الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٧ من سورة القمر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 41 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧ من سورة القمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( خشعا أبصارهم ) أي : ذليلة أبصارهم ( يخرجون من الأجداث ) وهي : القبور ، ( كأنهم جراد منتشر ) أي : كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي ( جراد منتشر ) في الآفاق ; ولهذا قال :
القول في تأويل قوله تعالى : خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) ( خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ ) يقول: ذليلة أبصارهم خاشعة, لا ضرر بها( يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ ) وهي جمع جدث, وهي القبور, وإنما وصف جلّ ثناؤه بالخشوع الأبصار دون سائر أجسامهم, والمراد به جميع أجسامهم, لأن أثر ذلة كل ذليل, وعزّة كل عزيز, تتبين في ناظريه دون سائر جسده, فلذلك خصّ الأبصار بوصفها بالخشوع.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ ): أي ذليلة أبصارهم.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض المكيين الكوفيين ( خُشَّعًا ) بضم الخاء وتشديد الشين, بمعنى خاشع; وقرأه عامة قرّاء الكوفة وبعض البصريين ( خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ ) بالألف على التوحيد اعتبارا بقراءة عبد الله, وذلك أن ذلك في قراءة عبد الله ( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ), وألحقوه وهو بلفظ الاسم في التوحيد, إذ كان صفة بحكم فَعَلَ ويَفْعَل في التوحيد إذا تقدّم الأسماء, كما قال الشاعر: وشَـــبابٍ حَسَـــنٍ أوْجُـــهُهمْ مِــنْ إيــادِ بـنِ نـزارِ بْـنِ مَعَـد (1) فوحد حَسَنا وهو صفة للأوجه, وهي جمع; وكما قال الآخر: يَـرْمي الفِجـاجَ بِهـا الرُّكبانَ مُعْترِضًا أعْنـاقَ بُزَّلِهـا مُرْخَـى لَهـا الجُـدُلُ (2) فوحد معترضا, وهي من صفة الأعناق, والجمع والتأنيث فيه جائزان على ما بيَّنا.
وقوله ( كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ) يقول تعالى ذكره: يخرجون من قبورهم كأنهم في انتشارهم وسعيهم إلى موقف الحساب جراد منتَشر.
---------------------- الهوامش : (1) البيت للحارس بن دوس الإيادي ، ويروى لأبي داود الإيادي ، ( هامش القرطبي 17 : 129 ) والبيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 317 ) قال : إذا تقدم الفعل قبل اسم مؤنث ، وهو له ، أو قبل جمع مؤنث مثل الأنصار والأعمار وما أشبهها جاز تأنيث الفعل وتذكيره وجمعه ، وقد أتى بذلك في هذا الحرف ، فقرأه ابن عباس : " خاشعا أبصارهم " حدثني بذلك هشيم وأبو معاوية ، عن وائل بن داود ، عن مسلم بن يسار ، عن ابن عباس ، أنه قراه " خاشعا " .
قال : وحدثني هشيم ، عن عوف الأعرابي ، عن الحسن وأبي رجاء العطاردي : أن أحدهما قال : " خاشعا " والآخر : " خشعا " قال الفراء : وهي في قراءة عبد الله ( ابن مسعود ) : " خاشعة أبصارهم " .
وقرأ الناس بعد : " خشعا أبصارهم " ، وقد قال الشاعر : " وشباب حسن ...
" البيت .
(2) وهذا الشاهد كذلك من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 317 ) على أنه إذا تقدم الفعل وشبهه قبل اسم مؤنث ( جمع تكسير ) مثل الأنصار والأعمار وما أشبهها جاز تأنيث الفعل وتذكيره وجمعه .
وقال الفراء تعليقًا على هذا البيت : الجدل : جمع الجديل : وهو الزمام .
فلو قال معترضات أو معترضة ، لكان صوابا ، ومرخاة ومرخيات أ .
هـ .
خشعا أبصارهم الخشوع في البصر الخضوع والذلة ، وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن أثر العز والذل يتبين في ناظر الإنسان ; قال الله تعالى : أبصارها خاشعة وقال تعالى : خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي .
ويقال : خشع واختشع إذا ذل .
وخشع ببصره أي غضه .
وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو " خاشعا " بالألف ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد ، نحو : " خاشعا أبصارهم " والتأنيث نحو : خاشعة أبصارهم ويجوز الجمع نحو : خشعا أبصارهم ، قال الحارث بن دوس الإيادي :وشباب حسن أوجههم من إياد بن نزار بن معد[ ص: 120 ] و " خشعا " جمع خاشع والنصب فيه على الحال من الهاء والميم في " عنهم " فيقبح الوقف على هذا التقدير على " عنهم " .
ويجوز أن يكون حالا من المضمر في " يخرجون " فيوقف على عنهم .
وقرئ " خشع أبصارهم " على الابتداء والخبر ، ومحل الجملة النصب على الحال ، كقوله :وجدته حاضراه الجود والكرميخرجون من الأجداث أي : القبور واحدها جدث .كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداعي وقال في موضع آخر : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث فهما صفتان في وقتين مختلفين ; أحدهما : عند الخروج من القبور ، يخرجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون ، فيدخل بعضهم في بعض ; فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض لا جهة له يقصدها ، الثاني : فإذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر ; لأن الجراد له جهة يقصدها .
{ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ } أي: من الهول والفزع الذي وصل إلى قلوبهم، فخضعت وذلت، وخشعت لذلك أبصارهم.{ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ } وهي القبور، { كَأَنَّهُمْ } من كثرتهم، وروجان بعضهم ببعض { جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ } أي: مبثوث في الأرض، متكاثر جدا،
( خشعا أبصارهم ) قرأ أبو عمرو ، ويعقوب ، وحمزة ، والكسائي : " خاشعا " على الواحد ، وقرأ الآخرون : " خشعا " - بضم الخاء وتشديد الشين - على الجمع .
ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والجمع والتذكير والتأنيث ، تقول : مررت برجال حسن أوجههم ، وحسنة أوجههم ، وحسان أوجههم ، قال الشاعر : ورجال حسن أوجههم من إياد بن نزار بن معد وفي قراءة عبد الله : " خاشعة أبصارهم " أي : ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب .
( يخرجون من الأجداث ) من القبور ( كأنهم جراد منتشر ) منبث حيارى ، وذكر المنتشر على لفظ الجراد ، نظيرها : " كالفراش المبثوث " ، ( القارعة - 4 ) وأراد أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها ، كالجراد لا جهة لها ، تكون مختلطة بعضها في بعض .
«خاشعا» أي ذليلا، وفي قراءة خُشَّعا بضم الخاء وفتح الشين مشددة «أبصارهم» حال من الفاعل «يخرجون» أي الناس «من الأجداث» القبور «كأنهم جراد منتشر» لا يدرون أين يذهبون من الخوف والحيرة، والجملة حال من فاعل يخرجون وكذا قوله.
ذليلة أبصارهم يخرجون من القبور كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم للحساب جرادٌ منتشر في الآفاق، مسرعين إلى ما دُعُوا إليه، يقول الكافرون: هذا يوم عسر شديد الهول.
وقوله : ( خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ ) حال من الفاعل فى قوله : ( يَخْرُجُونَ .
.
.
) : أى : ذليلة أبصارهم بحيث تنظر إلى ما أمامها من أهوال نظرة البائس الذليل ، الذى لا يستطيع أن يحقق نظره فيما ينظر إليه .قال القرطبى : الخشوع فى البصر : الخضوع والذلة .
وأضاف - سبحانه - الخوضع إلى الأبصار ، لأن أثر العز والذل يتبين فى ناظر الإنسان .قال - تعالى - : ( أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ) وقال - تعالى - : ( وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذل يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ .
.
.
) ويقال : خشع واختشع إذا ذل .
وخشع ببصره إذا غضه .
.
.وقرأ حمزة والكسائى : خاشعا أبصارهم .وقوله : ( يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ) أى : يخرجون من القبور ، وعيونهم ذليلة من شدة الهول ، وأجسادهم تملأ الآفاق ، حتى لكأنهم جراد منتشر ، قد سد الجهات .
واستتر بعضه ببعض .فالمقصود بالجملة الكريمة تشبيهم بالجراد فى الكثرة والتموج ، والاكتظاظ والانتشار فى الأقطار وهم يسرعون الخطا نحو أرض المحشر .
وفيه قراءات خاشعاً وخاشعة وخشعاً، فمن قرأ خاشعاً على قول القائل: يخشع أبصارهم على ترك التأنيث لتقدم الفعل ومن قرأ خاشعة على قوله: تخشع أبصارهم ومن قرأ خشعاً فله وجوه: أحدها: على قول من يقول: يخشعن أبصارهم على طريقة من يقول: أكلوني البراغيث ثانيها: في: ﴿ خُشَّعاً ﴾ ضمير أبصارهم بدل عنه، تقديره يخشعون أبصارهم على بدل الاشتمال كقول القائل: أعجبوني حسنهم.
ثالثها: فيه فعل مضمر يفسره يخرجون تقديره يخرجون خشعاً أبصارهم على بدل الاشتمال والصحيح خاشعاً، روي أن مجاهداً رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقال له: يا نبي الله خشعاً أبصارهم أو خاشعاً أبصارهم؟
فقال عليه السلام: «خاشعاً»، ولهذه القراءة وجه آخر أظهر مما قالوه وهو أن يكون خشعاً منصوباً على أنه مفعول بقوله: ﴿ يَوْمَ يَدْعُو الداع ﴾ خشعاً أي يدعو هؤلاء، فإن قيل: هذا فاسد من وجوه: أحدها: أن التخصيص لا فائدة فيه لأن الداعي يدعو كل أحد، ثانيها: قوله: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث ﴾ بعد الدعاء فيكونون خشعاً قبل الخروج وإنه باطل، ثالثها: قراءة خاشعاً تبطل هذا، نقول أما الجواب عن الأول فهو أن يقال قوله: ﴿ إلى شَيء نُّكُرٍ ﴾ يدفع ذلك لأن كل أحد لا يدعى إلى شيء نكر وعن الثاني المراد: (من شيء نكر) الحساب العسر يعني يوم يدع الداع إلى الحساب العسر خشعاً ولا يكون العامل في: ﴿ يَوْمَ يَدْعُو ﴾ يخرجون بل اذكروا، أو: ﴿ فَمَا تُغْنِى النذر ﴾ كما قال تعالى: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين ﴾ ويكون يخرجون ابتداء كلام، وعن الثالث أنه لا منافاة بين القراءتين؛ وخاشعاً نصب على الحال أو على أنه مفعول يدعو كأنه يقول: يدعو الداعي قوماً خاشعة أبصارهم والخشوع السكون قال تعالى: ﴿ وَخَشَعَتِ الأصوات ﴾ وخشوع الأبصار سكونها على كل حال لا تنفلت يمنة ولا يسرة كما في قوله تعالى: ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴾ مثلهم بالجراد المنتشر في الكثرة والتموج، ويحتمل أن يقال: المنتشر مطاوع نشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض ويدب إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعفهم.
<div class="verse-tafsir"
انشقاق القمر من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته النيرة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر مرتين.
وكذا عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، قال ابن عباس: انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.
وعن بعض الناس: أن معناه ينشق يوم القيامة.
وقوله: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ يردّه، وكفى به رادّاً، وفي قراءة حذيفة ﴿ وقد انشق القمر ﴾ أي: اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه.
وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم.
مستمر: دائم مطرد، وكل شيء قد انقادت طريقته ودامت حاله، قيل فيه: قد استمرّ.
لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات: قالوا: هذا سحر مستمرّ.
وقيل: مستمرّ قوي محكم، من قولهم: استمر مريره.
وقيل: هو من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته، أي: مستبشع عندنا، مرّ على لهواتنا، لا نقدر أن نسيغه كما لا يساغ المر الممقر.
وقيل: مستمر مارّ، ذاهب يزول ولا يبقى، تمنية لأنفسهم وتعليلاً.
وقرئ: ﴿ وإن يروا ﴾ ﴿ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ أي كل أمر لابد أن يصير إلى غاية يستقرّ عليها، وإن أمر محمد سيصير إلى غاية يتبين عندها أنه حق، أو باطل وسيظهر لهم عاقبته.
أو وكل أمر من أمرهم وأمره مستقر، أي: سيثبت ويستقر على حالة خذلان أو نصرة في الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة.
وقرئ: بفتح القاف، يعني ﴿ كل أمر ذو مستقرّ ﴾ أي: ذو استقرار.
أو ذو موضع استقرار أو زمان استقرار.
وعن أبي جعفر؛ ﴿ مستقر ﴾ ، بكسر القاف والجرّ عطفاً على الساعة، أي: اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر يستقر ويتبين حاله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ جاءَهُمْ ﴾ في القُرْآنِ ﴿ مِنَ الأنْباءِ ﴾ أنْباءِ القُرُونِ الخالِيَةِ أوْ أنْباءِ الآخِرَةِ.
﴿ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ ازْدِجارٌ مِن تَعْذِيبٍ أوْ وعِيدٍ، وتاءُ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الذّالِ والدّالِ والزّايِ لِلتَّناسُبِ، وقُرِئَ «مُزَّجِرٌ» بِقَلْبِها زايًا وإدْغامِها.
﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴾ غايَتُها لا خَلَلَ فِيها وهي بَدَلٌ مِن ما أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ حالًا مِن ما فَإنَّها مَوْصُولَةٌ أوْ مَخْصُوصَةٌ بِالصِّفَةِ نَصْبَ الحالِ عَنْها.
﴿ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ نَفْيٌ أوِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، أيْ فَأيَّ غَناءٍ تُغْنِي النُّذُرُ وهو جَمْعُ نَذِيرٌ بِمَعْنى المُنْذِرِ، أوِ المُنْذَرِ مِنهُ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ.
<div class="verse-tafsir"
{خشعا أبصارهم} عراقي غير عاصمٍ وهو حال من الخارجين وهو فعل للأبصار وذكر كما تقول يخشع أبصارهم غيرهم خشعاً على يخشعن أبصارهم وهي لغة من يقول اكلونى البراغيب ويجوز أن يكون في خُشَّعاً ضميرهم وتقع أبصارهم بدلاً عنه وخشوع الأبصار كناية عن الزلة لان تذلك الزليل وعزة العزيز تظهر ان في عيونهما {يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث} من
القبور {كأنهم جراد منتشر} في كثرتهم وتفرقم في كل جهة والجراد مثل في الكثرة والتمرج يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض جاءوا كالجراد
﴿ خُشَّعًا أبْصارُهُمْ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يَخْرُجُونَ ﴾ أيْ يُخْرُجُونَ ﴿ مِنَ الأجْداثِ ﴾ أيِ القُبُورِ أذِلَّةً أبْصارُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ أيْ أذِلّاءَ مِن ذَلِكَ، وقُدِّمَ الحالُ لِتَصَرُّفِ العامِلِ والِاهْتِمامِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ الجُرْمِيِّ مِن عَدَمِ تَجْوِيزِ تَقَدُّمِ الحالِ عَلى الفِعْلِ وإنْ كانَ مُتَصَرِّفًا، ويَرُدُّهُ أيْضًا قَوْلُهم: شَتّى تَؤُبُ الحِلْبَةُ، وقَوْلُهُ: سَرِيعًا يَهُونُ الصَّعْبُ عِنْدَ أُولِي النُّهى إذا بِرَجاءٍ صادِقٍ قابَلُوا البَأْسا وجُعِلَ حالًا مِن ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خاشِعَةً أبْصارُهُمْ ﴾ وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ في ﴿ يَدْعُ الدّاعِ ﴾ أيْ يَدْعُوهُمُ الدّاعِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُطابِقُ المُنَزَّلَ وأيْضًا يَصِيرُ حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّ الدُّعاءَ لَيْسَ حالَ خُشُوعِ البَصَرِ ولَيْسَتْ في الكَثْرَةِ كَغَيْرِها وكَذَلِكَ جَعَلَهُ مَفْعُولَ - يَدْعُو - عَلى مَعْنى يَدْعُو فَرِيقًا خاشِعًا أبْصارُهم أيْ سَيَخْشَعُ وإنْ كانَ هَذا أقْرَبَ مِمّا قَبْلُ: وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى، وأبْصارُهم فاعِلُ خُشَّعًا وطابَقَهُ الوَصْفُ في الجَمْعِ لِأنَّهُ إذا كُسِّرَ لَمْ يُشَبِّهِ الفِعْلَ لَفْظًا فَتَحْسُنُ فِيهِ المُطابَقَةُ وهَذا بِخِلافِ ما إذا جُمِعَ جَمْعَ مُذَكَّرٍ سالِمٍ فَإنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ زِنَتُهُ وشَبَهُهُ لِلْفِعْلِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُجْمَعُ إذا رَفَعَ الظّاهِرَ المَجْمُوعَ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ دُونَ لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، لَكِنَّ الجَمْعَ حِينَئِذٍ في الِاسْمِ أخَفُّ مِنهُ في الفِعْلِ كَما قالَ الرَّضِيُّ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ، وفي التَّسْهِيلِ إذا رَفَعَتِ الصِّفَةُ اسْمًا ظاهِرًا مَجْمُوعًا فَإنْ أمْكَنَ تَكْسِيرُها - كَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ قِيامٍ غِلْمانُهُ - فَهو أوْلى مِن إفْرادِها - كَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ غِلْمانُهُ - وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ ومَن تَبِعَهُ والسَّماعُ شاهِدٌ لَهُ كَقَوْلِهِ: وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مُطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلَكْ أسًى وتَجَمَّلِ وقَوْلِهِ: بِمُطَّرِدٍ لَدْنٍ صِحاحٍ كُعُوبُـهُ ∗∗∗ وذِي رَوْنَقٍ عَضْبٍ يَقُدُّ القَوانِسا وقالَ الجُمْهُورُ: الإفْرادُ أوْلى والقِياسُ مَعَهم، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ورِجالٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم ∗∗∗ مِن إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعْدِ وقِيلَ: إنْ تَبِعَ مُفْرَدًا فالإفْرادُ أوْلى - كَرَجُلٍ قائِمٍ غِلْمانُهُ - وإنْ تَبِعَ جَمْعًا فالجَمْعُ أوْلى - كَرِجالٍ قِيامٍ غِلْمانُهم - وأمّا التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ السّالِمُ فَعَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في ﴿ خُشَّعًا ﴾ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ، ( وأبْصارُهم ) بَدَلًا مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍ و وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ - خاشِعًا - بِالإفْرادِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ «خاشِعَةً» وقُرِئَ «خُشَّعٌ» عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ( وأبْصارُهم ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ حالٌ أيْضًا وتَشْبِيهُهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ في الكَثْرَةِ والتَّمَوُّجِ والِانْتِشارِ في الأقْطارِ، وجاءَ تَشْبِيهُهم بِالفَراشِ المَبْثُوثِ ولَهم يَوْمُ الخُرُوجِ سَهْمٌ مِنَ الشَّبَهِ لِكُلٍّ، وقِيلَ: يَكُونُونَ أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ فَزِعِينَ لا يَهْتَدُونَ أيْنَ يَتَوَجَّهُونَ لِأنَّ الفَراشَ لا جِهَةَ لَها تَقْصِدُها، ثُمَّ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ إذا تَوَجَّهُوا إلى المَحْشَرِ فَهُما تَشْبِيهانِ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
<div class="verse-tafsir"
وهي خمسون وخمس آيات مكية قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ يعني: دنا قيام الساعة، لأن خروج النبيّ كان من علامات الساعة وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله علامة لنبوته، فانشق القمر نصفين.
وروي عن عبد الله بن مسعود- - أنه قال: كنا مع رسول الله : فانشق القمر نصفين، فرأيت حراء بين فلقتي القمر، أي: شقتي القمر.
وعن جبير بن مطعم قال: انشق القمر ونحن مع رسول الله بمكة.
وروى قتادة، عن أنس قال: سأل أهل مكة رسول الله آية فانشق القمر بمكة.
وقال بعضهم: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ يعني: تقوم الساعة، وينشق القمر يوم القيامة.
وأكثر المفسرين قالوا: إن هذا قد مضى.
وقال عبد الله بن مسعود: ما وعد الله ورسوله من أشراط الساعة كلها قد مضى، إلا أربعة طلوع الشمس من مغربها، ودابة الأرض، وخروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج.
ثم قال: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا يعني: إذا رأوا آية من آيات الله مثل انشقاق القمر، يعرضوا عنها، ولا يتفكروا فيها.
وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يعني: مصنوعاً.
سيذهب.
ويقال: معناه ذاهباً يذهب، ثم التئام القمر.
ويقال القتبي: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يعني: شديد القوى، وهو من المرة، وهو القتل.
وقال الزجاج: في مستمر قولان: قول ذاهب، وقول دائم.
وقال الضحاك: لما رأى أهل مكة انشقاق القمر.
وقال أبو جهل: هذا سحر مستمر فابعثوا إلى أهل الآفاق، حتى ينظروا إذا رأوا القمر منشقاً أم لا.
فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقاً، قالوا: هذا سحر مستمر يعني: استمر سحره في الآفاق.
قوله عز وجل: وَكَذَّبُوا يعني: كذبوا بالآية، وبقيام الساعة.
وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ في عبادة الأصنام وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ يعني: كل قول من الله له حقيقة منه في الدنيا سيظهر، وما كان منه في الآخرة سيعرف.
يعني: ما وعد لهم من العقوبة.
ويقال: معناه مستقر لأهل النار عملهم، ولأهل الجنة عملهم.
يعني: يعطي لكل فريق جزاء أعمالهم.
ثم قال: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ يعني: جَاء لأهل مكة من الأخبار عن الأمم الخالية مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ يعني: ما فيه موعظة لهم، وزجر عن الشرك، والمعاصي.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ القَمَرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَةٍ ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ﴾ ، وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ، أوَّلُها: ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأمَرُّ 艹 ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ : "إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟" قالُوا: نَعَمْ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ رَبَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ ما قالُوا، فانْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، ورَسُولُ اللَّهِ يُنادِي: "يا فُلانُ يا فُلانُ اشْهَدُوا"، وذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.» وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ شَقَّتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "اشْهَدُوا" .» وقَدْ رَوى حَدِيثَ الِانْشِقاقِ جَماعَةٌ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةُ، وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعَمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلى هَذا جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ قَوْمًا شَذُّوا فَقالُوا: سَيَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَدْ رَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ الشّاذُّ لا يُقاوِمُ الإجْماعَ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وانْشَقَّ ﴾ لَفْظٌ ماضٍ، وحَمْلُ لَفْظِ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ يَفْتَقِرُ إلى قَرِينَةٍ تَنْقُلُهُ ودَلِيلٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ.
ومَعْنى ﴿ اقْتَرَبَتِ ﴾ : دَنَتْ؛ ﴿ والسّاعَةُ ﴾ القِيامَةُ.
وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: انْشَقَّ القَمَرُ فَصارَ فِرْقَتَيْنِ، فَثَبَتَتْ فِرْقَةٌ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ وراءَ الجَبَلِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ كانَ يُرى نِصْفُهُ عَلى قُعَيْقِعانَ، والنِّصْفُ الآخَرُ عَلى أبِي قُبَيْسٍ- قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا انْشَقَّ القَمَرُ قالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ، فاسْألُوا السُّفّارَ، فَسَألُوهُمْ، فَقالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأيْناهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ "اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ" .
﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً ﴾ أيْ: آيَةً تَدُلُّهم عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، والمُرادُ بِها ها هُنا: انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿ يُعْرِضُوا ﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ ﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ذاهِبٌ، مِن قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: هَذا سِحْرٌ، والسِّحْرُ يَذْهَبُ ولا يَثْبُتُ.
والثّانِي: شَدِيدٌ قَوِيٌّ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المِرَّةِ، والمِرَّةُ: الفَتْلُ.
والثّالِثُ: دائِمٌ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَّبُوا ﴾ يَعْنِي كَذَّبُوا النَّبِيَّ وما عايَنُوا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ بِأهْلِهِ، فالخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأهْلِ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: لِكُلِّ حَدِيثٍ مُنْتَهًى وحَقِيقَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ قَرارَ تَكْذِيبِهِمْ مُسْتَقِرٌّ، وقَرارُ تَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ مُسْتَقِرٌّ حَتّى يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ مِنَ الأنْباءِ ﴾ أيْ: مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ في القُرْآنِ ﴿ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُتَّعَظٌ ومُنْتَهًى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَرْفُوعَةٌ لِأنَّها بَدَلٌ مِن "ما" فالمَعْنى: ولَقَدْ جاءَهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [وَإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها بِإضْمارِ هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ] .
و"ما" في قَوْلِهِ ﴿ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَّوْبِيخِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ؟!
وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَفْيًا، عَلى مَعْنى، فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: جاءَهُمُ القُرْآنُ وهو حِكْمَةٌ تامَّةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغايَةَ، فَما تُغْنِي النُّذُرُ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا؟!
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وكذبوا واتبعوا أهواءهم ﴾ [القمر: 3] أي جاءهم في القرآن من أنباء الأمم ما فيه مزدجر لهؤلاء، أو أريد بالأنباء الحجج الواردة في القرآن، أي جاءهم ما هو أشد في الحجة من انشقاق القمر.
و ﴿ من الأنباء ﴾ بيان ما فيه مزدجر قدم على المبين و ﴿ من ﴾ بيانية.
والمُزدجر: مصدر ميمي، وهو مصاغ بصيغة اسم المفعول الذي فعله زائد على ثلاثة أحرف.
ازدجره بمعنى زجره، ومادة الافتعال فيه للمبالغة.
والدال بدل من تاء الافتعال التي تبدل بعد الزاي إلاّ مثل ازْداد، أي ما فيه مانع لهم من ارتكاب ما ارتكبوه.
والمعنى: ما هو زاجر لهم فجعل الازدجار مظروفاً فيه مجازاً للمبالغة في ملازمته له على طريقة التجريد كقوله تعالى: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ [الأحزاب: 21] أي هو أسوة.
و ﴿ حكمة بالغة ﴾ بدل من ﴿ مَا ﴾ ، أي جاءهم حكمةٌ بالغة.
والحكمة: إتقان الفهم وإصابة العقل.
والمراد هنا الكلام الذي تضمن الحكمة ويفيد سامعه حكمة، فوصْفُ الكلام بالحكمة مجاز عقلي كثير الاستعمال، وتقدم في سورة البقرة (269)، ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ والبالغة: الواصلة، أي واصلة إلى المقصود مفيدة لصاحبها.
وفرع عليه قوله: ﴿ فما تغن النذر ﴾ ، أي جاءهم ما فيه مزدجر فلم يُغن ذلك، أي لم يحصل فيه الإقلاع عن ضلالهم.
و ﴿ ما ﴾ تحتمل النفي، أي لا تغني عنهم النذر بعد ذلك.
وهذا تمهيد لقوله: ﴿ فتول عنهم ﴾ [القمر: 6]، فالمضارع للحال والاستقبال، أي ما هي مغنية، ويفيد بالفحوى أن تلك الأنباء لم تغن عنهم فيما مضى بطريق الأحرى، لأنه إذا كان ما جاءهم من الأنباء لا يغني عنهم من الانزجار شيئاً في الحال والاستقبال فهو لم يغن عنهم فيما مضى إذ لو أغنى عنهم لارتفع اللوم عليهم.
ويحتمل أن تكون ﴿ مَا ﴾ استفهامية للإِنكار، أي ماذا تفيد النذر في أمثالهم المكابرين المصرين، أي لا غناء لهم في تلك الأنباء، ف ﴿ ما ﴾ على هذا في محل نصب على المفعول المطلق ل ﴿ تغن ﴾ ، وحذف ما أضيفت إليه ﴿ ما ﴾ .
والتقدير: فأي غناء تغني النذر وهو المخبر بما يسوء، فإن الأنباء تتضمن إرسال الرسل من الله منذرين لقومهم فما أغنوهم ولم ينتفعوا بهم ولأن الأنباء فيها الموعظة والتحذير من مثل صنيعهم فيكون المراد ب ﴿ النذر ﴾ آيات القرآن، جعلت كل آية كالنذير: وجمعت على نُذُر، ويجوز أن يكون جمع نذير بمعنى الإِنذار اسم مصدر، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ هذا نذير من النذر الأولى ﴾ في آخر سورة النجم (56).
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ القَمَرِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ مُقاتِلٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ﴾ أيْ دَنَتْ وقَرُبَتْ، قالَ الشّاعِرُ قَدِ اقْتَرَبَتْ لَوْ كانَ في قُرْبِ دارِها جِداءُ ولَكِنْ قَدْ تَضُرُّ وتَنْفَعُ والمُرادُ بِالسّاعَةِ القِيامَةُ، وفي تَسْمِيَتِها بِالسّاعَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِسُرْعَةِ الأمْرِ فِيها.
الثّانِي: لِمَجِيئِها في ساعَةٍ مِن يَوْمِها.
وَرَوى طارِقُ بْنُ شِهابٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ولا يَزْدادُ النّاسُ عَلى الدُّنْيا إلّا حِرْصًا ولا تَزْدادُ مِنهم إلّا بُعْدًا» .
﴿ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ وضَحَ الأمْرُ وظَهَرَ والعَرَبُ تَضْرِبُ مَثَلًا فِيما وضَحَ أمْرُهُ، قالَ الشّاعِرُ أقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكم ∗∗∗ فَإنِّي إلى قَوْمٍ سِواكم لَأمْيَلُ ∗∗∗ فَقَدْ حَمَّتِ الحاجاتُ واللَّيْلُ مُقْمِرُ ∗∗∗ وشُدِّتْ لِطَيّاتٍ مَطايا وأرْحَلُ والثّانِي: أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ هو انْشِقاقُ الظُّلْمَةِ عَنْهُ بِطُلُوعِهِ في أثْنائِها كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا لِانْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ انْفِلاقِهِ بِانْشِقاقِهِ، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ فَلَمّا أدْبَرُوا ولَهم دَوِيٌّ ∗∗∗ دَعانا عِنْدَ شَقِّ الصُّبْحِ داعِي الثّالِثُ: أنَّهُ انْشِقاقُ القَمَرِ عَلى حَقِيقَةِ انْشِقاقِهِ.
وَفِيهِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَنْشَقُّ بَعْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ وهي النَّفْخَةُ الثّانِيةُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ: لِأنَّهُ لَوِ انْشَقَّ ما بَقِيَ أحَدٌ إلّا رَآهُ لِأنَّها آيَةٌ والنّاسُ في الآياتِ سَواءٌ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ وظاهِرُ التَّنْزِيلِ أنَّ القَمَرَ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ أنْ سَألَهُ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ حِينَ أسْلَمَ غَضَبًا لِسَبِّ أبِي جَهْلٍ لِرَسُولِ اللَّهِ، أنْ يُرِيَهُ آيَةً يَزْدادُ بِها يَقِينًا في إيمانِهِ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ قالَ: «رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًّا شِقَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ إلى المَدِينَةِ، شِقَّةٌ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وشِقَّةٌ عَلى السُّوَيْدا فَقالُوا: سَحَرَ القَمَرَ، فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ » ﴿ وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أيَّ آَيَةٍ رَوَأْها أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَعْتَبِرُوا بِها، وكَذَلِكَ ذَكَرَها بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ دُونَ التَّعْرِيفِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ انْشِقاقَ القَمَرِ حِينَ رَأوْهُ.
﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى مُسْتَمِرٌّ ذاهِبٌ، قالَهُ أنَسٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: شَدِيدٌ، مَأْخُوذٌ مِن إمْرارِ الحَبْلِ، وهو شِدَّةُ فَتْلِهِ، قالَهُ الأخْفَشُ والفَرّاءُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
الرّابِعُ: أنَّ المُسْتَمِرَّ الدّائِمَ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ ألا إنَّما الدُّنْيا لَيالٍ وأعْصُرَ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ قَوِيمٍ بِمُسْتَمِرٍّ أيْ بِدائِمٍ.
الخامِسُ: أيْ قَدِ اسْتَمَرَّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَوْمَ القِيامَةِ.
الثّانِي: كُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ في أنَّ الخَيْرَ لِأهْلِ الخَيْرِ، والشَّرِّ لِأهْلِ الشَّرًّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ حَقُّهُ مِن باطِلِهِ.
الرّابِعُ: أنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ غايَةً ونِهايَةً في وُقُوعِهِ وحُلُولِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا، أنْ يُرِيدَ بِهِ دَوامَ ثَوابِ المُؤْمِنِ وعِقابِ الكافِرِ.
﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أحادِيثُ الأُمَمِ الخالِيَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: القُرْآنُ.
﴿ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ أيْ مانِعٌ مِنَ المَعاصِي.
وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّهْيُ.
الثّانِي: أنَّهُ الوَعِيدُ.
﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ: هي الرِّسالَةُ والكِتاِبُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ والوَعِيدُ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿ بالِغَةٌ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بالِغَةٌ في زَجْرِكم.
الثّانِي: بالِغَةٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْكم، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المُبالَغَةِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الإبْلاغِ.
﴿ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ أيْ فَما يَمْنَعُهُمُ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّكْذِيبِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة القمر بمكة.
وأخرج ابن الضريس وابن مردوية والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة ﴿ اقتربت الساعة ﴾ .
وأخرج ابن مردوية عن ابن الزبير مثله.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قارئ اقتربت تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها يوم تبيضّ الوجوه قال البيهقي: منكر.
وأخرج الديلمي عن عائشة مرفوعاً من قرأ ب ﴿ الم تنزيل ﴾ و ﴿ يس ﴾ و ﴿ اقتربت الساعة ﴾ و ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ كن له نوراً وحرزاً من الشيطان والشرك، ورفع له في الدرجات يوم القيامة.
وأخرج ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة رفعه من قرأ ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ في كل ليلتين بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر.
وأخرج ابن الضريس عن ليث عن معن عن شيخ من همدان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ اقتربت الساعة ﴾ غبا ليلة وليلة حتى يموت لقي الله تعالى ووجهه كالقمر ليلة البدر» .
وأخرج أحمد عن بريدة أن معاذاً بن جبل صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ فيها ﴿ اقتربت الساعة ﴾ فقام رجل من قبل أن يفرغ فصلى وذهب، فقال له معاذ قولاً شديداً فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه فقال: إني كنت أعمل في نخل وخفت على الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلي بالشمس وضحاها ونحوها من السور» .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة فرقتين فنزلت ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ إلى قوله: ﴿ سحر مستمر ﴾ أي ذاهب.
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما.
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: رأيت القمر منشقّاً شقتين بمكة قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء، فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال مجاهد: يقول كما رأيتم القمر منشقاً فإن الذي أخبركم عن ﴿ اقتربت الساعة ﴾ حق.
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طريق أبي معمر «عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اشهدوا» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق الأسود عن عبد الله قال: رأيت القمر على الجبل وقد انشق فأبصرت الجبل من بين فرجتي القمر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طريق مسروق عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فقالوا: انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء السفار فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه فأنزل الله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ .
وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق علقمة عن ابن مسعود قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فانشق القمر حتى صار فرقتين، فتوارت فرقة خلف الجبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم:اشهدوا» .
وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد «عن ابن عمر في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فرقتين فرقة من دون الجبل وفرقة خلفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:اللهم اشهد» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن جبير بن مطعم في قوله: ﴿ وانشق القمر ﴾ قال: انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقال الناس: سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: قد مضى ذلك قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه.
وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ إلى قوله: ﴿ مستمر ﴾ .
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: «اجتمع المشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاصي بن وائل والعاصي بن هشام والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والنضر بن الحرث، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إن فعلت تؤمنوا؟
قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما سألوا فأمسى القمر قد مثل نصفاً على أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي يا أبا سلمة، بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم اشهدوا» .
وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس قال: انتهى أهل مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟
فهبط جبريل، فقال: يا محمد قل: يا أهل مكة إن تختلفوا هذه الليلة فسترون آية فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالة جبريل، فخرجوا ليلة أربع عشرة، فانشق القمر نصفين نصفاً على الصفا ونصفاً على المروة، فنظروا ثم مالوا بأبصارهم فمسحوها ثم أعادوا النظر فنظروا، ثم مسحوا أعينهم، ثم نظروا، فقالوا: يا محمد ما هذا إلا سحر ذاهب، فأنزل الله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ .
وأخرج أبو نعيم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا آية حتى نؤمن فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يريه آية فأراهم القمر قد انشق فصار قمرين أحدهما على الصفا والآخر على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه، ثم غاب القمر، فقالوا: هذا ﴿ سحر مستمر ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم الضمار وغداً السباق.
وأخرج ابن المنذر عن حذيفة أنه قرأ ﴿ اقتربت الساعة وقد انشق القمر ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كان انشقاق القمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر، فقالوا: هذا سحر أسحر السحرة فاقلعوا كما فعل المشركون إذا كسف القمر ضربوا بطساسهم وعما اصفر أحبارهم، وقالوا: هذا فعل السحر وذلك قوله: ﴿ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ثلاث ذكرهن الله في القرآن قد مضين ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قد انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى رآه الناس ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ [ القمر: 45] وقد ﴿ فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد ﴾ [ المؤمنون: 77] .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ﴾ قال: رأوه منشقاً فقالوا: هذا سحر ذاهب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ قال: يوم القيامة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ قال: بأهله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ قال: مستقر بأهل الخير الخير وبأهل الشر الشر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ خُشَّعًا أَبْصَارُهُم ﴾ وقرئ خاشعًا (١) ﴿ خَشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ﴾ وهو قراءة عبد الله، والجمع نحو ﴿ خُشَّعًا أَبْصَرُهُمْ ﴾ ، ويقول: مررت بشباب حسن أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم، وأنشدا: وشباب حسن أوجههم ...
من إياد بن نزار بن معد (٢) يرمي الفجاج بها الركبان معترضًا ...
أعناق بُزَّلها مُرْخَى لها الجُدُلُ فلو قال معترضات أو معترضة ومرخاة أو مرخيات كان صوابا (٣) قال أبو إسحاق: و (خشعًا) منصوب على الحال، المعنى: يخرجون من الأجداث خشعًا أبصارهم (٤) قال المفسرون: يعني ذليلة خاضعة أبصارهم عند معاينة العذاب (٥) وقال أهل المعاني: وصفت الأبصار بالخشوع؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تتبين في نظره (٦) ﴿ يَنُظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىِ ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ اَلأَجْدَاثِ ﴾ هو قال المفسرون: يريد القبول واحدها جدث، وبنو تميم (٧) (٨) قوله تعالى ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ تفسير الجراد قد تقدم في سورة الأعراف (٩) قال مقاتل: فيكثرون من الكثرة كأنهم جراد حين انتشر من موضعه (١٠) وقال الكلبي: ينبث بعضهم في بعض (١١) قال أهل المعاني: المعنى أنهم يخرجون فزعين لا يهتدون فيدخل بعضهم في بعض لا جهة لأحد منهم يقصدها، فشبههم في هذا الوقت بالجراد؛ لأن الجراد لا جهة لها فتكون أبدًا مختلفة بعضها في بعض (١٢) (١) قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف ﴿ خَاشِعًا ﴾ بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين مخففة بالإفراد، وقرأ الباقون ﴿ خُشَّعًا ﴾ بضم الخاء وفتح الشين مشددة من غير ألف.
انظر: "حجة القراءات" ص 688، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 44.
(٢) البيت للحرث بن دوس الأنصاري، ويروى لأبي دؤاد الأنصاري.
== انظر: ديوان أبي دؤاد ص 35، و"اللسان" (خشع)، و"البحر المحيط" 8/ 175، و"المحرر" 15/ 296، و"شرح الأبيات" للفارسي ص 398.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 15، 16، و"جامع البيان" 27/ 53، و"البحر المحيط" 8/ 175، والجدُل: جمع الجديل وهو الزمام.
ولم أجد البيت منسوبًا لقائل.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 86.
(٥) انظر: "جامع البيان" 27/ 53، و"معالم التنزيل" 4/ 53.
(٦) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 129، و"فتح القدير" 5/ 122.
(٧) بنو تميم: قبيلة عظيمة من العدنانية، تنتسب إلى تميم بن مرة، منازلهم بأرض نجد، تمتاز هذه القبيلة بتاريخها الحربي في الجاهلية والإسلام.
انظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 127، و"نهاية الأرب" ص 177.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 634، و"اللسان" 1/ 412 (جدث).
(٩) عند تفسيره الآية 133 من سورة الأعراف.
(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.
(١١) انظر: "الوسيط" 4/ 28، و"معالم التنزيل" 4/ 259.
(١٢) انظر: "الوسيط" 4/ 28، و"البحر المحيط" 8/ 176، و"روح المعاني" 8/ 27 <div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي أعرض عنهم لعلمك أن الإنذار لا ينفعهم.
﴿ يَوْمَ يَدْعُ الداع إلى شَيْءٍ نُّكُرٍ ﴾ العامل في يوم مضمر تقديره: اذكر أو قوله: ﴿ يَخْرُجُونَ ﴾ بعد ذلك، وليس العامل فيه ﴿ تَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ فيوقف عليه وقيل: المعنى ﴿ تَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي يوم يدع الداع والأول أظهر وأشهر.
والداعي جبريل أو إسرافيل إذ ينفخ في الصور، والشيء النكر الشديد الفظيع.
وأصله من الإنكار.
أي: هو منكور لأنه لم ير قط مثله، والمراد به يوم القيامة ﴿ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ ﴾ كناية عن الذلة وانتصب خشعاً على الحال من الضمير في ﴿ يَخْرُجُونَ ﴾ ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث ﴾ أي من القبور ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴾ شبَّههم بالجراد في خروجهم من الأرض، فكأنه استدلال على البعث كالاستدلال بخروج النبات.
وقيل: إنما شبههم بالجراد في كثرتهم، وأن بعضهم يموج في بعض.
<div class="verse-tafsir"
ذليلة أبصارهم، يخرجون من القبور كأنهم في سعيهم إلى موقف الحساب جراد منتشر.
<div class="verse-tafsir" id="91.maOjq"