الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٤ من سورة الفتح
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 65 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : ( هو الذي أنزل السكينة ) أي : جعل الطمأنينة .
قاله ابن عباس ، وعنه : الرحمة .
وقال قتادة : الوقار في قلوب المؤمنين .
وهم الصحابة يوم الحديبية ، الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله ، فلما اطمأنت قلوبهم لذلك ، واستقرت ، زادهم إيمانا مع إيمانهم .
وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب .
ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين ، فقال : ( ولله جنود السماوات والأرض ) أي : ولو أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم ، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال ، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة ، والبراهين الدامغة ; ولهذا قال : ( وكان الله عليما حكيما )
القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) يعني جلّ ذكره بقوله ( هُوَ الَّذِي أَنـزلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ) الله أنـزل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين بالله ورسوله إلى الإيمان, والحقّ الذي بعثك الله به يا محمد.
وقد مضى ذكر اختلاف أهل التأويل في معنى السكينة قبل, والصحيح من القول في ذلك بالشواهد المغنية, عن إعادتها في هذا الموضع.
( لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ) يقول: ليزدادوا بتصديقهم بما جدّد الله من الفرائض التي ألزمهموها, التي لم تكن لهم لازمة ( إيمانا مع إيمانهم ) يقول: ليزدادوا إلى إيمانهم بالفرائض التي كانت لهم لازمة قبل ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله ( هُوَ الَّذِي أَنـزلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: السكينة: الرحمة ( لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ) قال: إن الله جلّ ثناؤه بعث نبيه محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بشهادة أن لا إله إلا الله, فلما صدّقوا بها زادهم الصلاة, فلما صدّقوا بها زادهم الصيام, فلما صدّقوا به زادهم الزكاة, فلما صدّقوا بها زادهم الحجّ, ثم أكمل لهم دينهم, فقال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي قال ابن عباس: فأوثق إيمان أهل الأرض وأهل &; 22-204 &; السموات وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله.
وقوله ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول تعالى ذكره: ولله جنود السموات والأرض أنصار ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه ( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) يقول تعالى ذكره: ولم يزل الله ذا علم بما هو كائن قبل كونه, وما خلقه عاملوه, حكيما في تدبيره.
قوله تعالى : هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما .السكينة : السكون والطمأنينة .
قال ابن عباس : كل سكينة في القرآن هي الطمأنينة إلا التي في ( البقرة ) وتقدم معنى زيادة الإيمان في آل عمران قال ابن عباس : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدقوه فيها زادهم الصلاة ، فلما صدقوه زادهم الزكاة ، فلما صدقوه زادهم الصيام ، فلما صدقوه زادهم الحج ، ثم أكمل لهم دينهم ، فذلك قوله : ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم أي : تصديقا بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان .
وقال الربيع بن أنس : خشية مع خشيتهم .
وقال الضحاك : يقينا مع يقينهم .
ولله جنود السماوات والأرض قال ابن عباس : يريد الملائكة والجن والشياطين والإنس وكان الله عليما بأحوال خلقه حكيما فيما يريده .
يخبر تعالى عن منته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، التي تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس، فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت ونفس مطمئنة، فيستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه، فالصحابة رضي الله عنهم لما جرى ما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين، من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم.
وقوله: { وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: جميعها في ملكه، وتحت تدبيره وقهره، فلا يظن المشركون أن الله لا ينصر دينه ونبيه، ولكنه تعالى عليم حكيم، فتقتضي حكمته المداولة بين الناس في الأيام، وتأخير نصر المؤمنين إلى وقت آخر.
( هو الذي أنزل السكينة ) الطمأنينة والوقار ( في قلوب المؤمنين ) لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم .
قال ابن عباس : كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) .
قال ابن عباس : بعث الله رسوله بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدقوه زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الجهاد ، حتى أكمل لهم دينهم ، فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم .
وقال الضحاك : يقينا مع يقينهم .
قال الكلبي : هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق .
( ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ) .
«هو الذي أنزل السكينة» الطمأنينة «في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم» بشرائع الدين كلما نزَّل واحدة منها آمنوا بها ومنها الجهاد «ولله جنود السماوات والأرض» فلو أراد نصر دينه بغيركم لفعل «وكان الله عليما» بخلقه «حكيما» في صنعه، أي لم يزل متصفا بذلك.
هو الله الذي أنزل الطمأنينة في قلوب المؤمنين بالله ورسوله يوم "الحديبية" فسكنت، ورسخ اليقين فيها؛ ليزدادوا تصديقًا لله واتباعًا لرسوله مع تصديقهم واتباعهم.
ولله سبحانه وتعالى جنود السموات والأرض ينصر بهم عباده المؤمنين.
وكان الله عليمًا بمصالح خلقه، حكيمًا في تدبيره وصنعه.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين فقال : ( هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة فِي قُلُوبِ المؤمنين ليزدادوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ .
.
) .والسكينة : من السكون ، والمراد بها الثبات والطمأنينة التى أودعها - سبحانه - فى قلوب المؤمنين ، فترتب على ذلك أن أطاعوا الله ورسوله .
بعد أن ظنوا أن فى شروط صلح الحديبية ظلما لهم .
وأن بايعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - على الموت بعد أن بلغهم أن عثمان - رضى الله عنه - قد قتله المشركون ، وفى التعبير عن ذلك بالإِنزال ، إشعار بعلو شأنها ، حتى لكأنها كانت مودعة فى خزائن رحمة الله - تعالى - ، ثم أنزلها بفضله فى قلوبهم بعد ذلك .
.أى : هو - سبحانه - بفضله ورحمته ، الذى أنزل السكينة والطمأنينة والثبات فى قلوب المؤمنين ، فانشرحت صدورهم لهذا الصلح بعد أن ضاقت فى أول الأمر .وقوله : ( ليزدادوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ ) تعليل لهذا الانزال للسكينة .أى : أوجد السكينة وخلقها فى قلوبهم ، ليزدادوا يقينا على يقينهم ، وتصديقا لى تصديقهم وثباتا على ثباتهم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً ) وقوله - سبحانه - : ( وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها ، أن الإِيمان يزيد وينقص .قال الآلوسى ما ملخصه : قال البخارى : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار ، فما رأيت أحداً منهم يختلف فى أن الإِيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص .واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل .
أما العقل ، فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإِيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين فى الفسوق والمعاصى ، مساويا لإِيمان الأنبياء ، واللازم باطل ، فكذا وأما الثانى : فلكثرة النصوص فى هذا المعنى ، ومنها الآية التى معنا وأمثالها ، ومنها وما روى " عن ابن عمر قال : قلنا : يا رسول الله ، إن الايمان يزيد وينقص ، قال : " نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخله النار " " .وقال الإِمام النووى وغيره : إن الايمان بمعنى التصديق القلبى ، يزيد وينقص - أيضا بكثرة النظر ، ووضوح الأدلة ، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم .ثم بين - سبحانه - شمول ملكه وقدرته فقال : ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) .
أى : ولله - تعالى - وحده جنود السماوات والأرض من ملائكة وجن وإنس ، إذ الكل تحت قهره وسلطانه ، فهو - سبحانه - الذى يدبر أمرهم كيف شاء ، ويدفع بعضهم ببعض كما تقضى حكمته وإرادته ، وهو - تعالى - العليم بكل شئ .
الحكيم فى جميع أفعاله .
.
لما قال تعالى: ﴿ وَيَنصُرَكَ الله ﴾ بين وجه النصر، وذلك لأن الله تعالى قد ينصر رسله بصيحة يهلك بها أعداءهم، أو رجفة تحكم عليهم بالفناء، أو جند يرسله من السماء، أو نصر وقوة وثبات قلب يرزق المؤمنين به، ليكون لهم بذلك الثواب الجزيل فقال: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة ﴾ أي تحقيقاً للنصر، وفي السكينة وجوه: أحدها: هو السكون الثاني: الوقار لله ولرسول الله وهو من السكون الثالث: اليقين والكل من السكون وفيه مسائل: المسألة الأولى: السكينة هنا غير السكينة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سكينةٌ من ربِّكمْ ﴾ في قول أكثر المفسرين ويحتمل هي تلك المقصود منها على جميع الوجوه اليقين وثبات القلوب.
المسألة الثانية: السكينة المنزّلة عليهم هي سبب ذكرهم الله كما قال تعالى: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب ﴾ .
المسألة الثالثة: قال الله تعالى في حق الكافرين ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ﴾ بلفظ القذف المزعج وقال في حق المؤمنين ﴿ أَنزَلَ السكينة ﴾ بلفظ الإنزال المثبت، وفيه معنى حكمي وهو أن من علم شيئاً من قبل وتذكره واستدام تذكره فإذا وقع لا يتغير، ومن كان غافلاً عن شيء فيقع دفعة يرجف فؤاده، ألا ترى أن من أخبر بوقوع صيحة وقيل له لا تنزعج منها فوقعت الصيحة لا يرجف، ومن لم يخبر به وأخبر وغفل عنه يرتجف إذا وقعت، فكذلك الكافر أتاه الله من حيث لا يحتسب وقذف في قلبه فارتجف، والمؤمن أتاه من حيث كان يذكره فسكن، وقوله تعالى: ﴿ لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم ﴾ فيه وجوه: أحدها: أمرهم بتكاليف شيئاً بعد شيء فآمنوا بكل واحد منها، مثلاً أمروا بالتوحيد فآمنوا وأطاعوا، ثم أمروا بالقتال والحج فآمنوا وأطاعوا، فازدادوا إيماناً مع إيمانهم ثانيها: أنزل السكينة عليهم فصبروا فرأوا عين اليقين بما علموا من النصر علم اليقين إيماناً بالغيب فازدادوا إيماناً مستفاداً من الشهادة مع إيمانهم المستفاد من الغيب ثالثها: ازدادوا بالفروع مع إيمانهم بالأصول، فإنهم آمنوا بأن محمداً رسول الله وأن الله واحد والحشر كائن وآمنوا بأن كل ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم صدق وكل ما يأمر الله تعالى به واجب رابعها: ازدادوا إيماناً استدلالياً مع إيمانهم الفطري، وعلى هذا الوجه نبين لطيفة وهي أن الله تعالى قال في حق الكافر ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾ ولم يقل مع كفرهم لأن كفرهم عنادي وليس في الوجود كفر فطري لينضم إليه الكفر العنادي بل الكفر ليس إلا عنادياً وكذلك الكفر بالفروع لا يقال انضم إلى الكفر بالأصول لأن من ضرورة الكفر بالأصول الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة والانقياد فقال: ﴿ لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم ﴾ وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض ﴾ فكان قادراً على إهلاك عدوه بجنوده بل بصيحة ولم يفعل بل أنزل السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائهم بأيديهم فيكون لهم الثواب، وفي جنود السموات والأرض وجوه: أحدها: ملائكة السموات والأرض ثانيها: من في السموات من الملائكة ومن في الأرض من الحيوانات والجن.
وثالثها: الأسباب السماوية والأرضية حتى يكون سقوط كسف من السماء والخسف من جنوده، وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ لما قال: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض ﴾ وعددهم غير محصور، أثبت العلم إشارة إلى أنه: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض ﴾ وأيضاً لما ذكر أمر القلوب بقوله: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة فِي قُلُوبِ المؤمنين ﴾ والإيمان من عمل القلوب ذكر العلم إشارة إلى أنه يعلم السر وأخفى، وقوله: ﴿ حَكِيماً ﴾ بعد قوله: ﴿ عَلِيماً ﴾ إشارة إلى أنه يفعل على وفق العلم فإن الحكيم من يعمل شيئاً متقناً ويعلمه، فإن من يقع منه صنع عجيب اتفاقاً لا يقال له حكيم ومن يعلم ويعمل على خلاف العلم لا يقال له حكيم.
<div class="verse-tafsir"
هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة ربّ العزة سبحانه في أخباره؛ لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخْبِر ما لا يخفى.
فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟
قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة: وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز، كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.
ويجوز أن يكون فتح مكة- من حيث إنه جهاد للعدوّ- سبباً للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح.
وقيل: هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم.
وعن الكلبي: ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح.
فإن قلت: كيف يكون فتحاً وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية؟
قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها وتمت كان فتحاً مبيناً.
وعن موسى بن عقبة: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت وصد هدينا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا» ، وعن الشعبي: نزلت بالحديبية وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة أصاب: أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس؛ وبلغ الهدى محله، وأطعموا نخل خيبر، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة.
وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها، فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه.
وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد- وقيل: هو فتح خيبر، وقيل: فتح الروم.
وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كلها، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه.
وقيل: معناه قضينا لك قضاء بيناً على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل؛ لتطوفوا بالبيت: من الفتاحة وهي الحكومة، وكذا عن قتادة ﴿ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ يريد: جميع ما فرط منك.
وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها.
وقيل: ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد ﴿ نَصْراً عَزِيزاً ﴾ فيه عز ومنعة- أو وصف بصفة المنصور إسناداً مجازياً أو عزيزاً صاحبه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ ﴾ الثَّباتَ والطُّمَأْنِينَةَ.
﴿ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ حَتّى ثَبَتُوا حَيْثُ تَقْلَقُ النُّفُوسُ وتَدْحَضُ الأقْدامُ.
﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ يَقِينًا مَعَ يَقِينِهِمْ بِرُسُوخِ العَقِيدَةِ واطْمِئْنانِ النَّفْسِ عَلَيْها، أوْ أنْزَلَ فِيها السُّكُونَ إلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ لِيَزْدادُوا إيمانًا بِالشَّرائِعِ مَعَ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.
﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَها فَيُسَلِّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ تارَةً ويُوقِعُ فِيما بَيْنَهُمُ السَّلَمَ أُخْرى كَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِالمَصالِحِ.
﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما يُقَدِّرُ ويُدَبِّرُ.
<div class="verse-tafsir"
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)
{هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة فِى قُلُوبِ المؤمنين لِيَزْدَادُوآ إيمانا مَّعَ إيمانهم} السكينة للسكون كالبهيتة للبهتان أي أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح ليزدادوا يقيناً إلى يقينهم وقيل السكنية الصبر على ما أمر الله والثقة بوعد الله والتعظيم لأمر الله {وَلِلَّهِ جُنُودُ}
{السماوات والأرض وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً وَيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} اى ولله جنود السموات والأرض يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيثيبهم
﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ بَيانٌ لِما أفاضَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ مِن مَبادِئِ الفَتْحِ، والمُرادُ بِالسَّكِينَةِ الطُّمَأْنِينَةُ والثَّباتُ مِنَ السُّكُونِ أيْ أنْزَلَها في قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ الصُّلْحِ والأمْنِ إظْهارًا لِفَضْلِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَيْسِيرِ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، والمُرادُ بِإنْزالِها خَلْقُها وإيجادُها، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِالإنْزالِ إيماءٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِها.
وقالَ الرّاغِبُ: إنْزالُ اللَّهِ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى عَبْدٍ إعْطاؤُهُ تَعالى إيّاها وذَلِكَ إمّا بِإنْزالِ الشَّيْءِ نَفْسَهُ كَإنْزالِ القُرْآنِ أوْ بِإنْزالِ أسْبابِهِ والهِدايَةِ إلَيْهِ كَإنْزالِ الحَدِيدِ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: ( أنْزَلَ ) مِن نَزَلَ في مَكانِ كَذا حَطَّ رَحْلَهُ فِيهِ وأنْزَلَهُ غَيْرُهُ، فالمَعْنى حَطَّ السَّكِينَةَ في قُلُوبِهِمْ فَكانَ قُلُوبُهم مَنزِلًا لَها ومَأْوًى، وقِيلَ: السَّكِينَةُ مَلَكٌ يَسْكُنُ قَلْبَ المُؤْمِنِ ويُؤَمِّنُهُ كَما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ قالَ: إنَّ السَّكِينَةَ لَتَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ، وأمْرُ الإنْزالِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ.
وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: السَّكِينَةُ هي الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: هي العَقْلُ ويُقالُ لَهُ سَكِينَةٌ إذا سَكَنَ عَنِ المَيْلِ إلى الشَّهَواتِ وعَنِ الرُّعْبِ، وقِيلَ: هي الوَقارُ والعَظَمَةُ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هي مِن سَكَنَ إلى كَذا مالَ إلَيْهِ أيْ أنْزَلَ في قُلُوبِهِمُ السُّكُونَ والمَيْلَ إلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الشَّرائِعِ، وأرْجَحُ التَّفاسِيرِ هُنا عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: الأوَّلُ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ السَّكِينَةَ شَيْءٌ لَهُ رَأْسٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ فَما أراهُ قَوْلًا يَصِحُّ ﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ أيْ يَقِينًا مَعَ يَقِينِهِمْ بِرُسُوخِ العَقِيدَةِ واطْمِئْنانِ النُّفُوسِ عَلَيْها عَلى أنَّ الإيمانَ لَمّا ثَبَتَ في الأزْمِنَةِ نَزَلَ تَجَدُّدُ أزْمانِهِ مَنزِلَةَ تَجَدُّدِهِ وازْدِيادِهِ فاسْتُعِيرَ لَهُ ذَلِكَ ورُشِّحَ بِكَلِمَةِ مَعَ، وقِيلَ: ازْدِيادُ الإيمانِ بِازْدِيادِ ما يُؤْمِنُ بِهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أوَّلَ ما أتاهم بِهِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ التَّوْحِيدُ ثُمَّ الصَّلاةُ والزَّكاةُ ثُمَّ الحَجُّ والجِهادُ فازْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ، ومَن قالَ: الأعْمالُ مِنَ الإيمانِ قالَ بِأنَّهُ نَفْسُهُ أيِ الإيمانُ المُرَكَّبُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ولَمْ يَحْتَجْ في الآيَةِ إلى تَأْوِيلٍ بَلْ جَعَلَها دَلِيلًا لَهُ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّهُ ذَهَبَ جُمْهُورُ الأشاعِرَةِ والقَلانِسِيُّ والفُقَهاءُ والمُحَدِّثُونَ والمُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ، وقالَ البُخارِيُّ: لَقِيتُ أكْثَرَ مِن ألْفِ رَجُلٍ مِنَ العُلَماءِ بِالأمْصارِ فَما رَأيْتُ أحَدًا مِنهم يَخْتَلِفُ في أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ ويَزِيدُ ويَنْقُصُ، واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَوْ لَمْ تَتَفاوَتْ حَقِيقَةُ الإيمانِ لَكانَ إيمانُ آحادِ الأُمَّةِ المُنْهَمِكِينَ في الفِسْقِ والمَعاصِي مُساوِيًا لِإيمانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَثَلًا واللّازِمُ باطِلٌ فَكَذا المَلْزُومُ، وأمّا الثّانِي فَلِكَثْرَةِ النُّصُوصِ في هَذا المَعْنى، مِنها الآيَةُ المَذْكُورَةُ، ومِنها ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ قالَ: نَعَمْ يَزِيدُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ الجَنَّةَ ويَنْقُصَ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ النّارَ».
ومِنها ما رَوِيَ عَنْ عُمَرَ وجابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا «(لَوْ وُزِنَ إيمانُ أبِي بَكْرٍ بِإيمانِ هَذِهِ الأُمَّةِ لَرَجَحَ بِهِ)».
واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ قَبُولِ الإيمانِ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الطّاعاتِ داخِلَةً في مُسَمّاهُ أوْلى وأحَقُّ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ ذَلِكَ إذا كانَ مُسَمّاهُ التَّصْدِيقَ وحْدَهُ.
أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ لا مَرْتَبَةَ فَوْقَ كُلِّ الأعْمالِ لِتَكُونَ زِيادَةً ولا إيمانَ دُونَهُ لِيَكُونَ نَقْصًا، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَكْمِلُ الإيمانَ حِينَئِذٍ والزِّيادَةُ عَلى ما لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ مُحالٌ.
وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ القائِلِينَ بِانْتِفاءِ الإيمانِ بِانْتِفاءِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، والجَماعَةُ إنَّما يَقُولُونَ: إنَّها شَرْطُ كَمالٍ في الإيمانِ فَلا يَلْزَمُ عِنْدَ الِانْتِفاءِ إلّا انْتِفاءُ الكَمالِ وهو غَيْرُ قادِحٍ في أصْلِ الإيمانِ.
وقالَ النَّوَوِيُّ وجَماعَةٌ مُحَقِّقُونَ مِن عُلَماءِ الكَلامِ: إنَّ الإيمانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ يَزِيدُ ويَنْقُصُ أيْضًا بِكَثْرَةِ النَّظَرِ ووُضُوحِ الأدِلَّةِ وعَدَمِ ذَلِكَ، ولِهَذا كانَ إيمانُ الصِّدِّيقِينَ أقْوى مِن إيمانِ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ لا تَعْتَرِيهِ الشُّبَهُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَعْلَمُ أنَّ ما في قَلْبِهِ يَتَفاضَلُ حَتّى يَكُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ أعْظَمَ يَقِينًا وإخْلاصًا مِنهُ في بَعْضِها فَكَذَلِكَ التَّصْدِيقُ والمَعْرِفَةُ بِحَسَبِ ظُهُورِ البَراهِينِ وكَثْرَتِها.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مَتى قَبِلَ ذَلِكَ كانَ شَكًّا.
ودُفِعَ بِأنَّ مَراتِبَ اليَقِينِ مُتَفاوِتَةٌ إلى عِلْمِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ وعَيْنِ اليَقِينِ مَعَ أنَّها لا شَكَّ مَعَها ومِمَّنْ وافَقَ النَّوَوِيَّ عَلى ما جَزَمَ بِهِ السَّعْدُ في القِسْمِ الثّانِي مِن تَهْذِيبِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ أعْظَمُهُمُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ وتَبِعَهُ أصْحابُهُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: الإيمانُ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، واخْتارَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ، واحْتَجُّوا بِأنَّهُ اسْمٌ لِلتَّصْدِيقِ البالِغِ حَدَّ الجَزْمِ والإذْعانِ وهَذا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانُ، فالمُصَدِّقُ إذا ضَمَّ إلَيْهِ الطّاعاتِ أوِ ارْتَكَبَ المَعاصِيَ فَتَصْدِيقُهُ بِحالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ أصْلًا وإنَّما يَتَفاوَتُ إذا كانَ اسْمًا لِلطّاعاتِ المُتَفاوِتَةِ قِلَّةً وكَثْرَةً.
وأجابُوا عَمّا تَمَسَّكَ بِهِ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ، مِنها ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا مِن أنَّ الزِّيادَةَ بِحَسَبِ الدَّوامِ والثَّباتِ وكَثْرَةِ الزَّمانِ والأوْقاتِ.
وإيضاحُهُ ما قالَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ: النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْضُلُ مَن عَداهُ بِاسْتِمْرارِ تَصْدِيقِهِ وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن مُخامَرَةِ الشُّكُوكِ، والتَّصْدِيقُ عَرَضٌ لا يَبْقى بِشَخْصِهِ بَلْ بِتَجَدُّدِ أمْثالِهِ فَتَقَعُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَوالِيَةً ولِغَيْرِهِ عَلى الفَتَراتِ فَثَبَتَتْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْدادٌ مِنَ الإيمانِ لا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ إلّا بَعْضُها فَيَكُونُ إيمانُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْثَرَ، والزِّيادَةُ بِهَذا المَعْنى قِيلَ مِمّا لا نِزاعَ فِيها.
واعْتُرِضَ بِأنَّ حُصُولَ المِثْلِ بَعْدَ انْعِدامِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ زِيادَةً فِيهِ كَسَوادِ الجِسْمِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ زِيادَةُ أعْدادٍ حَصَلَتْ وعَدَمُ البَقاءِ لا يُنافِي ذَلِكَ، ومِنها ما أشَرْنا إلَيْهِ ثانِيًا مِن أنَّ المُرادَ الزِّيادَةُ بِحَسَبِ زِيادَةِ ما يُؤْمِنُ بِهِ، والصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ آمَنُوا أوَّلًا بِما آمَنُوا بِهِ وكانَتِ الشَّرِيعَةُ لَمْ تَتِمَّ وكانَتِ الأحْكامُ تَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكانُوا يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ ما يَتَجَدَّدُ مِنها ولا شَكَّ في تَفاوُتِ إيمانِ النّاسِ بِمُلاحَظَةِ التَّفاصِيلِ كَثْرَةً وقِلَّةً ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإمْكانِ الِاطِّلاعِ عَلى التَّفاصِيلِ في غَيْرِهِ مِنَ العُصُورِ أيْضًا، ومِنها أنَّ المُرادَ زِيادَةُ ثَمَرَتِهِ وإشْراقُ نُورِهِ في القَلْبِ فَإنَّ نُورَ الإيمانِ يَزِيدُ بِالطّاعاتِ ويَنْقُصُ بِالمَعاصِي، قِيلَ: وهَذا إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ قاطِعٍ عَلى امْتِناعِ قَبُولِ التَّصْدِيقِ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ ومَتى لَمْ يَقُمْ قاطِعٌ عَلى ذَلِكَ كانَ الأوْلى إبْقاءَ الظَّواهِرِ عَلى حالِها، وقالَ الخَطّابِيُّ: الإيمانُ قَوْلٌ وهو لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ وعَمَلٌ وهو يَزِيدُ ويَنْقُصُ واعْتِقادٌ وهو يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ فَإذا نَقَصَ ذَهَبَ، واعْتُرِضَ أنَّهُ إذا زادَ ثُمَّ عادَ إلى ما كانَ فَقَدْ نَقَصَ ولَمْ يَذْهَبْ.
ودُفِعَ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّ الِاعْتِقادَ بِاعْتِبارِ أوَّلِ مَراتِبِهِ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ لا أنَّ الِاعْتِقادَ مُطْلَقًا كَذَلِكَ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الإمامُ الرّازِيُّ.
وإمامُ الحَرَمَيْنِ إلى أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ وذَلِكَ بِحَمْلِ قَوْلِ النَّفْيِ عَلى أصْلِ الإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ فَلا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وحَمْلُ قَوْلِ الأثْباتِ عَلى ما بِهِ كَمالُهُ وهو الأعْمالُ فَيَكُونُ الخِلافُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَرْعَ الخِلافِ في تَفْسِيرِ الإيمانِ، والحَقُّ أنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِما سَمِعْتُ عَنِ الإمامِ النَّوَوِيِّ ومَن مَعَهُ مِن أنَّ التَّصْدِيقَ نَفْسَهُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ مِن خَواصِّ الحُكْمِ، والتَّصْدِيقُ قِسْمٌ مِنَ العِلْمِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّهُ مِن مَقُولَةِ الكَمِّ وإنَّما قِيلَ هو كَيْفٌ أوِ انْفِعالٌ أوْ إضافَةٌ وتَعَلُّقٌ بَيْنَ العالِمِ والمَعْلُومِ أوْ صِفَةٌ ذاتَ إضافَةٍ والأشْهُرُ أنَّهُ كَيْفٌ فَمَتى صَحَّ ذَلِكَ وقُلْنا بِمُغايَرَةِ الشِّدَّةِ والضَّعْفِ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ فَلا بَأْسَ بِحَمْلِهِما في النُّصُوصِ وغَيْرِها عَلى الشِّدَّةِ والضَّعْفِ وذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وإنْكارُ اتِّصافِ الإيمانِ بِهِما يَكادُ يَلْحَقُ بِالمُكابَرَةِ فَتَأمَّلْ، وذَكَرَ بَعْضُهم هُنا أنَّ الإيمانَ الَّذِي هو مَدْخُولٌ مَعَ هو الإيمانُ الفِطْرِيُّ والإيمانُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ الإيمانُ الِاسْتِدْلالِيُّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَزْدادُوا إيمانًا اسْتِدْلالِيًّا مَعَ إيمانِهِمُ الفِطْرِيِّ، وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ ﴿ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَها كَيْفَما يُرِيدُ فَيُسَلِّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضِ تارَةً ويُوقِعُ سُبْحانَهُ بَيْنَها السِّلْمَ أُخْرى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ، ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ ما وقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ ﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ بِجَمِيعِ الأُمُورِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في تَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وذلك أن النبي تجهز في سنة ست في ذي القعدة، فخرج إلى العمرة معه ألف وستمائة رجل، ويقال: ألف وأربعمائة، وساق سبعين بدنة.
فبلغ قريشاً خبر النبي وأصحابه، فبعثوا خالد بن الوليد في عصابة منهم ليصدوا النبيّ وأصحابه عن البيت؟
فلما نزل النبيّ بعسفان قال: «إنَّ قُرَيْشاً جَعَلَتْ لِي عُيُوناً، فَمَنْ يَدُلُّنِي عَلَى طَرِيقِ الثَّنِيَّةِ» .
فقال رجل من المسلمين: أنا يا رسول الله فخرج بهم، وانتهوا إلى الثنية، وصعدوا فيها.
فلما هبط رسول الله من الثنية، بركت ناقته القصواء، فلم تنبعث، فزجرَها، وزجرها الناس، وضربوها، فلم تنبعث.
فقال الناس: خلأت القصواء أي: صارت حروناً.
فقال النبيّ : «ما خَلأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا كَانَ ذلك لَهَا بِخُلُقٍ، ولكن حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ» ، ثم قال: «لا يَسْأَلُونَنِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شَيْئاً يعظمون به حرماتهم، إلا قِبْلتُهُ مِنْهُمْ» ثَم زجرها، فانبعثت.
فلما نزلوا على القليب بالحديبية، لم يكن في البئر إلا ماء وشيك.
يعني: قليل متغير، فاستسقوا فلم يبق في البئر ماء.
فقال: مَن رجل يهيج لنا الماء؟
فقال رجل: أنا يا رسول الله.
فقال: «ما اسمك» ؟
قال: مرة.
فقال: «تأخر» ، فقال رجل آخر أنا يا رسول الله، فقال: «ما اسمك؟» .
قال: ناجيه.
فقال: «أنْزِلْ» .
فنزل، فأعطاه رسول الله مشقصاً، فبحت به البئر، فنبع الماء.
وقال في رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان ماء الحديبية قد قل.
فأتى بدلو من ماء، فتوضأ منه رسول الله ، وجعل منه في فيه، ثم مجه في الدلو، ثم أمرهم بأن يجعلوه في البئر، ففعلوا، فامتلأت البئر حتى كادوا يغرقون منها وهم جلوس.
ففزع المشركون لنزول النبيّ وأصحابه في الحديبية، فجاؤوه، واستعدوا ليصدوه.
فقال رسول الله لعمر: «يا عُمَرُ اذْهَبْ فَاسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نَعْتَمِرَ، وَيُخْلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ البَيْتِ، لا أُرِيدُ مِنْهُمْ غَيْرَهُ» .
فقال عمر: يا رسول الله ليس ثم أحد من قومي يمنعني.
فأرسل عثمان، فإن هناك ناساً من بني عمه، يمنعونه، فذهب عثمان، فتلقاه أبان بن سعيد بن العاص، فقال له: أجرني من قومك حتى أبلغ رسالة رسول الله ، فأجاره، وحمله على فرسه وراءه، ودخل به مكة فاستأذن عثمان قريشاً، فأبوا أن يأذنوا له.
فقال: أبان لعثمان!
طف أنت إن شئت.
فقال: لما كنت لأتقدم بين يدي رسول الله ، وبقي هناك ثلاثة أيام، فذكر للنبي أن عثمان قد قتل.
فقال لأصحابه: بايعوني على الموت.
فجلس النبيّ تحت الشجرة، فبايعه أصحابه على الموت، فقال النبي : «إِنِّي أَخَافُ أَلاَّ يُدْرِكَ عُثْمَانَ هَذِهِ البَيْعَةَ، فَأَنَا أُبَايِعُ لَهُ يَمِينِي بِشمَالِي» .
ثم رجع عثمان، فأخبر أنهم قد أبوا ذلك، وبلغت قريشاً البيعة، فكبرت تلك البيعة عندهم، وقالوا ليزيد بن الحارث الكناني: أردده عنا فقال النبيّ : «ابْعَثُوا الهَدْيَ فِي وَجْهِهِ يَرَاهَا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ يُعَظِّمُونَ الهَدْيَ» .
فبعثوا الهدي في وجهه، فلما رأى يزيد بن الحارث الهدي قال: ما أرى أحداً يفلح بردّ هذا الهدي، ورجع إلى قريش.
فقال لهم: لا تردوا هذا الهدي فإني أخشى أن يصيبكم عذاب من السماء.
فأرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، فجاء إلى النبيّ ، فجلس إليه، فقال: يا محمد ارجع عن قومك هذه المرة، فجعل يكلم رسول الله ، ويومئ بيديه إلى لحيته، وكان المغيرة قائماً عند رسول الله ، فضربه بالسوط على يده، وقال: اكفف يدك عن لحية رسول الله قبل أن يصل إليك ما تكره.
فقال عروة: من هذا يا محمد؟
فقال: ابن أخيك المغيرة بن شعبة.
فقال: يا غدر ما غسلت سلحتك عني بعد.
أفتضرب يدي؟
قال: اكففها قبل أن لا تصل إليك.
فرجع عروة إلى قريش، فقالوا له: ما ورائك يا أبا يعقوب؟
فقال: خلوا سبيل الرجل يعتمر، فإني حضرت كسرى، وقيصر، والنجاشي، فما رأيت ملكاً قط أصحابه أطوع من هذا الملك.
والله إنه ليتنخم فيبتدرون نخامته، والله إنه ليجلس فيبتدرون التراب الذي يجلس عليه، وإنه ليتوضأ فيبتدرون وضوءه.
فقالوا: جبنت، وانتفح سحرك.
ثم قالوا لسهيل بن عمرو: اذهب واردده عنا، وصالحه.
فلما رآه رسول الله قال: «قَدْ سَهُلَ أمْرُهُمْ» ، فجاءه سهيل في نفر من قريش فقال: يا محمد ارجع عن قومك هذه المرة، على أن لك أن تأتيهم من العام المقبل، فتعتمر أنت، وأصحابك، ويدخل كل إنسان منكم بسلاحه راكباً، فتصالحنا على أن لا تقاتلنا، ولا نقاتلك سنتين.
فرضي رسول الله بذلك.
فقال: اكتب بيننا وبينك كتاباً، فأمر علياً إن يكتب، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
فقال سهيل: لا أعرف الرحمن.
قال: فكيف أكتب؟
قال: اكتب باسمك اللهم فكتب باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله .
فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله، لاتبعتك.
أفترغب عن اسم أبيك؟
فقال علي : فو الله إنه لرسول الله على رغم أنفك.
فقال رسول الله : «أنا مَحَمَّدٌ رَسُولُ الله، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله» ، لأنه كان عهد أن لا يسألوه عن شيئاً يعظمون به حرماتهم إلا قبله.
فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، ألاّ تقاتلنا، ولا نقاتلك سنتين، وندخل في حلفنا من نشاء، وتدخلوا في حلفكم من شئتم، وعلى أنكم تأتون من العام المقبل، وتقيمون ثلاثة أيام، ثم ترجعون، وعلى أن ما جاء منا إليكم لا تقبلوه، وتردوه إلينا، ومن جاء منكم إلينا فهو منا، فلا نرده إليكم، فشق ذلك الشرط على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله من لحق بنا منهم لم نقبله، ومن لحق بهم منا فهو لهم.
فقال رسول الله : «فأمَّا مَنْ لَحِقَ بِهِمْ مِنَّا فَأبْعَدَهُ الله وَأَوْلَى بِمَنْ كَفر.
وَأمَّا مَنْ أرَادَ أنْ يَلْحَقَ بِنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ الله لَهُ مَخْرِجَاً» .
فجاء أبو جندل بن سهيل يوسف في الحديد، يعني: يمشي مشي الأعرج قد أسلم، فأوثقه أبوه حين خشي أن يذهب إلى النبيّ ، فلما وقع في ظهراني المسلمين، قال: إني مسلم.
فجاء أبوه فقال: إنما كتبنا الكتاب الساعة.
فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله حق وأنت نبيه؟
قال: «بَلَى» .
قال: ونحن قوم مؤمنون؟
وهم كفار؟
قال: «بَلَى» .
قال: فلم نُعْطِي الدنية في ديننا؟
قال: «إنَّمَا كَتَبْنَا الكِتَابَ السَّاعَةَ» .
فتحول عمر إلى أبي جندل فقال: يا أبا جندل إن الرجل يقتل أباه في الله، وإن دم الكافر لا يساوي دم كلب، وجعل عمر يقرب إليه سيفه كيما يأخذه، ويضرب به أباه.
فقال أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت؟
فقال عمر: نهاني رسول الله .
فقال: ما أنت بأحق بطاعة رسول الله مني، لا أقتل أبي، فأخذ سهيل بن عمرو غصناً من أغصان تلك الشجرة، فضرب به وجه أبي جندل، والمسلمون يبكون.
فقال النبيّ : «خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ، فَإنْ يَعْلَمِ الله مِنْ أبِي جَنْدَلٍ الصَّدْقَ يُنْجِهِ مِنْهُمّ» .
فقال رسول الله لسهيل: «هَبْهُ لِي» فقال سهيل: لا.
فقال: مكرز بن حفص: قد أجرته.
يعني: أمنته فآمنه حتى رده إلى مكة، فأنجى الله تعالى أبا جندل من أيديهم بعد ما رجع النبيّ إلى المدينة، فخرج إلى شط البحر، واجتمع إليه قريباً من سبعين رجلاً، كرهوا أن يقيموا مع المشركين، وعلموا أن النبي لن يقبلهم حتى تنقضي المدة، فعمدوا إلى عير لقريش مقبلة إلى الشام، أو مدبرة فأخذوها، وجعلوا يقطعون الطريق على المشركين، فأرسل المشركون إلى النبي يناشدونه إلا قبضهم إليه، وقالوا له: أنت في حلَ منهم.
فالتحقوا برسول الله ، فعلم الذين كرهوا الصلح، أن الخير فيما رأى رسول الله .
ثم أمر النبيّ أصحابه أن ينحروا البدن، ويحلقوا الرؤوس، فلم يفعل ذلك منهم أحد.
فدخل النبيّ على أم سلمة فقال: ألا تعجبين؟
أمرت الناس أن ينحروا البدن، ويحلقوا.
فلم يفعل أحد منهم.
فقالت أم سلمة: قم أنت يا رسول الله وانحر بدنك، واحلق رأسك، فإنهم سيقتدون بك.
فنحر رسول الله البدن، وحلق رأسه، ففعل القوم كلهم، فحلق بعضهم، وقصر بعضهم.
فقال رسول الله : «يَرْحَمُ الله المُحَلِّقِينَ» .
فقالوا: والمقصرين يا رسول الله؟
فقال: «يَرْحَمُ الله المُحَلِّقِينَ، والمقصرين» .
فرجع النبيّ إلى المدينة، فنزل إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً إلى قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: السكون، والطمأنينة في البيعة، في قلوب المؤمنين.
لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ يعني: تصديقاً مع تصديقهم الذي هم عليه.
ويقال: تصديقاً بما أمرهم رسول الله في البيعة.
ويقال: يعني: إقراراً بالفرائض، مع إقرارهم بالله تعالى.
وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ قال: يعني: الرحمة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً.
قال: إن الله تعالى بعث رسوله بشهادة أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله، كما قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4) [الاخلاص] فلما صدقوا بها، زادهم الصلاة.
فلما صدقوا بها زادهم الزكاة.
فلما صدقوا بها زادهم الصوم.
فلما صدقوا بها زادهم الحج.
فلما صدقوا به زادهم الجهاد.
يعني: إن في كل ذلك يزيد تصديقاً مع تصديقهم.
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فجنود السموات الملائكة، وجنود الأرض المؤمنون من الجن والإنس وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً في أمره حيث حكم بالنصر للمؤمنين يوم بدر.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الفَتْحِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
.
.
﴾ \[الآيَةُ\] سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ قالَ اليَهُودُ: كَيْفَ نَتَّبِعُ رَجُلًا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ؟!
فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ.
قالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَتَمَكَّنَ الإسْلامُ في قُلُوبِهِمْ، وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِالفَتْحِ ما قَضى اللَّهُ لَهُ مِن نَحْرِ الهَدْيِ بِالحُدَيْبِيَةِ وحَلْقِ رَأْسِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ أيْ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا، ويُقالُ لِلْقاضِي: الفَتّاحُ.
قالَ الفَرّاءُ: والفَتْحُ قَدْ يَكُونُ صُلْحًا، ويَكُونُ أخْذَ الشَّيْءِ عَنْوَةً، ويَكُونُ بِالقِتالِ.
وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الفَتْحِ في اللُّغَةِ: فَتْحُ المُنْغَلِقِ، والصُّلْحُ الَّذِي جُعِلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُتَعَذِّرًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ تَعالى.
الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأى في النَّوْمِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ [لَهُ]: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فَأصْبَحَ فَحَدَّثَ النّاسَ بِرُؤْياهُ، وأمَرَهم بِالخُرُوجِ لِلْعُمْرَةِ؛ فَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّهُ خَرَجَ واسْتَنْفَرَ أصْحابَهُ لِلْعُمْرَةِ، وذَلِكَ في سَنَةِ سِتٍّ، ولَمْ يَخْرُجْ بِسِلاحٍ إلّا السُّيُوفَ في القُرُبِ.
وساقَ هو وأصْحابُهُ البُدْنَ.
فَصَلّى الظُّهْرَ بِـ "ذِي الحُلَيْفَةِ"، ثُمَّ دَعا بِالبُدْنِ فَجُلِّلَتْ، ثُمَّ أشْعَرَها وقَلَّدَها، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحابُهُ، وأحْرَمَ ولَبّى، فَبَلَغَ المُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى صَدِّهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وَخَرَجُوا حَتّى عَسْكَرُوا بِـ "بَلْدَحٍ"، وقَدَّمُوا مِائَتَيْ فارِسٍ إلى كُراعِ الغَمِيمِ، وسارَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى دَنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِئْرٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ البِئْرِ؛ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، فَوَقَفَتْ يَدا راحِلَتِهِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ يَزْجُرُونَها، فَأبَتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ -والخِلاءُ في النّاقَةِ مِثْلُ الحِرانِ في الفَرَسِ- فَقالَ: "ما خَلَأتْ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ، أما واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً فِيها تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها"، ثُمَّ جَرَّها فَقامَتْ، فَوَلّى راجِعًا عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ حَتّى نَزَلَ عَلى ثَمَدٍ مِن أثْمادِ الحُدَيْبِيَةِ قَلِيلِ الماءِ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ فَغَرَزَهُ فِيها، فَجاشَتْ لَهم بِالرَّواءِ، وجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ في رَكْبٍ فَسَلَّمُوا وقالُوا: جِئْناكَ مِن عِنْدَ قَوْمِكَ وقَدِ اسْتَنْفَرُوا لَكَ الأحابِيشَ ومَن أطاعَهُمْ، يُقْسِمُونَ، لا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ البَيْتِ حَتّى تُبِيدَ خَضْراءَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ إنَّما جِئْنا لِنَطُوفَ بِهَذا البَيْتِ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ"، فَرَجَعَ [بَدِيلٌ] فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَكَلَّمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: نَرُدُّهُ مِن عامِنا هَذا، ويَرْجِعُ مِن قابِلٍ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ ويَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، قالَ: "اذْهَبْ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا زُوّارًا لِهَذا البَيْتِ، مَعَنا الهَدْيُ نَنْحَرُهُ ونَنْصَرِفُ، فَأتاهم فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا: لا كانَ هَذا أبَدًا، ولا يَدْخُلُها العامَ، وبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: "لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَهُمْ"، فَذاكَ حِينَ دَعا المُسْلِمِينَ إلى بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، فَبايَعَهم تَحْتَ الشَّجَرَةِ.» وَفِي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، قالَهُ البَراءُ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وجابِرٌ، ومَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.
والثّانِي: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، قالَ: «وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ لِعُثْمانَ، وقالَ: إنَّهُ ذَهَبَ في حاجَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ،» وَجَعَلَتِ الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمْ، فَأجْمَعُوا عَلى الصُّلْحِ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في عِدَّةِ رِجالٍ، فَصالَحَهُ كَما ذَكَرْنا في [بَراءَةٍ: ٧]، فَأقامَ بِالحُدَيْبِيَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويُقالُ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمّا كانَ بِـ "ضَجْنانَ" نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ، فَقالَ جِبْرِيلُ: يُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَنَّأهُ المُسْلِمُونَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا: إنَّما وُعِدَ بِفَتْحِ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والعَوْفِيُّ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ كالقَوْلَيْنِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ لَهُ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ غَيْرُهُ: حُكْمُنا لَكَ بِإظْهارِ دِينِكِ والنُّصْرَةِ عَلى عَدُوِّكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: اللّامُ لامُ "كَيْ"، والمَعْنى: لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ [مَعَ] المَغْفِرَةِ تَمامَ النِّعْمَةِ في الفَتْحِ، فَلَمّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شَيْءٌ حادِثٌ، حَسُنَ مَعْنى "كَيْ"، وغَلَطَ مَن قالَ: لَيْسَ الفَتْحُ سَبَبَ المَغْفِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَعْنى: "ما تَقَدَّمَ" في الجاهِلِيَّةِ، و "ما تَأخَّرَ" ما لَمْ تَعْلَمْهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَضْرِبُ مَن يَلْقاهُ ومَن لا يَلْقاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ.
والثّانِي: أنَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والمَغْفِرَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: بِإظْهارِ دِينِكَ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أيْ: ويُثَبِّتَكَ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: وَيَهْدِي بِكَ، ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ ﴾ عَلى عَدُوِّكَ ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَصَرًا ذا عِزٍّ لا يَقَعُ مَعَهُ ذُلٌّ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الفَتْحِ هَذِهِ السُورَةُ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللهِ مُنْصَرَفُهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةَ، وفي ذَلِكَ أحادِيثٌ كَثِيرَةٌ عن أنَسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما تَقْتَضِي صِحَّتُهُ، وهي بِهَذا في حُكْمِ المَدَنِيِّ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُجاهِدٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ، ويُشْبِهُ أنَّ مِنها بَعْضًا نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وأمّا صَدْرُ السُورَةِ ومُعْظَمُها فَكَما قُلْنا، ويَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وهُما في تِلْكَ السُفْرَةِ: « "لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَيْلَةَ سُورَةٌ هي أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا وما فِيهِا"،» ذَكَرَ مَكِّيٌّ هُنا أنَّ المَعْنى: بِشَرْطِ أنْ تَبْقى الدُنْيا ولا تَفْنى، وفي هَذا نَظَرٌ، وكانَ رَسُولُ اللهِ خَرَجَ في تِلْكَ الوُجْهَةِ لِيَعْتَمِرَ بِمَكَّةَ، فَصَدَّهُ المُشْرِكُونَ - القِصَّةُ المَشْهُورَةُ - سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ قالَ قَوْمٌ - فِيما حَكى الزَهْراوِيُّ -: ﴿ فَتَحْنا لَكَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ أيْضًا، ونَسَبَهُ النِقاشُ إلى الكَلْبِيِّ، وأخْبَرَهُ تَعالى بِهِ عَلى مَعْنى: قَضَيْنا بِهِ، و"الفَتّاحُ": القاضِي بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقِيلَ: المُرادُ إنّا فَتَحْنا لَكَ بِأنْ هَدَيْناكَ إلى الإسْلامِ لِيَغْفِرَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ - والصَحِيحُ الَّذِي تُعَضِّدُهُ قِصَّةُ الحُدَيْبِيَةِ -: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ ﴾ إنَّما مَعْناهُ: إنَّ ما يُسِرُّ اللهُ لَكَ في تِلْكَ الخَرْجَةِ فَتْحٌ مُبِينٌ تَسْتَقْبِلُهُ، ونَزَلَتِ السُورَةُ مُؤْنِسَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم كانُوا اسْتَوْحَشُوا مَن رَدِّ قُرَيْشٍ لَهُمْ، ومِن تِلْكَ المُهادَنَةِ الَّتِي هادَنَهُمُ النَبِيُّ ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ مُؤْنِسَةً لَهم في صَدِّهِمْ عَنِ البَيْتِ، ومُذْهِبَةٌ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ، ومِنهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ الشَهِيرُ، وما قالَهُ لِلنَّبِيِّ ولِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ في تِلْكَ السُفْرَةِ أنَّهُ هادَنَ عَدْوَهُ رَيْثَما يَتَقَوّى هُوَ، وظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ آيَةُ الماءِ في بِئْرِ الحُدَيْبِيَةِ، حَيْثُ وضَعَ فِيهِ سَهْمَهُ وثابَ الماءَ حَتّى كَفى الجَيْشُ، واتَّفَقَتْ بَيْعَةُ الرِضْوانِ، وهي الفَتْحُ الأعْظَمُ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، وبَلَغَ هَدْيُهُ مَحَلَّهُ، قالَهُ الشَعْبِيُّ، واسْتَقْبَلَ فَتْحَ خَيْبَرَ، وامْتَلَأتْ أيْدِي المُؤْمِنِينَ خَيْرًا، ولَمْ يَفْتَحْها إلّا أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ، ولَمْ يُشْرِكْهم فِيها أحَدٌ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ أصْحابَ السَفِينَةِ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ شارَكُوهم في القِسْمِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: لَمْ يُشْرِكْهم أحَدٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ، واتَّفَقَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَلْحَمَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الرُومِ وفارِسٍ ظَهَرَتْ فِيها الرُومُ، فَكانَتْ مِن جُمْلَةِ الفَتْحِ عَلى رَسُولِ اللهِ ، وسُرَّ بِها هو والمُؤْمِنُونَ لِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ وانْخِضادِ الشَوْكَةِ العُظْمى مِنَ الكُفْرِ.
ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ وشَرَّفَهُ بِأنْ نَبَّأهُ أنَّهُ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيَغْفِرَ" ﴾ هي لامُ "كَيْ"، لَكِنَّها تُخالِفُها في المَعْنى، والمُرادُ هُنا أنَّ اللهَ فَتَحَ لَكَ لِكَيْ يَجْعَلَ ذَلِكَ أمارَةً وعَلامَةً لِغُفْرانِهِ لَكَ، فَكَأنَّها لامُ صَيْرُورَةٍ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَقَدْ أُنْزَلِتْ عَلَيَّ اللَيْلَةَ سُورَةٌ هي أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ الطَبَرِيُّ وابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ لِيَغْفِرَ لَكَ، وبَنَيا هَذِهِ الآيَةَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ ﴾ السُورَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ سُورَةَ ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ ﴾ إنَّما نَزَلَتْ مِن آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ ناعِيَةً لَهُ نَفْسَهُ حَسَبَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، عِنْدَما سَألَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عن ذَلِكَ، والآخِرُ أنَّ تَخْصِيصَ النَبِيِّ بِالتَشْرِيفِ كانَ يَذْهَبُ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُخاطَبٌ بِهَذا الَّذِي قالَ الطَبَرِيُّ، أيْ: سَبِّحْ واسْتَغْفِرْ لِكَيْ يَغْفِرَ اللهُ لَكَ، ولا يَقْتَضِي هَذا أنَّ الغُفْرانَ قَدْ وقَعَ، وما قَدَّمْناهُ أوَّلًا يَقْتَضِي وُقُوعُ الغُفْرانِ لِلنَّبِيِّ ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهم لَهُ حِينَ قامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ: أتُفْعَلُ هَذا يا رَسُولَ اللهِ وقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟
قالَ: « "أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا"؟» فَهَذا نَصٌّ في أنَّ الغُفْرانَ قَدْ وقَعَ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى: مُجاهَدَتُكَ بِاللهِ تَعالى المُقْتَرِنَةِ بِالفَتْحِ هي لِيَغْفِرَ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ أنَّ المَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ فاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ......
الآيَةُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِالطَبَرِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: ﴿ ما تَقَدَّمَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ قَبْلَ النُبُوَّةِ و"ما تَأخَّرَ" كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما المَعْنى التَشْرِيفُ بِهَذا الحُكْمِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ذُنُوبٌ البَتَّةَ، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي هي رَذائِلُ، [وَجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الصَغائِرَ الَّتِي لَيْسَتْ بِرَذائِلَ]، واخْتَلَفُوا هَلْ وقَعَ ذَلِكَ مِن مُحَمَّدٍ أو لَمْ يَقَعْ؟
وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿ ما تَقَدَّمَ ﴾ هو ذَنْبُ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَلامُ، أيْ بِبَرَكَتِكَ، و"ما تَأخَّرَ" هي ذُنُوبُ أُمَّتِكَ، بِدُعائِكَ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: الإمامِيَّةُ لا تَجُوزُ الصَغائِرُ عَلى النَبِيِّ ولا عَلى الإمامِ، والآيَةِ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: "وَما تَقَدَّمَ" هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ بَدْرٍ: « "اللهُمَّ، إنَّ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَنْ تَعْبُدَ"،» و"ما تَأخَّرَ" هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ حُنَيْنٍ: « "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ".» هَذا كُلُّهُ مُعْتَرِضٌ.
و"إتْمامُ النِعْمَةِ عَلَيْهِ" هو إظْهارُهُ وتَغَلُّبُهُ عَلى عَدُوِّهِ والرِضْوانِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ مَعْناهُ: إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَحَذَفَ الجارُّ فَتَعَدّى الفِعْلُ، وقَدْ يَتَعَدّى هَذا بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ.
و"النَصْرُ العَزِيزُ" هو الَّذِي مَعَهُ غَلَبَةُ العَدُوِّ والظُهُورِ عَلَيْهِ، والنَصْرُ غَيْرُ العَزِيزِ هو الَّذِي مُضَمِّنُهُ الحِمايَةُ ودَفْعُ العَدُوِّ فَقَطْ.
و"إنْزالُ السِكِّينَةِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ" - وهي فِعْلِيَّةٌ مِنَ السُكُونِ - هو تَسْكِينُها لِتِلْكَ الهُدْنَةِ مَعَ قُرَيْشٍ حَتّى اطْمَأنَّتْ، وعَلِمُوا أنَّ وعْدَ اللهِ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ حَقٌّ، فازْدادُوا بِذَلِكَ إيمانًا إلى إيمانِهِمُ الأوَّلِ وكَثُرَ تَصْدِيقُهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمّا آمَنُوا بِالتَوْحِيدِ زادَهُمُ العِباداتُ شَيْئًا شَيْئًا، فَكانُوا يَزِيدُونَ إيمانًا حَتّى قالَ لَهُمْ: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ فَمَنَحَهم أكْمَلَ إيمانَ أهْلِ السَماواتِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما السَكِينَةَ بِالرَحْمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ إشارَةٌ إلى تَسْكِينِ النُفُوسِ أيْضًا، وأنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً، لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَتى شاءَ وعَلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، مِمّا لا يُدَبِّرُهُ البَشَرُ، ومِن جُنْدِهِ: السَكِينَةُ الَّتِي أنْزَلَها في قُلُوبِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ فَثَبَّتَ بَصائِرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللهُ ﴾ أيْ: ويَكُونُ: فَهي دالَّةٌ عَلى الوُجُودِ بِهَذِهِ الصِفَةِ لا مُعَيَّنَةً وقْتًا ماضِيًا، و"العِلْمُ" و"الإحْكامُ" صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ عِزَّةَ النَصْرِ لِمَن أرادَ المَوْصُوفُ بِهِما نَصْرَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَزِيزاً * هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة ﴾ هذه الجملة بدل اشتمال من مضمون جملة ﴿ وينصرك الله نصراً عزيزاً ﴾ [الفتح: 3].
وحَصل منها الانتقال إلى ذكر حظ المسلمين من هذا الفتح فإن المؤمنين هم جنود الله الذين قد نصر النبي صلى الله عليه وسلم بهم كما قال تعالى: ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ [الأنفال: 62] فكان في ذكر عناية الله بإصلاح نفوسهم وإذهاب خواطر الشيطان عنهم وإلهامهم إلى الحق في ثبات عزمهم، وقرارة إيمانهم تكوين لأسباب نصر النبي صلى الله عليه وسلم والفتح الموعود به ليندفعوا حين يستنفرهم إلى العدوّ بقلوب ثابتة، ألا ترى أن المؤمنين تبلبلت نفوسهم من صلح الحديبية إذ انصرفوا عقبه عن دخول مكة بعد أن جاؤوا للعمرة بعَدد عديد حسبوه لا يغلب، وأنهم إن أرادهم العدوّ بسوء أو صدهم عن قصدهم قابلوه فانتصروا عليه وأنهم يدخلون مكة قسْرا.
وقد تكلموا في تسمية ما حلّ بهم يومئذٍ فتحاً كما علمت مما تقدم فلما بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما فيه من الخير اطمأنت نفوسهم بعد الاضطراب ورسخ يقينهم بعد خواطر الشك فلولا ذلك الاطمئنان والرسوخ لبقُوا كاسفي البال شديدي البلبال، فذلك الاطمئنان هو الذي سماه الله بالسكينة، وسمّي إحداثه في نفوسهم إنزالاً للسكينة في قلوبهم فكان النصر مشتملاً على أشياء من أهمها إنزال السكينة، وكان إنزال السكينة بالنسبة إلى هذا النصر نظير التأليف بين قلوب المؤمنين مع اختلاف قبائلهم وما كان بينهما من الأمن في الجاهلية بالنسبة للنصر الذي في قوله تعالى: ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألّف بين قلوبهم ﴾ [الأنفال: 62، 63].
وإنزالها: إيقاعها في العقل والنفس وخلق أسبابها الجوهرية والعارضة، وأطلق على ذلك الإيقاع فعل الإنزال تشريفاً لذلك الوجدان بأنه كالشيء الذي هو مكان مرتفع فوق الناس فألقي إلى قلوب الناس، وتلك رفعة تخييلية مراد بها شرف ما أثبتت له على طريقة التخييلية.
ولما كان من عواقب تلك السكينة أنها كانت سبباً لزوال ما يلقيه الشيطان في نفوسهم من التأويل لوعد الله إياهم بالنصر على غير ظاهره، وحمله على النصر المعنوي لاستبعادهم أن يكون ذلك فتحاً، فلما أنزل الله عليهم السكينة اطمأنت نفوسهم، فزال ما خامرها وأيقنوا أنه وعد الله وأنه واقع فانقشع عنهم ما يوشك أن يشكك بعضهم فيلتحق بالمنافقين الظانين بالله ظن السوء فإن زيادة الأدلة تؤثر رسوخ المستدَلّ عليه في العقل وقوةَ التصديق.
وهذا اصطلاح شائع في القرآن وجعل ذلك الازدياد كالعلّة لإنزال السكينة في قلوبهم لأن الله علم أن السكينة إذ حصلت في قلوبهم رسخ إيمانهم، فعومل المعلوم حصوله من الفعل معاملة العلة وأدخل عليه حرف التعليل وهو لام كي وجعلت قوة الإيمان بمنزلة إيمان آخر دخل على الإيمان الأسبق لأن الواحد من أفراد الجنس إذا انضم إلى أفراد أخر زادها قوة فلذلك علق بالإيمان ظرف ﴿ مع ﴾ في قوله: ﴿ مع إيمانهم ﴾ فكان في ذلك الحادث خير عظيم لهم كما كان فيه خير للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن كان سبباً لتشريفه بالمغفرة العامة ولإتمام النعمة عليه ولهدايته صراطاً مستقيماً ولنصره نصراً عزيزاً، فأعظم به حدثاً أعقب هذا الخير للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه.
﴿ إيمانهم وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والارض وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ .
تذييل للكلام السابق لأنه أفاد أن لا عجب في أن يفتح الله لك فتحاً عظيماً وينصرك على أقوام كثيرين أشِداء نصراً صحبه إنزال السكينة في قلوب المؤمنين بعد أن خامرهم الفشل وانكسار الخواطر، فالله من يملك جميع وسائل النصر وله القوة القاهرة في السماوات والأرض وما هذا نصر إلا بعض مما لله من القوة والقهر.
والواو اعتراضية وجملة التذييل معترضة بين جملة ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ وبين متعلقها وهو ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ﴾ [الفتح: 5] الآية.
وأطلق على أسباب النصر الجنود تشبيهاً لأسباب النصر بالجنود التي تقاتل وتنتصر.
وفي تعقيب جملة ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴾ بجملة التذييل إشارة إلى أن المؤمنين من جنود الله وأن إنزال السكينة في قلوبهم تشديد لعزائمهم فتخصيصهم بالذكر قبل هذا العموم وبعده تنويه بشأنهم، ويومئ إلى ذلك قوله بعد ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ﴾ الآية.
فمن جنود السماوات: الملائكة الذين أنزلوا يوم بدر، والريح التي أرسلت على العدوّ يوم الأحزاب، والمطر الذي أنزل يوم بَدر فثبت الله به أقدام المسلمين.
ومن جنود الأرض جيوش المؤمنين وعديد القبائل الذين جاءوا مؤمنين مقاتلين مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة مثل بني سُليم، ووفود القبائل الذين جاءوا مؤمنين طائعين دون قتال في سنة الوفود.
والجنود: جمع جند، والجند اسم لجماعة المقاتلين لا واحد له من لفظه وجمعه باعتبار تعدد الجماعات لأن الجيش يتألف من جنود: مقدمةِ وميمنةٍ وميسرةٍ وقلب وساقةٍ.
وتقديم المسند على المسند إليه في ﴿ ولله جنود السماوات والأرض ﴾ لإفادة الحصر، وهو حصر ادعائي إذ لا اعتداد بما يجمعه الملوك والفاتحون من الجنود لغلبة العدوّ بالنسبة لما لله من الغلبة لأعدائه والنصر لأوليائه.
وجملة ﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ تذييل لما قبله من الفتح والنصر وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين.
والمعنى: أنه عليم بأسباب الفتح والنصر وعليم بما تطمئن به قلوب المؤمين بعد البلبلة وأنه حكيم يضع مقتضيات علمه في مواضعها المناسبة وأوقاتها الملائمة.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الفَتْحِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنّا أعْلَمْناكَ عِلْمًا مُبِينًا فِيما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ وأمَرْناكَ بِهِ مِنَ الدِّينِ.
وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ العِلْمِ بِالفَتْحِ كَقَوْلِهِ ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ أيْ عِلْمُ الغَيْبِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَكَقَوْلِهِ ﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ ﴾ أيْ إنْ أرَدْتُمُ العِلْمَ فَقَدْ جاءَكُمُ العِلْمُ.
الثّانِي: إنّا قَضَيْنا لَكَ قَضاءً بَيِّنًا فِيما فَتَحْناهُ عَلَيْكَ مِنَ البِلادِ.
وَفي المُرادِ بِهَذا الفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، وعَدَهُ اللَّهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ انْكِفائِهِ مِنها.
الثّانِي: هو ما كانَ مِن أمْرِهِ بِالحُدَيْبِيَةِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ في وقْتِ الحُدَيْبِيَةِ أصابَ فِيها ما لَمْ يُصِبْ في غَيْرِها.
بُويِعَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ تَصْدِيقًا لِخَبَرِهِ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أرادَهُ بِالفَتْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ جابِرٌ: ما كُنّا نَعُدُّ فَتْحَ مَكَّةَ إلّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ.
قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: أنْتُمْ تَعُدُّونَ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ نَحْرُهُ وحَلْقُهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهَ بِالنَّحْرِ.
والحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، وفِيها تَمَضْمَضَ رَسُولُ اللَّهِ ، وقَدْ غارَتْ فَجاشَتْ بِالرِّواءِ.
﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ اسْتِكْمالًا لِنِعَمِهِ عِنْدَكَ.
الثّانِي: يُصَبِّرُكَ عَلى أذى قَوْمِكَ.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ الفَتْحِ وما تَأخَّرَ بَعْدَ الفَتْحِ.
الثّانِي: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وما تَأخَّرَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.
الثّالِثُ: ما وقَعَ وما لَمْ يَقَعْ عَلى طَرِيقِ الوَعْدِ بِأنَّهُ مَغْفُورٌ إذا كانَ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وما تَأخَّرَ بَعْدَها.
﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ.
الثّانِي: بِخُضُوعِ مَنِ اسْتَكْبَرَ.
وَطاعَةِ مَن تَجَبَّرَ.
﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الأسْرُ والغَنِيمَةُ كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الظَّفَرُ والإسْلامُ وفَتْحُ مَكَّةَ.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ما حَكاهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ قالَ أهْلُ مَكَّةَ: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ نَدْخُلُ في دِينِكَ وأنْتَ لا تَدْرِي ما يُفْعَلُ بِكَ ولا بِمَنِ اتَّبَعَكَ فَهَلّا أخْبَرَكَ بِما يُفْعَلُ بِكَ وبِمَنِ اتَّبَعَكَ كَما أخْبَرَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ؟
فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ وعَلى أصْحابِهِ حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ - رَأْسُ المُنافِقِينَ - لِلْأنْصارِ: كَيْفَ تَدْخُلُونَ في دِينِ رَجُلٍ لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِمَنِ اتَّبَعَهُ؟
هَذا واللَّهِ الضَّلالُ المُبِينُ.
فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يا رَسُولَ اللَّهِ ألا تَسْألُ رَبَّكَ يُخْبِرُكَ بِما يُفْعَلُ بِكَ وبِمَنِ اتَّبَعَكَ؟
فَقالَ: إنَّ لَهُ أجَلًا فَأبْشِرا بِما يَقِرُّ اللَّهُ بِهِ أعْيُنُكُما.
إلى أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيُ وهو في دارِ أبِي الدَّحْداحِ عَلى طَعامٍ مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَخَرَجَ وقَرَأها عَلى أصْحابِهِ، قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: هَنِيئًا مَرِيئًا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ الآيَةَ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴾ قال: السكينة هي الرحمة في قوله: ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ قال: إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها، زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم فقال: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإِسلام ديناً ﴾ [ المائدة: 3] قال ابن عباس رضي الله عنهما: فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ قال: تصديقاً مع تصديقهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: هي الرحمة والطمأنينة والوقار (١) وقال أهل المعاني: هي البصيرة التي تسكن إليها النفس وتجد الثقة بها وهي للمؤمنين خاصة، وأما غيرهم فتنزعج نفوسهم لأول عارض يرد عليهم؛ لأنهم لا يجدون برد اليقين في قلوبهم (٢) قوله تعالى: ﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: تصديقًا مع تصديقهم ويقيناً مع يقينهم، يعني: بالشرائع وبما يأمرهم من الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة والحج، كلما صدقوا بشيء من ذلك ازدادوا تصديقاً، وذلك بالسكينه التي أنزلها الله في قلوبهم (٣) وقال الكلبي: كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ازدادوا تصديقاً إلى تصديقهم (٤) قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: يعني: الملائكة والجن والإنس والشياطين (٥) ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بما في قلوب عباده ﴿ حَكِيمًا ﴾ في حكمه وتدبيره.
(١) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 71، "تفسير البغوي" 7/ 298، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 264، "تفسير الوسيط" 4/ 135.
(٢) انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 135، "تفسير البغوي" 7/ 298، "فتح القدير" 5/ 45.
(٣) أخرج ذلك الطبري 13/ 72 عن ابن عباس، ونسبه البغوي 7/ 298، والثعلبي 10/ 134 ألابن عباس، وذكره في "الوسيط" 4/ 135 ولم ينسبه.
(٤) ذكر الثعلبي عن الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، انظر: "تفسيره" 10/ 134 أ، "تفسير البغوي" بهذا اللفظ أيضًا 7/ 298، ونسبه في "الوسيط" 4/ 135 للكلبي بنص ما هنا.
(٥) أورد ذلك القرطبي 16/ 264 عن ابن عباس، وذكره الشوكاني في "فتح القدير" من غير نسبة 5/ 46، ونسبه في "الوسيط" 4/ 135 لابن عباس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة ﴾ أي السكون والطمأنينة، يعني سكونهم في صلح الحديبية وتسليمهم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: معناه الرحمة.
<div class="verse-tafsir"
الله هو الذي أنزل الثبات والطمأنينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا على إيمانهم، ولله وحده جنود السماوات والأرض، يؤيد بها من يشاء من عباده، وكان الله عليمًا بمصالح عباده، حكيمًا فيما يجريه من نصر وتأييد.
<div class="verse-tafsir" id="91.5XeoD"