تفسير الآية ٧٢ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٧٢ من سورة الرحمن

حُورٌۭ مَّقْصُورَٰتٌۭ فِى ٱلْخِيَامِ ٧٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧٢ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( حور مقصورات في الخيام ) ، وهناك قال : ( فيهن قاصرات الطرف ) ، ولا شك أن التي قد قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قصرت ، وإن كان الجميع مخدرات .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن جابر ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن أبي عبيدة ، عن مسروق ، عن عبد الله قال : إن لكل مسلم خيرة ، ولكل خيرة خيمة ، ولكل خيمة أربعة أبواب ، يدخل عليها كل يوم تحفة وكرامة وهدية لم تكن قبل ذلك ، لا مراحات ولا طماحات ، ولا بخرات ولا ذفرات ، حور عين ، كأنهن بيض مكنون .

وقوله : ( في الخيام ) ، قال البخاري : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد ، حدثنا أبو عمران الجوني ، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس ، عن أبيه ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة ، عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين ، يطوف عليهم المؤمنون " .

ورواه أيضا من حديث أبي عمران ، به .

وقال : " ثلاثون ميلا " .

وأخرجه مسلم من حديث أبي عمران ، به .

ولفظه : " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ، طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهل يطوف عليهم المؤمن ، فلا يرى بعضهم بعضا " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن أبي الربيع ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، أخبرني خليد العصري ، عن أبي الدرداء قال : الخيمة لؤلؤة واحدة ، فيها سبعون بابا من در .

وحدثنا أبي حدثنا عيسى بن أبي فاطمة ، حدثنا جرير ، عن هشام ، عن محمد بن المثنى ، عن ابن عباس في قوله : ( حور مقصورات في الخيام ) ، وقال : [ في ] خيام اللؤلؤ ، وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة ، أربعة فراسخ في أربعة فراسخ ، عليها أربعة آلاف مصراع من الذهب .

وقال عبد الله بن وهب : أخبرنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم ، واثنتان وسبعون زوجة ، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت ، كما بين الجابية وصنعاء " .

ورواه الترمذي من حديث عمرو بن الحارث ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) يقول تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء الخيرات الحسان ) حُورٌ ) يعني بقوله حور : بِيض، وهي جمع حوراء، والحوراء: البيضاء.

وقد بيَّنا معنى الحور فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد ( حُورٌ ) قال: بيض.

قال: ثنا أبو نعيم، عن إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد ( حُورٌ ) قال: بيض.

قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، ( حُورٌ ) قال: النساء.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ ) الحوراء: العَيْناء الحسناء.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، الحور: سواد في بياض.

قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله : (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: الحور: البيض قلوبهم وأنفسهم وأبصارهم .

وأما قوله: ( مَقْصُورَاتٌ )، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : تأويله؛ أنهنّ قُصِرْن على أزواجهنّ، فلا يبغين بهم بدلا ولا يرفعن أطرافهن إلى غيرهم من الرجال.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد: (مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: قُصِر طرفهنّ وأنفسهنّ على أزواجهنّ.

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( مَقْصُورَاتٌ )، قال: قُصر طرفهنّ على أزواجهنّ فلا يردن غيرهم.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، (مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: قَصَرْن أنفسَهنّ وأبصارهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم.

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا عبيد الله وابن اليمان، عن أبي جعفر، عن الربيع (مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: قصرن طرفهنّ على أزواجهنّ.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد (مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: قصرن أنفسهنّ وقلوبهن وأبصارهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد (مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: قصر طرفهنّ على أزواجهنّ فلا يردن غيرهم.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن منصور عن مجاهد، قوله: ( مَقْصُورَاتٌ ) قال: مقصورات على أزواجهنّ فلا يردن غيرهم.

وقال آخرون: عُنِي بذلك أنهنّ محبوسات في الحجال.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: محبوسات في الخيام.

حدثنا جعفر بن محمد البزوري، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن الربيع، بمثله.

حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال: ثنا أبو نعيم، عن إسرائيل، عن مجاهد، عن ابن عباس ( مَقْصُورَاتٌ ) قال: محبوسات.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، قال: أخبرنا أبو معشر السندي، عن محمد بن كعب، قال: محبوسات في الحِجال.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: لا يبرحن الخيام.

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا عثام بن عليّ، عن إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: عَذارى الجنة.

حدثنا أبو كُرَيب وأبو هشام قالا ثنا عثام بن عليّ، عن إسماعيل، عن أبي صالح، مثله.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( مَقْصُورَاتٌ ) قال: المحبوسات في الخيام لا يخرجن منها.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: (مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: محبوسات، ليس بطوّافات في الطرق.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وصفهنّ بأنهن مقصورات في الخيام، والقصر: هو الحبس.

ولم يخصص وصفهنّ بأنهنّ محبوسات على معنى من المعنيين اللذين ذكرنا دون الآخر، بل عمّ وصفهنّ بذلك.

والصواب أن يعمّ الخبر عنهنّ بأنهنّ مقصورات في الخيام على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم، كما عمّ ذلك.

وقوله: ( فِي الخِيام ) يعني بالخيام : البيوت، وقد تسمي العرب هوادج النساء خياما؛ ومنه قول لبيد: شـاقَتْكَ ظُعْـنُ الحَـي يَـوْم تَحَـمَّلُوا فَتَكَنَّسُــوا قُطُنــا تَصِــرُّ خِيامُهـا (1) وأما في هذه الآية فإنه عُنِيَ بها البيوت.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى، عن سعيد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عبد الملك بن ميسرة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: الدر المجوّف.

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثله.

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال: ثنا فضيل بن عياش، عن هشام، عن محمد، عن ابن عباس في قوله: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: الخيمة لؤلؤة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب.

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا أبو نعيم، عن إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس ( فِي الخِيامِ ) قال: بيوت اللؤلؤ.

حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسيّ، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا إدريس الأودي، عن شمر بن عطية، عن أبي الأحوص، قال، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أتدرون ما حور مقصورات في الخيام؟

الخيام : درّ مجوّف.

قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا مسعر، عن عبد الملك، عن أبي الأحوص في قوله: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: درّ مجوّف.

وبه عن أبي الأحوص قال: الخيمة: درّة مجوّفة، فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب.

قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة،عن ابن عباس قال: الخيمة في الجنة من درّة مجوّفة، فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع.

حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن خليد العصريّ قال: لقد ذكر لي أن الخيمة لؤلؤة مجوّفة، لها سبعون مِصْراعا، كلّ ذلك من درّ.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبير أنه قال: الخيام: درّ مجوّف.

قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: الخيام: درّ مجوّف.

حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا وكيع ويعلى عن منصور، عن مجاهد ( في الخيام )، قال: الدرّ المجوف.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( فِي الخِيامِ ) قال: خيام: درّ مجوّف.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن حرب بن بشير، عن عمرو بن ميمون، قال: الخيام : الخيمة : درّة مجوّفة.

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا وكيع، عن سَلَمة بن نُبَيط، عن الضحاك، قال: الخيمة درّة مجوفة.

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن اليمان، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب ( فِي الخِيامِ ): في الحجال.

قال: ثنا عبيد الله وابن اليمان، عن أبي جعفر، عن الربيع ( فِي الخِيامِ ) قال: في الحجال.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن منصور، عن مجاهد ( فِي الخِيامِ ) قال: خيام اللؤلؤ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فِي الخِيامِ )، الخيام: اللؤلؤ والفضة، كما يقال والله أعلم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ )، ذُكر لنا أن ابن عباس كان يقول : الخيمة: درّة مجوّفة، فرسخ في فرسخ، لها أربعة الآف باب من ذهب.

وقال: قتادة: كان يقال: مسكن المؤمن في الجنة، يسير الراكب الجواد فيه ثلاث ليال، وأنهاره وجنانه وما أعدّ الله له من الكرامة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال، قال ابن عباس: الخيمة: درّه مجوّفة، فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف باب من ذهب.

&; 23-82 &; حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ )، قال: يقال: خيامهم في الجنة من لؤلؤ.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: (مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: الخيام: الدرّ المجوّف.

حدثنا محمد بن المثنى قال: ثني حِرْميّ بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن أبي مجلز " أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال في قول الله (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: درّ مُجَوَّفٌ".

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول كان ابن مسعود يحدّث عن نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه قال: " هِيَ الدُّرّ المُجَوَّفُ " يعني الخيام في قوله: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ).

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ) قال: في خيام اللؤلؤ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : حور مقصورات في الخيام حور جمع حوراء ، وهي الشديدة [ ص: 171 ] بياض العين الشديدة سوادها وقد تقدم .

مقصورات : محبوسات مستورات في الخيام في الحجال لسن بالطوافات في الطرق ؛ قاله ابن عباس .

وقال عمر رضي الله عنه : الخيمة درة مجوفة ، وقاله ابن عباس وقال : هي فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب .

وقال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في قوله تعالى : حور مقصورات في الخيام : بلغنا في الرواية أن سحابة أمطرت من العرش فخلقت الحور من قطرات الرحمة ، ثم ضرب على كل واحدة منهن خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلا وليس لها باب ، حتى إذا دخل ولي الله الجنة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها ، فهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين .

والله أعلم .وقال في الأوليين : فيهن قاصرات الطرف قصرن طرفهن على الأزواج ولم يذكر أنهن مقصورات ، فدل على أن المقصورات أعلى وأفضل .

وقال مجاهد : مقصورات قد قصرن على أزواجهن فلا يردن بدلا منهم .

وفي الصحاح : وقصرت الشيء أقصره قصرا حبسته ، ومنه مقصورة الجامع ، وقصرت الشيء على كذا إذا لم تجاوز إلى غيره ، وامرأة قصيرة وقصورة أي مقصورة في البيت لا تترك أن تخرج ، قال كثير :وأنت التي حببت كل قصيرة إلي وما تدري بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ولم أردقصار الخطا شر النساء البحاتروأنشده الفراء " قصورة " ، ذكره ابن السكيت .

وروى أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : مررت ليلة أسري بي في الجنة بنهر حافتاه قباب المرجان فنوديت منه : السلام عليك يا رسول الله فقلت : يا جبريل من هؤلاء قال : هؤلاء جوار من الحور العين استأذن ربهن في أن يسلمن عليك فأذن لهن فقلن : نحن الخالدات فلا نموت أبدا ونحن الناعمات فلا نبؤس أبدا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا أزواج رجال كرام ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم حور مقصورات في الخيام أي محبوسات حبس صيانة وتكرمة .

وروي عن أسماء بنت يزيد الأشهلية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إنا معشر النساء محصورات مقصورات ، قواعد بيوتكم وحوامل أولادكم ، فهل نشارككم في الأجر ؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم ، إذا أحسنتن تبعل أزواجكن وطلبتن مرضاتهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ } أي: محبوسات في خيام اللؤلؤ، قد تهيأن وأعددن أنفسهن لأزواجهن، ولا ينفي ذلك خروجهن في البساتين ورياض الجنة، كما جرت العادة لبنات الملوك ونحوهن [المخدرات] الخفرات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" حور مقصورات " محبوسات مستورات في الحجال .

يقال : امرأة مقصورة وقصيرة إذا كانت مخدرة مستورة لا تخرج .

وقال مجاهد : يعني قصرن طرفهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يبغين لهم بدلا .

وروينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى [ أهل ] الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض ولملأت ما بينهما ريحا ، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " .

( في الخيام ) جمع خيمة ، أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن المثنى ، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد ، أخبرنا عمران الجوني ، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس ، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ، عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«حور» شديدات سواد العيون وبياضها «مقصورات» مستورات «في الخيام» من در مجوف مضافة إلى القصور شبيهة بالخدور.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حور مستورات مصونات في الخيام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام ) بدل من خيرات .

والحور : جمع حوراء ، وهى المرأة ذات الحور ، أى : ذات العين التى اشتد بياضها واشتد سوادها فى جمال وحسن .ومقصورات : جمع مقصورة أى : محتجبة فى بيتها ، قد قصرت نفسها على زوجها .

.

فهى لا تجرى فى الطرقات .

.

.

بل هى ملازمة لبيتها ، وتلك صفة النساء الفضليات اللاتى يزورهن من يريدهن ، أما هن فكما قال الشاعر :ويكرمها جاراتها فيزرنها ...

وتعتل عن إتيانهن فَتُعذرأى : فى تلك الجنات نساء خيرات فضليات جميلات مخدرات .

ملازمات لبيوتهن ، لا يتطلعن إلى غير رجالهن .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي في باطنهن الخير وفي ظاهرهن الحسن والخيرات جمع خيرة وقد بينا أن في قوله تعالى: ﴿ قاصرات الطرف  ﴾ إلى أن قال: ﴿ كَأَنَّهُنَّ  ﴾ إشارة إلى كونهن حساناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمِن دُونِهِمَا ﴾ ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ لمن دونهم من أصحاب اليمين ﴿ مُدْهَامَّتَانِ (64) ﴾ قد ادهامّتا من شدّة الخضرة ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ فوّارتان بالماء.

والنضخ أكثر من النضح، لأنّ النضح غير معجمة مثل الرش، فإن قلت: لم عطف النخل والرمان على الفاكهة وهما منها؟

قلت: اختصاصاً لهما وبياناً لفضلهما، كأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران، كقوله تعالى: ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [البقرة: 98] أو لأنّ النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه.

ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباً: لم يحنث، وخالفه صاحباه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ ﴾ فَوّارَتانِ بِالماءِ هو أيْضًا أقَلُّ مِمّا وصَفَ بِهِ الأُولَيَيْنِ وكَذا ما بَعْدَهُ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ عَطَفَهُما عَلى الفاكِهَةِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، فَإنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ فاكِهَةٌ وغِذاءٌ وثَمَرَةَ الرُّمّانِ فاكِهَةٌ ودَواءٌ، واحْتَجَّ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ فاكِهَةً فَأكَلَ رُطَبًا أوْ رُمّانًا لَمْ يَحْنَثْ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُورٌ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ خَيْراتٌ ﴾ وهو جَمْعُ حَوْراءَ وكَذا جَمْعُ أحْوَرَ، والمُرادُ بِيضٌ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ أيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: الحَوْراءُ هي الشَّدِيدَةُ بَياضُ العَيْنِ الشَّدِيدَةُ سَوادُها، وفي القامُوسِ الحَوَرُ بِالتَّحْرِيكِ أنْ يَشْتَدَّ بَياضُ بَياضَ العَيْنِ وسَوادُ سَوادَها وتَسْتَدِيرُ حَدَقَتُها وتَرِقُّ جُفُونُها ويُبَيِّضُ ما حَوالَيْها أوْ شَدَّةُ بَياضِها وسَوادِها في بَياضِ الجَسَدِ، أوِ اسْوِدادُ العَيْنِ كُلِّها مِثْلُ الظِّباءِ ولا يَكُونُ في بَنِي آدَمَ بَلْ يُسْتَعارُ لَها.

وإذا صَحَّ حَدِيثُ أمِّ سَلَمَةَ لَمْ يَعْدِلْ في القُرْآنِ عَنْ تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ ﴾ أيْ مُخَدِّراتٍ يُقالُ: امْرَأةٌ قَصِيرَةٌ ومَقْصُورَةٌ أيْ مُخَدَّرَةٌ مُلازِمَةٌ لِبَيْتِها لا تَطُوفُ في الطُّرُقِ، قالَ كُثَيْرُ عَزَّةَ: وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطا شَرَّ النِّساءِ البَحاتِرِ والنِّساءُ يُمْدَحْنَ بِمُلازَمَتِهِنَّ البُيُوتَ لِدَلالَتِها عَلى صِيانَتِهِنَّ كَما قالَ قَيْسُ بْنُ الأسْلَتِ: وتَكْسَلُ عَنْ جاراتِها فَيَزُرْنَها ∗∗∗ وتَغْفُلُ عَنْ أبْياتِهِنَّ فَتُعْذَرُ وهَذا التَّفْسِيرُ مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ وهو رِوايَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهُنادُ بْنُ السَّرِيِّ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿ مَقْصُوراتٌ ﴾ قُلُوبُهُنَّ وأبْصارُهُنَّ ونُفُوسُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، والأوَّلُ أظْهَرُ، و ﴿ فِي الخِيامِ ﴾ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَقْصُوراتٍ، وعَلى الثّانِي يُحْتَمَلُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُ صِفَةً ثانِيَةً لِحُورٍ فَلا تَغْفَلُ، والخِيامُ جَمْعُ خَيْمَةَ - وهي عَلى ما في البَحْرِ - بَيْتٌ مِن خَشَبٍ وثُمامٍ وسائِرِ الحَشِيشِ، وإذا كانَ مِن شَعْرٍ فَهو بَيْتٌ ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةً وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي كُلُّ بَيْتٍ مُسْتَدِيرٍ أوْ ثَلاثَةُ أعْوادٍ أوْ أرْبَعَةٌ يُلْقى عَلَيْها الثُّمامُ ويُسْتَظَلُّ بِها في الحَرِّ أوْ كُلُّ بَيْتٍ يُبْنى مِن عِيدانِ الشَّجَرِ وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى خَيْماتٍ وخَيْمُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وخِيَمُ بِالفَتْحِ وكَعِنَبِ - والخِيامُ هُنا بُيُوتٌ مِن لُؤْلُؤٍ - أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الخَيْمَةُ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ أرْبَعَةِ فَراسِخَ لَها أرْبَعَةُ آلافِ مِصْراعٍ مِن ذَهَبٍ، وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: الخَيْمَةُ لُؤْلُؤَةٌ واحِدَةٌ لَها سَبْعُونَ بابًا مِن دُرٍّ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: الخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُها في السَّماءِ سِتُّونَ مَيْلًا في كُلِّ زاوِيَةٍ مِنها لِلْمُؤْمِنِ أهْلٌ لا يَراهُمُ الآخَرُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ»، إلى ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ إلَخْ دُونَ ما تَقَدَّمَ في الجَنَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ أعْنِي قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ  ﴾ في المَدْحِ عِنْدَ مَن فَضَّلَهُما عَلى الأخِيرَتَيْنِ قِيلَ لِما في ﴿ مَقْصُوراتٌ ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي مِنَ الإشْعارِ بِالقَسْرِ في القَصْرِ، وأمّا عَلى تَفْسِيرِهِ الأوَّلِ فَكَوْنُهُ دُونَهُ ظاهِرٌ وإنْ لَمْ يُلاحِظْ كَوْنَها مُخَدَّرَةً فِيما تَقَدَّمَ، أوْ يَجْعَلُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ كِنايَةٌ عَنْهُ لِأنَّهُما مِمّا يُصانُ كَما قِيلَ: (جَوْهَرَةٌ أحْقاقُها الخُدُورُ) ومَن ذَهَبَ إلى تَفْضِيلِ الأخِيرَتَيْنِ يَقُولُ: هَذا أمْدَحُ لِعُمُومِ ﴿ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ الصِّفاتُ الحَسَنَةُ خُلُقًا وخَلْقًا ويَدْخُلُ في ذَلِكَ قَصْرُ الطَّرْفِ وغَيْرُهُ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، والمُرادُ بِالقاصِرِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِمَقْصُوراتٍ القاصِرُ الطَّبِيعِيُّ بِقَرِينَةِ المَقامِ فَيَكُونُ فِيهِ إشارَةٌ إلى تَعَذُّرِ تَرْكِ القَصْرِ مِنهُنَّ، و ﴿ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ القَصْرَ بِاخْتِيارِهِنَّ فَمَتى شِئْنَ قَصَرْنَ ومَتى لَمْ يَشَأْنَ لَمْ يَقْصُرْنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي ينجيكم من عذاب الآخرة، إن أطعتم أمره، وآمنتم برسله، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى؟

ويقال: معناه إن إخباري إياكم بهذه العقوبة نعمة لكم، لكي تنتهوا عن الكفر والمعاصي، فلا تنكروا نعمتي عليكم.

فقد ذكر الله في هذه الآيات دفع البلاء، ثم ذكر إيصال النعم لمن اتقاه وأطاع أمره، فقال: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ يعني: من خاف عند المعصية مقام يوم القيامة بين يدي ربه، فانتهى عن المعصية، فله في الآخرة جَنَّتانِ يعني: بستانان.

وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله عندها، فيدعها، فله أجران.

وذكر عن الفراء أنه قال: جَنَّتانِ أراد به جنة واحدة، وإنما ذكر جَنَّتانِ للقوافي، والقوافي تحتمل الزيادة والنقصان ما لا يحتمل الكلام.

وقال القتبي: هذا لا يجوز، لأن الله قد وعد ببستانين، فلا يجوز أن يريد بهما واحداً، فلو جاز هذا لجاز أن يقال في قوله: تسعة عشر إنما هم عشرون، ولكن ذكر للقوافي.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: بأي نعمة من نعماء الله تعالى تتجاحدان؟

إذ جعل الجنة ثواب أعمالكم، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟

قوله تعالى: ذَواتا أَفْنانٍ يعني: ذواتاً ألوان.

يعني: البساتين فيها ألوان من الثمرات.

ويقال: ذَواتا أغصان.

وقال الزجاج: الأفنان ألوان، وهي الأغصان أيضاً واحدها فَنَنٌ.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: قد وُعِدْتُّمُ الجنة، والراحة، فكيف تنكرون وحدانيته ونعمته؟.

ثم قال عز وجل: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ يعني: في البساتين نهران من ماء غير آسن أي: غير متغير.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل الأنهار نزاهة لكم زيادة في النعمة، فكيف تنكرون قدرة الله تعالى ونعمته؟.

ثم قال: فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ يعني: في هذين البساتين، من كل لون من الفاكهة صنفان، الحلو، والحامض.

ويقال: لونان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل فيهما من الراحة والنزاهة من كل نوع من الفاكهة؟

فكيف تنكرون نعمته وقدرته.

قوله عز وجل: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ يعني: ناعمين على فرش بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ هو الديباج الغليظ الأخضر بلغة فارس.

وقال مقاتل: بَطائِنُها يعني: ظواهرها.

وذكر عن الفراء أنه قال: بَطائِنُها يعني: الظهارة، وقد تكون الظهارة بطانة، والبطانة ظهارة، لأن كل واحد منهما يكون وجها وحدا.

وقال القتبي: هذا لا يصح، ولكن ذكر البطانة تعليماً، أن البطانة إذا كانت من استبرق، فالظهارة تكون أجود.

وروي عن ابن عباس أنه سئل: أن بطائنها من استبرق فما الظواهر؟

قال هو مما قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.

ثم قال: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ يعني: اجتناؤهما قريب إن شاء تناولهما قائماً، وإن شاء تناولهما قاعداً، وإن شاء متكئاً.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل لكم مجالس الملوك مع الفراش المرتفعة، فكيف تنكرون وحدانية الله ونعمته؟.

ثم قال عز وجل: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ يعني: في الجنان من الزوجات غاضات البصر، قانعات بأزواجهن، لا يشتهين غيرهم، ولا ينظرون إلى غيرهم.

قوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ يعني: لم يمسسهن إنس، قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ يعني: لا إنساً، ولا جنياً فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل لكم أزواجاً موافقة لطبعكم، وهن لا يرون غيركم، فكيف تنكرون الله تعالى؟.

ثم وصف الزوجات فقال: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ يعني: في الصفاء كالياقوت، وفي البياض كالمرجان، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعلهن بحال تتلذذ أعينكم بالنظر إليهن، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟.

ثم قال عز وجل: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ يعني: هل جزاء التوحيد وهو قول لا إله إلا الله إلا الجنة.

ويقال: هل جزاء من خاف مقام ربه إلا هاتان الجنتان التي ذكرناها في الآية.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فكيف تنكرون نعمة ربكم، حيث جعل ثواب إحسانكم الجنة، وبين لكم لكي تحسنوا، وتنالوا ثواب الله، وإحسانه.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ هَذا حالُ المَذْكُورِينَ ﴿ عَلى فُرُشٍ ﴾ جَمْعُ فِراشٍ ﴿ بَطائِنُها ﴾ جَمْعُ بِطانَةٍ، وهي الَّتِي تَحْتَ الظِّهارَةِ.

وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَما ظَنُّكم بِالظَّهائِرِ؟!

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما تُرِكَ وصْفُ الظَّواهِرِ، لِأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يَعْلَمُ ما هي.

وقالَ قَتادَةُ: البَطائِنُ: هي الظَّواهِرُ بِلُغَةِ قَوْمٍ.

وكانَ الفَرّاءُ يَقُولُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ ظاهِرَةً، والظّاهِرَةُ بِطانَةً، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا ظَهْرُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ لِظاهِرِها، وهو الَّذِي نَراهُ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَعِيبُ قَتَلَةَ عُثْمانَ: خَرَجُوا عَلَيْهِ كاللُّصُوصِ مِن وراءِ القَرْيَةِ، فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ كُلَّ قِتْلَةٍ، ونَجا مِنهم مَن نَجا تَحْتَ بُطُونِ الكَواكِبِ.

يَعْنِي هَرَبُوا لَيْلًا؛ فَجَعَلُوا ظُهُورَ الكَواكِبِ بُطُونًا، وذَلِكَ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.

وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ جِدًّا، وقالَ: إنَّما أرادَ اللَّهُ أنَّ يُعَرِّفَنا- مِن حَيْثُ نَفْهَمُ - فَضْلَ هَذِهِ الفُرُشِ وأنَّ ما ولِيَ الأرْضَ مِنها إسْتَبْرَقٌ، وإذا كانَتِ البِطانَةُ كَذَلِكَ، فالظِّهارَةُ أعْلى وأشْرَفُ.

وهَلْ يَجُوزُ [لِأحَدٍ] أنْ يَقُولَ لِوَجْهِ مُصَلٍّ: هَذا بِطانَتُهُ، ولِما ولِيَ الأرْضَ مِنهُ: هَذا ظِهارَتُهُ؟!

وإنَّما يَجُوزُ هَذا في ذِي الوَجْهَيْنِ المُتَساوِيَيْنِ، تَقُولُ لِما ولِيَكَ مِنَ الحائِطِ: هَذا ظَهْرُ الحائِطِ، ويَقُولُ جارُكَ لِما ولِيَهُ هَذا ظَهْرُ الحائِطِ، وكَذَلِكَ السَّماءُ ما ولِيَنا مِنها: ظَهْرٌ، وهي لِمَن فَوْقَها: بَطْنٌ.

وقَدْ ذَكَرْنا الإسْتَبْرَقَ في [سُورَةِ] [الكَهْفِ: ٣١]، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ما يُجْتَنى قَرِيبٌ لا يُعَنِّي الجانِيَ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [الصّافّاتِ: ٤٨] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى الجَنَّتَيْنِ وغَيْرِهِما مِمّا أُعِدَّ لِصاحِبِ هَذِهِ القِصَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الفُرُشِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ: يَطْمِثُ ويَطْمُثُ، مِثْلُ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ.

وفي مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَمْ يَفْتَضِضْهُنَّ؛ والطَّمْثُ: النِّكاحُ بِالتَّدْمِيَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحائِضِ: طامِثٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: لَمْ يَمْسَسْهُنَّ؛ يُقالُ: ما طَمَثَ هَذا البَعِيرَ حَبْلٌ [قَطُّ] أيْ: ما مَسَّهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ لِأنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنَ الجَنَّةِ؛ فَعَلى قَوْلِهِ، هَذا صِفَةُ الحُورِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: هُنَّ مِن نِساءِ الدُّنْيا لَمْ يَمْسَسْهُنَّ مُذْ أُنْشِئْنَ خَلْقٌ.

وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنِّيَّ يَغْشى المَرْأةَ كالإنْسِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ.

وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ أهْلَ التَّفْسِيرِ وأهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ والمَرْجانُ: صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، وهو أشَدُّ بَياضًا.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: "الياقُوتُ" فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والجَمْعُ "اليَواقِيتُ"، وقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ، قالَ مالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ اليَرْبُوعِيُّ: لَنْ يُذْهِبَ اللُّؤْمَ تاجٌ قَدْ حُيِيتَ بِهِ مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ والذَّهَبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: ما جَزاءُ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا إلّا أنْ يُحْسَنَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" وعَمِلَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  إلّا الجَنَّةُ.

ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ"؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: "فَإنَّ رَبَّكم يَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ"؟!

.» <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "الياقُوتُ والمَرْجانُ" مِنَ الأشْياءِ الَّتِي قَدْ بَرَعَ حُسْنُها، واسْتَشْعَرَتِ النُفُوسُ جَلالَتُها، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بِها لا في جَمِيعِ الأوصافِ لَكِنْ فِيما يُشَبَّهُ ويَحْسُنُ بِهَذِهِ المُشَبَّهاتِ، فالياقُوتُ في إمْلاسِهِ.

وشُفُوفِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في صِفَةِ المَرْأةِ مِن نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ: « "يَرى مُخَّ ساقِها مِن وراءِ العَظْمِ"،» والمَرْجانُ في إمْلاسِهِ وجَمالِ مَنظَرِهِ، وبِهَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ سَمَّتِ العَرَبُ النِساءَ بِهَذِهِ الأشْياءِ كَدُرَّةِ بِنْتِ أبِي لَهَبٍ، ومَرْجانَةَ أُمِّ سَعِيدٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ آيَةٌ، وعَدَ وبَسَطَ لِنُفُوسِ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّها عامَّةٌ، قالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هي لِلْبَرِّ والفاجِرِ، والمَعْنى: أنَّ جَزاءَ مَن أحْسَنَ بِالطاعَةِ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ بِالتَنْعِيمِ، وحَكى النَقّاشُ «أنَّ النَبِيَّ  فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: "هَلْ جَزاءُ التَوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ"؟» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "مِن دُونِهِما"، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ أنَّ هاتَيْنِ دُونَ تَيْنِكَ في المَنزِلَةِ والقَدْرِ، والأُولَيانِ جَنَّتا السابِقِينَ والأُخْرَيانِ جَنَّتا أصْحابِ اليَمِينِ، قالَ الرُمّانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الجَنّاتُ الأرْبَعُ لِلْخائِفِ مَقامَ رَبِّهِ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: الأُولَيانِ لِلسّابِقِينَ والأُخْرَيانِ لِلتّابِعِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: مِن دُونِهِما في القُرْبِ إلى المُنْعِمِينَ، وهاتانِ المُؤَخِّرَتانِ في الذِكْرِ أفْضَلُ مِنَ الأُولَيَيْنِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ وصَفَ عَيْنِيَّ هَذِهِ بِالنَضْخِ والأُخْرَيَيْنِ بِالجَرْيِ فَقَطْ، وجَعَلَ هاتَيْنِ مُدْهامَّتَيْنِ مِن شِدَّةِ النِعْمَةِ والأُولَيَيْنِ ذَواتا أفْنانٍ، وكُلُّ جَنَّةٍ ذاتُ أفْنانٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُدْهامَّةً.

وأكْثَرُ الناسِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وهَذِهِ اسْتِدْلالاتٌ لَيْسَتْ بِقَواطِعَ، ورُوِيَ عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: جَنَّتانِ لِلْمُقَرَّبِينَ مِن ذَهَبٍ، وجَنَّتانِ لِأهْلِ اليَمِينِ مِن فِضَّةٍ هُما دُونَ الأوَّلِينَ.

و"مُدْهامَّتانِ" مَعْناهُ: قَدْ عَلا لَوْنَها دُهْمَةٌ وسَوادٌ مِنَ النَضْرَةِ والخُضْرَةِ، كَذا فَسَّرَهُ ابْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى المِنبَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى  ﴾ ﴿ فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى  ﴾ .

و"النَضّاخَةُ": الفَوّارَةُ الَّتِي يَهِيجُ ماؤُها، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: نَضّاخَتانِ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وكَرَّرَ تَعالى "النَخْلُ والرُمّانُ" لِأنَّهُما لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، كَرَّرَهُما - وهُما مِن أفْضَلِ الفاكِهَةِ - تَشْرِيفًا لَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَمَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ جنتان ﴾ [الرحمن: 46]، أي ومن دون تينك الجنتين جنتان، أي لمن خاف مقام ربه.

ومعنى ﴿ من دونهما ﴾ يحتمل أن (دون) بمعنى (غير)، أي ولمن خاف مقام ربه جنتان وجنتان أخريان غيرهما، كقوله تعالى: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ [يونس: 26].

ووُصف ما في هاتين الجنتين بما يقارب ما وصف به ما في الجنتين الأوليين وصفاً سُلك فيه مسلك الإِطناب أيضاً لبيان حسنهما ترغيباً في السعي لنيلهما بتقوى الله تعالى فذلك موجب تكرير بعض الأوصاف أو ما يقرب من التكرير بالمترادفات.

ويكون لكل الجنات الأربع حُور مقصورات لا ينتقلن من قصورهن، ويجوز أن تكون (دون) بمعنى أقل، أي لنزول المرتبة، أي ولمن خاف مقام ربه جنتان أقلّ من الأولين فيقتضي ذلك أن هاتين الجنتين لطائفة أخرى ممن خافوا مقام ربهم هم أقل من الأولين في درجة مخافة الله تعالى.

ولعل هاتين الجنتين لأصحاب اليمين الذين ورد ذكرهم في سورة الواقعة والجنتين المذكورتين قبلهما في قوله: ﴿ جنتان...

ذواتا أفنان ﴾ [الرحمن: 46، 48] إلى آخر الوصف جنتا السابقين الوارد ذكرهم قوله في سورة الواقعة (10) ﴿ والسابقون السابقون ﴾ الآيات.

ومدهامتان} وصف مشتق من الدُّهمة بضم الدال وهي لون السواد.

ووصف الجنتين بالسواد مبالغة في شدة خضرة أشجارهما حتى تكونا بالتفاف أشجارها وقوة خضرتها كالسوداوين لأن الشجر إذا كان ريّان اشتدت خضرة أوراقه حتى تقرب من السواد، وقد أخذ هذا المعنى أبو تمام وركَّب عليه فقال: يا صاحبيَّ تقصَّيَا نَظَريكُما *** تَريا وجوهَ الأرض كيف تَصوَّر تريا نهاراً مشمِساً قد شابَهُ *** زَهْرُ الرُّبى فكأنما هو مقمر و ﴿ نضاختان ﴾ : فوّارتان بالماء، والنضخ بخاء معجمة في آخره أقوى من النضح بالحاء المهملة الذي هو الرَّش.

وقد وصف العينان هنا بغير ما وصف به العينان في الجنتين المذكورتين، فقِيل: هما صنفان مختلفان في أوصاف الحسن يُشير اختلافهما إلى أن هاتين الجنتين دون الأولَيْن في المحاسن ولذلك جاء هنا ﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ ، وجاء فيما تقدم ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ [الرحمن: 52].

وقيل: الوصفان سواء، وعليه فالمخالفة بين الصنفين من الأوصاف تفنّن.

وعطف ﴿ ونخل ورمان ﴾ على ﴿ فاكهة ﴾ من باب عطف الجزئي على الكلّي تنويهاً ببعض أفراد الجنتين كما قال تعالى: ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ في سورة البقرة (98).

وجاءت جمل فبأي آلاء ربكما تكذبان } معترضات بين ﴿ جنتان ﴾ وصفاتها اعتراضاً للازدياد من تكرير التقرير والتوبيخ لمن حرموا من تلك الجنات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ بَطائِنَها يُرِيدُ بِهِ ظَواهِرَها، قالَهُ قَتادَةُ.

والعَرَبُ تَجْعَلُ البَطْنَ ظَهْرًا فَيَقُولُونَ هَذا بَطْنُ السَّماءِ وظَهْرُ السَّماءِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ البِطانَةَ دُونَ الظِّهارَةِ، لِأنَّ البِطانَةَ إذا كانَتْ مِن إسْتَبْرَقٍ وهي أدْوَنُ مِنَ الظّاهِرَةِ دَلَّ عَلى أنَّ الظَّهارَةَ فَوْقَ الإسْتَبْرَقِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَسُئِلَ عَبّاسٌ فَما الظَّواهِرُ؟

قالَ: إنَّما وصَفَ لَكم بَطائِنَها لِتَهْتَدِيَ إلَيْهِ قُلُوبُكم فَأمّا الظَّواهِرُ فَلا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ.

﴿ وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ فَأمّا الجَنا فَهو الثَّمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ هَذا جَنايَ وخِيارُهُ فِيهِ إذْ كُلِّ جانٍ يَدُهُ إلى فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ ﴿ دانٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دانِي لا يَبْعُدُ عَلى قائِمٍ ولا عَلى قاعِدٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ لا يَرُدُّ أيْدِيهِمْ عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: قَصَرَ طَرَفَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يُسَدِّدْنَ النَّظَرَ إلى غَيْرِهِمْ، ولا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا.

﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَمْسَسْهُنَّ، قالَ أبُو عَمْرٍو: الطَّمْثُ المَسُّ، وذَلِكَ في كُلِّ شَيْءٍ يُمَسُّ.

الثّانِي: لَمْ يَذْلُلْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ، والطَّمْثُ: التَّذْلِيلُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

الثّالِثُ: لَمْ يُدْمِهُنَّ يَعْنِي إنْسٌ ولا جانٌّ، وذَلِكَ قِيلَ لِلْحَيْضِ طَمْثٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ: دُفِعْنَ إلَيَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي ∗∗∗ وهُنْ أصَحُّ مِن بِيضِ النَّعامِ وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنَّ تَغْشى كالإنْسِ.

﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلْ جَزاءُ الطّاعَةِ إلّا الثَّوابُ.

الثّانِي: هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ في الدُّنْيا إلّا الإحْسانَ في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: هَلْ جَزاءُ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إلّا الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: هَلْ جَزاءُ التَّوْبَةِ إلّا المَغْفِرَةَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصّادِقُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: هَلْ جَزاءُ إحْسانِ اللَّهِ عَلَيْكم إلّا طاعَتُكم لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيهن قاصرات الطرف ﴾ قال: قاصرات الطرف على أزواجهن لا يرين غيرهم والله ما هن متبرجات ولا متطلعات.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ فيهن قاصرات الطرف ﴾ قال: قصرن طرفهن عن الرجال فلا ينظرن إلاّ إلى أزواجهن.

وأخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ قاصرات الطرف ﴾ قال: لا ينظرن إلا إلى أزواجهن» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: لم يمسسهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: لم يطأهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: لم يجامعهن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: لا تقل للمرأة طمثت فإنما الطمث الجماع.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله: ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: كذلك نساء الجنة لم يدن منهن غير أزواجهن قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: مشين إليّ لم يطمثن قبلي ** وهن أصبح من بيض النعام وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن أرطاة بن المنذر قال: تذاكرنا عند ضمرة بن حبيب: أيدخل الجن الجنة؟

قال: نعم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ للجن الجنيات وللإِنس الإِنسيات.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي في قوله: ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ قال: هن من نساء أهل الدنيا خلقهن الله في الخلق الآخر كما قال: ﴿ إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً ﴾ [ الواقعة: 35] لم يطمثهن حين عدن في الخلق الآخر ﴿ إنس قبلهم ولا جان ﴾ .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير عن مجاهد قال: إذا جامع الرجل أهله ولم يسمّ انطوى الجان على إحليله فجامع معه، فذلك قوله: ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ قال: لم يصبهن شمس ولا دخان، لم يعذبن في البلايا، ولم يكلمن في الرزايا، ولم تغيرهن الأحزان ناعمات لا يبأسن، وخالدات فلا يمتن، ومقيمات فلا يظعنّ، لهن أخيار يعجز عن نعتهن الأوهام، والجنة أخضرها كالأصفر، وأصفرهما كالأخضر ليس فيها حجر ولا مدر ولا كدر ولا عود يابس أكلها دائم وظلها قائم» .

أخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: ينظر إلى وجهها في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنه يكون عليها سبعون ثوباً ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: صفاء الياقوت في بياض المرجان.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن الضحاك ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: ألوانهن كالياقوت واللؤلؤ في صفائه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن الحارث ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: كأنهن اللؤلؤ في الخيط.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: يرى مخ سوقهن من وراء الثياب كما يرى الخيط في الياقوتة.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري والترمذي وابن أبي الدنيا في وصف الجنة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها، وذلك أن الله يقول ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكاً ثم استصفيته لرأيته من ورائه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن مسعود ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: على كل واحدة سبعون حلة من حرير يرى مخ ساقها من وراء الثياب، قال: أرأيت لو أن أحدكم أخذ سلكاً فأدخله في ياقوتة ألم يكن يرى السلك من وراء الياقوتة؟

قالوا: بلى، قال: فذلك هنّ، وكان إذا حدّث حديثاً نزع له آية من الكتاب.

وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن الحارث القيسي قال: إنه يكون على زوجة الرجل من أهل الجنة سبعون حلة حمراء يرى مخ ساقها من خلفهن.

وأخرج عبد بن حميد عن كعب قال: إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة لهي أرق من شفّكم هذا الذي تسمونه شفا، وإن مخ ساقها ليرى من وراء اللحم.

وأخرج عبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: إن المرأة من أزواج المقربين لتكسى مائة حلة من استبرق وسقالة النور، وإن مخ ساقها ليرى من وراء ذلك كله، وإن المرأة من أزواج أصحاب اليمين لتكسى سبعين حلة من استبرق وسقالة النور، وإن مخ ذلك ليرى من وراء ذلك كله.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نساء أهل الجنة يرى مخ سوقهن من وراء اللحم» .

وأخرج عبد بن حميد والطبراني والبيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم من تحت سبعين حلة، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء.

وأخرج هناد وابن جرير عن عمرو بن ميمون مثله.

قوله تعالى: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: «ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: «هل جزاء من أنعمت عليه بالإِسلام إلا أن أدخله الجنة» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبغوي في تفسيره والديلمي في مسند الفروس وابن النجار في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ وقال: هل تدرون ما قال ربكم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» .

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال رسول الله: «هل جزاء من أنعمت عليه ممن قال: لا إله إلا الله في الدنيا إلا الجنة في الآخرة» .

أخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله إلا الجنة؟.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله.

وأخرج ابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه والديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزل الله عليّ هذه الآية مسجَّلة في سورة الرحمن للكافر والمسلم ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في المسلم والكافر ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن محمد بن الحنفية في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: هي مسجلة للبر والفاجر، قال البيهقي: يعني مرسلة.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: إن لله عموداً أحمر رأسه ملويّ على قائمة من قوائم العرش، وأسفله تحت الأرض السابعة، على ظهر الحوت، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله تحرك الحوت تحرك العمود تحت العرش، فيقول الله للعرش: اسكن، فيقول: لا وعزتك لا أسكن حتى تغفر لقائلها ما أصاب قبلها من ذنب فيغفر الله له.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: عملوا خيراً فجزوا خيراً.

قوله تعالى: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ الآيات.

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ قال: هما دون تجريان.

وأخرج هناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضروان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: قد اسودتا من الخضرة التي من الريّ من الماء.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير عن عبدالله بن الزبير في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان من الريّ.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان» .

وأخرج هناد وعبد بن حميد عن أبي أيوب الأنصاري في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: هما جنتان خضراوان.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: هما جنتان خضراوان.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان.

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن عكرمة في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان من الريّ ناعمتان إذا اشتدت الخضرة ضربت إلى السواد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ مدهامتان ﴾ قال: مسودتان.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة ﴿ مدهامتان ﴾ قالا: سوداوان من الريّ.

وأخرج هناد عن الضحاك ﴿ مدهامتان ﴾ قال: سوداوان من الريّ.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ مدهامتان ﴾ ثم ركع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب قال: العينان اللتان تجريان خير من النضاختين، ولفظ عبد قال: ما النضاختان بأفضل من اللتين تجريان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: فائضتان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: تنضخان بالماء من شدة الريّ.

وأخرج هناد وابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: تنضخان بالماء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أنس في قوله: ﴿ عينان نضاختان ﴾ قال: بالمسك والعنبر تنفخان على دور الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: تنضخان بألوان الفاكهة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: بالخير ولفظ ابن أبي شيبة بكل خير.

قوله تعالى: ﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ قال: هي ثمر ﴿ من كل فاكهة زوجان ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد: أفي الجنة فاكهة؟

قال: نعم فيها فاكهة ونخل ورمان، قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟

قال: نعم وأضعافه، قالوا: أفيقضون الحوائج؟

قال: لا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب الله ما في بطونهم من أذى» .

وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وهناد بن السري وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، وكرانيفها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال أشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد وليس لها عجم.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري والبيهقي عن سلمان أنه أخذ عوداً صغيراً ثم قال: لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تبصره، قيل: فأين النخل والشجر؟

قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاه الثمر.

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نخل الجنة فقال: أصوله فضة وجذوعها ذهب وسعفه حلل وحمله الرطب أشد بياضاً من اللبن وألين من الزبد وأحلى من الشهد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كمثل البعير المقتب» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس قال: إن الثمرة من ثمر الجنة طولها اثنا عشر ذراعاً ليس لها عجم.

وأخرج الطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس أنه كان يأخذ الحبَّة من الرمان فيأكلها، فقيل له: لم تفعل هذا؟

قال: بلغني أنه ليس في الأرض رمانة تلقح إلا بحبة من الجنة فلعلها هذه.

وأخرج ابن السني في الطب النبوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رمانة من رمانكم هذه إلا وهي تلقح بحبة من رمان الجنة» والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴾ تقدم تفسير الحور (١) (٢) (٣) (٤) وقال مجاهد: مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ (٥) والخيام جمع خَيم وخيم: جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلل بالثياب في القيظ فيكون أبرد من الأخبية (٦) وقال ابن الأعرابي: الخيمة لا تكون إلا أربعة أعواد ثم تسقف بالثُّمام ولا تكون من ثياب (٧) فلم يبقَ إلا آلُ خَيْمٍ منصدٍ وسُفْعٌ ...

على آسٍ وَنُؤْيٌ مُعَثْلِبُ ويقال خيم فلان خيمته إذا بناها من جريد النخل ويخيم فيها إذا أقام، وتظلل بها قال زهير: (٨) وَضَعْنَ عِصِى الحَاضِرِ المتَخَيَّمِ هذا معنى الخيام في اللغة، قال أبو عبيدة (٩) شاقتك ظعن الحي يوم تحمَّلوا ...

فتكنَّسُوا قطنًا تَصرُّ خِيامُها (١٠) (١١) وروى قتادة عن ابن عباس قال: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب (١٢) وروي عن النبي -  - "والخيمة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" (١٣) قوله: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ﴾ قال صاحب النظم: قال الله تعالى: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّنَانِ ﴾ ولم يذكر لهما أهلًا كما ذكره لما قبلهما من الجنتين فلما قال (متكئين) دل أنه أراد أهلهما، وإنما كف عن ذكر أهلها اقتصارًا على ذكر أهل الجنتين اللتين قبلهما، واكتفاء بالذكر الأول عن الثاني، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ  ﴾ .

قال في فصل آخر متصل بهذا الفصل ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ  ﴾ ، والتأويل: بعثناهم ليسوؤا فكف عن ذكره اكتفاء بالأول (¬4).

وأما الرفرف فقال الليث: الرفرف ضرب من الثياب خضر تبسط، والواحدة رفرفة (١٤) (١٥) وإنا لنزالون تغشى فعالنا ...

سواقط من أصناف ربط ورفزف (١٦) وقال أبو إسحاق: قالوا الرفرف هاهنا رياض الجنة.

وقالوا: الرفرف الوسائد.

وقالوا: الرفرف المحابس، وقالوا: الرفرف فضول المحابس للفرش.

(١٧)  - "فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة" (١٨) قال ابن الأعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط (١٩) (٢٠) (١) عند تفسيره الآية (54) من سورة الدخان.

والحَوَرُ: أن يشتد بياض العين وسواد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها ويبيض ما حواليها.

وإنما قيل للنساء حور العين؛ لأنهن شبههن بالظباء والبقر.

"اللسان" 1/ 750 (حور).

(٢) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246، ومعناه: سترن في الخيام.

والخدرُ سِتْرٌ يمد للجارية في ناحية البيت.

"اللسان" 1/ 736 (خدر).

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ.

(٤) انظر: "معاني القرآن" 3/ 120.

(٥) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 644، و"جامع البيان" 27/ 92، 93.

(٦) انظر: "اللسان" 1/ 933 (خيم)، و"فتح القدير" 5/ 143.

(٧) انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 607، و"اللسان" 1/ 933 (خيم).

والثُّمامُ: شجر واحدته ثمامة وثمة، وهو نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص.

"اللسان" 1/ 375 (ثمم).

(٨) وصدر البيت: فلما وردن الماء زرقاً جمامه انظر: "الديوان" 78، و"اللسان" 1/ 993 (خيم).

(٩) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246.

(١٠) البيت ورد في معلقة لبيد.

انظر: "شرح المعلقات السبع" للزوزني 75.

(١١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 267، وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأبي الأحوص.

انظر: "جامع البيان" 27/ 93، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 28.

(١٢) "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: حور مقصورات في الخيام، 6/ 182، و"صحيح مسلم"، كتاب: الجنة، باب (33).

"مسند أحمد" 3/ 103.

(١٣) انتهى كلام صاحب النظم ولم أجده فيما اطلعت عليه، وكتابه مفقود كما تقدم بيانه.

(١٤) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 190، و"فتح القدير" 5/ 143.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 171، و"اللسان" 1/ 12 (رفف).

(١٦) لم أجده عند أبي عبيدة.

وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.

(١٧) انظر: "معاني القرآن" 5/ 105.

(١٨) انظر: " النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 242) رفرف).

(١٩) انظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" 1/ 1200 (رف، رفف).

(٢٠) هو عنترة بن عبد الرحمن الكوفي، ثقة، وهم من زعم أن له صحبة.

انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 89.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام ﴾ الحور جمع الحَوراء: والمقصورات المحجوبات، لأن النساء يمدحن بملازمة البيوت ويذممن بكثرة الخروج، والخيام هي البيوت التي من الخشب والحشيش ونحو ذلك، وخيام الجنة من اللؤلؤ.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ، ذكر الخوف عن المقام بين يدي ربه، ولم يبين خوفه ماذا؟

ولا أنه إذا خافه تركه أو لا؟

فجائز أن يكون ما ذكر من الخوف بين يدي ربه ما بَيَّنَ في أخرى، وهو قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ  ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: نهي النفس عما تهواه.

والثاني: منع النفس عن أن تهوى ما نهيت عنه، والله أعلم.

وجائز أن يكون في هذه الآية بيان ما ذكر في تلك الآية من الخوف من المقام بين يدي ربه، أي: خاف مقام ربه، وترك ما هم [به] من المعصية، أو ما هوت نفسه.

ثم لسنا نعرف ما فائدة ذكرى الجنتين له ليس ذلك في ثلاث أو أربع؟

قال أهل التأويل: إنما ذكر جنتين؛ لأن الجنان أربعة: جنة عدن، وفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم، فجنة العدن وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين، والجنتان الأخريان لمن دونهم من المؤمنين الذي هم أصحاب اليمين.

وجائز أن يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته، لا يقع على جنة غيره، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل يقع بصره على ملكه، لا يقع على ملك غيره، فليس ذلك على تحقيقٍ إخبارا عن عدد الجنتين، ولكن إخبارا أن بصره حيث [يقع] لا يقع إلا على ملكه وجنته، والله أعلم.

والثاني: يكون له جنتان: إحدى الجنتين؛ لترك المساوئ، والأخرى؛ لإتيان المحاسن.

وذكر القتبي عن الفراء في قوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ قال: قد تسمي العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان رءوس الآي ومقاطعها؛ لتحقيق الموافقة في المقاطع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ ، لموافقة مقاطع الآي، والمراد منه جنة واحدة.

لكن القتبي أنكر عليه ذلك، وذلك إنما يقال إذا انقطع الكلام، فأما إذا كان الكلام غير منقطع؛ فإنه لا يقال ذلك، والله أعلم.

ثم سمى البعثَ: مقاما بين يدي ربه، وسماه: رجوعا إليه، ومصيراً، وبرزوا، فهو على وجهين: أحدهما: أنه سماه بما ذكر؛ لأن البعث هو نهاية هذا العالم.

والثاني: سماه بذلك؛ لأن لكل أحد يظهر في ذلك اليوم: أن الأمر لله  ، وأن التدبير له في الدنيا والآخرة، وأن لا تدبير لأحد سواه؛ كقوله - عز وجل - : ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ .

ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء على ما ذكره بعض أهل التأويل، وما ذكر من قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ  ﴾ لأصحاب اليمين.

ثم نعت ورصف ما جعل لكل فريق؛ فأما نعت ما جعل للسابقين والصديقين والشهداء ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: ذواتا أغصان، ولكن ليس في هذا كثير حكمة، لكن يحتمل أن قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ من الفنون، أي: فيهما من كل فن وكل نوع.

وقال مقاتل: ذلك في الجنتين اللتين جعلهما لأصحاب اليمين مدهامتين، والمدهم: هو الذي تضرب خضورته - لشدته - إلى السواد، وهو دون الأول في الوصف؛ إذ لم يصفهما إلا بصفة واحدة، ووصف تبنك الجنتين بالفنون، وقال في تينك: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ ، وقال أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ  ﴾ ، والناضج: هو الذي لا يتبين جريانه، ووصف تينك بالجريان، والنضج دون الجريان.

وقال القتبي: ﴿ نَضَّاخَتَانِ  ﴾ اللتان تفوران بالماء، والنضج دون النضَجَ، وهو الرش، وقال في جنتي السابقين: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان، أو لونان، [من] أي: شيء كان، وقال في [جنتي] أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ  ﴾ ذكر أشياء معدودة، وغمر الأشياء في تينك؛ حيث قال: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ لتفضيل أولئك على هؤلاء.

وجائز أن يذكر في كل واحدة منهما حكمة على حدة: قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ما ذكرنا أن فيهما من كل فن وكل نوع، و[قوله: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ ﴾ ] إحدى العينين هي العين المعروفة الموعودة، والأخرى التي لا يعرفون ولا يوعدون، وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان ولونان على غير تغير الطعم، ولا فساد يدخل في ذلك؛ لأن تغير اللون في الدنيا لا يكون للفواكه إلا بعد دخول فساد فيها، فيخبر أن تغير لونه لا لفساد يدخل في ذلك، والله أعلم.

وقال بعضهم: إنما ذكر الزوجين من الفواكه؛ لما أن قلوب البشر قد خطرت بأحد الزوجين وتمنته أنفسهم، والزوج الآخر هو لطف الله  على عباده؛ فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على بالهم، ولا وقعت عليه أبصارهم، ولا انتهت إليه آمالهم؛ إكراما لهم بها وامتنانا.

وقال بعضهم: ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة، ولكن فيه تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين: أن أولئك يعطون من الفضل ضعفي ما أعطي هؤلاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ قال الفراء: يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد، ومن جهة واحدة، لكن سمي الجهة التي تلي أجسادهم بطانة، والأخرى: ظهارة، كالسماء؛ أن الجهة التي تلي الملائكة هي بطانتهم، وظهارتنا، وما تلينا ظهارتهم وبطانتنا، وكل شيء يلي إنسانا فهي بطانة، والجانب الذي لا يليه ظهارة، يقال: هذا ظهر السماء، للجانب الذي نراه، والآخر: بطن السماء، والله أعلم.

وقال القتبي: لا، ولكن ذكر البطانة من إستبرق، ولم يذكر الظهارة، والعرف في الناس: أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة، والبطانة دون الظهاغرة، فعلى ذلك في ذكر البطانة ووصفها بأنها من الإستبرق دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من البطانة.

لكن ما قاله الفراء صحيح، وما كره القتبي هو من صنيع الناس في الدنيا من اتخذا الظهارة فوق البطانة؛ لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ظهر في النفاسة والرفعة، فأما الله -  وتعالى - فلا نفاد لخزائنه، يفعل ما يشاء كيف شاء.

وعن ابن مسعود -  - أنه قال: قد أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهارة ثم الإستبرق اختلف فيه: قيل: هو ما غلظ منه بلسان قوم.

وقال بعضهم: هو ما دق ورق، والله أعلم.

ولا نفسره نحن: أنه ما هو؟

وكيف هو؟

ولكن نعلم أنه شيء وعد لهم ربهم، وهو شيء ترغب فيه أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ جائز أن يكون ذكر هذا في حق السابقين الذين سارعوا في الخيرات، واستبطئوا ما وعد لهم بما لم يروا لطاعاتهم قيمة، ويغلبهم خوفهم في التقصير في العمل لله  الواجب عليهم، وفي أوامره ونواهيه، فقال: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ ﴾ اللتين وعد لكم ﴿ دَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: الشجر دان منهم، قربت حين يتناولها الرجل كيف شاء، لكن يذكر هنا - والله أعلم -: أن الجنتين وإن بعدتا، فإن الثمار منهم دانية.

قال أبو عوسجة: الجنى: الحمل، وأجنت الشجرة تجنى؛ إذا حملت وأدرك حملها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ أي: قصرن طرفهن على أزواجهن، ولا ينظرن إلى غيرهم، ولا يشتهينهم، وقال في آية أخرى: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ  ﴾ ذكر هذا؛ لأن أهل الدين يكونون من أهل غيرة، لا يريدون أن تنظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا غيرهم ينظرون إليهن، فأخبر بالآيتين: أنهن لا ينظرن إلى غير أزاجهن، ولا غيرهم إليهن؛ حيث وصفهن بأنهن قاصرات مقصورات في الخيام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، قرئ: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ بضم اليم وكسره.

قال الفراء: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ ، أي: لم يقبضهن، والطمث: النكاح بالرومية.

وقال أهل التأويل: لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان.

وقال أبو عوسجة: أي: لم يمسسهن إنس في التربية كما يرى الأولاد، ولا جان على ما تمس الجن الأولاد فيفسدهم، ولكنهم كما وصف: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً  فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً  عُرُباً أَتْرَاباً  لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ ﴾ ، قال أهل التأويل: شبههن باليقاوت؛ لصفائهن، وبالمرجان؛ لبياضهن، وهو كما قالوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ ﴾ قيل: هل جزاء الإحسان في الدينا إلا الإحسان لهم في الآخرة؟

هل جزاء فعل الحسن في الدنيا إلا إعطاء الحسن في الآخرة، وهي الجنة.

ولكن غيره كأنه أقر، أي: هل جزاء إحسان الله  بما أنعم عليهم في الدنيا إلا الإحسان له بالشكر والقبول، أي: الإتيان بفعل الحسن، وهو الشكر له، وحسن القبول؛ لأنه ليس يستوجب أحد قِبَلَ الله  بإحسانه في الدنيا جزاء في الآخرة، إنما الجزاء لهم بحق الفضل والإنعام، لا بحق الاستحقاق.

ويحتمل أن يكون تأويله: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان له في الآخرة، والله أعلم.

واستدل أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - بهذه الآية على أن للجن ثوابا؛ كما للإنس؛ فإنه جرى الخطاب من أول السورة إلى آخرها للجن والإنس من قوله: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ؛ فعلى ذلك يشتركون في الوعد والوعيد.

لكنْ أبو حنيفة - رحمه الله  - يقول: لا ثواب للجن في ذلك من نحو الفواكه والسفن الجواري، فعلى ذلك ما ذكر من الثواب لهم يجوز الثواب، وللجن يجوز العين، والله أعلم.

وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حور مستورات في الخيام صونًا لهنّ.

<div class="verse-tafsir" id="91.qbDeM"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله