الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٤٢ من سورة القمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 36 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٢ من سورة القمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن فرعون وقومه إنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا ، والنذارة إن كفروا ، وأيدهما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة ، فكذبوا بها كلها ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، أي : فأبادهم الله ولم يبق منهم مخبرا ولا عينا ولا أثرا .
( كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا ) يقول جلّ ثناؤه كذّب آل فرعون بأدلتنا التي جاءتهم من عندنا, وحججنا التي أتتهم بأنه لا إله إلا الله وحده كلها( فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ) يقول تعالى ذكره: فعاقبناهم بكفرهم بالله عقوبة شديد لا يغلب, مقتدر على ما يشاء, غير عاجز ولا ضعيف.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتاده, قوله ( فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ) يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم.
كذبوا بآياتنا معجزاتنا الدالة على توحيدنا ونبوة أنبيائنا ; وهي العصا ، واليد ، والسنون ، والطمسة ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم .
وقيل : النذر : الرسل ; فقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى .
وقيل : النذر الإنذار .فأخذناهم أخذ عزيز أي غالب في انتقامه مقتدر أي قادر على ما أراد .
وأشهدهم من العبر ما لم يشهد عليه أحدا غيرهم فكذبوا بآيات الله كلها، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فأغرقهم في اليم هو وجنوده والمراد من ذكر هذه القصص تحذير [الناس و] المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم.
( كذبوا بآياتنا كلها ) وهي الآيات التسع ( فأخذناهم ) بالعذاب ( أخذ عزيز ) غالب في انتقامه ( مقتدر ) قادر على إهلاكهم ، لا يعجزه ما أراد ، ثم خوف أهل مكة فقال :
«كذبوا بآياتنا كلها» التسع التي أوتيها موسى «فأخذناهم» بالعذاب «أخذ عزيز» قوي «مقتدر» قادر لا يعجزه شيء.
كذَّبوا بأدلتنا كلها الدالة على وحدانيتنا ونبوة أنبيائنا، فعاقبناهم بالعذاب عقوبة عزيز لا يغالَب، مقتدر على ما يشاء.
بل ( كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا ) أى : بل كذبوا بجميع المعجزات التى أيدنا موسى - عليه السلام - بها ، والتى كانت تدل أعظم دلالة على صدقة فيما يدعوهم إليه .وأمد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله ، كلها للإشعار بكثرتها ، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا .وقوله : ( فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ) بيان لشدة العذاب الذى نزل بهم إذ الأخذ مستعار ، للانتقام الشديد ، وانتصاب ( أَخْذَ .
.
) على المفعولية المطلقة ، وإضافته إلى " عزيز مقتدر " من إضافة المصدر إلى فاعله .والعزيز : الذى لا يغلبه غالب ، والمقتدر : الذى لا يعجزه شىء يريده .أى : فأخذناهم أخذا لم يبق منهم أحدا ، بل أهلكناهم جميعا ، لأن هذا الأخذ صادر عن الله - عز وجل - الذى لا يغلبه غالب ، ولا يعجزه شىء .ووصف - سبحانه - ذاته هنا بصفة العزة والاقتدار ، للرد على دعاوى فرعون وطغيانه وتبجحه ، فقد وصل به الحال أن زعم أنه الرب الأعلى .
.
.
فأخذه - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر ، يحق الحق ويبطل الباطل .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الفائدة في لفظ: ﴿ آل فِرْعَوْنَ ﴾ بدل قوم فرعون؟
نقول: القوم أعم من الآل، فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم أو يقومون بأمره، والآل كل من يؤول إلى الرئيس خيرهم وشرهم أو يؤول إليهم خيره وشره، فالبعيد الذي لا يعرفه الرئيس ولا يعرف هو عين الرئيس وإنما يسمع اسمه، فليس هو بآله، إذا عرفت الفرق، نقول: قوم الأنبياء الذين هم غير موسى عليهم السلام، لم يكن فيهم قاهر يقهر الكل ويجمعهم على كلمة واحدة، وإنما كانوا هم رؤساء وأتباعاً، والرؤساء إذا كثروا لا يبقى لأحد منهم حكم نافذ على أحد، أما على من هو مثله فظاهر، وأما على الأراذل فلأنهم يلجئون إلى واحد منهم ويدفعون به الآخر، فيصير كل واحد برأسه، فكأن الإرسال إليهم جميعاً، وأما فرعون فكان قاهراً يقهر الكل، وجعلهم بحيث لا يخالفونه في قليل ولا كثير، فأرسل الله إليه الرسول وحده، غير أنه كان عنده جماعة من التابعين المقربين مثل قارون تقدم عنده لماله العظيم، وهامان لدهائه، فاعتبرهم الله في الإرسال، حيث قال: في مواضع: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا إلى فِرْعَوْنَ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُوا سَٰحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ وقال في العنكبوت: ﴿ وقارون وَفِرْعَوْنَ وهامان وَلَقَدْ جَاءهُمْ موسى ﴾ لأنهم إن آمنوا آمن الكل بخلاف الأقوام الذين كانوا قبلهم وبعدهم، فقال: ﴿ وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ النذر ﴾ وقال كثيراً مثل هذا كما في قوله: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ ، ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانه ﴾ وقال: بلفظ الملأ أيضاً كثيراً.
المسألة الثانية: قال: ﴿ وَلَقَدْ جَاء ﴾ ولم يقل في غيرهم جاء لأن موسى عليه السلام ما جاءهم، كما جاء المرسلون أقوامهم، بل جاءهم حقيقة حيث كان غائباً عن القوم فقدم عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَآء ءالَ لُوطٍ المرسلون ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ حقيقة أيضاً لأنه جاءهم من الله من السموات بعد المعراج، كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة.
المسألة الثالثة: النذر إن كان المراد منها الإنذارات وهو الظاهر، فالكلام الذي جاءهم على لسان موسى ويده تلك، وإن كان المراد الرسل فهو لأن موسى وهرون عليهما السلام جاءه وكل مرسل تقدمهما جاء لأنهم كلهم قالوا ما قالا من التوحيد وعبادة الله وقوله بعد ذلك: ﴿ كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ من غير فاء تقتضي ترتب التكذيب على المجيء فيه وجهان: أحدهما: أن الكلام تم عند قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ النذر ﴾ وقوله: ﴿ كَذَّبُواْ ﴾ كلام مستأنف والضمير عائد إلى كل من تقدم ذكرهم من قوم نوح إلى آل فرعون ثانيهما: أن الحكاية مسوقة على سياق ما تقدم، فكأنه قال: (فكيف كان عذابي ونذر وقد كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم)، وعلى الوجه الأول آياتنا كلها ظاهرة، وعلى الوجه الثاني المراد آياته التي كانت مع موسى عليه السلام وهي التسع في قول أكثر المفسرين، ويحتمل أن يقال: المراد أنهم كذبوا بآيات الله كلها السمعية والعقلية فإن في كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
وقوله تعالى: ﴿ فأخذناهم ﴾ إشارة إلى أنهم كانوا كالآبقين أو إلى أنهم عاصون يقال: أخذ الأمير فلاناً إذا حبسه، وفي قوله: ﴿ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ لطيفة وهي أن العزيز المراد منه الغالب لكن العزيز قد يكون (الذي) يغلب على العدو ويظفر به وفي الأول يكون غير متمكن من أخذه لبعده إن كان هارباً ولمنعته إن كان محارباً، فقال أحد غالب لم يكن عاجزاً وإنما كان ممهلاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ النذر ﴾ موسى وهرون وغيرهما من الأنبياء، لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون.
أو جمع نذير وهو الإنذار ﴿ بأاياتنا كُلِّهَا ﴾ بالآيات التسع ﴿ أَخْذَ عِزِيزٍ ﴾ لا يغالب ﴿ مُّقْتَدِرٍ ﴾ لا يعجزه شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ كَرَّرَ ذَلِكَ في كُلِّ قِصَّةٍ إشْعارًا بِأنَّ تَكْذِيبَ كُلِّ رَسُولٍ مُقْتَضٍ لِنُزُولِ العَذابِ واسْتِماعَ كُلِّ قِصَّةٍ مُسْتَدْعٍ لِلِادِّكارِ والِاتِّعاظِ، واسْتِئْنافًا لِلتَّنْبِيهِ والِاتِّعاظِ لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ والغَفْلَةُ، وهَكَذا تَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ( فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ )، ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) ونَحْوِهِما.
﴿ وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴾ اكْتَفى بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ أوْلى بِذَلِكَ مِنهم.
﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ﴾ يَعْنِي الآياتِ التِّسْعَ.
﴿ فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ ﴾ لا يُغالَبُ.
﴿ مُقْتَدِرٍ ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
<div class="verse-tafsir"
{كذبوا بآياتنا كُلَّهَا} بالآيات التسع {فأخذناهم أَخْذَ عِزِيزٍ} لا يغالب {مُّقْتَدِرٍ} لا يعجزه شيء
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيءِ النُّذُرِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ آلُ فِرْعَوْنَ حِينَئِذٍ ؟
فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِجَمِيعِ آياتِنا وهي آياتُ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّ تَكْذِيبَ البَعْضِ تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ، أوْ هي الآياتُ التِّسْعُ، وجَوَّزالواحِدِيُّأنْ يُرادَ بِالنُّذُرِ نَفْسُ الآياتِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( بِآياتِنا ) مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ والأصْلُ كَذَّبُوا بِها، وزَعَمَ بَعْضُ غُلاةِ الشِّيعَةِ وهُمُ المُسْلِمُونَ بِالكَشْفِيَّةِ في زَمانِنا أنَّ المُرادَ - بِالآياتِ كُلِّها - عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ الإمامُ المُبِينُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ ﴾ وأنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ظَهَرَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا - وهَذا مِنَ الهَذَيانِ بِمَكانٍ - نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ ( فَأخَذْناهم ) أيْ آلَ فِرْعَوْنَ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ ضَمِيرَ ( كَذَّبُوا ) وضَمِيرَ أخَذْناهم عائِدانِ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( النُّذُرُ ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ أيْ ﴿ فَأخَذْناهُمْ ﴾ وقَهَرْناهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ ﴿ أخْذَ عَزِيزٍ ﴾ لا يُغالَبُ ﴿ مُقْتَدِرٍ ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ونُصِبَ أخْذَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لا عَلى قَصْدِ التَّشْبِيهِ ﴿ أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ ﴾ أيِ الكُفّارِ المَعْدُودِينَ قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وآلِ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ الخَيْرِيَّةُ بِاعْتِبارِ الدُّنْيا وزِينَتِها كَكَثْرَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ ووُفُورِ العَدَدِ والعُدَّةِ، أوْ بِاعْتِبارِ لِينِ الشَّكِيمَةِ في الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ الكُفّارُ المُحَدَّثُ عَنْهم بِالخَيْرِيَّةِ أقَلَّ عِنادًا وأقْرَبَ طاعَةً وانْقِيادًا، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ أنَّ الخِطابَ هُنا عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ حَيْثُ قالُوا: <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ يعني: سهلناه للحفظ، لأن كُتب الأولين يقرؤها أهلها نظراً، ولا يكادون يحفظون من أولها إلى آخرها، كما يحفظ القرآن فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: متعظ به.
قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ يعني: بالرسل، لأن لوطاً- - يدعوهم إلى الإيمان بجميع الرسل، فكذبوهم، ولم يؤمنوا، فأهلكهم الله تعالى.
وهو قوله: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً يعني: حجارة من فوقهم إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ يعني: وقت السحر.
قوله تعالى: نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا يعني: رحمة من عندنا على آل لوط.
صار نعمة نصباً لأنه مفعول.
ومعناه: ونجيناهم بالإنعام عليهم كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ يعني: هكذا يجزي الله تعالى من شكر نعمته، ولم يكفرها.
ويقال: مَنْ شَكَرَ يعني: من وحد الله تعالى، لم يعذبه في الآخرة مع المشركين، فكما أنجاهم في الدنيا ينجيهم في الآخرة، ولا يجعلهم مع المشركين.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا يعني: خوفهم لوط عقوبتنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ يعني: شكوا بالرسل، فكذبوا، يعني: لوط.
ويقال: معناه شكوا بالعذاب الذي أخبرهم به الرسل أنه نازل بهم.
قوله تعالى: وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ يعني: طلبوا منه الضيافة، وكانت أضيافه جبريل مع الملائكة، فمسح جبريل بجناحه على أعينهم، فذهب أبصارهم، وذلك قوله: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ يعني: أذهبنا أعينهم، وأبصارهم، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الخبر.
يعني: فذوقوا عذاب الله تعالى، أي: عقوبة الله ما أخبر الله تعالى.
ثم قال: وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ يعني: أخذهم وقت الصبح عذاب دائم.
يعني: عذاب الدنيا موصولة بعذاب الآخرة فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ يقال لهم: ذوقوا عذاب الله تعالى، وإنذاره.
ثم قال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وقد ذكرناها.
<div class="verse-tafsir"
مبنيًّا للفاعل، والضمير في تَرَكْناها قالَ مَكِّيّ: هو عائد على هذه الفِعْلَةِ والقِصَّةِ، وقال قتادة وغيره «١» : هو عائد على السفينة، / ومُدَّكِرٍ أصله: مذتكر أبدلوا من التَّاءِ دالاً، ثم أدغموا الذَّالَ في الدَّالِ، وهذه قراءة الناس، قال أبو حاتم: ورويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بإسناد صحيح.
وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ: توقيف لكفار قريش، والنذر: هنا جمع نذير، وهو المصدر، والمعنى: كيف كان عاقبةُ إنذاري لمن لم يحفل به كأنتم أيّها القوم؟
ويَسَّرْنَا الْقُرْآنَ أي: سَهَّلْناه وقَرَّبْناه، والذِّكْرُ: الحفظ عن ظهر قلب قال ع «٢» :
يُسِّرَ بما فيه من حُسْنِ النظم وشَرَفِ المعاني، فله حلاوةٌ في القلوب، وامتزاجٌ بالعقول السليمة.
وقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: استدعاءٌ وحَضٌّ على ذكرِهِ وحفظِهِ لتكونَ زواجرُهُ وعلومُهُ حاضرةً في النفس، فللَّه دُرُّ مَنْ قبِل وهدي.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: من مُتَّعظ.
وقوله: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ الآية: ورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ: يوم الأربعاء، ومستمر معناه: متتابع.
تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)
أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)
نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩)
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)
وقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ معناه: تقلعهم من مواضعهم قَلْعاً فتطرحهم، ورُوِيَ عن مجاهد أَنَّ الريحَ كانت تُلْقِي الرجلَ على رأسه فيتفتت رأسُهُ وعُنُقُهُ، وما يلي ذلك من بدنه «١» ، قال ع «٢» : فلذلك حسن التشبيه بأعجاز النخل وذلك أَنَّ المنقلع هو الذي ينقلع من قعره، وقال قوم: إنَّما شَبَّههم بأعجاز النخل لأَنَّهُمْ كانوا يحتفرون حفراً ليمتنعوا فيها من الريح، فكأَنَّه شَبَّهَ تلك الحُفَرَ بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنَّخْلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وفائدة تكرار قوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ التخويفُ وَهَزُّ النفوسِ، وهذا موجود في تَكْرَارِ الكلام كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ هَلْ/ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» «٣» ونحوه، و [قول] ثمود لصالح: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ: هو حسد منهم، واستبعادٌ منهم أنْ يكونَ نوعَ البشر يفضل هذا التفضيلَ، ولم يعلموا إِنَّ الفضلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء، ويفيض نورَ الهدى على مَنْ رَضيَهُ، وقولهم: إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ أي: في ذهاب وانتلاف عن الصواب، وَسُعُرٍ معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقاً، وقيل: في جنون يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفةَ الرأس هائمةً على وجهها، والأَشَرُ: البَطَرُ، وقرأ الجمهور «٤» : سَيَعْلَمُونَ بالياء، وقرأ حمزة وحفص: «سَتَعْلَمُونَ» بالتاء من فوق على معنى: قل لهم يا صالح.
ثم أمر اللَّه صالحا بارتقاب الفرج والصبر.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَارْتَقِبْهُمْ أي: انتظرهم ما يصنعون، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وبين الناقة، لها شِرْبٌ ولهم شِرْبٌ يوم معلوم، ومُحْتَضَرٌ: معناه:
محضور مشهود متواسى فيه، وقال مجاهد «١» : كُلُّ شِرْبٍ أي: من الماء يوماً ومن لبن الناقة يوماً محتضر لهم، فكأَنَّه أنبأهم بنعمة الله سبحانه عليهم في ذلك، وصاحِبَهُمْ:
هو قدار بن سالف، وفَتَعاطى مطاوع «عاطى» فكأَنَّ هذه الفعلة تدافعها الناس، وأعطاها بعضُهم بعضاً فتعاطاها هو، وتناول العَقْرَ بيده قاله ابن عباس «٢» ، وقد تقدم قَصَصُ القوم، و «الهشيم» : ما تفتَّت وتَهَشَّمَ من الأشياء، والْمُحْتَظِرِ: معناه: الذي يصنع حظيرة، قاله ابن زيد وغيره «٣» ، وهي مأخوذة من الحَظَرِ وهو المنع، والعرب وأهلُ البوادي يصنعونها للمواشي وللسُّكْنَى/ أيضاً من الأَغصان والشجر المُورِقِ، والقصب، ونحوه، وهذا كُلُّه هشيمٌ يتفتت، إمَّا في أَوَّل الصنعة، وإمَّا عند بِلى الحظيرة وتساقُطِ أجزائها، وقد تقدم قَصَصُ قوم لوط، والحاصب: مأخوذ من الحصباء.
وقوله: فَتَمارَوْا معناه: تشككوا، وأهدى بعضُهم الشكّ إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال، والنذر: جمع نذير، وهو المصدر، ويحتمل أَنْ يُرَادَ بالنذر هنا وفي قوله:
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ- جمع نذير، الذي هو اسم فاعل.
وقوله سبحانه: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ قال قتادة «٤» : هي حقيقةً جَرَّ جبريل شيئاً من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم، قال أبو عُبَيْدَةَ: مطموسة بجلدة كالوجه، وقال ابن عباس والضَّحَّاك «٥» : هذه استعارة وإنَّما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً فجعل ذلك كالطمس.
وقوله: بُكْرَةً قيل: عند طلوع الفجر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿ نَجَّيْناهُمْ ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها.
وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] .
وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿ فَذُوقُوا ﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً" ﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿ عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" .
وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ ﴾ ﴿ وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴾ ﴿ فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ ﴾ ﴿ نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ ﴾ هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ.
"مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ: إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
<div class="verse-tafsir"
لما كانت عدوة موسى عليه السلام غير موجهة إلى أمة القبط، وغيرَ مراد منها التشريع لهم.
ولكنها موجهة إلى فرعون وأهل دولته الذين بأيديهم تسيير أمور المملكة الفرعونية، ليسمحوا بإطلاق بني إسرائيل من الاستعباد، ويمكنوهم من الخروج مع موسى خص بالنذر هنا آل فرعون، أي فرعون وآله لأنه يصدر عن رأيهم، ألا ترى أن فرعون لم يستأثر بردّ دعوة موسى بل قال لمن حوله: ﴿ ألا تستمعون ﴾ [الشعراء: 25] وقال: ﴿ فماذا تأمرون ﴾ [الشعراء: 35] وقالوا: ﴿ أرْجِهِ وأخاه ﴾ [الشعراء: 36] الآية، ولذلك لم يكن أسلوب الإخبار عن فرعون ومن معه مماثلاً لأسلوب الإخبار عن قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط إذ صدر الإِخبار عن أولئك بجملة ﴿ كذبت ﴾ [القمر: 18]، وخولف في الإِخبار عن فرعون فصدر بجملة ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ وإن كان مآل هذه الأخبار الخمسة متماثلاً.
والآل: القرابَة، ويطلق مجازاً على من له شدة اتصال بالشخص كما في قوله تعالى: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ [غافر: 46].
وكان الملوك الأقدمون ينوطون وزارتهم ومشاورتهم بقرابتهم لأنهم يأمنون كيدهم.
والنُذر: جمع نذير: اسم مصدر بمعنى الإِنذار.
ووجه جمعه أن موسى كرر إنذارهم.
والقول في تأكيد الخبر بالقَسَم كالقول في نظائره المتقدمة.
وإسناد التكذيب إليهم بناء على ظاهر حالهم وإلا فقد آمن منهم رجل واحد كما في سورة غافر.
وجملة ﴿ كذبوا بآياتنا كلها ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ جاء آل فرعون النذر ﴾ لأن مجيء النذر إليهم ملابس للآيات، وظهور الآيات مقارن لتكذيبهم بها فمجيء النذر مشتمل على التكذيب لأنه مقارنُ مقارنِهِ.
وقوله: ﴿ بآياتنا ﴾ إشارة إلى آيات موسى المذكورة في قوله تعالى: ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد ﴾ [الأعراف: 133] وهي تسع آيات منها الخمس المذكورة في آية الأعراف والأربع الأخر هي: انقلاب العصا حية، وظهور يده بيضاء، وسِنُو القحط، وانفلاق البحر بمرأى من فرعون وآله، ولم ينجع ذلك في تصميمهم على اللحاق ببني إسرائيل.
وتأكيد ﴿ آياتنا ﴾ ب ﴿ كلها ﴾ إشارة إلى كثرتها وأنهم لم يؤمنوا بشيء منها، وتكذيبهم بآية انفلاق البحر تكذيب فعلي لأن موسى لم يَتحدَّهُم بتلك الآية وقوم فرعون لما رأوا تلك الآية عدّوها سحراً وتوهموا البحر أرضاً فلم يهتدوا بتلك الآية.
والأخذ: مستعار للانتقام، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف ﴾ في سورة النحل (46، 47).
وهذا الأخذ: هو إغراق فرعون ورجالُ دولته وجنده الذين خرجوا لنصرتِه كما تقدم في الأعراف.
وانتصب أخذ عزيز مقتدر} على المفعولية المطلقة مبيناً لنوع الأخذ بأفظع ما هو معروف للمخاطبين من أخذ الملوك والجبابرة.
والعزيز: الذي لا يغلب.
والمقتدر: الذي لا يَعجِز.
وأريد بذلك أنه أخْذ لم يبق على العدوّ أيّ إبقاء بحيث قطع دابر فرعون وآله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَصْبَ الحِجارَةُ الَّتِي رُمُوا بِها مِنَ السَّماءِ، والحَصْباءُ هي الحَصى وصِغارُ الأحْجارِ.
الثّانِي: أنَّ الحاصِبَ الرَّمْيُ بِالأحْجارِ وغَيْرِها، ولِذَلِكَ تَقُولُ العَرَبُ لِما تَسْفِيهِ الرِّيحُ حاصِبًا، قالَ الفَرَزْدَقُ مُسْتَقْبِلِينَ شِمالَ الشّامِ تَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ الثّالِثُ: أنَّ الحاصِبَ السَّحابُ الَّذِي حَصَبَهم.
الرّابِعُ: أنَّ الحاصِبَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ حَصَبُوهم.
الخامِسُ: أنَّ الحاصِبَ الرِّيحُ الَّتِي حَمَلَتْ عَلَيْهِمُ الحَصْباءَ.
﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ يَعْنِي ولَدَهُ ومَن آمَنَ بِهِ.
﴿ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ ﴾ والسَّحَرُ هو ما بَيْنَ آخِرِ اللَّيْلِ وطُلُوعِ الفَجْرِ، وهو في كَلامِ العَرَبِ اخْتِلاطُ سَوادِ آخِرِ اللَّيْلِ بِبَياضِ أوَّلِ النَّهارِ لِأنَّ هَذا الوَقْتَ يَكُونُ مَخايِيلَ اللَّيْلِ ومَخايِيلَ النَّهارِ.
﴿ وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ﴾ يَعْنِي ضَيْفَ لُوطٍ وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ الرِّجالِ، وكانُوا عَلى أحْسَنِ صُوَرِهِمْ، فَراوَدُوا لُوطًا عَلَيْهِمْ طَلَبًا لِلْفاحِشَةِ.
﴿ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ ﴾ والطَّمْسُ مَحْوُ الأثَرِ ومِنهُ طُمِسَ الكِتابُ إذا مُحِيَ، وفي طَمْسِ أعْيُنِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَفَوْا عَنْ أبْصارِهِمْ حَتّى لَمْ يَرَوْهُمْ، مَعَ بَقاءِ أعْيُنِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أعْيُنُهم طُمِسَتْ حَتّى ذَهَبَتْ أبْصارُهم وعَمُوا فَلَمْ يَرَوْهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
﴿ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ بِالعَذابِ الأدْنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَقْرِيعٌ بِما نالَهم مِن عَذابِ العَمى الحالُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ، وقَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ﴾ قال: باردة ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: أيام شداد.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ صرصراً ﴾ قال: شديدة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ريحاً صرصراً ﴾ قال الباردة ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: في يوم مشؤوم على القوم مستمر استمر عليهم شره.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ في يوم نحس ﴾ قال: النحس البلاء والشدة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول: سواء عليه أي يوم أتيته ** أساعة نحس تتقي أم بأسعد وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش ﴿ في يوم نحس مستمر ﴾ قال: يوم الأربعاء.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل: اقض باليمين مع الشاهد وقال: يوم الأربعاء ﴿ يوم نحس مستمر ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد والحجامة ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يوم نحس يوم الأربعاء» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأيام وسئل عن يوم الأربعاء قال: يوم نحس، قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟
قال: أغرق فيه الله فرعون وقومه وأهلك عاداً وثمود» .
وأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر» .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما أقبلت الريح قام إليها عاد فأخذ بعضهم بأيدي بعض وغمزوا أقدامهم في الأرض وقالوا: من يزيل أقدامنا عن الأرض إن كان صادقاً، فأرسل الله عليهم الريح تنزع الناس ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من عاد ليتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يحملوه، فكان الرجل يغمز قدمه في الأرض فتدخل فيه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل ﴾ قال: أصول نخل ﴿ منقعر ﴾ قال: منقطع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أعجاز نخل منقعر ﴾ قال: أعجاز سود النخل.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ قال: وقعت رؤوسهم كأمثال الأخشبة وتقوّرت أعناقهم فشبهها بأعجاز نخل منقعر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا ﴾ يعني الآيات التسع في قول المفسرين (فأخذناهم) (بالعذاب) (أخذ عزيز) غالب في انتقامه (مقتدر) قادر على هلاكهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَمَارَوْاْ بالنذر ﴾ تشككوا ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ ﴾ الضيف هنا: هم الملائكة الذين أرسلهم الله إلى لوط، ليهلكوا قومه.
وكان قومه قد ظنوا أنهم من بني آدم، وأرادوا منهم الفاحشة فطمس الله على أعينهم، فاستوت مع وجوههم، وقيل: إن الطمس عبارة عن عدم رؤيتهم لهم، وأنهم دخلوا منزل لوط فلم يروا فيه أحداً.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ ﴾ ، أي: بالرسل - عليهم السلام - أو بما تقع به النذارة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ على تأويل من يقول بأن تلك القرياتت قلبت بمن فيها ظهرا لبطن على ما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ - أرسل الحاصب على من غاب عنها في البلدان فأهلكهم بها، يخرج على الإضمار، كأنه قا ل: قلبناها بمن فيها، وأرسلنا على من غاب عنها حاصبا إلا آل لوط؛ حتى يستقيم الثنيا الذي استثنى، ويكون كقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ ﴾ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد، والله أعلم.
[و]على تأويل من يقول بأنها قلبت، ثم أرسل عليها الحاصب، فالثنيا مستقيم؛ فيكون هلاكهم بأمرين، واستثنى آل لوط بالنجاة منهما جميعا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ﴾ ، أي: منعنا عنهم العذاب عند السحر؛ فيكون فيه دلالة: أنه يكون بمنع العذاب عنهم منجيا لهم، وإلا لم يكن بنجاتهم عند السحر [منعماً].
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يكون هلاك أولئك على لوط وآله نعمة من الله عليهم؛ فيكون عليه شكره؛ فهو جزاء شكرهم، وهو كقوله : ﴿ جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ يحتمل أن يكون هلاك أولئك وإغراقهم جزاء ما كفر بنوح، وذلك نعمة منه على نوح، - -.
والثاني: أن تكون نجاة نوح ومن كان معه نعمة منه عليهم؛ إذ له أن يهلك الكل من كفر ومن لم يكفر؛ ألا ترى أن يهلك الدواب والصغار، وإن لم يكن لهم مآثم، فإذا كان كذلك كان إبقاء من أبقى منهم فضلا منه ونعمة عليهم، وإلا لا كل كفر استوجب النجاة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ ﴾ يخرج على الوجهين اللذين ذكراناهما.
أحدهما: تماورا بالواقع من النذارة.
والثاني: ﴿ بِٱلنُّذُرِ ﴾ ، أي: الرسل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ ﴾ أي: طلبوا منه التخلية بينهم وبين ضيفه.
وقوله: ﴿ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ ﴾ ، ذكر أن جبريل - - مسح جناحيه على أعينهم فعموا، ثم قيل لهم: ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ أي: نزل بهم صباحا بالبكرة ﴿ عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ العذاب المستقر: هو العذاب الذي نزل بهم، ودام عليهم، وأهلكهم، وأما طمس الأعين، فقد انقضى.
وقوله: ﴿ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ النذر - هاهنا -: ما وقعت به النذارة.
<div class="verse-tafsir"
كذبوا بالبراهين والحجج التي جاءتهم من عندنا، فعاقبناهم على تكذيبهم بها عقوبة عزيز لا يغلبه أحد، مقتدر لا يعجز عن شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.Gg8Od"