تفسير الآية ٣٣ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٣٣ من سورة الرحمن

يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍۢ ٣٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 56 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٣ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ) أي : لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره ، بل هو محيط بكم ، لا تقدرون على التخلص من حكمه ، ولا النفوذ عن حكمه فيكم ، أينما ذهبتم أحيط بكم ، وهذا في مقام المحشر ، الملائكة محدقة بالخلائق ، سبع صفوف من كل جانب ، فلا يقدر أحد على الذهاب ( إلا بسلطان ) أي : إلا بأمر الله ، ( يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ) [ القيامة : 10 - 12 ] .

وقال تعالى : ( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [ يونس : 27 ] ; ولهذا قال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا ): اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا )، فقال بعضهم: معنى ذلك : إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم؛ فجوزوا ذلك، فإنكم لا تجوزونه إلا بسلطان من ربكم.

قالوا : وإنما هذا قول يقال لهم يوم القيامة.

قالوا: ومعنى الكلام: سنفرغ لكم أيها الثقلان، فيقال لهم ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا ).

* ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: " إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشقَّقت بأهلها، ونـزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها بالثانية، ثم بالثالثة، ثم بالرابعة، ثم بالخامسة، ثم بالسادسة، ثم بالسابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينـزل الملك الأعلى على مجنبِّته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندوّا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ، وذلك قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ، وقوله: ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ )، وذلك قوله: وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض، فانفذوا هاربين من الموت، فإن الموت مُدرككم، ولا ينفعكم هربكم منه.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ ) ....

الآية، يعني بذلك أنه لا يجيرهم أحد من الموت، وأنهم ميتون لا يستطيعون فرارا منه، ولا محيصا، لو نفذوا أقطار السموات والأرض كانوا في سُلطان الله، ولأخذهم الله بالموت.

وقال آخرون : بل معنى ذلك: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ) يقول: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموه، لن تعلموه إلا بسلطان، يعني البينة من الله جلّ ثناؤه.

وقال آخرون : معنى قوله: ( لا تَنْفُذُونَ ): لا تخرجون من سلطاني.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ): يقول: لا تخرجون من سلطاني .

وأما الأقطار فهي جمع قُطْر، وهي: الأطراف.

كماحدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: من أطرافها.

وقوله جلّ ثناؤه وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا يقول: من أطرافها.

وأما قوله: ( إلا بسُلْطانٍ )، فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه، فقال بعضهم معناه : إلا ببينة وقد ذكرنا ذلك قبل.

وقال آخرون: معناه: إلا بحجة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن عكرِمة ( لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ) قال: كلّ شيء في القرآن سلطان فهو حجة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( بسُلْطانٍ ) قال: بحجة.

وقال آخرون : بل معنى ذلك: إلا بملك وليس لكم ملك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة ( فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ) قال: لا تنفذون إلا بملك، وليس لكم ملك.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ) قال: إلا بسلطان من الله، إلا بملكة منه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ )، يقول: إلا بملكة من الله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: إلا بحجة وبينة، لأن ذلك هو معنى السلطان في كلام العرب، وقد يدخل الملك في ذلك، لأن الملك حجة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس الآية .

ذكر ابن المبارك : وأخبرنا جويبر عن الضحاك قال إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها ، فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب ، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها ، ثم يأمر الله السماء التي تليها كذلك فينزلون فيكونون صفا من خلف ذلك الصف ، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة ، فينزل الملك الأعلى في بهائه وملكه ومجنبته اليسرى جهنم ، فيسمعون زفيرها وشهيقها ، فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا من الملائكة ، فذلك قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان والسلطان العذر .

وقال الضحاك أيضا : بينما الناس في أسواقهم انفتحت السماء ، ونزلت الملائكة ، فتهرب الجن والإنس ، فتحدق بهم الملائكة ، فذلك قوله تعالى : لا تنفذون إلا بسلطان ذكره النحاس .قلت : فعلى هذا يكون في الدنيا ، وعلى ما ذكر ابن المبارك يكون في الآخرة .

وعن الضحاك أيضا : إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا .

وقال ابن عباس : إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات وما في الأرض فاعلموه ، ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله تعالى .

وعنه أيضا أن معنى : لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم .

قتادة : لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك .

وقيل : لا تنفذون إلا إلى سلطان ، الباء بمعنى إلى ، كقوله تعالى : وقد أحسن بي أي إلي .

قال الشاعر :أسيئي بنا أو أحسني لا ملولة لدينا ولا مقلية إن تقلتوقوله : فانفذوا أمر تعجيز .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: إذا جمعهم الله في موقف القيامة، أخبرهم بعجزهم وضعفهم، وكمال سلطانه، ونفوذ مشيئته وقدرته، فقال معجزا لهم: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: تجدون منفذا مسلكا تخرجون به عن ملك الله وسلطانه، { فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } أي: لا تخرجون عنه إلا بقوة وتسلط منكم، وكمال قدرة، وأنى لهم ذلك، وهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟!

ففي ذلك الموقف لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا تسمع إلا همسا، وفي ذلك الموقف يستوي الملوك والمماليك، والرؤساء والمرءوسون، والأغنياء والفقراء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ) أي تجوزوا وتخرجوا ، ( من أقطار السماوات والأرض ) أي من جوانبهما وأطرافهما ( فانفذوا ) معناه إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السماوات والأرض : فاهربوا واخرجوا منها .

[ والمعنى ] حيثما كنتم أدرككم الموت ، كما قال جل ذكره : " أينما تكونوا يدرككم الموت " ، ( النساء - 78 ) وقيل : يقال لهم هذا يوم القيامة إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا ( لا تنفذون إلا بسلطان ) أي : بملك ، وقيل بحجة ، والسلطان : القوة التي يتسلط بها على الأمر ، فالملك والقدرة والحجة كلها سلطان ، يريد حيثما توجهتم كنتم في ملكي وسلطاني .

وروي عن ابن عباس قال : معناه : إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله - عز وجل - .

وقيل قوله : " إلا بسلطان " أي إلا إلى سلطان كقوله : " وقد أحسن بي " ( يوسف - 100 ) أي إلي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا» تخرجوا «من أقطار» نواحي «السماوات والأرض فانفذوا» أمر تعجيز «لا تنفذون إلا بسلطان» بقوة ولا قوة لكم على ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا معشر الجن والإنس، إن قَدَرْتم على النفاذ من أمر الله وحكمه هاربين من أطراف السموات والأرض فافعلوا، ولستم قادرين على ذلك إلا بقوة وحجة، وأمر من الله تعالى (وأنَّى لكم ذلك وأنتم لا تملكون لأنفسكم نفعًا ولا ضرًا؟).

فبأي نِعَم ربكما - أيها الثقلان- تكذِّبان؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا .

.

.

) مقول لقول محذوف ، دل عليه ما قبله .والمعشر - برنة مفعل - اسم للجمع الكثير الذى يعد عشرة فعشرة .وقوله : ( تَنفُذُواْ ) من النفاذ بمعنى الخروج من الشىء ، والأمر منه وهو قوله : ( فانفذوا ) مستعمل فى التعجيز .

والأقطار : جمع قطر - بضم القاف وسكون الطاء - وهو الناحية الواسعة .والمعنى : سنقصد إلى محاسبتكم ومجازاتكم على أعمالكم يوم القيامة ، وسنقول لكم على سبيل التعجيز والتحدى .

يا معشر الجن والإنس ، إن استطعتم أن تنفذوا وتخرجوا من جوانب السموات والأرض ومن نواحيهما المتعددة .

فانفذوا واخرجوا ، و خلصوا أنفسكم من المحاسبة والمجازاة .وجملة : ( لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ) بيان للتعجيز المتمثل فى قوله - تعالى - : ( فانفذوا ) ، والسلطان المراد به هنا : القدرة والقوة .أى : لا تنفذون من هذا الموقف العصيب الذى أنتم فيه إلا بقدرة عظيمة ، وقوة خارقة ، تزيد على قوة خالقكم الذى جعلكم فى هذا الموقف ، وأنى لكم هذه القوة التى أنتم أبعد ما تكونون عنها؟فالمقصود بالآية الكريمة ، تحذير الفاسقين والكافرين ، من التمادى فى فسقهم وكفرهم ، وبيان أنهم سيكونون فى قبضة الله - تعالى - وتحت سلطانه ، وأنهم لن يستطيعوا الهروب ن قبضته وقضائه فيهم بحمكه العالد .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( فَإِذَا بَرِقَ البصر وَخَسَفَ القمر وَجُمِعَ الشمس والقمر يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر كَلاَّ لاَ وَزَرَ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ولنذكر أولاً ما قيل فيه تبركاً بأقوال المشايخ ثم نحققه بالبيان الشافي فنقول: اختلف المفسرون فيه وأكثرهم على أن المراد سنقصدكم بالفعل، وقال بعضهم: خرج ذلك مخرج التهديد على ما هي عادة استعمال الناس فإن السيد يقول لعبده عند الغضب: سأفرغ لك، وقد يكون السيد فارغاً جالساً لا يمنعه شغل، وأما التحقيق فيه، فنقول: عدم الفراغ عبارة عن أن يكون الفاعل في فعل لا يمكنه معه إيجاد فعل آخر فإن من يخيط يقول: ما أنا بفارغ للكتابة، لكن عدم الفراغ قد يكون لكون أحد الفعلين مانعاً للفاعل من الفعل الآخر، يقال: هو مشغول بكذا عن كذا كما في قول القائل: أنا مشغول بالخياطة عن الكتابة، وقد يكون عدم الفراغ لكون الفعل مانعاً من الفعل لا لكونه مانعاً من الفاعل كالذي يحرك جسماً في زمان لا يمكن تسكينه في ذلك الزمان فهو ليس بفارغ للتسكين، ولكن لا يقال في مثل هذا الوقت أنا مشغول بالتحريك عن التسكين، فإن في مثل هذا الموضع لو كان غير مشغول به بل كان في نفس المحل حركة لا بفعل ذلك الفاعل لا يمكنه التسكين فليس امتناعه منه إلا لاستحالته بالتحريك، وفي الصورة الأولى لولا اشتغاله بالخياطة لتمكن من الكتابة، إذا عرفت هذا صار عدم الفراغ قسمين أحدهما: بشغل والآخر ليس بشغل، فنقول: إذا كان الله تعالى باختياره أوجد الإنسان وأبقاه مدة أرادها بمحض القدرة والإرادة لا يمكن مع هذا إعدامه، فهو في فعل لا يمنع الفاعل لكن يمنع الفعل ومثل هذا بينا أنه ليس بفراغ، وإن كان له شغل، فإذا أوجد ما أراد أولاً ثم بعد ذلك أمكن الإعدام والزيادة في آنه فيتحقق الفراغ لكن لما كان للإنسان مشاهدة مقتصرة على أفعال نفسه وأفعال أبناء جنسه وعدم الفراغ منهم بسبب الشغل يظن أن الله تعالى فارغ فحمل الخلق عليه أنه ليس بفارغ، فيلزم منه الفعل وهو لا يشغله شأن عن شأن يلزمه حمل اللفظ على غير معناه، واعلم أن هذا ليس قولاً آخر غير قول المشايخ، بل هو بيان لقولهم: سنقصدكم، غير أن هذا مبين، والحمد لله على أن هدانا للبيان من غير خروج عن قول أرباب اللسان.

واعلم أن أصل الفراغ بمعنى الخلو، لكن ذلك إن كان في المكان فيتسع ليتمكن آخر، وإن كان في الزمان فيتسع للفعل، فالأصل أن زمان الفاعل فارغ عن فعله وغير فارغ لكن المكان مرئي بالخلو فيه، فيطلق الفراغ على خلو المكان في الظرف الفلاني والزمان غير مرئي، فلا يرى خلوه.

ويقال: فلان في زمان كذا فارغ لأن فلاناً هو المرئي لا الزمان والأصل أن هذا الزمان من أزمنة فلان فارغ فيمكنه وصفه للفعل فيه، وقوله تعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ استعمال على ملاحظة الأصل، لأن المكان إذا خلا يقال: لكذا ولا يقال: إلى كذا فكذلك الزمان لكن لما نقل إلى الفاعل وقيل: الفاعل على فراغ وهو عند الفراغ يقصد إلى شيء آخر قيل في الفاعل: فرغ من كذا إلى كذا، وفي الظرف يقال: فرغ من كذا لكذا فقال لكم على ملاحظة الأصل، وهو يقوي ما ذكرنا أن المانع ليس بالنسبة إلى الفعل بل بالنسبة إلى الفعل.

وأما ﴿ أَيُّهَ ﴾ فنقول: الحكمة في نداء المبهم والإتيان بالوصف بعده هي أن المنادي يريد صون كلامه عن الضياع، فيقول أولاً: يا أي نداء لمبهم ليقبل عليه كل من يسمع ويتنبه لكلامه من يقصده، ثم عند إقبال السامعين يخصص المقصود فيقول: الرجل والتزم فيه أمران أحدهما: الوصف بالمعرف باللام أو باسم الإشارة، فتقول: يا أيها الرجل أو يا أيهذا لا الأعرف منه وهو العلم، لأن بين المبهم الواقع على كل جنس والعلم المميز عن كل شخص تباعداً وثانيهما: توسط (هاء) التنبيه بينه وبين الوصف لأن الأصل في أي الإضافة لما أنه في غاية الإبهام فيحتاج إلى التمييز، وأصل التمييز على ما بينا الإضافة، فوسط بينهما لتعويضه عن الإضافة، والتزم أيضاً حذف لام التعريف عند زوال أي فلا تقول: يا الرجل لأن في ذلك تطويلاً من غير فائدة، فإنك لا تفيد باللام التنبيه الذي ذكرنا، فقولك: يا رجل مفيد فلا حاجة إلى اللام فهو يوجب إسقاط اللام عند الإضافة المعنوية، فإنها لما أفادت التعريف كان إثبات اللام تطويلاً من غير فائدة لكونه جمعاً بين المعرفين، وقوله تعالى: ﴿ الثقلان ﴾ المشهور أن المراد الجن والإنس وفيه وجوه: أحدها: أنهما سميا بذلك لكونهما مثقلين بالذنوب ثانيهما: سميا بذلك لكونهما ثقيلين على وجه الأرض فإن التراب وإن لطف في الخلق ليتم خلق آدم لكنه لم يخرج عن كونه ثقيلاً، وأما النار فلما ولد فيها خلق الجن كثفت يسيراً، فكما أن التراب لطف يسيراً فكذلك النار صارت ثقيلة، فهما ثقلان فسميا بذلك ثالثها: الثقيل أحدهما: لا غير وسمي الآخر به للمجاورة والاصطحاب كمايقال: العمران والقمران وأحدهما عمر وقمر، أو يحتمل أن يكون المراد العموم بالنوعين الحاصرين، تقول: يا أيها الثقل الذي هو كذا، والثقل الذي ليس كذا، والثقل الأمر العظيم.

قال عليه السلام: «إني تارك فيكم الثقلين».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ مستعار من قول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك، يريد: سأتجرّد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك، حتى لا يكون لي شغل سواه، والمراد: التوفر على النكاية فيه والانتقام منه، ويجوز أن يراد: ستنتهي الدنيا وتبلغ آخرها، وتنتهي عند ذلك شؤون الخلق التي أرادها بقوله: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ فلا يبقى إلا شأن واحد وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغاً لهم على طريق المثل، وقرئ: ﴿ سيفرغ لكم ﴾ ، أي: الله تعالى، ﴿ وسأفرغ لكم ﴾ و ﴿ سنفرغ ﴾ بالنون، مفتوحاً مكسوراً وفتح الراء، و ﴿ سيفرَغ ﴾ بالياء مفتوحاً ومضموماً مع فتح الراء، وفي قراءة أبيّ ﴿ سنفرغ إليكم ﴾ بمعنى: سنقصد إليكم، والثقلان: الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ ﴾ أيْ سَنَتَجَرَّدُ لِحِسابِكم وجَزائِكم وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ فِيهِ غَيْرُهُ وقِيلَ: تَهْدِيدٌ مُسْتَعارٌ مِن قَوْلِكَ لِمَن تُهَدِّدُهُ: سَأفْرُغُ لَكَ، فَإنَّ المُتَجَرِّدَ لِلشَّيْءِ كانَ أقْوى عَلَيْهِ وأجَدَّ فِيهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ وقُرِئَ «سَنَفْرُغُ إلَيْكُمْ» أيْ سَنَقْصِدُ إلَيْكم.

والثَّقَلانِ الإنْسُ والجِنُّ سُمِّيا بِذَلِكَ لِثِقْلِهِما عَلى الأرْضِ أوْ لِرَزانَةِ رَأْيِهِما وقَدْرِهِما، أوْ لِأنَّهُما مُثْقَلانِ بِالتَّكْلِيفِ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إنْ قَدَرْتُمْ أنْ تَخْرُجُوا مِن جَوانِبِ السَّماواتِ والأرْضِ هارِبِينَ مِنَ اللَّهِ فارِّينَ مِن قَضائِهِ.

﴿ فانْفُذُوا ﴾ فاخْرُجُوا.

﴿ لا تَنْفُذُونَ ﴾ لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ.

﴿ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ إلّا بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وأنّى لَكم ذَلِكَ، أوْ إنْ قَدَرْتُمْ أنْ تُنَفِّذُوا لِتَعْلَمُوا ما في السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لِتَعْلَمُوا لَكِنْ لا تَنْفُذُونَ ولا تَعْلَمُونَ إلّا بِبَيِّنَةٍ نَصَبَها اللَّهُ تَعالى فَتَعْرُجُونَ عَلَيْها بِأفْكارِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ الفَراغُ في اللُّغَةِ يَقْتَضِي سابِقَةَ شُغْلٍ.

والفَراغُ لِلشَّيْءِ يَقْتَضِي لاحِقِيَّتِهِ أيْضًا، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَجُعِلَ انْتِهاءُ الشُّؤُونِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ إلى واحِدٍ هو جَزاءُ المُكَلَّفِينَ فَراغًا لَهم عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِأنَّ مِن تَرَكَ أشْغالَهُ إلى شُغْلٍ واحِدٍ يُقالُ: فَرَغَ لَهُ وإلَيْهِ فَشَّبَّهَ حالَ هَؤُلاءِ - وأخْذِهِ تَعالى في جَزائِهِمْ فَحَسْبُ - بِحالِ مَن فُرِغَ لَهُ، وجازَتِ الِاسْتِعارَةُ التَّصْرِيحِيَّةُ التَّبَعِيَّةُ في ﴿ سَنَفْرُغُ ﴾ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ سَنَأْخُذُ في جَزائِكم فَقَطْ الِاشْتِراكَ الأخْذَ في الجَزاءِ فَقَطْ، والفَراغِ عَنْ جَمِيعِ المَهامِّ إلى واحِدٍ في أنَّ المَعْنى بِهِ ذَلِكَ الواحِدٌ، وقِيلَ: المُرادُ التَّوَفُّرُ في الِانْتِقامِ والنِّكايَةِ، وذَلِكَ أنَّ الفَراغَ لِلشَّيْءِ يُسْتَعْمَلُ في التَّهْدِيدِ كَثِيرًا كَأنَّهُ فَرَغَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لِأجْلِهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ شُغْلٌ غَيْرَهَ فَيَدُلُّ عَلى التَّوَفُّرِ المَذْكُورِ، وهو كِنايَةٌ فِيمَن يَصِحُّ عَلَيْهِ، ومَجازٌ في غَيْرِهِ كالَّذِي نَحْنُ فِيهِ، ولَعَلَّ مُرادَ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ بِقَوْلِهِما - كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُما - هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ ما ذَكَرَ، والخِطابُ عَلَيْهِ قِيلَ: لِلْمُجْرِمِينَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ النِّداءَ الآتِيَ يَأْباهُ، نَعَمِ المَقْصُودُ بِالتَّهْدِيدِ هم، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن تَهْدِيدِ الجَمِيعِ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّهْدِيدَ إنَّما هو بِما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَوَعُدًا بِعَذابِ الدُّنْيا مِمّا لا يَكادُ يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ فَرَغَ يَكُونُ بِمَعْنى قَصَدَ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما أنْشَدَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِجَرِيرٍ: الآنَ وقَدْ فَرَغْتَ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتَ لَهُ عَذابًا أيْ قَصَدْتَ، وأنْشَدَ النَّحّاسُ: فَرَغَتَ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ وفِي الحَدِيثِ ««لَأتَفَرَّغَنَّ لَكَ يا خَبِيثُ»» قالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخاطِبًا بِهِ أزَبَّ العَقَبَةِ يَوْمَ بَيْعَتِها أيْ لِأقْصُدَنَّ إبْطالَ أمْرِكَ، ونَقَلَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ، والظّاهِرُ أنَّهم حَمَلُوا ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، فالمُرادُ حِينَئِذٍ تَعَلُّقُ الإرادَةِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا بِجَزائِهِمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - سَيَفْرُغُ - بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ والأعْرَجُ «سَنَفْرَغُ» بِنُونِ العَظَمَةِ وفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ فَرِغَ بِكَسْرِها - وهو لُغَةُ تَمِيمٍ - كَما أنَّ ﴿ سَنَفْرُغُ ﴾ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُضارِعُ فَرَغَ بِفَتْحِها لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وعِيسى «سَنِفْرَغُ» بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ الرّاءِ وهي - عَلى ما قالَ أبُو حاتِمٍ - لُغَةُ سُفْلى مُضَرِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ بِخِلافٍ عَنْهُما وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ «سَيُفْرَغُ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ عِيسى أيْضًا «سُنَفْرِغُ» بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الرّاءِ، والأعْرَجُ أيْضًا - سَيَفْرَغُ - بِفَتْحِ الياءِ والرّاءِ وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ سَأُفْرِغُ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، وقَرَأ أُبَيٌّ «سَنَفْرُغُ» إلَيْكُمُ عَداهُ بِإلى فَقِيلَ: لِلْحَمْلِ عَلى القَصْدِ، أوْ لِتَضْمِينِهِ مَعْناهُ أيْ ﴿ سَنَفْرُغُ ﴾ قاصِدَيْنِ إلَيْكم ﴿ أيُّهَ الثَّقَلانِ ﴾ هَمّا الإنْسُ والجِنُّ مِن ثِقَلِ الدّابَّةِ وهو ما يُحْمَلُ عَلَيْها جُعِلَتِ الأرْضُ كالحُمُولَةِ والإنْسِ والجِنِّ ثَقَلاها، وما سِواهُما عَلى هَذا كالعِلاوَةِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: سُمِّيا بِذَلِكَ لِثِقَلِهِما عَلى الأرْضِ، أوْ لِرَزانَةِ رَأْيِهِما وقَدْرِهِما وعِظَمِ شَأْنِهِما.

ويُقالُ لِكُلِ عَظِيمِ القَدْرِ مِمّا يُتَنافَسُ فِيهِ: ثِقَلٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابُ اللَّهِ وعِتْرَتِي»» وقِيلَ: سَمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُما مُثْقَلانِ بِالتَّكْلِيفِ، وعَنِ الحَسَنِ لِثِقَلِهِما بِالذُّنُوبِ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّنْبِيهُ عَلى ما سَتَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلتَّحْذِيرِ عَمّا يُؤَدِّي إلى سُوءِ الحِسابِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ يعني: أرسل البحرين.

ويقال: خلَّى البحرين.

ويقال: خلق البحرين يَلْتَقِيانِ يعني: مالح، وعذب، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ يعني: حاجز لاَّ يَبْغِيانِ يعني: لا يختلطان فيغير طعمه.

وأصل البغي: التطاول، والجَوْرُ، والظلم.

وقال بعضهم: بينهما حاجز لطيف لا يراه الخلق، وإنما العبرة في ذلك أنه لا يرى.

ويقال: بعضهم ليس هناك شيء، وإنما تمنعهما من الاختلاط قدرة الله تعالى.

ويقال: يَلْتَقِيانِ أي: يتقابلان أحدهما بحر الروم، والآخر بحر فارس.

وقيل: بحر الهند بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيانِ أي: لا يختلطان بَيْنَهُما بَرْزَخٌ.

بلطف الله تعالى أي: باللطف تمنع عن الامتزاج، وهما بحر واحد، لن يمس أحدهما بالآخر.

وقال الزجاج: البرزخ الحاجز، فهما من دموع العين مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان.

وقيل: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ أي: جزيرة العرب.

وقيل: بحر السماء، والأرض، كقوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) [القمر: 11- 12] وبينهما برزخ الهواء، والأرض، وسكان الأرض.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: خلق البحرين لمنفعة الخلق، وبين لكم العبرة، وقدرته، ولطفه، لتعتبروا به، وتوحدوه، فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى؟.

ثم قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ يعني: من بحر مالح اللؤلؤ وَالْمَرْجانُ ما صغر منه.

ويقال: اللؤلؤ يعني: الصغار وَالْمَرْجانُ يعني: العظام.

وقرأ نافع وأبو عمرو يَخْرُجُ بضم الياء ونصب الراء على فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون: بنصب الياء، وضم الراء.

وقرأ بعضهم: بكسر الراء.

يعني: يخرج الله تعالى، ونصب اللؤلؤ، والمرجان لأنه مفعول به.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: خلق في البحر اللؤلؤ لمنفعة الخلق، ولصلاحهم، ولكي تعتبروا به، فكيف تنكرون هذه النعمة.

ثم قال عز وجل: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ يعني: السفن التي تجري في الماء كَالْأَعْلامِ يعني: كالجبال فشبّه السفن في البحر بالجبال في البر.

وقرأ حمزة المنشئات بكسر الشين.

والباقون: بالنصب.

فمن قرأ: بالكسر يعني: المبتدئات في السير.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أنه جعل السفن في البحر لمنفعة الخلق، فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى.

ثم قال عز وجل: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ يعني: كل شيء على وجه الأرض يفنى وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ يعني: ذو الملك، والعظمة، والإكرام، ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ يعني: ذو الملك، والعظمة، والإكرام، يعني: ذو الكرم، والتجاوز، فلما نزلت هذه الآية، قالت الملائكة: هلكت بنو آدم، فلما نزل كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أيقنوا بهلاك أنفسهم، وهذا من النعم، لأنه يحذرهم، وبين لهم ليتهيؤوا لذلك.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ومعناه إن الله تعالى يعينكم، فتوكلوا عليه، ولا تعتمدوا على الناس، لأنهم لا يقدرون على دفع الهلاك عن أنفسهم، والله هو الباقي بعد فناء الخلق، وهو الذي يتجاوز عنكم، ويعينكم، فكيف تنكرون ربكم الذي خلقكم، وأحسن إليكم؟.

قوله تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: الملائكة يسألون لأهل الأرض المغفرة، ويسأل أهل الأرض جميع حوائجهم من الله تعالى.

ثم قال: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ يعني: في كل يوم يُعز، ويذل، ويحيي، ويميت، ويعطي، ويمنع.

وذلك أن اليهود قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً فنزل كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فأخبر الله تعالى أنه يقضي في جميع الأيام، وكان هذا من النعم.

وذكر أن الحجاج بن يوسف الثقفي أرسل إلى محمد بن الحنفية يتوعده قال: لأفعلن بك كذا وكذا.

فأرسل إليه محمد بن الحنفية وقال: إن الله تعالى ينظر في كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة إلى اللوح المحفوظ، وكل يوم يعز، ويذل، ويعطي، ويمنع فأرجو أن يرزقني الله تعالى ببعض نظراته، أن لا يجعل لك علي سلطان.

فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك بهذه الكلمات التي قالها محمد بن الحنفية، ووضعها في خزانته، فكتب إليه ملك الروم يتوعده في شيء، فكتب إليه عبد الملك بتلك الكلمات التي قالها محمد بن الحنفية، فكتب إليه صاحب الروم: ولله ما هذا من كنزك، ولا من كنز أهل بيتك، ولكنها من كنز أهل بيت النبوة.

ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: تجحدون نعمته، وأنتم تسألون حوائجكم منه.

قوله عز وجل: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ أي: سنحفظ عليكم أعمالكم أيها الجن والإنس.

فنجازيكم بذلك.

وروى جبير عن الضحاك في قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ قال: هذا وعيد من غير شغل.

إن الله تعالى لا يشغل بشيء.

وقال الزجاج: الفارغ في اللغة على ضربين.

أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر القصد للشيء، كما تقول سأفرغ لفلان أي: سأجعل قصدي له.

قرأ حمزة، والكسائي، سيفرغ لَكُمْ بالياء.

والباقون: بالنون.

وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

يعني: سيحفظ الله عليكم أعمالكم، ويحاسبكم بما تعملون.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: ما عملتم فإنه لا ينسى، ولا يمنح ثوابه، وينصفكم من ظلمكم، فكيف تنكرون هذه النعم بأنها ليست من الله تعالى؟

واعلموا أن هذه النعم كلها من الله، فاشكروه.

فكيف تنكرون من هو يجازيكم بأعمالكم، ولا يمنع ثواب حسناتكم، وينصركم على أعدائكم؟

فهذه النعم كلها من الله، فاشكروه، ووحدوه.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ المَذْكُورِ، "فانٍ": أيْ؛ هالِكٌ.

﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ أيْ: ويَبْقى رَبُّكَ ﴿ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: الجَلالُ: مَصْدَرُ الجَلِيلِ، يُقالُ: جَلِيلٌ بَيِّنُ الجَلالَةِ والجَلالِ.

والإكْرامُ: مَصْدَرُ أكْرَمَ يُكْرِمُ إكْرامًا؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُسْتَحِقٌّ أنْ يُجَلَّ ويُكْرَمَ، ولا يُجْحَدَ ولا يُكْفَرَ بِهِ؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ يُكْرِمُ أهْلَ وِلايَتِهِ ويَرْفَعُ دَرَجاتِهِمْ؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ وهو الجَلالُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى الصِّفَةِ لَهُ، والآخَرُ مُضافًا إلى العَبْدِ بِمَعْنى الفِعْلِ مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ  ﴾ فانْصَرَفَ أحَدُ الأمْرَيْنِ إلى اللَّهِ وهو المَغْفِرَةُ، والآخَرُ إلى العِبادِ وهو التَّقْوى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ المَعْنى أنَّ الكُلَّ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ فَيَسْألُونَهُ وهو غَنِيٌّ عَنْهم ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ مِثْلُ أنْ يُحْيِيَ ويُمِيتَ، ويُعِزَّ ويُذِلَّ، ويَشْفِيَ مَرِيضًا، ويُعْطِيَ سائِلًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أفْعالِهِ.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي في يَوْمِ السَّبْتِ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ: ﴿ "كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ" .

﴾ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ ﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "مَرَجَ البَحْرَيْنِ" مَعْناهُ: أرْسَلَهُما إرْسالًا غَيْرَ مُنْحازٍ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ، ومِنهُ: مَرَجَتِ الدابَّةُ، ومِنهُ: الأمْرُ المَرِيجُ، أيْ: المُخْتَلِطُ الَّذِي لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ ﴿ مِن مارِجٍ مِن نارٍ  ﴾ .

واخْتَلَفَ الناسُ في البَحْرَيْنِ - فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بَحْرُ فارِسٍ وبَحْرُ الرُومِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: بَحْرُ القُلْزُمِ واليَمَنِ وبَحْرُ الشامِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: بَحْرٌ في السَماءِ وبَحْرٌ في الأرْضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا هو مَطَرُ السَماءِ -سَمّاهُ بَحْرًا- وبَحْرُ الأرْضِ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ يُرِيدُ بِهِما نَوْعَيِ الماءِ العَذْبِ والأُجاجِ، أيْ: خَلْطُهُما في الأرْضِ وأرْسَلَهُما مُتَداخِلَيْنِ في وضْعِهِما في الأرْضِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ، والعِبْرَةُ في هَذا التَأْوِيلِ مُنِيرَةٌ، وأنْشَدَ مُنْذِر بْن سَعِيد: ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبُ عَلى المِلْحِ طَيِّبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: "يَلْتَقِيانِ" فَعَلى التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَعْناهُما: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ وحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ، وعَلى القَوْلِ الثالِثِ أنَّهُما يَلْتَقِيانِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ بَحْرٌ يَجْتَمِعُ في السَماءِ فَهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وإنَّما يَتَوَجَّهُ اللِقاءُ فِيهِ وفي القَوْلِ الرابِعِ بِنُزُولِ المَطَرِ، وفي القَوْلِ الخامِسِ بِالأنْهارِ في البَحْرِ وبِالعُيُونِ قُرْبَ البَحْرِ.

و"البَرْزَخُ": الحاجِزُ في كُلِّ شَيْء، فَهو في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفي بَعْضِها القُدْرَةُ، والبَرْزَخُ أيْضًا المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ لِلْمَوْتى، فَهُو حاجِزٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ ماءَ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ أو حَدِيثٍ صَحِيحٍ وإلّا فالعِيانُ لا يَقْتَضِيه، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في "مَرَجَ البَحْرَيْنِ" ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يَجِبُ أنْ يَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ مِنها.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَبْغِيانِ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: لا يَبْغِي واحِدٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا والحَسَنُ: لا يَبْغِيانِ عَلى الناسِ والعُمْرانِ، وهَذانَ القَوْلانِ عَلى أنَّ اللَفْظَ مِنَ البَغْيِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مِن قَوْلِكَ: بَغْيٌ إذا طَلَبَ، فَمَعْناهُ: لا يَبْغِيانِ حالًا مِنَ الأحْوالِ غَيْرَ حالَيْهِما اللَتَيْنِ خُلِقا وسُخِّرا لَهُما.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اللُؤْلُؤُ: كِبارُ الجَوْهَرِ والمَرْجانُ: صِغارُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، ومُرَّةُ الهَمْدانِيُّ عَكْسُ هَذا، والوَصْفُ بِالصِغَرِ هو الصَوابُ في اللُؤْلُؤِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: المَرْجانُ حَجَرٌ أحْمَرُ، وهَذا هو الصَوابُ في المَرْجانِ، واللُؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ: اللُؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ -وَهُوَ طائِرٌ والبُؤْبُؤُ، وهو الأصْلُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِنهُما" - فَقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في كِتابِ "الحُجَّةِ": وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ مِنَ المِلْحِ ومِنَ العَذْبِ، ورَدَّ الناسُ عَلى الشاعِرِ في قَوْلِهِ: فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطْمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ وَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "مِنهُما"، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: إنَّما تَتَكَوَّنُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ لِأنَّ الصُدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أجْوافَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "مِنهُما"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ما مَعْناهُ: إنَّ خُرُوجَ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنَ المِلْحِ لَكِنَّهُ تَعالى قالَ: "مِنهُما" تَجَوُّزًا، كَما قالَ الشاعِرُ: ..............

∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وكَما قالَ الآخَر: ...........

∗∗∗ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا فَمِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا  ﴾ ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا  ﴾ ، وإنَّما هو في إحْداهُنَّ وهي الدُنْيا إلى الأرْضِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: العَذْبُ فِيهِما كاللِقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ: الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَكَرِ والأُنْثى.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأهْلُ المَدِينَةِ: "يَخْرُجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ "اللُؤْلُؤُ" رَفْعًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ عنهُ:- "يُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ عَلى إسْنادِهِ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: بِتَمْكِينِهِ وقُدْرَتِهِ "اللُؤْلُؤَ" نَصْبًا، ورَواها أيْضًا بِالنُونِ مَضْمُومَةً وكَسَرَ الراءَ.

و"الجَوارِ" جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي السُفُنُ، وقَرَأ الحَسَنُ، والنَخْعِيُّ: "الجَوارِيَ" بِإثْباتِ الياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِحَذْفِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "المُنْشَآتِ" بِفَتْحِ الشِينِ، أيْ: أنْشَأها اللهُ تَعالى أوِ الناسُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ بِخِلافٍ عنهُ-: "المُنْشِئاتِ" بِكَسْرِ الشِينِ، أيْ: تُنْشِئُ هي السَيْرَ إَقْبالًا وإدْبارًا، و"الأعْلامُ" الجِبالُ وما جَرى مَجْراها مِنَ الظِرابِ والآكامِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ فَهو مِنَ المُنْشَآتِ وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ تَعالى: "كالأعْلامِ" هو الَّذِي يَقْتَضِي هَذا الفَرْقَ، وأمّا لَفْظَةُ "المُنْشَآتُ" فَتَعُمُّ الكَبِيرَ والصَغِيرَ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ لِلْأرْضِ، وكَنّى تَعالى عنها ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذُكِرَ لِوُضُوحِ المَعْنى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ، والإشارَةِ بِالفَناءِ إلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، فَغَلَبَتْ عِبارَةُ مَن يَعْقِلُ فَلِذَلِكَ قالَ: "مَن".

و"الوَجْهُ" عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ لِأنَّ الجارِحَةَ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى، وهَذا كَما تَقُولُ: هَذا وجْهُ القَوْلِ والأمْرِ، أيْ: حَقِيقَتُهُ وذاتُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى صِفَةِ لَفْظَةِ الوَجْهِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبَيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" عَلى صِفَةِ الرَبِّ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا مقول قول محذوف يدل عليه سياق الكلام السابققِ واللاحق، وليس خطاباً للإِنس والجنّ في الحياة الدنيا.

والتقدير: فنقول لكم كما في قوله تعالى: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ﴾ [الأنعام: 128] الآية، أي فنقول: يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس، وتقدم في سورة الأنعام.

والمعشر: اسم للجمع الكثير الذي يُعد عشرةً عشرةً دون آحاد.

وهذا إعلان لهم بأنهم في قبضة الله تعالى لا يجدون منجىً منها، وهو ترويع للضالين والمضلّين من الجن والإِنس بما يترقبهم من الجزاء السيّء لأن مثل هذا لا يقال لجمع مختلط إلا والمقصود أهل الجناية منهم فقوله: ﴿ يا معشر الجن والإنس ﴾ عام مراد به الخصوص بقرينة قوله بعده ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ [الرحمن: 35] الخ.

والنفوذ والنفاذ: جواز شيء عن شيء وخروجُه منه.

والشرط مستعمل في التعجيز، وكذلك الأمر الذي هو جواب هذا الشرط من قوله: ﴿ فانفذوا ﴾ ، أي وأنتم لا تستطيعون الهروب.

والمعنى: إن قَدَرْتُم على الانفلات من هذا الموقف فافلتوا.

وهذا مؤذن بالتعريض بالتخويف مما سيظهر في ذلك الموقف من العقاب لأهل التضليل.

والأقطار: جمع قُطر بضم القاف وسكون الطاء وهو الناحية الواسعة من المكان الأوسع، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ﴾ في سورة الأحزاب (14).

وذكر السماوات والأرض لتحقيق إحاطة الجهات كلها تحقيقاً للتعجيز، أي فهذه السماوات والأرض أمامكم فإن استطعتم فاخرجوا من جهة منها فراراً من موقفكم هذا، وذلك أن تعدد الأمكنة يسهل الهروب من إحدى جهاتها.

والأرض المذكورة هنا إما أن تكون الأرض التي في الدنيا وذلك حين البعث، وإما أن تكون أرض الحشر وهي التي سماها القرآن الساهرة في سورة النازعات (14)، وقال تعالى: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ [إبراهيم: 48]، وإما أن يكون ذلك جارياً مجرى المثل المستعمل للمبالغة في إحاطة الجهات كقول أبي بكر الصديق: «أيُّ أرض تقلني، وأيُّ سماء تُظلني».

وهذه المعاني لا تتنافى، وهي من حدّ إعجاز القرآن.

وجملة ﴿ لا تنفذون إلاَّ بسلطان ﴾ بيان للتعجيز الذي في الجملة قبله فإن السلطان: القدرة، أي لا تنفذون من هذا المأزق إلا بقدرة عظيمة تفوق قدرة الله الذي حشركم لهذا الموقف، وأنَّى لكم هاته القوة.

وهذا على طريق قوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ [الشعراء: 210، 211]، أي ما صعدوا إلى السماء فيتنزَّلوا به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ شَأْنَهُ في يَوْمَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ: الدَّهْرُ كُلُّهُ يَوْمانِ: أحَدُهُما: مُدَّةُ أيّامِ الدُّنْيا، والآخَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ سُبْحانَهُ في أيّامِ الدُّنْيا الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ بِالأمْرِ، والنَّهْيِ، والإحْياءِ، والإماتَةِ، والإعْطاءِ، والمَنعِ، وشَأْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ الجَزاءُ، والحِسابُ، والثَّوابُ، والعِقابُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الإخْبارُ عَنْ شَأْنِهِ في كُلِّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا.

وَفِي هَذا الشَّأْنِ الَّذِي أرادَهُ في أيّامِ الدُّنْيا قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن بُعِثَ مِنَ الأنْبِياءِ في كُلِّ زَمانٍ بِما شَرَعَهُ لِأُمَّتِهِ مِن شَرائِعِ الدِّينِ وكانَ الشَّأْنُ في هَذا المَوْضِعِ هو الشَّرِيعَةُ الَّتِي شَرَعَها كُلُّ نَبِيٍّ في زَمانِهِ ويَكُونُ اليَوْمُ عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ.

القَوْلُ الثّانِي: ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ في خَلْقِهِ مِن تَبَدُّلِ الأحْوالِ واخْتِلافِ الأُمُورِ، ويَكُونُ اليَوْمُ عِبارَةً عَنِ الوَقْتِ.

رَوى مُجاهِدٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كُلُّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، يُجِيبُ داعِيًا، ويُعْطِي سائِلًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ.

وَقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ: كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، هو يَعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رِغابًا، ويَحْرِمُ عِقابًا.

وَقَدْ رَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ « ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، ويُفَرِّجَ كَرْبًا، ويَرْفَعَ قَوْمًا، ويَضَعَ آخَرِينَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: المنشآت ما رفع قلعة من السفن، فأما ما لم يرفع قلعة فليس بمنشآت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: السفن و ﴿ المنشآت ﴾ قال: بالشراع ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ يعني السفن ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: هي السفائن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والمحاملي في أماليه عن عمير بن سعد قال: كنا مع عليّ على شط الفرات فمرت به سفينة فقرأ هذه الآية ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي والضحاك أنهما كانا يقرآن ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر ﴾ قال: أي الفاعلات.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأها ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ يعني الباديات.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه كان يقرأها على الوجهين بكسر الشين وفتحها.

قوله تعالى: ﴿ كل من عليها فان ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إذا قرأت ﴿ كل من عليها فان ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذو الجلال والإِكرام ﴾ قال: الكبرياء والعظمة.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن حميد بن هلال قال: قال رجل: يرحم الله رجلاً أتى على هذه الآية ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام ﴾ فسأل الله تعالى بذلك الوجه الكافي الكريم ولفظ البيهقي بذلك الوجه الباقي الجميل.

قوله تعالى: ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ الآية.

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ يعني يسأل عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم هو في ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ قال: ﴿ يسأله من في السماوات ﴾ الرحمة ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: الملائكة يسألونه الرزق لأهل الأرض والأرض يسأله أهلها الرزق لهم.

وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والبزار وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي الدرداء «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين» ، زاد البزار: وهو يجيب داعياً.

وأخرج البزار عن ابن عمر «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يغفر ذنباً ويفرج كرباً» .

وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يكشف كرباً ويجيب داعياً ويرفع قوماً ويضع آخرين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: إن مما خلق الله لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق في كل نظرة، ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويغل ويفك، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبيد بن عمير ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من شأنه أن يجيب داعياً ويعطي سائلاً، ويفك عانياً، ويشفى سقيماً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: لا يستغني عنه أهل السماء والأرض، يحيى حياً، ويميت ميتاً، ويربي صغيراً، ويفك أسيراً، ويغني فقيراً، وهو مرد حاجات الصالحين، ومنتهى شكرهم وصريخ الأخيار.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي ميسرة ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يحيى ويميت، ويصور في الأرحام ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من شاء، ويفك الأسير.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يخلق خلقاً ويميت آخرين ويرزقهم ويكلؤهم.

وأخرج عبد بن حميد عن سويد بن جبلة الفزاري، وكان من التابعين، قال: إن ربكم ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ يعتق رقاباً ويفحم عتاباً ويعطي رغاباً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: لا يشغله شأن عن شأن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من أيام الدنيا كل يوم يجيب داعياً ويكشف كرباً ويجيب مضطراً ويغفر ذنباً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ ولم يقل إن استطعتما؛ لأنهما إذا جمعا جمع (١) ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا  ﴾ وكقوله ﴿ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ  ﴾ ولو قيل: إن استطعتم كان صوابًا كما قال ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا ﴾ ذكر ذلك الفراء والكسائي (٢) قوله ﴿ أَنْ تَنْفُذُوا ﴾ يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية نفوذا أو نفاذا، ونفذ من الشيء خرج منه، والنفذ المخرج، يقال: لهذا الطريق نفذ إلى مكان كذا، أي: مخرج، والنفاذ: الجواز، وهذا يستعمل بالباء يقال: نفذ بالشيء كما يقال: مر بالشيء (٣) قوله: ﴿ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي من جوانبها ونواحيها.

واحدها قطر وقتر (٤) وفي تفسير هذه الآية قولان، أحدهما: أن المعنى: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بأن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ  ﴾ ولن تستطيعوا أن تهربوا من بالخروج من أقطار السموات والأرض، وهذا قول ابن مسعود ومقاتل، قال: إن استطعتم أن تنفذوا من أطراف السموات والأرض هرابًا من الموت فانفذوا ﴿ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾ يقول: إلا بملكي حيث توجهتم فثم ملكي وأنا آخذكم بالموت (٥) ومعنى (السلطان) القوة التي يتسلط بها على الأمر، ثم الملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يدل على أنه واحد.

القول الثاني: أن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة فتحف بأطراف السموات والأرض فيكونون على أطرافها وتحضر جهنم فيسمع الجن والإنس زفيرها فيندون فيقال لهم: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾ الآية، فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جن يخرج من أقطارها، والمعنى أن تنفذوا من أقطارها هاربين من العقاب، فانفذوا، وهذا أمر تعجيز على القولين، والقول الثاني هو قول الكلبي والضحاك (٦) ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ﴾ في الخبر: "يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم، وذلك قوله تعالى: (١) ظاهر العبارة غير مستقيم، وفي "الكشف والبيان" 12/ 40/ ب (ولم يقل إن استطعتما لأنهما فريقان في حال الجمع).

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 116، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 169.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 436، و"اللسان" 3/ 686، و"المفردات" ص 500 (نفذ).

(٤) أقطارها: نواحيها، واحدها قطر، وكذلك أقتارها، واحدها قُتْرٌ.

"اللسان" 3/ 114 (قطر).

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 271، وأورده الطبري في "تفسيره" 27/ 80، وغيره عن الضحاك.

(٦) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 317، و"معالم التنزيل" 4/ 271.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا ﴾ هذا كلام يقال للجن والإنس يوم القيامة أي: إن قدرتم على الهروب والخروج من أقطار السموات والأرض فافعلوا، ورُوي أنهم يفرون يومئذ لما يرون من أهوال القيامة فيجدون سبعة صفوف من الملائكة، قد أحاطت بالأرض فيرجعون، وقيل: بل خوطبوا بذلك في الدنيا؛ والمعنى: إن استطعتم الخروج عن قهر الله وقضائه عليكم فافعلوا، وقوله: ﴿ فانفذوا ﴾ أمر يراد به التعجيز ﴿ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة، وليس لكم قوة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ ذكر في خلق الإنسان أحوالا مختلفة: مرة قال: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ ، والتراب: هو الذي لم يصبه الماء، ومرة قال: خلقه من طين والطين: هو الذي أصابه الماء، واعتجن، ومرة قال: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ  ﴾ واللازب: هو الذي يلتصق باليد ويلزقه، وهو الحر الخالص، وقال مرة: ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ  ﴾ ، وهو الذي أسود وتغير؟

لطول المكث، ومرة قال: ﴿ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ والصلصال: هو الذي له صوت إذا حرك، وهو من صلصلة الحديد.

ويحتمل صلصال: أي: منتن، يقال: صلَّ البثر؛ إذا أنتن، والفخار: هو الذي تكسر إذا يبس.

وقال أبو عوسجة: الفخار: الذي طبخ.

فجائز أن تكومن هذه الأحوال التي ذكرت على اختلافها في ذلك الإنسان، كان في الابتداء، ترابا، ثم صار لازيا؛ لأنه كان من جيد الطين وحره، ثم صار مسنونا منتنا: أسود: لطول المكث، وصلصالاً لكثرة تربيته ولجودته، يكون له صوت.

وتشبهه بالفخار يحتمل وجوهاً: أحدها: لتكسره ويبسه.

أو لأنه كان ذا دوف كالفخار، أو لطول المكث، وكثرة التربية؛ إذ طين الفخار له ذه المصفات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ...

﴾ الآية، ذكر أنه أبو الجن، وأنه لفظ الوحدان، والجن جماعة، وكذا قال أبو عوسجة: الجان: الجن.

وقوله: ﴿ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴾ قال بعضهم: المارج: هو لهب النار صافياً لا دخان فيه؛ يقال: مرجت النار؛ إذا التبهت، فالمارج على هذا هو النار التي فارقت الحطب والتهبت، وارتفعت منه؛ وكذا قال أبو عوسجة: المارج - هاهنا -: اللهب، من قولك: مرج الشيء؛ إذا اضطرب، ولم يستقر، وعلى ما قال بعضهم في قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ إذا خلط وجميع بينهما يجيء أن يكون خلق الجان من نار غير منقطعة من الحطب، ولا خالية من الدخان؛ وكذا قال أبو عبيد: ﴿ مِن مَّارِجٍ ﴾ ، أي: من خلط من النار.

وعلى تأويل من قال في قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ أي: أرسل أحدهما في الآخر، فهو يكون من نار منقطعة من الحطب.

وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما أودع من الحكمة فيما ذكر من خلق آدم -  - من تراب، وخلق الجان من نار.

والفائدة في ذلك - والله أعلم - يخبر عن قدرته: أن من قدر على خلق الإنسان من ذلك التراب وإخراج جميع ما في الدنيا من الناس من نفس واحدة، لا يحتمل أن يعجزه شيء، وكذلك ما ذكر من خلق ألوان من النار، وإخراج ما أخرج منه من النسل حتى أخذ الدنيا بأسرها لا يعجزه شيء، ولا ما لو اجتمع حكماء البشر والجن، أدركوا المعنى الذي به أنشأ الإنسان منه، وخرج هذا الخلق منه، وفي ذلك وجهان من الحكمة: أحدهما: ما ذكرنا من القدرة على البعث: والثاني: أن كل ما ذكر من النقل والتغير من حال إلى حال، وإخراج ما أخرج منه، لا يحتمل أن يفعل ذلك عبثا باطلا، ولو لم يكن بعث، لكان إنشاء هذا الخلق عبثا باطلا، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، يقول، - والله أعلم -: إذا لم تنكروا شيئا من الآية أنه ليس منه فما لكم تنكرون في البعث وغيره؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ  ﴾ ، قد ذكرناه فيما تقدم.

ثم دل قوله: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ و ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ  ﴾ وذكر الحد لهما - أعني: الشمس والقمر - في الشروق والغروب، وفي أنهما طلعا بأمر، وغربا حيث غربا بأمر؛ إذ لو كان ذلك لا بأمر لكن بأنفسهما، لكانا يطلعان ويغربان في جميع الأوقات والأطراف، ولا يرجعان إذا بلغا مكانا ولا يزدادان، ولا ينتقصان في وقت من الأوقات، ثم هذه كله منشأ للبشر، مسخر لهم؛ فيقول - والله أعلم -: ما بال المجعول لكم أطوع لله  منكم؛ حيث لا يجاوز الحد الذي جعل له، ولا يتعدى أمر خالقه، وأنتم تجاوزون أمره ونهيه، وتتعدون حدوده.

وفي الآية دليل على أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه؛ ألا ترى أنه خص رب المشرقين ورب المغربين، ولم يدل على أنه ليس برب ما بينهما، أو ليس برب ما سوى المشارق والمغارب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ قيل: جمع بينهما وخلط.

وقيل: أحدهما العذاب، والآخر: المالح.

وقيل: ﴿ يَلْتَقِيَانِ ﴾ أي: يتقابلان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: بين البحرين حجاب وحاجز.

﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ قيل: لا يختلطان، ولا يمتزجان، ولا يتغير طعم كل واحد منهما؛ يخبر عن لطفه في منعهما عن الامتزاج، ومن طبع الماء الامتزاج والاختلاط، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء.

وقيل: ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: لا يجاوزان حد الله الذي حد لهما.

ثم اختلف في البحرين: قال بعضهم: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر الهند، و ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ أي: سكان، ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: لا يختلطان، وهو قول الأصم.

ومنهم من قال: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر فارس، ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ ، أي: جزيرة العرب.

وقيل: أحدهما: بحر السماء، والآخر: بحر الأرض، كقوله: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ  وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  ﴾ ، و ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ ، وهو: [ ] الأرض وسكان الأرض، وهذا أيضا لطف منه  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ منهم من قال: يخرج من العذب والمالح جميعا، كما هو ظاهر الآية.

ومنهم من قال: يخرجان من المالح خاصة دون العذب، وإن كانت الإضافة إ ليهما، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ  ﴾ ، ولم يأت من الجن رسل، وذلك كثير في القرآن.

ثم قرئ ﴿ يَخْرُجُ ﴾ بنصب الياء، ورفع [الراء، وقرئ برفع] الياء ونصب الراء، فالأول على جعل الفعل [لهما، والثاني على جعل الفعل] لغيرهما؛ كقوله  : ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا  ﴾ ، ولم يقل: (يخرج منه حلية).

ثم اختلف في اللؤلؤ والمرجان، منهم من قال: اللؤلؤ: ما عظم منه، والمرجان ما صغر من اللؤلؤ.

ومنهم من قال على العكس، وأكثرهم على الأول؛ كذلك روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك، وكذا قال أبو عوسجة: المرجان: صغار اللؤلؤ، والواحد: مرجانة.

وقيل: إن المرجان المختلط من الجواهر، من قولهم: مرجت، أي: خلطت.

وقيل: إنه ضرب خاص من الجوهر يخرج من البحر.

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا جاء القطر من السماء، انفتحت الأصداف؛ فكان في ذلك اللؤلؤ.

وقيل: إنما قال  : ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ وإنما يخرج اللؤلؤ من المالح دون العذب؛ لأن العذب والمالح يلتقيان؛ فيكون العذب لقاحا للمالح؛ كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى، وإنما تلده الأنثى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ : عن إبراهيم - رحمه الله  -: أنه قرأ: ﴿ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ بكسر الشين، وفسر بعض الناس المنشآت، أي: ظاهرات السير.

وعن الحسن أنه قرأها بفتح الشين، وقال أبو عبيدة: وبها يقرأ؛ لأن تفسيرها: أ،ها التي قد رفع قلعها في البحر، فهي الآن مقطوع بها؛ فقيل: المنشآت، وهي المرتفعات، والتي لم يرتفع قلعها، فليست بمنشأة.

وقيل: المخلوقات، والجواري: هي السفن المنشآت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ أي: هي في البحار كالجبال في البراري.

قيل: وهي الأعلام أنفسها.

ثم في هذه الآيات التي ذكرت وجوهٌ من الحكمة وإثبات القدرة لله  و  : أحدها: أن من قدر على تسخير البحار وإنشاء ما فيها، وعلم إخراج ما فيها للآدمي، واتخاذ السفن وإجراءها في البحار؛ للوصول إلى المنافع التي في البلدان النائية - لقادر على البعث وغيره.

والثاني: أن لا سبيل إلى معرفة ما في البحار من الأموال، واتخاذ السفن وإجرائها في البحار، ومعرفة ما وراء البحار من البلدان النائية وما فيها إلا بخبر الرسل، فيقول - والله أعلم -: ما بالكم صدقتم الرسل الأوائل فيما يرجع إلى منافعكم الدنيوية، ولم تصدقوهم فيما يرجع إلى الدين والآخرة من الوعد والوعيد.

أو يقول: ما بالكم لا تنكرون شيئا من هذه النعم - التي جعلها لكم - أنها من الله  ، فكيف تنكرون ما أتاكم به الرسل، عليهم السلام؟!

ثم في قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة في إنكارهم خلق أفعال العباد؛ فإنه أضاف السفن إلى نفسه بقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ ، وقد اتخذها بنو آدم بأفعالهم، فلو لم يكن له في أفعالهم صنعٌ، لكانت السفن لهم لا له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، أذا لم تكذبا شيئاص من آلاء ربكما: أنه من الله  ، ولم تكذبا ما أتاكم من الأخبار في منافع الدنيا، فكيف تكذبان أخبار الرسل عليهم السلام بعدما جاءو بالآيات والحجج.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقول الله يوم القيامة إذا جمع الجن والإنس: يا معشر الجن والإنس، إن استطعتم أن تجدوا لكم مخرجاً من ناحية من نواحي السماوات والأرض فافعلوا، ولن تستطيعوا أن تفعلوا ذلك إلا بقوة وبينة، وأنَّ لكم ذلك؟

<div class="verse-tafsir" id="91.qbDeM"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله