تفسير الآية ٢٣ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٢٣ من سورة الفتح

سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا ٢٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 46 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٣ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) أي : هذه سنة الله وعادته في خلقه ، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصل إلى نصر الله الإيمان على الكفر ، فرفع الحق ووضع الباطل ، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين نصرهم على أعدائه من المشركين ، مع قلة عدد المسلمين وعددهم ، وكثرة المشركين وعددهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ) يقول تعالى ذكره: لو قاتلكم هؤلاء الكفار من قريش, لخذلهم الله حتى يهزمهم عنكم خذلانه أمثالهم من أهل الكفر به, الذين قاتلوا أولياءه من الأمم الذين مضوا قبلهم.

وأخرج قوله ( سُنَّةَ اللَّهِ ) نصبا من غير لفظه, وذلك أن في قوله ( لَوَلَّوُا الأدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ) معنى سننت فيهم الهزيمة والخذلان, فلذلك قيل: ( سُنَّةَ اللَّهِ ) مصدرا من معنى الكلام لا من لفظه, وقد يجوز أن تكون تفسيرا لما قبلها من الكلام.

وقوله ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ولن تجد يا محمد لسنة الله التي سنها في خلقه تغييرا, بل ذلك دائم للإحسان جزاءه من الإحسان, وللإساءة والكفر العقاب والنكال.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سنة الله التي قد خلت من قبل يعني طريقة الله وعاداته السالفة نصر أوليائه على أعدائه .

وانتصب ( سنة ) على المصدر .

وقيل : سنة الله أي : كسنة الله .

والسنة الطريقة والسيرة .

قال :فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرهاوالسنة أيضا : ضرب من تمر المدينة .

ولن تجد لسنة الله تبديلا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذه سنة الله في الأمم السابقة، أن جند الله هم الغالبون، { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( سنة الله التي قد خلت من قبل ) أي كسنة الله في نصر أوليائه وقهر أعدائه ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سنة الله» مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين، أي سَنَّ الله ذلك سُنَّة «التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا» منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

سنة الله التي سنَّها في خلقه من قبل بنصر جنده وهزيمة أعدائه، ولن تجد -أيها النبي- لسنة الله تغييرًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( سُنَّةَ الله التي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ) زيادة فى تثبيتهم وفى إدخال السرور على قلوبهم .

.

ولفظ ( سُنَّةَ ) منصوب على المصدرية بفعل محذوف .

أى : سن الله انتصار أهل الحق على أهل الباطل سنة قديمة وممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .( وَلَن تَجِدَ ) أيها العاقل - ( لِسُنَّةِ الله ) - تعالى - ( تَبْدِيلاً ) أو تغييرا أو تحويلا .وفى هذا المعنى ورت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

جواب عن سؤال آخر يقوم مقام الجهاد وهو أن الطوالع لها تأثيرات، والاتصالات لها تغيرات، فقال ليس كذلك (بل) سنة الله نصرة رسوله، وإهلاك عدوه.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً ﴾ .

بشارة ودفع وهن يقع بسبب وهم، وهو أنه إذا قال الله تعالى ليس هذا بالتأثيرات فلا يجب وقوعه، بل الله فاعل مختار، ولو أراد أن يهلك العباد لأهلكهم، بخلاف قول المنجم بأن الغلب لمن له طالع وشواهد تقتضي غلبته قطعاً، فقال الله تعالى: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً ﴾ يعني أن الله فاعل مختار يفعل ما يشاء ويقدر على إهلاك أصدقائه، ولكن لا يبدل سنته ولا يغير عادته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ ﴾ من أهل مكة ولم يصالحوا.

وقيل: من حلفاء أهل خيبر لغلبوا وانهزموا ﴿ سُنَّةَ الله ﴾ في موضع المصدر المؤكد، أي: سن الله غلبة أنبيائه سنة، وهو قوله تعالى: ﴿ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ﴾ [المجادلة: 21] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ﴾ وهي ما يَفِيءُ عَلى المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

﴿ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ ﴾ يَعْنِي مَقامَ خَيْبَرَ.

﴿ وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ ﴾ أيْ أيْدِيَ أهْلِ خَيْبَرَ وحُلَفائِهِمْ مِن بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ، أوْ أيْدِيَ قُرَيْشٍ بِالصُّلْحِ.

﴿ وَلِتَكُونَ ﴾ هَذِهِ الكِفَّةُ أوِ الغَنِيمَةُ.

﴿ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أمارَةً يَعْرِفُونَ بِها أنَّهم مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ، أوْ صِدْقَ الرَّسُولِ في وعْدِهِمْ فَتْحَ خَيْبَرَ في حِينِ رُجُوعِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، أوْ وعْدَ المَغانِمِ أوْ عُنْوانًا لِفَتْحِ مَكَّةَ والعَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ هو عِلَّةٌ لِ كَفَّ، أوْ «عَجَّلَ» مِثْلَ لِتُسْلِمُوا، أوْ لِتَأْخُذُوا أوِ العِلَّةُ لِمَحْذُوفٍ مِثْلَ فِعْلِ ذَلِكَ.

﴿ وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ هو الثِّقَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ.

﴿ وَأُخْرى ﴾ ومَغانِمَ أُخْرى مَعْطُوفَةٌ عَلى هَذِهِ، أوْ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها مِثْلَ قَضى، ويَحْتَمِلُ رَفْعُها بِالِابْتِداءِ لِأنَّها مَوْصُوفَةٌ وجَرُّها بِإضْمارِ رُبَّ.

﴿ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها ﴾ بَعْدُ لِما كانَ فِيها مِنَ الجَوْلَةِ.

﴿ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها ﴾ اسْتَوْلى فَأظْفَرَكم بِها وهي مَغانِمُ هَوازِنَ أوْ فارِسَ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ لِأنَّ قُدْرَتَهُ ذاتِيَّةٌ لا تَخْتَصُّ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سُنَّةَ الله} في موضع المصدر المؤكد أي سن الله غلبة أنبيائه سنة وهو قوله لاغلبن انا ورسلى {التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً} تغييراً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ سَنَّ سُبْحانَهُ غَلَبَةَ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ سُنَّةً قَدِيمَةً فِيمَن مَضى مِنَ الأُمَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي ﴾ عَلى ما هو المُتَبادَرُ مِن مَعْناهُ، ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ سُنَّتَهُ تَعالى أنْ تَكُونَ العاقِبَةُ لِأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ لا أنَّهم كُلَّما قاتَلُوا الكُفّارَ غَلَبُوهم وهَزَمُوهم ﴿ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴾ تَغْيِيرًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ يعني: الذين تخلفوا عن الحديبية إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها يعني: إلى غنائم خيبر ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يعني: اتركونا نتّبعكم في ذلك الغزو يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ يعني: يغيروا كلام الله.

يعني: ما قاله الله لرسوله  : لا تأذن لهم في غزاة أخرى.

قرأ حمزة والكسائي: وهو جمع كلمة.

والباقون كَلامَ اللَّهِ والكلام اسم لكل ما يتكلم به.

قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا في المسير إلى خيبر إلاَّ متطوعين، من غير أن يكون لكم شرك في الغنيمة.

كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل الحديبية.

فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا يعني: يقولون للمؤمنين: إن الله لم ينهكم عن ذلك، بل تحسدوننا على ما نصيب معكم من الغنائم.

قال الله تعالى: بَلْ كانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: لا يعقلون، ولا يرغبون في ترك النفاق، لا قليلاً، ولا كثيراً.

ويقال: بل كانوا لا يفقهون النهي من الله تعالى إلا قليلاً منهم.

قوله عز وجل: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ يعني: الذين تخلفوا عن الحديبية، مخافة القتال سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني: قتال شديد.

قال بعضهم: يعني: قتال أهل اليمامة بعد رسول الله  .

قاتلهم أبو بكر الصديق  .

وقال مجاهد: إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني: أهل الأوثان.

وقال أيضاً: هم أهل فارس، وكذا قال عطاء، وقال سعيد بن جبير: هوازن، وثقيف.

وقال الحسن: فارس، والروم.

تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ قرأ بعضهم أَوْ يُسْلِمُوا بألف من غير نون، وقراءة العامة بالنون.

فمن قرأ: أو يسلموا يعني: حتى يسلموا، أو إلى أن يسلموا.

ومن قرأ: بالنون.

فمعناه: تقاتلونهم أو هم يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يعني: تجيبوا، وتوقعوا القتال، وتخلصوا لله تعالى.

يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً يعني: ثواباً حسناً في الآخرة.

وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: تعرضوا عن الإجابة كما أعرضتم يوم الحديبية.

يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً دائماً، فلما نزلت هذه الآية، قال أهل الزمانة والضعفاء: فكيف بنا إذا دعينا إلى قتالتهم، ولا نستطيع الخروج، فيعذبنا الله؟

فنزل قوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: نزل العذر في الذين تخلفوا عن الحديبية.

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ يعني: ليس عليهم إثم في التخلف وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ يعني: إثم.

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغزو ويقال: وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ في الغزو، في السر، والعلانية يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه.

وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن ذلك.

يعني: عن طاعة الله، ورسوله، بالتخلف يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً دائماً.

قرأ نافع: وابن عامر نُدْخِلْهُ وَنُعَذِّبْهُ كلاهما بالنون.

والباقون: كلاهما بالياء.

وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يعني: شجرة السمرة.

ويقال: أم غيلان.

قال قتادة: بايعوهُ يومئذٍ وهم ألف وأربعمائة رجل.

وكان عثمان يومئذٍ بمكة.

فقال النبي  : «إنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ الله وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، وَحَاجَةِ المُؤْمِنِينَ.

ثُمَّ وضع إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه بَيْعَةُ عُثْمَان» .

فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: مَا فِى قُلُوبِهِمْ من الصدق والوفاء.

وهذا قول ابن عباس.

وقال مقاتل: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الكراهية للبيعة على أن يقتلوا، ولا يفروا.

فَأَنْزَلَ الله السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ يعني: أنزل الله تعالى الطمأنينة، والرضى عليهم.

وَأَثابَهُمْ يعني: أعطاهم.

فَتْحاً قَرِيباً يعني: فتح خيبر.

وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها يعني: يغنمونها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً حكم عليهم بالقتل، والسبي.

ويقال: حكم الغنيمة للمؤمنين، والهزيمة للكافرين.

ثم قال: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها يعني: تغنمونها، وهو ما أصابوا مع رسول الله  وبعده إلى يوم القيامة.

وقال ابن عباس: هي هذه الفتوح التي تفتح لكم فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني: فتح خيبر، قرأ بعضهم وَأَتاهُمُ أي: أعطاهم وقراءة العامة وَأَثابَهُمْ يعني: كافأهم.

قوله تعالى: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يعني: أيدي أهل مكة.

ويقال: أسد وغطفان أرادوا أن يعينوا أهل خيبر، فدفعهم الله عن المؤمنين، فصالحوا النبيّ  على ألا يكونوا له، ولا عليه.

ثم قال: وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وهو فتح خيبر، لأن المسلمين كانوا ثمانية آلاف، وأهل خيبر كانوا سبعين ألفاً.

ثم قال: وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يعني: يرشدكم ديناً قيماً، وهو دين الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي «١» : والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي صلّى الله عليه وسلّم، انتهى من «الأحكام» .

وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.

ثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] «٢» رحمه الله.

وقوله عز وجل: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ...

الآية، تشريف لهم- رضي اللَّه عنهم- وقد تَقَدَّمَ القولُ في المبالغة ومعناها، وكان سببَ هذه المبايعة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أراد أَنْ يبعث إلى مَكَّةَ رجلاً يُبَيِّنُ لهم أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يريد حرباً وإنَّما جاء مُعْتَمِراً، فبعث إليهم خداش بن أميّة الخزاعيّ، وحمله صلّى الله عليه وسلّم على جَمَلٍ له يقال له: الثعلب، فلما كَلَّمَهُمْ عَقَرُوا الجمل، وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش، وبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأراد بَعْثَ عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إنِّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بِمَكَّةَ من بني عَدِيٍّ أَحَدٌ يحميني، ولكنِ ابعث عثمان فهو أَعُزُّ بمكّة منّي، فبعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم فذهب، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي فنزل عن دَابَّتِهِ فحمله عليها، وأجاره حتى بلغ

الرسالة، فقالوا له: إنْ شِئْتَ يا عثمانَ أَنْ تطوف بالبيت فَطُفْ به، فقال: ما كنت لأطوف حتى يطوف به النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم إنَّ بَنِي سعيد بن العاصي حَبَسُوا عثمانَ على جهة المبرة، فأبطأ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وكانتِ الحُدَيْبِيَّةُ من مَكَّةَ على نحو عَشَرَةِ أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: قتل عثمان، فجثا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم/ والمؤمنون، وقالوا: لا نبرحُ- إنْ كان هذا- حتى نُنَاجِزَ القوم، ثم دعا الناسَ إلى البيعة فبايعوه صلّى الله عليه وسلّم ولم يَتَخَلَّفْ عنها إلاَّ الجد بن قيس المنافق، وجعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَدَهُ على يَدِهِ، وقال: هذه يَدٌ لعثمانَ «١» ، وهي خير، ثم جاءَ عثمانُ سالماً والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين.

وقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ قال الطبريُّ «٢» ، ومنذر بن سعيد: معناه: من الإيمان وصِحَّتِهِ، والحبِّ في الدين والحِرْصِ فيه، وقرأ الناس: «وَأَثَابَهُمْ» «٣» قال هارون:

وقد قرأت: «وَآتَاهُمْ» بالتاء بنقطتين «٤» ، والفتح القريب: خيبر، والمغانم الكثيرة: فتح خيبرَ.

وقوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ ...

الآية، مخاطبة للمؤمنين، ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة قاله مجاهد وغيره «٥» .

وقولهُ: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يريد خيبَر، وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم الكثيرة:

خيبر «٦» ، وهذه إشارة إلى البيعة والتَّخَلُّصِ من أمر قريش، وقاله ابن عبّاس «٧» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ ﴾ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الغَزْوَ والغَنِيمَةَ فَسَتُدْعَوْنَ إلى جِهادِ قَوْمٍ ﴿ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ .

وَفِي هَؤُلاءِ القَوْمِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم فارِسُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعَطاءُ الخُراسانِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ جُرَيْجٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ الحَسَنُ، ورَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الأوْثانِ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الرُّومُ، قالَهُ كَعْبٌ.

والخامِسُ: أنَّهم هَوازِنُ وغَطَفانُ، وذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: بَنُو حَنِيفَةَ يَوْمَ اليَمامَةِ، وهم أصْحابُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: خِلافَةُ أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ بَيِّنَةٌ مُؤَكَّدَةٌ.

وَقالَ رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دُعِيَ أبُو بَكْرٍ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَعَلِمْنا أنَّهم هم.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، وفارِسُ والرُّومُ إنَّما يُقاتَلُونَ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِها بَنُو حَنِيفَةَ، فَأبُو بَكْرٍ دَعا إلى قِتالِهِمْ، وإنْ أُرِيدَ بِها فارِسُ والرُّومُ، فَعُمَرُ دَعا إلى قِتالِهِمْ، والآيَةُ تُلْزِمُهُمُ اتِّباعَ طاعَةِ مَن يَدْعُوهُمْ، وتَتَوَعَّدُهم عَلى التَّخَلُّفِ بِالعِقابِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِما إذا كانَ المُتَوَلِّي عَنْ طاعَتِهِما مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَإنْ تُطِيعُوا أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَنْ طاعَتِهِما ﴿ كَما تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عَنْ طاعَةِ مُحَمَّدٍ  في المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنْ تُبْتُمْ وتَرَكْتُمْ نِفاقَكم وجاهَدْتُمْ، يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا، وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَأقَمْتُمْ عَلى نِفاقِكُمْ، وأعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والجِهادِ كَما تَوَلَّيْتُمْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَذَرَ اللَّهُ أهْلَ الزَّمانَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" و "نُعَذِّبُهُ" بِالنُّونِ فِيهِما؛ والباقُونَ: بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ ﴿ وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ لَمّا بَلَغَ عَزَّ وجَلَّ في عَتْبِ هَؤُلاءِ المُتَخَلِّفِينَ مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ "كَجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وغِفارٍ وأسْلَمَ وأشْجَعَ" عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ عَذَّرَ أهْلَ الأعْذارِ مِنَ العَمى والعَرَجِ والمَرَضِ جُمْلَةً، ورَفَعَ الحَرَجَ عنهم والضِيقَ والمَأْثَمَ، وهَذا حُكْمُ هَؤُلاءِ المَعاذِيرِ في كُلِّ جِهادٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا أنْ يَحْزُبَ حازِبٌ في حَضْرَةٍ مّا، فالفَرْضُ مُتَوَجِّهٌ بِحَسَبِ الوُسْعِ، ومَعَ ارْتِفاعِ الحَرَجِ، فَجائِزٌ لَهُمُ الغَزْوُ وأجْرُهم فِيهِ مُضاعَفٌ؛ لِأنَّ الأعْرَجَ أحْرى الناسِ بِالصَبْرِ وألّا يَفِرَّ، وقَدْ غَزا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وكانَ يُمْسِكُ الرايَةَ في بَعْضِ حُرُوبِ القادِسِيَّةِ، وقَدْ خَرَّجَ النَسائِيُّ هَذا المَعْنى وذَكَرَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "يُدْخِلُهُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ: "نُدْخِلُهُ" بِالنُونِ، وكَذَلِكَ: "يُعَذِّبُهُ" و"نُعَذِّبُهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَجَرَةِ ﴾ تَشْرِيفٌ وإعْلامٌ بِرِضاهُ عنهم حِينَ البَيْعَةِ، وبِهَذا سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِضْوانِ، والرِضى بِمَعْنى الإرادَةِ، فَهو صِفَةُ ذاتٍ، ومَن جَعَلَ "إذْ" مُسَبِّبَةً، بِمَعْنى: لِأنَّهم بايَعُوا تَحْتَ الشَجَرَةِ جازَ أنْ يَجْعَلَ "رَضِيَ" بِمَعْنى: إظْهارِ النِعَمِ عَلَيْهِمْ، بِسَبَبِ بَيْعَتِهِمْ، فالرِضى - عَلى هَذا - صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المُبايَعَةِ ومَعْناها.

وكانَ سَبَبُ هَذِهِ المُبايَعَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  أرادَ أنْ يَبْعَثَ إلى مَكَّةَ رَجُلًا يُبَيِّنُ لِقُرَيْشٍ أنَّ النَبِيَّ  لا يُرِيدُ حَرْبًا وإنَّما جاءَ مُعْتَمِرًا، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ خِراشَ بْنَ أُمِّيَّةَ الخُزاعِيَّ، وحَمْلَهُ عَلى جَمَلٍ يُقالُ لَهُ: الثَعْلَبُ، فَلَمّا كَلَّمَهم عَقَرُوا الجُمَلَ وأرادُوا قَتْلَ خِراشٍ فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ، وبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ  فَأرادَ بَعْثَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ عُمْرُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ فَظاظَتِي عَلى قُرَيْشٍ، وهم يُبْغِضُونَنِي، ولَيْسَ هُناكَ مِن بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَن يَحْمِينِي، ولَكِنِ ابْعَثْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ  ، فَذَهَبَ، فَلَقِيَهُ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، فَنَزَلَ عن دابَّتِهِ وحَمَلَهُ عَلَيْها، وأجارَهُ حَتّى إذا جاءَ قُرَيْشًا فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا لَهُ: إنْ شِئْتَ يا عُثْمانُ أنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ فَطُفْ، وأمّا دُخُولُكم عَلَيْنا فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كُنْتُ لِأطُوفَ بِهِ حَتّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللهِ  ، ثُمَّ إنَّ بَنِي سَعِيدِ بْنِ العاصِي حَبَسُوا عُثْمانَ عَلى جِهَةِ المَبَرَّةِ، فَأبْطَأ عَلى رَسُولِ اللهِ  وكانَتِ الحُدَيْبِيَةُ مِن مَكَّةَ عَلى عَشَرَةِ أمْيالٍ، فَصَرَخَ صارِخٌ مِن عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ  : قُتِلَ عُثْمانُ، فَحَمِيَ رَسُولُ اللهِ  والمُؤْمِنُونَ وقالُوا: لا نَبْرَحُ إنْ كانَ هَذا حَتّى نَلْقى القَوْمَ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ  إلى البَيْعَةِ، ونادى مُنادِيهِ: أيُّها الناسُ، البَيْعَةَ البَيْعَةَ.

نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، فَما تَخَلَّفَ عَنِ البَيْعَةِ أحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ إلّا الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ المُنافِقُ، وحِينَئِذٍ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ  يَدَهُ عَلى يَدِهِ، وقالَ: هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ، وهي خَيْرٌ مِن يَدِ عُثْمانَ، ثُمَّ جاءَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ ذَلِكَ سالِمًا»، والشَجَرَةُ سَمُرَةُ كانَتْ هُنالِكَ، ذَهَبَتْ بَعْدَ سِنِينَ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالمَوْضِعِ في خِلافَتِهِ فاخْتَلَفَ أصْحابُهُ في مَوْضِعِها، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ سِيرُوا، هَذا التَكَلُّفُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى المَوْتِ ونَحْوِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ فِيهِ مَذَمَّةٌ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالالطَبَرِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَعْناهُ: مِنَ الإيمانِ وصِحَّتِهِ والحُبِّ في الدِينِ والحِرْصِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَكِنَّهُ مَن كانَتْ هَذِهِ حالُهُ فَلا يَحْتاجُ إلى نُزُولِ ما يَسْكُنُهُ، أما أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُجازى بِالسَكِينَةَ والفَتْحِ القَرِيبِ والمَغانِمِ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: مِنَ الهَمِّ بِالِانْصِرافِ عَنِ المُشْرِكِينَ والأنَفَةِ في ذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما خاطَبَ فِيهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَتَرَتَّبُ مَعَهُ نُزُولُ السَكِينَةِ والتَعْرِيضِ بِالفَتْحِ القَرِيبِ، والسَكِينَةُ هُنا تَقْرِيرُ قُلُوبِهِمْ وتَذْلِيلُها لِقَبُولِ أمْرِ اللهِ تَعالى والصَبْرِ لَهُ.

وقَرَأ الناسُ: ﴿ "وَأثابَهُمْ"، ﴾ قالَ هارُونُ: وقَدْ قُرِئَتْ: "وَأتابَهُمْ" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ.

و"الفَتْحُ القَرِيبُ": خَيْبَرُ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  انْصَرَفَ بِالمُؤْمِنِينَ إلى المَدِينَةِ وقَدْ وعَدَهُ اللهُ بِخَيْبَرَ، وخَرَجَ إلَيْها لَمْ يَلْبَثْ، قالَ أبُو جَعْفَرِ النَحّاسُ: وقَدْ قِيلَ: الفَتْحُ القَرِيبُ: فَتْحُ مَكَّةَ و"المَغانِمُ الكَثِيرَةُ": فَتْحُ خَيْبَرَ، وقَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "تَأْخُذُونَها" عَلى مُخاطَبَتِهِمْ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَأْخُذُونَها" ﴾ عَلى الغَيْبَةِ.

واخْتُلِفَ في عِدَّةِ المُبايِعِينَ، فَقِيلَ: ألْفٌ وخَمْسِمِائَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: وأرْبَعِمِائَةٍ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وقِيلَ: وخَمْسِمِائَةٍ وخَمْسَةٍ وعِشْرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: وثَلاثِمِائَةٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي أوفى، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا ذَكَرْناهُ مِن قَبْلُ، وأوَّلُ مَن بايَعَ في ذَلِكَ رَجُلٌ مَن بَنِي أسَدٍ يُقالُ لَهُ: أبُو سِنانَ بْنِ وهْبٍ، قالَهُ الشَعْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا عطف على قوله: ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ [الفتح: 20] على أن بعضه متعلق بالمعطوف عليه، وبعضه معطوف على المعطوف عليه فما بينهما ليس من الاعتراض.

والمقصود من هذا العطف التنبيه على أن كف أيدي الناس عنهم نعمة على المسلمين باستبقاء قوتهم وعدتهم ونشاطهم.

وليس الكف لدفع غلبة المشركين إياهم لأن الله قدَّر للمسلمين عاقبة النصر فلو قاتلهم الذين كفروا لهزمهم المسلمون ولم يجدوا نصيراً، أي لم ينتصروا بجمعهم ولا بمن يعينهم.

والمراد بالذين كفروا ما أريد بالناس في قوله: ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ .

وكان مقتضى الظاهر الإتيان بضمير الناس بأن يقال: ولو قاتلوكم، فعدل عنه إلى الاسم الظاهر لما في الصلة من الإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو أن الكفر هو سبب تولية الإدبار في قتالهم للمسلمين تمهيداً لقوله: ﴿ سنة اللَّه التي قد خلت من قبل ﴾ .

و ﴿ الأدبار ﴾ منصوب على أنه مفعول ثان لِ ﴿ وَلَّوا ﴾ ومفعوله الأول محذوف لدلالة ضمير ﴿ قاتلكم الذين كفروا ﴾ عليه.

والتقدير: لولوكم الأدبار.

وأل للعهد، أي أدبارهم، ولذلك يقول كثير من النحاة إن أل في مثله عوض عن المضاف إليه وهو تعويض معنوي.

والتولية: جعل الشيء والياً، أي لجعلوا ظهورهم تَليكم، أي ارتدوا إلى ورائهم فصُرتم وراءهم.

و ﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي فإن عدم وجدان الولي والنصير أشد على المنهزم من انهزامه لأن حين ينهزم قد يكون له أمل بأن يستنصر من ينجده فيكُرّ بِهِ على الذين هزموه فإذا لم يجد ولياً ولا نصيراً تحقق أنه غير منتصر وأصل الكلام لولوا الأدبار وما وجدوا ولياً ولا نصيراً.

والولي: المُوالي والصديق، وهو أعم من النصير إذ قد يكون الوَلي غير قادر على إيواء وليه وإسعافه.

والسنة: الطريقة والعادة.

وانتصب ﴿ سنة اللَّه ﴾ نِيابة عن المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله لإفادة معنى تأكيد الفعل المحذوف.

والمعنى: سن الله ذلك سُنة، أي جعله عادة له ينصر المؤمنين على الكافرين إذا كانت نية المؤمنين نصر دين الله كما قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ [محمد: 7] وقال: ﴿ ولينصرن الله من ينصره ﴾ [الحج: 40]، أي أنّ الله ضمن النصر للمؤمنين بأن تكون عاقبة حروبهم نصراً وإن كانوا قد يُغلبون في بعض المواقع كما وقع يوم أحد وقد قال تعالى: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ [القصص: 83] وقال: ﴿ والعاقبة للتقوى ﴾ [طه: 132].

وإنما يكون كمال النصر على حسب ضرورة المؤمنين وعلى حسب الإيمان والتقوى، ولذلك كان هذا الوعد غالباً للرسُول ومن معه فيكون النصر تاماً في حالة الخطر كما كان يوم بدر، ويكون سجالاً في حالة السعة كما في وقعة أحد وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: " اللهم إن تَهلِك هذه العصابة لا تعبَد في الأرض " وقال الله تعالى: ﴿ قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ﴾ [الأعراف: 128]، ويكون لمن بعد الرسول صلى الله عليه وسلم من جيوش المسلمين على حسب تمسكهم بوصايا الرسول صلى الله عليه وسلم ففي «صحيح البخاري» عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم " يأتي زمان يغزُو فآمٌ من الناس فيقال: فيكم من صحب النبي؟

فيقال: نعم، فيفتحُ عليه، ثم يأتي زمان فيُقال: فيكم من صحب أصحاب النبي؟

فيقال: نعم فيفتح ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صَحِب من صَاحَبَ النبي؟

فيقال: نعم فيُفتحُ " ومعنى ﴿ خلت ﴾ مضت وسبقت من أقدم عصور اجتلاد الحق والباطل، والمضاف إليه ﴿ قبلُ ﴾ محذوف نُوِي معناه دون لفظه، أي ليس في الكلام دال على لفظه ولكن يدل عليه معنى الكلام، فلذلك بُني ﴿ قبلُ ﴾ على الضم.

وفائدة هذا الوصف الدلالة على اطرادها وثباتها.

والمعنى: أن ذلك سنة الله مع الرسل قال تعالى: ﴿ كتب الله لأغلِبنّ أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ﴾ [المجادلة: 21].

ولما وصف تلك السنة بأنها راسخة فيما مضى أعقب ذلك بوصفها بالتحقق في المستقبل تعميماً للأزمنة بقوله: ﴿ ولن تجد لسنة اللَّه تبديلاً ﴾ لأن اطراد ذلك النصر في مختلف الأمم والعصور وإخبارَ الله تعالى به على لسان رسله وأنبيائه يدل على أن الله أراد تأييد أحزابه فيعلم أنه لا يستطيع كائن أن يحول دون إرادة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ كانَتْ سَبَبُ هَذِهِ البَيْعَةِ وهي بَيْعَةُ الرِّضْوانِ تَأخُّرَ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ حِينَ أنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ الحُدَيْبِيَةِ رَسُولًا إلى الإسْلامِ فَأبْطَأ وأرْجَفَ بِقَتْلِهِ، فَبايَعَ أصْحابَهُ وبايَعُوهُ عَلى الصَّبْرِ والجِهادِ، وكانُوا فِيما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ، وقالَ جابِرٌ: كانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى: ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ.

وَكانَتِ البَيْعَةُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بِالحُدَيْبِيَةِ والشَّجَرَةُ سَمُرَةُ.

وَسُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن صِدْقِ النِّيَّةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى أنْ يُقاتِلُوا مَعَهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ خَيْبَرَ لِقُرْبِها مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فَتْحُ مَكَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني بسند حسن عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال إذ جاء أعمى فقال: كيف بي وأنا ذاهب البصر فنزلت ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ الآية قال: هذا في الجهاد ليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا.

أما قوله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه «عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه فذلك قول الله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ فبايع لعثمان رضي الله عنه إحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئاً لابن عفان رضي الله عنه يطوف بالبيت ونحن ههنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف» .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن طارق بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد؟

قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان.

فأتيت سعيد بن المسيب رضي الله عنه فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد رضي الله عنه: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن نافع رضي الله عنه قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت.

وأخرج البخاري وابن مردويه عن قتادة رضي الله عنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟

قال: خمس عشرة مائة قلت: فإن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كانوا أربع عشرة مائة.

قال: يرحمه الله وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.

وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلثمائة.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل «عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم خير أهل الأرض» .

وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل «عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم خير أهل الأرض» .

وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة.

وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قيل: على أي شيء كنتم تبايعون؟

قال: على الموت.

وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال: «لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية فزعت قريش لنزوله عليهم فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلاً من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله إني لا آمن، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وإنه يبلغ لك ما أردت.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال وإنما جئنا عماراً وادعهم إلى الإِسلام وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح.

ويخبرهم أن الله وشيك أن يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإِيمان فانطلق عثمان رضي الله عنه إلى قريش فأخبرهم، فارتهنه المشركون، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالبيعة فأخرجوا على اسم الله فبايعوه، فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبداً فرعبهم الله فأرسلوا من كانوا ارتهنوا من المسلمين ودعوا إلى الموادعة والصلح» .

وأخرج مسلم وابن جرير وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه وعمر رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت.

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن الشعبي قال: «لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: أبسط يدك أبايعك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علام تبايعني؟

قال: على ما في نفسك» .

وأخرج البيهقي عن أنس قال: «لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم» .

وأخرج أحمد عن جابر ومسلم عن أم بشر عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ﴾ قال: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي أوفى في قوله: ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر.

وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في مراسيله عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لغائب في مقسم لم يشهده إلا يوم خيبر قسم لغيب أهل الحديبية من أجل أن الله كان أعطى أهل خيبر المسلمين من أهل الحديبية، فقال: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ وكانت لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ﴾ قال: الوقار والصبر وهم الذين بايعوا زمان الحديبية وكانت الشجرة فيما ذكر لنا سمرة بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها، وكانوا يومئذ خمس عشرة مائة فبايعوه على أن لا يفروا، ولم يبايعوه على الموت، ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة ﴾ قال: هي مغانم خيبر وكانت عقاراً ومالاً فقسمها نبي الله بين أصحابه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية إلى المدينة حتى إذا كان بين المدينة ومكة نزلت عليه سورة الفتح فقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ إلى قوله: ﴿ عزيزاً ﴾ ثم ذكر الله الأعراب ومخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب ﴾ إلى قوله: ﴿ خبيراً ﴾ ثم قال للأعراب ﴿ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ سعيراً ﴾ ثم ذكر البيعة فقال: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ لفتح الحديبية.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفاً وخمسمائة وخمساً وعشرين.

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال: لما نزلت ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ قال: يا أبا أمامة أنت مني وأنا منك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر حيث رجعوا من صلح الحديبية.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: فتح خيبر.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ﴾ قال: المغانم الكثيرة التي وعدوا ما يأخذون حتى اليوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: عجلت لهم خيبر.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ يعني الفتح.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ يعني خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أهل مكة أن يستحلوا ما حرم الله أو يستحل بكم وأنتم حرم ﴿ ولتكون آية للمؤمنين ﴾ قال: سنة لمن بعدكم.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله فيها خيبر ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ خيبر فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة فقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجيع، وادٍ بين غطفان وخيبر، فتخوّف أن تمدهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا عليهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ قال: عن بيضتهم وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا عن المدينة إلى خيبر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطية ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: فتح خيبر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ قال: الحليفان أسد وغطفان عليهم عيينة بن حصن معه مالك بن عوف النصري أبو النضر وأهل خيبر على بئر معونة فألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي قوله: ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا ﴾ هم أسد وغطفان ﴿ لولوا الأدبار حتى لا تجد لسنة الله تبديلاً ﴾ يقول سنة الله في الذين خلوا من قبل أنه لن يقاتل أحد نبيه إلا خذله الله فقتله أو رعبه فانهزم ولن يسمع به عدو إلا انهزموا واستسلموا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس ﴿ قد أحاط الله بها ﴾ أنها ستكون لكم بمنزلة قوله أحاط الله بها علماً أنها لكم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأسود الديلمي أن الزبير بن العوام لما قدم البصرة دخل بيت المال فإذا هو بصفراء وبيضاء فقال: يقول الله: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ﴾ فقال: هذا لنا.

وأخرج ابن عساكر عن علي وابن عباس قالا في قوله تعالى: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ فتوح من لدن خيبر ﴿ تأخذونها ﴾ تلونها وتغنمون ما فيها ﴿ فعجل لكم ﴾ من ذلك خيبر ﴿ وكف أيدي الناس ﴾ قريشاً ﴿ عنكم ﴾ بالصلح يوم الحديبية ﴿ ولتكون آية للمؤمنين ﴾ شاهداً على ما بعدها ودليلاً على إنجازها ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ على علم وفيها أقسمها بينكم فارس والروم ﴿ قد أحاط الله بها ﴾ قضى الله بها أنها لكم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: فارس والروم.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: فتح فارس.

وأخرج عبد بن حميد عن جويبر ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: يزعمون أنها قرى عربية ويزعم آخرون أنها فارس والروم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: بلغنا أنها مكة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: يوم حنين.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: هي خيبر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ﴾ يعني أهل مكة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ﴾ قال الزجاج: (سنة الله) منصوبة على المصدر لأن قوله: ﴿ لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ﴾ معناه: سَنّ الله خذلانهم سنة (١) (٢) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 26.

(٢) ذكر ذلك في "الوسيط" عن ابن عباس، انظر 4/ 141.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إن شاء الله أحد من أهل الشجرة الذين بايعوا تحتها» وفي الحديث أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، وقيل: ألفاً وخمسمائة.

وسبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ الحديبية، وهي موضع على نحو عشرة أميال من مكة، أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه رسولاً إلى أهل مكة، يخبرهم أنه إنما جاء ليعتمر، وأنه لا يريد حرباً.

فلما وصل إليهم عثمان حبسه أقاربه كرامة له، فصرخ صارخ أن عثمان قد قتل.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة على القتال وأن لا يفر أحد.

وقيل: بايعوه على الموت ثم جاء عثمان بعد ذلك سالماً، وانعقد الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة؛ على أن يرجع ذلك العام ويعتمر في العام القابل، والشجرة المذكورة كانت سمرة هنالك ثم ذهبت بعد سنين.

فمر عمر بن الخطاب بالموضع في خلافته، فاختلف الصحابة في موضعها ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ يعني من صدق الإيمان وصدق العزم على ما بايعوا عليه، وقيل: من كراهة البيعة على الموت وهذا باطل.

لأنه ذم للصحابة وقد ذكرنا السكينة ﴿ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ يعني: فتح خيبر وقيل: فتح مكة والأول أشهر، أي جعل الله ذلك ثواباً لهم على بيعة الرضوان، زيادة على ثواب الآخرة.

وأما المغانم المذكورة أوّلاً فهي غنائم خيبر، وهي المعطوفة على الفتح القريب وأما المغانم الكثيرة التي وعدهم الله وهي المذكورة ثانياً فهي: كل ما يغنم المسلمون إلى يوم القيامة، والإشارة بقوله: ﴿ فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه ﴾ إلى خيبر.

وقيل: إن المغانم التي وعدهم هي خيبر والإشارة بهذه إلى صلح الحديبية ﴿ وَكَفَّ أَيْدِيَ الناس عَنْكُمْ ﴾ أي كف أهل مكة عن قتالكم في الحديبية.

وقيل: كف اليهود وغيرهم عن إضرار نسائكم وأولادكم بينما خرجتم إلى الحديبية ﴿ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي تكون هذه الفعلة وهي كف أيدي الناس عنكم آية للمؤمنين، يستدلون بها على النصر، واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره: فعل الله ذلك لتكون آية ﴿ وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا ﴾ يعني فتح مكة، وقيل: فتح بلاد فارس والروم وقيل: مغانم هوازن في حنين، والمعنى لم تقدروا أنتم عليها، وقد أحاط الله بها بقدرته ووهبها لكم، وإعراب أخرى عطف على عجل لكم هذه أو مفعول بفعل مضمر تقديره: أعطاكم أخرى أو مبتدأ ﴿ وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ ﴾ يعني أهل مكة ﴿ سُنَّةَ الله ﴾ أي عادته والإشارة إلى يوم بدر، وقيل: الإشارة إلى نصر الأنبياء قديماً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ لما عزموا على الوفاء على ما بايعوا رسول الله  والصدق لذلك، والتحقيق لما عهدوا من الوفاء لذلك - أخبر الله أن قد  م لذلك، فنحن نستدل به على صدق ذلك وتحقيقه وإن لم يخبرنا الله  أنهم قد عزموا على ذلك، فيجوز لنا أن نشهد أنهم قد عزموا على الوفاء لذلك والصدق له، وقد يكون من الاستدلال ما تكون الشهادة له بالحق والصدق إذا كان في الدلالة مثل ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكرنا: علم ما في قلوبهم من العزم على الوفاء والصدق؛ لما أعطوا بأيديهم من أنفسهم.

والثاني: علم ما في قلوبهم من الخوف والخشية، وذلك يتوجه وجهين: أحدهما: أنهم خشوا ألا يتهيأ لهم القيام بأهل مكة؛ لأنهم كانوا مستعدين للحرب والقتال، وهم كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، خشوا ألا يقوموا لهم؛ فلم يفوا ما عاهدوا.

والثاني: خشوا ألا يقدروا على وفاء ما بايعوا وأعطوه؛ لأن في ذلك مناصبة جميع أهل الأديان والمذاهب، والله أعلم.

والثالث: علم ما في قلوبهم من الكراهة التي يذكرها أهل التأويل، لكن تلك الكراهة كراهة الطبع، لا كراهة الاختيار؛ لأنهم طمعوا الوصول إلى البيت، ورجوا دخولها، فلما جرى الصلح بينهم على ألا يدخلوا عامهم ذلك، فانصرفوا، فاشتد ذلك عليهم، فكرهوا ذلك، لكن كراهة الطبع، لا كراهة الاختيار، وقد يكره طبع الإنسان شيئاً والخيار غيره؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً  ﴾ ، وكقول يوسف: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ  ﴾ محبة الاختيار، لا محبة الطبع، بل الطبع إلى ما يدعونه أميل من السجن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ أي: أنزل عليهم ما يسكن به قلوبهم؛ لما علم تحقيق الوفاء لما بايعوا رسول الله  وصدق ما أعطوا من أنفسهم، وأثابهم مكان ما كانوا يرجون ويطمعون من دخول مكة، وما كرهت أنفسهم من الرجوع - فتحاً قريباً، وهو فتح مكة، أو فتح خيبر، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ﴾ اختلف فيه: منهم من صرف الفتح القريب المذكور في الآية إلى فتح خيبر، وإلى مغانم خيبر حين بشروا بالحديبية بفتح خيبر، وجعل المغانم لهم مكان ما منعوا من دخول مكة وحيل بينهم وبين ما قصدوا، أو في الطريق بعد منصرفهم من الحديبية على ما ذكر في القصة، والله أعلم.

ومنهم من صرف الفتح إلى مكة؛ لأنه ذكر في القصة أنهم بشروا في الطريق بعد انصرافهم من الحديبية بفتح مكة، ويكون قوله: ﴿ وَأَثَابَهُمْ ﴾ على هذا التأويل بمعنى: ويثيبهم، وذلك جائز في اللغة: فعل بمعنى: يفعل، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ...

 ﴾ كذا، يعني: يقول له، وقوله -  -: ﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ﴾ على هذا ينصرف إلى غيره من المغانم؛ لأنه لم يكن بمكة غنائم، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ الفتوح كلها التي كانت لرسول الله  ولأمته، وكذلك قوله: ﴿ وَمَغَانِمَ ﴾ .

وجائز أن يكون الكفرة جملة، أي: لو قاتلوكم لولوا الأدبار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ ما سن في كل أمة من هلاك، لم يجعل ذلك الهلاك في غيرها من الأمم؛ نحو ما جعل هلاك قوم نوح الغرق، وكذلك قوم فرعون، وكذلك جعل هلاك عاد بريح صرصر، وثمود بالطاغية؛ جعل الله -  - هلاك كل أمة بنوع لم يجعل ذلك لغيرها؛ يقول: لم يكن لذلك تبديل إلى غيره.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ أي: جعل عاقبة الأمر للمؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ في أمتك، ولكن جعل عاقبة الأمر لهم كما جعل عاقبة الأمر في سائر الأمم للمؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وغلبة المؤمنين وهزيمة الكافرين، ثابتة في كل زمان ومكان، فهي سُنَّة الله في الأمم التي مضت قبل هؤلاء المكذبين، ولن تجد -أيها الرسول- لسُنَّة الله تبديلًا.

من فوائد الآيات إخبار القرآن بمغيبات تحققت فيما بعد -مثل الفتوح الإسلامية- دليل قاطع على أن القرآن الكريم من عند الله.

تقوم أحكام الشريعة على الرفق واليسر.

جزاء أهل بيعة الرضوان منه ما هو معجل، ومنه ما هو مدَّخر لهم في الآخرة.

غلبة الحق وأهله على الباطل وأهله سُنَّة إلهية.

<div class="verse-tafsir" id="91.w4j3W"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل