تفسير الآية ٥٣ من سورة القمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٥٣ من سورة القمر

وَكُلُّ صَغِيرٍۢ وَكَبِيرٍۢ مُّسْتَطَرٌ ٥٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 31 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥٣ من سورة القمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥٣ من سورة القمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وكل صغير وكبير ) أي : من أعمالهم ( مستطر ) أي : مجموع عليهم ، ومسطر في صحائفهم ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، حدثنا سعيد بن مسلم بن بانك : سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير ، حدثني عوف بن الحارث - وهو ابن أخي عائشة لأمها - عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " يا عائشة ، إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله طالبا " .

ورواه النسائي وابن ماجه ، من طريق سعيد بن مسلم بن بانك المدني .

وثقه أحمد ، وابن معين ، وأبو حاتم ، وغيرهم .

وقد رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن مسلم هذا من وجه آخر ، ثم قال سعيد : فحدثت بهذا الحديث عامر بن هشام فقال لي : ويحك يا سعيد بن مسلم !

لقد حدثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ذنبا فاستصغره ، فأتاه آت في منامه فقال له : يا سليمان : لا تحقرن من الذنوب صغيرا إن الصغير غدا يعود كبيرا إن الصغير ولو تقادم عهده عند الإله مسطر تسطيرا فازجر هواك عن البطالة لا تكن صعب القياد وشمرن تشميرا إن المحب إذا أحب إلهه طار الفؤاد وألهم التفكيرا فاسأل هدايتك الإله بنية فكفى بربك هاديا ونصيرا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) يقول تعالى ذكره : ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ) من الأشياء ( مُسْتَطَرٌ ) يقول: مُثْبَت في الكتاب مكتوب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) يقول: مكتوب, " فإذا أراد الله أن ينـزل كتابا نَسَخَتْهُ السَّفَرةُ" .

قوله: ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) قال: مكتوب.

حدثنا بشر, قال: ثنا عبيد الله بن معاذ, عن أبيه, عن عمران بن حُدَير, عن عكرِمة, قال: مكتوب في كلّ سطر.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( مُسْتَطَرٌ ) قال: محفوظ مكتوب.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) أي محفوظ.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول ( مُسْتَطَرٌ ) قال: مكتوب.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) قال: مكتوب, وقرأ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ وقرأ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ إنما هو مفتعل من سطرت: إذا كتبت سطرا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وكل صغير وكبير مستطر أي كل ذنب كبير وصغير مكتوب على عامله قبل أن يفعله ليجازى به ، ومكتوب إذا فعله ; سطر يسطر سطرا كتب ; واستطر مثله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ } أي: مسطر مكتوب،وهذا حقيقة القضاء والقدر، وأن جميع الأشياء كلها، قد علمها الله تعالى، وسطرها عنده في اللوح المحفوظ، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكل صغير وكبير ) من الخلق وأعمالهم وآجالهم ( مستطر ) مكتوب ، يقال : سطرت واستطرت وكتبت واكتتبت .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكل صغير وكبير» من الذنب أو العمل «مستطر» مكتوب في اللوح المحفوظ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكل صغير وكبير من أعمالهم مُسَطَّر في صحائفهم، وسيجازون به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

كما قال - تعالى - بعد ذلك : ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ ) أى : وكل صغير من القوال أو الأفعال ، وكل كبير منهما ، فهو مكتوب عندنا ، ومسجل على صاحبه .فقوله : ( مُّسْتَطَرٌ ) بمعنى مسطور ومكتتب .

يقال : سطر يسطر سطرا ، إذا كتب ، واستطر مثله ، والآية الكريمة مؤكدة لما قبلها .ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ( وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

تعميم للحكم أي ليست الكتابة مقتصرة على ما فعلوه بل ما فعله غيرهم أيضاً مسطور فلا يخرج عن الكتب صغيرة ولا كبيرة، وقد ذكرنا في قوله تعالى: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كتاب  ﴾ أن في قوله: ﴿ أَكْبَرَ ﴾ فائدة عظيمة وهي أن من يكتب حساب إنسان فإنما يكتبه في غالب الأمر لئلا ينسى فإذا جاء بالجملة العظيمة التي يأمن نسيانها ربما يترك كتابتها ويشتغل بكتابة ما يخاف نسيانه، فلما قال: ﴿ وَلا أَكْبَرَ ﴾ أشار إلى الأمور العظام التي يؤمن من نسيانها أنها مكتوبة أي ليست كتابتنا مثل كتابتكم التي يكون المقصود منها الأمن من النسيان، فكذلك نقول: هاهنا وفي قوله: ﴿ مَا لهذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ وفي جميع هذه المواضع قدم الصغيرة لأنها أليق بالتثبت عند الكتابة فيبتدئ بها حفظاً عن النسيان في عادة الخلق فأجرى الله الذكر على عادتهم، وهذا يؤيد ما ذكرنا من قبل أن كلا وإن كان نكرة يحسن الابتداء به للعموم وعدم الإبهام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أشياعكم ﴾ أشباهكم في الكفر من الأمم ﴿ فِى الزبر ﴾ في دواوين الحفظة ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ﴾ من الأعمال ومن كل ما هو كائن ﴿ مُّسْتَطَرٌ ﴾ مسطور في اللوح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ ﴾ أشْباهَكم في الكُفْرِ مِمَّنْ قَبْلَكم.

﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ مُتَّعِظٍ.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ ﴾ مَكْتُوبٌ في كُتُبِ الحَفَظَةِ.

﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ﴾ مِنَ الأعْمالِ.

﴿ مُسْتَطَرٌ ﴾ مَسْطُورٌ في اللَّوْحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ} من الأعمال ومن كل ما هو كائن {مُّسْتَطَرٌ} مسطور في اللوح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ﴾ مِنَ الأعْمالِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: مِنها ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿ مُسْتَطَرٌ ﴾ مَسْطُورٌ مُكْتَتَبٌ في اللَّوْحِ بِتَفاصِيلِهِ وهو مِنَ السَّطْرِ بِمَعْنى الكَتْبِ، ويُقالُ: سَطَرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنى، وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ «مُسْتَطَرٌّ» بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِعِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن - طَرَّ - النَّباتَ والشّارِبَ إذا ظَهَرَ، والمَعْنى كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ( جَعْفَرٌّ ويَفْعَلُّ ) - بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا أيْ ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ مُسْتَفْعَلٌ وعَلى الثّانِي مُفْتَعَلٌ، ولَمّا كانَ بَيانُ حالِ سُوءِ الكَفَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ ﴾ إلَخْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ يعني: الرسل وهو موسى، وهارون، كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعني: بالآيات التسع فَأَخَذْناهُمْ يعني: عاقبناهم عند التكذيب، أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ يعني: عقوبة منيع بالنقمة على عقوبة الكفار، مقتدراً يعني: قادراً على عقوبتهم، وهلاكهم.

ثم خوف كفار مكة فقال: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ يعني: أكفاركم أقوى في النذر من الذين ذكرناهم، فأهلكهم الله تعالى، وهو قادر على إهلاكهم أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ يعني: براءة في الكتب من العذاب.

اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر.

يعني: ليس لكم براءة، ونجاة من العذاب.

ثم قال عز وجل: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ يعني: ممتنع من العذاب يقول الله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ يعني: سيهزم جمع أهل مكة في الحرب وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ يعني: ينصرفون من الحرب، منهزمين.

يعني: به: يوم بدر، وفي هذا علامة من علامات النبوة، لأن هذه الآية نزلت بمكة، وأخبرهم أنهم سيهزمون في الحرب، فكان كما قال.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن عمر-  - قال: لما نزلت هذه الآية: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فكنت لم أعلم ما هي، وكنت أقول: أي: جمع يهزم؟

فلما كان يوم بدر، رأيت النبيّ  يثبت في الدرع، ويقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وقال الزجاج: «ويولون الدبر» يعني: الإدبار، كقوله تعالى: يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ [آل عمران: 111] لأن اسم الواحد يدل على الجمع، وكذلك قوله تعالى: فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [القمر: 54] أي: أنهار.

وذكر عن الفراء أنه قال: إنما وحّد لأنه رأس آية تقابل بالتوحيد رؤوس الآي.

وكذلك في الدبر، لموافقته رؤوس الآي.

ثم قال: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ يعني: مجمعهم وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ يعني: عذاب الساعة أعظم وأشد من عذاب الدنيا.

ثم وصف عذاب الآخرة فقال: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يعني: المشركين في الدنيا في ضلالة، وخطأ، وخلاف، وفي سعير في الآخرة.

والسعر جماعة السعير.

ويقال: السعر يعني: في عناء.

ثم أخبرهم بمستقرهم فقال عز وجل: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ يعني: يجرون فى النار على وجوههم، ويقول لهم الخزنة: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ يعني: عذاب النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَذُوقُوا: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لهم، ويحتمل أَنْ يكونَ من قول الملائكة، وَنُذُرِي: جمع المصدر، أي: وعاقبة إنذاري، ومُسْتَقِرٌّ أي: دائم استقر فيهم حَتَّى يُفْضِيَ بهم إلى عذاب الآخرة، وآلَ فِرْعَوْنَ: قومه وأتباعه.

وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يحتمل أنْ يريد آل فرعونَ، ويحتمل أن يكون قوله:

وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ [القمر: ٤١]- كلاماً تامًّا-، ثم يكون قوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعود على جميع من ذُكِرَ من الأمم.

وقوله تعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ خطاب لقريش على جهة التوبيخ.

وقوله: أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ أي: من العذاب فِي الزُّبُرِ أي: في كتب اللَّه المُنَزَّلَةِ قاله ابن زيد وغيره «١» .

ثم قال تعالى لنبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم: أَمْ يَقُولُونَ/ نَحْنُ: واثقون بجماعتنا، منتصرون بقوَّتِنا على جهة الإعجاب سَيُهْزَمُونَ، فلا ينفع جمعُهم، وهذه عِدَةٌ من اللَّه تعالى لرسوله أَنَّ جَمْعَ قريشٍ سَيُهْزَمُ، فكان كما وعد سبحانه قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-:

كنت أقول في نفسي: أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟!

فَلَمَّا كان يومُ بدرٍ رأيتُ رسولَ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يثب في الدرع، وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢» والجمهور على أَنَّ الآية نزلت بِمَكَّةَ، وقول مَنْ زعم أَنَّها نزلت يومَ بدر ضعيف، والصواب أَنَّ الوعد نُجِّزَ يوم بدر، قال أبو حيان «٣» : وَيُوَلُّونَ: الجمهور بياء الغيبة، وعن أبي عمرو بتاء الخطاب، والدُّبُرُ: هنا اسم جنس، وحسن إفرادَهُ كونُهُ فاصلةً، وقد جاء مجموعاً في آية أُخرى، وهو الأصل، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُهُما: [أنَّهُ] جَمْعُ نَذِيرٍ، وهي الآياتُ الَّتِي أنْذَرَهم بِها مُوسى.

والثّانِي: أنَّ النُّذُرَ بِمَعْنى الإنْذارِ؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ آنِفًا، ﴿ فَأخَذْناهُمْ ﴾ بِالعَذابِ ﴿ أخْذَ عَزِيزٍ ﴾ أيْ: غالِبٍ في انْتِقامِهِ ﴿ مُقْتَدِرٍ ﴾ قادِرٍ عَلى هَلاكِهِمْ.

ثُمَّ خَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: "أكُفّارُكُمْ" يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿ خَيْرٌ ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى "مِن أُولَئِكُمْ" وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارِ؛ والمَعْنى: لَيْسُوا بِأقْوى مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَدْ أهْلَكْناهم "أمْ لَكم بَراءَةٌ" مِنَ العَذابِ أنَّهُ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم في ﴿ الزُّبُرِ ﴾ أيْ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ المَعْنى: أيَقُولُونَ: نَحْنُ يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن خالَفَنا فَنَنْتَصِرُ مِنهُمْ؟

وإنَّما وحَّدَ المُنْتَصِرَ لِلَفْظِ الجَمِيعِ، فَإنَّهُ عَلى لَفْظِ "واحِدٍ" وإنْ كانَ اسْمًا لِلْجَماعَةِ ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ﴾ ورَوى أبُو حاتِمِ بْنِ يَعْقُوبَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُّونِ، "الجَمْعَ" بِالنَّصْبِ، "وَتُوَلُّونَ" بِالتّاءِ، ويَعْنِي بِالجَمْعِ: جَمْعَ كَفّارِ مَكَّةَ ﴿ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأدْبارَ، وكِلاهُما جائِزٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: مِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ فُلانًا لَكَثِيرُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ.

وهَذا مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّاعَةُ أدْهى ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي أفْظَعُ ﴿ وَأمَرُّ ﴾ مِنَ القَتْلِ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الدّاهِيَةِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ؛ ومَعْنى "أمَرٍّ": أشَدُّ مَرارَةً مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ راوَدُوهُ عن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴾ ﴿ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ ﴾ ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ ﴿ أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُبُرِ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ المَعْنى: ولَقَدْ أنْذَرَ لُوطٌ قَوْمَهُ أخَذْنا إيّاهم وبَطَشْنا بِهِمْ، أيْ: عَذابُنا لَهُمْ، و"تُمارَوْا" مَعْناهُ: تَشَكَّكُوا وأهْدى بَعْضُهُمُ الشَكَّ إلى بَعْضٍ بِتَعاطِيهِمُ الشُبَهَ والضَلالَ، و"النُذُرُ" جَمْعُ نَذِيرٍ وهو المَصْدَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالنُذُرِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُذُرِ  ﴾ جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو اسْمُ الفاعِلِ.

و"الضَيْفُ" يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أضْيافِهِ وقِصَصِهِمْ مُسْتَوْعِبًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ" قالَ قَتادَةُ: هي حَقِيقَةٌ، جَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ شَيْئًا مِن جَناحِهِ عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَوَتْ مَعَ وُجُوهِهِمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطْمُوسَةٌ بِجِلْدٍ كالوَجْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَمْسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بُكْرَةً" قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الدالَّ في الصادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ"، والجُمْهُورُ عَلى غَيْرِ الإظْهارِ، و"بُكْرَةً" نَكِرَةٌ هاهُنا فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا عَذابِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، و"نُذُرِ" جَمْعُ المَصْدَرِ، أيْ: وعاقِبَةُ نُذُرِي الَّتِي كَذَّبْتُمْ بِها، وقالَ تَعالى: "مُسْتَقِرٍّ" في صِفَةِ العَذابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ عنهم كاشِفٌ بَلِ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ، وهم مُدَّةُ مَوْتِهِمْ تَحْتَ الأرْضِ مُعَذَّبُونَ بِانْتِظارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَتَّصِلُ ذَلِكَ بِعَذابِ النارِ فَهو أمْرٌ مُتَّصِلٌ مُسْتَقِرٌّ، وكَرَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ) تَأْكِيدًا وتَوْبِيخًا، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "وَنُذُرِي" بِياءٍ.

و"آلَ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ يُرِيدُ المُسْلِمِينَ في مُواراةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "آلِ فِرْعَوْنَ" قَرابَتُهُ عَلى عُرْفِ الآلِ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم عُمْدَةُ القَوْمِ وكُبَراؤُهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَذَّبُوا بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آلَ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِينَ أخَذْناهم كَذَلِكَ، يُرِيدُهم بِالضَمِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ الإغْراقَ الَّذِي كانَ في البَحْرِ كانَ بِالعِزَّةِ والقُدْرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُرِيدُ بِها التِسْعَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: "كُلَّها"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُذُرُ ﴾ كَلامًا تامًّا ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ﴾ يَعُودُ الضَمِيرُ في "كَذَّبُوا" عَلى جَمِيعِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ، ويَجِيءُ جَمِيعُ الآياتِ مُسْتَقِيمًا، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَأخَذْناهُمْ" كَذَلِكَ يَعُودُ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ ﴾ الآيَةُ...

خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وقَّفَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، أثَمَّ خَصْلَةٌ مِن مالٍ أو قُوَّةُ أبْدانٍ وبَسْطَةٌ أو عَقْلٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّكم خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ لَمّا كَذَّبُوا، فَيُرْجى لَكم -بِذَلِكَ الفَضْلِ- النَجاةُ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ؟

أمْ لَكم في كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ بَراءَةٌ مِنَ العَذابِ؟

قالَهُ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ  : أمْ يَقُولُونَ جَمِيعٌ واثِقُونَ بِأنّا مُنْتَصِرُونَ بِقُوَّتِنا عَلى جِهَةِ الإعْجابِ والتَعاطِي، سَيُهْزَمُونَ فَلا يَنْفَعُ جَمْعُهُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أمْ تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا كالتذييل لقوله: ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ [القمر: 52] فكل صغير وكبير أعمّ من كل شيء فعلوه، والمعنى: وكل شيء حقير أو عظيم مستطر، أي مكتوب مسطور، أي في علم الله تعالى أي كل ذلك يعلمه الله ويحاسب عليه، فمستطر: اسم مفعول من سطر إذا كتب سطوراً قال تعالى: ﴿ وكتاب مسطور ﴾ [الطور: 2].

وهذا كقوله تعالى: ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ [الأنعام: 59] وقوله: ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ﴾ [سبأ: 3].

فالصغير: مستعار للشيء الذي لا شأن له ولا يَهتم به الناس ولا يؤاخذ عليه فاعله، أو لا يؤاخذ عليه مؤاخذة عظيمة.

والكبير: مستعار لضده ويدخل في ذلك ما له شأن من الصلاح ومَا له شأن من الفساد وما هو دون ذلك، وذلك أفضل الأعمال الصالحة وما دونه من الأعمال الصالحة، وكذلك كبائر الإِثم والفواحش وما دونها من اللمم والصغائر.

والمستطر: كناية عن علم الله به وذلك كناية عن الجزاء عليه مكان ذلك جامعاً للتبشير والإِنذار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ ﴾ يَعْنِي في الكُتُبِ السّالِفَةِ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّكم لَيْسَ تُهْلَكُونَ كَما أُهْلِكُوا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وتَرى مِنها رُسُومًا قَدْ عَفَتْ مِثْلَ خَطِّ اللّامِ في وحْيِ الزُّبُرِ ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ والعُدَّةِ، وقَدْ كانَ مَن هَلَكَ قَبْلَهم أكْثَرُ عَدَدًا وأقْوى يَدًا، ويَحْتَمِلُ انْتِصارُهم وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: [لِأنْفُسِهِمْ بِالظُّهُورِ] .

الثّانِي: لِآلِهَتِهِمْ بِالعِبادَةِ.

فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ أوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِها فَحَقَّقَها، وفي ذَلِكَ يَقُولُ حَسّانٌ ولَقَدْ ولَّيْتُمُ الدُّبُرَ لَنا ∗∗∗ حِينَ سالَ المَوْتُ مِن رَأْسِ الجَبَلِ ﴿ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ﴾ يَعْنِي القِيامَةَ.

﴿ والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَوْقِفَ السّاعَةِ أدْهى وأمَرُّ مِن مَوْقِفِ الدُّنْيا في الحَرْبِ الَّتِي تُولُّونَ فِيها الدُّبُرَ.

الثّانِي: أنَّ عَذابَ السّاعَةِ أدْهى وأمَرُّ مِن عَذابِ السَّيْفِ في الدُّنْيا.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ أدْهى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أخْبَثُ.

الثّانِي: أعْظَمُ.

﴿ وَأمَرُّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أشَدُّ لِأنَّ المَرارَةَ أشَدُّ الطُّعُومِ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنْفَذُ، مَأْخُوذٌ مِن نُفُوذِ المَرارَةِ فِيما خالَطَتْهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد ومسلم وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ .

وأخرج البزار وابن المنذر بسند جيد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ما أنزلت هذه الآية ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ إلا في أهل القدر.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وابن شاهين وابن منده والباوردي في الصحابة والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر عن زرارة رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية ﴿ ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ قال: في أناس من أمتي في آخر الزمان يكذبون بقدر الله» .

وأخرج ابن عدي وابن مردويه والديلمي وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذه الآية نزلت في القدرية ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ » .

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر عن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، وكانت أمه لبابة بنت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالت: كنت أزور جدي ابن عباس رضي الله عنهما في كل يوم جمعة قبل أن يكف بصره، فسمعته يقرأ في المصحف فلما أتى على هذه الآية ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ﴾ قال: يا بنية ما أعرف أصحاب هذه الآية ما كانوا بعد وليكونن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له: قد تكلم في القدر، فقال: أو فعلوها؟

والله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم إن أريتني واحداً منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين.

وأخرج الطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في القدرية ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ قال: خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر بقدر.

وأخرج مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس» .

وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن عباس قال: كل شيء بقضاء وقدر حتى وضعك يدك على خدك.

وأخرج أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» .

وأخرج ابن شاهين في السنة عن محمد بن كعب القرظي قال: طلبت هذا القدر فيما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم فوجدته في ﴿ اقتربت الساعة ﴾ ، ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ ، ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ .

وأخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن محمد بن كعب القرظي قال: إنما نزلت هذه ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ تعيير الأهل القدر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ قال: في الكتاب.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ قال: مسطور في الكتاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ قال: محفوظ مكتوب.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ قال: مكتوب.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﴿ مستطر ﴾ مكتوب في سطر.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ قال: أشياعهم من أهل الكفر من الأمم السالفة ﴿ فهل من مدكر ﴾ يقول: هل من أحد يتذكر؟.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ما طنَّ ذباب إلا بقدر، ثم قرأ ﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال: المكذبون بالقدر مجرمو هذه الأمة، وفيهم أنزلت هذه الآية ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ إلى قوله: ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ قال: يقول خلق كل شيء فقدره، فقدر الدرع للمرأة، والقميص للرجل، والقتب للبعير، والسرج للفرس، ونحو هذا.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: جاء العاقب والسيد وكانا رأسي النصارى بنجران فتكلما بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بكلام شديد في القدر، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت ما يجيبهما بشيء حتى انصرفا، فأنزل الله: ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ الذين كفروا وكذبوا بالله قبلكم ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ في الكتاب الأول إلى قوله: ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ الذين كفروا وكذبوا بالقدر قبلكم ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ في أم الكتاب ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ يعني مكتوب إلى آخر السورة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن محمد بن كعب قال: كنت أقرأ هذه الآية فما أدري من عني بها حتى سقطت عليها ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ إلى قوله: ﴿ كلمح بالبصر ﴾ فإذا هم المكذبون بالقدر.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أهل التكذيب إلى آخر الآية، قال مجاهد: قلت لابن عباس: ما تقول فيمن يكذب بالقدر؟

قال: اجمع بيني وبينه، قلت: ما تصنع به؟

قال: أخنقه حتى أقتله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإِسلام نصيب المرجئة والقدرية، أنزلت فيهم آية من كتاب الله ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إني لأجد في كتاب الله قوماً يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم ﴿ ذوقوا مسَّ سقر ﴾ لأنهم كانوا يكذبون بالقدر وإني لا أراهم فلا أدري أشيء كان قبلنا أم شيء فيما بقي.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: ما نزلت هذه الآية إلا تعييراً لأهل القدر ﴿ ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ .

وأخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة مجوساً وإن مجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، فمن مرض فلا تعودوه وإن مات فلا تشهدوه، وهم من شيعة الدجال حق على الله أن يلحقهم به» .

وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت بأذني هاتين رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم قيل: اكتب لا بد قال: وما لا بد قال: القدر، قال: وما القدر؟

قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك إن مت على غير ذلك دخلت النار» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي أين خصماء الله؟

فيقومون مسودة وجوههم مزرقة عيونهم مائلاً شفاههم يسيل لعابهم، يقذرهم من رآهم، فيقولون: والله يا ربنا ما عبدنا من دونك شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً» قال ابن عباس رضي الله عنهما: لقد أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون، ثم تلا ابن عباس ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ﴾ [ المجادلة: 18] ، هم والله القدريون ثلاث مرات.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: ذكر لابن عباس أن قوماً يقولون في القدر فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم يكذبون بكتاب الله فلآخذن بشعر أحدهم فَلأَنصينَّهُ، ان الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، وأول شيء خلق القلم، وأمره أن يكتب ما هو كائن، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي يحيى الأعرج قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما وذكر القدرية، فقال: لو أدركت بعضهم لفعلت به كذا وكذا ثم قال: الزنا بقدر، والسرقة بقدر، وشرب الخمر بقدر.

وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟

أفي شيء نستأنفه أم في شيء قد فرغ منه؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسر سنيسره لليسرى وسنيسره للعسرى» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ﴾ من الخلق والأعمال (مستطر) مكتوب بمعنى مسطور، قال أبو إسحق: مكتوب على فاعليه قبل أن يفعلوه ومكتوب لهم وعليهم إذا فعلوه للجزاء (١) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 92.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ المراد بالمجرمين هنا الكفار وضلالهم في الدنيا، والسعر لهم في الآخرة وهو الاحتراق، وقيل: أراد بالمجرمين القدرية لقوله في الرد عليهم: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ والأول أظهر ﴿ يُسْحَبُونَ فِي النار ﴾ أي يجرون فيها ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ المعنى أن الله خلق كل شيء بقدر، أي بقضاء معلوم سابق في الأزل، ويحتمل أن يكون معنى ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بمقدار في هيئته وصفته وغير ذلك، والأول أرجح وفيه حجة لأهل السنة على القدرية.

وانتصب كل شيء بفعل مضمر يفسره خلقناه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ ﴾ ، أي: بالرسل - عليهم السلام - أو بما تقع به النذارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ على تأويل من يقول بأن تلك القرياتت قلبت بمن فيها ظهرا لبطن على ما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا  ﴾ - أرسل الحاصب على من غاب عنها في البلدان فأهلكهم بها، يخرج على الإضمار، كأنه قا ل: قلبناها بمن فيها، وأرسلنا على من غاب عنها حاصبا إلا آل لوط؛ حتى يستقيم الثنيا الذي استثنى، ويكون كقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد، والله أعلم.

[و]على تأويل من يقول بأنها قلبت، ثم أرسل عليها الحاصب، فالثنيا مستقيم؛ فيكون هلاكهم بأمرين، واستثنى آل لوط بالنجاة منهما جميعا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ﴾ ، أي: منعنا عنهم العذاب عند السحر؛ فيكون فيه دلالة: أنه يكون بمنع العذاب عنهم منجيا لهم، وإلا لم يكن بنجاتهم عند السحر [منعماً].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يكون هلاك أولئك على لوط وآله نعمة من الله  عليهم؛ فيكون عليه شكره؛ فهو جزاء شكرهم، وهو كقوله  : ﴿ جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ  ﴾ يحتمل أن يكون هلاك أولئك وإغراقهم جزاء ما كفر بنوح، وذلك نعمة منه على نوح، -  -.

والثاني: أن تكون نجاة نوح ومن كان معه نعمة منه عليهم؛ إذ له أن يهلك الكل من كفر ومن لم يكفر؛ ألا ترى أن يهلك الدواب والصغار، وإن لم يكن لهم مآثم، فإذا كان كذلك كان إبقاء من أبقى منهم فضلا منه ونعمة عليهم، وإلا لا كل كفر استوجب النجاة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ ﴾ يخرج على الوجهين اللذين ذكراناهما.

أحدهما: تماورا بالواقع من النذارة.

والثاني: ﴿ بِٱلنُّذُرِ ﴾ ، أي: الرسل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ ﴾ أي: طلبوا منه التخلية بينهم وبين ضيفه.

وقوله: ﴿ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ ﴾ ، ذكر أن جبريل -  - مسح جناحيه على أعينهم فعموا، ثم قيل لهم: ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ أي: نزل بهم صباحا بالبكرة ﴿ عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ العذاب المستقر: هو العذاب الذي نزل بهم، ودام عليهم، وأهلكهم، وأما طمس الأعين، فقد انقضى.

وقوله: ﴿ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ النذر - هاهنا -: ما وقعت به النذارة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكل صغير من الأعمال والأقوال، وكل كبير منها؛ مكتوب في صحائف الأعمال وفي اللوح المحفوظ، وسيجازون عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.WxV0w"

مزيد من التفاسير لسورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله