تفسير الآية ٢٤ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٢٤ من سورة الرحمن

وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَـَٔاتُ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ ٢٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 60 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٤ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وله الجوار المنشآت ) يعني : السفن التي تجري في البحر ، قال مجاهد : ما رفع قلعه من السفن فهي منشأة ، وما لم يرفع قلعه فليس بمنشأة ، وقال قتادة : ( المنشآت ) يعني المخلوقات .

وقال غيره : المنشآت - بكسر الشين - يعني البادئات .

( كالأعلام ) أي : كالجبال في كبرها ، وما فيها من المتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر ، وإقليم إلى إقليم ، مما فيه من صلاح للناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع; ولهذا قال [ تعالى ] ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا العرار بن سويد ، عن عميرة بن سعد قال : كنت مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على شاطئ الفرات إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها ، فبسط على يديه ثم قال : يقول الله عز وجل : ( وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام ) .

والذي أنشأها تجري في [ بحر من ] بحوره ما قتلت عثمان ، ولا مالأت على قتله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ )، يقول تعالى ذكره: ولربّ المشرقين والمغربين الجواري، وهي السفن الجارية في البحار.

وقوله: ( الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة ( المُنْشِئاتُ ) بكسر الشين، بمعنى: الظاهرات السير اللاتي يقبلن ويدبرن.

وقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة والمدينة وبعض الكوفيين ( المُنْشَئاتُ )، بفتح الشين، بمعنى المرفوعات القلاع اللاتي تقبل بهنّ وتدبر.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متقاربتاه، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب.

* ذكر من قال في تأويل ذلك ما ذكرناه فيه: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ ) قال: ما رفع قلعه من السفن فهي منشئات، وإذا لم يرفع قلعها فليست بمنشأة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ ) يعني: السفن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ ): يعني: السفن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قَال ابن زيد، في قوله: ( وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ ) قال: السفن.

وقوله: ( كالأعْلام ) يقول : كالجبال، شبَّه السفن بالجبال، والعرب تسمي كل جبل طويل علما، ومنه قول جرير: إذا قَطَعْنـــا عَلَمــا بَــدَا عَلَــمُ ...................

(2) ------------------- الهوامش : (2) البيت من مقطوعة من الرجز لجرير الخطفي ( ديوانه 520 ) وتمامه: * حـتى تنـاهين بنـا إلـى الحكم * يمدح الحكم بن أيوب الثقفي صهر الحجاج وابن عمه .

يصف النوق التي حملته إليه ، ولذلك نرجح روايته " قطعن " بنون جمع النسوة على رواية " قطعنا " بضمير جماعة الذكور ، وإن كانت جائزة في المعنى .

والأعلام : جمع علم : وهو الجبل الطويل ، سمي علما ، لأن المسافر يجعله علامة وأمارة على الطريق .

وأنشده أبو عبيدة في مجاز القرآن ( الورقة 173 - 1) وقال : كالأعلام : كالجبال ، قال جرير يصف الإبل : " إذ قطعن ...

البيت " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وله الجوار يعني السفن .

وقرأ يعقوب " الجواري " بياء في الوقف ، وحذف الباقون .المنشآت في البحر قراءة العامة المنشآت بفتح الشين ، قال قتادة : أي : المخلوقات للجري مأخوذ من الإنشاء .

وقال مجاهد : هي السفن التي رفع قلعها ، قال : وإذا لم يرفع قلعها فليست بمنشآت .

وقال الأخفش : إنها المجريات .

وفي الحديث : أن عليا رضي الله عنه رأى سفنا مقلعة ، فقال : ورب هذه الجواري المنشآت ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله .

وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم باختلاف عنه " المنشئات " [ ص: 150 ] بكسر الشين أي : المنشئات السير ، أضيف الفعل إليها على التجوز والاتساع .

وقيل : الرافعات الشرع أي : القلع .

ومن فتح الشين قال : المرفوعات الشرع .

كالأعلام أي كالجبال ، والعلم الجبل الطويل ، قال :إذا قطعن علما بدا علمفالسفن في البحر كالجبال في البر ، وقد مضى في ( الشورى ) بيانه .وقرأ يعقوب " الجواري " بياء في الوقف وحذف الباقون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وسخر تعالى لعباده السفن الجواري، التي تمخر البحر وتشقه بإذن الله، التي ينشئها الآدميون، فتكون من كبرها وعظمها كالأعلام، وهي الجبال العظيمة، فيركبها الناس، ويحملون عليها أمتعتهم وأنواع تجاراتهم، وغير ذلك مما تدعو إليه حاجتهم وضرورتهم، وقد حفظها حافظ السماوات والأرض، وهذه من نعم الله الجليلة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وله الجواري ) السفن الكبار ( المنشآت ) قرأ حمزة وأبو بكر : " المنشئات " بكسر الشين ، أي : المنشئات للسير [ يعني اللاتي ابتدأن وأنشأن السير ] .

وقرأ الآخرون بفتح الشين أي المرفوعات ، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض .

وقيل : هي ما رفع قلعه من السفن وأما ما لم يرفع قلعه فليس من المنشئات .

وقيل المخلوقات المسخرات ( في البحر كالأعلام ) كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل ، شبه السفن في البحر ، بالجبال في البر

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وله الجوار» السفن «المنشآت» المحدثات «في البحر كالأعلام» كالجبال عظما وارتفاعا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وله سبحانه وتعالى السفن الضخمة التي تجري في البحر بمنافع الناس، رافعة قلاعها وأشرعتها كالجبال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - نعمة أخرى من نعمى التى مقرها البحار فقال : ( وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .والجوار : أى السفن الجارية ، فهى صفة لموصوف محذوف دل عليه متعلقه ، وهو قوله - تعالى - ( فِي البحر ) .والمنشآت : جمع منشأة - اسم مفعول - أى : مرفوعة الشراع ، وهو ما يسمى بالقلع ، من أنشأ فلان الشىء ، إذا رفعه عن الأرض ، وأنشأ فى سيره إذا اسرع .أى : وله - سبحانه - وحده لا لغيره ، التصرف المطلق فى السفن المرفوعة القلاع والتى تجرى فى البحر ، وهى تشبه : الجبال فى ضخامتها وعظمتها .والتعبير : بقوله - تعالى - ( وَلَهُ ) للاشعرا بأن كونهم هم الذين صنعوها لا يخرجها عن ملكه - تعالى - وتصرفه ، إذ هو الخالق الحقيقى لهم ولها ، وهو الذى سخر تلك السفن لتشق ماء البحر بأمره .ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هذه الآية فى دلالتها على قدرة الله - تعالى - وعلى مننه على عباده بهذه السفن التى تجرى فى البحر بأمره .

قوله - تعالى - : ( وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في القراءات التي فيها قرئ يخرج من خرج ويخرج بفتح الراء من أخرج وعلى الوجهين فاللؤلؤ والمرجان مرفوعان ويخرج بكسر الراء بمعنى يخرج الله ونخرج بالنون المضمومة والراء المكسورة، وعلى القراءتين ينصب اللؤلؤ والمرجان، اللؤلؤ كبار الدر والمرجان صغاره وقيل: المرجان هو الحجر الأحمر.

المسألة الثانية: اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح فكيف قال: ﴿ مِنْهُمَا ﴾ ؟

نقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن ظاهر كلام الله تعالى أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس الذي لا يوثق بقوله، ومن علم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب وهب أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح وما وجدوه إلا فيه، لكن لا يلزم من هذا أن لا يوجد في الغير سلمنا لم قلتم: أن الصدف يخرج بأمر الله من الماء العذب إلى الماء المالح وكيف يمكن الجزم والأمور الأرضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد فكيف لا يخفى أمر ما في قعر البحر عليهم ثانيهما: أن نقول: إن صح قولهم في اللؤلؤ إنه لا يخرج إلا من البحر المالح فنقول: فيه وجوه: أحدها: أن الصدف لا يتولد فيه اللؤلؤ إلا من المطر وهو بحر السماء ثانيها: أنه يتولد في ملتقاهما ثم يدخل الصدف في المالح عند انعقاد الدر فيه طالباً للملوحة كالمتوحمة التي تشتهي الملوحة أوائل الحمل فيثقل هناك فلا يمكنه الدخول في العذب ثالثها: أن ما ذكرتم إنما كان يرد أن لو قال: يخرج من كل واحد منهما فأما على قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ﴾ لا يرد إذ الخارج من أحدهما مع أن أحدهما مبهم خارج منهما كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً  ﴾ يقال: فلان خرج من بلاد كذا ودخل في بلاد كذا ولم يخرج إلا من موضع من بيت من محلة في بلدة رابعها: أن (من) ليست لابتداء شيء كما يقال: خرجت الكوفة بل لابتداء عقلي كما يقال: خلق آدم من تراب ووجدت الروح من أمر الله فكذلك اللؤلؤ يخرج من الماء أي منه يتولد.

المسألة الثالثة: أي نعمة عظيمة في اللؤلؤ والمرجان حتى يذكرهما الله مع نعمة تعلم القرآن وخلق الإنسان؟

وفي الجواب قولان: الأول: أن نقول: النعم منها خلق الضروريات كالأرض التي هي مكاننا ولولا الأرض لما أمكن وجود التمكين وكذلك الرزق الذي به البقاء ومنها خلق المحتاج إليه وإن لم يكن ضرورياً كأنواع الحبوب وإجراء الشمس والقمر، ومنها النافع وإن لم يكن محتاجاً إليه كأنواع الفواكه وخلق البحار من ذلك، كما قال تعالى: ﴿ والفلك التى تَجْرِى فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس  ﴾ ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان كما قال تعالى: ﴿ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا  ﴾ فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة التي تتعلق بالقوى الجسمانية وصدرها بالقوة العظيمة التي هي الروح وهي العلم بقوله: ﴿ عَلَّمَ القرءان  ﴾ والثاني: أن نقول: هذه بيان عجائب الله تعالى لا بيان النعم، والنعم قد تقدم ذكرها هنا، وذلك لأن خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من نار، من باب العجائب لا من باب النعم، ولو خلق الله الإنسان من أي شيء خلقه لكان إنعاماً، إذا عرفت هذا فنقول: الأركان أربعة، التراب والماء والهواء والنار فالله تعالى بين بقوله: ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن صلصال  ﴾ أن الإنسان خلقه من تراب وطين وبين بقوله: ﴿ خَلَقَ الجان مِن مَّارِجٍ مّن نَّارٍ  ﴾ أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ﴾ أن الماء أصل لمخلوق آخر، كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق بل بين كونه منشأ للجواري في البحر كالأعلام.

فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَرَجَ البحرين ﴾ أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ لا يتجاوزان حدّيهما ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة.

قرئ: ﴿ يُخرَج ﴾ ويَخْرُج من أُخرج.

وخرج.

ويُخرِج: أي الله عز وجل اللؤلؤَ والمرجانَ بالنصب.

ونخرج بالنون.

واللؤلؤ: الدرّ.

والمرجان: هذا الخرز الأحمر وهو البسذ.

وقيل: اللؤلؤ كبار الدرّ.

والمرجان: صغاره.

فإن قلت: لم قال: (منهما) وإنما يخرجان من الملح؟

قلت: لما التقيا وصارا كالشيء الواحد: جاز أن يقال: يخرجان منهما، كما يقال يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه.

وتقول: خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله، بل من دار واحدة من دوره.

وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ كِبارُ الدُّرِّ وصِغارُهُ، وقِيلَ:المَرْجانُ الخَرَزُ الأحْمَرُ، وإنْ صَحَّ أنَّ الدُّرَّ يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ فَعَلى الأوَّلِ إنَّما قالَ مِنهُما لِأنَّهُ مُخْرَجٌ مِن مُجْتَمَعِ المِلْحِ والعَذْبِ، أوْ لِأنَّهُما لَمّا اجْتَمَعا صارا كالشَّيْءِ الواحِدِ فَكَأنَّ المُخْرَجَ مِن أحَدِهِما كالمُخْرَجِ مِنهُما.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ يُخْرَجُ وقُرِئَ «نُخْرِجُ» و «يُخْرِجُ» بِنَصْبِ ﴿ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ .

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَلَهُ الجَوارِ ﴾ أيِ السُّفُنُ جَمْعُ جارِيَةٍ، وقُرِئَ بِحَذْفِ الياءِ ورَفْعِ الرّاءِ كَقَوْلِهِ: لَها ثَنايا أرْبَعٌ حِسانٌ ∗∗∗ وأرْبَعٌ فَكُلُّها ثَمانٍ ﴿ المُنْشَآتُ ﴾ المَرْفُوعاتُ الشَّرْعِ، أوِ المَصْنُوعاتُ وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الشِّينِ أيِ الرّافِعاتُ الشَّرْعِ، أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ أوِ السَّيْرَ.

﴿ فِي البَحْرِ كالأعْلامِ ﴾ كالجِبالِ جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ الطَّوِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ ﴾ صِغارُ الدُّرِّ ﴿ والمَرْجانُ ﴾ كِبارُهُ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومُجاهِدٌ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ عَنِ الرَّبِيعِ وجَماعَةٍ مِنهُمُ المَذْكُورانِ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ( اللُّؤْلُؤُ ) ما عَظُمَ مِنهُ ( والمَرْجانُ ) اللُّؤْلُؤُ الصِّغارُ.

وأخْرَجَ هو وعَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ، وكَذا أخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيُّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنْ مُجاهِدٍ، وأظُنُّ أنَّهُ إنِ اعْتُبِرَ في اللُّؤْلُؤِ مَعْنى التَّلَأْلُؤِ واللَّمَعانِ وفي المَرْجانِ مَعْنى المَرْجِ والِاخْتِلاطِ فالأوْفَقُ لِذَلِكَ ما قِيلَ ثانِيًا فِيهِما.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرَيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: - المَرْجانُ - الخَرَزُ الأحْمَرُ أعْنِي البُسَّذَ وهو المَشْهُورُ المُتَعارَفُ، ( واللُّؤْلُؤُ ) عَلَيْهِ شامِلٌ لِلْكِبارِ والصِّغارِ.

ثُمَّ إنَّ اللُّؤْلُؤَ بِناءٌ غَرِيبٌ قِيلَ: لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ هو، والجُؤْجُؤُ الصَّدْرُ وقَرْيَةٌ بِالبَحْرَيْنِ، والدُّؤْدُؤُ آخِرُ الشَّهْرِ أوْ لَيْلَةُ خَمْسٍ وسِتٍّ وسَبْعِ وعِشْرِينَ أوْ ثَمانٍ وتِسْعٍ وعِشْرِينَ أوْ ثَلاثُ لَيالٍ مِن آخِرِهِ، والبُؤْبُؤُ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ الأصْلُ والسَّيِّدُ الظَّرِيفُ ورَأْسُ المَكْحَلَةِ وإنْسانُ العَيْنِ ووَسَطُ الشَّيْءِ، واليُؤْيُؤُ بِالياءِ آخِرُ الحُرُوفِ طائِرٌ كالباشِقِ، ورَأيْتُ في كُتُبِ اللُّغَةِ عَلى هَذا البِناءِ غَيْرَها وهو الضُّؤْضُؤُ الأضَلُّ لِلطّائِرِ.

والنُّؤْنُؤُ بِالنُّونِ المُكْثِرُ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ والعاجِزُ الجَبانُ، ومِن ذَلِكَ شُؤْشُؤُ دُعاءُ الحِمارِ إلى الماءِ وزَجْرُ الغَنَمِ والحِمارِ لِلْمُضِيِّ.

أوْ هو دُعاءٌ لِلْغَنَمِ لِتَأْكُلَ، أوْ تَشْرَبَ وأمّا المَرْجانُ فَقَدْ ذَكَرَهُ صاحِبُ القامُوسِ في مادَّةِ - مَرَجَ - ولَمْ يَذْكُرْ ما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مُعَرَّبٌ، وقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ.

وقالَ ابْنُ دُرَيْدِ: لَمْ أسْمَعْ فِيهِ بِفِعْلٍ مُتَصَرِّفٍ.

وقَرَأ طَلْحَةُ - اللُّؤْلِئُ - بِكَسْرِ اللّامِ الأخِيرَةِ.

وقُرِئَ اللُّؤْلِي بِقَلْبِ الهَمْزَةِ المُتَطَرِّفَةِ ياءً ساكِنَةً بَعْدَ كَسْرِ ما قَبْلَها وكُلٌّ مِن ذَلِكَ لُغَةٌ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍ و «يَخْرُجُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ، وقُرِئَ «يَخْرُجُ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنهُ ونُصِبَ «اللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ» أيْ يُخْرِجُ اللَّهُ تَعالى.

واسْتُشْكِلَتِ الآيَةُ عَلى تَفْسِيرِ البَحْرِينِ بِالعَذْبِ والمِلْحِ دُونَ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ بِأنَّ المُشاهِدَ خُرُوجُ ﴿ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ مِن أحَدِهِما وهو المِلْحُ فَكَيْفَ قالَ سُبْحانَهُ: ( مِنهُما) ؟

وأُجِيبَ بِأنَّهُما لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ جازَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنهُما كَما يُقالُ يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ ولا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِهِ ولَكِنَّ مِن بَعْضِهِ، وكَما تَقُولُ خَرَجَتْ مِنَ البَلَدِ وإنَّما خَرَجَتَ مِن مَحَلَّةٍ مِن مَحالِّهِ بَلْ مِن دارٍ واحِدَةٍ مِن دُورِهِ، وقَدْ يُنْسَبُ إلى الِاثْنَيْنِ ما هو لِأحَدِهِما كَما يُسْنَدُ إلى الجَماعَةِ ما صَدَرَ مِن واحِدٍ مِنهم.

ومِثْلُهُ ما في الِانْتِصافِ ﴿ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ وعَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ ﴿ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ ﴿ وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا  ﴾ ، وقِيلَ: إنَّهُما لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى العَذْبِ والمِلْحِ ويَرُدُّهُ المُشاهَدَةَ وكَأنَّ مَن ذَكَرَهُ مَعَ ما تَقَدَّمَ لَمْ يَذْكُرْهُ لِكَوْنِهِ قَوْلًا آخَرَ بَلْ ذَكَرَهُ لِتَقْوِيَةِ الِاتِّحادِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ عَلاقَةُ التَّجَوُّزِ أقْوى.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ والتَّقْدِيرُ يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما وجُعِلَ ﴿ مِنَ القَرْيَتَيْنِ ﴾ مِن ذَلِكَ.

وهو عِنْدِي تَقْدِيرُ مَعْنى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ.

وقالَ الرُّمّانِيُّ: العَذْبُ مِنهُما كاللِّقاحِ لِلْمِلْحِ فَهو كَما يُقالُ الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى أيْ بِواسِطَتِهِما، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ لِأنَّ الأصْدافَ في شَهْرِ نِيسانَ تَتَلَقّى ماءَ المَطَرِ بِأفْواهِها فَتَتَكَوَّنُ مِنهُ، ولِذا تَقِلُّ في الجَدْبِ، وجُعِلَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ( مِنهُما ) لِلْبَحْرَيْنِ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ ولا يُحْتاجُ إلَيْهِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ.

وأخْرَجَ هو وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ إلّا أنَّ في تَكَوُّنِ المَرْجانِ بِناءً عَلى تَفْسِيرٍ بِالبَسَذِ مِن ماءِ المَطَرِ كاللُّؤْلُؤِ تَرَدُّدًا وإنْ قالُوا: إنَّهُ يَتَكَوَّنُ في نِيسانَ، وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: ظاهِرُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ النّاسِ، ومَن عَلِمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المِلْحِ، ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الصَّدَفَ لا يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المِلْحِ فَإنَّ خُرُوجَهُ مُحْتَمَلٌ تَلَذُّذًا بِالمُلُوحَةِ كَما تَلْتَذُّ المُتَوَحِّمَةُ بِها في أوائِلَ حَمْلِها حَتّى إذا خَرَجَ لَمْ يُمْكِنْهُ العَوْدَ، وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ بِما قُلْتُمْ وكَثِيرٌ مِنَ الأُمُورِ الأرْضِيَّةِ الظّاهِرَةِ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرٌ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.( ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ )ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ عَلِيٌّ وفاطِمَةٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وأخْرَجَ عَنْ إياسِ بْنِ مالِكٍ نَحْوَهُ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ البَرْزَخَ، وذَكَرَ الطَّبَرَسِيُّ مِنَ الإمامِيَّةِ في تَفْسِيرِهِ مَجْمَعَ البَيانِ الأوَّلَ بِعَيْنِهِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، والَّذِي أراهُ أنَّ هَذا إنْ صَحَّ لَيْسَ مِنَ التَّفْسِيرِ في شَيْءٍ بَلْ هو تَأْوِيلٌ كَتَأْوِيلِ المُتَصَوِّفَةِ لِكَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وكُلٌّ مِن عَلَيَّ، وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِنْدِي أعْظَمُ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ عِلْمًا وفَضْلًا، وكَذا كُلٌّ مِنَ الحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أبْهى وأبْهَجَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ بِمَراتِبَ جاوَزَتْ حَدَّ الحُسْبانِ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ مِمّا في ذَلِكَ مِنَ الزِّينَةِ والمَنافِعِ الجَلِيلَةِ فَقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ أنَّ ( اللُّؤْلُؤُ ) يَمْنَعُ الخَفَقانَ والبَحْرَ وضَعْفَ الكَبِدِ والكُلى والحَصى وحُرْقَةَ البَوْلِ والسَّدَدَ واليَرَقانَ وأمْراضَ القَلْبِ والسُّمُومَ والوَسْواسَ والجُنُونَ والتَّوَحُّشَ والرَّبْوَ شُرْبًا والجُذامَ والبَرَصَ والبُهَقَ والآثارَ مُطْلَقًا بِالطَّلْيِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّ المَرْجانَ أعْنِي بالبَسَذِ يُفْرِحُ ويُزِيلُ فَسادَ الشَّهْوَةِ ولَوْ تَعْلِيقًا ونَفَثَ الدَّمِ والطُّحالِ شُرْبًا والدَّمْعَةَ والبَياضَ والسُّلاقَ والجَرَبَ كُحْلًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ يعني: ذو الورق وَالرَّيْحانُ يعني: ثمره.

وقال مجاهد: الْعَصْفِ يعني: ورق الحنطة وَالرَّيْحانُ الرزق.

وقال الضحاك: الحب، الحنطة، والشعير، الْعَصْفِ: التبن وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الْعَصْفِ الزرع وَالرَّيْحانُ الورق بلسان حمير.

ويقال: الْعَصْفِ السنبل وَالرَّيْحانُ ثمرته، وما ينتفع به.

ويقال: الرَّيْحانُ يعني: الرياحين، جمع الريحان وهو نبت لا ساق له.

قرأ ابن عامر: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ بنصب الباء، وإنما نصبه لأنه عطف على قوله: الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وَالْحَبُّ يعني: وخلق الحب ذا العصف وَالرَّيْحانُ.

وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ بضم النون والباء، لأنه عطف على قوله: فِيها فاكِهَةٌ وقرأ حمزة، والكسائي، هكذا إلا أنَّهما كسرا النون في قوله: وَالرَّيْحانُ عطفاً على الْعَصْفِ على وجه المجاورة.

وقد ذكر الله تعالى من أول السورة نعماءه، ثم خاطب الإنس والجن فقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وإن لم يسبق ذكرهما، لأن في الكلام دليلاً، وقد ذكرهما من بعده، وهو قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس تُكَذِّبانِ يعني: تتجاحدان بأنها ليست من الله تعالى.

قال بعضهم: آلاء الله ونعماء الله واحد.

إلا أن الآلاء أعم، والنعماء أخص.

ويقال: الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد، والنعماء: النعمة الباطنة وهو المعرفة بالقلب، كقوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: 20] وقال بعضهم: الآلاء إيصال النعم، والنعماء رفع البلايا.

مثاله أن رجلاً لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء.

وكذلك لسان الأخرس، ورجل مقعد، فله الآلاء، وليست له النعماء.

وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما، وقد ذكر في هذه السورة دفع البلية، وإيصال النعمة.

فكل ذلك سماه الآلاء.

وروى محمد بن المنذر، عن جابر، بن عبد الله، أن النبي  قرأ على أصحابه سورة الرحمن، فسكت القوم، فقال النبيّ  : «الجنُّ كَانُوا أَحْسَنَ رَدّاً مِنْكُمْ، مَا قَرَأْتَ عَلَيْهِمْ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلاَّ قَالُوا: ولا بواحدة منها فلك الحَمْدُ» .

وفي رواية أُخرى: أنه قال: «مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ إلاَّ قَالُوا وَلا بواحدة منها فلك الحمد» .

ثم قال: خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني: آدم مِنْ صَلْصالٍ يعني: الطين اليابس الذي يتصلصل أي: يصوت، كما يصوت الفخار.

ويقال: الصلصال الطين الجيد الذي ذهب عنه الماء، وتشقق.

كَالْفَخَّارِ يعني: الطين الذي يصنع به الفخار.

وقال في موضع آخر: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5] وقال في موضع آخر: مِنْ طِينٍ [السجدة: 7] وقال في موضع آخر: مِنْ صَلْصالٍ فهذا كله قد كان حالاً بعد حال.

وَخَلَقَ الْجَانَّ يعني: أبا الجن.

ثم قال هو إبليس: مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ يعني: من لهب من نار، وليس لها دخان.

وقال بعضهم: خلق من نار جهنم.

وقال بعضهم: من النار التي بين الكلة الرقيقة بين السماء، ومنها يكون البرق، ولا يرى السماء إلا من وراء تلك الكلة.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة أنتم.

يعني: خلقكم أيها الإنس من نفس واحدة، وخلقكم أيها الجن من نفس واحدة.

فكيف تنكرون هذه النعمة أنها ليست من الله تعالى؟.

ثم قال: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: هو رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ مشرق الشمس، ومشرق القمر.

وقيل: مشرق الشتاء، ومشرق الصيف وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: مغرب الشتاء، والصيف.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: نعمة أنتم من نعمائه أيها الجن والإنس تتجاحدان؟

ومعناه: أنتم حيث ما كنتم من مشارق الأرض ومغاربها في ملك الله تعالى، وتأكلون رزقه، وهو عالم حيث ما كنتم، وهو حافظكم، وناصركم، فكيف تنكرون هذه النعم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الرَّحْمَنِ وَفِي نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ، إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: سِوى آيَةٍ: وهي قَوْلُهُ: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ.

﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ  ﴾ قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: وما الرَّحْمَنُ؟!

فَأنْكَرُوهُ وقالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَقالَ تَعالى: "الرَّحْمَنُ" الَّذِي أنْكَرُوهُ هو الَّذِي "عَلَّمَ القُرْآنَ" .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَلَّمَهُ مُحَمَّدًا، وعَلَّمَ مُحَمَّدٌ أُمَّتَهَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: يَسَّرَ القُرْآنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فالمَعْنى: خَلَقَ النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

فَعَلى هَذا، في "البَيانِ" سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: النُّطْقُ والتَّمْيِيزُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والرّابِعُ: الخَيْرُ والشَّرُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: [طُرُقُ] الهُدى، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والسّادِسُ: الكِتابَةُ والخَطُّ، قالَهُ يَمانٌ.

والثّانِي: أنَّهُ آدَمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

فَعَلى هَذا في "البَيانِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ.

والثّانِي: بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ.

والثّالِثُ اللُّغاتُ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، عَلَّمَهُ بَيانَ ما كانَ وما يَكُونُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ أيْ: بِحِسابٍ ومَنازِلَ، لا يَعْدُوانِها؛ وقَدْ كَشَفْنا هَذا المَعْنى في [الأنْعامِ: ٩٦] .

قالَ الأخْفَشُ: أُضْمِرَ الخَبَرُ، وأظُنُّهُ- واللَّهُ أعْلَمُ- أرادَ: يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ في النَّجْمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ نَبْتٍ لَيْسَ لَهُ ساقٌ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، واللُّغَوِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّهُ نَجْمُ السَّماءِ، والمُرادُ بِهِ: جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَأمّا الشَّجَرُ: فَكُلُّ ما لَهُ ساقٌ.

قالَ الفَرّاءُ: سُجُودُهُما: أنَّهُما يَسْتَقْبِلانِ الشَّمْسَ إذْ أشْرَقَتْ، ثُمَّ يَمِيلانِ مَعَها حَتّى يَنْكَسِرَ الفَيْءُ.

وقَدْ أشَرْتُ في [النَّحْلِ: ٤٩] إلى مَعْنى سُجُودِ ما لا يَعْقِلُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وإنَّما ثُنِّيَ فِعْلُهُما عَلى لَفْظِهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءَ رَفَعَها ﴾ وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَحْيا الحَيَوانُ وتَمْتَدَّ الأنْفاسُ، وأجْرى الرِّيحَ بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ، كَيْما يَتَرَوَّحُ [الخَلْقُ] .

ولَوْلا ذَلِكَ لَماتَتِ الخَلائِقُ كَرْبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ واللُّغَوِيُّونَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأنَّ المُعادَلَةَ: مُوازَنَةُ الأشْياءِ.

والثّانِي: أنَّهُ المِيزانُ المَعْرُوفُ، لِيَتَناصَفَ النّاسُ في الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَطْغَوْا ﴾ ذَكَرَ الزَّجّاجُ في "أنْ" وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى اللّامِ؛ والمَعْنى: لِئَلّا تَطْغَوْا.

والثّانِي: أنَّها لِلتَّفْسِيرِ، فَتَكُونُ "لا" لِلنَّهْيِ؛ والمَعْنى: أيْ: لا تَطْغَوْا، أيْ لا تُجاوِزُوا العَدْلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أيْ: لا تَنْقُصُوا الوَزْنَ.

فَأمّا الأنامُ، فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ النّاسُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كُلُّ ذِي رُوحٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها فاكِهَةٌ ﴾ أيْ، ما يُتَفَكَّهُ [بِهِ] مِن ألْوانِ الثِّمارِ "والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ" والأكْمامُ: الأوْعِيَةُ والغُلُفُ؛ وقَدِ اسْتَوْفَيْنا شَرْحَ هَذا في [حَم السَّجْدَةِ: ٤٧] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحَبُّ ﴾ يُرِيدُ: جَمِيعَ الحُبُوبِ، كالبُرِّ والشَّعِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والحَبَّ" بِنَصْبِ الباءِ "ذا العَصْفِ" بِالألِفِ "والرَّيْحانَ" بِنَصْبِ النُّونِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ إلّا ابْنَ أبِي سُرَيْجٍ، وخَلَفٌ: "والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانِ" بِخَفْضِ النُّونِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ.

وَفِي "العَصْفِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ تِبْنُ الزَّرْعِ ووَرَقُهُ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّياحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: هو ورَقُ الزَّرْعِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ، ثُمَّ يَصِيرُ إذا جَفَّ ويَبِسَ ودِيسَ تِبْنًا.

والثّانِي: أنَّ العَصْفَ: المَأْكُولُ مِنَ الحَبِّ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

وَفِي "الرَّيْحانِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: والسُّدِّيُّ.

قالَ الفَرّاءُ: الرَّيْحانُ في كَلامِ العَرَبِ: الرِّزْقُ، تَقُولُ: خَرَجْنا نَطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ لِلنَّمِرِ بْنِ تَوْلِبٍ: سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ والثّانِي: أنَّهُ خُضْرَةُ الزَّرْعِ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: فَعَلى هَذا، سُمِّيَ رَيْحانًا، لِاسْتِراحَةِ النَّفْسِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَيْحانُكم هَذا الَّذِي يُشَمُّ، رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "الرَّيْحانُ" ما أنْبَتَتِ الأرْضُ مِنَ الرَّيْحانِ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ما [لَمْ] يُؤْكَلْ مِنَ الحَبِّ، والعَصْفُ: المَأْكُولُ مِنهُ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خاطَبَ اثْنَيْنِ، وإنَّما ذَكَرَ الإنْسانَ وحْدَهُ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ تُخاطِبُ الواحِدَ بِفِعْلِ الِاثْنَيْنِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ  ﴾ والثّانِي: أنَّ الذِّكْرَ أُرِيدَ بِهِ: الإنْسانُ والجانُّ، فَجَرى الخِطابُ لَهُما مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها.

قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ وتَعْلِيمِ البَيانِ وخَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ، خاطَبَ الجِنَّ والإنْسَ، قالَ: "فَبِأيِّ آلاء رَبّكُما تَكْذِبانِ " أيْ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، لِأنَّها كُلَّها مُنْعَمٌ بِها عَلَيْكم في دَلالَتِها إيّاكم عَلى وحْدانِيَّتِهِ وفي رِزْقِهِ إيّاكم ما بِهِ قِوامُكم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الآلاءُ: النِّعَمُ، واحِدُها: ألًا، مِثْلُ: قَفًا، وإلًا، مِثْلُ: مِعًى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ ﴾ ﴿ وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "الإنْسانَ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ اسْمَ الجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَلْصالِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِ الصَلْصالِ، فَقالَ مَكِّيٌّ -فِيما حَكى- والنَقّاشُ: هو "مِن صَلَّ اللَحْمُ وغَيْرِهِ" إذا أنْتَنَ، فَهي إشارَةٌ إلى الحَمْأةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن "صَلَّ" إذا صَوَّتَ، وذَلِكَ في الطِينِ لِكَرَمِهِ وجَوْدَتِهِ، فَهي إشارَةٌ إلى ما كانَ في تُرْبَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الطِينِ الحُرِّ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَهُ مِن طِينٍ طَيِّبٍ وخَبِيثٍ ومُخْتَلِفِ اللَوْنِ، فَمَرَّةً ذَكَرَ في خَلْقِهِ هَذا ومَرَّةً هَذا، وكُلُّ ما في القُرْآنِ في ذَلِكَ صِفاتٌ تَرَدَّدَتْ عَلى التُرابِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ.

والفَخّارُ: الطِينُ الطَيِّبُ إذا مَسَّهُ الماءُ فَخَرَّ أيْ: رَبا وعَظُمَ.

و"الجانَّ": اسْمُ جِنْسٍ كالجِنَّةِ، و"المارِجُ": اللهَبُ المُضْطَرِبُ مِنَ النارِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وهو أحْسَنُ النارِ المُخْتَلِطِ مِن ألْوانِ الشَتّى، «وَقالَ النَبِيُّ  لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما: "كَيْفَ بِكَ إذا كُنْتَ في حُثالَةٍ مِنَ الناسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهم وأمانَتُهُمْ".» وكَرَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: ( فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا لِنُفُوسٍ وتَحْرِيكًا لَها، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مِنَ الفَصاحَةِ مَعْرُوفَةٌ، وهي مِن كِتابِ اللهِ تَعالى في مَواضِعَ، وفي حَدِيثِ النَبِيِّ  ، وفي كَلامِ العَرَبِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ إلى أنَّ هَذا التَكْرارَ إنَّما هو لَمّا اخْتَلَفَتِ النِعَمُ المَذْكُورَةُ كَرَّرَ التَوْقِيفُ مَعَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها وهَذا أحْسَنُ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: التَكْرارُ لِطَرْدِ الغَفْلَةِ والتَأْكِيدِ.

وخَصَّ تَعالى ذِكْرَ المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ بِالتَشْرِيفِ في إضافَةِ الرَبِّ إلَيْهِما لِعَظْمِهِما في المَخْلُوقاتِ، وأنَّهُما طَرَفا آيَةٍ عَظِيمَةٍ وعِبْرَةٍ وهي الشَمْسُ وجَرْيُها، وحَكى النَقّاشُ أنَّ "المَشْرِقَيْنِ" هُما مَشْرِقُ الشَمْسِ والقَمَرِ، و"المَغْرِبَيْنِ" كَذَلِكَ، عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ، وكُلٌّ مُتَّجَهٌ، ومَتى وقَعَ ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَهي إشارَةٌ إلى الناحِيَتَيْنِ بِجُمْلَتِهِما، ومَتى وقَعَ ذِكْرُ المَشارِقِ والمَغارِبِ فَهي إشارَةٌ إلى مَشْرِقِ كُلِّ يَوْمِ ومَغْرِبِهِ، ومَتى ذَكَرَ المَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ فَهي إشارَةٌ إلى نِهايَتِيِ المَشارِقِ والمَغارِبِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ نِهايَتِيِ الشَيْءِ ذِكْرٌ لِجَمِيعِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو مَشْرِقُ الصَيْفِ ومَغْرِبُهُ ومَشْرِقُ الشِتاءِ ومَغْرِبُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجملة عطف على جملة ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ [الرحمن: 22] لأن هذا من أحوال البحرين وقد أغنت إعادة لفظ البحر عن ذكر ضمير البحرين الرابط لجملة الحال بصاحبها.

واللام للملك وهو مِلك تسخير السير فيها، قال تعالى: ﴿ ومن آياته الجوارِ في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ﴾ [الشورى: 32 34].

فالمعنى: أن الجواري في البحر في تصرفه تعالى، قال تعالى: ﴿ والفلك تجري في البحر بأمره ﴾ [الحج: 65].

والإِخبار عن الجواري بأنها له للتنبيه على أن إنشاء البحر للسفن لا يخرجها عن ملك الله.

والجوارِ صفة لموصوف محذوف دل عليه متعلقه وهو قوله: ﴿ في البحر ﴾ .

والتقدير: السفن الجواري إذ لا يجري في البحر غير السفن.

وكتب في المصحف الإِمام ﴿ الجوار ﴾ براء في آخره دون ياء وقياس رسمه أن يكون بياء في آخره، فكتب بدون ياء اعتداداً بحالة النطق به في الوصل إذ لا يقف القارئ عليه ولذلك قرأه جميع العشرة بدون ياء في حالة الوصل والوقف لأن الوقف عليه نادر في حال قراءة القارئين.

وقرأ الجمهور ﴿ المنشئات ﴾ بفتح الشين، فهو اسم مفعول، إذا أُوجد وصُنع، أي التي أنشأها الناس بإلهام من الله فحصل من الكلام مِنَّتان مِنة تسخير السفن للسير في البحر ومنّة إلهام الناس لإِنشائها.

وقرأه حمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر الشين فهو اسم فاعل.

فيجوز أن يكون المنشئات مشتقاً من أنشأ السير إذا أسرع، أي التي يسير بها الناس سيراً سريعاً.

قال مجاهد: المنشئات التي رفعت قلوعها.

والآية تحتمل المعنيين على القراءتين باستعمال الاشتقاق في معنيي المشتق منه ويكون في ذلك تذكيراً بنعمة إلهام الناس إلى اختراع الشراع لإِسراع سير السفن وهي مما اخترع بعد صنع سفينة نوح.

ووصفت الجَوَارِي بأنها كالأعلام، أي الجبال وصفاً يفيد تعظيم شأنها في صنعها المقتضي بداعة إلهام عقول البشر لصنعها، والمقتضى عظم المِنّة بها لأن السفن العظيمة أمكن لحمل العدد الكثير من الناس والمتاع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الرَّحْمَنِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةَ.

وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ كُلُّها.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ مَمْنُوعٌ لا يَسْتَطِيعُ النّاسُ أنْ يَنْتَحِلُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقُطْرُبٌ.

الثّانِي: أنَّهُ فاتِحَةُ ثَلاثِ سُوَرٍ إذا جُمِعْنَ كُنَّ اسْمًا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: "الر" و "حم" و "ن" فَيَكُونُ مَجْمُوعُ هَذِهِ ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلَّمَهُ النَّبِيَّ  حَتّى أدّاهُ إلى جَمِيعِ النّاسِ.

الثّانِي: سَهَّلَ تَعَلُّمَهُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ.

﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ جَمِيعَ النّاسِ وإنْ كانَ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

﴿ عَلَّمَهُ البَيانَ ﴾ لِأنَّهُ بِالبَيانِ فَضُلَ عَلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ البَيانَ الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الخَيْرُ والشَّرُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّالِثُ: المَنطِقُ والكَلامُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: الخَطُّ، وهو مَأْثُورٌ.

الخامِسُ: الهِدايَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

السّادِسُ: العَقْلُ لِأنَّ بَيانَ اللِّسانِ مُتَرْجِمٌ عَنْهُ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنْ يَكُونَ البَيانُ ما اشْتَمَلَ عَلى أمْرَيْنِ: إبانَةِ ما في نَفْسِهِ ومَعْرِفَةِ ما بَيَّنَ لَهُ.

وَقَوْلٌ ثامِنٌ لِبَعْضِ أصْحابِ الخَواطِرِ: خَلَقَ الإنْسانَ جاهِلًا بِهِ، فَعَلَّمَهُ السَّبِيلَ إلَيْهِ.

﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِحِسابٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْبانُ مَصْدَرُ الحِسابِ، وقِيلَ: جَمْعُهُ.

الثّانِي: مَعْنى الحُسْبانِ هَذِهِ آجالُها، فَإذا انْقَضى الأجَلُ كانَتِ القِيامَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِما الزَّمانُ لِامْتِيازِ النَّهارِ بِالشَّمْسِ واللَّيْلِ بِالقَمَرِ وَلَوِ اسْتَمَرَّ أحَدُهُما فَكانَ الزَّمانُ لَيْلًا كُلَّهُ أوْ نَهارًا كُلَّهُ لِما عُرِفَ قَدْرُ الزَّمانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: يَدُورانِ، وقِيلَ إنَّهُما يَدُورانِ في مِثْلِ قُطْبِ الرَّحى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: مَعْناهُ يَجْرِيانِ بِقَدَرٍ.

﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ في النَّجْمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَجْمُ السَّماءِ، وهو مُوَحَّدٌ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ النَّجْمَ النَّباتُ الَّذِي قَدْ نَجُمَ في الأرْضِ وانْبَسَطَ فِيها، لَيْسَ لَهُ ساقٌ، والشَّجَرُ ما كانَ عَلى ساقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفي سُجُودِهِما خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو سُجُودُ ظِلِّهِما، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: هو ما فِيهِما مِنَ الصَّنْعَةِ والقُدْرَةِ الَّتِي تُوجِبُ السُّجُودَ والخُضُوعَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّ سُجُودَهُما دَوَرانُ الظِّلِّ مَعَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الرّابِعُ: أنَّ سُجُودَ النَّجْمِ أُفُولُهُ، وسُجُودَ الشَّجَرِ إمْكانُ الِاجْتِناءِ لِثِمارِها.

الخامِسُ: أنَّ سُجُودَهُما أنَّهُما يَسْتَقْبِلانِ الشَّمْسَ إذا أشْرَقَتْ ثُمَّ يَمِيلانِ مَعَها إذا انْكَسَرَ الفَيْءُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ والسَّماءَ رَفَعَها ﴾ يَعْنِي عَلى الأرْضِ.

﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المِيزانُ ذُو اللِّسانِ لِيَتَناصَفَ بِهِ النّاسُ في الحُقُوقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّ المِيزانَ الحَكَمُ.

الثّالِثُ: قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: أنَّهُ العَدْلُ، ومِنهُ قَوْلِ حَسّانٍ ويَثْرِبُ تَعْلَمُ أنّا بِها إذا التَبَسَ الأمْرُ مِيزانُها ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ وفي المِيزانِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأقاوِيلِ: أحَدُها: أنَّهُ العَدْلُ وطُغْيانُهُ الجَوْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ مِيزانُ الأشْياءِ المَوْزُوناتِ وطُغْيانُهُ البَخْسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يا مَعْشَرَ المَوالِي وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلَكَ النّاسُ قَبْلَكُمْ: المِكْيالُ والمِيزانُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الحَكَمُ، وطُغْيانُهُ التَّحْرِيفُ.

﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ، قالَ مُجاهِدٌ: القِسْطُ: العَدْلُ.

﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ أيْ لا تُنْقِصُوهُ بِالبَخْسِ قِيلَ: إنَّهُ المِقْدارُ: فالجَوْرُ إنْ قِيلَ: إنَّهُ العَدْلُ، والتَّحْرِيفُ إنْ قِيلَ: الحُكْمُ.

وَفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: أنَّهُ مِيزانُ حَسَناتِكم يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ ﴾ أيْ بَسَطَها ووَطَّأها لِلْأنامِ لِيَسْتَقِرُّوا عَلَيْها ويَقْتاتُوا مِنها.

وَفي الأنامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ النّاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِيهِ قَوْلُ بَعْضِ الشُّعَراءِ في رَسُولِ اللَّهِ  مُبارَكُ الوَجْهِ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِهِ ∗∗∗ ما في الأنامِ لَهُ عِدْلٌ ولا خَطَرُ الثّانِي: أنَّ الأنامَ الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّ الأنامَ جَمِيعُ الخَلْقِ مِن كُلِّ ذِي رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَنامُ، قالَ الشّاعِرُ جادَ الإلَهُ أبا الوَلِيدِ ورَهْطَهُ ∗∗∗ رَبُّ الأنامِ وخَصَّهُ بِسَلامٍ ﴿ فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ذاتَ الأكْمامِ النَّخْلُ، وأكْمامُها لِيفُها الَّذِي في أعْناقِها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ رَقَبَةُ النَّخْلِ الَّتِي تُكَمَّمُ فِيهِ طَلْعًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وذاتُ أثارَةٍ أكَلْتُ عَلَيْها ∗∗∗ نَباتًا في أكْمِتَةِ قِفارُ الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّلْعُ المُكَمَّمُ الَّذِي هو كِمامُ الثَّمَرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّ مَعْنى ذاتِ الأكْمامِ أيْ ذَواتِ فُضُولٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ ﴾ أمّا الحَبُّ فَهو كُلُّ حَبٍّ خَرَجَ مِن أكْمامِها كالبُرِّ والشَّعِيرِ.

وَأمّا العَصْفُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تِبْنُ الزَّرْعِ ووَرَقُهُ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّيحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الزَّرْعُ إذا اصْفَرَّ ويَبِسَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ حَبُّ المَأْكُولِ مِنهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ وأمّا الرِّيحانُ فَفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجْنا نَطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ أيْ رِزْقَهُ، ويُقالُ سُبْحانَكَ ورَيْحانَكَ أيْ رِزْقَكَ، وقالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ ورِخْيَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ قالَهُ الضَّحّاكُ، ورُخْيَتُهُ هي لُغَةُ حِمْيَرٍ.

الثّانِي: أنَّ الرَّيْحانَ الزَّرْعُ الأخْضَرُ الَّذِي لَمْ يُسَنْبَلْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الرَّيْحانُ الَّذِي يُشَمُّ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّ العَصْفَ الوَرَقُ الَّذِي لا يُؤْكَلُ والرَّيْحانُ هو الحَبُّ المَأْكُولُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ في الآلاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النِّعَمُ، وتَقْدِيرُهُ فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ كامِلٌ يَجْمَعُ الآلاءَ الفَتى ∗∗∗ بِيَدَيْهِ سَيِّدُ السّاداتِ خَصْمٌ الثّانِي: أنَّها القُدْرَةُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ فَبِأيِّ قُدْرَةِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والكَلْبِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ رَبِّكُما إشارَةٌ إلى الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ في قَوْلِ الجَمِيعِ.

وَقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَرَأ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ  سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها ثُمَّ قالَ: (ما لِي أراكم سُكُوتًا؟

!

الجِنُّ أحْسَنُ مِنكم رَدًّا، كُنْتُ كُلَّما قَرَأْتُ عَلَيْهِمِ الآيَةَ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبِّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ» .

وتِكْرارُها في هَذِهِ السُّورَةِ لِتَقْرِيرِ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها، فَقَرَّرَهم عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ مِنها، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ أما أحْسَنْتُ إلَيْكَ حِينَ وهَبْتُ إلَيْكَ مالًا؟

أما أحْسَنْتُ إلَيْكَ حِينَ بَنَيْتُ لَكَ دارًا، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلِ بْنِ رَبِيعَةَ يَرْثِي أخاهُ كُلَيْبًا ؎ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ ∗∗∗ عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مرج البحرين ﴾ قال: أرسل البحرين ﴿ بينهما برزخ ﴾ قال: حاجز ﴿ لا يبغيان ﴾ قال: لا يختلطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال: مرجهما استواؤهما ﴿ بينهما برزخ ﴾ قال: حاجز من الله ﴿ لا يبغيان ﴾ قال: لا يختلطان، وفي لفظ لا يبغي أحدهما على الآخر لا العذب على المالح ولا المالح على العذب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال: حسنهما ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ قال: البرزخ عزمة من الله لا يبغي أحدهما على الآخر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن ﴿ مرج البحرين ﴾ قال: بحر فارس وبحر الروم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال: بحر فارس وبحر الروم وبحر المشرق وبحر المغرب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ مرج البحرين ﴾ قال: بحر السماء وبحر الأرض ﴿ يلتقيان ﴾ كل عام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال: بحر السماء وبحر الأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ قال: بينهما من البعد ما لا يبغي كل واحد منهما على صاحبه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ بينهما برزخ ﴾ قال: أنتم البرزخ ﴿ لا يبغيان ﴾ عليكم فيغرقانكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ قال: برزخ الجزيرة واليبس ﴿ لا يبغيان ﴾ على اليبس، ولا يبغي أحدهما على صاحبه وما أخذ أحدهما من صاحبه فهو بغي يحجز أحدهما عن صاحبه بلطفه وقدرته وجلاله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن وقتادة ﴿ لا يبغيان ﴾ قال: لا يطغيان على الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن أبزى ﴿ بينهما برزخ ﴾ قال: البعد.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ بينهما برزخ ﴾ قال: بئر هاهنا عذب، وبئر هاهنا مالح.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ ﴾ قال: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها، فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: إذا قطر القطر من السماء فتحت له الأصداف فكان اللؤلؤ.

وأخرج الفريابي وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: المرجان عظام اللؤلؤ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عليّ بن أبي طالب قال: المرجان عظام اللؤلؤ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: المرجان ما عظم من اللؤلؤ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مرة قال: تلمرجان جيد اللؤلؤ.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: اللؤلؤ ما عظم منه، والمرجان اللؤلؤ الصغار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: اللؤلؤ عظام اللؤلؤ، والمرجان صغار اللؤلؤ.

وأخرج ابن أبي الدنيا في الوقف والابتداء عن مجاهد في قوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ قال: اللؤلؤ عظام اللؤلؤ، والمرجان اللؤلؤ الصغار.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن والضحاك قال: اللؤلؤ العظام والمرجان الصغار.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود قال: المرجان الخرز الأحمر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال عليَّ وفاطمة ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ «قال: النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ قال: الحسن والحسين» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك في قوله: ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال: عليَّ وفاطمة ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ قال: الحسن والحسين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَلَهُ الْجَوَارِ ﴾ يعني السفن، واحدتها جارية، كقوله ﴿ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ  ﴾ .

﴿ الْمُنْشَآتُ ﴾ قال أبو عبيدة: المرفوعات المجريات (١) (٢) والقراءة المعروفة فتح الشين، وقرأ حمزة بكسر الشين (٣) وإضافة السير إليها اتساع أيضًا؛ لأن سيرها إنما يكون في الحقيقة بهبوب الريح أو دفع الصواري (٤) قوله تعالى: ﴿ كَالْأَعْلَامِ ﴾ أي: كالجبال، والعَلَم الجبل، قال الفراء: وكل جبل طال فهو علم (٥) قال جرير: إذا قطعنا علمًا بدا علم (٦) وقالت الخنساء: وإن صخرًا (٧) قال مقاتل: شبه السفن في البحر كالجب الذي البر (٨) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قلوع السفينة إذا رفعت كانت كأنها الجبال، وقال الكلبي: شبهها بالجبال إذا رفع شروعها.

(٩) وقال مجاهد: ما رفع قِلْعُه من السفن فهي منشأة، وما لم يرفع قِلْعُها فليست منشأة (١٠) (١١) (١٢) (١) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 244.

(٢) كذا في (ك) ولم أتبين معناها.

(٣) قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ﴿ المنشِآت ﴾ بكسر الشين.

وقرأ الباقون بفتحها.

انظر: "حجة الفراءات" 691 - 692، و"النشر" 2/ 381" و"الإتحاف" ص 46.

(٤) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 248.

(٥) انظر: "معاني القرآن" 3/ 115.

(٦) انظر: "ديوان جرير" ص 52، و"مجاز القرآن" 2/ 244، و "معاني القرآن" للزجاج 5/ 1.

(٧) هو صخر بن عمرو السلمي، شاعر جاهلي، كان حليمًا جوادًا بارًا بأخته الخنساء، أصيب بطعنة مات على أثرها.

انظر: "المعارف" ص 85، و"الأغاني" 15/ 76، و"الإصابة" (في ترجمة الخنساء) 7/ 614، و "جمهرة أنساب العرب" ص 261، وبيت الخنساء في "ديوانها" ص 49، و"معنى اللبيب وشواهده" ص 566.

(٨) لم أجده.

(٩) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 316.

(١٠) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 641، و"جامع البيان" 27/ 78.

(١١) انظر: "حجة القراءات" ص 692.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" 1/ 5.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام ﴾ يعني السفن وسماها منشآت لأن الناس ينشؤونها، وقرأ حمزة وأبو بكر المنشِئات بكسر الشين بمعنى أنها تنشىء السير او تنشئ الموج، والأعلام الجبال شبه السفن بها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ قد عرفت العرب وعلمت أن "الرحمن" على ميزان "فعلان"، ومشتق من الرحمة، لكن أحخدا من الخلائق لا يبلغ في الرحمة مبلغا يستحق تسيمته به: رحمانا؛ لذلك خص الله  نفسه بتسميته: الرحمن، وإن كان مشتقّاً من الرحمة؛ كالرحيم، وجاز تسمية غيره: رحيما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ، ذكر أن الرحمن علم القرآن، ولم يذكر لمن علمه؛ فجاز أن يكون المراد منه: أنه - تبارك  - علم القرآن رسولنا  .

ثم يخرج ذلك على وجوه: أحدها: أنه جبريل -  - حيث قال: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ  ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ  ﴾ لكن خرجت الإضافة إلى الله  ؛ لما أنه علمه بأمره.

والثاني: أضاف التعليم إلى نفسه، لما أنه هو الذي أثبته في قلبه حتى لا ينساه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ .

والثالث: أضاف إلى نفسه، وإن علمه جبريل -  - لأنه هو الخالق لفعل التعليم من جبريل،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ أي: آدم  ، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أي: الأسماء التي ذكر في آية أخرى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا  ﴾ ؛ إذ لا سبيل إلى معرفة الأسماء إلا بالتلقين، ليس كالأشياء التي تعرف وتدرك بالاستدلال.

ويحتمل أن يكون المراد بقوله  : ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ أي: خلق كل إنسان وعلمه البيان: أي: علمه بيان ما يمتحنهم به من الأمر والنهي؛ ليعلم أنه لم يخلق الإنسان ليتركه سدى.

ويحتمل: علم كل إنسان ما غاب عنهم حتى عرفوا بما شاهدوا - باللون والطعم واللذة - طعم ما غاب عنهم من جنسه ولونه ولذته؛ استدلالا بما شاهدوا.

ويحتمل: الاستدلال بالشاهد على معرفة الله  ، وهو أنهم لما شاهدوا الإنسان محتاجا، عاجزا، محاطا بالحوائج والحوادث عرفوا أن له خالقا عالما قادرا أنشأه كذلك.

ويحتمل: ما ذكر من تعليم البيان بيان القرآن، وذلك راجع إلى رسول الله  : أنه علمه القرآن، وعلمه البيان، [و]هو بيان القرآن؛ حتى يبين للناس كل ما يحتاجون إيه، وما لهم وما عليهم.

وجائز أن يصرف بعضه إلى النبي  ، وهو قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ ، وبعضه إلى آدم -  - وهو قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ ، وتفسيره ماذكرناه.

وقال بعضهم: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ ﴾ آدم، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ بيان الدنيا والآخرة.

وجاز أن يكون خلق الإنسان كل إنسان علم القرآن، وعلمه البيان أي: علم شيئا من بيان القرآن من الأحكام والشرائع، ونحو ذلك.

وقال القتبي: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ أي: الكلام، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل بوجهين: أحدهما: أي: يحسب بهما عدد الأوقات والأزمنة، ويعرف بهما حساب ذلك.

والثاني: يحسب بهما حساب منازلهما التي يطلعان منها ويبغيان فيها، ومجاريهما [التي]، يجريان فيها لا يجاوزانها في شتاء ولا صيف.

وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ جميع الحساب.

وقال القتبي: ﴿ بِحُسْبَانٍ ﴾ بحساب ومنازل لا يعدوانها.

وفيه زيادة معنى: أن الله  جعلهما بحيث يعرف بهما حقيقة أعين الأشياء؛ لما جعل فيهما من النور والضياء الذي بهما تتجلى للخلق الأشياء المستورة، فيقال لمنكري الرسالة وتفصيل بمعض البشر على بعض: لما شاهدتم أشياء خصت بفضل ضياء وتجلِّ لم يكن ذلك لغيرها، فلم أنكرتم فضل بعض البشر بفضل بيان وعلم رسالة؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ النجم يحتمل وجهين: أحدهما: الكواكب، فإن كان هو المراد، فكأنه يقول: يسجد له ما به زينة السماء وما به زينة الأرض، وهي الكواكب، وهي الأشجار.

ويحتمل النجم كل نبت ينبت في الأرض لا ساق له، والشجر هو الذي له ساق؛ كأنه يقول: يسجد له كل ما يظهر من الأرض ويخرج، ما ارتفع وعلا، وما لم يرتفع.

ثم سجودهما يحتمل وجوها: أحدها: سجود خلقه؛ قد جعل الله  في خلقه كل شيء دلالة السجود له والشهادة له بالوحدانية.

والثاني: سجود هذه الأشياء الموا،: طاعتها له عن اضطرار وتسخير؛ نحو قوله  : ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  ﴾ .

والثالث: سجود حقيقة، يجعل الله في سرية هذه الأشياء معنى يسجدون به لله  يعلمه هو، ولا يعلمه غيره؛ كقوله  : ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

وقال بعضه الناس: سجودهما: هو تمييل ظلالهما؛ كقوله  : ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ  ﴾ ؟

ثم لا يلزم السجود بتلاوة هذه الآية وأمثالها مما ذكر سجود الموات وطاعتها؛ لأنها موات ليست بأهل السجود، وإنما سجودهما عن اضطرار كل مخلوق في معناه في الدلالة على السجود، وإنما يلزم السجود بتلاوة آيات ذكر فيها سجود من هو من أهل السجود، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أراد حقيقة الرفع، أي: رفعها بغير عمد من الأسفل، ولا تعليق من الأعلى، أي: أنشأها كذلك مرفوعة، لا أ ن كانت موضوعة فرفعها وأمسكها كذلك؛ ليلعم أن قدرته خلاف قدرة الخلق وقوتهم.

والثاني: ﴿ رَفَعَهَا ﴾ أي: رفع قدرها ومنزلتها في قلوب الخلق حتى يرفعوا أيديهم وأبصارهم إليها عند الحاجة؛ لما جعل فيها لهم من الأرزاق والبركات التي تنزل من السماء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل حقيقة الميزان الذي يزن الناس به الأشياء، وبه يتحقق الإبقاء الاستيفاء، امتحنهم بذلك؛ ليعرفوا بذلك قبح التقصير فيما أمروا به والمجاوزة عما نهوا عنه، وذلك يحتمل في الأحكام، والشرائع والتوحيد، وصرف الألوهية والعبادة إلى غير الذي يستحقه؛ ليعلموا التقصر في ذلك، والله أعلم.

ويحتمل المراد بالميزان: الأحكام التي وضعت بين الخلق، والشرائع التي جعلت عليهم؛ ليقوموا بوفائها وينتهوا عن التقصير فيها، والتعدي عن حدودها.

وقيل: الميزان: العدل، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وذكر أن الموازين ثلاثة: أحدها: العقول، وهي التي يعرف بها محاسن الأشياء ومساوئها، وقبح الأشياء وحسنها.

والثاني: الميزان الذي جعل بين الخلق لإبقاء الحقوق والاستيفاء.

والثالث: الذي جعل في الآخرة؛ ليوفى به ثواب الأعمال وجزاؤها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ ﴾ ، ﴿ وَلاَ تُخْسِرُواْ ﴾ أي: لا تنقصوا في الميزان.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ ﴾ أمر بإقامة الوزن والإتمام في الوزن؛ أَمْر بالإتمام، ونهي عن النقصان، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وهاهنا جمع بينهما صريحا؛ تأكيد لباب الوزن والميزان.

ويحتمل الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.

وعن قتادة: كان ابن عباس -  - يقول: يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين هلك الناس بهما قبلكم، هما: المكيال والميزان.

وقال مجاهد في قوله  : ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ في الميزان باللسان؛ أي: لسان الميزان.

وقيل: لابن عمر -  ما -: إن أهل المدينة لا يوفون الكيل، قال: وما يمنعهم، وقد قال الله  : ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ ؟!.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ .

قال بعضهم: الأنام: هو كل ذي روح.

وقال بعضهم: الأنام: هو مع الخلق.

ولكن عندنا: الأنام: كأنه البشر، للآية؛ لأنه أخبر أن الأرض أنشأها للبشر، [و] وضعها لهم، وهو ما ذكر في مواضع: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ يذكرهم نعمه التي أنشأها لهم في الأرض من الفواكه وأنواع الثمار والحبوب التي جعلها زرقا لهم وقوتا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ ﴾ أي: ذات الغلق والأغطية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ ﴾ برفع النون وكسرها؛ فمن كسرها ذهب إلى أن الريحان: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب الثمار، والعصف: الورق؛ فيكون المعنى: والحب ذو الورق والرزق.

ومن رفعها فعلى الابتداء؛ غطفا على الحب.

واختلفوا في تفسير العصف والريحان: منهم من قال: العصف: ورق الزرع من الحنطة والشعير وغيرهما.

وقيل: هو التبن.

وقيل: هو أول ما ينبت من الزرع.

وقيل: العصف: هو الزرع نفسه، ولكن أضاف العصف إلى الحب؛ لما منه ينشأ الحب وما يخرج.

وأما الريحان قال: هو خضرة الزرع.

وقيل: هو الذي يشتم.

وقيل: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب في الثمار؛ كذلك روي عن ابن عباس -  ما -: الريحان: هو الحب.

وقال القتبي: الريحان الرزق؛ يقال: اطلب ريحان الله، أي رزقه، و الله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ هذا خطاب للجن والإنس، وفيه دلالة أن النبي  كان مبعوثا إلى الإنس والجن جميعا؛ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ  ﴾ .

وقيلأ: ليس أن يخاطبهما جملة، لكن يخاطب كل أنسي وجني في نفسه؛ كقوله  : ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ  ﴾ ٍ، ليس أن قال الفريقان جيمعا: كونوا هودا تهتدوا، ولكن قال اليهود: كونوا هودا تهتدوا، وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؛ فعلى ذلك هذا.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله  على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها، فسكتوا فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أ؛سن مردودا منكم، كلما قرأت عليهم ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ قالوا: لا شيء من آلاء ربنا نكذب؛ فلك الحمد".

ثم فيما ذكر من قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ...

﴾ إلى آخره، يذكر نعمه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، ووحدانيته.

أما نعمه: فإنه بسط الأرض لهم بما فيها من أنواع الحبوب والفواكه التي بها قوامهم، والعصف وأنواع النبات التي بها قوام دوابهم.

وأما بيان قدرته وسلطانه: [فإنه] أنشأ هذه الفواكه والحبوب في أكامها ما يعجز الخلق عن إحداث شيء وفعله في الغلف؛ ليعلم أن صنعه وفعله خراج عن المعالجات والممارسات التي لا تتحقق مع الأغطية، وأن قدرته وفعله غير مقيسين بأفعال الخلق وقدرتهم، كذلك الأولاك في البطون، والفراخ في البيض، وأمثالها في الظلمات؛ ليعلم أنه لا يخفى عليه شيء، ثم أنشأ هذه الثمار والحبوب في الوقت الذي لا تحتمل البرد والحر والأكمام من وراء الحجب، وأمسكها فيها في حال ضفعها، فإذا اشتدت وقويت أخرجها من الغلف، وفي ذلك لطف منه ونعمة عظيمة على خلقه.

وفيه إثبات البعث من وجهين: أحدهما: أن من قدر على إنشاء هذه الأشياء، لقادر على إعادة الخلق.

والثاني: أنه لما أنشأ لهم ما ذكر، ثم منهم من شكر هذه النعم، ومنهم من كفر، ثم استويا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما - فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما.

وفيه لزوم الامتحان؛ إذ لا يحتمل أن ينشئ لهم هذه النعهم، ثم بتركهم سدى لا يستأدي شكر ما أنعم عليهم.

ثم معرفة الشاكر منهم والكافر لا يعرف إلا بمعرف يعرفهم؛ لأن مقدار الشكر وكيفيته لا يعرف بمجرد العقل؛ فيضطرهم إلى رسول يخبرهم عن الله  ذلك؛ فيكون فيه إثبات الرسالة.

ثم في إخراج هذه الحبوب والفواكه كلها في وقت واحد من المشرق والمغرب على سنن واحد في زمان واحد من غير تفاوت - دليل أن علمه وتدبيره أزليان ذاتيان؛ إذ لم يمنعه شيء عن شيء.

ثم اتساق ذلك واتصال ما ذكر من منايع الأرض بمنافع السماء من غير مدخل من أحد - دليل على وحدانيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد ما جرى ذلك على سنن واحد، على ما هو التدافع والتمانع في الأمر القائم بين اثنين عند الاختلاف، والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وله - سبحانه وتعالى - وحده التصرف في السفن الجارية في البحار مثل الجبال.

<div class="verse-tafsir" id="91.qbDeM"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله