تفسير الآية ٢ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٢ من سورة الفتح

لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا ٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 35 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) : هذا من خصائصه - صلوات الله وسلامه عليه - التي لا يشاركه فيها غيره .

وليس صحيحا في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .

وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو - صلوات الله وسلامه عليه - في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه ، لا من الأولين ولا من الآخرين ، وهو أكمل البشر على الإطلاق ، وسيدهم في الدنيا والآخرة .

ولما كان أطوع خلق الله لله ، وأكثرهم تعظيما لأوامره ونواهيه .

قال حين بركت به الناقة : " حبسها حابس الفيل " ثم قال : " والذي نفسي بيده ، لا يسألوني اليوم شيئا يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها " فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح ، قال الله له : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ) أي : في الدنيا والآخرة ، ( ويهديك صراطا مستقيما ) أي : بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) إنما هو خبر من الله جلّ ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام عن جزائه له على شكره له, على النعمة التي أنعم بها عليه من إظهاره له ما فتح, لأن جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها.

وبعد ففي صحة الخبر عنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم " أنه كان يقوم حتى ترِم قدماه, فقيل له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟", الدلالة الواضحة على أن الذي قلنا من ذلك هو الصحيح من القول, وأن الله تبارك وتعالى, إنما وعد نبيه محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم غفران ذنوبه المتقدمة, فتح ما فتح عليه, وبعده على شكره له, على نعمه التي أنعمها عليه.

وكذلك كان يقول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إنّي لأسْتَغْفِرُ الله وأتُوبُ إلَيْهِ فِي كُلّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرةٍ" ولو كان القول في ذلك أنه من خبر الله تعالى نبيه أنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر على غير الوجه الذي ذكرنا, لم يكن لأمره إياه بالاستغفار بعد هذه الآية, ولا لاستغفار نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ربه جلّ جلاله من ذنوبه بعدها معنى يعقل, إذ الاستغفار معناه: طلب العبد من ربه عزّ وجلّ غفران ذنوبه, فإذا لم يكن ذنوب تغفر لم يكن لمسألته إياه غفرانها معنى, لأنه من المحال أن يقال: اللهمّ اغفر لي ذنبا لم أعمله.

وقد تأوّل ذلك بعضهم بمعنى: ليغفر لك ما تقدّم من ذنبك قبل الرسالة, وما تأخر إلى الوقت الذي قال: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ).

وأما الفتح الذي وعد الله جلّ ثناؤه نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم هذه العدة على شكره إياه عليه, فإنه فيما ذُكر الهدنة التي جرت بين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبين مشركي قريش بالحديبية.

وذُكر أن هذه السورة أُنـزلت على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منصرفه عن الحديبية بعد الهدنة التي جرَت بينه وبين قومه.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) قال: قضينا لك قضاء مبينا.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) والفتح: القضاء.

ذكر الرواية عمن قال: هذه السورة نـزلت على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في الوقت الذي ذكرت.

حدثنا حميد بن مسعدة, قال: ثنا بشر بن المفضل, قال: ثنا داود, عن عامر ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) قال: الحديبية.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) قال: نحرُه بالحديبية وحَلْقُه.

حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا أبو بحر, قال: ثنا شعبة, قال: ثنا جامع بن شدّاد, عن عبد الرحمن بن أبي علقمة, قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول " لما أقبلنا من الحُديبية أعرسنا فنمنا, فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت, فاستيقظنا ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نائم, قال: فقلنا أيقظوه, فاستيقظ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: افْعَلُوا كمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ, فكذلك من نام أو نسي قال: وفقدنا ناقة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فوجدناها قد تعلَّق خطامها بشجرة, فأتيته بها, فركب فبينا نحن نسير, إذ أتاه الوحي, قال: وكان إذا أتاه اشتدّ عليه; فلما سري عنه أخبرنا أنه أُنـزل عليه ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) ".

حدثنا أحمد بن المقدام, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة, عن أنس بن مالك, قال: " لما رجعنا من غزوة الحديبية, وقد حيل بيننا وبين نسكنا, قال: فنحن بين الحزن والكآبة, قال: فأنـزل الله عزّ وجلّ: ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) , أو كما شاء الله, فقال نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَقَدْ أُنـزلَتْ عَليَّ آيَةٌ أحَبُّ إلي مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعا ".

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن أنس بن مالك, في قوله ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) قال: نـزلت على النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مرجعه من الحديبية, وقد حيل بينهم وبين نسكهم, فنحر الهدي بالحديبية, وأصحابه مخالطو الكآبة والحزن, فقال: لَقَدْ أُنـزلَتْ عَلي آيَةٌ أحَبُّ إليَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعا, فَقَرَأَ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ )...

إلى قوله ( عَزِيزًا ) فقال أصحابه هنيئا لك يا رسول الله قد بين الله لنا ماذا يفعل بك, فماذا يفعل بنا, فأنـزل الله هذه الآية بعدها لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ...

إلى قوله وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا .

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا همام, قال: ثنا قتادة, عن أنس, قال: أُنـزلت هذه الآية, فذكر نحوه.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, عن أنس بنحوه, غير أنه قال في حديثه: " فَقال رجل من القوم: هنيئا لك مريئا يا رسول الله, وقال أيضا: فبين الله ماذا يفعل بنبيه عليه الصلاة والسلام, وماذا يفعل بهم ".

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: " ونـزلت على النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) مرجعه من الحديبية, فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَقَدْ نـزلَتْ عَليَّ آيَةٌ أحَبُّ إليَّ مِمَّا عَلى الأرْضِ, ثم قرأها عليهم, فقالوا: هنيئا مريئا يا نبيّ الله, قد بين الله تعالى ذكره لك ماذا يفعل بك, فماذا يفعل بنا؟

فنـزلت عليه لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ...

إلى قوله فَوْزًا عَظِيمًا .

حدثنا ابن بشار وابن المثنى, قالا ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن قتادة, عن عكرمة, قال: لما نـزلت هذه الآية ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا &; 22-201 &; لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) قالوا: هنيئا مريئا لك يا رسول الله, فماذا لنا؟

فنـزلت لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ .

حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنس في هذه الآية ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) قال: الحديبية.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا يحيى بن حماد, قال: ثنا أبو عوانة, عن الأعمش, عن أبي سفيان, عن جابر قال: ما كنا نعدّ فتح مكة إلا يوم الحديبية.

حدثنا أبو كُريب, قال: ثنا يعلى بن عبيد, عن عبد العزيز بن سياه, عن حبيب بن أبي ثابت, عن أبي وائل, قال: تكلم سهل بن حنيف يوم صفِّين, فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم, لقد رأيتنا يوم الحديبية, يعني الصلح الذي كان بين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبين المشركين, ولو نرى قتالا لقاتلنا, فجاء عمر إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقال: يا رسول الله, ألسنا على حق وهم على باطل ؟

أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟

قال: بَلى, قال: ففيم نعطى الدنية في ديننا, ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟

فقال: يا ابْنَ الخَطَّابِ, إنّي رَسُولُ الله, وَلَنْ يُضَيَّعَنِي أَبَدًا ", قال: فرجع وهو متغيظ, فلم يصبر حتى أتى أبا بكر, فقال: يا أبا بكر ألسنا على حقّ وهم على باطل ؟

أليس قتلانا في الجنة, وقتلاهم في النار؟

قال: بلى, قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا, ونرجع ولمَّا يحكم الله بيننا وبينهم؟

فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله, لَن يضيعه الله أبدأ, قال: فنـزلت سورة الفتح, فأرسل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى عمر, فأقرأه إياها, فقال: يا رسول الله, أوفتح هو؟

قال: نَعَمْ " .

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي, قال: ثنا أبي, عن أبيه, عن جدّه, عن الأعمش, عن أبي سفيان, عن جابر, قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية.

حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن البراء, قال: تعدّون أنتم الفتح فتح مكة, وقد كان فتح مكة فتحا, ونحن نعدّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية, كنا مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خمس عشرة مِئة, والحديبية: بئر.

حدثني موسى بن سهل الرملي, ثنا محمد بن عيسى, قال: ثنا مُجَمع بن يعقوب الأنصاري, قال: سمعت أبي يحدّث عن عمه عبد الرحمن بن يزيد, عن عمه مجمِّع بن جارية الأنصاري, وكان أحد القرّاء الذين قرءوا القرآن, قال: " شهدنا الحديبية مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فلما انصرفنا عنها, إذا الناس يهزّون الأباعر, فقال بعض الناس لبعض: ما للناس, قالوا: أوحي إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ) فقال رجل: أوَفتح هو يا رسول الله؟

قال: نَعَمْ, والَذِّي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ, قال: فَقُسِّمَت خيبر على أهل الحديبية, لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية, وكان الجيش ألفا وخمسمائة, فيهم ثلاث مئة فارس, فقسمها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على ثمانية عشر سهما, فأعطى الفارس سهمين, وأعطى الراجل سهما ".

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن الشعبيّ, قال: " نـزلت ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) بالحديبية, وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصبه في غزوة, أصاب أن بُويع بيعة الرضوان, وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر, وظهرت الروم على فارس, وبلغ الهَدْيُ مَحِله, وأطعموا نخل خبير, وفرح المؤمنون بتصديق النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, وبظهور الروم على فارس ".

وقوله تعالى ( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) بإظهاره إياك على عدوّك, ورفعه ذكرك في الدنيا, وغفرانه ذنوبك في الآخرة ( وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) يقول: ويرشدك &; 22-203 &; طريقا من الدين لا اعوجاج فيه, يستقيم بك إلى رضا ربك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيماقال ابن الأنباري : فتحا مبينا غير تام ; لأن قوله : ليغفر لك الله ما تقدم متعلق بالفتح .

كأنه قال : إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجمع الله لك مع الفتح المغفرة ، فيجمع الله [ ص: 240 ] لك به ما تقر به عينك في الدنيا والآخرة .

وقال أبو حاتم السجستاني : هي لام القسم .

وهذا خطأ ; لأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها ، ولو جاز هذا لجاز : ليقوم زيد ، بتأويل ليقومن زيد .

الزمخشري : فإن قلت كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة ؟

قلت : لم يجعل علة للمغفرة ، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة ، وهي : المغفرة ، وإتمام النعمة ، وهداية الصراط المستقيم ، والنصر العزيز .

كأنه قال يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك ليجمع لك عز الدارين وأعراض العاجل والآجل .

ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا للغفران والثواب .

وفي الترمذي عن أنس قال : أنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر مرجعه من الحديبية ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : [ لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على وجه الأرض ] .

ثم قرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم ، فقالوا : هنيئا مريئا يا رسول الله ، لقد بين الله لك ماذا يفعل بك ، فماذا يفعل بنا ، فنزلت عليه : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار - حتى بلغ - فوزا عظيما قال حديث حسن صحيح .

وفيه عن مجمع بن جارية .واختلف أهل التأويل في معنى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقيل : ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة .

وما تأخر بعدها ، قاله مجاهد .

ونحوه قال الطبري وسفيان الثوري ، قال الطبري : هو راجع إلى قوله تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح إلى قوله توابا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة وما تأخر إلى وقت نزول هذه الآية .

وقال سفيان الثوري : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ما عملته في الجاهلية من قبل أن يوحى إليك .

وما تأخر كل شيء لم تعمله ، وقاله الواحدي .

وقد مضى الكلام في جريان الصغائر على الأنبياء في سورة " البقرة " ، فهذا قول .وقيل : ما تقدم قبل الفتح .

وما تأخر بعد الفتح .

وقيل : ما تقدم قبل نزول هذه الآية .

وما تأخر بعدها .

وقال عطاء الخراساني : ما تقدم من ذنبك يعني من ذنب أبويك آدم وحواء .

وما تأخر من ذنوب أمتك .

وقيل : من ذنب أبيك إبراهيم .

وما تأخر من ذنوب النبيين .

وقيل : ما تقدم من ذنب يوم بدر .

وما تأخر من ذنب يوم حنين .

وذلك أن الذنب المتقدم يوم بدر ، أنه جعل يدعو ويقول : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا وجعل يردد هذا القول دفعات ، فأوحى الله إليه : من أين تعلم أني لو أهلكت هذه العصابة لا أعبد أبدا ، فكان هذا الذنب المتقدم .

وأما الذنب المتأخر فيوم حنين ، لما انهزم الناس قال لعمه العباس [ ص: 241 ] ولابن عمه أبي سفيان : [ ناولاني كفا من حصباء الوادي ] فناولاه فأخذه بيده ورمى به في وجوه المشركين وقال : [ شاهت الوجوه .

حم .

لا ينصرون ] فانهزم القوم عن آخرهم ، فلم يبق أحد إلا امتلأت عيناه رملا وحصباء .

ثم نادى في أصحابه فرجعوا فقال لهم عند رجوعهم : [ لو لم أرمهم لم ينهزموا ] فأنزل الله - عز وجل - : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فكان هذا هو الذنب المتأخر .

وقال أبو علي الروذباري : يقول لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك .قوله تعالى : ويتم نعمته عليك قال ابن عباس : في الجنة .

وقيل : بالنبوة والحكمة .

وقيل : بفتح مكة والطائف وخيبر .

وقيل : بخضوع من استكبر وطاعة من تجبر .

ويهديك صراطا مستقيما أي يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ورتب الله على هذا الفتح عدة أمور، فقال: { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } وذلك -والله أعلم- بسبب ما حصل بسببه من الطاعات الكثيرة، والدخول في الدين بكثرة، وبما تحمل صلى الله عليه وسلم من تلك الشروط التي لا يصبر عليها إلا أولو العزم من المرسلين، وهذا من أعظم مناقبه وكراماته صلى الله عليه وسلم، أن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.{ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بإعزاز دينك، ونصرك على أعدائك، واتساع كلمتك، { وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } تنال به السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قيل : اللام في قوله : ( ليغفر ) لام كي ، معناه : إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح .

وقال الحسين بن الفضل : هو مردود إلى قوله : " واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات " ( محمد - 19 ) " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " و " ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات " الآية .

وقال محمد بن جرير : هو راجع إلى قوله : " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره " ( النصر : 1 - 3 ) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك في الجاهلية قبل الرسالة ، وما تأخر إلى وقت نزول هذه السورة .

وقيل : ( وما تأخر ) مما يكون ، وهذا على طريقة من يجوز الصغائر على الأنبياء .

وقال سفيان الثوري : ) ما تقدم ( مما عملت في الجاهلية ) وما تأخر ( كل شيء لم تعمله ، ويذكر مثل ذلك على طريق التأكيد ، كما يقال : أعطى من رآه ومن لم يره ، وضرب من لقيه ومن لم يلقه .

وقال عطاء الخراساني : ) ما تقدم من ذنبك ( يعني ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك ) وما تأخر ( ذنوب أمتك بدعوتك .

) ويتم نعمته عليك ( بالنبوة والحكمة ) ويهديك صراطا مستقيما ( أي يثبتك عليه ، والمعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى الصراط المستقيم وهو الإسلام .

وقيل : ويهديك أي يهدي بك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليغفر لك الله» بجهادك «ما تقدم من ذنبك وما تأخر» منه لترغب أمتك في الجهاد وهو مؤول لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالدليل العقلي القاطع من الذنوب واللام للعلة الغائية فمدخولها مسبب لا سبب «ويتم» بالفتح المذكور «نعمته» إنعامه «عليك ويهديك» به «صراطا» طريقا «مستقيما» يثبتك عليه وهو دين الإسلام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فتحنا لك ذلك الفتح، ويسَّرناه لك؛ ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؛ بسبب ما حصل من هذا الفتح من الطاعات الكثيرة وبما تحملته من المشقات، ويتم نعمته عليك بإظهار دينك ونصرك على أعدائك، ويرشدك طريقًا مستقيمًا من الدين لا عوج فيه، وينصرك الله نصرًا قويًّا لا يَضْعُف فيه الإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك مظاهر فضله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) .واللام فى قوله ( لِّيَغْفِرَ ) متعلقة بقوله : ( فَتْحاً ) وهى للتعليل .

والمراد بما تقدم من ذنبه - صلى الله عليه وسلم - ما كان قبل النبوة ، وبما تأخر منه ما كان بعدها .والمراد بالذنب هنا بالنسبة له - صلى الله عليه وسلم - ما كان خلاف الأولى ، فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ، أو المراد بالغفران : الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها ، فلا يصدر منه - صلى الله عليه وسلم - ذنب ، لأن غفران الذنوب معناه : سرتها وتغطيتها وإزالتها .قال الشوكانى : وقوله - تعالى - : ( لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) اللام : متعلقة بفتحنا وهى لام العلة ، قال المبرد : هى لام كى ومعناها : إنا فتحنا لك فتحا مبينا - أى : ظاهرا واضحا مكشوفا - لكى يجتمع لك مغ المغفرة تمام النعمة فى الفتح ، فلما انضم إلى المغفرة شئ حادث واقع حسن معنى كى .وقال ابن عطية : المراد أن الله فتح لك لكى يجعل الفتح علامة لغفرانه لك ، فكأنها لام الصيرورة .وقال بعض العلماء : وقوله : ( لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) هو كناية عن عدم المؤاخذة .

أو المراد بالذنب ما فرط منه - صلى الله عليه وسلم - من خلاف الأولى بالنسبة لمقامه - صلى الله عليه وسلم - أو المراد بالغفران : الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها ، فلا يصدر منه ذنب .

لأن الغفر هو الستر ، والستر إما بين العبد والذنب ، وهو اللائق بمقام النبوة ، أو بين الذنب وعقوبته ، وهو اللائق بغيره .واللام فى ( لِّيَغْفِرَ ) للعلة الغائية .

أى : أن مجموع المتعاطفات الأربعة غاية للفتح المبين ، وسبب عنه لا كل واحد منها .والمعنى : يسرنا لك هذا الفتح لإِتمام النعمة عليك ، وهدايتك إلى الصراط المستقيم ، ولنصرك نصرا عزيزا .ولما امتن الله عليه بهذه النعم ، صدرها بما هو اعظم ، وهو المغفرة الشاملة ليجمع له بين عزى الدنيا والآخرة .

فليست المغفرة مسببة عن الفتح .ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - مع هذه المغفرة من الله - تعالى - له ، أعبد الناس لربه ، وأشدهم خوفا منه ، وأكثرهم صلة به .قال ابن كثير : قال الإِمام أحمد : " حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة قال : سمعت المغيرة بن شعبة يقول : كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصلى حتى تَرِمَ قدماه أى : تتورهم - فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال : " أفلا أكون عبدا شكورا " " .وعن عروة بن الزبير " عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه - أى : تتشقق - فقالت له عائشة : يا رسول الله ، أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟فقال : " يا عائشة ، أفلا أكون عدبا شكورا .

.

" " .وقوله - تعالى - : ( وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) معطوف على ما قبله .

أى : ويتم - سبحانه - نعمه عليك - أيها الرسول الكريم - بأن يظهر دعوتك ، ويكتب بها النصر ، والخلود ، ويعطيك من الخصائص والمناقب ما لم يعطه لأحد من الأنبياء ، فضلا عن غيرهم .( وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ) أى : ويهديك ويرشدك - سبحانه - بفضله وكرمه ، إلى الطريق القويم ، والدين الحق ، والأقوال الطيبة ، والأعمال الصالحة .

.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الفَتْحِ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في مَرْجِعِ رَسُولِ اللَّهِ  مِنَ الحُدَيْبِيَةِ وآيُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ وعْدٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ أوْ بِما اتُّفِقَ لَهُ في تِلْكَ السَّنَةِ كَفَتْحِ خَيْبَرَ وفُدُكَ، أوْ إخْبارٌ عَنْ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وإنَّما سَمّاهُ فَتْحًا لِأنَّهُ كانَ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَلى المُشْرِكِينَ حَتّى سَألُوا الصُّلْحَ وتَسَبَّبَ لِفَتْحِ مَكَّةَ، وفَرَغَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  لِسائِرِ العَرَبِ فَغَزاهم وفَتَحَ مَواضِعَ وأدْخَلَ في الإسْلامِ خَلْقًا عَظِيمًا، وظَهَرَ لَهُ في الحُدَيْبِيَةِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وهي أنَّهُ نُزِحَ ماؤُها بِالكُلِّيَّةِ فَتَمَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّهُ فِيها فَدَرَّتْ بِالماءِ حَتّى شَرِبَ جَمِيعُ مَن كانَ مَعَهُ، أوْ فَتْحُ الرُّومِ فَإنَّهم غَلَبُوا الفُرْسَ في تِلْكَ السَّنَةِ.

وقَدْ عَرَفْتَ كَوْنَهُ فَتْحًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في سُورَةِ «الرُّومِ».

وقِيلَ: الفَتْحُ بِمَعْنى القَضاءِ أيْ قَضَيْنا لَكَ أنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ مِن قابِلٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لِّيَغْفِرَ لَكَ الله} قيل الفتح ليس بسبب المغفرة والتقدير إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً فاستغفر لك الله ومثله إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح

إلى قوله فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ واستغفره ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سبباً للغفران وقيل الفتح لم يكن ليغفر له بل لإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز ولكنه لما عدد عليه هذه النعم وصلها بما هو أعظم النعم كأنه قيل يسرّنا لك فتح مكة أو كذا لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} يريد جميع ما فرط منك أو ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك {ويهديك صراطا مستقيما} يثبتك على الدين المرضي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ مَذْهَبُ الأشاعِرَةِ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَهُ تَعالى لا تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ اللّامِ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِتَشْبِيهِ مَدْخُولِها بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ في تَرَتُّبِهِ عَلى مُتَعَلِّقِها وتَرَتُّبِ المَغْفَرَةِ عَلى الفَتْحِ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ سَعْيًا مِنهُ  في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى بِمُكابَدَةِ مَشاقِّ الحُرُوبِ واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ، والسَّلَفُ كَما قالَ ابْنُ القَيِّمِ وغَيْرُهُ يَقُولُونَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي شَرْحِ المَقاصِدِ لِلْعَلّامَةِ التَّفْتازانِيِّ أنَّ مِن بَعْضِ أدِلَّتِهِمْ- أيِ الأشاعِرَةِ- ومَن وافَقَهم عَلى هَذا المَطْلَبِ يُفْهِمُ أنَّهم أرادُوا عُمُومَ السَّلْبِ ومِن بَعْضِها أنَّهم أرادُوا سَلْبَ العُمُومِ، ثُمَّ قالَ: الحَقُّ أنَّ بَعْضَ أفْعالِهِ تَعالى مُعَلَّلٌ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ وذَلِكَ ظاهِرٌ والنُّصُوصُ شاهِدَةٌ بِهِ، وأمّا تَعْمِيمُ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَخْلُو فِعْلٌ مِن أفْعالِهِ سُبْحانَهُ مِن غَرَضٍ فَمَحَلُّ بَحْثٍ، وذَكَرَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ الطَّوالِعِ في هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وأكْثَرِ الفُقَهاءِ، وأنا أقُولُ: بِما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّلَفُ لِوُجُودِ التَّعْلِيلِ فِيما يَزِيدُ عَلى عَشَرَةِ آلافِ آيَةٍ وحَدِيثٍ، والتِزامُ تَأْوِيلِ جَمِيعِها خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ، وما يَذْكُرُهُ الحاضِرُونَ مِنَ الأدِلَّةِ يَدْفَعُ بِأدْنى تَأمُّلٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن طالَعَ كُتُبَ السَّلَفِيِّينَ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ.

وفي الكَشّافِ لَمْ يَجْعَلِ الفَتْحَ عِلَّةً لِلْمَغْفِرَةِ لَكِنْ لِاجْتِماعِ ما عَدَّدَ مِنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ وهي المَغْفِرَةُ وإتْمامُ النِّعْمَةِ وهِدايَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ والنَّصْرُ العَزِيزُ كَأنَّهُ قِيلَ: يَسَّرْنا لَكَ فَتْحَ مَكَّةَ ونَصَرْناكَ عَلى عَدُوِّكَ لِنَجْمَعَ لَكَ بَيْنَ عِزِّ الدّارَيْنِ وأغْراضَ العاجِلِ والآجِلِ، وحاصِلُهُ كَما قالَ العَلّامَةُ أنَّ الفَتْحَ لَمْ يُجْعَلْ عِلَّةً لِكُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفاتِ بَعْدَ اللّامِ أعْنِي المَغْفِرَةَ وإتْمامَ النِّعْمَةِ والهِدايَةَ والنَّصْرَ بَلْ لِاجْتِماعِها، ويَكْفِي في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في حُصُولِ البَعْضِ كَإتْمامِ النِّعْمَةِ والنَّصْرِ العَزِيزِ، وتَحْقِيقُهُ كَما قالَ إنَّ العَطْفَ عَلى المَجْرُورِ بِاللّامِ قَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ في مُتَعَلِّقِ اللّامِ مِثْلَ جِئْتُكَ لِأفُوزَ بِلُقْياكَ وأحُوزَ عَطاياكَ ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِ اللّامِ وعَطْفِ جارٍّ ومَجْرُورٍ عَلى جارٍّ ومَجْرُورٍ، وقَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ في مَعْنى اللّامِ كَجِئْتُكَ لِتَسْتَقِرَّ في مَقامِكَ وتَفِيضَ عَلَيَّ مِن إنْعامِكَ أيْ لِاجْتِماعِ الأمْرَيْنِ، ويَكُونُ مِن قَبِيلِ جاءَنِي غُلامُ زَيْدٍ وعَمْرٍو أيِ الغُلامُ الَّذِي لَهُما.

واسْتُظْهِرَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ البَعْضَ فَذِكْرُ الباقِي لَغْوٌ أنْ يُقالَ: لا يَخْلُو كُلٌّ مِنهُما أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ وهو ظاهِرٌ أوِ المَقْصُودُ البَعْضُ وحِينَئِذٍ فَذِكْرُ غَيْرِهِ إمّا لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ أوْ لِشَدَّةِ ارْتِباطِهِ بِهِ أوْ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ فَيُذْكَرُ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ وقَوْلُكَ: أعْدَدْتُ الخَشَبَ لِيَمِيلَ الحائِطُ فَأُدَعِّمَهُ ولازَمْتُ غَرِيمِي لِأسْتَوْفِيَ حَقِّي وأُخَلِّيَهُ.

وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المَقْصُودَ فِيما نَحْنُ فِيهِ تَعْلِيلُ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ فَحَسْبُ فَتَأمَّلْ لِتَعْرِفَ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ هو.

واعْلَمْ أنَّ المَشْهُورَ كَوْنُ العِلَّةِ ما دَخَلَتْهُ اللّامُ لا ما تَعَلَّقَتْ بِهِ كَما هو ظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ لَكِنْ حُقِّقَ أنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى الغايَةِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ ما بَعْدَها عِلَّةٌ ويُرادُ بِحَسَبِ التَّعَقُّلِ وأنْ يُقالَ: ما تَعَلَّقَتْ بِهِ عِلَّةٌ ويُرادُ بِحَسَبِ الوُجُودِ فَلا تَغْفَلْ.

وزَعَمَ صاحِبُ الغَنِيّانِ أنَّ اللّامَ هاهُنا هي لامُ القَسَمِ وكُسِرَتْ وحُذِفَ النُّونُ مِنَ الفِعْلِ تَشْبِيهًا بِلامِ كَيْ.

ورُدَّ بِأنَّ لامَ القَسَمِ لا تُكْسَرُ ولا يُنْصَبُ بِها فَإنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ واللَّهِ لَيَقُومُ زَيْدٌ عَلى مَعْنى لَيَقُومَنَّ زَيْدٌ، وانْتَصَرَ لَهُ بِأنَّ الكَسْرَ قَدْ عُلِّلَ بِتَشْبِيهِها بِلامِ كَيْ.

وأمّا النِّصْفُ فَلَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ: بِأنَّهُ لَيْسَ نَصْبًا وإنَّما هو الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مَعَ وُجُودِ النُّونِ بَقِيَتْ بَعْدَ حَذْفِها دَلالَةً عَلى الحَذْفِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُجْدِي نَفْعًا مَعَ عَدَمِ السَّماعِ، هَذا والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الذّاتِ المُسْتَتْبَعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنْ كُلَّ واحِدٍ مِمّا انْتَظَمَ في سِلْكِ الغايَةِ مِن أفْعالِهِ تَعالى صادِرٌ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ مِن حَيْثِيَّةٍ غَيْرِ حَيْثِيَّةِ الآخَرِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

وقالَ الصَّدْرُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ تَعالى في مَقامِ المَغْفِرَةِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ المُشْعِرِ بِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ يُشْعِرُ بِسَبْقِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى عَلى عَذابِهِ.

وفي البَحْرِ لَمّا كانَ الغُفْرانُ وما بَعْدَهُ يَشْتَرِكُ في إطْلاقِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( يَهْدِي مَن يَشاءُ ) وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ ﴾ وكانَ الفَتْحُ مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسْنَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلى نُونِ العَظَمَةِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وأسْنَدَ تِلْكَ الأشْياءَ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وضَمِيرِهِ وهُوَ كَما تَرى وإنْ قالَهُ الإمامُ أيْضًا، وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في إسْنادِ المَغْفِرَةِ إلَيْهِ تَعالى بِالِاسْمِ الأعْظَمِ بَعْدَ إسْنادِ الفَتْحِ إلَيْهِ تَعالى بِنُونِ العَظَمَةِ إيماءٌ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ مِمّا يَتَوَلّاها سُبْحانَهُ بِذاتِهِ وأنَّ الفَتْحَ مِمّا يَتَوَلّاهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِالوَسائِطِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّ عادَةَ العُظَماءِ أنْ يُعَبِّرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِأنَّ ما يَصْدُرُ عَنْهم في الأكْثَرِ بِاسْتِخْدامِ تَوابِعِهِمْ، ولا يُعْتَرَضُ بِأنَّ النَّصْرَ كالفَتْحِ وقَدْ أُسْنِدَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما لا يَخْفى عَلَيْكَ، وتَقْدِيمُ ( لَكَ ) عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وما لِلْعُمُومِ والمُتَقَدِّمُ والمُتَأخِّرُ لِلْإحاطَةِ كِنايَةً عَنِ الكُلِّ، والمُرادُ بِالذَّنْبِ ما فَرَّطَ مِن خِلافِ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو مِن قَبِيلِ حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ ما هو ذَنْبٌ في نَظَرِهِ العالِي صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَنْبًا ولا خِلافَ الأوْلى عِنْدَهُ تَعالى كَما يَرْمُزُ إلى ذَلِكَ الإضافَةُ.

وقالَ الصَّدْرُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ( لِيَغْفِرَ ) إلَخْ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ أوْ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مِن غَيْرِ تَحَقُّقِ مَعانِي المُفْرَداتِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ أنَّهُما قالا: ما تَقَدَّمَ في الجاهِلِيَّةِ وما تَأخَّرَ في الإسْلامِ، وقِيلَ: ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ مارِيَةَ وما تَأخَّرَ مِنِ امْرَأةِ زَيْدٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ مَعَ أنَّ العَكْسَ أوْلى لِأنَّ حَدِيثَ امْرَأةِ زَيْدٍ مُتَقَدِّمٌ.

وفي الآيَةِ مَعَ ما عُهِدَ مِن حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن كَثْرَةِ العِبادَةِ ما يَدُلُّ عَلى شَرَفِ مَقامِهِ إلى حَيْثُ لا تُحِيطُ بِهِ عِبارَةٌ، وقَدٌّ صَحَّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَتْ صامَ وصَلّى حَتّى انْتَفَخَتْ قَدَماهُ وتَعَبَّدَ حَتّى صارَ كالشَّنِّ البالِي فَقِيلَ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا بِنَفْسِكَ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ أوْ ما تَأخَّرَ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».

﴿ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِإعْلاءِ الدِّينِ وانْتِشارِهِ في البِلادِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أفاضَهُ تَعالى عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وإقامَةِ الحُدُودِ، قِيلَ: إنَّ أصْلَ الِاسْتِقامَةِ وإنْ كانَ حاصِلًا قَبْلَ الفَتْحِ لَكِنْ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنِ اتِّضاحِ سُبُلِ الحَقِّ واسْتِقامَةِ مَناهِجِهِ ما لَمْ يَكُنْ حاصِلًا قَبْلُ <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ ، واختلفوا في الجالب لهذه اللام في (ليغفر) فالذين قالوا: هذا الفتح في الدين ومعناه الحكم له بالإسلام والهداية، تتعلق اللام بالفتح، لأن سبب مغفرة الذنب هو الدين والإسلام، فكأنه قال: هديناك للدين ليغفر لك، وهذا معنى قول الحسن (١) (٢) (٣) ثم قال: سألت أبا العباس عن اللام في قوله: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ فقال هي لام كي معناها: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً لكي يجتمع لك مع المغفرة [كا] (٤) (٥) ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ  ﴾ أعلمه أنه إذا جاءه الفتح واستغفر غفر له (٦) وقوله: ﴿ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر ﴾ قال مقاتل: يعني ما كان في الجاهلية وما تأخر بعد النبوة (٧) وروي عن ابن عباس: أي ط كان عليك من إثم الجاهلية وما تأخر مما يكون، وهذا على طريقة من جوز الصغائر على الأنبياء (٨) وقال عطاء الخراساني: (ما تقدم من ذنبك) يعني: ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، (وما تأخر) يعني: من ذنوب أمتك بدعوتك (٩) (١٠) وقال سفيان الثوري: ﴿ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ﴾ ما عملت في الجاهلية وما تأخر، يعني: ما لم تعمله (١١) (١٢) قوله تعالى: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ قال ابن عباس: في الجنة وروي عنه أي: بالنبوة والمغفرة، والمعنى: ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم وهو الإسلام (١٣) (١) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 133 أ، "الدر المصون" 6/ 159، "تفسير الوسيط" 4/ 133.

(٢) أورد ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 133 ب، وانظر: "تفسير الوسيط" 4/ 134، "الدر المصون" 6/ 159.

(٣) أورد ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 262، والشوكاني في "فتح القدير" 5/ 44.

(٤) كذا في الأصل زيادة (كما) وليس لها معنى.

(٥) ذكره بنصه ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 423، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 134.

(٦) انظر: "تفسير ابن جرير" 13/ 68، "تفسير الثعلبي" 10/ 333 أ.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 66.

(٨) هذا بنصه في "تفسير الثعلبي" 10/ 133 أ، "تفسير البغوي" 7/ 297، "زاد المسير" 7/ 423، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 262.

(٩) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 133 أ، البغوي 7/ 298، والقرطبي 16/ 263.

(١٠) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 133 أ.

(١١) ذكر ذلك الثعلبي، والبغوي، والقرطبي، والمؤلف في "الوسيط"؛ المواضع السابقة.

(١٢) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 298.

(١٣) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 298 من غير نسبه، وذكر ابن الجوزي القولين ونسبهما لابن عباس 7/ 423، ونسبهما القرطبي لابن عباس 16/ 263، ونسبهما في "الوسيط" لابن عباس، انظر 4/ 134.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ يحتمل هذا الفتح في اللغة أن يكون بمعنى الحكم، أي حكمنا لك على أعدائك، أو من الفتح بمعنى العطاء كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ ﴾ [فاطر: 2] أو من فتح البلاد، واختلف في المراد بهذا الفتح على أربعة أقوال: الأول أنه فتح مكة وعده الله به قبل أن يكون، وذِكرُه بلفظ الماضي لتحققه، وهو على هذا بمعنى فتح البلاد، الثاني أنه ما جرى في الحديبية من بيعة الرضوان، ومن الصلح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش، وهو على هذا بمعنى الحكم، أو بمعنى العطاء، ويدل على صحة هذا القول: أنه لما وقع صلح الحديبية، شق ذلك على بعض المسلمين لشروط كانت فيه، حتى أنزل الله هذه السورة، ويتبين أن ذلك الصلح له عاقبة محمود، وهذا هو الأصح؛ لأنه رُوي أنها لما نزلت قال بعض الناس: «ما هذا الفتح وقد صدنا المشركون عن البيت؟

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالروح، ورغبوا إليكم في الأمان» ، الثالث أنه ما أصاب المسلمون بعد الحديبية من الفتوح كفتح خيبر وغيرها، الرابع أنه الهداية إلى الإسلام ودليل هذا القول قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ الله ﴾ فجعل الفتح علة للمغفرة، ولا حجة في ذلك إذ يتصور في الجهاد وغيره أن يكون علة للمغفرة أيضاً، أو تكون اللام، للصيرورة والعاقبة لا للتعليل؛ فيكون المعنى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ فكان عاقبة أمرك أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة؛ بأن غفر لك، وأتم نعمته عليك، وهداك ونصرك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليغفر لك الله ما تقدم قبل هذا الفتح من ذنبك، وما تأخر بعده، ويكمل نعمته عليك بنصر دينك، ويهديك طريقًا مستقيمًا، لا اعوجاج فيه، وهو طريق الإسلام المستقيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.Wjw2l"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده