الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٤٣ من سورة القمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 40 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٣ من سورة القمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم قال : ( أكفاركم ) أي : أيها المشركون من كفار قريش ( خير من أولئكم ) يعني : من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل ، وكفرهم بالكتب : أأنتم خير أم أولئك ؟
( أم لكم براءة في الزبر ) أي : أم معكم من الله براءة ألا ينالكم عذاب ولا نكال ؟
.
القول في تأويل قوله تعالى : أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) يقول تعالى ذكره لكفار قريش الذين أخبر الله عنهم أنهم وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أكفاركم معشر قريش خير من أولئكم الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون, فهم يأملون أن ينجوا من عذابي, ونقمي على كفرهم بي, وتكذيبهم رسولي.
يقول: إنما أنتم في كفركم بالله وتكذيبهم رسوله, كبعض هذه الأمم التي وصفت لكم أمرهم, وعقوبة الله بكم نازلة على كفركم به, كالذي نـزل بهم إن لم تتوبوا وتنيبوا.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) : أي من مضى.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسن, عن يزيد النحويّ, عن عكرِمة ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) يقول: أكفاركم يا معشر قريش خير من أولئكم الذين مضوا.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) يقول: أكفاركم خير من الكفار الذين عذبناهم على معاصي الله ، وهؤلاء الكفار خير من أولئك.
وقال ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) استنفاها.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال.
ثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) يقول: ليس كفاركم خيرا من قوم نوح وقوم لوط.
حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) قال: كفار هذه الأمة.
وقوله ( أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) يقول جلّ ثناؤه: أم لكم براءة من عقاب الله معشر قريش, أن تصيبكم بكفركم بما جاءكم به الوحي من الله في الزبر, وهي الكتب.
كما حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا أبو عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( الزُّبُرِ ) يقول: الكتب.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) في كتاب الله براءة مما تخافون.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة ( أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) يعني في الكتب.
قوله تعالى : أكفاركم خير من أولئكم خاطب العرب .
وقيل : أراد كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
وقيل : استفهام ، وهو استفهام إنكار ومعناه النفي ; أي ليس كفاركم خيرا من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم .أم لكم براءة في الزبر أي في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة .
وقال ابن عباس : أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب .
{ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ } أي: هؤلاء الذين كذبوا أفضل الرسل، خير من أولئك المكذبين، الذين ذكر الله هلاكهم وما جرى عليهم؟
فإن كانوا خيرا منهم، أمكن أن ينجوا من العذاب، ولم يصبهم ما أصاب أولئك الأشرار، وليس الأمر كذلك، فإنهم إن لم يكونوا شرا منهم، فليسوا بخير منهم، { أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ } أي: أم أعطاكم الله عهدا وميثاقا في الكتب التي أنزلها على الأنبياء، فتعتقدون حينئذ أنكم الناجون بإخبار الله ووعده؟
وهذا غير واقع، بل غير ممكن عقلا وشرعا، أن تكتب براءتهم في الكتب الإلهية المتضمنة للعدل والحكمة، فليس من الحكمة نجاة أمثال هؤلاء المعاندين المكذبين، لأفضل الرسل وأكرمهم على الله، فلم يبق إلا أن يكون بهم قوة ينتصرون بها،
( أكفاركم خير من أولئكم ) أشد وأقوى من الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون ؟
وهذا استفهام بمعنى الإنكار أي : ليسوا بأقوى منهم ( أم لكم براءة ) العذاب ( في الزبر ) في الكتب ، أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية .
«أكفاركم» يا قريش «خير من أولئكم» المذكورين من قوم نوح إلى فرعون فلم يعذروا «أم لكم» يا كفار قريش «براءة» من العذاب «في الزبر» الكتب والاستفهام في الموضعين بمعنى النفي أي ليس الأمر كذلك.
أكفاركم- يا معشر قريش- خير مِنَ الذين تقدَّم ذكرهم ممن هلكوا بسبب تكذيبهم، أم لكم براءة مِن عقاب الله في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة؟
وبعد هذا الحديث المتنوع عن أخبار الطغاة الغابرين ، التفتت السورة الكريمة بالخطاب إلى كفار مكة ، لتحذرهم من سوء عاقبة الاقتداء بالكافرين ، ولتدعوهم إلى التفكر والاعتبار ، فقال - تعالى - : ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزبر ) .والاستفهام للنفى والإنكار ، والمراد بالخيرية ، الخيرية الدنيوية ، كالقوة والغنى والجاه ، والسلطان ، والخطاب لأهل مكة .والبراءة من الشىء : التخلص من تبعاته وشروره ، والمراد بها التخلص من العذاب الذى أعده الله - تعالى - للكافرين ، والسلامة منه .والزبر : جمع زبور ، وهو الكتاب الذى يكتب فيه .والمعنى : أكفاركم - يا أهل مكة - خير من اولئكم السابقين فى القوة والغنى والتمكين فى الأرض .
.
؟
أم أن لكم عندنا عهدا فى كتبنا ، بأن لا نؤاخذكم على كفركم وشرككم .
.
؟كلا ، ليس لكم شىء من ذلك فأنتم لستم بأقوى من قوم نوح وهود وصالح ولوط ، أو من فرعون وملئه ، وأنتم - أيضا - لم تأخذوا منا عهدا بأن نبرئكم من العقوبة عن كفركم ..وما دام الأمر كذلك فكيف أبحتم لأنفسكم الإصرار على الكفر والجحود؟
إن ما أنتم عليه من شرك لا يليق بمن عنده شىء من العقل السليم .
تنبيهاً لهم لئلا يأمنوا العذاب فإنهم ليسوا بخير من أولئك الذين أهلكوا وفيه مسائل: المسألة الأولى: الخطاب مع أهل مكة فينبغي أن يكون كفارهم بعضهم وإلا لقال: أنتم خير من أولئكم، وإذا كان كفارهم بعضهم فكيف قال: ﴿ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ ﴾ ولم يقل: أم لهم كما يقول القائل: جاءنا الكرماء فأكرمناهم، ولا يقول: فأكرمناكم؟
نقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن المراد منه أكفاركم المستمرون على الكفر الذين لا يرجعون وذلك لأن جمعاً عظيماً ممن كان كافراً من أهل مكة يوم الخطاب أيقنوا بوقوع ذلك، والعذاب لا يقع إلا بعد العلم بأنه لم يبق من القوم من يؤمن فقال: الذين يصرون منكم على الكفر يا أهل مكة خير، أم الذين أصروا من قبل؟
فيصح كون التهديد مع بعضهم، وأما قوله تعالى: ﴿ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أم لكم لعمومكم براءة فلا يخاف المصر منكم لكونه في قوم لهم براءة وثانيهما: أم لكم براءة إن أصررتم فيكون الخطاب عاماً والتهديد كذلك، فالشرط غير مذكور وهو الإصرار.
المسألة الثانية: ما المراد بقوله: ﴿ خَيْرٌ ﴾ ، وقول القائل: خير يقتضي اشتراك أمرين في صفة محمودة مع رجحان أحدهما على الآخر ولم يكن فيهم خير ولا صفة محمودة؟
نقول: الجواب عنه من وجوه: أحدها: منع اقتضاء الاشتراك يدل عليه قول حسان: (أتهجوه ولست له بكفء) *** فشركما لخيركما الفداء مع اختصاص الخير بالنبي عليه السلام والشر بمن هجاه وعدم اشتراكهما في شيء منهما ثانيها: أن ذلك عائد إلى ما في زعمهم أي: أيزعم كفاركم أنهم خير من الكفار المتقدمين الذين أهلكوا وهم كانوا يزعمون في أنفسهم الخير، وكذا فيمن تقدمهم من عبدة الأوثان ومكذبي الرسل وكانوا يقولون: إن الهلاك كان بأسباب سماوية من اجتماع الكواكب على هيئة مذمومة ثالثها: المراد: أكفاركم أشد قوة، فكأنه قال: أكفاركم خير في القوة؟
والقوة محمودة في العرف رابعها: أن كل موجود ممكن ففيه صفات محمودة وأخرى غير محمودة فإذا نظرت إلى المحمودة في الموضعين وقابلت إحداهما بالأخرى، تستعمل فيها لفظ الخير، وكذلك في الصفات المذمومة تستعمل فيها لفظ الشر؟
فإذا نظرت إلى كافرين وقلت: أحدهما خير من الآخر فلك حينئذ أن تريد أحدهما خير من الآخر في الحسن والجمال، وإذا نظرت إلى مؤمنين يؤذيانك قلت: أحدهما شر من الآخر، أي في الأذية لا الإيمان فكذلك هاهنا أكفاركم خير لأن النظر وقع على ما يصلح مخلصاً لهم من العذاب، فهو كما يقال أكفاركم فيهم شيء مما يخلصهم لم يكن في غيرهم فهم خير أم لا شيء فيهم يخلصهم لكن الله بفضله أمنهم لا بخصال فيهم.
المسألة الثالثة: ﴿ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ ﴾ إشارة إلى سبب آخر من أسباب الخلاص، وذلك لأن الخلاص إما أن يكون بسبب أمر فيهم أو لا يكون كذلك، فإن كان بسبب أمر فيهم وذلك السبب لم يكن في غيرهم من الذين تقدموهم فيكونون خيراً منهم وإن كان لا بسبب أمر فيهم فيكون بفضل الله ومسامحته إياهم وإيمانه إياهم من العذاب فقال لهم: أنتم خير منهم فلا تهلكون أم لستم بخير منهم لكن الله آمنكم وأهلكهم وكل واحد منهما منتف فلا تأمنوا، وقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزبر ﴾ إشارة إلى لطيفة وهي أن العاقل لا يأمن إلا إذا حصل له الجزم بالأمن أو صار له آيات تقرب الأمر من القطع، فقال: لكم براءة يوثق بها وتكون متكررة في الكتب، فإن الحاصل في بعض الكتب ربما يحتمل التأويل أو يكون قد تطرق إليه التحريف والتبديل كما في التوراة والإنجيل، فقال: هل حصل لكم براءة متكررة في كتب تأمنون بسببها العذاب فإن لم يكن كذلك لا يجوز الأمن لكن البراءة لم تحصل في كتب ولا كتاب واحد ولا شبه كتاب، فيكون أمنهم من غاية الغفلة وعند هذا تبين فضل المؤمن، فإنه مع ما في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من الوعد لا يأمن وإن بلغ درجة الأولياء والأنبياء، لما في آيات الوعيد من احتمال التخصيص، وكون كل واحد ممن يستثنى من الأمة ويخرج عنها فالمؤمن خائف والكافر آمن في الدنيا، وفي الآخرة الأمر على العكس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ النذر ﴾ موسى وهرون وغيرهما من الأنبياء، لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون.
أو جمع نذير وهو الإنذار ﴿ بأاياتنا كُلِّهَا ﴾ بالآيات التسع ﴿ أَخْذَ عِزِيزٍ ﴾ لا يغالب ﴿ مُّقْتَدِرٍ ﴾ لا يعجزه شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ كَرَّرَ ذَلِكَ في كُلِّ قِصَّةٍ إشْعارًا بِأنَّ تَكْذِيبَ كُلِّ رَسُولٍ مُقْتَضٍ لِنُزُولِ العَذابِ واسْتِماعَ كُلِّ قِصَّةٍ مُسْتَدْعٍ لِلِادِّكارِ والِاتِّعاظِ، واسْتِئْنافًا لِلتَّنْبِيهِ والِاتِّعاظِ لِئَلّا يَغْلِبَهُمُ السَّهْوُ والغَفْلَةُ، وهَكَذا تَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ( فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ )، ( ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) ونَحْوِهِما.
﴿ وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴾ اكْتَفى بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ أوْلى بِذَلِكَ مِنهم.
﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ﴾ يَعْنِي الآياتِ التِّسْعَ.
﴿ فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ ﴾ لا يُغالَبُ.
﴿ مُقْتَدِرٍ ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
<div class="verse-tafsir"
{أكفاركم} يا أهل مكة {خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ} الكفار المعدودين قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون أي أهم خير قوة وآلة ومكانة في الدنيا أو أقل كفراً وعناداً يعني أن كفاركم مثل أولئك بل شر منهم {أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى الزبر} أم انلت عليكميا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة أن من كفر منكم وكذب لارسل كان آمناً من عذاب الله فأمنتم بتلك البراءة
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيءِ النُّذُرِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ آلُ فِرْعَوْنَ حِينَئِذٍ ؟
فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِجَمِيعِ آياتِنا وهي آياتُ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّ تَكْذِيبَ البَعْضِ تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ، أوْ هي الآياتُ التِّسْعُ، وجَوَّزالواحِدِيُّأنْ يُرادَ بِالنُّذُرِ نَفْسُ الآياتِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( بِآياتِنا ) مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ والأصْلُ كَذَّبُوا بِها، وزَعَمَ بَعْضُ غُلاةِ الشِّيعَةِ وهُمُ المُسْلِمُونَ بِالكَشْفِيَّةِ في زَمانِنا أنَّ المُرادَ - بِالآياتِ كُلِّها - عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ الإمامُ المُبِينُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ ﴾ وأنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ظَهَرَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا - وهَذا مِنَ الهَذَيانِ بِمَكانٍ - نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ ( فَأخَذْناهم ) أيْ آلَ فِرْعَوْنَ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ ضَمِيرَ ( كَذَّبُوا ) وضَمِيرَ أخَذْناهم عائِدانِ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( النُّذُرُ ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ أيْ ﴿ فَأخَذْناهُمْ ﴾ وقَهَرْناهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ ﴿ أخْذَ عَزِيزٍ ﴾ لا يُغالَبُ ﴿ مُقْتَدِرٍ ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ونُصِبَ أخْذَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لا عَلى قَصْدِ التَّشْبِيهِ ﴿ أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ ﴾ أيِ الكُفّارِ المَعْدُودِينَ قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وآلِ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ الخَيْرِيَّةُ بِاعْتِبارِ الدُّنْيا وزِينَتِها كَكَثْرَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ ووُفُورِ العَدَدِ والعُدَّةِ، أوْ بِاعْتِبارِ لِينِ الشَّكِيمَةِ في الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ الكُفّارُ المُحَدَّثُ عَنْهم بِالخَيْرِيَّةِ أقَلَّ عِنادًا وأقْرَبَ طاعَةً وانْقِيادًا، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ أنَّ الخِطابَ هُنا عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ حَيْثُ قالُوا: <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ يعني: سهلناه للحفظ، لأن كُتب الأولين يقرؤها أهلها نظراً، ولا يكادون يحفظون من أولها إلى آخرها، كما يحفظ القرآن فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يعني: متعظ به.
قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ يعني: بالرسل، لأن لوطاً- - يدعوهم إلى الإيمان بجميع الرسل، فكذبوهم، ولم يؤمنوا، فأهلكهم الله تعالى.
وهو قوله: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً يعني: حجارة من فوقهم إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ يعني: وقت السحر.
قوله تعالى: نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا يعني: رحمة من عندنا على آل لوط.
صار نعمة نصباً لأنه مفعول.
ومعناه: ونجيناهم بالإنعام عليهم كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ يعني: هكذا يجزي الله تعالى من شكر نعمته، ولم يكفرها.
ويقال: مَنْ شَكَرَ يعني: من وحد الله تعالى، لم يعذبه في الآخرة مع المشركين، فكما أنجاهم في الدنيا ينجيهم في الآخرة، ولا يجعلهم مع المشركين.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا يعني: خوفهم لوط عقوبتنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ يعني: شكوا بالرسل، فكذبوا، يعني: لوط.
ويقال: معناه شكوا بالعذاب الذي أخبرهم به الرسل أنه نازل بهم.
قوله تعالى: وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ يعني: طلبوا منه الضيافة، وكانت أضيافه جبريل مع الملائكة، فمسح جبريل بجناحه على أعينهم، فذهب أبصارهم، وذلك قوله: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ يعني: أذهبنا أعينهم، وأبصارهم، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الخبر.
يعني: فذوقوا عذاب الله تعالى، أي: عقوبة الله ما أخبر الله تعالى.
ثم قال: وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ يعني: أخذهم وقت الصبح عذاب دائم.
يعني: عذاب الدنيا موصولة بعذاب الآخرة فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ يقال لهم: ذوقوا عذاب الله تعالى، وإنذاره.
ثم قال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وقد ذكرناها.
<div class="verse-tafsir"
مبنيًّا للفاعل، والضمير في تَرَكْناها قالَ مَكِّيّ: هو عائد على هذه الفِعْلَةِ والقِصَّةِ، وقال قتادة وغيره «١» : هو عائد على السفينة، / ومُدَّكِرٍ أصله: مذتكر أبدلوا من التَّاءِ دالاً، ثم أدغموا الذَّالَ في الدَّالِ، وهذه قراءة الناس، قال أبو حاتم: ورويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بإسناد صحيح.
وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ: توقيف لكفار قريش، والنذر: هنا جمع نذير، وهو المصدر، والمعنى: كيف كان عاقبةُ إنذاري لمن لم يحفل به كأنتم أيّها القوم؟
ويَسَّرْنَا الْقُرْآنَ أي: سَهَّلْناه وقَرَّبْناه، والذِّكْرُ: الحفظ عن ظهر قلب قال ع «٢» :
يُسِّرَ بما فيه من حُسْنِ النظم وشَرَفِ المعاني، فله حلاوةٌ في القلوب، وامتزاجٌ بالعقول السليمة.
وقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: استدعاءٌ وحَضٌّ على ذكرِهِ وحفظِهِ لتكونَ زواجرُهُ وعلومُهُ حاضرةً في النفس، فللَّه دُرُّ مَنْ قبِل وهدي.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي: من مُتَّعظ.
وقوله: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ الآية: ورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ: يوم الأربعاء، ومستمر معناه: متتابع.
تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)
أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)
نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩)
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)
وقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ معناه: تقلعهم من مواضعهم قَلْعاً فتطرحهم، ورُوِيَ عن مجاهد أَنَّ الريحَ كانت تُلْقِي الرجلَ على رأسه فيتفتت رأسُهُ وعُنُقُهُ، وما يلي ذلك من بدنه «١» ، قال ع «٢» : فلذلك حسن التشبيه بأعجاز النخل وذلك أَنَّ المنقلع هو الذي ينقلع من قعره، وقال قوم: إنَّما شَبَّههم بأعجاز النخل لأَنَّهُمْ كانوا يحتفرون حفراً ليمتنعوا فيها من الريح، فكأَنَّه شَبَّهَ تلك الحُفَرَ بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنَّخْلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وفائدة تكرار قوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ التخويفُ وَهَزُّ النفوسِ، وهذا موجود في تَكْرَارِ الكلام كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ هَلْ/ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» «٣» ونحوه، و [قول] ثمود لصالح: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ: هو حسد منهم، واستبعادٌ منهم أنْ يكونَ نوعَ البشر يفضل هذا التفضيلَ، ولم يعلموا إِنَّ الفضلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء، ويفيض نورَ الهدى على مَنْ رَضيَهُ، وقولهم: إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ أي: في ذهاب وانتلاف عن الصواب، وَسُعُرٍ معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقاً، وقيل: في جنون يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفةَ الرأس هائمةً على وجهها، والأَشَرُ: البَطَرُ، وقرأ الجمهور «٤» : سَيَعْلَمُونَ بالياء، وقرأ حمزة وحفص: «سَتَعْلَمُونَ» بالتاء من فوق على معنى: قل لهم يا صالح.
ثم أمر اللَّه صالحا بارتقاب الفرج والصبر.
ت: وقال الثعلبيُّ: فَارْتَقِبْهُمْ أي: انتظرهم ما يصنعون، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وبين الناقة، لها شِرْبٌ ولهم شِرْبٌ يوم معلوم، ومُحْتَضَرٌ: معناه:
محضور مشهود متواسى فيه، وقال مجاهد «١» : كُلُّ شِرْبٍ أي: من الماء يوماً ومن لبن الناقة يوماً محتضر لهم، فكأَنَّه أنبأهم بنعمة الله سبحانه عليهم في ذلك، وصاحِبَهُمْ:
هو قدار بن سالف، وفَتَعاطى مطاوع «عاطى» فكأَنَّ هذه الفعلة تدافعها الناس، وأعطاها بعضُهم بعضاً فتعاطاها هو، وتناول العَقْرَ بيده قاله ابن عباس «٢» ، وقد تقدم قَصَصُ القوم، و «الهشيم» : ما تفتَّت وتَهَشَّمَ من الأشياء، والْمُحْتَظِرِ: معناه: الذي يصنع حظيرة، قاله ابن زيد وغيره «٣» ، وهي مأخوذة من الحَظَرِ وهو المنع، والعرب وأهلُ البوادي يصنعونها للمواشي وللسُّكْنَى/ أيضاً من الأَغصان والشجر المُورِقِ، والقصب، ونحوه، وهذا كُلُّه هشيمٌ يتفتت، إمَّا في أَوَّل الصنعة، وإمَّا عند بِلى الحظيرة وتساقُطِ أجزائها، وقد تقدم قَصَصُ قوم لوط، والحاصب: مأخوذ من الحصباء.
وقوله: فَتَمارَوْا معناه: تشككوا، وأهدى بعضُهم الشكّ إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال، والنذر: جمع نذير، وهو المصدر، ويحتمل أَنْ يُرَادَ بالنذر هنا وفي قوله:
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ- جمع نذير، الذي هو اسم فاعل.
وقوله سبحانه: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ قال قتادة «٤» : هي حقيقةً جَرَّ جبريل شيئاً من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم، قال أبو عُبَيْدَةَ: مطموسة بجلدة كالوجه، وقال ابن عباس والضَّحَّاك «٥» : هذه استعارة وإنَّما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً فجعل ذلك كالطمس.
وقوله: بُكْرَةً قيل: عند طلوع الفجر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الحِجارَةُ الَّتِي قُذِفُوا بِها "إلّا آلَ لُوطٍ" يَعْنِي لُوطًا وابْنَتَيْهِ ﴿ نَجَّيْناهُمْ ﴾ مِن ذَلِكَ العَذابِ "بِسَحَرٍ" قالَ الفَرّاءُ: "سَحَرٍ" ها هُنا يَجْرِي لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، كَقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِلَيْلٍ، فَإذا ألْقَتِ العَرَبُ مِنهُ الباءَ لَمْ يَجْرِ، لِأنَّ لَفْظَهم بِهِ بِالألِفِ واللّامِ، يَقُولُونَ: ما زالَ عِنْدَنا مُنْذُ السَّحَرِ، لا يَكادُونَ يَقُولُونَ غَيْرَهُ، فَإذا حُذِفَتْ مِنهُ الألِفُ واللّامُ لَمْ يُصْرَفْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إذا كانَ السَّحَرُ نَكِرَةً يُرادُ بِهِ سَحَرٌ مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، فَإذا أرَدْتَ سَحَرَ يَوْمِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَنَّ وحَّدَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَذَّبْ مَعَ المُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ أضْيافَهُ، وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ ﴾ وهو أنَّ جِبْرِيلَ ضَرَبَ أعْيُنَهم بِجَناحِهِ فَأذْهَبَها.
وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [هُودٍ: ٨١] .
وتَمَّ الكَلامُ ها هُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿ فَذُوقُوا ﴾ أيْ: فَقُلْنا لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا جاءَهُمُ العَذابُ: ذُوقُوا ﴿ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ أيْ: ما أنْذَرَكم بِهِ لُوطٌ، " ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً" ﴾ أيْ: أتاهم صَباحًا ﴿ عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴾ أيْ: نازِلٌ بِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: اسْتَقَرَّ بِهِمُ العَذابُ بُكْرَةً.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُجْرِي "غُدْوَةً" "وَبُكْرَةً" ولا تُجْرِيهِما، وأكْثَرُ الكَلامِ في "غُدْوَةٍ" تَرْكُ الإجْراءِ، وأكْثَرُ في "بُكْرَةٍ" أنْ تُجْرى، فَمَن لَمْ يُجْرِها جَعَلَها مَعْرِفَةً، لِأنَّها اسْمٌ يَكُونُ أبَدًا في وقْتٍ واحِدٍ بِمَنزِلَةِ "أمْسِ" و"غَدٍ"، وأكْثَرُ ما تُجْرِي العَرَبُ "غُدْوَةً"، إذا قُرِنَتْ بِعَشِيَّةٍ، يَقُولُونَ: إنِّي لَآتِيهِمْ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، [وَبَعْضُهم يَقُولُ: "غُدْوَةَ" فَلا يُجْرِيها، وعَشِيَّةً"] فَيُجْرِيها، ومِنهم مَن لا يُجْرِي "عَشِيَّةً" لِكَثْرَةِ ما صَحِبَتْ "غُدْوَةً" .
وقالَ الزَّجّاجُ الغُدْوَةُ والبُكْرَةُ إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا وصُرِفَتا فَإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ، وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، والبُكْرَةُ ها هُنا نَكِرَةٌ، فالصَّرْفُ أجْوَدُ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ رِوايَةً في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا في شَهْرِ كَذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا مُرْسِلُو الناقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ ﴾ ﴿ وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴾ ﴿ فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ ﴾ ﴿ نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مِن شَكَرَ ﴾ هَذِهِ الناقَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها أنَّ تَخْرُجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ مِنَ الجَبَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى وُجْهَةِ التَأْنِيسِ- أنَّهُ يُخْرِجُ لَهُمُ الناقَةَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِارْتِقابِ الفَرَجِ وبِالصَبْرِ، و"اصْطَبِرْ" أصْلُهُ: اصْتَبَرَ ا"فْتَعَلَ"، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ ثَمُودَ بِأنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، وهو ماءُ البِئْرِ كانَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ القِسْمَةِ، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، يَتَساوُونَ في اليَوْمِ الَّذِي لا تَرِدُهُ الناقَةُ فِيهِ، وذَلِكَ -فِيما رُوِيَ- أنَّ الناقَةَ كانَتْ تَرِدُ البِئْرَ غَبًّا، وتَحْتاجُ جَمِيعَ مائِهِ يَوْمَها، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى عن أنْ يَسْتَأْثِرَ أهْلُ اليَوْمَ الَّذِي لا تَرِدُ الناقَةُ فِيهِ بِيَوْمِهِمْ، وأمَرَهم بِالتَساوِي مَعَ الَّذِينَ تَرِدُ الناقَةُ في يَوْمِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الماءُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وبَيْنَ الناقَةِ قِسْمَةٌ.
"مُحْتَضَرٌ" مَعْناهُ: مَحْضُورٌ مَشْهُودٌ مُتَواسًى فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: "كُلُ شِرْبٍ"، أيْ: مِنَ الماءِ يَوْمًا ومِن لَبَنِ الناقَةِ يَوْمًا "مُحْتَضَرٌ" لَهُمْ، فَكَأنَّهُ أنْبَأهم بِنِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
و"صاحِبَهُمْ" هو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وبِسَبَبِهِ سُمِّيَ الجَزّارُ القُدارُ لِشَبَهٍ في الفِعْلِ، قالَ الشاعِرُ: إنّا لَنَضْرِبُ بِالسُيُوفِ رُؤُوسَهم ضَرْبَ القِدارِ نَقِيعَةَ القُدّامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أمْرِ قِدارِ بْنِ سالِفٍ.
و"تَعاطى" هو مُطاوِعُ "عاطى"، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعُها الناسُ وأعْطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها هو وتَناوَلَ العُقْرَ بِيَدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُدْخِلُ نَفْسَهُ في تَحَمُّلِ الأُمُورِ الثِقالِ: مُتَعاطٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، والأصْلُ "عَطا يَعْطُو" إذا تَناوَلَ، ثُمَّ يُقالُ: عاطى غَيْرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: تَعاطى، وهَذا كَما يُقالُ: جَرى وجارى وتَجارى، وهَذا كَثِيرٌ.
ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَ شَرْبٍ -وَهُمُ التِسْعَةُ رَهْطٍ- فاحْتاجُوا ماءً فَلَمْ يَجِدُوهُ بِسَبَبِ وِرْدِ الناقَةِ، فَحَمَلَهُ أصْحابُهُ عَلى عَقْرِها، ويُرْوى أنَّ مَلَأ القَبِيلِ اجْتَمَعَ عَلى أنَّ عَقْرَها، ورُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ هَذَيْنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
و"الصَيْحَةُ" يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ صاحَها في طَرَفٍ مِن مَنازِلِهِمْ فَتَفَتَّتُوا وهَمَدُوا وكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ، و"الهَشِيمُ" ما تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ مِنَ الأشْياءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِكَسْرِ الظاءِ، ومَعْناهُ الَّذِي يَصْنَعُ حَظِيرَةً مِنَ الرِعاءِ ونَحْوِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ، والعَرَبُ وأهْلُ البَوادِي يَصْنَعُونَها لِلْمَواشِي والسُكْنى أيْضًا مِنَ الأغْصانِ والشَجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ ونَحْوِهِ، ولِهَذا كُلُّهُ هَشِيمٌ يَتَفَتَّتُ، إمّا في أوَّلِ الصَنْعَةِ وإمّا عِنْدَ بَلْيِ الحَظِيرَةِ وتَساقُطِ أجْزائِها، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّ "المُحْتَظِرَ" مَعْناهُ: المُحْتَرِقُ، قالَ قَتادَةُ: كَهَشِيمٍ مُحْرِقٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُحْتَظَرِ" بِفَتْحِ الظاءِ، ومَعْناهُ: المَوْضِعُ الَّذِي احْتَظَرَ، فَهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الحَظْرِ، أوِ الشَيْءُ الَّذِي احْتَظَرَ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ "كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ" بِأنْ قالَ: هو التُرابُ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ الحائِطِ البالِي، وهَذا مُتَوَجِّهٌ، لِأنَّ الحائِطَ حَظِيرَةُ، والساقِطُ هَشِيمٌ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: المُحْتَظِرُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ بِالنارِ، أيْ: كَأنَّهُ ما في المَوْضِعِ المُحْتَظِرِ بِالنارِ، وما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هو عَلى قِراءَةِ كَسْرِ الظاءِ، وفي هَذا التَأْوِيلِ بَعْضُ البُعْدِ، وقالَ قَوْمٌ: "المُحْتَظِرَ" بِالفَتْحِ-: الهَشِيمُ نَفْسُهُ، وهو مُفْتَعَلٌ، وهو كَمَسْجِدِ الجامِعِ وشَبْهِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ و"الحاصِبُ": السَحابُ الرامِي بِالبَرْدِ وغَيْرِهِ، فَشَبَّهَ تِلْكَ الحِجارَةَ الَّتِي رَمى بِها قَوْمَ لُوطٍ بِهِ في الكَثْرَةِ والتَوالِي، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْباءِ، كَأنَّ السَحابُ يُحَصِّبُ مَقْصِدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَحْصِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ لِأهْلِ المَدِينَةِ: حَصِّبُوا المَسْجِدَ، و"آلُ لُوطٍ": ابْنَتاهُ فِيما رُوِيَ، و"سَحَرٍ" مَصْرُوفٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يُرَدْ بِهِ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِعْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ إنْعامًا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ نَجَّيْناهُمْ، وهَذا هو جَزاؤُنا لِمَن شَكَرَ نِعَمَنا وآمَنَ وأطاعَ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الجملة كالنتيجة لحاصل القصص عن الأمم التي كذبت الرسل من قوم نوح فمن ذكر بعدهم ولذلك فُصِلت ولم تعطف.
وقد غير أسلوب الكلام من كونه موجَّهاً للرسول صلى الله عليه وسلم إلى توجيهه للمشركين ليُنتقل عن التعريض إلى التصريح اعتناء بمقام الإِنذار والإِبلاغ.
والاستفهام في قوله: ﴿ أكفاركم خير من أولائكم ﴾ يجوز أن يكون على حقيقته، ويكون من المحسن البديعي الذي سماه السكاكي «سوْقَ المعلوم مساق غيره».
وسماه أهل الأدب من قبله ب «تجاهل العارف».
وعدل السكاكي عن تلك التسمية وقال لوقوعه في كلام الله تعالى نحو قوله: ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ [سبأ: 24] وهو هنا للتوبيخ كما في قول ليلى ابنة طريف الخارجية ترثي أخاها الوليد بن طريف الشيباني: أبا شَجر الخابُورِ ما لكَ مُورِقَا *** كأنَّك لَم تَجْزَع على ابننِ طريف الشاهد في قولها: كأنك لم تجزع الخ.
والتوبيخ عن تخطئتهم في عدم العذاب الذي حَلَّ بأمثالهم حتى كأنهم يحسبون كفّارهم خيراً من الكفّار الماضين المتحدَّث عن قصصهم، أي ليس لهم خاصية تربأ بهم عن أن يلحقهم ما لَحق الكفار الماضين.
والمعنى: أنكم في عدم اكتراثكم بالموعظة بأحوال المكذبين السابقين لا تخلون عن أن أحد الأمرين الذي طمأنكم من أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
و ﴿ أم ﴾ للإِضراب الانتقالي.
وما يقدر بعدها من استفهام مستعمل في الإِنكار.
والتقدير: بل ما لكم براءة في الزبر حتى تكونوا آمنين من العقاب.
وضمير ﴿ كفاركم ﴾ لأهل مكة وهم أنفُسُهم الكفارُ، فإضافة لفظ (كفار) إلى ضميرهم إضافة بيانية لأن المضاف صنف من جنس من أضيف هو إليه فهو على تقدير ﴿ مِن ﴾ البيانية.
والمعنى: الكفارُ منكم خير من الكفار السالفين، أي أأنتم الكفار خير من أولئك الكفار.
والمراد بالأَخْيَرية انتفاء الكفر، أي خير عند الله الانتقام الإِلهي وادعاء فارق بينهم وبين أولئك.
والبراءة: الخلاص والسلامة مما يضرّ أو يشقّ أو يكلّف كلفة.
والمراد هنا: الخلاص من المؤاخذة والمعاقبة.
و ﴿ الزّبر ﴾ : جمع زبور، وهو الكتاب، وزبور بمعنى مزبور، أي براءة كتبت في كتب الله السالفة.
والمعنى: ألكم براءة في الزبر أن كفاركم لا ينالهم العقاب الذي نال أمثالهم من الأمم السالفة.
و ﴿ في الزبر ﴾ صفة ﴿ براءة ﴾ ، أي كائنة في الزبر، أي مكتوبة في صحائف الكتب.
وأفاد هذا الكلام ترديد النجاة من العذاب بين الأمرين: إما الاتصاف بالخيْر الإِلهي المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ [الحجرات: 13]، وإما المسامحة والعفو عما يقترفه المرء من السيئات المشار إليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم " لعل الله أطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ".
والمعنى انتفاء كلا الأمرين عن المخاطبين فلا مَأْمَنَ لهم من حلول العذاب بهم كما حلّ بأمثالهم.
والآية تُوذن بارتقاب عذاب ينال المشركين في الدنيا دون العذاب الأكبر، وذلك عذاب الجوع الذي في قوله تعالى: ﴿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴾ [الدخان: 10] كما تقدم، وعذاب السيف يوم بدر الذي في قوله تعالى: ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ [الدخان: 16].
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَصْبَ الحِجارَةُ الَّتِي رُمُوا بِها مِنَ السَّماءِ، والحَصْباءُ هي الحَصى وصِغارُ الأحْجارِ.
الثّانِي: أنَّ الحاصِبَ الرَّمْيُ بِالأحْجارِ وغَيْرِها، ولِذَلِكَ تَقُولُ العَرَبُ لِما تَسْفِيهِ الرِّيحُ حاصِبًا، قالَ الفَرَزْدَقُ مُسْتَقْبِلِينَ شِمالَ الشّامِ تَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ الثّالِثُ: أنَّ الحاصِبَ السَّحابُ الَّذِي حَصَبَهم.
الرّابِعُ: أنَّ الحاصِبَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ حَصَبُوهم.
الخامِسُ: أنَّ الحاصِبَ الرِّيحُ الَّتِي حَمَلَتْ عَلَيْهِمُ الحَصْباءَ.
﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ يَعْنِي ولَدَهُ ومَن آمَنَ بِهِ.
﴿ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ ﴾ والسَّحَرُ هو ما بَيْنَ آخِرِ اللَّيْلِ وطُلُوعِ الفَجْرِ، وهو في كَلامِ العَرَبِ اخْتِلاطُ سَوادِ آخِرِ اللَّيْلِ بِبَياضِ أوَّلِ النَّهارِ لِأنَّ هَذا الوَقْتَ يَكُونُ مَخايِيلَ اللَّيْلِ ومَخايِيلَ النَّهارِ.
﴿ وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ﴾ يَعْنِي ضَيْفَ لُوطٍ وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ الرِّجالِ، وكانُوا عَلى أحْسَنِ صُوَرِهِمْ، فَراوَدُوا لُوطًا عَلَيْهِمْ طَلَبًا لِلْفاحِشَةِ.
﴿ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ ﴾ والطَّمْسُ مَحْوُ الأثَرِ ومِنهُ طُمِسَ الكِتابُ إذا مُحِيَ، وفي طَمْسِ أعْيُنِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَفَوْا عَنْ أبْصارِهِمْ حَتّى لَمْ يَرَوْهُمْ، مَعَ بَقاءِ أعْيُنِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أعْيُنُهم طُمِسَتْ حَتّى ذَهَبَتْ أبْصارُهم وعَمُوا فَلَمْ يَرَوْهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
﴿ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ بِالعَذابِ الأدْنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَقْرِيعٌ بِما نالَهم مِن عَذابِ العَمى الحالُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ، وقَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا إذاً لفي ضلال وسعر ﴾ قال: شقاء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ إنا إذاً لفي ضلال وسعر ﴾ قال: في ضلال وعناء.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وسعر ﴾ قال: ضلال، وفي قوله: ﴿ كل شرب محتضر ﴾ قال: يحضرون الماء إذا غابت الناقة وإذا جاءت حضروا اللبن، وفي قوله: ﴿ فتعاطى ﴾ قال: تناول، وفي قوله: ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: الرجل هشم الحنتمة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فتعاطى فعقر ﴾ قال: تناول أحيمر ثمود الناقة فعقرها، وفي قوله: ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: كرماد محترق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتعاطى ﴾ قال: تناول.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: كالعظام المحترقة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: كالحشيش تأكله الغنم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: هو الحشيش قد حظرته فأكلته يابساً فذهب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ كهشيم المحتظر ﴾ قال: التراب الذي يسقط من الحائط.
قوله تعالى: ﴿ كذبت قوم لوط ﴾ الآيات.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ قال: لم يصدقوا بها، وفي قوله: ﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ قال: ذكر لنا أن جبريل استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطاً، وأنهم عاجلوا الباب ليدخلوا عليهم، فصعقهم بجناحه فتركهم عمياناً يترددون، وفي قوله: ﴿ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ﴾ قال: استقر بهم في نار جهنم، وفي قوله: ﴿ فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ﴾ قال: عزيز في نقمته إذا انتقم لا يخاف أن يسبق، وفي قوله: ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ يقول: أكفاركم خير ممن قد مضى.
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ﴾ قال: عذاب في الدنيا استقر بهم في الآخرة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ يقول: ليس كفاركم خيراً من قوم نوح وقوم لوط.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع بن أنس رضي الله عنه ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ قال: أكفاركم أيتها الأمة خير مما ذكر من القرون الأولى الذين أهلكتهم.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ يقول: أكفاركم خير من أولئكم الذين مضوا ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ يعني في الكتب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَكُفَّارُكُمْ ﴾ قال ابن عباس: أكفاركم يا معشر العرب (١) - (٢) قوله تعالى: ﴿ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد أشد من أولئكم (٣) (٤) ومعنى الخير يجوز أن يراد به الشدة والقوة كما ذكر ابن عباس، وعليه دل سائر الآي، كقوله ﴿ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا ﴾ ومثله كثير، ويجوز أن يكون معناه أن كفر هؤلاء ليس دون كفرهم فليسوا خيراً منهم.
ثم خاطب الكفار فقال ﴿ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴾ قال ابن عباس: يريد أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب (٥) وقال مقاتل: يقول ألكم براءة من العذاب في الكتب أنه لن يصيبكم من العذاب ما أصاب الأمم الخالية (٦) وقال أبو إسحاق: أم أتاكم في الكتب أنكم مبرأون مما يوجب عذابكم (٧) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 213، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 145.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ.
(٣) انظر: "الوسيط" 4/ 213، و"معالم التنزيل" 4/ 264.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 134 أ.
(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 145.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 134/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 264.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 91.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ ﴾ هذا خطاب لقريش على وجه التهديد، والهمزة للإنكار ومعناه: هل الكفار منكم خير عند الله من الكفار المتقدمين المذكورين، بحيث أهلكناهم لما كذبوا الرسل وتنجون أنتم وقد كذبتم رسلكم؟
بل الذي أهلكهم يهلككم ﴿ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزبر ﴾ معناه أم لكم في كتاب الله براءة من العذاب؟
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ ﴾ ، أي: بالرسل - عليهم السلام - أو بما تقع به النذارة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ على تأويل من يقول بأن تلك القرياتت قلبت بمن فيها ظهرا لبطن على ما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ - أرسل الحاصب على من غاب عنها في البلدان فأهلكهم بها، يخرج على الإضمار، كأنه قا ل: قلبناها بمن فيها، وأرسلنا على من غاب عنها حاصبا إلا آل لوط؛ حتى يستقيم الثنيا الذي استثنى، ويكون كقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ ﴾ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد، والله أعلم.
[و]على تأويل من يقول بأنها قلبت، ثم أرسل عليها الحاصب، فالثنيا مستقيم؛ فيكون هلاكهم بأمرين، واستثنى آل لوط بالنجاة منهما جميعا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ﴾ ، أي: منعنا عنهم العذاب عند السحر؛ فيكون فيه دلالة: أنه يكون بمنع العذاب عنهم منجيا لهم، وإلا لم يكن بنجاتهم عند السحر [منعماً].
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يكون هلاك أولئك على لوط وآله نعمة من الله عليهم؛ فيكون عليه شكره؛ فهو جزاء شكرهم، وهو كقوله : ﴿ جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ يحتمل أن يكون هلاك أولئك وإغراقهم جزاء ما كفر بنوح، وذلك نعمة منه على نوح، - -.
والثاني: أن تكون نجاة نوح ومن كان معه نعمة منه عليهم؛ إذ له أن يهلك الكل من كفر ومن لم يكفر؛ ألا ترى أن يهلك الدواب والصغار، وإن لم يكن لهم مآثم، فإذا كان كذلك كان إبقاء من أبقى منهم فضلا منه ونعمة عليهم، وإلا لا كل كفر استوجب النجاة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ ﴾ يخرج على الوجهين اللذين ذكراناهما.
أحدهما: تماورا بالواقع من النذارة.
والثاني: ﴿ بِٱلنُّذُرِ ﴾ ، أي: الرسل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ ﴾ أي: طلبوا منه التخلية بينهم وبين ضيفه.
وقوله: ﴿ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ ﴾ ، ذكر أن جبريل - - مسح جناحيه على أعينهم فعموا، ثم قيل لهم: ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ أي: نزل بهم صباحا بالبكرة ﴿ عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ العذاب المستقر: هو العذاب الذي نزل بهم، ودام عليهم، وأهلكهم، وأما طمس الأعين، فقد انقضى.
وقوله: ﴿ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ النذر - هاهنا -: ما وقعت به النذارة.
<div class="verse-tafsir"
أَكُفَّاركم -يا أهل مكة- خير من أولئكم الكفار المذكورين: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وقومه؟!
أم لكم براءة من عذاب الله جاءت بها الكتب السماوية؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.7KOVN"