الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٤٩ من سورة الرحمن
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 40 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٩ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس الجن تكذبان؟
قاله مجاهد وغير واحد ويدل عليه السياق بعده أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون "فبأي آلاء ربكما تكذبان".
وقوله: ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) يقول تعالى ذكره: فبأيّ نعم ربكما معشر الثقلين التي أنعم عليكما بإثابته هذا الثواب أهل طاعته - تكذّبان.
خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " [ ص : 32 ] .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟
!
ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟
!
ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا !
؟
ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟
!
والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .
أي: فبأي نعم الله الدينية والدنيوية تكذبان؟
" فبأي آلاء ربكما تكذبان ".
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
فبأي نِعَم ربكما -أيها الثقلان- تكذِّبان؟
هي جمع فنن أي ذواتا أغصان أو جمع فن أي فيهما فنون من الأشجار وأنواع من الثمار.
فإن قيل: أي الوجهين أقوى؟
نقول: الأول لوجهين: أحدهما: أن الأفنان في جمع فنن هو المشهور والفنون في جمع الفن كذلك، ولا يظن أن الأفنان والفنون جمع فن بل كل واحد منهما جمع معرف بحرف التعريف والأفعال في فعل كثير والفعول في فعل أكثر ثانيهما: قوله تعالى: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ ﴾ مستقل بما ذكر من الفائدة، ولأن ذلك فيما يكون ثابتاً لا تفاوت فيه ذهناً ووجوداً أكثر، فإن قيل: كيف تمدح بالأفنان والجنات في الدنيا ذوات أفنان كذلك؟
نقول: فيه وجهان: أحدهما: أن الجنات في الأصل ذوات أشجار، والأشجار ذوات أغصان، والأغصان ذوات أزهار وأثمار، وهي لتنزه الناظر إلا أن جنة الدنيا لضرورة الحاجة وجنة الآخرة ليست كالدنيا فلا يكون فيها إلا ما فيه اللذة وأما الحاجة فلا، وأصول الأشجار وسوقها أمور محتاج إليها مانعة للإنسان عن التردد في البستان كيفما شاء، فالجنة فيها أفنان عليها أوراق عجيبة، وثمار طيبة من غير سوق غلاظ، ويدل عليه أنه تعالى لم يصف الجنة إلا بما فيه اللذة بقوله: ﴿ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴾ أي الجنة هي ذات فنن غير كائن على أصل وعرق بل هي واقفة في الجو وأهلها من تحتها والثاني: من الوجهين هو أن التنكير للأفنان للتكثير أو للتعجب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَيُؤْخَذُ بالنواصى والأقدام ﴾ عن الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره وقيل تسحبهم الملائكة: تارة تأخذ بالنواصي؛ وتارة تأخذ بالأقدام ﴿ حَمِيمٍ ءانٍ ﴾ ماء حار قد انتهى حرّه ونضجه، أي: يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم.
وقيل: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم.
وقيل: إن وادياً من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال، فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم؛ ثم يخرجون منه وقد أحدث الله لهم خلقاً جديداً.
وقرئ: ﴿ يطوّفون ﴾ من التطويف.
ويطوّفون، أي: يتطوّفون ويطافون.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان تصليان لا تموتان فيها ولا تحييان يطوفون بينهما ﴾ ونعمة الله فيما ذكره من هول العذاب: نجاة الناجي منه برحمته وفضله، وما في الإنذار به من اللطف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ وهو ما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ.
﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ ﴾ مَجْمُوعًا بَيْنَهُما، وقِيلَ: يُؤْخَذُونَ بِالنَّواصِي تارَةً وبِـ الأقْدامِ أُخْرى.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها ﴾ بَيْنَ النّارِ يُحْرَقُونَ بِها.
﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ ﴾ ماءٍ حارٍّ.
﴿ آنٍ ﴾ بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَرارَةِ يُصَبُّ عَلَيْهِمْ، أوْ يُسْقَوْنَ مِنهُ، وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ أُغِيثُوا بِالحَمِيمِ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ﴾ مَوْقِفَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، أوْ قِيامَهُ عَلى أحْوالِهِ مَن قامَ عَلَيْهِ إذا راقَبَهُ، أوْ مَقامَ الخائِفِ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ فَأُضِيفَ إلى الرَّبِّ تَفْخِيمًا وتَهْوِيلًا، أوْ رَبَّهُ ومَقامَ مُقْحَمٌ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ ∗∗∗ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ ﴿ جَنَّتانِ ﴾ جَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ والأُخْرى لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، فَإنَّ الخِطابَ لِلْفَرِيقَيْنِ والمَعْنى لِكُلِّ خائِفَيْنِ مِنكُما أوْ لِكُلِّ واحِدٍ جَنَّةٌ لِعَقِيدَتِهِ وأُخْرى لِعَمَلِهِ، أوْ جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ وأُخْرى لِتَرْكِ المَعاصِي، أوْ جَنَّةٌ يُثابُ بِها وأُخْرى يَتَفَضَّلُ بِها عَلَيْهِ، أوْ رُوحانِيَّةٌ وجُسْمانِيَّةٌ وكَذا ما جاءَ مُثَنًّى بَعْدُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ صِفَةٌ لِجَنَّتانِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وسَّطَ بَيْنَهُما تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْذِيبَ كُلٍّ مِنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ مُوجَبٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وجَوَّزَأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ هُما ذَواتا، وأيًّا ما كانَ فَهو تَثْنِيَةَ - ذاتَ - بِمَعْنى صاحِبَةٍ فَإنَّهُ إذا ثَنّى فِيهِ لُغَتانِ ذاتا عَلى لَفْظِهِ وهو الأقْيَسُ كَما يُثَنّى مُذَكَّرُهُ ذَوا، والأُخْرى ( ذَواتا ) بِرَدِّهِ إلى أصْلِهِ فَإنَّ التَّثْنِيَةَ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، وقَدْ قالُوا: أصْلُ ذاتِ ذَواتٍ لَكِنْ حُذِفَتِ الواَوُ تَخْفِيفًا وفَرْقًا بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعَ ودَلَّتِ التَّثْنِيَةُ ورُجُوعُ الواوِ فِيها عَلى أصْلِ الواحِدِ ولَيْسَ هو تَثْنِيَةَ الجَمْعِ كَما يُتَوَهَّمُ وتَفْصِيلُهُ في بابِ التَّثْنِيَةِ مِن شَرْحِ التَّسْهِيلِ، والأفْنانُ إمّا جَمْعُ فَنٍّ بِمَعْنى النَّوْعِ ولِذا اسْتُعْمِلَ في العُرْفِ بِمَعْنى العِلْمِ أيْ ذَواتا أنْواعٍ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ومِن كُلِّ أفْنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبا لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخْضَرُ ناضِرُ وإمّا جَمْعُ فَنَنِ وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الأغْصانِ كَما قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِالغُصْنِ، وحُمِّلَ عَلى التَّسامُحِ وتَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّها ذَواتا قَصَبٍ وأوْراقٍ وثِمارٍ أيْضًا لِأنَّها هي الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ،فَمِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ ومِنها تُجْنى الثِّمارُ فَفي الوَصْفِ تَذْكِيرٌ لَهُما فَكَأنَّهُ قِيلَ: ( ذَواتا ) ثِمارٍ وظِلالٍ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ هو أخْصَرُ وأبْلَغَ، وتَفْسِيرُهُ بِالأغْصانِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَنَنِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو أوْلى لِأنَّ أفْعالًا في فِعْلِ أكْثَرَ مِنهُ في فِعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ كَفَنِّ، ويُجْمَعُ هو عَلى فُنُونِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ يعني: إن قدرتم أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: أن تخرجوا من أطراف السَّمَوَاتِ، والأرض، ونواحيها، فَانْفُذُوا يعني: فاخرجوا إن استطعتم.
قال مقاتل: هذا الخطاب للجن، والإنس في الدنيا.
يعني: إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض هروباً من الموت، فانفذوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: أينما أدرككم الموت.
وروي عن ابن عباس أنه قال: هذا الخطاب في يوم القيامة، وذلك أن السماء تتشقق بالغمام، وتنزل ملائكة السموات، ويقومون حول الدنيا محيطين بها، وجاء الروح وهو ملك يقوم صفّاً وهو أكبر من جميع الخلق، فحينئذٍ يقال لهم: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: لا تنجون إلا بحجة، وبرهان.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعمائه تجحدون حيث بيّن لكم أحوال يوم القيامة حتى تتوبوا، وترجعوا.
ويقال: معناه ذلك اليوم لا يفوته أحد ولا يعينكم أحد غيره، فكيف تجحدون هذه النعم.
ثم قال: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ يعني: يرسل على كفار الجن، وكفار الإنس، لهب من النار وَنُحاسٌ يعني: الصُّفْر المذاب يعذبون بهما.
ويقال: دخان لهب فيه.
ويقال: النحاس هو لباس أهل النار فَلا تَنْتَصِرانِ يعني: لا تُمْنعان من ذلك.
قرأ ابن كثير: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ بكسر الشين.
والباقون: بالضم.
فهما لغتان، ومعناهما واحد.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: وَنُحاسٌ بكسر السين.
والباقون: بالضم.
فمن قرأ بالكسر عطف على قوله من نار، ومن قرأ بالضم عطف على قوله شواظ.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: لا يعينكم أحد غير الله، ولا يحفظكم حين يرسل عليكم العذاب إلا الله فكيف تنكرون قدرته وتوحيده؟.
ثم قال عز وجل: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ يعني: انفرجت السماء لنزول الملائكة، كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: 25] .
ثم قال: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ يعني: صارت كدهن الورد الصافي، وهذا قول مقاتل.
وقال القتبي: صارت حمراء في لون الفرس.
يعني: بمنزلة الدابة الجُلْجُون الذي تغير لونه في كل وقت، يرى لونه على خلاف اللون الأول، ويقال له: المورد ويقال: الدهن الأديم الأحمر بلغة الفارسي.
يعني: الفرس الذي يكون لونه لون الورد الأحمر، يعنون أخضر يضرب إلى سواد، يتغير لونه بياض.
ويقال: من هيبة ذلك زاغ فيرى أنه كالدهن.
ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، تغيرت السموات من هيبته، ويأمر الخلق بالحساب، فهو الذي ينجيكم من هول ذلك اليوم، فكيف تنكرون هذه النعمة.
ثم قال عز وجل: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ يعني: عن علمه إِنْسٌ وَلا جَانٌّ يعني: إنسياً، ولا جنياً لأن الله تعالى قد أحصى عليه: ويقال: لا يسأل سؤال استفهام، ولكن يسأل سؤال التوبيخ والزجر كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) [الحجر: 92] ويقال لا يسأل الكافر لأنه عرف بعلامته.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، أعطاكم الثواب، وأدخلكم في جنته، فكيف تنكرون وحدانيته؟
ويقال: معناه إن الله قد بين لكم أنه يعلم أعمالكم، ونهاكم عن الذنوب، وتجاوز عنكم، فكيف تنكرون، وحدانيته.
قوله عز وجل: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ يعني: يُعرف الكافر بسواد الوجوه، وزرقة الأعين، فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ وذلك أن خزنة جهنم بعد الحساب، يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون بين نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم على وجوههم، فيطرحونهم في النار.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي يدفع عنكم ذلك العذاب إن آمنتم به، وأطعتموه ووحدتموه، فكيف تنكرون هذه النعمة؟.
ثم قال عز وجل: هذِهِ جَهَنَّمُ وذلك أن الكفار إذا دنوا من النار، تقول لهم الخزنة: هذه جهنم الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يعني: جهنم التى كنتم بها تكذبون في الدنيا.
ثم أخبر عن حالهم فيها فقال: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ يعني: الشراب الحار الذي قد انتهى حره، وذلك أنه يسلط عليهم الجوع، فيؤتى بهم إلى الزقوم الذي طلعه كرؤوس الشياطين، فأكلوا منه، فأخذ في حلقهم، فاستغاثوا بالماء، فأتوا من الحميم.
فإذا قربوا إلى وجوههم، تناثر لحم وجوههم، فيشربون، فيغلي في أجوافهم، ويخرج جميع ما فيها، ثم يلقى عليهم الجوع، فمرة يذهب بهم إلى الحميم، ومرة إلى الزقوم، فذلك قوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ ﴾ أيِ: انْفَرَجَتْ مِنَ المَجَرَّةِ لِنُزُولِ مَن فِيها يَوْمَ القِيامَةِ "فَكانَتْ ورْدَةً" وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كَلَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، والضَّحّاكُ.
وقالَ الفَرّاءُ: الفَرَسُ الوَرْدَةُ، تَكُونُ في الرَّبِيعِ ورْدَةً إلى الصُّفْرَةِ، فَإذا اشْتَدَّ الحَرُّ كانَتْ ورْدَةً حَمْراءَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَتْ ورْدَةً إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ؛ وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: "فَكانَتْ ورْدَةً" أيْ: كَلَوْنِ فَرَسِ ورْدَةٍ؛ والكُمَيْتُ: الوَرْدُ يَتْلُونَ، فَيَكُونُ لَوْنُهُ في الشِّتاءِ خِلافَ لَوْنِهِ في الصَّيْفِ، ولَوْنُهُ في الصَّيْفِ خِلافَ لَوْنِهِ في الشِّتاءِ، فالسَّماءُ تَتَلَوَّنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: فَكانَتْ حَمْراءَ في لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ.
والثّانِي: أنَّها ورْدَةُ النَّباتِ؛ وقَدْ تَخْتَلِفُ ألْوانُها، إلّا أنَّ الأغْلَبَ عَلَيْها الحُمْرَةُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي الدِّهانِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ واحِدٌ، وهو الأدِيمُ الأحْمَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ دُهْنٍ، والدُّهْنُ تَخْتَلِفُ ألْوانُهُ بِخُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وصُفْرَةٍ، حَكاهُ اليَزِيدِيُّ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: شَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وشَبَّهَ الوَرْدَةَ في اخْتِلافِ ألْوانِها بِالدُّهْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يُسْألُونَ لِيُعْلَمَ حالُهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ مِنهم بِذَلِكَ.
والثّانِي: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِهِ لِاشْتِغالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهُمْ، فالكافِرُ أسْوَدُ الوَجْهِ، والمُؤْمِنُ أغَرُّ مُحَجَّلٌ مِن أثَرِ وُضُوئِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لا يُسْألُ أحَدٌ عَنْ ذَنْبِهِ لِيُسْتَفْهَمَ، ولَكِنَّهُ يُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ قالَ الحَسَنُ: بِسَوادِ الوُجُوهِ، وزُرْقِ الأعْيُنِ ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَجْمَعُ بَيْنَ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ مِن وراءِ ظُهُورِهِمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَهم عَلى وُجُوهِهِمْ فِي النّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: يُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، فَيُسْحَبُونَ إلى النّارِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
ورَوى مُرْدَوَيْهِ الصّائِغُ، قالَ: صَلّى بِنا الإمامُ صَلاةَ الصُّبْحِ فَقَرَأ سُورَةَ "الرَّحْمَنِ" ومَعَنا عَلِيُّ بْنُ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، فَلَمّا قَرَأ ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ خَرَّ عَلِيٌّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ حَتّى فَرَغْنا مِنَ الصَّلاةِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْنا لَهُ: أما سَمِعْتَ الإمامَ يَقْرَأُ ﴿ حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ ﴾ ؟
قالَ: شَغَلَنِي عَنْها ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم.
هَذِهِ جَهَنَّمُ ﴿ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها ﴾ وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: يُطَوِّفُونَ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ مَعَ تَشْدِيدِ الواوِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ، والآنِي: الَّذِي قَدِ انْتَهَتْ شِدَّةُ حَرِّهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى أنَّهم يَسْعَوْنَ بَيْنَ عَذابِ الجَحِيمِ وبَيْنَ الحَمِيمِ، إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ الشَّدِيدَ الحَرارَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِهانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ جَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ مَقْصُودٌ بِهِ الإبْهامَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَإذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُ السَماءِ انْفِطارُها عِنْدَ القِيامَةِ، وقالَ قَتادَةُ: السَماءُ اليَوْمَ خَضْراءُ وهي يَوْمَ القِيامَةِ حَمْراءُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَرْدَةً" أيْ: كَحُمْرَةِ الوَرْدِ، وهو النَوّارُ المَعْرُوفُ، وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ والرُمّانِيُّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأنَّثَ لِكَوْنِ السَماءِ مُؤَنَّثَةً.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كالدِهانِ" - فَقالَ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ دُهْنٍ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ السَماءَ يَعْتَرِيها يَوْمَ القِيامَةِ ألْوانٌ وذَوْبٌ وتَمَيُّعٌ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: شَبَّهَ لَمَعانَها بِلَمَعانِ الدُهْنِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الدِهانُ: الجِلْدُ الأحْمَرُ، وبِهِ شَبَهُها، وأنْشَدَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَبِعْنَ الدِهانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكاظِ وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يُسْئَلُ" نَفْيٌ لِلسُّؤالِ، وفي القُرْآنِ الكَرِيمِ آياتٌ تَقْتَضِي أنَّ في القِيامَةِ سُؤالًا وآياتٍ تَقْتَضِي نَفْيَهُ كَهَذِهِ وغَيْرِها، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: ذَلِكَ في مُواطِنَ دُونَ مُواطِنَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - وهو الأظْهَرُ في ذَلِكَ-: أنَّ السُؤالَ مَتى أُثْبِتَ فَهو بِمَعْنى التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ، ومَتى نُفِيَ فَهو بِمَعْنى الِاسْتِخْبارِ المَحْضِ والِاسْتِعْلامِ؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ عنهم لِأنَّهم يُعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ، والسِيما الَّتِي يُعْرَفُ بِها المُجْرِمُونَ هي سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ في الكَفَرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ هَذا مِنَ التَشْوِيهاتِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُؤْخَذُ كُلُّ كافِرٍ بِناصِيَتِهِ وقَدَمِهِ فَيُطْوى ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النارِ، وقالَ النِقّاشُ: رُوِيَ أنَّ هَذا الطَيَّ عَلى ناحِيَةِ الصُلْبِ قَعَسًا، وقالَهُ الضَحّاكُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى ناحِيَةِ الوَجْهِ، قالُوا: فَهَذا مَعْنى: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ ، وقالَ قَوْمٌ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: إنَّما يُسْحَبُ الكَفَرَةُ سَحْبًا، فَبَعْضُهم يُجَرُّ بِقَدَمَيْهِ، وبَعْضُهم بِناصِيَتِهِ، فَأخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأخْذَ يَكُونُ بِالنَواصِي ويَكُونُ بِالأقْدامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذِهِ جَهَنَّمُ" قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُما بِها تُكَذِّبانِ، تَصْلَيانِها لا تَمُوتانِ فِيها ولا تَحْيَيانِ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَطُوفُونَ" بِضَمِّ الياءِ وضَمِّ الطاءِ وسُكُونِ الواوِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "يُطَوَّفُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُطافُونَ"، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ أنَّهم يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِ جَهَنَّمَ وجَمْرِها وبَيْنَ حَمِيمٍ، وهو ما غُلِيَ في جَهَنَّمَ مِن مائِعٍ عَذابُها، و"الحَمِيمُ": الماءُ السُخْنُ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّ العَذابَ الَّذِي هو الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلْقِ اللهِ تَعالى جَهَنَّمَ، وأنى الشَيْءَ: خَضُرَ، وأنى اللَحْمَ أو ما يُطْبَخُ أو يَغْلِي: نَضُجَ وتَناهى حَرُّهُ والمُرادُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُوَنَ مِن هَذا ومِن هَذا، وكَوْنُهُ مِنَ الثانِي أبْيَنُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: {غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ}، ومِنَ المَعْنى الآخَرِ قَوْلُ الشاعِرِ: ............
∗∗∗ أنى ولِكُلِّ حامِلَةٍ تَمامُ وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في المَعْنَيَيْنِ قَرِيبًا بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، والأوَّلُ أعَمُّ مِنَ الثانِي.
<div class="verse-tafsir"
مثل موقع الذي قبله في التكرير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ فَكانَتْ ورْدَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ورْدَةَ البُسْتانِ، وهي حَمْراءُ، وقَدْ تَخْتَلِفُ ألْوانُها لَكِنِ الأغْلَبُ مِن ألْوانِها الحُمْرَةُ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في لَوْنِ الحُمْرَةِ، قالَ عَبْدُ بَنِي الحَسْحاسِ فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتَنِي ولَكِنْ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا كَذَلِكَ تَصِيرُ السَّماءُ يَوْمَ القِيامَةِ حَمْراءَ كالوَرْدِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالوَرْدَةِ الفَرَسَ الوَرْدَ يَكُونُ في الرَّبِيعِ أصْفَرَ وفي الشِّتاءِ أغْبَرَ، فَشَبَّهَ السَّماءَ يَوْمَ القِيامَةِ في اخْتِلافِ ألْوانِها بِالفَرَسِ الوَرْدِ، لِاخْتِلافِ ألْوانِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ كالدِّهانِ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي خالِصَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: صافِيَةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: ذاتُ ألْوانٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: صَفْراءُ كَلَوْنِ الدُّهْنِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وأبِي الجَوْزاءِ.
الخامِسُ: الدِّهانُ أدِيمُ الأرْضِ الأحْمَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الأعْشى وأجْرَدَ مِن فُحُولِ الخَيْلِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانًا وَزَعَمَ المُتَقَدِّمُونَ أنَّ أصْلَ لَوْنِ السَّماءِ الحُمْرَةُ، وأنَّها لِكَثْرَةِ الحَوائِلِ وبُعْدِ المَسافَةِ تُرى بِهَذا اللَّوْنِ الأزْرَقِ، وشَبَّهُوا ذَلِكَ بِعُرُوقِ البَدَنِ هي حَمْراءُ كَحُمْرَةِ الدَّمِ وتُرى بِالحائِلِ زَرْقاءُ، فَإنْ كانَ هَذا صَحِيحًا فَإنَّ السَّماءَ لِقُرْبِها مِنَ النَّواظِرِ يَوْمَ القِيامَةِ وارْتِفاعِ الحَواجِزِ تُرى حَمْراءَ لِأنَّهُ أصْلُ لَوْنِها.
﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانَتِ المَسْألَةُ قَبْلُ، ثُمَّ خُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ وتَكَلَّمَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لا يَسْألُهم هَلْ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: لا يَسْألُ المَلائِكَةَ عَنْهم لِأنَّهم قَدْ رَفَعُوا أعْمالَهم في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِهِ لِشُغْلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الخامِسُ: أنَّهم في يَوْمٍ تَبْيَضُّ فِيهِ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ فِيهِ وُجُوهٌ فَهم مَعْرُوفُونَ بِألْوانِهِمْ فَلَمْ يَسْألْ عَنْهُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَطُوفُونَ مَرَّةً بَيْنَ الحَمِيمِ، ومَرَّةً بَيْنَ الجَحِيمِ، والجَحِيمُ النّارُ، والحَمِيمُ الشَّرابُ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ آنٍ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وحَمِيمُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ وتَخْضِبُ لِحْيَةً غَدَرَتْ وخانَتْ ∗∗∗ بِأحْمَرَ مِن نَجِيعِ الجَوْفِ آنٍ أيْ حارٍّ.
الثّانِي: أنَّهُ الحاضِرُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي قَدْ آنَ شُرْبُهُ وبَلَغَ غايَتَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان ﴾ قال: قددنا من الله فراغ لخلقه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان ﴾ قال: وعيد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان ﴾ قال: هذا وعيد من الله لعباده وليس بالله شغل، وفي قوله: ﴿ لا تنفذون إلا بسلطان ﴾ يقول: لا تخرجوا من سلطاني.
وأخرج البزار والبيهقي عن طلحة بن منصور ويحيى بن وثاب رضي الله عنه أنهما قرآ ﴿ سيفرغ لكم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا تنفذون إلا بسلطان ﴾ قال: إلا بملكة من الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في هواتف الجان عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: كان سبب إسلام الحجاج بن علاط أنه خرج في ركب من قومه إلى مكة، فلما جن عليه الليل استوحش فقام يحرس أصحابه ويقول: أعيذ نفسي وأعيذ أصحابي من كل جني بهذا النقب حتى أن أعود سالماً وركبي، فسمع قائلاً يقول ﴿ يا معشر الجن والإِنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ﴾ فلما قدم مكة أخبر بذلك قريشاً فقالوا له: إن هذا فيما يزعم محمد أنه أنزل عليه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: لهب النار ﴿ ونحاس ﴾ قال: دخان النار.
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: الشواظ اللهب الذي لا دخان له.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت الثقفي وهو يقول: يظل يشب كيراً بعد كير ** وينفخ دائماً لهب الشواظ قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ ونحاس ﴾ قال: هو الدخان الذي لا لهب فيه.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: يضيء كضوء سراج السليط ** لم يجعل الله فيه نحاساً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: لهب من نار.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: هو اللهب الأحمر المنقطع منها، وفي لفظ قال: قطعة من نار حمرة ﴿ ونحاس ﴾ قال: يذاب الصفر فيصب على رؤوسهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ﴾ قال: واديان فالشواظ واد من نتن والنحاس واد من صفر والنتن نار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: نار تخرج من قبل المغرب تحشر الناس حتى أنها لتحشر القردة والخنازير، تبيت حيث باتوا، وتقيل حيث قالوا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ونحاس ﴾ قال: هو الصفر يعذبون به.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلا تنتصران ﴾ يعني الجن والإِنس.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة ﴾ يقول: حمراء ﴿ كالدهان ﴾ قال: هو الأديم الأحمر.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: مثل لون الفرس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: حمراء كالدابة الوردة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: وردة الجل ﴿ كالدهان ﴾ قال: كصفاء الدهن، ألم تر العربي يقول: الجل الورد.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عطاء ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: لون السماء كلون دهن الورد في الصفرة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: هي اليوم خضراء كما ترون، وإن لها يوم القيامة لوناً آخر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: كالدهن.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: صافية كصفاء الدهن.
وأخرج محمد بن نصر عن لقمان بن عامر الحنفي «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بشاب يقرأ ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ فوقف فاقشعرّ وخنقته العبرة يبكي ويقول: ويلي من يوم تنشق فيه السماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فتى فوالذي نفسي بيده لقد بكيت الملائكة من بكائك» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟
وأخرج ابن جرير وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ يقول: لا أسألهم عن أعمالهم، ولا أسأل بعضهم عن بعض، وهو مثل قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ [ القصص: 78] ومثل قوله: ﴿ ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ﴾ [ البقرة: 119] .
وأخرج ابن مردوية عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحاسب أحد يوم القيامة فيغفر له، ويرى المسلم عمله في قبره يقول الله: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ » .
وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ قال: لا تسأل الملائكة عن المجرم يعرفونهم بسيماهم.
وأخرج هناد وعبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ قال: بسواد وجوههم وزرقة عيونهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ قال: بسواد الوجوه وزرقة العيون.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ قال: تأخذ الزبانية بناصيته وقدميه، ويجمع فيكسر كما يكسر الحطب في التنور.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ قال: يأخذ الملك بناصية أحدهم فيقرنها إلى قدميه، ثم يكسر ظهره، ثم يلقيه في النار.
وأخرج هناد في الزهد عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن رجل من كندة قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه يأتي عليه ساعة لا يملك لأحد شفاعة؟
قالت: نعم لقد سألته، فقال: نعم حين يوضع الصراط وحين تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند الجسر حتى يشحذ حتى يكون مثل شفرة السيف، ويسجر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن فيجيزه ولا يضره، وأما المنافق فينطلق حتى إذا كان في وسطه خز في قدميه يهوى بيديه إلى قدميه، فهل رأيت من رجل يسعى حافياً فيؤخذ بشوكة حتى تكاد تنفذ قدميه، فإنه كذلك يهوى بيديه إلى قدميه فيضربه الزباني بخطاف في ناصيته فيطرح في جهنم يهوي فيها خمسين عاماً، فقلت: أيثقل؟
قال: يثقل خمس خلفات، فيومئذ ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه والضياء المقدسي في صفة النار عن أنس رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده لقد خلقت زبانية جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: الذي انتهى حره.
وأخرج الطستي والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ حميم آن ﴾ قال: الآني الذي انتهى طبخه وحره، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت نابغة بني ذبيان، وهو يقول: ويخضب لحية غدرت وخانت ** بأحمى من نجيع الجوف آني وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: قد آنى طبخه منذ خلق الله السموات والأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: قد بلغ إناه.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: نار قد اشتد حرها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: النحاس انتهى حره.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ مقام ربه القيام بين يديه للحساب، ومنه: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين ﴾ [المطففين: 6]، وقيل: الله بأعماله، ومنه: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ [الرعد: 33]، وقيل: معناه لمن خاف ربه واقحم المقام، كقولك: خفت جانب فلان، واختلف هل الجنتان لكل خائف على انفراده؟
أو للصنف الخائف وذلك مبنى على قوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ هل يراد به واحد أو جماعة؟
وقال الزمخشري: إنما قال جنتان، لأنه خاطب الثقلين فكأنه قال حنة للإنس وجنة للجن، ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ثنى ذات هنا على الأصل لأن أصله ذوات، قاله ابن عطية، والأفنان جمع فنن وهو الغصن، أو جمع فن وهو الصنف من الفواكة وغيرها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ﴾ يذكر تغير هذا العالم يومئذ لهول ذلك اليوم، وهو كما ذكر من تبديل السماء والأرض؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ في غير ذلك من الآيات، وكذلك ما ذكر من تغيير الجبال من قوله: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ ، وقوله: ﴿ كَثِيباً مَّهِيلاً ﴾ ، وقوله: ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ ، ونحو ذلك.
ثم قوله : ﴿ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ﴾ منهم من قال: شبه السماء؛ لكثرة تلونها بفرش الورد يكون في الربيع بلون، ثم يصير إلى لون آخر، ثم إلى آخر؛ فعلى ذلك ما ذكر من تغيير السماء وتلونها.
ومنهم من قال: شبهها بالدهان، وهو الدهن؛ للينها وضعفها، وهو قد ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ ، والمهل: هو دردي الزيت، لكن التشبيه بالمهل إنما يكون؛ لكثرة التلون لا للبن؛ فيكون في هذا التأويل نوع وهاء، والله أعلم.
وقيل: إما تحمر وتذوب كالدهن.
وروي: أن سماء الدنيا من حديد، فإذا كان يوم القيامة، صارت من الخضرة إلى الاحمرار، وحر جهنم كالحديد إذا حمي النار.
ثم قال بعضهم: الدهان: جمع الدهن، ويقال: الدهان: الأديم الأحمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، اختلف في تأويله: قال بعضهم: أي: لا يسأل إنسي ولا جني عن ذنب غيره، إنما يسأل عن ذنب نفسه؛ نحو ألا يسأل من أضل غيره عن ضلال ذلك الغير، إنما يسأل الذي أضله عن إضلاله، ويسأل الضال عن ضلاله كقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا...
﴾ الآية [فصلت: 29].
ومنهم من قال: لا يسأل بعض عن بعض، أي: لا يسأل جني عن ذنب إنسي، ولا إنسي عن ذنب جني.
ومنهم من قال: لا يسألون سؤال استخبار استفهام؛ أي: لماذا فعلتم؟
ولكن يسألون لم فعلتم يطلبون عن الحجة، لا عن نفس الفعل؛ لأن كل ذي مذهب ودين، إنما يفعل لحجة تكون له.
ومنهم من قال: لا يسألون عن ذبونهم، ولكن يسألون عما في وجوههم من الأعلام من الأسوداد، وزرق العيون، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب: أنها تكون للكفار، كقوله : ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾ ، وقوله ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 106]، وما ذكر من أعلام المؤمنين من قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ، وقوله : ﴿ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: لا يسأل الملائكة عن المجرمين؛ لأنهم يعرفون بسيماهم كقوله - عز وجل -: ﴿ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ﴾ ذكر الله في كتابه للمجرمين أعلاما يعرفون في الآخرة بها على ما ذكرنا من اسوداد الوجوه؛ كقوله: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ ﴾ ، أي: على أعقابها، فهو - والله أعلم - تكون وجوههم في بعض الأحوال خاشعة، ثم غبرة، ثم مسودة، ثم تطمس من نظر ذلك، فنعوذ بالله من تلك الأحوال التي ذكر.
ووقله - عز وجل -: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ ﴾ ، قيل: بكسر أضلاعهم ظهورهم، فتجمع أقدامهم ونواصيهم، فيرمى بهم في النار.
وقال بعضهم: تغل أيديهم إلى أعناقهم، ثم تجمع به نواصيهم وأقدامهم، ثم يدفعون إلى النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ ، أي: إذا وقعوا على الوصف [الذي] ذكر، عند ذلك يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ أي: يطوفون بين جهنم وبين حميم، فيجوز أن يكون [عبر] بـ"جهنم" عما يأكلون، وهي النار، وبـ"الحميم" عما يشربون، كأنه يقول - والله أعلم -: يطوفون بين ما يأكلون، وبين ما يشربون، لا يشبعون عما يأكلون، ولا يروون عما يشربون؛ بل كلما أكلوا زادتهم جوعا، وكلما شربوا زادتهم عطشا، والحميم: هو الشراب الذي جعل لهم، والآن: هو الذي قد انتهى حره غايته ونهايته.
وقوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ...
﴾ الآية.
من الناس من قال: في قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ على إثر الوعيد، إنما يقال لهم في الآخرة؛ أي: بأي آلاء ربكما تكذبان في الدنيا؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ...
﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.QyAzJ"