تفسير الآية ٣ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٣ من سورة الفتح

وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وينصرك الله نصرا عزيزا ) أي : بسبب خضوعك لأمر الله يرفعك الله وينصرك على أعدائك ، كما جاء في الحديث الصحيح : " وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله " .

وعن عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] أنه قال : ما عاقبت - أي في الدنيا والآخرة - أحدا عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله فيه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ) يقول: وينصرك على سائر أعدائك, ومن ناوأك نصرا, لا يغلبه غالب, ولا يدفعه دافع, للبأس الذي يؤيدك الله به, وبالظفر الذي يمدّك به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وينصرك الله نصرا عزيزا أي غالبا منيعا لا يتبعه ذل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا } أي: قويا لا يتضعضع فيه الإسلام، بل يحصل الانتصار التام، وقمع الكافرين، وذلهم ونقصهم، مع توفر قوى المسلمين ونموهم، ونمو أموالهم.ثم ذكر آثار هذا الفتح على المؤمنين فقال:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وينصرك الله نصرا عزيزا ) غالبا .

وقيل : معزا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وينصرك الله» به «نصرا عزيزا» ذا عز لا ذل له.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فتحنا لك ذلك الفتح، ويسَّرناه لك؛ ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؛ بسبب ما حصل من هذا الفتح من الطاعات الكثيرة وبما تحملته من المشقات، ويتم نعمته عليك بإظهار دينك ونصرك على أعدائك، ويرشدك طريقًا مستقيمًا من الدين لا عوج فيه، وينصرك الله نصرًا قويًّا لا يَضْعُف فيه الإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَيَنصُرَكَ الله ) - تعالى - ( نَصْراً عَزِيزاً ) أى : نصرا قويا منيعا لا يغلبه غالب ، ولا يدفعه دافع ، لأنه من خالفك الذى لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه .

.هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يرى أن الله - تعالى - قد أكرم نبيه - صلى الله عليه وسلم - إكراما لا يدانيه إكرام ، ومنحه من الخير والفضل ما لم يمنحه لأحد سواه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الفتح وجوه: أحدها: فتح مكة وهو ظاهر.

وثانيها: فتح الروم وغيرها.

وثالثها: المراد من الفتح صلح الحديبية.

ورابعها: فتح الإسلام بالحجة والبرهان، والسيف والسنان.

وخامسها: المراد منه الحكم كقوله: ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق  ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق  ﴾ والمختار من الكل وجوه: أحدها: فتح مكة، والثاني: فتح الحديبية، والثالث: فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة والبرهان.

والأول مناسب لآخر ما قبلها من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما قال: ﴿ هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ .

إلى أن قال: ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ  ﴾ بيّن تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم ثانيها: لما قال: ﴿ والله مَعَكُمْ ﴾ وقال: ﴿ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ  ﴾ بيّن برهانه بفتح مكة، فإنهم كانوا هم الأعلون ثالثها: لما قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السلم  ﴾ وكان معناه لا تسألوا الصلح من عندكم، بل اصبروا فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه كما كان يوم الحديبية وهو المراد بالفتح في أحد الوجوه، وكما كان فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ومسلمين، فإن قيل: إن كان المراد فتح مكة، فمكة لم تكن قد فتحت، فكيف قال تعالى: ﴿ فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ بلفظ الماضي؟

نقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: فتحنا في حكمنا وتقديرنا ثانيهما: ما قدره الله تعالى فهو كائن، فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر لا دافع له، واقع لا رافع له.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله ﴾ ينبئ عن كون الفتح سبباً للمغفرة، والفتح لا يصلح سبباً للمغفرة، فما الجواب عنه؟

نقول: الجواب عنه من وجوه: الأول: ما قيل إن الفتح لم يجعله سبباً للمغفرة وحدها، بل هو سبب لاجتماع الأمور المذكورة وهي: المغفرة، وإتمام النعمة والهداية والنصرة، كأنه تعالى قال: ليغفر لك الله ويتم نعمته ويهديك وينصرك، ولا شك أن الاجتماع لم يثبت إلا بالفتح، فإن النعمة به تمت، والنصرة بعده قد عمت الثاني: هو أن فتح مكة كان سبباً لتطهير بيت الله تعالى من رجس الأوثان، وتطهير بيته صار سبباً لتطهير عبده الثالث: هو أن بالفتح يحصل الحج، ثم بالحج تحصل المغفرة، ألا ترى إلى دعاء النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال في الحج: اللّهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً الرابع: المراد منه التعريف تقديره إنا فتحنا لك ليعرف أنك مغفور، معصوم، فإن الناس كانوا علموا بعد عام الفيل أن مكة لا يأخذها عدو الله المسخوط عليه، وإنما يدخلها ويأخذها حبيب الله المغفور له.

المسألة الثالثة: لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ذنب، فماذا يغفر له؟

قلنا الجواب عنه قد تقدم مراراً من وجوه: أحدها: المراد ذنب المؤمنين ثانيها: المراد ترك الأفضل ثالثها: الصغائر فإنها جائزة على الأنبياء بالسهو والعمد، وهو يصونهم عن العجب رابعها: المراد العصمة، وقد بينا وجهه في سورة القتال.

المسألة الرابعة: ما معنى قوله: ﴿ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ ؟

نقول فيه وجوه: أحدها: أنه وعد النبي عليه السلام بأنه لا يذنب بعد النبوة ثانيها: ما تقدم على الفتح، وما تأخر عن الفتح ثالثها: العموم يقال اضرب من لقيت ومن لا تلقاه، مع أن من لا يلقى لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم رابعها: من قبل النبوة ومن بعدها، وعلى هذا فما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة، وفيه وجوه أُخر ساقطة، منها قول بعضهم: ما تقدم من أمر مارية، وما تأخر من أمر زينب، وهو أبعد الوجوه وأسقطها لعدم التئام الكلام، وقوله تعالى: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: هو أن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب الحج، وهو آخر التكاليف، والتكاليف نعم ثانيها: يتم نعمته عليك بإخلاء الأرض لك عن معانديك، فإن يوم الفتح لم يبق للنبي عليه الصلاة والسلام عدو ذو اعتبار، فإن بعضهم كانوا أهلكوا يوم بدر والباقون آمنوا واستأمنوا يوم الفتح ثالثها: ويتم نعمته عليك في الدنيا باستجابة دعائك في طلب الفتح، وفي الآخرة بقول شفاعتك في الذنوب ولو كانت في غاية القبح، وقوله تعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ يحتمل وجوهاً أظهرها: يديمك على الصراط المستقيم حتى لا يبقى من يلتفت إلى قوله من المضلين، أو ممن يقدر على الإكراه على الكفر، وهذا يوافق قوله تعالى: ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً  ﴾ حيث أهلكت المجادلين فيه، وحملتهم على الإيمان.

وثانيها: أن يقال جعل الفتح سبباً للهداية إلى الصراط المستقيم، لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بالفوائد العاجلة بالفتح والآجلة بالوعد، والجهاد سلوك سبيل الله، ولهذا يقال للغازي في سبيل الله مجاهد.

وثالثها: ما ذكرنا أن المراد التعريف، أي ليعرف أنك على صراط مستقيم، من حيث إن الفتح لا يكون إلا على يد من يكون على صراط الله بدليل حكاية الفيل، وقوله: ﴿ وَيَنصُرَكَ الله نَصْراً عَزِيزاً ﴾ ظاهر، لأن بالفتح ظهر النصر واشتهر الأمر، وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية: أما المسألة اللفظية: فهي أن الله وصف النصر بكونه عزيزاً، والعزيز من له النصر والجواب: من وجهين: أحدهما: ما قاله الزمخشري أنه يحتمل وجوهاً ثلاثة الأول: معناه نصر إذ عز، كقوله: ﴿ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ  ﴾ أي ذات رضى الثاني: وصف النصر بما يوصف به المنصور إسناداً مجازياً يقال له كلام صادق، كما يقال له متكلم صادق الثالث: المراد نصراً عزيزاً صاحبه الوجه الثاني من الجواب أن نقول: إنما يلزمنا ما ذكره الزمخشري من التقديرات إذا قلنا: العزة من الغلبة، والعزيز الغالب وأما إذا قلنا: العزيز هو النفيس القليل النظير، أو المحتاج إليه القليل الوجود، يقال عز الشيء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه، فالنصر كان محتاجاً إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد.

أما المسألة المعنوية: وهي أن الله تعالى لما قال: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ ﴾ أبرز الفاعل وهو الله، ثم عطف عليه بقوله: ﴿ وَيُتِمَّ ﴾ وبقوله: ﴿ وَيَهْدِيَكَ ﴾ ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول، ولا يظهر فيما بعده تقول: جاء زيد وتكلم، وقام وراح، ولا تقول: جاء زيد، وقعد زيد اختصاراً للكلام بالاقتصار على الأول، وهاهنا لم يقل وينصرك نصراً، بل أعاد لفظ الله، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير إضافة، فقال تعالى: ﴿ بِنَصْرِ الله يَنصُرُ  ﴾ ولم يقل بالنصر ينصر، وقال: ﴿ هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ  ﴾ ولم يقل بالنصر، وقال: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله والفتح  ﴾ وقال: ﴿ نَصْرٌ مّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ  ﴾ ولم يقل نصر وفتح، وقال: ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله  ﴾ وهذا أدل الآيات على مطلوبنا، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر، والصبر بالله، قال تعالى: ﴿ واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله  ﴾ وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه، وذلك بذكر الله، كما قال تعالى: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  ﴾ فلما قال هاهنا وينصرك الله، أظهر لفظ الله ذكراً للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلوب، وبه يحصل الصبر، وبه يتحقق النصر، وهاهنا مسألة أخرى وهو أن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا ﴾ ثم قال: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله ﴾ ولم يقل إنا فتحنا لنغفر لك تعظيماً لأمر الفتح، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً  ﴾ وقال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ ولئن قلنا بأن المراد من المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة، فذلك لم يختص بنبينا، بل غيره من الرسل كان معصوماً، وإتمام النعمة كذلك، قال الله تعالى: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي  ﴾ وقال: ﴿ يابني إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  ﴾ وكذلك الهداية قال الله تعالى: ﴿ يَهْدِي مَن يَشَاء  ﴾ فعمم، وكذلك النصر قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ  إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  ﴾ وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم، فعظمه بقوله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً ﴾ وفيه التعظيم من وجهين: أحدهما: إنا وثانيهما: لك أي لأجلك على وجه المنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة ربّ العزة سبحانه في أخباره؛ لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخْبِر ما لا يخفى.

فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟

قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة: وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز، كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.

ويجوز أن يكون فتح مكة- من حيث إنه جهاد للعدوّ- سبباً للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح.

وقيل: هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم.

وعن الكلبي: ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح.

فإن قلت: كيف يكون فتحاً وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية؟

قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها وتمت كان فتحاً مبيناً.

وعن موسى بن عقبة: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت وصد هدينا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا» ، وعن الشعبي: نزلت بالحديبية وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة أصاب: أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس؛ وبلغ الهدى محله، وأطعموا نخل خيبر، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة.

وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها، فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه.

وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد- وقيل: هو فتح خيبر، وقيل: فتح الروم.

وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كلها، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه.

وقيل: معناه قضينا لك قضاء بيناً على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل؛ لتطوفوا بالبيت: من الفتاحة وهي الحكومة، وكذا عن قتادة ﴿ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ يريد: جميع ما فرط منك.

وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها.

وقيل: ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد ﴿ نَصْراً عَزِيزاً ﴾ فيه عز ومنعة- أو وصف بصفة المنصور إسناداً مجازياً أو عزيزاً صاحبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ عِلَّةٌ لِلْفَتْحِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ جِهادِ الكُفّارِ والسَّعْيِ في إزاحَةِ الشِّرْكِ وإعْلاءِ الدِّينِ وتَكْمِيلِ النُّفُوسِ النّاقِصَةِ قَهْرًا لِيَصِيرَ ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ اخْتِيارًا، وتَخْلِيصِ الضَّعَفَةِ عَنْ أيْدِي الظَّلَمَةِ.

﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ جَمِيعَ ما فَرَطَ مِنكَ مِمّا يَصِحُّ أنْ تُعاتَبَ عَلَيْهِ.

﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِإعْلاءِ الدِّينِ وضَمِّ المُلْكِ إلى النُّبُوَّةِ.

﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وإقامَةِ مَراسِمِ الرِّئاسَةِ.

﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ نَصْرًا فِيهِ عِزٌّ ومَنَعَةٌ، أوْ يُعِزُّ بِهِ المَنصُورَ فَوُصِفَ بِوَصْفِهِ مُبالَغَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وينصرك الله نصرا عزيزا} قويا لاذل بعده ابدا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَنْصُرَكَ اللَّهُ ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ النَّصْرِ قِيلَ: لِكَوْنِهِ خاتِمَةَ العِلَلِ أوِ الغاياتِ ولِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ إرْدافُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ وقالَ الصَّدْرُ: أظْهَرَ الِاسْمَ في الصَّدْرِ وهُنا لِأنَّ المَغْفِرَةَ تَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ والنَّصْرَ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَكَأنَّهُ أُشِيرَ بِإسْنادِ المَغْفِرَةِ والنَّصْرِ إلى صَرِيحِ اسْمِهِ تَعالى إلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ الإمامُ: أظُهِرَتِ الجَلالَةُ هَنا إشارَةً إلى أنَّ النَّصْرَ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى: ﴿ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النَّصْرَ بِالصَّبْرِ والصَّبْرُ بِاللَّهِ قالَ تَعالى: ﴿ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ﴾ لِأنَّهُ سُكُونُ القَلْبِ واطْمِئْنانُهُ وذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ والعَزِيزُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ هو المَنصُورُ، وحَيْثُ وصَفَ بِهِ النَّصْرَ فَهو إمّا لِلنِّسْبَةِ وإنْ كانَ المَعْرُوفُ فِيها فاعِلًا كَلابِنٍ وفَعّالًا كَبَزّازٍ أيْ نَصْرًا فِيهِ عِزٌّ ومَنَعَةٌ، أوْ فِيهِ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ مِن بابِ وصْفِ المَصْدَرِ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ وهو المَنصُورُ هُنا نَحْوَ ( عَذابٌ ألِيمٌ ) في قَوْلٍ لا الفاعِلُ وهو النّاصِرُ لِما قِيلَ مِن عَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ وقِلَّةِ فائِدَتِهِ إذِ الكَلامُ في شَأْنِ المُخاطَبِ المَنصُورِ، لا المُتَكَلِّمِ النّاصِرِ وفِيهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَزِيزٌ صاحِبُهُ وهو المَنصُورُ وفِيهِ تَكَلُّفُ الحَذْفِ والإيصالِ.

وقَدْ يُقالُ: يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ إذْ لا مانِعَ مِن وصْفِ النَّصْرِ بِالعَزِيزِ عَلى ما هو الظّاهِرُ بِناءً عَلى أحَدِ مَعانِي العِزَّةِ وهُوَ قِلَّةُ الوُجُودِ وصُعُوبَةُ المَنالِ، والمَعْنى يَنْصُرُكَ اللَّهُ نَصْرًا يَقِلُّ وُجُودُ مِثْلِهِ ويَصْعُبُ مَنالُهُ، وقَدْ قالَ الرّاغِبُ بِهَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ ورَأيْتُ ذَلِكَ لِلصَّدْرِ بَعْدَ أنْ كَتَبْتُهُ مِنَ الصَّدْرِ فَتَأمَّلْ ولا تَكُنْ ذا عَجْزٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي عشرون وتسع آيات مدنية قوله تبارك وتعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً يعني: قضينا لك قضاء بيناً.

أكرمناك بالإسلام، والنبوة، وأمرناك بأن تدعو الخلق إليه.

قال مقاتل: وذلك أنه لما نزل بمكة وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ وكان المشركون يقولون: لم تتبعون رجلاً لا يدري ما يفعل به، ولا بمن تابعه.

فلما قدم المدينة، عيّرهم بذلك المنافقون أيضاً.

فعلم الله تعالى ما في قلوب المؤمنين من الحزم، وما في قلوب الكافرين من الفرح.

فنزل إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً يعني: قضينا لك قضاء بيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فقال المؤمنون: هذا لك!

فما لنا؟

فنزل لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الفتح: 5] الآية.

فقال المنافقون فما لنا؟

فنزل وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ [الفتح: 6] الآية.

وقال الزجاج: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ يعني: فتح الحديبية، والحديبية بئر سمي المكان بها.

والفتح هو الظفر بالمكان، كان بحرب أو بغير حرب.

قال: ومعنى الفتح الهداية إلى الإسلام.

وكان في فتح الحديبية، معجزة من معجزات النبيّ  ، وذلك أنها بئر فاستسقى جميع ما فيها من الماء، ولم يبق فيها شيء، فمضمض رسول الله  ثم مجه فيها، فدرّت البئر بالماء.

ثم قال: لِيَغْفِرَ لَكَ قال بعضهم: هذه لام كي.

فكأنه قال: لكي يغفر لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ يعني: ذنب آدم وَما تَأَخَّرَ يعني: ذنب أمتك.

وقال القتبي: هذه لام القسم فكأَنه قال: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ويقال: ما كان قبل نزول الوحي، وما كان بعده.

قوله تعالى: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بالنبوة، وبإظهار الدين وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً يعني: يثبتك على الهدى، وهو طريق الأنبياء وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ يعني: لكي ينصرك الله على عدوك نَصْراً عَزِيزاً بإظهار الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الفَتْحِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ  ﴾ قالَ اليَهُودُ: كَيْفَ نَتَّبِعُ رَجُلًا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ؟!

فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ.

قالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَتَمَكَّنَ الإسْلامُ في قُلُوبِهِمْ، وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ.

قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِالفَتْحِ ما قَضى اللَّهُ لَهُ مِن نَحْرِ الهَدْيِ بِالحُدَيْبِيَةِ وحَلْقِ رَأْسِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ أيْ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا، ويُقالُ لِلْقاضِي: الفَتّاحُ.

قالَ الفَرّاءُ: والفَتْحُ قَدْ يَكُونُ صُلْحًا، ويَكُونُ أخْذَ الشَّيْءِ عَنْوَةً، ويَكُونُ بِالقِتالِ.

وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الفَتْحِ في اللُّغَةِ: فَتْحُ المُنْغَلِقِ، والصُّلْحُ الَّذِي جُعِلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُتَعَذِّرًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ تَعالى.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  رَأى في النَّوْمِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ [لَهُ]: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فَأصْبَحَ فَحَدَّثَ النّاسَ بِرُؤْياهُ، وأمَرَهم بِالخُرُوجِ لِلْعُمْرَةِ؛ فَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّهُ خَرَجَ واسْتَنْفَرَ أصْحابَهُ لِلْعُمْرَةِ، وذَلِكَ في سَنَةِ سِتٍّ، ولَمْ يَخْرُجْ بِسِلاحٍ إلّا السُّيُوفَ في القُرُبِ.

وساقَ هو وأصْحابُهُ البُدْنَ.

فَصَلّى الظُّهْرَ بِـ "ذِي الحُلَيْفَةِ"، ثُمَّ دَعا بِالبُدْنِ فَجُلِّلَتْ، ثُمَّ أشْعَرَها وقَلَّدَها، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحابُهُ، وأحْرَمَ ولَبّى، فَبَلَغَ المُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى صَدِّهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وَخَرَجُوا حَتّى عَسْكَرُوا بِـ "بَلْدَحٍ"، وقَدَّمُوا مِائَتَيْ فارِسٍ إلى كُراعِ الغَمِيمِ، وسارَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى دَنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِئْرٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ البِئْرِ؛ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، فَوَقَفَتْ يَدا راحِلَتِهِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ يَزْجُرُونَها، فَأبَتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ -والخِلاءُ في النّاقَةِ مِثْلُ الحِرانِ في الفَرَسِ- فَقالَ: "ما خَلَأتْ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ، أما واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً فِيها تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها"، ثُمَّ جَرَّها فَقامَتْ، فَوَلّى راجِعًا عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ حَتّى نَزَلَ عَلى ثَمَدٍ مِن أثْمادِ الحُدَيْبِيَةِ قَلِيلِ الماءِ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ فَغَرَزَهُ فِيها، فَجاشَتْ لَهم بِالرَّواءِ، وجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ في رَكْبٍ فَسَلَّمُوا وقالُوا: جِئْناكَ مِن عِنْدَ قَوْمِكَ وقَدِ اسْتَنْفَرُوا لَكَ الأحابِيشَ ومَن أطاعَهُمْ، يُقْسِمُونَ، لا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ البَيْتِ حَتّى تُبِيدَ خَضْراءَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ إنَّما جِئْنا لِنَطُوفَ بِهَذا البَيْتِ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ"، فَرَجَعَ [بَدِيلٌ] فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَكَلَّمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: نَرُدُّهُ مِن عامِنا هَذا، ويَرْجِعُ مِن قابِلٍ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ ويَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ  عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، قالَ: "اذْهَبْ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا زُوّارًا لِهَذا البَيْتِ، مَعَنا الهَدْيُ نَنْحَرُهُ ونَنْصَرِفُ، فَأتاهم فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا: لا كانَ هَذا أبَدًا، ولا يَدْخُلُها العامَ، وبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ  أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: "لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَهُمْ"، فَذاكَ حِينَ دَعا المُسْلِمِينَ إلى بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، فَبايَعَهم تَحْتَ الشَّجَرَةِ.» وَفِي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، قالَهُ البَراءُ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وجابِرٌ، ومَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.

والثّانِي: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، قالَ: «وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ  بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ لِعُثْمانَ، وقالَ: إنَّهُ ذَهَبَ في حاجَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ،» وَجَعَلَتِ الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمْ، فَأجْمَعُوا عَلى الصُّلْحِ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في عِدَّةِ رِجالٍ، فَصالَحَهُ كَما ذَكَرْنا في [بَراءَةٍ: ٧]، فَأقامَ بِالحُدَيْبِيَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويُقالُ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمّا كانَ بِـ "ضَجْنانَ" نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ، فَقالَ جِبْرِيلُ: يُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَنَّأهُ المُسْلِمُونَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا: إنَّما وُعِدَ بِفَتْحِ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والعَوْفِيُّ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ كالقَوْلَيْنِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ لَهُ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: حُكْمُنا لَكَ بِإظْهارِ دِينِكِ والنُّصْرَةِ عَلى عَدُوِّكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: اللّامُ لامُ "كَيْ"، والمَعْنى: لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ [مَعَ] المَغْفِرَةِ تَمامَ النِّعْمَةِ في الفَتْحِ، فَلَمّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شَيْءٌ حادِثٌ، حَسُنَ مَعْنى "كَيْ"، وغَلَطَ مَن قالَ: لَيْسَ الفَتْحُ سَبَبَ المَغْفِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَعْنى: "ما تَقَدَّمَ" في الجاهِلِيَّةِ، و "ما تَأخَّرَ" ما لَمْ تَعْلَمْهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَضْرِبُ مَن يَلْقاهُ ومَن لا يَلْقاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والمَغْفِرَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: بِإظْهارِ دِينِكَ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أيْ: ويُثَبِّتَكَ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: وَيَهْدِي بِكَ، ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ ﴾ عَلى عَدُوِّكَ ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَصَرًا ذا عِزٍّ لا يَقَعُ مَعَهُ ذُلٌّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح الكلام بحرف (إنّ) ناشئ على ما أحلّ للمسلمين من الكآبة على أن أجيب المشركون إلى سؤالهم الهدنة كما سيأتي من حديث عمر بن الخطاب وما تقدم من حديث عبد الله بن مغفل فالتأكيد مصروف للسامعين على طريقة التعريض، وأما النبيء صلى الله عليه وسلم فقد كان واثقاً بذلك، وسيأتي تبيين هذا التأكيد قريباً.

والفتح: إزالة غلق الباببِ أو الخزانة قال تعالى: ﴿ لا تُفتَّح لهم أبواب السماء ﴾ [الأعراف: 40] ويطلق على النصر وعلى دخول الغازي بلاد عدوّه لأن أرض كل قوم وبلادهم مواقع عنها فاقتحام الغازي إياها بعد الحرب يشبه إزالة الغلق عن البيت أو الخزانة، ولذلك كثر إطلاق الفتح على النصر المقترن بدخول أرض المغلوب أو بلده ولم يطلق على انتصار كانت نهايته غنيمة وأسر دون اقتحام أرض فيقال: فتح خيبر وفتح مكة ولا يقال: فتح بَدر.

وفتح أُحد.

فمن أطلق الفتح على مطلق النصر فقد تسامح، وكيف وقد عطف النصر على الفتح في قوله: ﴿ نصر من الله وفتح قريب ﴾ في سورة الصف (13).

ولعلّ الذي حداهم على عدّ النصر من معاني مادة الفتح أن فتح البلاد هو أعظم النصر لأن النصر يتحقق بالغلبة وبالغنيمة فإذا كان مع اقتحام أرض العدّو فذلك نصر عظيم لأنه لا يتم إلا مع انهزام العدّو أشنع هزيمة وعجزه عن الدفاع عن أرضه.

وأطلق الفتح على الحكم قال تعالى: ﴿ ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ﴾ الآية سورة ألم السجدة (28).

ولمراعاة هذا المعنى قال جمع من المفسّرين: المراد بالفتح هنا فتح مكة وأن محمله على الوعد بالفتح.

والمعنى: سنفتح.

وإنما جيء في الإخبار بلفظ الماضي لتحققه وتيقنه، شُبه الزمن المستقبل بالزمن الماضي فاستعملت له الصيغة الموضوعة للمضي.

أو نقول استعمل فتحنا } بمعنى: قدّرنا لك الفتح، ويكون هذا الاستعمال من مصطلحات القرآن لأنه كلام من له التصرف في الأشياء لا يحجزه عن التصرف فيها مانع.

وقد جرى على عادة إخبار الله تعالى لأنه لا خلاف في إخباره، وذلك أيضاً كناية عن علو شأن المخبر مثل ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ [النحل: 1].

وما يندرج في هذا التفسير أن يكون المراد بالفتح صلح الحديبية تشبيهاً له بفتح مكة لأنه توطئة له فعن جابر بن عبد الله: ما كنّا نعدّ فتح مكة إلا يوم الحديبية، يريد أنهم أيقنوا بوقوع فتح مكة بهذا الوعد، وعن البراء بن عازب «تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية»، يريد أنكم تحملون الفتح في قوله: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ على فتح مكة ولكنه فتح بيعة الرضوان وإن كان فتح مكة هو الغالب عليه اسم الفتح.

ويؤيد هذا المحمل حديث عبد الله بن مغفَّل «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة سورةَ الفتح»، وفي رواية «دخل مكة وهو يقرأ سورة الفتح على راحلته».

على أن قرائن كثيرة تُرجح أن يكون المراد بالفتح المذكور في سورة الفتح: أُولاها أنّه جعله مُبيناً.

الثّانية: أنه جعل علّته (النصر العزيز) الثانية، ولا يكون الشيء علّة لنفسه.

الثالثة: قوله ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ [الفتح: 18].

الرّابعة: قوله: ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ [الفتح: 19].

الخامسة: قوله: ﴿ فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ [الفتح: 27].

والجمهور على أن المراد في سورة الفتح هو صلح الحديبية، وجعلوا إطلاق اسم الفتح عليه مجازاً مرسلاً باعتبار أنه آل إلى فتح خيبر وفتِح مكة، أو كان سبباً فيهما فعن الزهري «لقد كان يوم الحديبية أعظم الفتوح ذلك أن النبيء صلى الله عليه وسلم جاء إليها في ألف وأربعمائة فلما وقع صلح مشي الناس بعضهم في بعض، أي تفرقوا في البلاد فدخل بعضهم أرض بعض من أجْل الأمن بينهم، وعلموا وسمِعوا عن الله فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتاننِ إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكّة في عشرة آلاف» اه، وفي رواية «فلما كانت الهدنة أمن الناس بعضُهم بعضاً فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة فلم يكلَّم أحد يعقل بالإسلام إلا دخل فيه».

وعلى هذا فالمجاز في إطلاق مادة الفتح على سببه ومآله لا في صورة الفعل، أي التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي لأنه بهذا الاعتبار المجازي قد وقع فيما مضي فيكون اسم الفتح استعمل استعمال المشترك في معنييه، وصيغةُ الماضي استعملت في معنييها فيظهر وجه الإعجاز في إيثار هذا التركيب.

وقيل: هو فتح خيبر الواقع عند الرجوع من الحديبية كما يجئ في قوله: ﴿ إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ﴾ [الفتح: 15].

وعلى هذه المحامل فتأكيد الكلام ب (إن) لما في حصول ذلك من تردد بعض المسلمين أو تساؤلهم، فعن عمر أنه لما نزلت ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: «أوَ فتح هو يا رسول الله؟

قال: " نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح ".

وروى البيهقي عن عروة بن الزبير قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما هذا بفتح صُددنا عن البيت وصُدّ هدينا.

فبلغ ذلك رسول الله فقال: بئس الكلام هذا بل هو أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم الأمان وقد كرهوا منكم ما كرهوا ولقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون.

فقال المسلمون: صدق الله ورسوله وهو أعظم الفتوح والله يا رسول الله ما فكرنا فيما ذكرت، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا».

وحذف مفعول ﴿ فتحنا ﴾ لأن المقصود الإعلام بجنس الفتح لا بالمفتوح الخاص.

واللام في قوله: ﴿ فتحنا لك ﴾ لام العلة، أي فتحنا لأجلك فتحاً عظيماً مثل التي في قوله تعالى: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1].

وتقديم المجرور قبل المفعول المطلق خلافاً للأصل في ترتيب متعلقات الفعل لقصد الاهتمام والاعتناء بهذه العلة.

وقوله: ﴿ ليغفر لك الله ﴾ بدل اشتمال من ضمير ﴿ لك ﴾ .

والتقدير: إنا فتحنا فتحاً مبيناً لأجلك لغفران الله لك وإتمام نعمته عليك، وهدايتك صراطاً مستقيماً ونصرك نصراً عزيزاً...

وجُعلت مغفرة الله للنبيء صلى الله عليه وسلم علة للفتح لأنها من جملة ما أراد الله حصوله بسبب الفتح، وليست لام التعليل مُقتضية حَصْرَ الغرض من الفعل المعلل في تلك العلة، فإن كثيراً من الأشياء تكون لها أسباب كثيرة فيذكر بعضها ممّا يقتضيه المقام وإذ قد كان الفتح لكرامة النبيء صلى الله عليه وسلم على ربه تعالى كان من علته أن يغفر الله لنبيئه صلى الله عليه وسلم مغفرة عامة إتماماً للكرامة فهذه مغفرة خاصة بالنبيء صلى الله عليه وسلم هي غير المغفرة الحاصلة للمجاهدين بسبب الجهاد والفتح.

فالمعنى: أن الله جعل عند حصول هذا الفتح غفران جميع ما قد يؤاخذ الله على مثله رسلَه حتى لا يبقى لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يقصر به عن بلوغ نهاية الفضل بين المخلوقات.

فجعل هذه المغفرة جزاء له على إتمام أعماله التي أرسل لأجلها من التبليغ والجهاد والنَصب والرغبة إلى الله.

فلما كان الفتح حاصلاً بسعيه وتسببه بتيسير الله له ذلك جعل الله جزاءه غفران ذنوبه بعظم أثر ذلك الفتح بإزاحة الشرك وعلوّ كلمة الله تعالى وتكميل النفوس وتزكيتها بالإيمان وصالح الأعمال حتى ينتشر الخير بانتشار الدين ويصير الصلاح خُلقاً للناس يقتدي فيه بعضُهم ببعض وكل هذا إنما يناسب فتح مكة وهذا هو ما تضمنته سورة ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ من قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ﴾ [النصر: 1 3] أي إنه حينئذٍ قد غفر لك أعظم مغفرة وهي المغفرة التي تليق بأعظممِ من تَابَ على تائب، وليست إلا مغفرة جميع الذنوب سابقها وما عسى أن يأتي منها مِما يعده النبيء صلى الله عليه وسلم ذنباً لشدة الخشية من أقل التقصير كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وإن كان النبيء صلى الله عليه وسلم معصوماً من أن يأتي بعدها بما يؤاخَذ عليه.

وقال ابن عطية: وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب، ولهذا المعنى اللَّطيف الجليل كانت سورة ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ مؤذنة باقتراب أجل النبيء صلى الله عليه وسلم فيما فهم عمر بن الخطاب وابن عباس، وقد روي ذلك عن النبيء صلى الله عليه وسلم والتقدم والتأخر من الأحوال النسبية للموجودات الحقيقية أو الاعتبارية يقال: تقدم السائر في سيره على الركب، ويقال: تقدم نزول سورة كذا على سورة كذا ولذلك يكثر الاحتياج إلى بيان ما كان بينهما تقدم وتأخر بذكر متعلق بفعل تقدم وتأخّر.

وقد يترك ذلك اعتماداً على القرينة، وقد يقطع النظر على اعتبار متعلِّق فيُنزَّل الفعل منزلة الأفعال غير النسبية لقصد التعميم في المتعلقات وأكثر ذلك إذا جمع بين الفعلين كقوله هنا ﴿ ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ [الفتح: 2].

والمراد ب ﴿ ما تقدم ﴾ : تعميم المغفرة للذنب كقوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ [البقرة: 255]، فلا يقتضي ذلك أنه فرط منه ذنب أو أنه سيقع منه ذنب وإنما المقصود أنه تعالى رَفَعَ قَدره رفعَة عدم المؤاخذة بذنب لو قُدر صدوره منه وقد مضى شيء من بيان معنى الذنب عند قوله تعالى: ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ في سورة القتال (55).

وإنما أسند فعل ليغفر } إلى اسم الجلالة العلَم وكان مقتضى الظاهر أن يسند إلى الضمير المستتر قصداً للتنويه بهذه المغفرة لأن الاسم الظاهر أنفذ في السمع وأجلب للتنبيه وذلك للاهتمام بالمسند وبمتعلقه لأن هذا الخبر أُنف لم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم علم به ولذلك لم يبرز الفاعل في ﴿ ويُتمّ نعمته عليك ويهديك ﴾ لأن إنعام الله عليه معلوم وهدايته معلومة وإنما أخبر بازديادهما.

وإتمام النعمة: إعطاء ما لم يكن أعطاه إياه من أنواع النعمة مثل إسلام قريش وخلاص بلاد الحجاز كلّها للدخول تحت حكمه، وخضوع من عانده وحاربه، وهذا ينظر إلى قوله تعالى: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ [المائدة: 3] فذلك ما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الآية وحصل بعد سنين.

ومعنى ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ : يزيدك هديا لم يسبق وذلك بالتوسيع في بيان الشريعة والتعريف بما لم يسبق تعريفه به منها، فالهداية إلى الصراط المستقيم ثابتة للنبيء صلى الله عليه وسلم من وقت بعثته ولكنها تزداد بزيادة بيان الشريعة وبسعة بلاد الإسلام وكثرة المسلمين مما يدعو إلى سلوك طرائق كثيرة في إرشادهم وسياستهم وحماية أوطانهم ودفع أعدائهم، فهذه الهداية متجمعة من الثبات على ما سبق هديُه إليه، ومن الهداية إلى ما لم يسبق إليه وكل ذلك من الهداية.

والصراط المستقيم: مستعار للدين الحق كما تقدم في سورة الفاتحة.

وتنوين ﴿ صراطاً ﴾ للتعظيم.

وانتصب ﴿ صراطاً ﴾ على أنه مفعول ثان ل ﴿ يهدي ﴾ بتضمين معنى الإعطاء، أو بنزع الخافض كما تقدّم في الفاتحة.

والنصر العزيز: غير نصر الفتح المذكور لأنه جعل علة الفتح فهو ما كان من فتح مكة وما عقبه من دخول قبائل العرب في الإسلام بدون قتال.

وبعثهم الوفود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتلقوا أحكام الإسلام ويُعلموا أقوامهم إذا رجعوا إليهم.

ووصف النصر بالعزيز مجاز عقلي وإنما العزيز هو النبي صلى الله عليه وسلم المنصور، أو أريد بالعزيز المعز كالسميع في قول عمرو بن معد يكرب: آمِنْ ريحانة الداعي السميع *** أي المسمع، وكالحكيم على أحد تأويلين.

والعزة: المنعة.

وإنما أظهر اسم الجلالة في قوله: ﴿ وينصرك الله ﴾ ولم يكتف بالضمير اهتماماً بهذا النصر وتشريعاً له بإسناده إلى الاسم الظاهر لصراحة الظاهر والصراحة أدعى إلى السمع، والكلام مع الإظهار أعلق بالذهن كما تقدم في ﴿ ليغفر لك الله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الفَتْحِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنّا أعْلَمْناكَ عِلْمًا مُبِينًا فِيما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ وأمَرْناكَ بِهِ مِنَ الدِّينِ.

وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ العِلْمِ بِالفَتْحِ كَقَوْلِهِ ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ  ﴾ أيْ عِلْمُ الغَيْبِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَكَقَوْلِهِ ﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ  ﴾ أيْ إنْ أرَدْتُمُ العِلْمَ فَقَدْ جاءَكُمُ العِلْمُ.

الثّانِي: إنّا قَضَيْنا لَكَ قَضاءً بَيِّنًا فِيما فَتَحْناهُ عَلَيْكَ مِنَ البِلادِ.

وَفي المُرادِ بِهَذا الفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، وعَدَهُ اللَّهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ انْكِفائِهِ مِنها.

الثّانِي: هو ما كانَ مِن أمْرِهِ بِالحُدَيْبِيَةِ.

قالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا  ﴾ في وقْتِ الحُدَيْبِيَةِ أصابَ فِيها ما لَمْ يُصِبْ في غَيْرِها.

بُويِعَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ تَصْدِيقًا لِخَبَرِهِ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أرادَهُ بِالفَتْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ جابِرٌ: ما كُنّا نَعُدُّ فَتْحَ مَكَّةَ إلّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: أنْتُمْ تَعُدُّونَ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ نَحْرُهُ وحَلْقُهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهَ بِالنَّحْرِ.

والحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، وفِيها تَمَضْمَضَ رَسُولُ اللَّهِ  ، وقَدْ غارَتْ فَجاشَتْ بِالرِّواءِ.

﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ اسْتِكْمالًا لِنِعَمِهِ عِنْدَكَ.

الثّانِي: يُصَبِّرُكَ عَلى أذى قَوْمِكَ.

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ الفَتْحِ وما تَأخَّرَ بَعْدَ الفَتْحِ.

الثّانِي: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وما تَأخَّرَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.

الثّالِثُ: ما وقَعَ وما لَمْ يَقَعْ عَلى طَرِيقِ الوَعْدِ بِأنَّهُ مَغْفُورٌ إذا كانَ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وما تَأخَّرَ بَعْدَها.

﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ.

الثّانِي: بِخُضُوعِ مَنِ اسْتَكْبَرَ.

وَطاعَةِ مَن تَجَبَّرَ.

﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الأسْرُ والغَنِيمَةُ كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الظَّفَرُ والإسْلامُ وفَتْحُ مَكَّةَ.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ما حَكاهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ قالَ أهْلُ مَكَّةَ: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ نَدْخُلُ في دِينِكَ وأنْتَ لا تَدْرِي ما يُفْعَلُ بِكَ ولا بِمَنِ اتَّبَعَكَ فَهَلّا أخْبَرَكَ بِما يُفْعَلُ بِكَ وبِمَنِ اتَّبَعَكَ كَما أخْبَرَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ؟

فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ  وعَلى أصْحابِهِ حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ - رَأْسُ المُنافِقِينَ - لِلْأنْصارِ: كَيْفَ تَدْخُلُونَ في دِينِ رَجُلٍ لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِمَنِ اتَّبَعَهُ؟

هَذا واللَّهِ الضَّلالُ المُبِينُ.

فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يا رَسُولَ اللَّهِ ألا تَسْألُ رَبَّكَ يُخْبِرُكَ بِما يُفْعَلُ بِكَ وبِمَنِ اتَّبَعَكَ؟

فَقالَ: إنَّ لَهُ أجَلًا فَأبْشِرا بِما يَقِرُّ اللَّهُ بِهِ أعْيُنُكُما.

إلى أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيُ وهو في دارِ أبِي الدَّحْداحِ عَلى طَعامٍ مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَخَرَجَ وقَرَأها عَلى أصْحابِهِ، قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: هَنِيئًا مَرِيئًا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ الآيَةَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن حبان وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد عليَّ فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فلم يردّ عليك، فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيَّ القرآن، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي، فرجعت، وأنا أظن أنه نزل فيَّ شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أنزلت عليَّ سورة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجمع ابن جارية الأنصاري قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟

قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه، فقرأ عليهم: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ فقال رجل: يا رسول الله: أو فتح هو؟

قال: «والذي نفس محمد بيده إنه لفتح» فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتد عليه فسرّي عنه وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: الحديبية.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: فتح خيبر.

وأخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن البراء رضي الله عنه قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية.

كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض، ودعا ثم صبه فيها تركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.

وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصدَّ هدينا، وعكف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورد رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قول رجال من أصحابه: إنّ هذا ليس بفتح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الإِياب، وقد كرهوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم، وردكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح.

أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟» قال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا.

فأنزل الله سورة الفتح.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث في قوله: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: نزلت في الحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة، أصاب أن بويع بيعة الرضوان فتح الحديبية، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بتصديق كتاب الله وظهور أهل الكتاب على المجوس.

وأخرج البيهقي عن المسور ومروان في قصة الحديبية قالا: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً فلما كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح من أولها إلى آخرها، فلما أمن الناس وتفاوضوا لم يكلم أحداً بالإِسلام إلا دخل فيه، فلقد دخل في تلك السنين في الإِسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك، فكان صلح الحديبية فتحاً عظيماً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: إنا قضينا لك قضاء بيناً، نزلت عام الحديبية للنحر الذي بالحديبية وحلقة رأسه.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: قضينا لك قضاء بيناً.

وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي رضي الله عنه «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: أفتح هذا؟

قال: وأنزلت عليه ﴿ إنا فتحا لك فتحاً مبيناً ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم عظيم» ، قال: وكان فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية قال: ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ﴾ [ الحديد: 10] الآية.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنا فتحا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: فتح مكة» .

وأخرج ابن عساكر من طريق أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ذات يوم بغلس وكان يغلس ويسفر ويقول: ما بين هذين وقت لكيلا يختلف المؤمنون فصلّى بنا ذات يوم بغلس فلما قضى الصلاة التفت إلينا كأن وجهه ورقة مصحف، فقال: «أفيكم من رأى الليلة شيئاً؟» قلنا: لا يا رسول الله.

قال: «لكني رأيت ملكين أتياني الليلة فأخذا بضبعي فانطلقا بي إلى السماء الدنيا فمررت بملك وأمامه آدمي وبيده صخرة فيضرب بهامة الآدمي فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً.

قلت: ما هذا؟

قالا لي: أمضه.

فمضيت فإذا أنا بملك وأمامه آدمي وبيد الملك كلوب من حديد فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن قلت: ما هذا؟

قالا: أمضه.

فمضيت فإذا أنا بنهر من دم يمور كمور المرجل على فيه قوم عراة على حافة النهر ملائكة بأيديهم مدرتان كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فيقع في فيه ويسيل إلى أسفل ذلك النهر، قلت: ما هذا؟

قالا: أمضه فمضيت فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة توقد من تحتهم النار أمسكت على أنفي من نتن ما أجد من ريحهم، قلت: من هؤلاء؟

قالا: أمضه.

فمضيت فإذا أنا بتل أسود عليه قوم مخبلون تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم قلت: ما هذا؟

قالا: أمضه، فمضيت فإذا أنا بنار مطبقة موكل بها ملك لا يخرج منها شيء إلا أتبعه حتى يعيده فيها، قلت: ما هذا؟

قالا لي: أمضه، فمضيت فإذا أنا بروضة وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه وإذا حوله الولدان وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة فصعدت ما شاء الله من تلك الشجرة وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوته حمراء.

قلت: ما هذا؟

قالا: أمضه.

فمضيت، فإذا أنا بنهر عليه جسران من ذهب وفضة على حافتي النهر منازل لا منازل أحسن منها من درة جوفاء وياقوته حمراء وفيه قدحان وأباريق تطرد قلت: ما هذا؟

قالا لي: أنزل فنزلت فضربت بيدي إلى إناء منها فغرفت ثم شربت فإذا أحلى من عسل، وأشد بياضاً من اللبن وألين من الزبد، فقالا لي: أما صاحب الصخرة التي رأيت يضرب بها هامته فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة ويصلون الصلاة لغير مواقيتها يضربون بها حتى يصيروا إلى النار، وأما صاحب الكلوب الذي رأيت ملكاً موكلاً بيده كلوب من حديد يشق شدقه الأيمن حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم فهم يعذبون بها حتى يصيروا إلى النار، وأما ملائكة بأيديهم مدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فتقع في فيه فينفتل إلى أسفل ذلك النهر فأولئك أكلة الربا يعذبون حتى يصيروا إلى النار، وأما البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار أمسكت على أنفك من نتن ما وجدت من ريحهم، فأولئك الزناة وذلك نتن فروجهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار، وأما التل الأسود الذي رأيت عليه قوماً مخبلين تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط الفاعل والمفعول به، فهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار وأما النار المطبقة التي رأيت ملكاً موكلاً بها كلما خرج منها شيء أتبعه حتى يعيده فيها، فتلك جهنم تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الروضة التي رأيت فتلك جنة المأوى، وأما الشيخ الذي رأيت ومن حوله من الولدان فهو إبراهيم وهم بنوه.

وأما الشجرة التي رأيت فطلعت إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوته حمراء فتلك منازل أهل عليين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

وأما النهر فهو نهرك الذي أعطاك الله الكوثر، وهذه منازلك وأهل بيتك.

قال: فنوديت من فوقي يا محمد سل تُعْطه، فارتعدت فرائصي ورجف فؤادي واضطرب كل عضو مني ولم أستطع أن أجيب شيئاً فأخذ أحد الملكين بيده اليمنى، فوضعها في يدي والآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي فسكن ذلك مني ثم نوديت من فوقي: يا محمد سل تعط.

قال: قلت: اللهم إني أسألك أن تثبت شفاعتي وأن تلحق بي أهل بيتي وأن ألقاك ولا ذنب لي قال: ثم ولي بي» ونزلت عليه هذه الآية ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكما أعطيت هذه كذلك أعطانيها إن شاء الله تعالى» .

وأخرج السلفي في الطيوريات من طريق يزيد بن هارون رضي الله عنه قال: سمعت المسعودي رضي الله عنه يقول: بلغني أن من قرأ أول ليلة من رمضان ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ في التطوع حفظ ذلك العام.

قوله تعالى: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر عن عامر وأبي جعفر رضي الله عنه في قوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ﴾ قال: في الجاهلية ﴿ وما تأخر ﴾ قال: في الإِسلام.

وأخرج عبد بن حميد عن سفيان رضي الله عنه قال: بلغنا في قول الله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ قال: ما تقدم ما كان في الجاهلية، وما تأخر: ما كان في الإِسلام ما لم يفعله بعد.

وأخرج ابن سعد عن مجمع بن جارية رضي الله عنه قال: لما كنا بضجنان رأيت الناس يركضون، وإذا هم يقولون: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركضت مع الناس حتى توافينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقرأ ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ فلما نزل بها جبريل عليه السلام قال: ليهنك يا رسول الله، فلما هنأه جبريل عليه السلام هنأه المسلمون.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ الآية، اجتهد في العبادة فقيل يا رسول الله: ما هذا الإِجتهاد؟

وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ صام وصلّى حتى انتفخت قدماه، وتعبد حتى صار كالشن البالي، فقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم تأخذه العبادة حتى يخرج على الناس كالشن البالي فقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .

وأخرج ابن عساكر عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تفطر قدماه فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .

وأخرج أبو يعلى وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي حتى تورمت قدماه فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .

وأخرج ابن عساكر عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حتى ترم قدماه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .

وأخرج الحسن بن سفيان وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، قلت يا رسول الله: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .

وأخرج ابن عساكر عن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط الأشجعي رضي الله عنه قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى حتى تورمت قدماه، فقيل له يا رسول الله: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: تعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار كالشن البالي، فقالوا: يا رسول الله، ما يحملك على هذا الإِجتهاد كله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل أربع ركعات ثم يتروح، فطال حتى رحمته، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .

أما قوله تعالى: ﴿ وينصرك الله نصراً عزيزاً ﴾ .

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وينصرك الله نصراً عزيزاً ﴾ قال: يريد بذلك فتح مكة وخيبر والطائف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وينصرك الله على عدوك نصراً منيعاً فلا تستذل (١) ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ : نصراً ذا عز لا يقع معه ذل (٢) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 66، "الجامع لأحكام القرآن" ذكره ولم ينسبه 16/ 263 ، "تنوير المقباس" ص 511.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 20.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ يحتمل هذا الفتح في اللغة أن يكون بمعنى الحكم، أي حكمنا لك على أعدائك، أو من الفتح بمعنى العطاء كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ ﴾ [فاطر: 2] أو من فتح البلاد، واختلف في المراد بهذا الفتح على أربعة أقوال: الأول أنه فتح مكة وعده الله به قبل أن يكون، وذِكرُه بلفظ الماضي لتحققه، وهو على هذا بمعنى فتح البلاد، الثاني أنه ما جرى في الحديبية من بيعة الرضوان، ومن الصلح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش، وهو على هذا بمعنى الحكم، أو بمعنى العطاء، ويدل على صحة هذا القول: أنه لما وقع صلح الحديبية، شق ذلك على بعض المسلمين لشروط كانت فيه، حتى أنزل الله هذه السورة، ويتبين أن ذلك الصلح له عاقبة محمود، وهذا هو الأصح؛ لأنه رُوي أنها لما نزلت قال بعض الناس: «ما هذا الفتح وقد صدنا المشركون عن البيت؟

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالروح، ورغبوا إليكم في الأمان» ، الثالث أنه ما أصاب المسلمون بعد الحديبية من الفتوح كفتح خيبر وغيرها، الرابع أنه الهداية إلى الإسلام ودليل هذا القول قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ الله ﴾ فجعل الفتح علة للمغفرة، ولا حجة في ذلك إذ يتصور في الجهاد وغيره أن يكون علة للمغفرة أيضاً، أو تكون اللام، للصيرورة والعاقبة لا للتعليل؛ فيكون المعنى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ فكان عاقبة أمرك أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة؛ بأن غفر لك، وأتم نعمته عليك، وهداك ونصرك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وينصرك الله على أعدائك نصرًا عزيزًا، لا يدفعه أحد.

<div class="verse-tafsir" id="91.RXqAb"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله