تفسير الآية ٢٨ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٢٨ من سورة الرحمن

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٨ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس الجن تكذبان؟

قاله مجاهد وغير واحد ويدل عليه السياق بعده أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون "فبأي آلاء ربكما تكذبان".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) يقول تعالى ذكره: فبأيّ نِعَم ربكما معشر الثقلين من هذه النعم تكذّبان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " [ ص : 32 ] .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا !

؟

ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟

!

والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" فبأي آلاء ربكما تكذبان ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبأي آلاء ربكما تكذبان».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فبأي نِعَم ربكما -أيها الثقلان- تكذِّبان؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: الوجه يطلق على الذات والمجسم يحمل الوجه على العضو وهو خلاف العقل والنقل أعني القرآن لأن قوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ  ﴾ يدل على أن لا يبقى إلا وجه الله تعالى، فعلى القول الحق لا إشكال فيه لأن المعنى لا يبقى غير حقيقة الله أو غير ذات الله شيء وهو كذلك، وعلى قول المجسم يلزم أن لا تبقى يده التي أثبتها ورجله التي قال بها، لا يقال: فعلى قولكم أيضاً يلزم أن لا يبقى علم الله ولا قدرة الله، لأن الوجه جعلتموه ذاتاً، والذات غير الصفات فإذا قلت: كل شيء هالك إلا حقيقة الله خرجت الصفات عنها فيكون قولكم نفياً للصفات، نقول: الجواب عنه بالعقل والنقل، أما النقل فذلك أمر يذكر في غير هذا الموضع، وأما العقل فهو أن قول القائل: لم يبق لفلان إلا ثوب يتناول الثوب وما قام به من اللون والطول والعرض، وإذا قال: لم يبق إلا كمه لا يدل على بقاء جيبه وذيله، فكذلك قولنا: يبقى ذات الله تعالى يتناول صفاته وإذا قلتم: لا يبقى غير وجهه بمعنى العضو يلزمه أن لا تبقى يده.

المسألة الثانية: فما السبب في حسن إطلاق لفظ الوجه على الذات؟

نقول: إنه مأخوذ من عرف الناس، فإن الوجه يستعمل في العرف لحقيقة الإنسان، ألا ترى أن الإنسان إذا رأى وجه غيره يقول: رأيته، وإذا رأى غير الوجه من اليد والرجل مثلاً لا يقول: رأيته، وذلك لأن اطلاع الإنسان على حقائق الأشياء في أكثر الأمر يحصل بالحس، فإن الإنسان إذا رأى شيئاً علم منه مالم يكن يعلم حال غيبته، لأن الحس لا يتعلق بجميع المرئي وإنما يتعلق ببعضه، ثم إن الحس يدرك والحدس يحكم فإذا رأى شيئاً بحسه يحكم عليه بأمر بحدسه، لكن الإنسان اجتمع في وجهه أعضاء كثيرة كل واحد يدل على أمر، فإذا رأى الإنسان وجه الإنسان حكم عليه بأحكام ما كان يحكم بها لولا رؤيته وجهه، فكان أدل على حقيقة الإنسان وأحكامه من غيره، فاستعمل الوجه في الحقيقة في الإنسان ثم نقل إلى غيره من الأجسام، ثم نقل لي ما ليس بجسم، يقال في الكلام هذا وجه حسن وهذا وجه ضعيف، وقول من قال: إن الوجه من المواجهة كما هو المسطور في البعض من الكتب الفقهية فليس بشيء إذ الأمر على العكس، لأن الفعل من المصدر والمصدر من الاسم الأصلي وإن كان بالنقل، فالوجه أول ما وضع للعضو ثم استعمل واشتق منه غيره، ويعرف ذلك العارف بالتصريف البارع في الأدب.

المسألة الثالثة: لو قال: ويبقى ربك أو الله أو غيره فحصلت الفائدة من غير وقوع في توهم ما هو ابتدع، نقول: ما كان يقوم مقام الوجه لفظ آخر ولا وجه فيه إلا ما قاله الله تعالى، وذلك لأن سائر الأسماء المعروفة لله تعالى أسماء الفاعل كالرب والخالق والله عند البعض بمعنى المعبود، فلو قال: ويبقى ربك ربك، وقولنا: ربك معنيان عند الاستعمال أحدهما أن يقال: شيء من كل ربك، ثانيهما أن يقال: يبقى ربك مع أنه حالة البقاء ربك فيكون المربوب في ذلك الوقت، وكذلك لو قال: يبقى الخالق والرازق وغيرهما.

المسألة الرابعة: ما الحكمة في لفظ الرب وإضافة الوجه إليه، وقال في موضع آخر: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله  ﴾ وقال: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله  ﴾ نقول: المراد في الموضعين المذكورين هو العبادة.

أما قوله: ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ فظاهر لأن المذكور هناك الصلاة، وأما قوله: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله ﴾ فالمذكور هو الزكاة قال تعالى من قبل: ﴿ فَئَاتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل  ﴾ ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله  ﴾ ولفظ الله يدل على العبادة، لأن الله هو المعبود، والمذكور في هذا الموضع النعم التي بها تربية الإنسان فقال: ﴿ وَجْهُ رَبّكَ ﴾ .

المسألة الخامسة: الخطاب بقوله: ﴿ رَبَّكَ ﴾ مع من؟

نقول: الظاهر أنه مع كل أحد كأنه يقول: ويبقى وجه ربك أيها السامع، ويحتمل أن يكون الخطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: فيكف قال: ﴿ فَبِأَيِّ ءَالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ خطاباً مع الإثنين، وقال: ﴿ وَجْهُ رَبّكَ ﴾ خطاباً مع الواحد؟

نقول: عند قوله: ﴿ ويبقى وَجْهُ رَبّكَ ﴾ وقعت الإشارة إلى فناء كل أحد، وبقاء الله فقال وجه ربك أي يا أيها السامع فلا تلتفت إلى أحد غير الله تعالى، فإن كل من عداه فان، والمخاطب كثيراً ما يخرج عن الإرادة في الكلام، فإنك إذا قلت: لمن يشكو إليك من أهل موضع سأعاقب لأجلك كل من في ذلك الموضع يخرج المخاطب عن الوعيد، وإن كان من أهل الموضع فقال: ﴿ ويبقى وَجْهُ رَبّكَ ﴾ ليعلم كل أحد أن غيره فان، ولو قال: وجه ربكما لكان كل واحد يخرج نفسه ورفيقه المخاطب من الفناء، فإن قلت: لو قال ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل؟

نقول: كأن الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلو قال: بلفظ الرب لم يدل عليه الخطاب، وفي لفظ الرب عادة جارية وهي أنه لا يترك استعماله مع الإضافة.

فالعبد يقول: ربنا اغفر لنا، ورب اغفر لي، والله تعالى يقول: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ  ﴾ و ﴿ رَبّ العالمين  ﴾ وحيث ترك الإضافة ذكره مع صفة أخرى من أوصاف اللفظ، حيث قال تعالى: ﴿ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ ولفظ الرب يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى التربية، يقال: ربه يربه رباً مثل رباه يربيه، ويحتمل أن يكون وصفاً من الرب الذي هو مصدر بمعنى الراب كالطب للطبيب، والسمع للحاسة، والبخل للبخيل، وأمثال ذلك لكن من باب فعل، وعلى هذا فيكون كأنه فعل من باب فعل يفعل أي فعل الذي للغريزي كما يقال فيما إذا قلنا: فلان أعلم وأحكم، فكان وصفاً له من باب فعل اللازم ليخرج عن التعدي.

المسألة السادسة: ﴿ الجلال ﴾ إشارة إلى كل صفة من باب النفي، كقولنا: الله ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولهذا يقال: جل أن يكون محتاجاً، وجل أن يكون عاجزاً، والتحقيق فيه أن الجلال هو بمعنى العظمة غير أن العظمة أصلها في القوة، والجلال في الفعل، فهو عظيم لا يسعه عقل ضعيف فجل أن يسعه كل فرض معقول: ﴿ والإكرام ﴾ إشارة إلى كل صفة هي من باب الإثبات، كقولنا: حي قادر عالم، وأما السميع والبصير فإنهما من باب الإثبات كذلك عند أهل السنة، وعند المعتزلة من باب النفي، وصفات باب النفي قبل صفات باب الإثبات عندنا، لأنا أولاً نجد الدليل وهو العالم فنقول: العالم محتاج إلى شيء وذلك الشيء ليس مثل العالم فليس بمحدث ولا محتاج، ولا ممكن، ثم نثبت له القدرة والعلم وغيرهما، ومن هنا قال تعالى لعباده: ﴿ لاَ إله إِلاَّ الله  ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» ونفي الإلهية عن غير الله، نفي صفات غير الله عن الله، فإنك إذا قلت: الجسم ليس بإله لزم منه قولك: الله ليس بجسم و(الجلال والإكرام) وصفان مرتبان على أمرين سابقين، فالجلال مرتب على فناء الغير والإكرام على بقائه تعالى، فيبقى الفرد وقد عز أن يحد أمره بفناء من عداه وما عداه، ويبقى وهو مكرم قادر عالم فيوجد بعد فنائهم من يريد، وقرئ: ﴿ ذُو الجلال ﴾ ، و ﴿ ذِى الجلال ﴾ .

وسنذكر ما يتعلق به في تفسير آخر السورة إن شاء الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ عَلَيْهَا ﴾ على الأرض ﴿ وَجْهُ رَبّكَ ﴾ ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون: أين وجه عربي كريم ينقذني من الهوان، و ﴿ ذُو الجلال والإكرام ﴾ صفة الوجه.

وقرأ عبد الله: ﴿ ذي ﴾ على: صفة ربك.

ومعناه: الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم.

أو الذي يقال له: ما أجلك وأكرمك.

أو من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده، وهذه الصفة من عظيم صفات الله؛ ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألظوا بياذا الجلال والإكرام» وعنه عليه الصلاة والسلام: أنه مر برجل وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: «قد استجيب لك» فإن قلت: ما النعمة في ذلك؟

قلت: أعظم النعمة وهي مجيء وقت الجزاء عقيب ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ مِن خَلْقِ مَوادِّ السُّفُنِ والإرْشادِ إلى أخْذِها وكَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِها وإجْرائِها في البَحْرِ بِأسْبابٍ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِها وجَمْعِها غَيْرُهُ.

﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها ﴾ مَن عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ أوِ المَرْكَباتِ ومَن لِلتَّغْلِيبِ، أوْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.

﴿ فانٍ ﴾ ﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ ذاتُهُ ولَوِ اسْتَقْرَيْتَ جِهاتِ المَوْجُوداتِ وتَفَحَّصْتَ وُجُوهَها وجَدْتَها بِأسْرِها فانِيَةً في حَدِّ ذاتِها إلّا وجْهَ اللَّهِ أيِ الوَجْهَ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ.

﴿ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ ذُو الِاسْتِغْناءِ المُطْلَقِ والفَضْلِ العامِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها ﴾ أيْ عَلى الأرْضِ الَّتِي وُضِعَتْ لِلْأنامِ مِنَ الحَيَواناتِ والمَرْكَباتِ ( ومَن ) لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِلثَّقَلَيْنِ ﴿ فانٍ ﴾ هالِكٌ ﴿ ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ أيْ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ هو سُبْحانَهُ وتَعالى، فالإضافَةُ بَيانِيَّةٌ وحَقِيقَةُ الوَجْهِ في الشّاهِدِ الجارِحَةِ واسْتِعْمالِهِ في الذّاتِ مَجازٌ مُرْسَلٌ كاسْتِعْمالِ الأيْدِي في الأنْفُسِ، وهو مَجازٌ شائِعٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ الجِهَةُ واسْتِعْمالُهُ في الذّاتِ مِن بابِ الكِنايَةِ وتَفْسِيرُهُ بِالذّاتِ هُنا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الخَلَفِ القائِلِينَ بِالتَّأْوِيلِ، وتَعْيِينُ المُرادِ في مِثْلِ ذَلِكَ دُونَ مَذْهَبِ السَّلَفِ، وقَدْ قَرَّرْناهُ لَكَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَتَذَكَّرَهُ وعُضَّ عَلَيْهِ بِالنَّواجِذِ.

والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في - رَبِّكَ - لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: هو لِلصّالِحِ لَهُ لِعِظَمِ الأمْرِ وفَخامَتِهِ، وفي الآيَةِ عِنْدَ المُؤَوِّلِينَ كَلامٌ كَثِيرٌ مِنهُ ما سَمِعَتْ، ومِنهُ ما قِيلَ: الوَجْهُ بِمَعْنى القَصْدِ ويُرادُ بِهِ المَقْصُودُ، أيْ ويُبْقى ما يَقْصِدُ بِهِ رَبُّكَ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأعْمالِ، وحَمَلَ كَلامُ مَن فَسَّرَهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ عَلى ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، وأقْرَبُ مِنهُ ما قِيلَ: وجْهُهُ تَعالى الجِهَةُ الَّتِي أمَرَنا عَزَّ وجَلَّ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها والتَّقَرُّبِ بِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ومَرْجِعُ ذَلِكَ العَمَلُ الصّالِحُ أيْضًا واللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يُبْقِيهِ لِلْعَبْدِ إلى أنْ يُجازِيَهُ عَلَيْهِ ولِذا وُصِفَ بِالبَقاءِ أوْ لِأنَّهُ بِالقَبُولِ صارَ غَيْرَ قابِلٍ لِلْفَناءِ لِما أنَّ الجَزاءَ عَلَيْهِ قامَ مَقامَهُ وهو باقٍ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلتَّعْلِيمِ في ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها ﴾ وقِيلَ: وجْهُهُ سُبْحانَهُ الجِهَةُ الَّتِي يَلِيها الحَقُّ أيْ يَتَوَلّاها بِفَضْلِهِ ويَفِيضُها عَلى الشَّيْءِ مِن عِنْدِهِ أيْ إنَّذَلِكَ باقٍ دُونَ الشَّيْءِ في حَدِّ ذاتِهِ فَإنَّهُ فانٍ في كُلِّ وقْتٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ وجْهُهُ المُمْكِنُ وهي جِهَةٌ حَيْثِيَّةٌ ارْتِباطُهَ وانْتِسابُهَ إلَيْهِ تَعالى، والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ فالمُمْكِنُ في حَدِّ ذاتِهِ أيْ إذا اعْتُبِرَ مُسْتَقِلًّا غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بِعِلَّتِهِ أعْنِي الوُجُودَ الحَقَّ كانَ مَعْدُومًا لِأنَّ ظُهُورَهُ إنَّما نَشَأ مِنَ العِلَّةِ ولَوْلاها لَمْ يَكُ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقَوْلُ العَلامَةِ البَيْضاوِيِّ: لَوِ اسْتَقْرَيْتَ جِهاتَ المَوْجُوداتِ وتَفَحَّصْتَ وُجُوهَها وجَدْتَها بِأسْرِها فانِيَةً في حَدِّ ذاتِها إلّا وجْهَ اللَّهِ تَعالى أيَ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ سُبْحانَهُ مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ وإنْ كانَ قَدْ فُسِّرَ الوَجْهُ قَبْلُ بِالذّاتِ، ولِلْعُلَماءِ في تَقْرِيرِ كَلامِهِ اخْتِلافٌ، فَمِنهم مَن يَجْعَلُ قَوْلَهُ: لَوِ اسْتَقْرَيْتَ إلَخْ تَتِمَّةٌ لِتَفْسِيرِهِ الأوَّلِ، ومِنهم مَن يَجْعَلُهُ وجْهًا آخَرَ، وهو عَلى الأوَّلِ أخْذٌ بِالحاصِلِ، وعَلى الثّانِي قِيلَ: يَحْتَمِلُ التَّطْبِيقَ عَلى كُلٍّ مِن مَذاهِبَ في المُمْكِناتِ المَوْجُودَةِ، وذَلِكَ أنَّها إمّا مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً بِمَعْنى أنَّها مُتَّصِفَةٌ بِالوُجُودِ اتِّصافًا حَقِيقِيًّا بِأنْ يَكُونَ الوُجُودُ زائِدًا عَلَيْها قائِمًا بِها، وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ الحُكَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ، وإمّا مَوْجُودَةٌ مَجازًا ولَيْسَ لَها اتِّصافٌ حَقِيقِيٌّ بِالوُجُودِ بِأنْ يَكُونَ الوُجُودُ قائِمًا بِها بَلْ إطْلاقُ المَوْجُودِ عَلَيْها كَإطْلاقِ الشَّمْسِ عَلى الماءِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ المُتَألِّهُونَ مِنَ الحُكَماءِ والمُحَقِّقُونَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ إلّا أنَّ ذَوْقَ المُتَألِّهِينَ أنَّ عَلاقَةَ المَجازِ أنَّ لَها نِسْبَةً مَخْصُوصَةً إلى حَضْرَةِ الوُجُودِ الواجِبِي عَلى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ وأنْحاءٍ شَتّى، والطُّرُقُ إلى اللَّهِ تَعالى بِعَدَدِ أنْفاسِ الخَلائِقِ، فالوُجُودُ عِنْدَهم جُزْئِيٌّ حَقِيقِيٌّ قائِمٌ بِذاتِهِ لا يُتَصَوَّرُ عُرُوضُهُ لِشَيْءٍ ولا قِيامِهِ بِهِ ومَعْنى كَوْنَ المُمْكِنُ مَوْجُودًا أنَّهُ مُظْهِرٌ لَهُ ومَجْلى يَنْجَلِي فِيهِ نُورُهُ - فاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ - والمُمَكَّناتُ بِمَنزِلَةِ المَرايا المُخْتَلِفَةِ الَّتِي تَنْعَكِسُ إلَيْها أشِعَةُ الشَّمْسِ ويَنْصَبِغُ كُلٌّ مِنها بِصَبْغٍ يُناسِبُهُ، ومَذاقُ المُحَقِّقِينَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ عَلاقَةَ المَجازِ أنَّها بِمَنزِلَةِ صِفاتٍ قائِمَةٍ بِذاتِ الواجِبِ سُبْحانَهُ إذْ لَيْسَ في الوُجُودِ عَلى مَذاقِهِمْ ذَواتٌ مُتَعَدِّدَةٌ بَعْضُها واجِبٌ وبَعْضُها مُمْكِنٌ بَلْ ذاتٌ واحِدَةٌ لَها صِفاتٌ مُتَكَثِّرَةٌ وشُؤُوناتٌ مُتَعَدِّدَةٌ وتَجَلِّياتٌ مُتَجَدِّدَةٌ ﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ  ﴾ والمَشْهُورُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَذاقَيْنِ.

ووَجْهُ التَّطْبِيقِ عَلى الأوَّلِ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ تَعالى هو الوُجُوبُ بِالغَيْرِ إذِ المُمْكِنُ - وإنْ كانَ مَوْجُودًا حَقِيقَةً عِنْدَ الجُمْهُورِ - لَكِنَّ وُجُودَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الواجِبِ بِالذّاتِ، وُجِهَةُ الِاسْتِفادَةِ لَيْسَتْ هي الذّاتَ ولا شَيْئًا آخَرَ مِنَ الجِهاتِ والوُجُوهِ كالإمْكانِ والمَعْلَوْلِيَّةِ والجَوْهَرِيَّةِ والعَرْضِيَّةِ والبَساطَةِ والتَّرْكِيبِ وسائِرِ الأُمُورِ العامَّةِ لِأنَّ كُلًّا مِنها جِهَتُهُ الخِسَّةُ، ومُقْتَضى الفِطْرَةِ الإمْكانِيَّةُ البَعِيدَةُ بِمَراحِلَ عَنِ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ المُنافِيَةِ لَهُ، وإنَّما جِهَةُ الشَّرَفِ القَرِيبَةُ المُناسِبَةُ لِلْوُجُوبِ الذّاتِيِّ جِهَةُ الوُجُوبِ بِالغَيْرِ فَهو وجْهٌ يَلِي جِهَةَ الواجِبِ ويُناسِبُهُ في كَوْنِهِ وُجُوبًا وإنْ كانَ بِالغَيْرِ، ولِذا يَعْقُبُهُ فَيَضانُ الوُجُودِ، ولِذا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ: المُمْكِنُ ما لَمْ يَجِبْ لَوْ يُوجَدُ.

ووَجْهُ التَّطْبِيقِ عَلى الثّانِي أنْ يُقالَ: الوَجْهُ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ تَعالى هو تِلْكَ النِّسْبَةُ المَخْصُوصَةُ المُصَحَّحَةُ لِإطْلاقِ لِفَظِّ المَوْجُودِ عَلَيْها ولَوْ مَجازًا، فالمَعْنى ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ مَعْدُومٌ لا يَصِحُّ أنْ يُطْلِقَ لَفْظُ المَوْجُودِ عَلَيْهِ ولَوْ مَجازًا إلّا بِاعْتِبارِ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ تَعالى أيَّ النِّسْبَةِ المَخْصُوصَةِ إلى حَضْرَتِهِ تَعالى وهي كَوْنُهُ مَظْهَرًا لَهُ سُبْحانَهُ، ووَجْهُ التَّطْبِيقِ عَلى الثّالِثِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالوَجْهِ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ تَعالى كَوْنُها شُؤُوناتٍ واعْتِباراتٍ لَهُ تَعالى.

فالمَعْنى ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها ﴾ مَعْدُومٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ والِاعْتِباراتِ إلّا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي جِهَتَهُ سُبْحانَهُ والِاعْتِبارِ الَّذِي يَحْصُلُ مَقِيسًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو كَوْنُهُ شَأْنًا مِن شُؤُونِهِ واعْتِبارًا مِنَ اعْتِباراتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَتَأمَّلَ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ أيْ يَجْعَلُهُ المُوَحِّدُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِهِ ويُثْبِتُونَ لَهُ ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ فَهَذا راجِعٌ إلى ما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ التَّعْظِيمِ في قُلُوبِ مِن عَرِفَهُ عَزَّ وجَلَّ أوِ الَّذِي يُقالُ في شَأْنِهِ: ما أجَّلَكَ وما أكْرَمَكَ أيْ هو سُبْحانَهُ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ في شَأْنِهِ ذَلِكَ قِيلَ أوْ لَمْ يُقَلْ فَهو راجِعٌ إلى ما لَهُ تَعالى مِنَ الكَمالِ في نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ قُصُورُ الإدْراكِ عَنْ شَأْوِهِ، أوْ مِن عِنْدِهِ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُوَحِّدِينَ فَهو راجِعٌ إلى الفِعْلِ أيْ يُجِلُّ المُوَحِّدِينَ ويُكْرِمُهم، وفَسَّرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ( الجَلالِ ) بِالِاسْتِغْناءِ المُطْلَقِ ( والإكْرامِ ) بِالفَضْلِ التّامِّ وهَذا ظاهِرٌ، ووَجْهُ الأوَّلِ بِأنَّ الجَلالَ العَظَمَةُ وهي تَقْتَضِي تَرَفُّعَهُ تَعالى عَنِ المَوْجُوداتِ ويَسْتَلْزِمُ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْها، ثُمَّ أُلْحِقَ بِالحَقِيقَةِ، ولِذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: عَظَمَةُ الشَّيْءِ الِاسْتِغْناءُ عَنْ غَيْرِهِ وكُلُّ مُحْتاجٍ حَقِيرٌ، وقالَ الكَرْمانَيُّ: إنَّهُ تَعالى لَهُ صِفاتٌ عَدَمِيَّةٌ مِثْلُ (لا شَرِيكَ لَهُ ) [الأنْعامَ: 163] وتُسَمّى صِفاتَ الجَلالِ لِما أنَّها تُؤَدّى بِجُلٍّ عَنْ كَذا جُلٌّ عَنْ كَذا وصِفاتُ وجُودِيِّهِ - كالحَياةِ والعِلْمِ - وتُسَمّى صِفاتُ الإكْرامِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.

والظّاهِرُ أنَّ ( ذُو ) صِفَةٌ لِلْوَجْهِ، ويَتَضَمَّنُ الوَصْفُ بِما ذَكَرَ عَلى ما ذَكَرَهُ البَعْضُ الإشارَةَ إلى أنَّ فَناءَ ﴿ مَن عَلَيْها ﴾ لا يُخِلُّ بِشَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، والإشارَةُ إلى أنَّهُ تَعالى بَعْدَ فَنائِهِمْ يَفِيضُ عَلى الثَّقَلَيْنِ مِن آثارِ كَرَمِهِ ما يَفِيضُ وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ، ووَصْفُ الوَجْهِ بِما وُصِفَ يُبْعِدُ كَوْنُهُ عِبارَةً عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ أوِ الجِهَةَ عَلى ما سَمِعَتْ آنِفًا وكَأنَّ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ يَقُولُ: ( ذُو ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى الرَّبِّ وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ، ثُمَّ قُطِعَتْ عَنِ التَّبَعِيَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةَ أُبَيِّ.

وعَبْدُ اللَّهِ - ذِي الجَلالِ - بِالياءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ تابِعَةٌ لِلرَّبِّ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ هَذا الوَصْفَ قَدْ خُصَّ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ، فَهو مِن أجَلِّ أوْصافِهِ سُبْحانَهُ، ويَشْهَدُ لَهُ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ والإمامِ أحْمَدَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عِامِرٍ مَرْفُوعًا ««ألِظُّوا بِيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ»» أيِ الزَمُوهُ واثْبُتُوا عَلَيْهِ وأكْثِرُوا مِن قَوْلِهِ والتَّلَفُّظِ بِهِ في دُعائِكم، ورَوى التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ ««أنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعا فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ المَنّانُ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ يا حَيُّ يا قَيُّومُ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ: أتَدْرُونَ بِما دَعا ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعا اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى»».

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ مِمّا يَتَضَمَّنُهُ ما ذَكَرَ فَإنَّ الفَناءَ بابٌ لِلْبَقاءِ، والحَياةِ الأبَدِيَّةِ، والإثابَةِ بِالنِّعْمَةِ السَّرْمَدِيَّةِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ مَلْزُومُ مَعْناها لِأنَّها كِنايَةٌ عَنْ مَجِيءِ وقْتِ الجَزاءِ وهو مِن أجَلِّ النِّعَمِ، ولِذَلِكَ خَصَّ ( الجَلالِ والإكْرامِ ) بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما يَدُلّانِ عَلى الإثابَةِ والعِقابِ المُرادُ مِنها تَخْوِيفُ العِبادِ وتَحْذِيرُهم مِنَ ارْتِكابِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِقابُ، والتَّحْذِيرُ مِن مَثَلِذَلِكَ نِعْمَةٌ، فَلِذا رَتَّبَ عَلَيْها بِالفاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ ﴾ إلَخْ، ولَيْسَ بِذاكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ يعني: ذو الورق وَالرَّيْحانُ يعني: ثمره.

وقال مجاهد: الْعَصْفِ يعني: ورق الحنطة وَالرَّيْحانُ الرزق.

وقال الضحاك: الحب، الحنطة، والشعير، الْعَصْفِ: التبن وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الْعَصْفِ الزرع وَالرَّيْحانُ الورق بلسان حمير.

ويقال: الْعَصْفِ السنبل وَالرَّيْحانُ ثمرته، وما ينتفع به.

ويقال: الرَّيْحانُ يعني: الرياحين، جمع الريحان وهو نبت لا ساق له.

قرأ ابن عامر: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ بنصب الباء، وإنما نصبه لأنه عطف على قوله: الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وَالْحَبُّ يعني: وخلق الحب ذا العصف وَالرَّيْحانُ.

وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ بضم النون والباء، لأنه عطف على قوله: فِيها فاكِهَةٌ وقرأ حمزة، والكسائي، هكذا إلا أنَّهما كسرا النون في قوله: وَالرَّيْحانُ عطفاً على الْعَصْفِ على وجه المجاورة.

وقد ذكر الله تعالى من أول السورة نعماءه، ثم خاطب الإنس والجن فقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وإن لم يسبق ذكرهما، لأن في الكلام دليلاً، وقد ذكرهما من بعده، وهو قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس تُكَذِّبانِ يعني: تتجاحدان بأنها ليست من الله تعالى.

قال بعضهم: آلاء الله ونعماء الله واحد.

إلا أن الآلاء أعم، والنعماء أخص.

ويقال: الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد، والنعماء: النعمة الباطنة وهو المعرفة بالقلب، كقوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: 20] وقال بعضهم: الآلاء إيصال النعم، والنعماء رفع البلايا.

مثاله أن رجلاً لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء.

وكذلك لسان الأخرس، ورجل مقعد، فله الآلاء، وليست له النعماء.

وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما، وقد ذكر في هذه السورة دفع البلية، وإيصال النعمة.

فكل ذلك سماه الآلاء.

وروى محمد بن المنذر، عن جابر، بن عبد الله، أن النبي  قرأ على أصحابه سورة الرحمن، فسكت القوم، فقال النبيّ  : «الجنُّ كَانُوا أَحْسَنَ رَدّاً مِنْكُمْ، مَا قَرَأْتَ عَلَيْهِمْ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلاَّ قَالُوا: ولا بواحدة منها فلك الحَمْدُ» .

وفي رواية أُخرى: أنه قال: «مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ إلاَّ قَالُوا وَلا بواحدة منها فلك الحمد» .

ثم قال: خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني: آدم مِنْ صَلْصالٍ يعني: الطين اليابس الذي يتصلصل أي: يصوت، كما يصوت الفخار.

ويقال: الصلصال الطين الجيد الذي ذهب عنه الماء، وتشقق.

كَالْفَخَّارِ يعني: الطين الذي يصنع به الفخار.

وقال في موضع آخر: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5] وقال في موضع آخر: مِنْ طِينٍ [السجدة: 7] وقال في موضع آخر: مِنْ صَلْصالٍ فهذا كله قد كان حالاً بعد حال.

وَخَلَقَ الْجَانَّ يعني: أبا الجن.

ثم قال هو إبليس: مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ يعني: من لهب من نار، وليس لها دخان.

وقال بعضهم: خلق من نار جهنم.

وقال بعضهم: من النار التي بين الكلة الرقيقة بين السماء، ومنها يكون البرق، ولا يرى السماء إلا من وراء تلك الكلة.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة أنتم.

يعني: خلقكم أيها الإنس من نفس واحدة، وخلقكم أيها الجن من نفس واحدة.

فكيف تنكرون هذه النعمة أنها ليست من الله تعالى؟.

ثم قال: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: هو رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ مشرق الشمس، ومشرق القمر.

وقيل: مشرق الشتاء، ومشرق الصيف وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: مغرب الشتاء، والصيف.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: نعمة أنتم من نعمائه أيها الجن والإنس تتجاحدان؟

ومعناه: أنتم حيث ما كنتم من مشارق الأرض ومغاربها في ملك الله تعالى، وتأكلون رزقه، وهو عالم حيث ما كنتم، وهو حافظكم، وناصركم، فكيف تنكرون هذه النعم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي آدَمَ "مِن صَلْصالٍ" قَدْ ذَكَرْنا في [الحِجْرِ: ٢٦،٢٧] الصَّلْصالَ والجانَّ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ كالفَخّارِ ﴾ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خُلِقَ مَن طِينٍ يابِسٍ لَمْ يُطْبَخْ، فَلَهُ صَوْتٌ إذا نُقِرَ، فَهو مِن يُبْسِهِ كالفَخّارِ.

والفَخّارُ: ما طُبِخَ بِالنّارِ.

فَأمّا المارِجُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

هو لِسانُ النّارِ الَّذِي يَكُونُ في طَرَفِها إذا التَهَبَتْ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هو المُخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِنَ اللَّهَبِ الأحْمَرِ والأصْفَرِ والأخْضَرِ الَّذِي يَعْلُو النّارَ إذا أُوقِدَتْ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هو لَهَبُ النّارِ الصّافِي مِن غَيْرِ دُخانٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المارِجُ: خَلْطٌ مِنَ النّارِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المارِجُ: لَهَبُ النّارِ، مِن قَوْلِكَ: قَدْ مَرِجَ الشَّيْءُ: إذا اضْطَرَبَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو اللَّهَبُ المُخْتَلِطُ بِسَوادِ النّارِ.

فَإنْ قِيلَ: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَتارَةً يَقُولُ: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ  ﴾ ، وتارَةً: ﴿ مِن صَلْصالٍ ﴾ وتارَةً: ﴿ مِن طِينٍ لازِبٍ  ﴾ ، وتارَةً: ﴿ كالفَخّارِ  ﴾ ، وتارَةً: ﴿ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ  ﴾ ؛ فالجَوابُ: [أنَّ الأصْلَ التُّرابُ فَجُعِلَ طِينًا، ثُمَّ صارَ كالحَمَإ المَسْنُونِ، ثُمَّ صارَ صَلْصالًا كالفَخّارِ، هَذِهِ أخْبارٌ عَنْ حالاتِ أصْلِهِ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرارِ قَوْلِهِ: " فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تَكْذِبانِ " الجَوابُ] أنَّ ذَلِكَ التَّكْرِيرَ لِتَقْرِيرِ النِّعَمِ وتَأْكِيدِ التَّذْكِيرِ بِها.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن مَذاهِبِ العَرَبِ التَّكْرارُ لِلتَّوْكِيدِ والإفْهامِ، كَما أنَّ مِن مَذاهِبِهِمُ الِاخْتِصارَ [لِلتَّخْفِيفِ والإيجازِ، لِأنَّ افْتِنانَ المُتَكَلِّمِ والخَطِيبِ في الفُنُونِ أحْسَنُ مِنِ اقْتِصارِهِ] في المَقامِ عَلى فَنٍّ واحِدٍ، يَقُولُ القائِلُ مِنهُمْ: واللَّهِ لا أفْعَلُهُ، ثُمَّ واللَّهِ لا أفْعَلُهُ، إذا أرادَ التَّوْكِيدَ وحَسْمَ الأطْماعِ مِن أنْ يَفْعَلَهُ، كَما يَقُولُ: واللَّهِ أفْعَلُهُ بِإضْمارِ "لا" إذا أرادَ الِاخْتِصارَ، ويَقُولُ القائِلُ المُسْتَعْجِلُ: اعْجَلِ اعْجَلْ، ولِلرّامِي: ارْمِ ارْمِ، قالَ الشّاعِرُ: كَمْ نِعْمَةٍ كانَتْ لَهُ وكَمْ وكَمْ وَقالَ الآخَرُ: هَلّا سَألْتَ جُمُوعَ كِنْ ∗∗∗ دَةَ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيْنا وَرُبَّما جاءَتِ الصِّفَةُ فَأرادُوا تَوْكِيدَها، واسْتَوْحَشُوا مِن إعادَتِها ثانِيَةً لِأنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، فَغَيَّرُوا مِنها حَرْفًا ثُمَّ أتْبَعُوها الأُولى، كَقَوْلِهِمْ: عَطْشانُ نَطْشانُ، وشَيْطانُ لَيْطانُ، وحَسَنٌ بَسَنٌ.

قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: ومِنَ الإتْباعِ: جائِعٌ نائِعٌ، ومَلِيحٌ قَرِيحٌ، وقَبِيحٌ شَقِيحٌ، وشَحِيحٌ نَحِيحٌ، وخَبِيثٌ نَبِيثٌ، وكَثِيرٌ بَثِيرٌ: وسَيِّغٌ لَيِّغٌ، وسائِغٌ لائِغٌ، وحَقِيرٌ نَقِيرٌ، وضَئِيلٌ بَئِيلٌ، وخَضِرٌ مَضِرٌ، وعِفْرِيتٌ نِفْرِيتٌ، وثِقَةٌ نِقَةٌ، وكِنٌّ إنٌّ، وواحِدٌ فاحِدٌ، وحائِرٌ بائِرٌ، وسَمْحٌ لَمْحٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلَمّا عَدَّدَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ نَعْماءَهُ.

وَأذْكَرَ عِبادَهُ آلاءَهُ ونَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ، جَعَلَ كُلَّ كَلِمَةٍ مِن ذَلِكَ فاصِلَةً بَيْنَ كُلِّ نِعْمَتَيْنِ، لِيُفْهِمَهُمُ النِّعَمَ ويُقْرِّرَهم بِها، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: ألَمْ أُبَوِّئْكَ مَنزِلًا وكُنْتَ طَرِيدًا؟

أفَتُنْكِرُ هَذا ؟

ألَمْ أحُجَّ بِكَ وأنْتَ صَرُورَةٌ؟

أفَتُنْكِرُ هَذا؟

.

وَرَوى الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قَرَأ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ  سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتّى خَتَمَها [ثُمَّ] قالَ: "مالِي أراكم سُكُوتًا؟!

لَلْجِنُّ كانُوا أحْسَنَ مِنكم رَدًّا، ما قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِن مَرَّةٍ "فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ" إلّا قالُوا: ولا بِشَيْءٍ مِن نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ.» قَوْلُهُ تَعالى ﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ﴾ قَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "رَبِّ المَشْرِقَيْنِ ورَبِّ المَغْرِبَيْنِ" بِالخَفْضِ، وهُما مَشْرِقُ الصَّيْفِ ومَشْرِقُ الشِّتاءِ ومَغْرِبُ الصَّيْفِ ومَغْرِبُ الشِّتاءِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ أيْ: أرْسَلَ العَذْبَ والمِلْحَ وخَلّاهُما وجَعَلَهُما "يَلْتَقِيانِ" ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ ﴾ أيْ: حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ يَبْغِيانِ ﴾ أيْ: لا يَخْتَلِطانِ فَيَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ يَلْتَقِيانِ كُلَّ عامٍ.

قالَ الحَسَنُ: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ يَعْنِي [بَحْرَ] فارِسَ والرُّومِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ، يَعْنِي الجَزائِرَ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا في [الفُرْقانِ: ٥٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ، وإنَّما جَمَعَهُما، لِأنَّهُ إذا خَرَجَ مِن أحَدِهِما فَقَدْ أُخْرِجَ مِنهُما، ومِثْلُهُ ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا  ﴾ .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أرادَ: يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، فَحُذِفَ المُضافُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما قالَ "مِنهُما" لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن أصْدافِ البَحْرِ عَنْ قَطْرِ السَّماءِ.

فَأمّا اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، فَفِيهِما قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَرْجانَ: ما صَغُرَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، واللُّؤْلُؤُ: العِظامُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اللُّؤْلُؤُ: اسْمٌ جامِعٌ لِلْحَبِّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ، والمَرْجانُ: صِغارُهُ.

والثّانِي: أنَّ اللُّؤْلُؤَ: الصِّغارُ، والمَرْجانَ: الكِبارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أمْطَرَتِ السَّماءُ، فَتَحْتِ الأصْدافُ أفْواهَها، فَما وقَعَ فِيها مِن مَطَرٍ فَهو لُؤْلُؤٌ؛ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَيْثُ وقَعَتْ قَطْرَةٌ كانَتْ لُؤْلُؤَةً.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ المَرْجانَ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ.

قالَ أبُو بَكْرٍ، يَعْنِي ابْنَ دُرَيْدٍ: ولَمْ أسْمَعَ فِيهِ بِفِعْلٍ مُنْصَرِفٍ، وأحْرِ بِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَرْجانُ: الخَرَزُ الأحْمَرُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: [المَرْجانُ] أبْيَضُ شَدِيدُ البَياضِ.

وحَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّ المَرْجانَ: ضَرْبٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ كالقُضْبانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الجَوارِ ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ "المُنْشَآتُ" قالَ مُجاهِدٌ: هو ما قَدْ رُفِعَ قِلْعُهُ مِنَ السُّفُنِ دُونَ ما لَمْ يُرْفَعْ قِلْعُهُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُنَّ اللَّواتِي أُنْشِئْنَ، أيِ: ابْتُدِئَ بِهِنَّ في "البَحْرِ" وقَرَأ حَمْزَةُ: "المُنْشِئاتُ"، فَجَعَلَهُنَّ اللَّواتِي ابْتَدَأْنَ، يُقالُ: أنْشَأتِ السَّحابَةُ تُمْطِرُ: إذا ابْتَدَأتْ، وأنْشَأ الشّاعِرُ يَقُولُ، والأعْلامُ: الجِبالُ، وقَدْ سَبَقَ هَذا [الشُّورى: ٣٢] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ ﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "مَرَجَ البَحْرَيْنِ" مَعْناهُ: أرْسَلَهُما إرْسالًا غَيْرَ مُنْحازٍ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ، ومِنهُ: مَرَجَتِ الدابَّةُ، ومِنهُ: الأمْرُ المَرِيجُ، أيْ: المُخْتَلِطُ الَّذِي لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ ﴿ مِن مارِجٍ مِن نارٍ  ﴾ .

واخْتَلَفَ الناسُ في البَحْرَيْنِ - فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بَحْرُ فارِسٍ وبَحْرُ الرُومِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: بَحْرُ القُلْزُمِ واليَمَنِ وبَحْرُ الشامِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: بَحْرٌ في السَماءِ وبَحْرٌ في الأرْضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا هو مَطَرُ السَماءِ -سَمّاهُ بَحْرًا- وبَحْرُ الأرْضِ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ يُرِيدُ بِهِما نَوْعَيِ الماءِ العَذْبِ والأُجاجِ، أيْ: خَلْطُهُما في الأرْضِ وأرْسَلَهُما مُتَداخِلَيْنِ في وضْعِهِما في الأرْضِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ، والعِبْرَةُ في هَذا التَأْوِيلِ مُنِيرَةٌ، وأنْشَدَ مُنْذِر بْن سَعِيد: ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبُ عَلى المِلْحِ طَيِّبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: "يَلْتَقِيانِ" فَعَلى التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَعْناهُما: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ وحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ، وعَلى القَوْلِ الثالِثِ أنَّهُما يَلْتَقِيانِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ بَحْرٌ يَجْتَمِعُ في السَماءِ فَهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وإنَّما يَتَوَجَّهُ اللِقاءُ فِيهِ وفي القَوْلِ الرابِعِ بِنُزُولِ المَطَرِ، وفي القَوْلِ الخامِسِ بِالأنْهارِ في البَحْرِ وبِالعُيُونِ قُرْبَ البَحْرِ.

و"البَرْزَخُ": الحاجِزُ في كُلِّ شَيْء، فَهو في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفي بَعْضِها القُدْرَةُ، والبَرْزَخُ أيْضًا المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ لِلْمَوْتى، فَهُو حاجِزٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ ماءَ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ أو حَدِيثٍ صَحِيحٍ وإلّا فالعِيانُ لا يَقْتَضِيه، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في "مَرَجَ البَحْرَيْنِ" ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يَجِبُ أنْ يَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ مِنها.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَبْغِيانِ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: لا يَبْغِي واحِدٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا والحَسَنُ: لا يَبْغِيانِ عَلى الناسِ والعُمْرانِ، وهَذانَ القَوْلانِ عَلى أنَّ اللَفْظَ مِنَ البَغْيِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مِن قَوْلِكَ: بَغْيٌ إذا طَلَبَ، فَمَعْناهُ: لا يَبْغِيانِ حالًا مِنَ الأحْوالِ غَيْرَ حالَيْهِما اللَتَيْنِ خُلِقا وسُخِّرا لَهُما.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اللُؤْلُؤُ: كِبارُ الجَوْهَرِ والمَرْجانُ: صِغارُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، ومُرَّةُ الهَمْدانِيُّ عَكْسُ هَذا، والوَصْفُ بِالصِغَرِ هو الصَوابُ في اللُؤْلُؤِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: المَرْجانُ حَجَرٌ أحْمَرُ، وهَذا هو الصَوابُ في المَرْجانِ، واللُؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ: اللُؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ -وَهُوَ طائِرٌ والبُؤْبُؤُ، وهو الأصْلُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِنهُما" - فَقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في كِتابِ "الحُجَّةِ": وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ مِنَ المِلْحِ ومِنَ العَذْبِ، ورَدَّ الناسُ عَلى الشاعِرِ في قَوْلِهِ: فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطْمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ وَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "مِنهُما"، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: إنَّما تَتَكَوَّنُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ لِأنَّ الصُدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أجْوافَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "مِنهُما"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ما مَعْناهُ: إنَّ خُرُوجَ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنَ المِلْحِ لَكِنَّهُ تَعالى قالَ: "مِنهُما" تَجَوُّزًا، كَما قالَ الشاعِرُ: ..............

∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وكَما قالَ الآخَر: ...........

∗∗∗ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا فَمِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا  ﴾ ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا  ﴾ ، وإنَّما هو في إحْداهُنَّ وهي الدُنْيا إلى الأرْضِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: العَذْبُ فِيهِما كاللِقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ: الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَكَرِ والأُنْثى.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأهْلُ المَدِينَةِ: "يَخْرُجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ "اللُؤْلُؤُ" رَفْعًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ عنهُ:- "يُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ عَلى إسْنادِهِ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: بِتَمْكِينِهِ وقُدْرَتِهِ "اللُؤْلُؤَ" نَصْبًا، ورَواها أيْضًا بِالنُونِ مَضْمُومَةً وكَسَرَ الراءَ.

و"الجَوارِ" جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي السُفُنُ، وقَرَأ الحَسَنُ، والنَخْعِيُّ: "الجَوارِيَ" بِإثْباتِ الياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِحَذْفِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "المُنْشَآتِ" بِفَتْحِ الشِينِ، أيْ: أنْشَأها اللهُ تَعالى أوِ الناسُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ بِخِلافٍ عنهُ-: "المُنْشِئاتِ" بِكَسْرِ الشِينِ، أيْ: تُنْشِئُ هي السَيْرَ إَقْبالًا وإدْبارًا، و"الأعْلامُ" الجِبالُ وما جَرى مَجْراها مِنَ الظِرابِ والآكامِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ فَهو مِنَ المُنْشَآتِ وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ تَعالى: "كالأعْلامِ" هو الَّذِي يَقْتَضِي هَذا الفَرْقَ، وأمّا لَفْظَةُ "المُنْشَآتُ" فَتَعُمُّ الكَبِيرَ والصَغِيرَ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ لِلْأرْضِ، وكَنّى تَعالى عنها ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذُكِرَ لِوُضُوحِ المَعْنى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ، والإشارَةِ بِالفَناءِ إلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، فَغَلَبَتْ عِبارَةُ مَن يَعْقِلُ فَلِذَلِكَ قالَ: "مَن".

و"الوَجْهُ" عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ لِأنَّ الجارِحَةَ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى، وهَذا كَما تَقُولُ: هَذا وجْهُ القَوْلِ والأمْرِ، أيْ: حَقِيقَتُهُ وذاتُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى صِفَةِ لَفْظَةِ الوَجْهِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبَيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" عَلى صِفَةِ الرَبِّ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تكرير كما تقدم وهذا الموقع ينادي على أن ليست هذه الجملة تذييلاً لجملة ﴿ كل من عليها فان ﴾ [الرحمن: 26]، ولا أن جملة ﴿ كل من عليها فان ﴾ تتضمن نعمة إذ ليس في الفناء نعمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ المُخْتَلِطُ بِرَمْلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ الرَّطِبُ الَّذِي إذا عَصَرْتَهُ بِيَدِكَ خَرَجَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِكَ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي تَسْمَعُ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الطِّينُ الأجْوَفُ الَّذِي إذا ضُرِبَ بِشَيْءٍ صُلَّ وسُمِعَ لَهُ صَوْتٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ صَلَّ اللَّحْمَ إذا أنْتَنَ.

والمَخْلُوقُ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلّامٍ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِن تُرابٍ مِن طِينٍ لازِبٍ، فَتَرَكَهُ كَذَلِكَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ صَلْصَلَهُ كالفَخّارِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ صَوَّرَهُ فَتَرَكَهُ جَسَدًا لا رُوحَ فِيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَذَلِكَ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، كُلُّ ذَلِكَ والمَلائِكَةُ تَقُولُ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَكَ، لِأمْرِ ما خَلَقَكَ.

﴿ وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَهَبُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: خَلَطُ النّارِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ [اللَّهَبُ] الأخْضَرُ والأصْفَرُ [والأحْمَرُ] الَّذِي يَعْلُو النّارَ إذا أُوقِدَتْ ويَكُونُ بَيْنَها وبَيْنَ الدُّخانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّها النّارُ المُرْسَلَةُ الَّتِي لا تَمْتَنِعُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

الخامِسُ: أنَّها النّارُ المُضْطَرِبَةُ الَّتِي تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وسُمِّيَ مارِجًا لِاضْطِرابِهِ وسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ.

وَفي الجانِّ المَخْلُوقِ مِن مارِجٍ مِن نارٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أبُو الجِنِّ، قالَهُ أبُو فَرْوَةَ يَعْقُوبُ عَنْ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ إبْلِيسُ، وهو قَوْلٌ مَأْثُورٌ.

وَفي النّارِ الَّتِي خُلِقَ مِن مارِجِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِنَ النّارِ الظّاهِرَةِ بَيْنَ الخَلْقِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

الثّانِي: مِن نارٍ تَكُونُ بَيْنَ الجِبالِ مِن دُونِ السَّماءِ وهي كالكَلَّةِ الرَّقِيقَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: مِن نارٍ دُونَ الحِجابِ ومِنها هَذِهِ الصَّواعِقُ وتَرى خَلْقَ السَّماءِ مِنها، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَشْرِقَيْنِ مَشْرِقُ الشَّمْسِ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ، والمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبُ الشَّمْسِ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ المَشْرِقَيْنِ مَشْرِقُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، والمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبُهُما.

الثّالِثُ: أنَّ المَشْرِقَيْنِ الفَجْرُ والشَّمْسُ، والمَغْرِبَيْنِ الشَّمْسُ والغَسَقُ وَأغْمَضَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِقَوْلٍ رابِعٍ: أنَّ المَشْرِقَيْنِ مَشْرِقُ القَلْبِ واللِّسانِ، والمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبُ القَلْبِ واللِّسانِ.

﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ أمّا البَحْرانِ فَفِيهِما خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، قالَهُ الحَسَنُ، و قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ البَحْرُ المالِحُ والأنْهارُ العَذْبَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ بَحْرُ المَشْرِقِ وبَحْرُ المَغْرِبِ يَلْتَقِي طَرَفاهُما.

الخامِسُ: أنَّهُ بَحْرُ اللُّؤْلُؤِ وبَحْرُ المَرْجانِ.

وَأمّا ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَفْرِيقُ البَحْرَيْنِ، قالَهُ ابْنُ صَخْرٍ.

الثّانِي: إسالَةُ البَحْرَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: اسْتِواءُ البَحْرَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَأصْلُ المَرَجِ، الإهْمالُ كَما تَمْرُجُ الدّابَّةُ في المَرْجِ.

﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ في البَرْزَخِ الَّذِي بَيْنَهُما أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حاجِزٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَرْضُ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الجَزِيرَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ لا يَبْغِيانِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يَخْتَلِطانِ لا يَسِيلُ العَذْبُ عَلى المالِحِ ولا المالِحُ عَلى العَذْبِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى صاحِبِهِ فَيَغْلِبُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: لا يَبْغِيانِ أنْ يَلْتَقِيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ، مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ لَوْلا البَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَهُما أنْ يَلْتَقِيا.

وَقالَ سَهْلٌ: البَحْرانِ طَرِيقُ الخَيْرِ وطَرِيقُ الشَّرِّ، والبَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَهُما التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ.

﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ وفي المَرْجانِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عِظامُ اللُّؤْلُؤِ وكِبارُهُ، وقالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى مِن كُلِّ مَرْجانَةٍ في البَحْرِ أُخْرِجُها تَيّارَها ووَقاها طِينَةَ الصَّدَفِ الثّانِي: أنَّهُ صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وأبُو رَزِينٍ الثّالِثُ: أنَّهُ الخَرَزُ الأحْمَرُ كالقُضْبانِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الجَوْهَرُ المُخْتَلِطُ، مَأْخُوذٌ مِن مَرَجْتُ الشَّيْءَ إذا خَلَطْتُهُ وفي قَوْلِهِ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أحَدُهُما وإنْ عَطَفَ بِالكَلامِ عَلَيْهِما.

الثّانِي: أنَّهُ خارِجٌ مِنهُما عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ، لِأنَّ ماءَ السَّماءِ إذا وقَعَ عَلى صَدَفِ البَحْرِ انْعَقَدَ لُؤْلُؤًا، فَصارَ خَرْجًا مِنهُما.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّ العَذْبَ والمالِحَ قَدْ يَلْتَقِيانِ فَيَكُونُ العَذْبُ كاللِّقاحِ لِلْمالِحِ فَنُسِبَ إلَيْهِما كَما نُسِبَ الوَلَدُ إلى الذَّكَرِ والأُنْثى وإنْ ولَدَتْهُ الأُنْثى، ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ لا يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ إلّا مِن مَوْضِعٍ يَلْتَقِي فِيهِ العَذْبُ والمالِحُ.

﴿ وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ ﴾ أمّا الجَوارِي فَهي السُّفُنُ واحِدَتُها جارِيَةٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَجْرِي في الماءِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، والجارِيَةُ هي المَرْأةُ الشّابَّةُ أيْضًا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْرِي فِيها ماءُ الشَّبابِ.

وَأمّا المُنْشَآتُ فَفِيها خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها المَخْلُوقاتُ، قالَهُ قَتادَةُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإنْشاءِ.

الثّانِي: أنَّها المُحَمَّلاتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّها المُرْسَلاتُ، ذَكَرَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الرّابِعُ: المُجْرَياتُ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الخامِسُ: أنَّها ما رُفِعَ قِلْعُهُ مِنها وهي الشَّرَعُ فَهي مُنْشَأةٌ، وما لَمْ يُرْفَعْ لَيْسَتْ بِمُنْشَأةٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ ﴿ المُنْشَآتُ ﴾ بِكَسْرِ الشِّينِ، وفي مَعْناهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البادِئاتُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ.

الثّانِي: أنَّها يَكْثُرُ نَشَأً بِجَرْيِها وسَيْرِها في البَحْرِ كالأعْلامِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ كالأعْلامِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الجِبالَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِارْتِفاعِها كارْتِفاعِ الأعْلامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَتِ الخَنْساءُ وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ الثّانِي: أنَّ الأعْلامَ القُصُورُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْألُونَهُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ فَكانَتِ المَسْألَتانِ جَمِيعًا مِن أهْلِ السَّماءِ وأهْلِ الأرْضِ، لِأهْلِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ورَوَتْهُ عائِشَةُ مَرْفُوعًا.

الثّانِي: أنَّهم يَسْألُونَهُ القُوَّةَ عَلى العِبادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ، وقِيلَ إنَّهم يَسْألُونَهُ لِأنْفُسِهِمُ الرَّحْمَةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

قالَ قَتادَةُ: لا اسْتَغْنى عَنْهُ أهْلُ السَّماءِ ولا أهْلُ الأرْضِ، قالَ الكَلْبِيُّ: وأهْلُ السَّماءِ يَسْألُونَهُ المَغْفِرَةَ خاصَّةً لِأنْفُسِهِمْ ولا يَسْألُونَهُ الرِّزْقَ، وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُ المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مرج البحرين ﴾ قال: أرسل البحرين ﴿ بينهما برزخ ﴾ قال: حاجز ﴿ لا يبغيان ﴾ قال: لا يختلطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال: مرجهما استواؤهما ﴿ بينهما برزخ ﴾ قال: حاجز من الله ﴿ لا يبغيان ﴾ قال: لا يختلطان، وفي لفظ لا يبغي أحدهما على الآخر لا العذب على المالح ولا المالح على العذب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال: حسنهما ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ قال: البرزخ عزمة من الله لا يبغي أحدهما على الآخر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن ﴿ مرج البحرين ﴾ قال: بحر فارس وبحر الروم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال: بحر فارس وبحر الروم وبحر المشرق وبحر المغرب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ مرج البحرين ﴾ قال: بحر السماء وبحر الأرض ﴿ يلتقيان ﴾ كل عام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال: بحر السماء وبحر الأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ قال: بينهما من البعد ما لا يبغي كل واحد منهما على صاحبه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ بينهما برزخ ﴾ قال: أنتم البرزخ ﴿ لا يبغيان ﴾ عليكم فيغرقانكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ قال: برزخ الجزيرة واليبس ﴿ لا يبغيان ﴾ على اليبس، ولا يبغي أحدهما على صاحبه وما أخذ أحدهما من صاحبه فهو بغي يحجز أحدهما عن صاحبه بلطفه وقدرته وجلاله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن وقتادة ﴿ لا يبغيان ﴾ قال: لا يطغيان على الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن أبزى ﴿ بينهما برزخ ﴾ قال: البعد.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ بينهما برزخ ﴾ قال: بئر هاهنا عذب، وبئر هاهنا مالح.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ ﴾ قال: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها، فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: إذا قطر القطر من السماء فتحت له الأصداف فكان اللؤلؤ.

وأخرج الفريابي وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: المرجان عظام اللؤلؤ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عليّ بن أبي طالب قال: المرجان عظام اللؤلؤ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: المرجان ما عظم من اللؤلؤ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مرة قال: تلمرجان جيد اللؤلؤ.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: اللؤلؤ ما عظم منه، والمرجان اللؤلؤ الصغار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: اللؤلؤ عظام اللؤلؤ، والمرجان صغار اللؤلؤ.

وأخرج ابن أبي الدنيا في الوقف والابتداء عن مجاهد في قوله: ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ قال: اللؤلؤ عظام اللؤلؤ، والمرجان اللؤلؤ الصغار.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن والضحاك قال: اللؤلؤ العظام والمرجان الصغار.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود قال: المرجان الخرز الأحمر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال عليَّ وفاطمة ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ «قال: النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ قال: الحسن والحسين» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك في قوله: ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ قال: عليَّ وفاطمة ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ قال: الحسن والحسين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ الضمير في عليها للأرض يدل على ذلك سياق الكلام وإن لم يتقدم لها ذكر، ويعني بمن عليها من بني آدم وغيرهم من الحيوان، ولكنه غلّب العقلاء ﴿ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام ﴾ الوجه هنا عبارة عن الذات، وذو الجلال صفة للذات لأن من أسمائه تعالى الجليل، ومعناه يقرب من معنى العظيم، وأما وصفه بالإكرام فيحتمل أن يكون بمعنى أنه يكرم عباده كما قال في [الإسراء: 70] ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ﴾ أو بمعنى أن عباده يكرمونه بتوحيده وتسبيحه وعبادته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ ذكر في خلق الإنسان أحوالا مختلفة: مرة قال: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ ، والتراب: هو الذي لم يصبه الماء، ومرة قال: خلقه من طين والطين: هو الذي أصابه الماء، واعتجن، ومرة قال: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ  ﴾ واللازب: هو الذي يلتصق باليد ويلزقه، وهو الحر الخالص، وقال مرة: ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ  ﴾ ، وهو الذي أسود وتغير؟

لطول المكث، ومرة قال: ﴿ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ والصلصال: هو الذي له صوت إذا حرك، وهو من صلصلة الحديد.

ويحتمل صلصال: أي: منتن، يقال: صلَّ البثر؛ إذا أنتن، والفخار: هو الذي تكسر إذا يبس.

وقال أبو عوسجة: الفخار: الذي طبخ.

فجائز أن تكومن هذه الأحوال التي ذكرت على اختلافها في ذلك الإنسان، كان في الابتداء، ترابا، ثم صار لازيا؛ لأنه كان من جيد الطين وحره، ثم صار مسنونا منتنا: أسود: لطول المكث، وصلصالاً لكثرة تربيته ولجودته، يكون له صوت.

وتشبهه بالفخار يحتمل وجوهاً: أحدها: لتكسره ويبسه.

أو لأنه كان ذا دوف كالفخار، أو لطول المكث، وكثرة التربية؛ إذ طين الفخار له ذه المصفات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ...

﴾ الآية، ذكر أنه أبو الجن، وأنه لفظ الوحدان، والجن جماعة، وكذا قال أبو عوسجة: الجان: الجن.

وقوله: ﴿ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴾ قال بعضهم: المارج: هو لهب النار صافياً لا دخان فيه؛ يقال: مرجت النار؛ إذا التبهت، فالمارج على هذا هو النار التي فارقت الحطب والتهبت، وارتفعت منه؛ وكذا قال أبو عوسجة: المارج - هاهنا -: اللهب، من قولك: مرج الشيء؛ إذا اضطرب، ولم يستقر، وعلى ما قال بعضهم في قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ إذا خلط وجميع بينهما يجيء أن يكون خلق الجان من نار غير منقطعة من الحطب، ولا خالية من الدخان؛ وكذا قال أبو عبيد: ﴿ مِن مَّارِجٍ ﴾ ، أي: من خلط من النار.

وعلى تأويل من قال في قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ أي: أرسل أحدهما في الآخر، فهو يكون من نار منقطعة من الحطب.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما أودع من الحكمة فيما ذكر من خلق آدم -  - من تراب، وخلق الجان من نار.

والفائدة في ذلك - والله أعلم - يخبر عن قدرته: أن من قدر على خلق الإنسان من ذلك التراب وإخراج جميع ما في الدنيا من الناس من نفس واحدة، لا يحتمل أن يعجزه شيء، وكذلك ما ذكر من خلق ألوان من النار، وإخراج ما أخرج منه من النسل حتى أخذ الدنيا بأسرها لا يعجزه شيء، ولا ما لو اجتمع حكماء البشر والجن، أدركوا المعنى الذي به أنشأ الإنسان منه، وخرج هذا الخلق منه، وفي ذلك وجهان من الحكمة: أحدهما: ما ذكرنا من القدرة على البعث: والثاني: أن كل ما ذكر من النقل والتغير من حال إلى حال، وإخراج ما أخرج منه، لا يحتمل أن يفعل ذلك عبثا باطلا، ولو لم يكن بعث، لكان إنشاء هذا الخلق عبثا باطلا، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، يقول، - والله أعلم -: إذا لم تنكروا شيئا من الآية أنه ليس منه فما لكم تنكرون في البعث وغيره؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ  ﴾ ، قد ذكرناه فيما تقدم.

ثم دل قوله: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ و ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ  ﴾ وذكر الحد لهما - أعني: الشمس والقمر - في الشروق والغروب، وفي أنهما طلعا بأمر، وغربا حيث غربا بأمر؛ إذ لو كان ذلك لا بأمر لكن بأنفسهما، لكانا يطلعان ويغربان في جميع الأوقات والأطراف، ولا يرجعان إذا بلغا مكانا ولا يزدادان، ولا ينتقصان في وقت من الأوقات، ثم هذه كله منشأ للبشر، مسخر لهم؛ فيقول - والله أعلم -: ما بال المجعول لكم أطوع لله  منكم؛ حيث لا يجاوز الحد الذي جعل له، ولا يتعدى أمر خالقه، وأنتم تجاوزون أمره ونهيه، وتتعدون حدوده.

وفي الآية دليل على أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه؛ ألا ترى أنه خص رب المشرقين ورب المغربين، ولم يدل على أنه ليس برب ما بينهما، أو ليس برب ما سوى المشارق والمغارب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ قيل: جمع بينهما وخلط.

وقيل: أحدهما العذاب، والآخر: المالح.

وقيل: ﴿ يَلْتَقِيَانِ ﴾ أي: يتقابلان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: بين البحرين حجاب وحاجز.

﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ قيل: لا يختلطان، ولا يمتزجان، ولا يتغير طعم كل واحد منهما؛ يخبر عن لطفه في منعهما عن الامتزاج، ومن طبع الماء الامتزاج والاختلاط، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء.

وقيل: ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: لا يجاوزان حد الله الذي حد لهما.

ثم اختلف في البحرين: قال بعضهم: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر الهند، و ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ أي: سكان، ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: لا يختلطان، وهو قول الأصم.

ومنهم من قال: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر فارس، ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ ، أي: جزيرة العرب.

وقيل: أحدهما: بحر السماء، والآخر: بحر الأرض، كقوله: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ  وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  ﴾ ، و ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ ، وهو: [ ] الأرض وسكان الأرض، وهذا أيضا لطف منه  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ منهم من قال: يخرج من العذب والمالح جميعا، كما هو ظاهر الآية.

ومنهم من قال: يخرجان من المالح خاصة دون العذب، وإن كانت الإضافة إ ليهما، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ  ﴾ ، ولم يأت من الجن رسل، وذلك كثير في القرآن.

ثم قرئ ﴿ يَخْرُجُ ﴾ بنصب الياء، ورفع [الراء، وقرئ برفع] الياء ونصب الراء، فالأول على جعل الفعل [لهما، والثاني على جعل الفعل] لغيرهما؛ كقوله  : ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا  ﴾ ، ولم يقل: (يخرج منه حلية).

ثم اختلف في اللؤلؤ والمرجان، منهم من قال: اللؤلؤ: ما عظم منه، والمرجان ما صغر من اللؤلؤ.

ومنهم من قال على العكس، وأكثرهم على الأول؛ كذلك روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك، وكذا قال أبو عوسجة: المرجان: صغار اللؤلؤ، والواحد: مرجانة.

وقيل: إن المرجان المختلط من الجواهر، من قولهم: مرجت، أي: خلطت.

وقيل: إنه ضرب خاص من الجوهر يخرج من البحر.

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا جاء القطر من السماء، انفتحت الأصداف؛ فكان في ذلك اللؤلؤ.

وقيل: إنما قال  : ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ وإنما يخرج اللؤلؤ من المالح دون العذب؛ لأن العذب والمالح يلتقيان؛ فيكون العذب لقاحا للمالح؛ كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى، وإنما تلده الأنثى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ : عن إبراهيم - رحمه الله  -: أنه قرأ: ﴿ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ بكسر الشين، وفسر بعض الناس المنشآت، أي: ظاهرات السير.

وعن الحسن أنه قرأها بفتح الشين، وقال أبو عبيدة: وبها يقرأ؛ لأن تفسيرها: أ،ها التي قد رفع قلعها في البحر، فهي الآن مقطوع بها؛ فقيل: المنشآت، وهي المرتفعات، والتي لم يرتفع قلعها، فليست بمنشأة.

وقيل: المخلوقات، والجواري: هي السفن المنشآت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ أي: هي في البحار كالجبال في البراري.

قيل: وهي الأعلام أنفسها.

ثم في هذه الآيات التي ذكرت وجوهٌ من الحكمة وإثبات القدرة لله  و  : أحدها: أن من قدر على تسخير البحار وإنشاء ما فيها، وعلم إخراج ما فيها للآدمي، واتخاذ السفن وإجراءها في البحار؛ للوصول إلى المنافع التي في البلدان النائية - لقادر على البعث وغيره.

والثاني: أن لا سبيل إلى معرفة ما في البحار من الأموال، واتخاذ السفن وإجرائها في البحار، ومعرفة ما وراء البحار من البلدان النائية وما فيها إلا بخبر الرسل، فيقول - والله أعلم -: ما بالكم صدقتم الرسل الأوائل فيما يرجع إلى منافعكم الدنيوية، ولم تصدقوهم فيما يرجع إلى الدين والآخرة من الوعد والوعيد.

أو يقول: ما بالكم لا تنكرون شيئا من هذه النعم - التي جعلها لكم - أنها من الله  ، فكيف تنكرون ما أتاكم به الرسل، عليهم السلام؟!

ثم في قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة في إنكارهم خلق أفعال العباد؛ فإنه أضاف السفن إلى نفسه بقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ ، وقد اتخذها بنو آدم بأفعالهم، فلو لم يكن له في أفعالهم صنعٌ، لكانت السفن لهم لا له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، أذا لم تكذبا شيئاص من آلاء ربكما: أنه من الله  ، ولم تكذبا ما أتاكم من الأخبار في منافع الدنيا، فكيف تكذبان أخبار الرسل عليهم السلام بعدما جاءو بالآيات والحجج.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.qgmGv"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله