحابه -  م - لما كانوا طمعوا دخول مكة والزيارة لبيته، فبشره ربه بفتح خيبر والغنيمة لهم، فعند ذلك لما انتهى إلى المنافقين المخلفين عن الحديبية تلك البشارة له بفتح خيبر عليهم - قالوا: ذرونا نتبعكم؛ فنصيب معكم الغنائم؛ وإنما رغبوا في اتباعهم معهم؛ لما علموا أن رسول الله  يصدق فيما يخبر من البشارة له والفتح والغنيمة له بلا مؤنة قتال ولا حرب تقع هنالك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لأن البشارة بفتح خيبر، وجعله غنيمة لمن شهد الحديبية، فأما من تخلف عنها، فليس له في ذلك من نصيب، فأخبر الله -  - أنهم يريدون أن يبدلوا ما وعد الله -  - للمؤمنين الذين شهدوا الحديبية - فتح خبير خاصة؛ بأن يشركوا فيها، وفي ذلك تبديل ما وعد؛ إذ لم يشهدوا هم الحديبية، والبشارة بالفتح لمن شهدها، فأما من تخلف عنها فلا.

وقال بعضهم: تبديل كلام الله ما قال في سورة براءة: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ فلما سألوا الخروج إلى خيبر والاتباع لهم، وقد نهاهم عن الخروج معهم أبدا، يريدون أن يبدلوا ذلك النهي الذي نهوا في سورة براءة؛ فيحتمل الأمرين جميعاً؛ كذا ذكر الشيخ - رحمه الله - وعامة أهل التأويل على أن قوله: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  ﴾ نزل في غزوة تبوك، وأنها بعد خيبر، فلم يكن خروجهم مع رسول الله  بخيبر تبديل النهي الذي نهوا عن الخروج معه، لكن كأنه لم يثبت عنده نزول الآية في غزوة تبوك، أو وقع الخطأ من الذين تلقنوا منه وكتبوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ هي البشارة التي ذكرنا لمن شهد الحديبية، قال: إن مغانم خيبر لمن شهد الحديبية، وأمّا من لم يشهد فلا.

ويحتمل قوله: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ما ذكر في سورة براءة: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ كانوا يقيسون أصحاب رسول الله  بأنفسهم؛ لأنهم إذا أصابوا شيئاً - أعني: المنافقين - كانوا يحسدون أصحاب رسول الله  ، وأرادوا ألا يكون لهم في ذلك نصيب ولا حظ؛ حسداً منهم لهم، فلما منعهم المؤمنون عن الخروج إلى خيبر وقالوا: إن الله نهاكم أن تخرجوا معنا، وقد بشروا بالفتح، قالوا عند ذلك: بل تحسدوننا في إصابة تلك الغنائم، لم ينهنا الله -  - عن الخروج معكم؛ قاسوا المؤمنين بأنفسهم، ﴿ بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ الفقه هو الاستدلال بما عرفوه وشهدوه على الذي لم يعلموه وغاب عنهم؛ يخبر أن هؤلاء لا يعرفون الاستدلال.

وقال بعضهم: الفقه هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ ﴾ وهم الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ على قول ابن عباس -  - ومقاتل: وهؤلاء هم بنو حنيفة، وفيهم مسيلمة الحنفي الكذاب، استقرت إليهم الأعراب بعد نبيّ الله  فدعاهم أبو بكر الصديق إلى قتالهم.

وقال الحسن: هم أهل فارس والروم.

وقال قتادة وغيره: دعوا إلى قتال هوازن وثقيف يوم حنين.

ويروى عن جابر بن عبد الله -  - يقول: دعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف، فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد، ومنهم من أبى.

لكن ما قال قتادة غير محتمل؛ لأن قتال هوازن وثقيف يوم حنين كان في زمن رسول الله  وهو تولى ذلك، وقال في آية أخرى: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً...

﴾ الآية [التوبة: 83]، فلا يحتمل أن يدعوا إلى قتال هؤلاء وهو تولى قتالهم، وقد قال الله -  - خبراً عنه: ﴿ وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ فإذا لم يحتمل هذا رجع التأويل إلى ما قال ابن عباس ومقاتل -  ما - أنهم إنما دعوا إلى قتال أهل اليمامة وهم بنو حنيفة، دعاهم أبو بكر الصديق -  - لكن لو كان ما قال أهل التأويل أن قوله -  -: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  ﴾ نزل في غزوة تبوك، وهي بعد يوم حنين، فيكون ما قاله قتادة محتملا، والله أعلم.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ في قوم خاص، وهو ما قال: ﴿ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ  ﴾ أي: أهل الغناء والثروة، إنما قال ذلك لأولي الطول الذين استأذنوه القعود مع القاعدين، والله أعلم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ في أهل فارس والروم؛ على ما قال الحسن، وذلك إنما فتح في زمن عمر،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، ومن قرأها: ﴿ تقاتلونهم أو يسلموا ﴾ بالألف فيكون تأويله: تقاتلونهم حتى يسلموا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً ﴾ ، أي: إن تطيعوا فيما دعيتم إلى الجهاد يؤتكم الله أجراً حسناً، ذكر أنه يؤتيهم أجراً حسناً؛ لأن توبتهم تكون فيما كان كفرهم وكان نفاقهم إنما ظهر بتخلفهم عن الجهاد، فعلى ذلك تكون توبتهم في تحقيق الجهاد.

وقوله: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ ﴾ فيما دعيتم إليه ﴿ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عن الحديبية وغيره ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

ثم عذر أهل العذر منهم بقوله -  -: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ كما عذر أهل العذر من المؤمنين بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ...

﴾ الآية [التوبة: 91].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ ؛ لأنهم إذا تولوا عادوا إلى ما كانوا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأعطاهم مغانم كثيرة يأخذونها من أهل خيبر، وكان الله عزيزًا لا يغالبه أحد، حكيمًا في خلقه وتقديره وتدبيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.v3AoP"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله