الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٤٤ من سورة الرحمن
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 47 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٤ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( يطوفون بينها وبين حميم آن ) أي : تارة يعذبون في الجحيم ، وتارة يسقون من الحميم ، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب ، يقطع الأمعاء والأحشاء ، وهذه كقوله تعالى : ( إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ) [ غافر : 71 ، 72 ] .
وقوله : ( آن ) أي : حار وقد بلغ الغاية في الحرارة ، لا يستطاع من شدة ذلك .
قال ابن عباس في قوله : ( يطوفون بينها وبين حميم آن ) قد انتهى غليه ، واشتد حره .
وكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، والحسن ، والثوري ، والسدي .
وقال قتادة : قد أنى طبخه منذ خلق الله السماوات والأرض .
وقال محمد بن كعب القرظي : يؤخذ العبد فيحرك بناصيته في ذلك الحميم ، حتى يذوب اللحم ويبقى العظم والعينان في الرأس .
وهي كالتي يقول الله تعالى : ( في الحميم ثم في النار يسجرون ) .
والحميم الآني : يعني الحار .
وعن القرظي رواية أخرى : ( حميم آن ) أي : حاضر .
وهو قول ابن زيد أيضا ، والحاضر لا ينافي ما روي عن القرظي أولا أنه الحار ، كقوله تعالى : ( تسقى من عين آنية ) [ الغاشية : 5 ] أي حارة شديدة الحر لا تستطاع .
وكقوله : ( غير ناظرين إناه ) [ الأحزاب : 53 ] يعني : استواءه ونضجه .
فقوله : ( حميم آن ) أي : حميم حار جدا .
ولما كان معاقبة العصاة المجرمين وتنعيم المتقين من فضله ورحمته وعدله ولطفه بخلقه ، وكان إنذاره لهم عذابه وبأسه مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك ، قال ممتنا بذلك على بريته : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) .
وقوله: ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) يقول تعالى ذكره : يطوف هؤلاء المجرمون الذين وصف صفتهم في جهنم بين أطباقها( وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) يقول: وبين ماء قد أسخن وأغلي حتى انتهى حرّه وأنى طبخه، وكل شيء قد أدرك وبلغ فقد أنى، ومنه قوله: غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ يعني: إدراكه وبلوغه، كما قال: نابغة بني ذُبيان: ويُخْــضَب لِحْيَـةٌ غـدَرَتْ وخـانَتْ بــأحمَرَ مِـنْ نَجـيع الجَـوْفِ آنـي (2) يعني: مدرك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) يقول: انتهى حرُّه.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) يقول: غلى حتى انتهى غليه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) قال: قد بلغ إناه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: الآني الذي قد انتهى حرّه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شبيب، عن بشر، عن عكرِمة، عن ابن عباس ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) قال: الآني : ما اشتدّ غليانه ونضجه.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( حَمِيمٍ آنٍ ): هو الذي قد انتهى غَلْيه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة ( وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) قال: أنى طبخها منذ يوم خلق الله السموات والأرض.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) يقول: حميم قد أنى طبخه منذ خلق الله السموات والأرض.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ( حَمِيمٍ آنٍ ) يقول: حميم قد آن منتهى حره.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( حَمِيمٍ آنٍ ) قال: قد انتهى حرّه.
وقال بعضهم: عنى بالآني: الحاضر.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) قال: يطوفون بينها وبين حميم حاضر، الآني :الحاضر.
------------------- الهوامش : (2) البيت لنابغة بني ذبيان ( مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا ، طبعة الحلبي 194 ) من قصيدة يهجو بها يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي في قصة ذكرها شارحه في 193 عند بدء القصيدة، ( وانظر شرح الأعلم ، والوزير أبي بكر البطليوسي على الأشعار الستة ، والجزء الأول من خزانة الأدب الكبرى، لعبد القادر البغدادي 204 - 205 ) وقال شارح البيت: نجيع الجوف: الدم الخالص .
والآنى: الشديد الحرارة، وهو الذي بلغ أناه .
ا هـ .
وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( الورقة 173 - ب ) : عند قوله تعالى : ( وبين حميم آن : بلغ أناه في شدة الحر .
ا هـ .
قوله تعالى :يطوفون بينها وبين حميم آن قال قتادة : يطوفون مرة بين الحميم ومرة بين الجحيم ، والجحيم النار ، والحميم الشراب .
وفي قوله تعالى : آن ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه الذي انتهى حره وحميمه .
قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي ، ومنه قول النابغة الذبياني :وتخضب لحية غدرت وخانت بأحمر من نجيع الجوف آن[ ص: 160 ] قال قتادة : آن طبخ منذ خلق الله السماوات والأرض ، يقول : إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك .
وقال كعب : آن واد من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فيغمسون بأغلالهم فيه حتى تنخلع أوصالهم ، ثم يخرجون منها وقد أحدث الله لهم خلقا جديدا فيلقون في النار ، فذلك قوله تعالى : يطوفون بينها وبين حميم آن .
وعن كعب أيضا : أنه الحاضر .
وقال مجاهد : إنه الذي قد آن شربه وبلغ غايته .
والنعمة فيما وصف من هول القيامة وعقاب المجرمين ما في ذلك من الزجر عن المعاصي والترغيب في الطاعات .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى على شاب في الليل يقرأ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل يقول : ويحي من يوم تنشق فيه السماء ويحي !
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويحك يا فتى مثلها فوالذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء لبكائك .
{ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا } أي: بين أطباق الجحيم ولهبها { وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } أي: ماء حار جدا قد انتهى حره، وزمهرير قد اشتد برده وقره،
( يطوفون بينها وبين حميم آن ) قد انتهى حره .
قال الزجاج : أنى يأنى فهو آن إذا انتهى في النضج ، والمعنى : أنهم يسعون بين الجحيم والحميم فإذا استغاثوا من حر النار جعل عذابهم الحميم الآني الذي صار كالمهل .
وهو قوله " وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل " ( الكهف - 29 ) وقال كعب الأحبار : " آن " واد من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون في ذلك الوادي حتى تنخلع أوصالهم ، ثم يخرجون منه وقد أحدث الله تعالى لهم خلقا جديدا فيلقون في النار وذلك قوله : " يطوفون بينها وبين حميم آن " .
«يطوفون» يسعون «بينها وبين حميم» ماء حار «آن» شديد الحرارة يسقونه إذا استغاثوا من حر النار، وهو منقوص كقاض.
يقال لهؤلاء المجرمين -توبيخًا وتحقيرًا لهم-: هذه جهنم التي يكذِّب بها المجرمون في الدنيا: تارة يُعذَّبون في الجحيم، وتارة يُسقون من الحميم، وهو شراب بلغ منتهى الحرارة، يقطِّع الأمعاء والأحشاء.
والمراد بالطواف فى قوله : ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا .
.
) كثرة التردد والرجوع إليها بين وقت وآخر .والحميم : الماء الشديد الغليان والحرارة .و ( آنٍ ) : أى : قد بلغ النهاية فى شدة الحرارة ، يقال : أَنَى الحميم ، أى انتهى حره إلى أقصى مداه ، فهو آن وبلغ الشىء أناه - بفتح الهمزة وكسرها - إذا وصل إلى غاية نضجه وإدراكه ، ومنه قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) أى : نضجه .
هو كقوله تعالى: ﴿ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل ﴾ وكقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ لأنهم يخرجون فيستغيثون فيظهر لهم من بعد شيء مائع هو صديدهم المغلي فيظنونه ماء، فيردون عليه كما يرد العطشان فيقعون ويشربون منه شرب الهيم، فيجدونه أشد حراً فيقطع أمعاءهم، كما أن العطشان إذا وصل إلى ماء مالح لا يبحث عنه ولا يذوقه، وإنما يشربه عباً فيحرق فؤاده ولا يسكن عطشه.
وقوله: ﴿ حَمِيمٍ ﴾ إشارة إلى ما فعل فيه من الإغلاء، وقوله تعالى: ﴿ ءَانٍ ﴾ إشارة إلى ما قبله، وهو كما يقال: قطعته فانقطع فكأنه حمته النار فصار في غاية السخونة وآن الماء إذا انتهى في الحر نهاية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرْدَةً ﴾ حمراء ﴿ كالدهان ﴾ كدهن الزيت، كما قال: (كالمهل)، وهو درديّ الزيت، وهو جمع دهن.
أو اسم ما يدهن به كالخزام والإدام.
قال: كَأَنَّهُمَا مَزَادَتَا مُتَعَجِّل ** فَرِيَّانِ لَمَّا تُدْهَنَا بِدِهَانِ وقيل: الدهان الأديم الأحمر.
وقرأ عمرو بن عبيد ﴿ وردة ﴾ بالرفع، بمعنى: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التجريد، كقوله: فَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَة ** تَحْوِي الْغَنَائِمَ أَو يَمْوتَ كَرِيمُ ﴿ إِنسٌ ﴾ بعض من الإنس ﴿ وَلاَ جَانٌّ ﴾ أريد به: ولا جن: أي: ولا بعض من الجن، فوضع الجانّ الذي هو أبو الجن موضع الجن، كما يقال: هاشم، ويراد ولده.
وإنما وحد ضمير الإنس في قوله: ﴿ عَن ذَنبِهِ ﴾ لكونه في معنى البعض.
والمعنى: لا يسألون لأنهم يعرفون بسيما المجرمين وهي سواد الوجوه وزرقة العيون.
فإن قلت: هذا خلاف قوله تعالى: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الحجر: 92] وقوله: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤلون ﴾ [الصافات: 24] .
قلت: ذلك يوم طويل وفيه مواطن فيسألون في موطن ولا يسألون في آخر: قال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.
وقيل لا يسأل عن ذنبه ليعلم من جهته، ولكن يسأل سؤال توبيخ.
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد ﴿ ولا جأَنٌّ ﴾ فراراً من التقاء الساكنين، وإن كان على حده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً ﴾ أيْ حَمْراءَ كَوَرْدَةٍ وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى كانَ التّامَّةِ فَيَكُونُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ: ولَئِنْ بَقِيتُ لِأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ تَحْوِي الغَنائِمَ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ ﴿ كالدِّهانِ ﴾ مُذابَةٌ كالدُّهْنِ وهو اسْمٌ لِما يُدَّهَنُ بِهِ كالحِزامِ، أوْ جَمْعُ دُهْنٌ وقِيلَ: هو الأدِيمُ الأحْمَرُ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ أيْ مِمّا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ.
﴿ فَيَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ فَيَوْمَ تَنْشَقُّ السَّماءُ.
﴿ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم وذَلِكَ حِينَ ما يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ ويُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ ذَوْدًا ذَوْدًا عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ ﴾ ونَحْوُهُ فَحِينَ يُحاسَبُونَ في المَجْمَعِ، والهاءُ لِلْإنْسِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ فَإنَّهُ وإنْ تَأخَّرَ لَفْظًا تَقَدَّمَ رُتْبَةً.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ أيْ مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ في هَذا اليَوْمِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعْلِيلِ لِانْتِفاءِ السُّؤالِ، ( والمُجْرِمُونَ ) قِيلَ: مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعُ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ بَعْضٌ مِنَ الإنْسِ وبَعْضٌ مِنَ الجِنِّ وهُمُ المُجْرِمُونَ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ ، وسِيماهم - عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، وقِيلَ: ما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ أُمُورًا أُخَرَ كالعَمى.
والبُكْمِ.
والصَّمَمِ.
.
وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ بِسِيمائِهِمْ ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي ﴾ جَمْعُ ناصِيَةٍ وهي مُقَدَّمُ الرَّأْسِ ﴿ والأقْدامِ ﴾ جَمْعُ قَدَمٍ وهي قَدَمُ الرَّجُلِ المَعْرُوفَةُ والباءُ لِلْآلَةِ مَثَلَها في أخَذْتَ بِخِطامِ الدّابَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ والفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى ما يُعَدّى بِها أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي إلَخْ، وفِيهِ بَحْثٌ وظاهِرُ كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ - ألْ - عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ الضَّمِيرِ أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، ونَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ فَقالَ: - ألْ - فِيهِما عِوَضٌ عَنِ الضَّمِيرِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ أهْلِ البَلَدَيْنِ فِيما إذا احْتِيجَ إلى الضَّمِيرِ لِلرَّبْطِ ولا احْتِياجَ إلَيْهِ هُنا، نَعَمِ المَعْنى عَلى الضَّمِيرِ وكَيْفِيَّةِ هَذا الأخْذِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنْ يَجْمَعَ المَلِكُ بَيْنَ ناصِيَةِ أحَدِهِمْ وقَدَمَيْهِ في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ ثُمَّ يَكْسِرُ ظَهْرَهُ ويُلْقِيهِ في النّارِ، وقِيلَ: تَأْخُذُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ، وقِيلَ: تَسْحَبَهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تارَةً بِأخْذِ النَّواصِي وتارَةً بِأخْذِ الأقْدامِ، فالواوُ بِمَعْنى أوِ الَّتِي لِلتَّقْسِيمِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وإبْهامُ الفاعِلِ لِأنَّهُ كالمُتَعَيِّنِ، وقِيلَ: لِلرَّمْزِ إلى عَظَمَتِهِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في صِفَةِ النّارِ عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ خُلِقَتْ مَلائِكَةُ جَهَنَّمَ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ جَهَنَّمُ بِألْفِ عامٍ فَهم كُلَّ يَوْمٍ يَزْدادُونَ قُوَّةً إلى قُوَّتِهِمْ حَتّى يَقْبِضُوا عَلى مَن قَبَضُوا بِالنَّواصِي والأقْدامِ»» ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ يُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ يعني: إن قدرتم أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: أن تخرجوا من أطراف السَّمَوَاتِ، والأرض، ونواحيها، فَانْفُذُوا يعني: فاخرجوا إن استطعتم.
قال مقاتل: هذا الخطاب للجن، والإنس في الدنيا.
يعني: إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض هروباً من الموت، فانفذوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: أينما أدرككم الموت.
وروي عن ابن عباس أنه قال: هذا الخطاب في يوم القيامة، وذلك أن السماء تتشقق بالغمام، وتنزل ملائكة السموات، ويقومون حول الدنيا محيطين بها، وجاء الروح وهو ملك يقوم صفّاً وهو أكبر من جميع الخلق، فحينئذٍ يقال لهم: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: لا تنجون إلا بحجة، وبرهان.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعمائه تجحدون حيث بيّن لكم أحوال يوم القيامة حتى تتوبوا، وترجعوا.
ويقال: معناه ذلك اليوم لا يفوته أحد ولا يعينكم أحد غيره، فكيف تجحدون هذه النعم.
ثم قال: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ يعني: يرسل على كفار الجن، وكفار الإنس، لهب من النار وَنُحاسٌ يعني: الصُّفْر المذاب يعذبون بهما.
ويقال: دخان لهب فيه.
ويقال: النحاس هو لباس أهل النار فَلا تَنْتَصِرانِ يعني: لا تُمْنعان من ذلك.
قرأ ابن كثير: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ بكسر الشين.
والباقون: بالضم.
فهما لغتان، ومعناهما واحد.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: وَنُحاسٌ بكسر السين.
والباقون: بالضم.
فمن قرأ بالكسر عطف على قوله من نار، ومن قرأ بالضم عطف على قوله شواظ.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: لا يعينكم أحد غير الله، ولا يحفظكم حين يرسل عليكم العذاب إلا الله فكيف تنكرون قدرته وتوحيده؟.
ثم قال عز وجل: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ يعني: انفرجت السماء لنزول الملائكة، كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: 25] .
ثم قال: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ يعني: صارت كدهن الورد الصافي، وهذا قول مقاتل.
وقال القتبي: صارت حمراء في لون الفرس.
يعني: بمنزلة الدابة الجُلْجُون الذي تغير لونه في كل وقت، يرى لونه على خلاف اللون الأول، ويقال له: المورد ويقال: الدهن الأديم الأحمر بلغة الفارسي.
يعني: الفرس الذي يكون لونه لون الورد الأحمر، يعنون أخضر يضرب إلى سواد، يتغير لونه بياض.
ويقال: من هيبة ذلك زاغ فيرى أنه كالدهن.
ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، تغيرت السموات من هيبته، ويأمر الخلق بالحساب، فهو الذي ينجيكم من هول ذلك اليوم، فكيف تنكرون هذه النعمة.
ثم قال عز وجل: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ يعني: عن علمه إِنْسٌ وَلا جَانٌّ يعني: إنسياً، ولا جنياً لأن الله تعالى قد أحصى عليه: ويقال: لا يسأل سؤال استفهام، ولكن يسأل سؤال التوبيخ والزجر كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) [الحجر: 92] ويقال لا يسأل الكافر لأنه عرف بعلامته.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، أعطاكم الثواب، وأدخلكم في جنته، فكيف تنكرون وحدانيته؟
ويقال: معناه إن الله قد بين لكم أنه يعلم أعمالكم، ونهاكم عن الذنوب، وتجاوز عنكم، فكيف تنكرون، وحدانيته.
قوله عز وجل: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ يعني: يُعرف الكافر بسواد الوجوه، وزرقة الأعين، فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ وذلك أن خزنة جهنم بعد الحساب، يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون بين نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم على وجوههم، فيطرحونهم في النار.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي يدفع عنكم ذلك العذاب إن آمنتم به، وأطعتموه ووحدتموه، فكيف تنكرون هذه النعمة؟.
ثم قال عز وجل: هذِهِ جَهَنَّمُ وذلك أن الكفار إذا دنوا من النار، تقول لهم الخزنة: هذه جهنم الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يعني: جهنم التى كنتم بها تكذبون في الدنيا.
ثم أخبر عن حالهم فيها فقال: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ يعني: الشراب الحار الذي قد انتهى حره، وذلك أنه يسلط عليهم الجوع، فيؤتى بهم إلى الزقوم الذي طلعه كرؤوس الشياطين، فأكلوا منه، فأخذ في حلقهم، فاستغاثوا بالماء، فأتوا من الحميم.
فإذا قربوا إلى وجوههم، تناثر لحم وجوههم، فيشربون، فيغلي في أجوافهم، ويخرج جميع ما فيها، ثم يلقى عليهم الجوع، فمرة يذهب بهم إلى الحميم، ومرة إلى الزقوم، فذلك قوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "سَنَفْرُغُ" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَبْدُ الوارِثِ: ["سَيَفْرُغُ"] بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: "سَيُفْرَغُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا شُغْلَ لَهُ: قَدْ فَرَغْتَ لِي، قَدْ فَرَغْتَ تَشْتُمُنِي؟!
أيْ: قَدْ أخَذْتَ في هَذا وأقْبَلْتَ عَلَيْهِ؟!
قالَ الزَّجّاجُ: الفَراغُ في اللُّغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ.
أحَدُهُما: الفَراغُ مِن شُغْلٍ.
والآخَرُ: القَصْدُ لِلشَّيْءِ، تَقُولُ: قَدْ فَرَغْتُ مِمّا كُنْتُ فِيهِ، أيْ: قَدْ زالَ شُغْلِي بِهِ، وتَقُولُ: سَأتَفَرَّغُ لِفُلانٍ، أيْ: سَأجْعَلُهُ قَصْدِي، ومَعْنى الآيَةِ: سَنَقْصِدُ لِحِسابِكم.
فَأمّا "الثَّقَلانِ" فَهُمّا الجِنُّ والإنْسُ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُما ثِقْلُ الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَنْفُذُوا ﴾ أيْ: تَخْرُجُوا؛ يُقالُ: نَفَذَ الشَّيْءُ مِنَ الشَّيْءِ: إذا خَلَصَ مِنهُ، كالسَّهْمِ يَنْفُذُ مِنَ الرَّمِيَّةِ؛ والأقْطارُ: النَّواحِي والجَوانِبُ.
وفي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَعْلَمُوا ما في السَّماواتِ والأرْضِ فاعْلَمُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَهْرُبُوا مِنَ المَوْتِ بِالخُرُوجِ مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فاهْرُبُوا واخْرُجُوا مِنها؛ والمُرادُ: أنَّكم حَيْثُما كُنْتُمْ أدْرَكَكُمُ المَوْتُ، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ في آخَرِينَ.
والثّالِثُ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَجُوزُوا أطْرافَ السَّماواتِ والأرْضِ فَتُعْجِزُوا رَبَّكم حَتّى لا يَقْدِرَ عَلَيْكم فَجُوزُوا؛ وإنَّما يُقالُ لَهم هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تَنْفُذُونَ إلّا في سُلْطانِ اللَّهِ ومُلْكِهِ، لِأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا تَنْفُذُونَ إلّا بِحُجَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والثّالِثُ: لا تَنْفُذُونَ إلّا بِمُلْكٍ، ولَيْسَ لَكم مُلْكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما ﴾ فَثَنّى عَلى اللَّفْظِ.
وقَدْ جَمَعَ في قَوْلِهِ ﴿ إنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ عَلى المَعْنى.
فَأمّا "الشُّواظُ" فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَهَبُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللَّهَبُ الأخْضَرُ المُنْقَطِعُ مِنَ النّارِ.
والثّانِي: الدُّخانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: النّارُ المَحْضَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي النّارُ الَّتِي تَأجَّجُ لا دُخانَ فِيها، ويُقالُ: شُواظٌ وشِواظٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ وقَرَأ أيْضًا هو وأهْلُ البَصْرَةِ: "وَنُحاسٍ" بِالخَفْضِ، والباقُونَ بِرَفْعِهِما.
وَفِي "النُّحاسِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ دُخانُ النّارِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ، ومِنهُ قَوْلُ الجَعْدِيُّ يَذْكُرُ امْرَأةً: تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِي طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسا وَذَكَرَ الفَرّاءُ في السَّلِيطِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ دُهْنُ السَّنامِ، ولَيْسَ لَهُ دُخانٌ إذا اسْتُصْبِحَ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ دُهْنُ السِّمْسِمِ.
والثّالِثُ: الزَّيْتُ.
والثّانِي: أنَّهُ الصُّفْرُ المُذابُ يُصَبُّ عَلى رُؤُوسِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالآيَةِ: كُفّارُ الجِنِّ والإنْسِ، يُرْسَلُ عَلَيْهِما في الآخِرَةِ لَهَبُ النّارِ والصُّفْرُ الذّائِبُ، وهي خَمْسَةُ أنْهارٍ تَجْرِي مِن تَحْتِ العَرْشِ عَلى رُؤُوسِ أهْلِ النّارِ، ثَلاثَةُ أنْهارٍ عَلى مِقْدارِ اللَّيْلِ، ونَهْرانِ عَلى مِقْدارِ نَهارِ الدُّنْيا، ﴿ فَلا تَنْتَصِرانِ ﴾ أيْ: فَلا تَمْتَنِعانِ مِن ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "يَسْألُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن "الوَجْهِ" والعامِلُ فِيهِ "يَبْقى"،أيْ: هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَأْنَفًا إخْبارًا مُجَرَّدًا، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مِنَ الأشْياءِ فَهو في قِوامِهِ وتَمَسُّكِهِ ورِزْقِهِ إنْ كانَ مِمّا يُرْزَقُ بِحالِ حاجَةٍ إلى اللهِ تَعالى، فَمَن كانَ يَسْألُ بِنُطْقٍ فالأمْرُ فِيهِ بَيِّنٌ، ومَن كانَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ فَحالُهُ تَقْتَضِي السُؤالَ فَأسْنَدَ فِعْلَ السُؤالِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ أيْ: يَظْهَرُ شَأْنٌ مِن قُدْرَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ في مِيقاتِهِ مِنَ الزَمَنِ، مِن إحْياءٍ وإماتَةٍ ورَفْعٍ وخَفْضٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يَعْلَمُ نِهايَتَها إلّا هو تَعالى وجَلَّ، و"الشَأْنُ" اسْمُ جِنْسٍ لِلْأُمُورِ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: مَعْنى الآيَةِ سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ كُلُّ يَوْمٍ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ ثَلاثمِائَةٍ وسِتُّونَ نَظْرَةً، يُعِزُّ فِيها ويُذِلُّ، ويُحْيِي ويُمِيتُ، ويُغْنِي ويُعْدِمُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ، لا إلَهَ إلّا هو.
وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقِيلَ: ما هَذا الشَأْنُ يا رَسُولَ اللهِ؟
قالَ: "يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ وَيَضَعُ"،» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّ اللهَ اسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ فَلا يَنْفُذُ فِيهِ شَيْئًا تَعالى عن قَوْلِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ ﴾ عِبارَةٌ عن إتْيانِ الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ فِيهِ وقَضى أنْ يَنْظُرَ في أمْرِ عِبادِهِ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ شُغْلًا يَفْرَغُ مِنهُ، وإنَّما هي إشارَةُ وعِيدٍ، وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ لِأزَبِّ العَقَبَةِ: أما واللهِ لَأفْرُغَنَّ لَكَ ما حَيِيتُ".» و"التَفَرُّغُ" مِن كُلِّ آدَمِيٍّ حَقِيقَةٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "سَنَفْرُغُ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الراءِ وقَرَأ الأعْرَجُ، وقَتادَةُ ذَلِكَ بِفَتْحِ الراءِ والنُونِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، ويُقالُ: فَرَغَ بِفَتْحِ الراءِ، وفَرَغَ بِكَسْرِها، ويَصِحُّ مِنهُما جَمِيعًا أنْ يُقالَ: يُفْرَغُ بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ عِيسى بِكَسْرِ النُونِ وفَتْحِ الراءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمَزَهُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها وضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ -بِخِلافٍ- وأبُو حَيْوَةَ: " سَيُفْرَغُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ أيْضًا: "سَنَفْرُغُ إلَيْكُمْ".
و"الثَقَلانِ": الجِنُّ والإنْسُ، يُقالُ لِكُلِّ ما يَعْظُمُ أمْرُهُ: ثَقِيلٌ، ومِنهُ "وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها"، وقالَ النَبِيُّ : « "إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثِقْلَيْنِ كِتابَ اللهِ وعِتْرَتِي"،» ويُقالُ لِبَيْضِ النَعامِ: ثَقَلٌ، قالَ لَبِيدٌ: فَتَذَكَّرا ثَقَلًا...............................
وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ: سُمِّيَ الجِنُّ والأُنْسُ ثَقَلَيْنِ لِأنَّهُما ثَقُلا بِالذُنُوبِ، وهَذا بارِعٌ يَنْظُرُ إلى خَلْقِهِما مِن طِينٍ ونارٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أيُّهَ الثَقَلانِ" بِضَمِّ الهاءِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ - فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَكُمْ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ، قالُوا: وهَذِهِ حِكايَةٌ عن حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، "يَوْمَ التَنادِ" عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِشَدِّ الدالِّ، قالَ الضَحّاكُ: وذَلِكَ أنَّهُ يَفِرُّ الناسُ في أقْطارِ الأرْضِ، والجِنُّ كَذَلِكَ، لِما يَرَوْنَ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَيَجِدُونَ سَبْعَةَ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُمْ: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: بَلْ هي مُخاطَبَةٌ في الدُنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ بِأنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِ اسْتَطَعْتُمْ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم أنْ تُنَفِّذُوا فَتَعْلَمُوا عِلْمَ أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ، و"الأقْطارُ": الجِهاتُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فانْفُذُوا" صِيغَتُةُ الأمْرُ ومَعْناهُ التَعْجِيزُ.
و"السُلْطانُ" هو القُوَّةُ عَلى غَرَضِ الإنْسانِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الأعْظَمِ مِنَ الأمْرِ والحُجَجِ أبَدًا مِنَ القَوِيِّ في الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ يُعَبِّرُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنِ السُلْطانِ بِأنَّهُ الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: السُلْطانُ هُنا المَلِكُ، ولَيْسَ لَهم مَلِكٌ.
و"الشُواظُ": لَهَبُ النارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: لا يَكُونُ الشُواظُ إلّا مِنَ النارِ وشَيْءٌ مَعَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ النارُ كُلُّها لا تُحَسُّ إلّا وشَيْءٌ مَعَها.
وقالَ مُجاهِدٌ: الشُواظُ هو اللهَبُ الأخْضَرُ المُتَقَطِّعُ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ يَهْجُو أُمِّيَّةَ بْنَ أبِي الصَلْتِ: هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتَ حَلِيفَ ∗∗∗ ذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُواظِ وَقالَ الضَحّاكُ: هو الدُخّانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللهَبِ ولَيْسَ بِدُخانِ الحَطَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "شُواظٌ" بِضَمِّ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وحْدَهُ، وشِبْلُ، وعِيسى: "شِواظُ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهُما لُغَتانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: النُحاسُ: الدُخانُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَلِيـ ∗∗∗ ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيهِ نُحاسًا والسَلِيطُ: دُهْنُ الشَيْرَجِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَنُحاسٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "شُواظٌ"، فَمَن قالَ إنَّ النُحاسَ هو المَعْرُوفُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا- قالَ: ويُرْسَلُ عَلَيْهِما نُحاسٌ، أيْ: يُذابُ ويُرْسَلُ عَلَيْهِما، ومَن قالَ هو الدُخانُ قالَ: يُعَذَّبُونَ بِدُخانٍ يُرْسَلُ عَلَيْهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والنَخْعِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَنُحاسٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "نارٍ"، وهَذا مُسْتَقِيمٌ عَلى ما حَكَيْناهُ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ومَن رَأى أنَّ الشُواظَ يَخْتَصُّ بِالنارِ قَدَّرَ هُنا: وشَيْءٍ مِن نُحاسٍ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَنِحاسٍ" بِكَسْرِ النُونِ والجَرِّ، وعن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكَرَةَ أنَّهُ قَرَأ: "وَنَحُسٌ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الحاءِ والسِينِ المُشَدَّدَةِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ونَقْتُلُ بِالعَذابِ، وعنأبِي جُنْدُبٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَنَحْسٌ" كَما تَقُولُ: يَوْمَ نَحْسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو مِثْلَ قِراءَةِ مُجاهِدٍ عن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وذَلِكَ لُغَةٌ في نُحاسٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ نَحْسٍ، ومَعْنى الآيَةِ مُسْتَمِرٌّ في تَعْجِيزِ الجِنِّ والإنْسِ، أيْ: أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا فَلا يَنْتَصِرانِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا مما يقال يوم القيامة على رؤوس الملأ.
ووصف ﴿ جهنم ﴾ ب ﴿ التي يكذب بها المجرمون ﴾ تسفيه للمجرمين وفضح لهم.
وجملة ﴿ يطوفون ﴾ حال من ﴿ المجرمون ﴾ ، أي قد تبين سفه تكذيبهم بجهنم اتضاحاً بيناً بظهورها للناس وبأنهم يترددون خلالها كما ترددوا في إثباتها حين أنذروا بها في الدنيا.
والطواف: ترداد المشي والإِكثار منه، يقال: طاف به، وطاف عليه، ومنه الطواف بالكعبة، والطواف بالصفا والمروة، قال تعالى: ﴿ فلا جناح عليه أن يطَّوف بهما ﴾ وتقدم في سورة البقرة (158).
والحميمُ: الماء المغلَّى الشديد الحرارة.
والمعنى: يمشون بين مكان النار وبين الحميم فإذا أصابهم حرّ النار طلبوا التبرد فلاح لهم الماء فذهبوا إليه فأصابهم حرُّه فانصرفوا إلى النار دَوَاليْك وهذا كقوله: ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ﴾ [الكهف: 29].
وآنٍ: اسم فاعل من أنَى، إذا اشتدت حرارته.
<div class="verse-tafsir"
أحَدُهُما: أيْ لَنُقُومَنَّ عَلَيْكم عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ.
الثّانِي: سَنَقْصِدُ إلى حِسابِكم ومُجازاتِكم عَلى أعْمالِكم وهَذا وعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وقالَ جَرِيرٌ الآنَ وقَدْ فَرَغْتَ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتَ لَها عَذابًا أيْ قَصَدْتَ لَهم، والثَّقَلانِ الإنْسُ والجِنُّ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم ثُقْلٌ عَلى الأرْضِ.
﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَعْلَمُوا ما في السَّماواتِ والأرْضِ فاعْلَمُوا، لَنْ تَعْلَمُوهُ إلّا بِسُلْطانٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.
الثّانِي: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَخْرُجُوا مِن جَوانِبِ السَّماواتِ والأرْضِ هَرَبًا مِنَ المَوْتِ فانْفُذُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي إلّا بِحُجَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: والحُجَّةُ الإيمانُ.
الثّانِي: لا تَنْفُذُونَ إلّا بِمُلْكٍ ولَيْسَ لَكم مُلْكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ لا تَنْفُذُونَ إلّا في سُلْطانِهِ ومُلْكِهِ، لِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الشُّواظَ لَهَبُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ يَهْجُو حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ يَمانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كِيرًا ∗∗∗ ويَنْفُخُ دائِبًا لَهَبَ الشُّواظِ فَأجابَهُ حَسّانٌ فَقالَ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشَّواظِ الثّانِي: أنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ فِيها خُضْرَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الدُّخانُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ إنَّ لَهم مِن وقْعِنا أقْياظًا ∗∗∗ ونارَ حَرْبٍ تَسْعَرُ الشَّواظا الرّابِعُ: أنَّها طائِفَةٌ مِنَ العَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَأمّا النُّحاسُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصُّفْرُ المُذابُ عَلى رُؤُوسِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ دُخانُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ كَضَوْءِ سِراجِ السُّلَيْ ∗∗∗ طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ القَتْلُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَحْسٌ لِأعْمالِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: المنشآت ما رفع قلعة من السفن، فأما ما لم يرفع قلعة فليس بمنشآت.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: السفن و ﴿ المنشآت ﴾ قال: بالشراع ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ يعني السفن ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: هي السفائن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والمحاملي في أماليه عن عمير بن سعد قال: كنا مع عليّ على شط الفرات فمرت به سفينة فقرأ هذه الآية ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي والضحاك أنهما كانا يقرآن ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر ﴾ قال: أي الفاعلات.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأها ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ يعني الباديات.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه كان يقرأها على الوجهين بكسر الشين وفتحها.
قوله تعالى: ﴿ كل من عليها فان ﴾ الآية.
أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إذا قرأت ﴿ كل من عليها فان ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذو الجلال والإِكرام ﴾ قال: الكبرياء والعظمة.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن حميد بن هلال قال: قال رجل: يرحم الله رجلاً أتى على هذه الآية ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام ﴾ فسأل الله تعالى بذلك الوجه الكافي الكريم ولفظ البيهقي بذلك الوجه الباقي الجميل.
قوله تعالى: ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ الآية.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ يعني يسأل عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم هو في ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ قال: ﴿ يسأله من في السماوات ﴾ الرحمة ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: الملائكة يسألونه الرزق لأهل الأرض والأرض يسأله أهلها الرزق لهم.
وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والبزار وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي الدرداء «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين» ، زاد البزار: وهو يجيب داعياً.
وأخرج البزار عن ابن عمر «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يغفر ذنباً ويفرج كرباً» .
وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يكشف كرباً ويجيب داعياً ويرفع قوماً ويضع آخرين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: إن مما خلق الله لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق في كل نظرة، ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويغل ويفك، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبيد بن عمير ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من شأنه أن يجيب داعياً ويعطي سائلاً، ويفك عانياً، ويشفى سقيماً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: لا يستغني عنه أهل السماء والأرض، يحيى حياً، ويميت ميتاً، ويربي صغيراً، ويفك أسيراً، ويغني فقيراً، وهو مرد حاجات الصالحين، ومنتهى شكرهم وصريخ الأخيار.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي ميسرة ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يحيى ويميت، ويصور في الأرحام ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من شاء، ويفك الأسير.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يخلق خلقاً ويميت آخرين ويرزقهم ويكلؤهم.
وأخرج عبد بن حميد عن سويد بن جبلة الفزاري، وكان من التابعين، قال: إن ربكم ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ يعتق رقاباً ويفحم عتاباً ويعطي رغاباً.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: لا يشغله شأن عن شأن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من أيام الدنيا كل يوم يجيب داعياً ويكشف كرباً ويجيب مضطراً ويغفر ذنباً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ قال أبو عبيدة: (آن) بلغ إناه في شدة الحر وكل مدركٍ آن (١) وقال الفراء: هو الذي قد انتهى شدة حره (٢) قال الزجاج: أني يأني فهو آنٍ إذا انتها في النضج والحرارة (٣) قال عطاء: يريد قد انتهى غليانه كقوله ﴿ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ يريد حارة (٤) (٥) ومعنى الآية أنهم يسعون بين عذاب الجحيم وبين الحميم فإذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الآني الذي قد صار كالمهل، وهو قوله: ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا ﴾ الآية، نستجير بالله برحمته منهما (٦) قال أهل المعاني (٧) ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا ﴾ إلى هنا مواعظ ومزاجر وتهدد ووعيد وزجر وتخويف وهي كلها نعمة من الله تعالى بالانزجار به عن المعاصي ولذلك ختم كل آية بقوله ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ .
(١) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 245.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 118.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 102.
(٤) لم أجده عن عطاء، وعن ابن عباس قال: يقول: غلي حتى انتهى عليه، ومثله عن الضحاك.
انظر: "جامع البيان" 27/ 84.
(٥) قال ابن كثير: وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن، والثوري، والسدي.
انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 276 (٦) في (ك): (قوله تعالى) زيادة لا فائدة منها.
(٧) انظر: "الوسيط" 4/ 225، و"التفسير الكبير" 29/ 121.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ الحميم الماء السخن، والآن الشديد الحرارة، وقيل: الحاضر من قولك آن الشيء إذا حضر، والأول أظهر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: أي: مُلْكُ كُلِّ من في الأرض فانٍ، ويبقى ملك ربك أبدا دائما.
والثاني: يحتمل سلطان كل من عليها أو قوة كل من عليها وقدرته فان، ويبقى سلطان ربك وقدرته وربوبيته؛ ليعلم أنه ملكه وسلطانه بذاته، لا كالخلق؛ حتى يكون فناؤهم وذهابهم يُدْخِل نقصا أو وهنا في ملكه، خلاف ملك ملوك الأرض وسلطانهم.
وجائز أن يكون قال هذا على الإياس للكفرة، وقطع الرجاء عن عبادة من عبدوا دونه من الأصنام والملوك والرؤساء، ومن قدموهم، كأنه يقول: كل من عبد دونه أو خدم، أو عمل لا لوجه الله، فكله فان، ذاهب، إلا ما عمل لوجه الله؛ فإنه باق، والله أعلم.
والباطنية يقولون: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ أي: النفس الجسدانية، وتبقى النفس الروحانية أبدا؛ لأنهم يقولون: إذا فنيت هذه الأجساد ينشئ الله من أعمالهم الصالحات أنفسا روحانية تبقى أبدا.
ويحتمل ﴿ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ أي: كل مايطلب من العمل وغيره رضاء الله ، فكنى بالوجه عن الرضاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْجَلاَلِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على خلق إ جلال حق الله وأمره وتعظيم ذلك.
والثاني: أن يجل الله من شاء من خلقه؛ أي: منه إجلال من جل في الدنيا، وإكرام من أكرم من الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يخبر الله - عز وجل - عن فزع أهل السماء والأرض إليه عند الإياس من الخلق وانقطاع الرجاء عنهم، وهو يذكر أنه المفزع في الأحوال كلها، وللخلائق كلهم، ومنه يسألون الرزق والنجاة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...
﴾ الآية [الأنعام: 63]، وقوله: عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ ، وقوله : ﴿ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ ﴾ هنا صلة قوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ يقول - والله أعلم -: شأنه وأمره باق دائم أبدا، وذهاب الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره، ولا هنا في سلطانه وملكه؛ بل هو في شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال بقائهم.
وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل: إن اليهود قالت: إن الله استراح يوم السبت لا يقضي بشيء، ولا يحكم ولا يأمر، ولا يفعل فعلا؛ فنزلت الآية عد ذلك ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ من إحداث وإفناء، وإحياء وإماتة.
وأصله: أن الله إذا وصف بشيء يوصف بالأزل، يقال: عالم لم يزل، قادر لم يزل، رازق بذاته لم يزل، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله لم يزل عالما بجلوسك الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله لم يزل عالما بجلوسك هاهنا، أو في هذا الوقت؛ أي: لم يزل عالما أنه يجلس الآن، أو يجيء الآن، أو في هذا الوقت، وإذا وصفته بالماضي، قلت: لم يزل عالما بما كان، وبالمستقبل: لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا، وللحال: لم يزل عالما بكونه كائنا للحال، ونحو ذلك، نفيا لوهم الخلق: أن المخلوق كيف يكون في الأزل؟!
فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ ذكر اليوم والوقت؛ لئلا يتوهم يكن الخلق قديما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ ﴾ الآية، قرئ: ﴿ سَنَفْرُغُ ﴾ بالنون والياء، [و] يرفع الراء في الحالين.
قال أبو عبيد: بالياء يقرؤها كقوله : ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ذكر على المغابية، فكذلك هذا الذي قرئ عليه.
قال الزجاج: قوله : ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ ليس هو الفراغ عن الشغل، لكن كما يقول الرجل الآخر: سأفرغ لك كذا، أي: سأجعل لك، أو كلام نحوه.
ومنهم من يقول: هذا على الوعيد في كلام العرب، يقول الرجل: سأفرغ لك، وإني لفارغ، على الوعيد.
وقال أبو بكر الكيساني: إن الفراغ ليس يستعمل عند الفراغ عن الشغل خاصة، لكن يستعمل له ولغيره من نحو: إنجاز ما وعد، وأوعد؛ كأنه قال: سننجز لكم ما أوعدتكم أيها الثقلان.
وعندنا أن الفراغ: هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه، لا للفراغ عن الشغل، يقال: فلان فرغ من شغله: إذا فرغ [، وفرغ] من بناء داره، إذا أتمه وانقضى ذلك؛ ألا ترى أنه وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل، فهو مشغول بغيره، دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل؛ إذ لو كان اسماً للفراغ من الشغل لا يوصف به وهو مشغول بغيره؛ دل أنه اسم التمام والانقضاء، لكن فهم الخلق بعضهم من بعض الفراغ من الشغل؛ لما أن فعلهم للشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك؛ فيفهم ذلك من فعلهم، فأما الله - وتعالى - حيث لا يشغله فعل عن فعل، ولا شيء عن شيء، لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه، فبالله العصمة والتوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: كأنه يقول: لو مكن لكم النفاذ من أقطار السماوات والأرض ونواصيها، فتنفذون فتجدون هنالك، وترون من آيات من كذب بالرسل وما حل بهم بالتكذيب.
ثم قال: ﴿ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي: لا تنفذون لو مكن لكم من النفاذ إلا وتجدون حجج من أهلك منهم ظاهرة أنه بم أهلكهم؟
وهو كقوله : ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمرهم بالسير في الأرض والتدبر في آثار من أهلك بماذا أهلك من أهلك منهم؟
وبماذا نجا من نجا؟
والله أعلم.
والثاني: على الإعجاز، أي: لا تستطيعون أن تخرجوا أو تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، ولو مكن لكم من النفاذ والخروج منها لوجدتم ثَمَّ سلطاني وحجتي وملكي هنالك قائما، أي: لا تقدرون [على] الخروج من سلطاني وملكي حيثما كنتم؛ بل حيثما سرتم كنتم في سلطاني وملكي؛ فلا تتخلصون من الموت والهلاك، وهو كقوله : ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ...
﴾ الآية [الأنعام: 35].
وقال الضحاك: في حرف ابن مسعود - -: (يا معشر الجن والإنس قد جاء أجلكم فانفذوا من أقطارهما لا تنفذوا إلا بسلطان)، يعني: أنه لا يجيركم أحد من الموت وأنتم ميتون؛ أي: لا تأتون قطرا من أقطار السماوات والأرض إلا وجدوا هنالك سلطان الله وملائكته؛ يقول: لا تستطيعون فرارا من الموت ولا محيصا، وإن نفذتم من أقطار السماوات والأرض فلم تخرجوا من سلطاني وأنا آخذكم بالموت حيث كنتم، وهو كقوله: ﴿ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .
وقال بضعهم: يبعث الله ملائكة عند الحشر، فيحيطون بالدنيا يكونون في أقطارها؛ فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جان أن يخرج من الأقطار، ولو خرجوا كانوا في سلطان الله.
وقيل: ﴿ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي: الحجة.
وقال قتادة: إلا بملك.
وقال: إلا بقدرة الله والله أعلم.
ثم أوعدهم فقال: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ .
قرئ ﴿ شُوَاظٌ ﴾ بضم الشين وكسرها؛ روي عن الحسن بالكسر، وكذا عن مجاهد.
وقرئ ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ بكسر السين وضمه، فمن رفع ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ عطفه على قوله: ﴿ شُوَاظٌ ﴾ ومن كسره، عطفه على قوله: ﴿ مِّن نَّارٍ ﴾ .
ثم اختلف في تأويل الشواظ والنحاس: عن ابن عباس - -: النحاس: الدخال.
وقيل: الشواظ: هو لهب النار، الذي لا دخان فيه، والنحاس: هو الدخان.
وعن الكلبي: الشواظ: لهب النار، والنحاس: الصفر الذي يذاب، فيعذبون به.
وقيل: الشواظ: هو الذي فيه الدخان، والنحاس: هو النحاس المعروف، يذاب ويصب على رءوسهم.
وقال الضحاك: الشواظ: الدخان الذي يخرج من اللهب، ليس بدخان الحطب، والنحاس: الصفر: فمن قرأ بالخفض يقول: لهب من نار ومن دخان، ومن قرأ بالرفع أراد به الصفر؛ يقول: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ذيب في النار.
وقيل: النحاس في القراءتين يحتمل الدخان، ويحتمل الصفر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ قيل: لا تمتنعان من ذلك.
ويحتمل: أي: لا نصار لكما كما يكون في الدنيا.
فإذا قيل: إنه قد ذكر في أول الآيات: الآلاء والنعم، فقرن بآخرها: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، وقد انقطع ذكر الآلاء هاهنا، ونذكر المواعيد في هذه الآيات، فما فائدة قران قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ بآخرها.
قيل: إن في الوعد ترغيبا، وفي الوعيد ترهيبا؛ فيرغب في الوعد، ويخاف ويرهب من الوعيد؛ فيرتدع ويمتنع عما يوعد؛ فيكون في ذلك نعمة عظيمة؛ إذ بالوعد والوعيد تتم المحنة، وبالمحنة تتم النعمة؛ لذلك ذكر على إثر الوعيد: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
يتردَّدون بينها وبين ماء حارٍّ شديد الحرارة.
<div class="verse-tafsir" id="91.qbDeM"