تفسير الآية ١٤ من سورة القمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ١٤ من سورة القمر

تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءًۭ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ١٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 48 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٤ من سورة القمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة القمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( تجري بأعيننا ) أي : بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا ( جزاء لمن كان كفر ) أي جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارا لنوح عليه السلام .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) يقول جلّ ثناؤه: تجري السفينة التي حملنا نوحا فيها بمرأى منا ومنظر.

وذُكر عن سفيان في تأويل ذلك ما حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, في قوله ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) يقول: بأمرنا( جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ) .

اختلف أهل التأويل في تأويله: فقال بعضهم: تأويله فعلنا ذلك ثوابا لمن كان كُفر فيه, بمعنى: كفر بالله فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ) قال: كَفَر بالله.

وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ) قال: لمن كان كفر فيه.

ووجه آخرون معنى (مَنْ) إلى معنى (ما) في هذا الموضع, وقالوا: معنى الكلام: جزاء لما كان كَفَر من أيادي الله ونعمه عند الذين أهلكهم وغرّقهم من قوم نوح.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ) قال: لمن كان كفر نعم الله, وكفر بأياديه وآلائه ورسله وكتبه, فإن ذلك جزاء له.

والصواب من القول من ذلك عندي ما قاله مجاهد, وهو أن معناه: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر, وفجرنا الأرض عيونا, فغرّقنا قوم نوح, ونجينا نوحا عقابا من الله وثوابا للذي جُحد وكُفر, لأن معنى الكفر: الجحود, والذي جحد ألوهته ووحدانيته قوم نوح, فقال بعضهم لبعض لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ومن ذهب به إلى هذا التأويل كانت من الله, كأنه قيل: عوقبوا للَّه ولكفرهم به.

ولو وجَّه مُوَجَّه إلى أنها مراد بها نوح والمؤمنون به كان مذهبا, فيكون معنى الكلام حينئذ, فعلنا ذلك جزاء لنوح ولمن كان معه في الفلك, كأنه قيل: غرقناهم لنوح ولصنيعهم بنوح ما صنعوا من كفرهم به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تجري بأعيننا أي بمرأى منا .

وقيل : بأمرنا .

وقيل : بحفظ منا وكلاءة : وقد مضى في " هود " .

ومنه قول الناس للمودع : عين الله عليك ; أي حفظه وكلاءته .

وقيل : بوحينا .

وقيل : أي بالأعين النابعة من الأرض .

وقيل : بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها ، وكل ما خلق الله تعالى يمكن أن يضاف إليه .

وقيل : أي تجري بأوليائنا ، كما في الخبر : مرض عين من عيوننا فلم تعده .جزاء لمن كان كفر أي جعلنا ذلك ثوابا وجزاء لنوح على صبره على أذى قومه وهو المكفور به ; فاللام في " لمن " لام المفعول له ; وقيل : كفر أي جحد ; ف " من " كناية عن نوح .

وقيل : كناية عن الله والجزاء بمعنى العقاب ; أي عقابا لكفرهم بالله تعالى .

وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهد وحميد " جزاء لمن كان كفر " بفتح الكاف والفاء بمعنى : كان الغرق جزاء وعقابا لمن كفر بالله ، وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق ; كان الماء إلى حجزته .

وسبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشبة الساج لبناء السفينة فلم يمكنه حملها ، فحمل عوج تلك [ ص: 123 ] الخشبة إليه من الشام فشكر الله له ذلك ، ونجاه من الغرق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } أي: تجري بنوح ومن آمن معه، ومن حمله من أصناف المخلوقات برعاية من الله، وحفظ [منه] لها عن الغرق [ونظر]، وكلائه منه تعالى، وهو نعم الحافظ الوكيل، { جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } أي: فعلنا بنوح ما فعلنا من النجاة من الغرق العام، جزاء له حيث كذبه قومه وكفروا به فصبر على دعوتهم، واستمر على أمر الله، فلم يرده عنه راد، ولا صده عنه صاد، كما قال [تعالى] عنه في الآية الأخرى: { قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ } الآية.ويحتمل أن المراد: أنا أهلكنا قوم نوح، وفعلنا بهم ما فعلنا من العذاب والخزي، جزاء لهم على كفرهم وعنادهم، وهذا متوجه على قراءة من قرأها بفتح الكاف

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( تجري بأعيننا ) أي : بمرأى منا .

وقال مقاتل بن حيان : بحفظنا ، ومنه قولهم للمودع : عين الله عليك .

وقال سفيان : بأمرنا ( جزاء لمن كان كفر ) [ قال مقاتل بن حيان ] : يعني : فعلنا به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابا لمن كان كفر به وجحد أمره ، وهو نوح عليه السلام ، وقيل : " من " بمعنى ما أي : جزاء لما كان كفر من أيادي الله ونعمه عند الذين أغرقهم ، أو جزاء لما [ صنع ] بنوح وأصحابه .

وقرأ مجاهد : " جزاء لمن كان كفر " بفتح الكاف والفاء ، يعني كان الغرق جزاء لمن كان كفر بالله وكذب رسوله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«تجري بأعيننا» بمرأى منا، أي محفوظة «جزاءً» منصوب بفعل مقدر، أي أغرقوا انتصارا «لمن كان كفر» وهو نوح عليه السلام، وقرئ كفر بالبناء للفاعل، أي أغرقوا عقابا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وحملنا نوحًا ومَن معه على سفينة ذات ألواح ومسامير شُدَّت بها، تجري بمرأى منا وحفظ، وأغرقنا المكذبين؛ جزاء لهم على كفرهم وانتصارًا لنوح عليه السلام.

وفي هذا دليل على إثبات صفة العينين لله سبحانه وتعالى، كما يليق به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) أى تجرى هذه السفينة بمرأى منا ، وتحت رعايتنا وقدرتنا .ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت قوم نوح محل غضب الله - تعالى - ونقمته فقال : ( جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ) .وقوله : ( جَزَآءً ) مفعول لأجله ، لقوله : ( فَتَحْنَآ ) وما عطف عليه ، أى : فعلنا ما فعلنا من فتح السماء بماء منهمر ، جزاء لكفرهم بالله - تعالى - وبنبيه نوح - عليه السلام - الذى كان نعمة لهم ، ولكنهم كفروها ولم يشكروا الله عليها ، فاستحقوا الغرق والدمار .وحذف - سبحانه - متعلق ( كُفِرَ ) لدلالة الكلام عليه ، أى : كفر به .قال الآلوسى .

وقوله : ( جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ) أى : فعلنا ذلك جزاء لنوح - عليه السلام - ، فإنه كان نعمة أنعمها الله - تعالى - على قومه فكفروها ، وكذا كل نبى نعمة من الله - تعالى - على أمته .وجوز أن يكون على حذف الجار ، وإيصال الفعل إلى الضمير ، واستتاره فى الفعل ، بعد انقلابه مرفوعا .

أى : لمن كفر به ، وهو نوح - عليه السلام - أى : جحدت نبوته .فالكفر عليه ضد الإيمان ، وعلى الأول كفران النعمة .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقوله تعالى: ﴿ تَجْرِى ﴾ أي سفينة ذات ألواح جارية، وقوله تعالى: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي بمرأى منا أو بحفظنا، لأن العين آلة ذلك فتستعمل فيه.

وقوله تعالى: ﴿ جَزَاء لّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون نصبه بقوله: ﴿ حملناه ﴾ أي حملناه جزاء، أي ليكون ذلك الحمل جزاء الصبر على كفرانهم.

وثانيها: أن يكون بقوله: ﴿ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا ﴾ لأن فيه معنى حفظنا، أي ما تركناه عن أعيننا وعوننا جزاء له ثالثها: أن يكون بفعل حاصل من مجموع ما ذكره كأنه قال: فتحنا أبواب السماء وفجرنا الأرض عيوناً وحملناه، وكل ذلك فعلناه جزاء له، وإنما ذكرنا هذا، لأن الجزاء ما كان يحصل إلا بحفظه وإنجائه لهم، فوجب أن يكون جزاء منصوباً بكونه مفعولاً له بهذه الأفعال، ولنذكر ما فيه من اللطائف في مسائل: المسألة الأولى: قال في السماء: ﴿ فَفَتَحْنَا أبواب السماء  ﴾ لأن السماء ذات الرجع وما لها فطور، ولم يقل: وشققنا السماء، وقال في الأرض: ﴿ وَفَجَّرْنَا الأرض  ﴾ لأنها ذات الصدع.

الثانية: لما جعل المطر كالماء الخارج من أبواب مفتوحة واسعة، ولم يقل في الأرض وأجرينا من الأرض بحاراً وأنهاراً، بل قال: ﴿ عُيُوناً ﴾ والخارج من العين دون الخارج من الباب ذكر في الأرض أنه تعالى فجرها كلها، فقال: ﴿ وَفَجَّرْنَا الأرض ﴾ لتقابل كثرة عيون الأرض سعة أبواب السماء فيحصل بالكثرة هاهنا ما حصل بالسعة هاهنا.

الثالثة: ذكر عند الغضب سبب الإهلاك وهو فتح أبواب السماء وفجر الأرض بالعيون، وأشار إلى الإهلاك بقوله تعالى: ﴿ على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  ﴾ أي أمر الإهلاك ولم يصرح وعند الرحمة ذكر الإنجاء صريحاً بقوله تعالى: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ ﴾ وأشار إلى طريق النجاة بقوله: ﴿ ذَاتِ ألواح ﴾ وكذلك قال في موضع آخر: ﴿ فَأَخَذَهُمُ الطوفان  ﴾ ، ولم يقل فأهلكوا، وقال: ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة  ﴾ فصرح بالإنجاء ولم يصرح بالإهلاك إشارة إلى سعة الرحمة وغاية الكرم أي خلقنا سبب الهلاك ولو رجعوا لما ضرهم ذلك السبب كما قال صلى الله عليه وسلم: ﴿ يابنى اركب مَّعَنَا  ﴾ وعند الإنجاء أنجاه وجعل للنجاة طريقاً وهو اتخاذ السفينة ولو انكسرت لما ضره بل كان ينجيه فالمقصود عند الإنجاء هو النجاة فذكر المحل والمقصود عند الإهلاك إظهار البأس فذكر السبب صريحاً.

الرابعة: قوله تعالى: ﴿ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا ﴾ أبلغ من حفظنا، يقول القائل اجعل هذا نصب عينك ولا يقول احفظه طلباً للمبالغة.

الخامسة: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ يحتمل أن يكون المراد بحفظنا، ولهذا يقال: الرؤية لسان العين.

السادسة: قال: كان ذلك جزاء على ما كفروا به لا على إيمانه وشكره فما جوزي به كان جزاء صبره على كفرهم، وأما جزاء شكره لنا فباق، وقرئ: ﴿ جَزَاء ﴾ بكسر الجيم أي مجازاة كقتال ومقاتلة وقرئ: ﴿ لّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ بفتح الكاف، وأما: ﴿ كُفِرَ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون كفر مثل شكر يعدى بالحرف وبغير حرف يقال شكرته وشكرت له، قال تعالى: ﴿ واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيُؤْمِن بالله  ﴾ .

ثانيهما: أن يكون من الكفر لا من الكفران أي جزاء لمن ستر أمره وأنكر شأنه ويحتمل أن يقال: كفر به وترك الظهور المراد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّنَ الأنباء ﴾ من القرآن المودع أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة، وما وصف من عذاب الكفار ﴿ مُزْدَجَرٌ ﴾ ازدجار أو موضع ازدجار.

والمعنى: هو في نفسه موضع الازدجار ومظنة له، كقوله تعالى: ﴿ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21] أي هو أسوة.

وقرئ: ﴿ مزجر ﴾ بقلب تاء الإفتعال زايا وإدغام الزاي فيها ﴿ حِكْمَةٌ بالغة ﴾ بدل من ما.

أو على: هو حكمة.

وقرئ بالنصب حالاً من ما.

فإن قلت: إن كانت ما موصولة ساغ لك أن تنصب حكمة حالا، فكيف تعمل إن كانت ما موصولة ساغ لك أن تنصب كلمة حالاً، فكيف تعمل إن كانت موصوفة؟

وهو الظاهر.

قلت: تخصصها الصفة؛ فيحسن نصب الحال عنها ﴿ فَمَا تُغْنِى النذر ﴾ نفي أو إنكار.

وما منصوبة، أي فأي غناء تغني النذر ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يغني فيهم.

نصب ﴿ يَوْمَ يَدْعُو الداعى ﴾ بيخرجون، أو بإضمار اذكر.

وقرئ: بإسقاط الياء اكتفاء بالكسرة عنها، والداعي إسرافيل أو جبريل، كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُنَادِ المناد ﴾ [ق: 41] ﴿ إلى شَيْء نُّكُرٍ ﴾ منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة.

وقرئ: ﴿ نكر ﴾ بالتخفيف؛ ونكر بمعنى أنكر ﴿ خُشَّعاً أبصارهم ﴾ حال من الخارجين فعل للأبصار وذكر، كماتقول: يخشع أبصارهم.

وقرى: ﴿ خاشعة ﴾ على: تخشع أبصارهم.

وخشعاً، على: يخشعن أبصارهم، وهي لغة من يقول: أكلوني البراغيث، وهم طيء.

ويجوز أن يكون في ﴿ خُشَّعاً ﴾ ضميرهم، وتقع ﴿ أبصارهم ﴾ بدلاً عنه.

وقرئ ﴿ خشع أبصارهم ﴾ ، على الابتداء والخبر، ومحل الجملة النصب على الحال.

كقوله: وَجَدْتُهُ حاضِرَاهُ الْجُودُ وَالْكَرَمُ وخشوع الأبصار: كناية عن الذلة والانخزال، لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما.

وقرئ: ﴿ يخرجون من الأجداث ﴾ من القبور ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴾ الجراد مثل في الكثرة والتموّج.

يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض: جاؤا كالجراد، وكالدبا منتشر في كل مكان لكثرته ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع ﴾ مسرعين مادّي أعناقهم إليه.

وقيل: ناظرين إليه لا يقلعون بأبصارهم.

قال: تَعَبَّدَنِي نِمْرُ بْنُ سَعْدِ وَقَدْ أَرَى ** وَنِمْرُ بْنُ سَعْدٍ لِي مُطِيعٌ وَمُهْطِعُ <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ﴾ ذاتِ أخْشابٍ عَرِيضَةٍ.

﴿ وَدُسُرٍ ﴾ ومَسامِيرَ جَمْعُ دِسارٍ مِنَ الدَّسْرِ، وهو الدَّفْعُ الشَّدِيدُ وهي صِفَةٌ لِلسَّفِينَةِ أُقِيمَتْ مَقامَها مِن حَيْثُ إنَّها كالشَّرْحِ لَها تُؤَدِّي مُؤَدّاها.

﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ بِمَرْأًى مِنّا أيْ مَحْفُوظَةً بِحِفْظِنا.

﴿ جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ جَزاءً لِنُوحٍ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ كَفَرْوِها، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَةٌ عَلى أُمَّتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ، وقُرِئَ: «لِمَن كَفَرَ» أيْ لِلْكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{تجري بأعيننا} بمرأى منا او بجمظنا أو بِأَعْيُنِنَا حال من الضمير في تَجْرِى أي محفوظة بنا {جَزَاء} مفعول له لما قدم من فتح ابواب السماء وا بعده اى فعلنا ذلك جزءا {لمن كان كفر} هو نوح عليه السلام وجعله مكفوراً لأن النبي نعمة من الله ورحمة قال الله تعالى وماا ارسلناك الا رحمة لللعالمين فكان نوح نعمة مكفورة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ بِمَرْأى مِنّا.

وكُنِّيَ بِهِ عَنِ الحِفْظِ أيْ تَجْرِي في ذَلِكَ الماءِ بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقِيلَ: بِأوْلِيائِنا يَعْنِي نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن آمَنَ مَعَهُ يُقالُ: ماتَ عَيْنٌ مِن عُيُونِ اللَّهِ تَعالى أوْ ولِيٌّ مِن أوْلِيائِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: بِأعْيُنٍ بِالماءِ الَّتِي فَجَّرْناها، وقِيلَ: بِالحَفَظَةِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمّاهم أعْيُنًا وأضافَهم إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وأبُو السَّمّالِ - بِأعْيُنّا - بِالإدْغامِ.

﴿ جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ أيْ فِعْلُنا ذَلِكَ جَزاءٌ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ نِعْمَةً أنْعَمَها اللَّهُ تَعالى عَلى قَوْمِهِ فَكَفَرُوها وكَذا كُلُّ نَبِيٍّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ واسْتِتارِهِ في الفِعْلِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا أيْ لِمَن كَفَرَ بِهِ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا أيْ جُحِدَتْ نُبُوَّتُهُ، فالكُفْرُ عَلَيْهِ ضِدُّ الإيمانِ، وعَلى الأوَّلِ كُفْرانُ النِّعْمَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ مَن يُرادُ بِهِ اللَّهُ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو كَما تَرى، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ - كَفْرَ - بِإسْكانِ الفاءِ مُخَفَّفَ فَعَلَ كَما في قَوْلِهِ: لَوْ عُصْرَ مِنهُ البانُ والمِسْكُ انْعَصَرَ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ وقَتادَةُ وعِيسى «كَفَرَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فَمَن يُرادُ بِها قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لا غَيْرَ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الماضِي بِغَيْرِ قَدْ خَبَرًا لِكانَ وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وغَيْرُهم يَقُولُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ قَدْ ظاهِرَةً أوْ مُقَدَّرَةً، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً كَأنَّهُ قِيلَ: جَزاءً لِمَن ( كَفَرَ ) ولَمْ يُؤْمِن <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ يعني: جاءهم كلمة بالغة، وهو القرآن يعني: حكمة وثيقة فَما تُغْنِ النُّذُرُ يعني: لا تنفعهم النذر إن لم يؤمنوا، كقوله: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ [يونس: 101] ويقال: فَما تُغْنِ النُّذُرُ لم تنفعهم الرسل إذا نزل بهم العذاب إن لم يؤمنوا.

قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يعني: اتركهم، وأعرض عنهم، بعد ما أقمت عليهم الحجة.

يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ يعني: يدعو إسرافيل على صخرة بيت المقدس إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ يعني: إلى أمر فظيع، شديد، منكر خُشَّعاً يعني: ذليلة أَبْصارُهُمْ خاشعاً، نصب على الحال يعني: يخرجون، خاشعاً.

قرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو خاشِعاً بالألف مع النصب.

والباقون: خاشعا بضم الخاء، بغير ألف، وتشديد الشين بلفظ الجمع، لأنه نعت للجماعة.

ومن قرأ: بلفظ الواحد، فلأجل تقديم النعت.

وقرأ ابن مسعود: خاشعة بلفظ التأنيث.

وقرأ ابن كثير: إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ بجزم الكاف.

والباقون: بالضم، وهما لغتان.

ثم قال عز وجل: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ يعني: من القبور، كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ يعني: انتشروا عن معدنهم، ويجول بعضهم في بعض.

قوله تعالى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يعني: مقبلين إلى صوت إسرافيل يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ يعني: شديد عَسِر عليه.

وروي في الخبر: «أنَّهُمْ إذا خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ، يَمْكِثُونَ وَاقِفِينَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً» ويقال: مائة سنة، حتى يقولوا أرحنا من هذا، ولو إلى النار، ثم يؤمرون بالحساب.

ثم عزى نبيه  ليصبر على أذى قومه كما لقي الرسل من قومهم فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني: قبل قومك يا محمد قَوْمُ نُوحٍ حين أتاهم بالرسالة فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحاً وَقالُوا مَجْنُونٌ يعني: قالوا لنوح: إنك مجنون وَازْدُجِرَ يعني: أوعد بالوعيد.

ويقال: صاحوا به حتى غشي عليه.

وقال القتبي: وَازْدُجِرَ أي: زجر.

وهو افتعل من ذلك، فلما ضاق صدره فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ يعني: مقهور فيما بينهم فَانْتَصِرْ يعني: أعني عليهم بالعذاب، فأجابه الله كما في سورة الصافات: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (57) [الصافات: 75] .

قوله عز وجل: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ يعني: طرق السماء بِماءٍ مُنْهَمِرٍ يعني: منصباً كثيراً.

وقال القتبي: بِماءٍ مُنْهَمِرٍ أي: كثير، سريع الانصباب.

ومنه يقال: همر للرجل إذا كثر من الكلام، وأسرع فيه.

قرأ ابن عامر: فَفَتَحْنا بتشديد التاء على تكثير الفعل.

وقرأ الباقون: بالتخفيف، لأنها فتحت فتحاً واحدا.

قوله عز وجل: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً يعني: أخرجنا من الأرض عيوناً مثل الأنهار الجارية فَالْتَقَى الْماءُ يعني: ماء السماء، وماء الأرض، عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ يعني: على وقت قد قضى وَحَمَلْناهُ يعني: حملنا نوحاً عَلى ذاتِ أَلْواحٍ يعني: على سفينة قد اتخذت بألواح وَدُسُرٍ يعني: سفينة قد شدت بالمسامير.

وقال بعضهم: كانت سفينة نوح من صاج.

وقال بعضهم: من خشب شمشار.

ويقال: من الجوز.

وقال القتبي: الدسر المسامير، واحدها دسار، وهي أيضاً الشريط الذي يشد بها السفينة.

ثم قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا يعني: تسير السفينة بمنظر منا، وأمرنا.

ويقال: بمراد وحفظ منا.

وقال الزجاج في قوله: فَالْتَقَى الْماءُ ولم يقل الماءان، لأن الماء اسم لجميع ماء السماء، وماء الأرض.

فلو قال: ماءان لكان جائزاً، لكنه لم يقل.

ثم قال: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ يعني: الحمل على السفينة، ثواب لنوح الذي كفر به قومه.

وقرأ بعضهم: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ بالنصب يعني: الفرق عقوبة لمن كذب بالله تعالى، وبنوح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «القمر»

وهي مكّيّة بإجماع إلّا آية واحدة، قوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ...

الآية.

ففيها خلاف، والجمهور أنّها أيضا مكية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله سبحانه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ معناه: قربت الساعة، وهي القيامة، وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يُرْوَى في عمر الدنيا من التحديد فضعيف.

وقوله: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إخبار عمَّا وقع وذلك أَنَّ قريشاً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم/ آيةً فَأَرَاهُمُ اللَّهُ انشقاق الْقَمَرِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالكُفَّارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: اشهدوا «١» .

وقوله: وَإِنْ يَرَوْا: جاء اللفظ مستقبلاً، لينتظمَ ما مضى وما يأتي، فهو إخبار بأنَّ حالهم هكذا.

وقوله: مُسْتَمِرٌّ: قال الزَّجَّاجُ: قيل معناه: دائم متمادٍ، وقال قتادة وغيره «١» :

معناه: مارٌّ ذاهب عن قريب يزول، ثم قال سبحانه على جهة جزم الخبر: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ كأَنَّه يقول: وكل شيء إِلى غاية عنده سبحانه، ومُزْدَجَرٌ معناه: موضع زجر.

وقوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ: يحتمل أنْ تكون «ما» نافية، ويحتمل أنْ تكون استفهاميَّة.

ثم سَلَّى سبحانه نِبِيَّه ع بقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي: لا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ، وتَمَّ القولُ في قوله: عَنْهُمْ ثم ابتدأ وعيدَهم بقوله: يَوْمَ والعامل في [يَوْمَ] قوله يَخْرُجُونَ وقال الرُّمَّانِيُّ: المعنى: فتولّ عنهم، واذكر يوم «٢» ، وقال الحسن: المعنى: فتَولَّ عنهم إلى يوم «٣» .

وقرأ الجمهور «٤» : «نُكُرِ» - بضم الكاف- قال الخليل: النُكُر: نعت للأمر الشديد والرجل الداهية، وخَصَّ الأبصارَ بالخشوع، لأَنَّهُ فيها أظهرُ منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أَو صلف أو خوف ونحوه إنّما يظهر في الأبصار، والْأَجْداثِ: جمع جَدَثٍ وهو القبر، وشَبَّهَهُمْ سبحانه بالجراد المنتشر، وقد شبههم سبحانه في آية أخرى بالفراش المبثوث، وفيهم من كل هذا شَبَهٌ، وذهب بعض المفسرين إلى أَنَّهم أَوَّلاً كالفراش حين يَمُوجُ بعضُهم في بعض ثم في رتبة أُخرى كالجراد إذا توجَّهُوا نحو المَحْشَرِ والداعي، والمُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مشيه نحو الشيء مع هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نحو المَقْصِدِ، إِمَّا لخوف، / أو طمع ونحوه قال أبو حيان «٥» : مُهْطِعِينَ أي:

مسرعين، وقيل: فاتحين آذانهم للصوت، انتهى.

ويَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا وقْفُ التَّمامِ، و"يَوْمَ" مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ" .

﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: فَتَوَلَّ عَنْهم [إلى] يَوْمِ "يَدَعُ الدّاعِي" أثْبَتَ هَذِهِ الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ؛ وافَقَهُ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ، وحَذَفَها الأكْثَرُونَ في الحالَيْنِ.

و"الدّاعِي": إسْرافِيلُ يَنْفُخُ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ ﴿ "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "نُكُرٍ" خَفِيفَةً؛ أيْ: إلى أمْرٍ فَظِيعٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: "النُّكُرُ" بِمَعْنى المُنْكَرِ، وهو القِيامَةُ، وإنَّما يُنْكِرُونَهُ إعْظامًا لَهُ.

والتَّوَلِّي المَذْكُورُ في الآيَةِ مَنسُوخٌ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ خُشَّعًا أبْصارُهُمْ ﴾ قَرَأ أهْلُ الحِجازِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "خُشَّعًا" بِضَمِّ الخاءِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا" بِفَتْحِ الخاءِ وألِفٍ بَعْدَها وتَخْفِيفِ الشِّينِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: يَخْرُجُونَ خُشَّعًا، و"خاشِعًا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خاشِعَةً"؛ ولَكَ في أسْماءِ الفاعِلِينَ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ التَّوْحِيدُ والتَّأْنِيثُ والجَمْعُ؛ تَقُولُ: مَرَرْتُ بِشُبّانٍ حَسَنٍ أوْجُهُهُمْ، وحِسانٍ أوْجُهُهُمْ، وحَسَنَةٍ أوْجُهُهُمْ، قالَ الشّاعِرُ: وشَبابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهم مِن إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدِّ قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى أنَّ أبْصارَهم ذَلِيلَةٌ خاضِعَةٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.

والأجْداثُ: القُبُورُ، وإنَّما شَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّ الجَرادَ لا جِهَةَ لَهُ يَقْصِدُها، [فَهُوَ أبَدًا مُخْتَلِفٌ بَعْضُهُ في بَعْضٍ]، فَهم يَخْرُجُونَ فَزِعِينَ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنهم جِهَةٌ يَقْصِدُها.

والدّاعِي: إسْرافِيلُ.

وقَدْ أثْبَتَ ياءَ "الدّاعِي" في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ؛ تابَعُهُما في الوَصْلِ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ والباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "مُهْطِعِينَ" في سُورَةِ "إبْراهِيمَ: ٤٣" والعَسِرُ: الصَّعْبُ الشَّدِيدُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ إلّا آيَةٌ واحِدَةٌ اخْتَلَفَ فِيها، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ قَوْمٌ: هي مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ  ﴾ ، وسَيَأْتِي القَوْلُ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ ﴿ وَكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ ﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُذُرُ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّ عنهم يَوْمَ يَدْعُ الداعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ﴾ ﴿ خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ ﴿ مُهْطِعِينَ إلى الداعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ "اقْتَرَبَتِ"مَعْناهُ: قَرُبَتْ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ، كَما أنَّ اقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ، و"الساعَةُ" القِيامَةُ، وأمْرُها مَجْهُولُ التَحْدِيدِ، لَمْ يُعْلَمْ إلّا أنَّها قَرُبَتْ دُونَ تَحْدِيدٍ، وقالَ النَبِيُّ  : « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ" وأشارَ بِالسَبّابَةِ والوُسْطى،» وقالَ أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ  وقَدْ كادَتِ الشَمْسُ تَغِيبُ، فَقالَ: "ما بَقِيَ مِنَ الدُنْيا فِيما مَضى إلّا كَمَثَلِ ما بَقِيَ مِن هَذا اليَوْمِ فِيما مَضى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنِّي لَأرْجُو اللهَ أنْ يُؤَخِّرَ أُمَّتِي نِصْفَ يَوْمٍ"» وهَذا مِنهُ  عَلى جِهَةِ الرَجاءِ والظَنِّ، لَمْ يَجْزِمْ بِهِ خَبَرًا، فَأنابَ اللهُ تَعالى عَلى أمَلِهِ وأخَّرَ أُمَّتَهُ أكْثَرَ مِن رَجائِهِ، وكُلُّ ما يُرْوى في عُمْرِ الدُنْيا مِنَ التَحْدِيدِ فَضَعِيفٌ واهِنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: انْشَقَّ القَمَرُ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَنْشَقُّ القَمَرُ يَوْمَئِذٍ، وهَذا ضَعِيفٌ والأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ  آيَةً، فَقِيلَ: مُجْمَلَةٌ، -وَهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ- وقِيلَ: بَلْ عَيَّنُوا شَقَّ القَمَرِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «فَأراهُمُ اللهُ تَعالى انْشِقاقَ القَمَرِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "اشْهَدُوا"،» ومِمَّنْ قالَ مِنَ الصَحابَةِ رَأيْتُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وَأخْبَرَ بِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأنَسَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وقالَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سَحَرَ القَمَرَ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَخْبِرُوا المُسافِرِينَ القادِمِينَ عَلَيْكُمْ، فَما ورَدَ أحَدٌ إلّا أخْبَرَ بِانْشِقاقِهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَأيْتُهُ انْشَقَّ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ جَبَلِ حِراءٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَرى نِصْفَهُ عَلى قُعَيْقِعانِ والآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقَرَأ حُذَيْفَةُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ"، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّ قِراءَتَهُ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ" دُونَ واوٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ جاءَ اللَفْظُ مُسْتَقَبَلًا لِيَنْتَظِمَ ما مَضى وما يَأْتِي، فَهو إخْبارٌ بِأنَّ حالَهم هَكَذا، واخْتَلَفَتِ الناسُ في مَعْنى "مُسْتَمِرٍّ" فَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: مَعْناهُ دائِمٌ مُتَمادٍ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: مَعْناهُ: ذاهِبٌ مارٌّ عن قَرِيبٍ يَزُولُ، وقالَ الضَحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ: مَشْدُودٌ مِن مَرايِرِ الحَبْلِ، كَأنَّهُ سِحْرٌ قَدِ اسْتَمَرَّ، أيْ: أُحْكِمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى اسْتَمَرَّتْ عَلى شَذَرٍ مَرِيرَتُهُ صَدْقَ العَزِيمَةِ لا رَتًّا ولا ضَرَعًا ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وما يَهْوُونَ مِنَ الأُمُورِ، لا بِدَلِيلٍ ولا بِتَثَبُّتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ الجَزْمِ-: ﴿ وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وكُلُّ شَيْءٍ إلى غايَةٍ، فالحَقُّ يَسْتَقِرُّ ثابِتًا ظاهِرًا، والباطِلُ يَسْتَقِرُّ زاهِقًا ذاهِبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ: "وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ" بِالجَرِّ في "مُسْتَقِرٍّ"، يَعْنِي بِذَلِكَ أشْراطُها، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ القافِ مِن "مُسْتَقِرٍّ" وقَرَأ نافِعٌ -بِخِلافٍ- وابْنُ نِصاحٍ بِفَتْحِها، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا وجْهَ لِفَتْحِها.

و"الأنْباءِ" جَمْعُ نَبَأٍ، ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ ومُثُلاتِ الأُمَمِ الكافِرَةِ، "و مُزْدَجَرٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ زَجْرٍ وانْتِهاءٍ، وأصْلُهُ: "مُزْتَجَرٌ" قُلِبَتِ التاءُ دالًا لِيُناسِبَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ الزايِ، وكَذَلِكَ تُبْدَلُ تاءُ "افْتَعَلَ" مِن كُلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ زايٌ كازْدَلَفَ وازْدادَ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "حِكْمَةٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِن "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فِيهِ"، وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ حِكْمَةٌ، و"بالِغَةٌ" مَعْناهُ: يَبْلُغُ المَقْصِدَ بِها مِن وعْظِ النُفُوسِ والبَيانِ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما تُغْنِ النُذُرُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَيْسَ تُغْنِي مَعَ عُتُوِّ هَذِهِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: فَما غَناءُ النُذُرِ مَعَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟

ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَوَلَّ عنهُمْ"، أيْ: لا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وتَمَّ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، ثُمَّ ابْتَدَأ وعِيدُهُمْ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "يَخْرُجُونَ"، و"خُشَّعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، وتُصَرُّفُ الفِعْلِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الحالِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "عنهُمْ"، قالَ الرُمّانِيُّ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهم واذْكُرْ يَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَتَوَلَّ عنهُمُ اليَوْمَ وانْحَذَفَتِ الواوُ مِن "يَدْعُ" لِأنَّ كَتَبَةَ المُصْحَفِ اتَّبَعُوا اللَفْظَ لا ما يَقْتَضِيهِ الهِجاءُ، وأمّا حَذْفُ الياءِ مِن "الداعِ" ونَحْوِهِ فَقالَ سِيبَوَيْهِ: حَذَفُوهُ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ، حُذِفَتْ مَعَ الألِفِ واللامِ؛ إذْ هي تُحْذَفُ مَعَ مُعاقِبِهِما وهو التَنْوِينُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إلى شَيْءٍ نُكُرٍ " بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وشِبْلُ، والحَسَنُ: "نُكْرٍ" بِسُكُونِ الكافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو قُلابَةَ: "نُكِرَ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ مَنكُورٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ولا يُرى مِثْلُهُ، قالَ الخَلِيلُ: النُكْرُ نَعْتٌ لِلْأمْرِ الشَدِيدِ والرَجُلِ الداهِيَةِ، وقالَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَضْرِيِّ: أقْدِمْ مُحاجُ إنَّهُ يَوْمُ نُكُرٍ ∗∗∗ مِثْلِي عَلى مِثْلِكَ يَحْمِي ويَكُرُّ و"نُكُرٍ" فُعُلٍ، وهو صِفَةٌ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في الصِفاتِ، ومِنهُ "مِشْيَةُ سُجُحٌ" قالَ الشاعِرُ: دَعُوا التَخاجُؤَ وامْشُوا مِشْيَةً سُجُحًا ∗∗∗ إنَّ الرِجالَ ذَوُو عَصْبٍ وتَذْكِيرِ ومِثْلُهُ "رَجُلٌ شَلُلُ" و"ناقَةٌ أُجُدُ".

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "خُشَّعًا"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خاشِعًا"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وهى إفْرادٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وشَبابٌ حَسَنٌ أوجُهُهم مِن ∗∗∗ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ وَرَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُتَطَوِّعَةِ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدَ: رَأيْتُ النَبِيَّ  في النَوْمِ فَسَألْتُهُ عن "خُشَّعًا" و"خاشِعًا"، فَقالَ: "خاشِعًا"، بِالألِفِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُما "خاشِعًا، وخَصَّ تَعالى الأبْصارَ بِالخُشُوعِ لِأنَّهُ فِيها أظْهَرُ مِنهُ في سائِرِ الجَوارِحِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن حَياءٍ أو صَلَفٍ أو خَوْفٍ ونَحْوِهِ إنَّما يَظْهَرُ في البَصَرِ.

و"الأجْداثِ" جَمْعُ جَدَثٍ وهو القَبْرُ، وشَبَّهَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، وقَدْ شَبَّهَهم في أُخْرى بِ الفَراشِ المَبْثُوثِ، وفِيهِمْ مِن كُلِّ هَذا شَبَهٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ بَعْضٌ في بَعْضٍ، ثُمَّ في رُتْبَةٍ أُخْرى كالجَرادِ إذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ المَحْشَرِ والداعِي، وفي الحَدِيثِ «أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عُمْرانَ عَلَيْها السَلامُ دَعَتْ لِلْجَرادِ فَقالَتْ: "اللهُمَّ أعْشِها بِغَيْرِ رَضاعٍ، وتابَعَ بَنِيها بِغَيْرِ شِياعِ".» و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ نَحْوَ الشَيْءِ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ نَحْوَ المَقْصِدِ إمّا لِخَوْفٍ أو طَمَعٍ أو نَحْوِهِ، ويَقُولُ الكافِرُونَ: ﴿ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وعَلاماتِ مَشَقَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ [القمر: 9] وما تفرع عليه.

والمغلوب مجاز، شبه يأسه من إجابتهم لدعوته بحال الذي قاتل أو صارع فغلبه مقاتله، وقد حكى الله تعالى في سورة نوح كيف سلك مع قومه وسائل الإقناع بقبول دعوته فأعيته الحيل.

و ﴿ أنى ﴾ بفتح الهمزة على تقدير باء الجر محذوفة، أي دعا بأني مغلوب، أي بمضمون هذا الكلام في لغته.

وحذف متعلق ﴿ فانتصر ﴾ للإِيجاز وللرعي على الفاصلة والتقدير: فانتصر لي، أي انصرني.

وجملة ﴿ ففتحنا أبواب السماء ﴾ إلى آخرها مفرعة على جملة ﴿ فدعا ربه ﴾ ، ففهم من التفريع أن الله استجاب دعوته وأن إرسال هذه المياه عقاب لقوم نوح.

وحاصل المعنى: فأرسلنا عليهم الطوفان بهذه الكيفية المحكمة السريعة.

وقرأ الجمهور ﴿ ففتحنا ﴾ بتخفيف التاء.

وقرأه ابن عامر بتشديدها على المبالغة.

والفتح بمعنى شدة هطول المطر.

وجملة ﴿ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ﴾ مركب تمثيلي لهيئة اندفاق الأمطار من الجو بهيئة خروج الجماعات من أبواب الدار على طريقة: وسالتْ بأعناق المطيّ الأباطح *** والمنهمر: المنصب، أي المصبوب يقال: عمرَ الماء إذا صبه، أي نازل بقوة.

والتفجير: إسالة الماء، يقال: تفجر الماء، إذا سال، قال تعالى: ﴿ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ [الإسراء: 90].

وتعدية ﴿ فجّرنا ﴾ إلى اسم الأرض تعدية مجازية إذ جعلت الأرض من كثرة عيونها كأنها عين تتفجر.

وفي هذا إجمال جيء من أجله بالتمييز له بقوله: ﴿ عيوناً ﴾ لبيان هذه النسبة، وقد جعل هذا ملحقاً بتمييز النسبة لأنه محول عن المفعول إذ المعنى: وفجرنا عيون الأرض، وهو مثل المحول عن الفاعل في قوله تعالى: ﴿ واشتعل الرأس شيباً ﴾ [مريم: 4]، أي شيب الرأس إذ لا فرق بينهما، ونكتة ذلك واحدة.

قال في «المفتاح»: «إسناد الاشتعال إلى الرأس لإِفادة شُمول الاشتعاللِ الرأسَ إذ وزان اشتعل شيبُ الرأس، واشتعل الرأس شيباً وزان اشتعلت النار في بيتي واشتعل بيتي ناراً» اه.

والتقاء الماء: تجمع ماءِ الأمطار مع ماء عيون الأرض فالإلتقاء مستعار للاجتماع، شبه الماء النازل من السماء والماء الخارج من الأرض بطائفتين جاءت كل واحدة من مكان فالتقتا في مكان واحد كما يلتقي الجيشان.

والتعريف في ﴿ الماء ﴾ للجنس.

وعلم من إسناد الإلتقاء أنهما نوعان من الماء ماء المطر وماء العيون.

و ﴿ على ﴾ من قوله: ﴿ على أمر ﴾ يجوز أن تكون بمعنى (في) كقوله تعالى: ﴿ ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ﴾ [القصص: 15]، وقول الفرزدق: على حالةٍ لو أن في البحر حاتماً *** على جوده لضنَّ بالماء حاتم والظرفية مجازية.

ويجوز أن تكون ﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي، أي ملابساً لأمر قد قدر ومتمكناً منه.

ومعنى التمكن: شدة المطابقة لما قُدر، وأنه لم يحد عنه قيد شَعَرة.

والأمر: الحال والشأن وتنوينه للتعظيم.

ووصف الأمر بأنه ﴿ قد قدر ﴾ ، أي أتقن وأحكم بمقدار، يقال: قدَره بالتخفيف إذا ضبطه وعينه كما قال تعالى: ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ [القمر: 49] ومحل ﴿ على أمر ﴾ النصب على الحال من الماء.

واكتفي بهذا الخبر عن بقية المعنى، وهو طغيان الطوفان عليهم اكتفاء بما أفاده تفريع ﴿ ففتحنا أبواب السماء ﴾ كما تقدم انتقالاً إلى وصف إنجاء نوح من ذلك الكرب العظيم، فجملة ﴿ وحملناه ﴾ معطوفة على التفريع عطف احتراس.

والمعنى: فأغرقناهم ونجَّيْناه.

و ﴿ ذات ألواح ودُسُر ﴾ صفة السفينة، أقيمت مقام الموصوف هنا عوضاً عن أن يقال: وحملناه على الفلك لأن في هذه الصفة بيان متانة هذه السفينة وإحكام صنعها.

وفي ذلك إظهار لعناية الله بنجاة نوح ومن معه فإن الله أمره بصنع السفينة وأوحى إليه كيفية صنعها ولم تكن تعرف سفينة قبلها، قال تعالى: ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ﴾ [هود: 36، 37]، وعادة البلغاء إذا احتاجوا لذكر صفة بشيء وكان ذكرها دالاً على موصوفها أن يستغنوا عن ذكر الموصوف إيجازاً كما قال تعالى: ﴿ أن اعمل سابغات ﴾ [سبأ: 11]، أي دروعاً سابغات.

والحمل: رفع الشيء على الظهر أو الرأس لنقله ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ [النحل: 7] وله مجازات كثيرة.

والألواح: جمع لوح، وهو القطعة المسوّاة من الخشب.

والدسر: جمع دِسار، وهو المسمار.

وعدي فعل (حملنا) إلى ضمير نوح دون من معه من قومه لأن هذا الحمل كان إجابة لدعوته ولنصره فهو المقصود الأول من هذا الحمل، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿ فأنجيناه والذين معه برحمة منا ﴾ [الأعراف: 72] وقوله: ﴿ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ﴾ [المؤمنون: 28] ونحوه من الآيات الدالة على أنه المقصود بالإنجاء وأن نجاة قومه بمعيته، وحسبك قوله تعالى في تذييل هذه الآية ﴿ جزاء لمن كان كفر ﴾ فإن الذي كان كُفِر هو نوح كفر به قومه.

و ﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي وهو التمكن كقوله تعالى: ﴿ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ﴾ ، وإلا فإن استقراره في السفينة كائن في جوفها كما قال تعالى: ﴿ إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ﴾ [الحاقة: 11] ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ [هود: 40].

والباء في ﴿ بأعيننا ﴾ للملابسة.

والأعين: جمع عين بإطلاقه المجازي، وهو الاهتمام والعناية، كقول النابغة: علمْتك ترعاني بعين بصيرة *** وقال تعالى: ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ [الطور: 48].

وجُمع العين لتقوية المعنى لأن الجمع أقوى من المفرد، أي بحراسات منّا وعنايات.

ويجوز أن يكون الجمع باعتبار أنواع العنايات بتنوع آثارها.

وأصل استعمال لفظ العين في مثله تمثيل بحال الناظر إلى الشيء المحروس مثل الراعين كما يقال للمسافر: «عين الله عليك»، ثم شاع ذلك حتى ساوى الحقيقة فجمع بذلك الاعتبار.

وتقدم في سورة هود.

و ﴿ جزاء ﴾ مفعول لأجله ل ﴿ فتحنا ﴾ وما عُطف عليه، أي: فعلنا ذلك كله جزاء لنوح.

و ﴿ من كان كُفِر ﴾ هو نوح فإن قومه كَفَروا به، أي لم يؤمنوا بأنه رسول وكان كفرهم به منذ جاءهم بالرسالة فلذلك أقحم هنا فعل ﴿ كان ﴾ ، أي لمن كُفِر منذ زمان مضى وذلك ما حكي في سورة نوح (5 9) بقوله: ﴿ قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم إني دعوتهم جهاراً ثم إنِّي أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً ﴾ وحذف متعلق كفر لدلالة الكلام عليه.

وتقديره: كفر به، أو لأنه نصح لهم ولقي في ذلك أشد العناء فلم يشكروا له بل كفروه فهو مكفور فيكون من باب قوله تعالى: ﴿ ولا تكفرون ﴾ [البقرة: 152].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ: مُسْرِعِينَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ بِدِجْلَةَ دارِهِمْ ولَقَدْ أراهم بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ الثّانِي: مَعْناهُ: مُقْبِلِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: عامِدِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: ناظِرِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الخامِسُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

السّادِسُ: قابِضِينَ ما بَيْنَ أعْيُنُهِمْ، قالَهُ تَمِيمٌ.

﴿ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ﴾ قال: هذا القرآن مزدجر قال: منتهى.

وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن عبد العزيز أنه خطب بالمدينة فتلا هذه الآية ﴿ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ﴾ قال: أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وأنبأكم فيه ما تأتون وما تدعون، لم يدعكم في لبس من دينكم، كرامة أكرمكم بها، ونعمة أتم بها عليكم.

قوله تعالى: ﴿ خشعاً أبصارهم ﴾ .

أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ خاشعاً أبصارهم ﴾ بالألف.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ خُشَّعاً أبصارهم ﴾ برفع الخاء.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ خاشعاً أبصارهم ﴾ أي ذليلة أبصارهم، والله أعلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مهطعين إلى الداع ﴾ قال: ناظرين.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ مهطعين ﴾ قال: مذعنين خاضعين، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول تبع: تعبدني نمر بن سعد وقد درى ** ونمر بن سعد لي مدين ومهطع وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ مهطعين إلى الداع ﴾ قال: عامدين إلى الداعي.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ مهطعين إلى الداع ﴾ قال: منطلقين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن تميم بن حدلم في قوله: ﴿ مهطعين ﴾ قال: الإِهطاع التجميح.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ مهطعين إلى الداع ﴾ قال: هو النسلان.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ مهطعين إلى الداع ﴾ قال: صائخي أذانهم إلى الصوت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ .

قال المفسرون وأهل المعاني: بمنظر ومرأى منا وحفظ.

وهذا كقوله ﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا  ﴾ وقد مر.

قوله تعالى: ﴿ جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴾ قال مقاتل: يعني نوحا؛ لأنه المكفور به (١) قال الفراء: يقول فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم لما صنع بنوح، قال: وفي (لمن) معنى ما، ألا ترى أنك تقول: غرقوا لنوح ولما صنع بنوح (٢)  -.

(١) انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 17.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر ﴾ أي قد غلبني الكفار فانتصر لي أو انتصر لنفسك، ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ عبارة عن كثرة المطر، فكأنه يخرج من أبواب، وقيل: فتحت في السماء أبواب يومئذ حقيقة، والمنهمر الكثير ﴿ فَالْتَقَى المآء ﴾ ماء السماء وماء الأرض ﴿ على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ أي قد قضى في الأزل، ويحتمل أن يكون المعنى أنه قدر بمقدار معلوم، ورُوي في ذلك أنه علا فوق الأرض أربعين ذراعاً ﴿ وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾ يعني السفينة والدسر هي المسامير واحدها دسار، وقيل: هي مقادم السفينة، وقيل: أضلاعها والأول أشهر ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ عبارة عن حفظ الله ورعيه لها ﴿ جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ أي جاء لنوح: وقيل: جزاء لله تعالى والأول أظهر، وانتصب جزاء على أنه مفعول من أجله، والعامل فيه ما تقدم من فتح أبواب السماء وما بعده من الأفعال؛ أي جعلنا ذلك كله جزاء لنوح، ويحتمل أن يكون قوله: كفر من الكفر بالدين والتقدير لمن كفِر به فحذف الضمير، أو يكون من الكفر بالنعمة؛ لأن نوحاً عليه السلام نعمة من الله كفرها قومه، فلا يحتاج إلى هذا إلى الضمير المحذوف.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ﴾ قال بعضهم: أي: اقتربت الساعة، واقتر انشقاق القمر.

وقيل: على التقديم والتأخير، اقترتب الساعة، وإن يروا آية يعرضوا وإن كان انشقاق القمر.

فعلى هذين التأويلين، لم يكن انشقاق القمر بعد، ولكن يكون في المستقبل، وعند قيام الساعة؛ وهو قول أبي بكر الأصم، ويقول: معنى قوله: ﴿ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ﴾ أي: سينشق القمر عند الساعة؛ إذ لو كان قد انشق في زمن النبي  ، لَمَا خفي على أهل الآفاق، ولو كان ظاهرا عندهم، لتواتر النقل به؛ إذ هو أمر عجيب، والطباع جبلت على نشر العجائب.

وعامة أهل التأويل على أن القمر قد انشق؛ لكان [من] معجزاته  .

وروي عن ابن مسعود -  - أنه قال: "كنا مع النبي  بمعنى، فانشق القمر، فذهبت فرقة منه وراء الجبل، فقال -  -: اشهدوا، اشهدوا" ، وروي عن غيره أيضاً: عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس -  م - وأنس بن مالك، وحذيفة، وجبر بن مطعم، في جماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: أنهم رأوا انشقاق القمر.

وقول أبي بكر: لو كان، لم يخُفَ وظهر؛ فيقال له: قد ظهر؛ فإنه روي عن غير واحد من الصحابة -  م - وتواتر الحديث عن الخاص العام، وفشا الأمر بينهم، حتى قل من يخفى عليه سماع هذا الحديث.

على أنه قد يطلق ظاهر الكتاب، وإنما يكلف حفظ ما لم ينطق به الكتاب، والعمل بحقيقة اللفظ واجب.

وقال بعضهم: يجوز أن يستره الله -  - من الآفاق بغيم، أو يشغلهم عن رؤيته ببعض الأمور؛ لضرب تدبير ولطف منه؛ لئلا يدعيه بعض الملتبسين في الآفاق لنفسه، وادعى الرسالة كاذبا؛ بناء على دعواه: أنه فعل ذلك؛ فيحتمل أنه أخفى عن أهل الآفاق إلا في حق من تظهر المعجزة عليه من الحاضرين، والكفرة يكتمونه، والصحابة الذين رأوا قد نقلوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ كأنه يقول: اقتربت الساعة التي تجزون، أو الساعة التي تنشرون فيها، أو الساعة التي تحاسبون فيها.

فإن قيل: أليس روي عن النبي  أنه قال: "[بعثت] أنا والساعة كهاتين" ، وأشار إلى السبابة والوسطى، وقد قبض رسول الله  ولم تقم الساعة بعد.

قيل: يحتمل أن مراده - عليه الصلاة والسلام - أنه ختم النبوة والرسالة، وتبقى أحكامه وشريعته إلى وقت قيام الساعة، وبقاء شريعته كبقائه، فصار كأنه قال: شريعتي والساعة كهاتين.

ويحتمل أنه لما كان به ختم النبوة والشريعة، صار بعثه ومجيئه -  - علامة للساعة وآية لها، وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا  ﴾ على تأويل من جعل بعث الرسول -  - علَما وآية للساعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ ﴾ ذكر نعتهم وعنادهم: أنهم وإن يروا آية سألوها، يعرضوا؛ فلم يُرِهمْ تلك.

أو من سنته: أن كل آية جاءت على أثر السؤال، فلم يقبلوها أهلكوا، فإذا كان من سننه هذا، وقد وعد تأخير عذاب هذه الأمة إلى الساعة، وعفا عنهم التعجيل - لم يرهم تلك الآيات المقترحة، والله أعلم.

ويحتمل: وإن يروا آية حسية يعرضوا؛ لأن آيات رسول الله  عامتها وأكثرها كانت عقلية وسمعية، فيخير عن سفههم وتعنتهم أنهم وإن يروا آية حسية يعرضوا عنها، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ...

﴾ الآية [الحجر: 14-15].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ ، اختلف فيه: منهم من قال: ﴿ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ أي: ماض، لم يزل الرسل - عليهم السلام - كانوا يأتون بمثله من السحر.

ومنهم من قال: ﴿ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ أي: قوي؛ مأخوذ من المِرَّة، وهي القوة، وأصل المرة: الفتل.

ومنهم من قال: ﴿ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ أي: ذاهب؛ ويتلاشى ولا يبقى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ يحتمل كذبوا الرسول  وما أتى به من الآية على الرسالة.

ويحتمل: وكذبوا بالتوحيد ﴿ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ يخبر أنهم إنما كذبوا ما ذكر باتباع أهوائهم، لا بحجة وبرهان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ وجاءتهم - أيضاً - حكمة بالغة، وهي القرآن.

ويحتمل أن يكون معناه: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ وفي تلك الأنباء حكمة بالغة.

ثم الأنباء التي فيها مزدجر حكمة بالغة، وهي ما ذكر في هذه السورة من أنباء عاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم نوح، وموسى، فقد جاءهم أنباء هؤلاء، وعرفوا ما نزل بهم من العذاب والإهلاك، وبأي شيء نزل بهم، وهو تكذيب الرسل - عليهم السلام - ليتردعوا عن مثل صنيعهم، فلا يلحقهم مثل ما يلحق أولئك، وفي ذلك حكمة بالغة، والبالغة هي النهاية في الأمر؛ يقال: فلان بالغ في العلم: إذ انتهى في ذلك نهايته.

وقال القتبي: مزدجر: أمر متعظ.

وقال أبو عوسجة: مزدجر: أي: زاجر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: قد جاءهم ما ذكر من الأنباء التي فيها مزدجر وإنذار، فلم يزجرهم ذلك، ولم ينفعهم، فأنَّى تغني النذر لهم؟

ومن أين تنفعهم النذر؟

أي: لا تغنيهم.

ثم النذر تحتمل وجهين: أحدهما: النذر: [الرسل] - عليهم السلام - جمع: نذير.

والثاني: ما تقع به النذارة، وهو الأنباء التي أنذر الرسل بها، وحذروا بذلك؛ يقول: فما يغنيهم قول الرسول، ولا خوف ما بلغهعم من القصص التي فيها تعذيب للكفرة بتكذيب الرسل - عليهم السلام - وترك اتباعهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: قوله: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: أعرض عنهم، ولا تكافئهم بإساءتهم.

والثاني: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: لا تقاتلهم، ولا تجاهدهم؛ فإن كن التأويل هذا، فهو يحتمل النسخ على ما قاله أهل التأويل، وإن كان الأول فهو لا يحتمل النسخ.

والثالث: يحتمل: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون، وذلك في قوم علم الله -  - أنهم لا يؤمنون، يؤيس رسول الله  عن الطمع في إيمانهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ ﴾ أي: إلى شيء منكر، فظيع، هائل.

ويحتمل: إلى شيء أنكروه في الدنيا - وهو الساعة - فيقرون في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خُشَّعاً أَبْصَٰرُهُمْ ﴾ ، وقرئ: (خاشعاً)، بالألف، روي عن ابن عباس، وتصديقها في قراءة عبد الله بن مسعود -  - (خاشعة أبصارهم)، وصفهم بالخضوع في الآخرة مكان استكبارهم في الدنيا، وبالإقرار والتصديق بالساعة مكان إنكارهم في الدنيا، وبالإجابة للداعي مكان ردهم له في الدنيا حيث قال: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: تشبيههم بالجراد لحيرتهم، لا يدرون من أين يأتون؟

وإلى أين يصيرون؟

كالجراد الذي لا يُدْرَى من أين؟

وإلى أين؟

وهو كقوله -  -: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ  ﴾ .

والثاني: تشبيههم بالجراد؛ لكثرتهم، وازدحامهم؛ لما يحشر الكل بدعفة واحدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ﴿ مُّهْطِعِينَ ﴾ ، أي: مسرعين.

وقال قتادة: أي: عامدين.

وقال مجاهد: الإهطاع: السيلان، وهو بالفارسية: يويه رقيق.

وقال بعضهم: مهطعين: ناظرين، رافعي رءوسهم؛ وهو قول الكلبي.

وقال أبو عوسجة: أي: مسرعين، مادين أعناقهم.

وقيل: الإهطاع: إدامة النظر إلى الداعي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ ، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

تجري هذه السفينة في أمواج الماء المتلاطمة بمرأى منا وحفظ، انتصارًا لنوح الذي كذبه قومه، وكفروا بما جاءهم به من عند الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.5q9BP"

مزيد من التفاسير لسورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده