تفسير الآية ١٩ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ١٩ من سورة الحديد

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ١٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٩ من سورة الحديد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) هذا تمام لجملة وصف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون .

قال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) هذه مفصولة ( والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ) .

وقال أبو الضحى : ( أولئك هم الصديقون ) ثم استأنف الكلام فقال : ( والشهداء عند ربهم ) وهكذا قال مسروق ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم .

وقال الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله في قوله : ( أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ) قال : هم ثلاثة أصناف : يعني المصدقين ، والصديقين ، والشهداء ، كما قال [ الله ] تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) [ النساء : 69 ] ففرق بين الصديقين والشهداء ، فدل على أنهما صنفان .

ولا شك أن الصديق أعلى مقاما من الشهيد ، كما رواه الإمام مالك بن أنس ، رحمه الله ، في كتابه الموطإ ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم ، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب ، لتفاضل ما بينهم " .

قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟

قال : " بلى والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " .

اتفق البخاري ، ومسلم على إخراجه من حديث مالك به وقال آخرون : بل المراد من قوله : ( أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ) فأخبر عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون وشهداء .

حكاه ابن جرير ، عن مجاهد ، ثم قال ابن جرير : حدثني صالح بن حرب أبو معمر ، حدثنا إسماعيل بن يحيى ، حدثنا ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن البراء بن عازب قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " مؤمنو أمتي شهداء " .

قال : ثم تلا - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ) هذا حديث غريب وقال أبو إسحاق ، عن عمرو بن ميمون في قوله : ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ) قال : يجيئون يوم القيامة معا كالإصبعين .

وقوله : ( والشهداء عند ربهم ) أي : في جنات النعيم ، كما جاء في الصحيحين : " إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال : ماذا تريدون ؟

فقالوا : نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل فيك فنقتل كما قتلنا أول مرة .

فقال إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون " وقوله : ( لهم أجرهم ونورهم ) أي : لهم عند ربهم أجر جزيل ونور عظيم يسعى بين أيديهم ، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن أبي يزيد الخولاني قال : سمعت فضالة بن عبيد يقول : سمعت عمر بن الخطاب يقول : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " الشهداء أربعة : رجل مؤمن جيد الإيمان ، لقي العدو فصدق الله فقتل ، فذلك الذي ينظر الناس إليه هكذا - ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قلنسوة عمر ، والثاني مؤمن لقي العدو فكأنما يضرب ظهره بشوك الطلح ، جاءه سهم غرب فقتله ، فذاك في الدرجة الثانية ، والثالث رجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا لقي العدو فصدق الله حتى قتل ، فذاك في الدرجة الثالثة ، والرابع رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافا كثيرا ، لقي العدو فصدق الله حتى قتل ، فذاك في الدرجة الرابعة " .

وهكذا رواه علي بن المديني ، عن أبي داود الطيالسي ، عن ابن المبارك عن ابن لهيعة ، وقال : هذا إسناد مصري صالح .

ورواه الترمذي من حديث ابن لهيعة وقال : حسن غريب وقوله : ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) لما ذكر السعداء ومآلهم ، عطف بذكر الأشقياء وبين حالهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: والذين أقرّوا بوحدانية الله وإرساله رسله، فصدقوا الرسل وآمنوا بما جاءوهم به من عند ربهم، أولئك هم الصدّيقون.

وقوله: ( وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: والشهداء عند ربهم منفصل من الذي قبله، والخبر عن الذين آمنوا بالله ورسله، متناه عند قوله: ( الصِّدِّيقُونَ ) ، والصدّيقون مرفوعون بقوله: هم، ثم ابتدئ الخبر عن الشهداء فقيل: والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، والشهداء في قولهم مرفوعون بقوله: ( لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) .

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) قال: هذه مفصولة ( وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق ( أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) قال: هي للشهداء خاصة.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: هي خاصة للشهداء.

قال: ثنا مهران، عن سفيان عن أبي الضحى ( أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ )، ثم استأنف الكلام فقال: والشهداء عند ربهم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) هذه مفصولة، سماهم الله صدّيقين بأنهم آمنوا بالله وصدّقوا رسله، ثم قال ( وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) هذه مفصولة.

وقال آخرون: بل قوله " والشهداء " من صفة الذين آمنوا بالله ورسله؛ قالوا: إنما تناهى الخبر عن الذين آمنوا عند قوله: ( وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ )، ثم ابتدئ الخبر عما لهم، فقيل: لهم أجرهم ونورهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنا أبو قيس أنه سمع هذيلا يحدّث، قال: ذكروا الشهداء، فقال عبد الله: الرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل للدنيا، والرجل يقاتل للسمعة، والرجل يقاتل للمغنم; قال شعبة شيئا هذا معناه: والرجل يقاتل يريد وجه الله، والرجل يموت على فراشه وهو شهيد، وقرأ عبد الله هذه الآية: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) .

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، وليث عن مجاهد ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) قال: كلّ مؤمن شهيد، ثم قرأها.

حدثني صالح بن حرب أبو معمر، قال: ثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن البراء بن عازب، قال: سمعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: " مُؤْمِنُو أمَّّتِي شُهَداءُ".

قال: ثم تلا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم هذه الآية ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) قال: بالإيمان على أنفسهم بالله.

وقال آخرون: الشهداء عند ربهم في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم من قول الله عزّ وجلّ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا .

والذي هو أولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: الكلام والخبر عن الذين آمنوا، متناه عند قوله: ( أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ )، وإن قوله: ( وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) خبر مبتدأ عن الشهداء.

وإنما قلنا: إن ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن ذلك هو الأغلب من معانيه في الظاهر، وأنّ الإيمان غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم شهيد لا بمعنى غيره، إلا أن يُراد به شهيد على ما آمن به وصدّقه، فيكون ذلك وجها، وإن كان فيه بعض البعد، لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه، إذا أطلق بغير وصل، فتأويل قوله: ( وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) إذن: والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله، أو هلكوا في سبيله عند ربهم، لهم ثواب الله إياهم في الآخرة ونورهم.

وقوله: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) يقول تعالى ذكره: والذين كفروا بالله وكذّبوا بأدلته وحججه، أولئك أصحاب الجحيم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم اختلف في الشهداء هل هو مقطوع مما قبل أو متصل به .

فقال مجاهد وزيد بن أسلم : إن الشهداء والصديقين هم المؤمنون وأنه متصل ، وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يوقف على هذا على قوله : الصديقون وهذا قول ابن مسعود في تأويل الآية .

قال القشيري قال الله تعالى : فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فالصديقون هم الذين يتلون الأنبياء ، والشهداء هم الذين يتلون الصديقين ، والصالحون يتلون الشهداء ، فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدق بالرسل ، أعني والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء .

ويكون المعني بالشهداء من شهد لله بالوحدانية ، فيكون صديق فوق صديق في الدرجات ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أهل الجنات العلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الذي [ ص: 229 ] في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما وروي عن ابن عباس ومسروق أن الشهداء غير الصديقين .

فالشهداء على هذا منفصل مما قبله والوقف على قوله : الصديقون حسن .

والمعنى والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم أي : لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم .

وفيهم قولان ؛ أحدهما : أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب ؛ قاله الكلبي ، ودليله قوله تعالى : وجئنا بك على هؤلاء شهيدا .

الثاني : أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة ، وفيما يشهدون به قولان ؛ أحدهما : أنهم يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية .

وهذا معنى قول مجاهد ، الثاني : يشهدون لأنبيائهم بتبليغهم الرسالة إلى أممهم ؛ قاله الكلبي .

وقال مقاتل قولا ثالثا : إنهم القتلى في سبيل الله تعالى .

ونحوه عن ابن عباس أيضا ، قال : أراد شهداء المؤمنين .

والواو واو الابتداء .

والصديقون على هذا القول مقطوع من الشهداء .وقد اختلف في تعيينهم ، فقال الضحاك : هم ثمانية نفر ، أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة .

وتابعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ، ألحقه الله بهم لما صدق نبيه صلى الله عليه وسلم .

وقال مقاتل بن حيان : الصديقون هم الذين آمنوا بالرسل ولم يكذبوهم طرفة عين ، مثل مؤمن آل فرعون ، وصاحب آل ياسين ، وأبي بكر الصديق ، وأصحاب الأخدود .قوله تعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أي : بالرسل والمعجزات أولئك أصحاب الجحيم فلا أجر لهم ولا نور .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } والإيمان عند أهل السنة: هو ما دل عليه الكتاب والسنة، هو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فيشمل ذلك جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، فالذين جمعوا بين هذه الأمور هم الصديقون أي: الذين مرتبتهم فوق مرتبة عموم المؤمنين، ودون مرتبة الأنبياء.[وقوله:] { وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } كما ورد في الحديث الصحيح: { إن في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله } وهذا يقتضي شدة علوهم ورفعتهم، وقربهم الله تعالى.{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } فهذه الآيات جمعت أصناف الخلق، المتصدقين، والصديقين، والشهداء، وأصحاب الجحيم، فالمتصدقون الذين كان جل عملهم الإحسان إلى الخلق، وبذل النفع إليهم بغاية ما يمكنهم، خصوصا بالنفع بالمال في سبيل الله.والصديقون هم الذين كملوا مراتب الإيمان والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق، والشهداء هم الذين قاتلوا في سبيل الله [لإعلاء كلمة الله، وبذلوا أنفسهم وأموالهم] فقتلوا، وأصحاب الجحيم هم الكفار الذين كذبوا بآيات الله.وبقي قسم ذكرهم الله في سورة فاطر، وهم المقتصدون الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، إلا أنهم حصل منهم تقصير ببعض حقوق الله وحقوق عباده، فهؤلاء مآلهم الجنة، وإن حصل لهم عقوبة ببعض ما فعلوا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) والصديق : الكثير الصدق ، قال مجاهد : كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق وتلا هذه الآية .

قال الضحاك : هم ثمانية نفر من هذه الأمة ، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام : أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته .

( والشهداء عند ربهم ) اختلفوا في نظم هذه الآية ، منهم من قال : هي متصلة بما قبلها ، و " الواو " واو النسق ، وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين .

قال الضحاك : هم الذين سميناهم .

قال مجاهد : كل مؤمن صديق شهيد ، وتلا هذه الآية .

وقال قوم : تم الكلام عند قوله : " هم الصديقون " ثم ابتدأ فقال : والشهداء عند ربهم ، و " الواو " واو الاستئناف ، وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة .

ثم اختلفوا فيهم فقال قوم : هم الأنبياء الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة ، يروى ذلك عن ابن عباس هو قول مقاتل بن حيان .

وقال مقاتل بن سليمان : هم الذين استشهدوا في سبيل الله .

( لهم أجرهم ) بما عملوا من العمل الصالح ( ونورهم ) على الصراط ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون» المبالغون في التصديق «والشهداء عند ربهم» على المكذبين من الأمم «لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا» الدالة على وحدانيتنا «أولئك أصحاب الجحيم» النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرِّقوا بين أحد منهم، أولئك هم الصديقون الذين كمُل تصديقهم بما جاءت به الرسل، اعتقادًا وقولا وعملا، والشهداء عند ربهم لهم ثوابهم الجزيل عند الله، ونورهم العظيم يوم القيامة، والذين كفروا وكذَّبوا بأدلتنا وحججنا أولئك أصحاب الجحيم، فلا أجر لهم، ولا نور.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ ) مبتدأ .وقوله : ( أولئك هُمُ الصديقون ) خبره ، والذين آمنوا بالله ورسله إيمانا حقا - لهم منزلة الصديقين : منزلة المبالغين فى الصدق واليقين .فالصديق - بتشديد الدال - هو المبالغ فى الصدق بما جاءه به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى تنفيذ ما كلف به تنفيذا تاما .( والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ ) وهم الذين استشهدوا فى سبيل الله - تعالى - : ( لَهُمْ أَجْرُهُمْ ) العظيم عند الله - تعالى - ( وَنُورُهُمْ ) الذى يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة لهم كذلك .فعلى هذا التفسير يكون قوله : ( والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ ) مبتدأ ، وجملة ( لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) ، خبره ، ويكون الوقف على ( الصديقون ) وقفا تاما .

.

.

والضمائر فى ( لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) للشهداء .ويصح أن يكون قوله ( والشهدآء ) معطوف على ( الصديقون ) عطف المفرد على المفرد ، فهو عطف على الخبر ، أى : وهم الشهداء عند ربهم .

.

.

ويكون الموقف على الشهداء تاما ، وأخبر - سبحانه - عن الذين آمنوا بالله ورسله ، أنهم صديقون وشهداء .والمعنى على هذا الوجه : والذين آمنوا بالله ورسله ، أولئك هم الذين فى حكمه - تعالى - بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة ، ورفعة الدرجة .وقوله - تعالى - : ( عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) أى : للذين آمنوا بالله ورسله عند ربهم ، مثل أجر الصديقين والشهداء ولهم مثل نورهم يوم القيامة ، وناهيك به من أجر عظيم ، ونور عميم .وحذف ما يفيد التشبيه فى الجملتين ، للتنبيه على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : يريد أن المؤمنين بالله ورسله ، هم عند الله - تعالى - بمنزلة الصديقين والشهداء ، وهم الذين سبقوا إلى التصديق ، واستشهدوا فى سبيل الله .وقوله : ( لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) أى : لهم مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم .فإن قلت : كيف يسوى بينهم فى الأجر ولا بد من التفاوت؟

قلت : المعنى أن الله - تعالى - يعطى الذين آمنوا بالله ورسله أجرهم .

ويضاعفه لهم بفضله .

حتى يساوى أجرهم مع أضعافه ، أجر أولئك ، أى : أجر الصديقين والشهداء .ويجوز أن يكون قوله : ( والشهدآء ) مبتدأ ، وقوله ، ( لَهُمْ أَجْرُهُمْ ) خبره .

.وقوله - تعالى - : ( والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أولئك أَصْحَابُ الجحيم ) بيان لسوء عاقبة الكافرين ، بعد بيان حسن عاقبة المؤمنين الصادقين .أى : والذين كفروا بالله ورسله ، وكذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا أولئك أصحاب الجحيم ، الملازمون له ملازمة الشى لصاحبه .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حضت المؤمنين على المواظبة على ذكر الله - تعالى - وطاعته ونهتهم عن التشبه بالذين قست قلوبهم ، وبشرت المصدقين والمصدقات ، والذين آمنوا بالله - تعالى - وبرسله إيمانا حقا .

.

.

بالأجر العظيم ، وبالعطاء الجزيل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية حال المؤمنين والمنافقين، وذكر الآن حال المؤمنين وحال الكافرين، ثم في الآية مسألتان: المسألة الأولى: الصديق نعت لمن كثر منه الصدق، وجمع صدقاً إلى صدق في الإيمان بالله تعالى ورسله وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أن الآية عامة في كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب مجاهد قال: كل من آمن بالله ورسله فهو صديق ثم قرأ هذه الآية، ويدل على هذا ما روي عن ابن عباس في قوله: ﴿ هُمُ الصديقون ﴾ أي الموحدون الثاني: أن الآية خاصة، وهو قول المقاتلين: أن الصديقين هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوا ساعة قط مثل آل ياسين، ومثل مؤمن آل فرعون، وأما في ديننا فهم ثمانية سبقوا أهل الأرض إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ والشهداء ﴾ فيه قولان: الأول: أنه عطف على الآية الأولى والتقدير: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء، قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد وتلا هذه الآية، جذا القول اختلفوا في أنه لم سمي كل مؤمن شهيد؟

فقال بعضهم لأن المؤمنين هم الشهداء عند ربهم على العباد في أعمالهم، والمراد أنهم عدول الآخرة الذي تقبل شهادتهم، وقال الحسن: السبب في هذا الاسم أن كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه، وقال الأصم: كل مؤمن شهيد لأنه قائم لله تعالى بالشهادة فيما تعبدهم به من وجوب الإيمان ووجوب الطاعات وحرمة الكفر والمعاصي، وقال أبو مسلم: قد ذكرنا أن الصديق نعت لمن كثر منه الصدق وجمع صدقاً إلى صدق في الإيمان بالله تعالى ورسله فصاروا بذلك شهداء على غيرهم القول الثاني: أن قوله: ﴿ والشهداء ﴾ ليس عطفاً على ما تقدم بل هو مبتدأ، وخبره قوله: ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ أو يكون ذلك صفة وخبره هو قوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ وعلى هذا القول اختلفوا في المراد من الشهداء، فقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً  ﴾ وقال مقاتل ومحمد بن جرير: الشهداء هم الذين استشهدوا في سبيل الله، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تعدون الشهداء فيكم؟» قالوا: المقتول، فقال: «إن شهداء أمتي إذاً لقليل»، ثم ذكر أن المقتول شهيد، والمبطون شهيد، والمطعون شهيد الحديث.

واعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين، أتبعه بذكر حال الكافرين فقال: ﴿ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا أولئك أصحاب الجحيم ﴾ .

ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا وكمال حال الآخرة فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يريد أنّ المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصدّيقين والشهداء؛ وهم الذي سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾ أي: مثل أجر الصدّيقين والشهداء ومثل نورهم.

فإن قلت: كيف يسوّي بينهم في الأجر ولا بدّ من التفاوت؟

قلت: المعنى أنّ الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله، حتى يساوى أجرهم مع إضعافه أجر أولئك.

ويجوز أن يكون ﴿ والشهدآء ﴾ مبتدأ، و ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ خبره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ أُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ الصَّدِيقِينَ والشُّهَداءِ، أوْ هُمُ المُبالِغُونَ في الصِّدْقِ فَإنَّهم آمَنُوا وصَدَّقُوا جَمِيعَ أخْبارِ اللَّهِ ورُسُلِهِ والقائِمُونَ بِالشَّهادَةِ لِلَّهِ ولَهُمْ، أوْ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقِيلَ: ﴿ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والمُرادُ بِهِ الأنْبِياءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ أوِ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ.

﴿ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ ﴾ مِثْلَ أجْرِ الصَّدِيقِينَ والشُّهَداءِ ومِثْلَ نُورِهِمْ ولَكِنَّهُ مِن غَيْرِ تَضْعِيفٍ لِيَحِلَّ التَّفاوُتُ، أوِ الأجْرُ والنُّورُ المَوْعُودانِ لَهم.

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخُلُودَ في النّارِ مَخْصُوصٌ بِالكُفّارِ مِن حَيْثُ إنَّ التَّرْكِيبَ يُشْعِرُ بِالِاخْتِصاصِ والصُّحْبَةُ تَدُلُّ عَلى المُلازَمَةِ عُرْفًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين آمنوا بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون والشهداء عِندَ رَبّهِمْ} يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} أي مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ويجوز أن يكون والشهداء مبتدأ ولهم

أجرهم خبره {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ قَدْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إيمانِهِمْ في خاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وهو إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ هُمُ ﴾ مُبْتَدَأٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ ﴾ خَبَرُ الثّالِثِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الثّانِي وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرُ الأوَّلِ أوْ هم ضَمِيرُ فَصْلٍ وما بَعْدَهُ خَبَرُ الثّانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى ما قِيلَ: بِالثُّبُوتِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الجُمْلَةُ أيْ أُولَئِكَ عِنْدَ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ وفي حُكْمِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ.

والمُرادُ أُولَئِكَ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ المَشْهُورِينَ بِعُلُوِّ الرُّتْبَةِ ورَفْعَةِ المَحَلِّ وهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى التَّصْدِيقِ ورَسَخُوا فِيهِ واسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ وسُمِّيَ مَن قُتِلَ مُجاهِدًا في سَبِيلِهِ شَهِيدًا لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ومَلائِكَتَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ شُهُودٌ لَهُ بِالجَنَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ كَأنَّهُ شاهِدٌ أيَّ حاضِرٌ، وقِيلَ: لِأنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ تَشْهَدُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ شَهِدَ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الكَرامَةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ فَهو إمّا فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى اخْتِلافِ التَّأْوِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ.

أوْ ( لَهم ) الخَبَرُ وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وضَمِيرُ ( لَهم ) لِلْمَوْصُولِ، والضَّمِيرانِ الأخِيرانِ لِلصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ، والغَرَضُ بَيانُ ثَمَراتِ ما وُصِفُوا بِهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ أيْ أُولَئِكَ لَهم مِثْلُ أجْرِ الصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ ونُورِهِمُ المَعْرُوفِينَ بِغايَةِ الكَمالِ وعِزَّةِ المَنالِ، وقَدْ حُذِفَ أداةُ التَّشْبِيهِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ المُماثَلَةِ وبُلُوغِها حَدَّ الِاتِّحادِ كَما فَعَلَ ذَلِكَ أوَّلًا حَيْثُ قِيلَ: أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ ولَيْسَتِ المُماثَلَةُ بَيْنَ ما لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مِنَ الأجْرِ والنُّورِ.

وبَيْنَ تَمامِ ما لِلْفَرِيقَيْنِ الأخِيرَيْنِ بَلْ بَيْنَ تَمامِ ما لِلْأوَّلِ مِنَ الأصْلِ والإضْعافِ وبَيْنَ ما لِلْأخِيرَيْنِ مِنَ الأصْلِ بِدُونِ الإضْعافِ، فالإضْعافُ هو الَّذِي امْتازَ بِهِ الفَرِيقانِ الأخِيرانِ عَلى الفَرِيقِ الأوَّلِ وقَدْ لا يُعْتَبَرُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ في الكَلامِ أصْلًا ويَبْقى عَلى ظاهِرِهِ والضَّمائِرُ كُلُّها لِلْمَوْصُولِ أيْ أُولَئِكَ هُمُ المُبالِغُونَ في الصِّدْقِ حَيْثُ آمَنُوا وصَدَّقُوا جَمِيعَ أخْبارِ اللَّهِ تَعالى وأخْبارِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والقائِمُونَ بِالشَّهادَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ ولَهم بِما يَلِيقُ بِهِمْ مِن ذَلِكَ لَهُمُ الأجْرُ والنُّورُ المَوْعُودانِ لَهم، وقالَ بَعْضُهم: وصَفَهم بِالشَّهادَةِ لِكَوْنِهِمْ شُهَداءَ عَلى النّاسِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ  ﴾ فَعِنْدَ رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِالشُّهَداءِ، والمُرادُ والشُّهَداءُ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِالشُّهَداءِ أيْضًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عَلى مَعْنى الَّذِينَ شَهِدُوا مَزِيدَ الكَرامَةِ بِالقَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ أوْ في حَظِيرَةِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ويَشْهَدُ لِكَوْنِ الشُّهَداءِ مَعْطُوفًا عَلى الصِّدِّيقِينَ آثارٌ كَثِيرَةٌ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «إنَّ مُؤْمِنِي أُمَّتِي شُهَداءُ، ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ » وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ يَوْمًا لِقَوْمٍ عِنْدَهُ: كُلُّكم صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ قِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ يا أبا هُرَيْرَةَ ؟

قالَ: اقْرَؤُوا ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ الآيَةَ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ ثُمَّ تَلا الآيَةَ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجَهْنَيِّ قالَ: ««جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ شَهِدْتُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وصَلَّيْتُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ وأدَّيْتُ الزَّكاةَ وصُمْتُ رَمَضانَ وقُمْتُهُ فَمِمَّنْ أنا ؟

قالَ: مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ»» ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى مَن لَهم كَما في ذَلِكَ يُعْتَدُّ بِهِ ولا يَتَحَقَّقُ إلّا بِفِعْلِ طاعاتٍ يُعْتَدُّ بِها وإلّا فَيَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ المُنْهَمِكُ في الشَّهَواتِ الغافِلُ عَنِ الطّاعاتِ صَدِّيقًا شَهِيدًا، ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِما جاءَ مِن حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «ما لَكم إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَخْتَرِقُ أعْراضَ النّاسِ أنْ لا تَعِيبُوا عَلَيْهِ ؟

قالُوا: نَخافُ لِسانَهُ قالَ: ذَلِكَ أحْرى أنْ لا تَكُونُوا شُهَداءَ»، قالَ ابْنُ الأثِيرِ: أيْ إذا لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمْ تَكُونُوا في جُمْلَةِ الشُّهَداءِ الَّذِينَ يُسْتَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ أنْبِياءَها، وكَذا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اللَّعّانُونَ لا يَكُونُونَ شُهَداءَ» بِناءً عَلى أحَدِ قَوْلَيْنِ فِيهِ.

وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ إرادَةُ طائِفَةٍ مِن خَواصِّ المُؤْمِنِينَ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ مَخافَةَ الفِتْنَةِ عَلى نَفْسِهِ ودِينِهِ كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا فَإذا ماتَ قَبَضَهُ اللَّهُ شَهِيدًا وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ ﴾ ثُمَّ قالَ هَذِهِ فِيهِمْ ثُمَّ قالَ: الفَرّارُونَ بِدِينِهِمْ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ في دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ»» ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن قَوْلِهِ: «هَذِهِ فِيهِمْ» أنَّها صادِقَةٌ عَلَيْهِمْ وهم داخِلُونَ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويُقالُ: في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««مَعَ عِيسى في دَرَجَتِهِ»» المُرادُ مَعَهُ في مِثْلِ دَرَجَتِهِ وتُوَجَّهُ المُماثَلَةُ بِما مَرَّ والخَبَرُ إذا صَحَّ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ في الآيَةِ.

ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ في ثَمانِيَةِ نَفَرٍ سَبَقُوا أهْلَ الأرْضِ في زَمانِهِمْ إلى الإسْلامِ وهم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ وحَمْزَةُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وسَعْدٌ وزَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وهَذا لا يَضُرُّ في العُمُومِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: الشُّهَداءُ مُبْتَدَأٌ و ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ خَبَرُهُ، وقِيلَ: الخَبَرُ ﴿ لَهم أجْرُهُمْ ﴾ والكَلامُ عَلَيْهِما قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الصِّدِّيقُونَ ﴾ ، وأخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ قالا: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ هَذِهِ مَفْصُولَةٌ سَمّاهم صِدِّيقِينَ، ثُمَّ قالَ: والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم.

ورَوى جَماعَةٌ عَنْ مَسْرُوقٍ ما يُوافِقُهُ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالشُّهَداءِ عَلى هَذا فَقِيلَ: الشُّهَداءُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ عَلَيْهِمْ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَسْرُوقٍ ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ الشُّهَداءِ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، ومَن أنْصَفَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ كَما قالَ، وأنَّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ هو ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ النُّورُ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ عَلى حَقِيقَتِهِ وعَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والكَرامَةِ والبُشْرى.

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ أيْ بِجَمِيعِها عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها وهو إشارَةٌ إلى كُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعِهِمْ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ القَبِيحَةِ ﴿ أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ بِحَيْثُ لا يُفارِقُونَها أبَدًا [الحَدِيدَ: 20 - 29] <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ألم يجىء وقت تخاف قلوبهم، فترق قلوبهم.

يقال: إناءً يأني إناءً إذا حان وجاء وقته وأوانه.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد.

ثنا: أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدبيلي.

قال: حدّثنا أبو عبيد الله قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن القاسم قال، ملَّ أصحاب رسول الله  ملة، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً ثم ملوا ملَّة أخرى فقالوا: حدّثنا يا رسول الله.

فأنزل الله تعالى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ويقال: إن المسلمين قالوا لسلمان الفارسي: حدّثنا عن التوراة، فإن فيها عجائب.

فنزل نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ فكفوا عن السؤال، ثم سألوه عن ذلك، فنزلت هذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ترق قلوبهم لذكر الله وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ يعني: القرآن بذكر الحلال والحرام.

قرأ نافع، وعاصم، في رواية حفص وَما نَزَلَ بالتخفيف.

والباقون: بالتشديد على معنى التكثير، والمبالغة.

ثم وعظهم فقال: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يعني: ولا تكونوا في القسوة كاليهود، والنصارى، من قبل خروج النبيّ  فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ يعني: الأجل.

ويقال: خروج النبي  فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: جفّت، ويبست قلوبهم عن الإيمان، فلم يؤمنوا بالقرآن إلا قليل منهم وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: عاصون.

ويقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: المنافقين الذين آمنوا بلسانهم دون قلوبهم.

وقال أبو الدرداء: استعيذوا بالله من خشوع النفاق.

قيل: وما خشوع النفاق؟

قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع.

قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ يعني: يصلح الأرض، فاعتبروا بذلك بَعْدَ مَوْتِها يعني: بعد يبسها، وقحطها، فكذلك يحيي القلوب بالقرآن، ويصلح بعد قساوتها حتى تلين، كما أحيا الأرض كذلك بعد موتها بالمطر.

قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ يعني: العلامات في القرآن لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يعني: لكي تعقلوا أمر البعث كذلك إنكم أيضاً تبعثون.

قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ كليهما بالتخفيف، والباقون: بالتشديد.

فمن قرأ بالتخفيف، فمعناه: إن المؤمنين من الرجال، والمؤمنات من النساء، فمن صدق الله ورسوله ورضي بما جاء به النبيّ  .

ومن قرأ: بالتشديد.

يعني: المتصدقين من الرجال، والمتصدقات من النساء، فأدغمت التاء في الصاد، وشددت.

وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني: يتصدقون، محتسبين بطبيعة أنفسهم، صادقين من قلوبهم يُضاعَفُ لَهُمْ الحسنات، والثواب بكل واحد عشرة إلى سبعمائة، إلى ما لا يحصى، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ يعني: ثواباً حسناً في الجنة.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: صدّقوا بتوحيد الله، وصدقوا بجميع الرسل، أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والصدِّيق: اسم المبالغة في الفعل.

يقال: رجل صدِّيق، كثير الصدق.

وقال ابن عباس  : فمن آمن بالله ورسله فهو من الصدِّيقين.

ثم قال: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال مقاتل: هذا استئناف فقال: الشُّهَداءُ يعني: من استشهد عند ربهم.

يعني: يطلب شهادة على الأمم لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني: ثوابهم وَنُورُهُمْ ويقال: هذا بناء على الأول.

يعني: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة.

ويقال: معناه أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون وَأُوْلَئِكَ هُمُ الشهداء عند ربهم، ويكون لهم أجرهم، ونورهم.

قال مجاهد: كل مؤمن صديق، شهيد.

ثم وصف حال الكفار فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بوحدانية الله تعالى وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: جحدوا بالقرآن أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ: ابتداء معنى مستأنف، ومعنى أَلَمْ يَأْنِ: ألم يَحِنْ يقال: أنى الشَّيْءُ يأني إذَا حَانَ، وفي الآية معنى الحَضِّ والتقريع، قال ابن عباس: عُوتِبَ المؤمنون بهذه الآية «١» ، وهذه الآية كانت سَبَبَ توبة الفُضَيْلِ وابن المبارك، والخشوع:

الإخبات والتضامن/ وهي هيئة تظهر في الجوارحَ متى كانت في القلب ولذلك خَصَّ تعالى القلبَ بالذكر، وروى شداد بن أوس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الخُشُوعُ» «٢» .

وقوله تعالى: لِذِكْرِ اللَّهِ أي: لأجل ذكر اللَّه تعالى ووحيه، أو لأجل تذكير اللَّه إيَّاهم وأوامره فيهم، والإشارة في قوله: أُوتُوا الْكِتابَ إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى ع ولذلك قال: مِنْ قَبْلُ وَإنَّما شَبَّه أهل عصر نبيٍّ [بأهل عصر نبيٍّ] .

وقوله: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ قيل: معناه: أَمد الحياة، وقيل: أمد انتظار القيامة، قال الفخر «٣» : وقال مقاتل بن حيان: الأمد هنا: الأمل، أي: لما طالت آمالُهم، لا جَرَمَ قَسَتْ قلوبهم، انتهى، وباقي الآية بيّن.

وقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ...

الآية، مخاطبة لهؤلاء المؤمنين الذين نُدِبُوا إلى الخشوع، وهذا ضرب مَثَلٍ، واستدعاء إلى الخير برفق وتقريب بليغ، أي: لا يبعد عندكم أَيُّها التاركون للخشوع رُجُوعُكُمْ إليه وتلبسكم به، فإنَّ اللَّه يحيي الأرضَ بعد موتها، فكذلك يفعل بالقلوب، يرُدُّهَا إلى الخشوع بعد بُعْدِهَا عنه، وترجع هي إليه إذا وقعت الإنابةُ والتَّكَسُّبُ من العبد بعد نفورها منه، كما يحيي الأرضَ بعد أَنْ كانت ميتة، وباقي الآية بين، والْمُصَّدِّقِينَ: يعني به المتصدقين، وباقي الآية بين.

ت: وقد جاءت آثار صحيحة في الحَضِّ على الصدقة، قد ذكرنا منها جملة في هذا المختصر، وأسند مالك في «الموطأ» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «يَا نِسَاءَ المُؤْمِنَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقاً» «١» وفي «الموطأ» عنه صلّى الله عليه وسلّم/ «رُدُّواْ السَّائِلَ وَلَوْ بِظَلِفٍ مُحْْرَّقٍ» «٢» قال ابن عبد البر في «التمهيد» : ففي هذا الحديث الحَضُّ على الصدقة بكل ما أمكن من قليل الأشياء وكثيرها، وفي قول الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: ٧] : أوضح الدلائل في هذا الباب، وتصدقت عائشةُ- رضي اللَّه عنها- بحبتين من عنب، فنظر إليها بَعْضُ أهل بيتها فقالت: لا تَعْجَبْنَ فكم فيها من مثقال ذرة، ومن هذا الباب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طيّبة» «٣» وإذا كان الله عز وجل يُرْبي الصدقاتِ، ويأخذ الصدقةَ بيمينه فَيُرَبِّيَهَا، كما يُرَبِّي أَحَدُنَا فَلَوَّه أَوْ فَصِيلَهُ- فما بالُ مَنْ عَرَفَ هذا يَغْفُلُ عنه!

وما التوفيق إلاَّ باللَّه، انتهى من «التمهيد» ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا حرملة بن عمران أَنَّهُ سَمِعَ يزيد بن أبى حَبِيبٍ يحدّث

أَنَّ أبا الخَيْرِ حدَّثه: أنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «كلّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» «١» قال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يومٌ إلاَّ تصدق فيه بشيء، ولو كَعْكَةً أو بصلة أو كذا، انتهى، والصِّدِّيقُونَ: بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق على ما ذكر الزَّجَّاج «٢» .

وقوله تعالى: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ: اخْتُلِفَ في تأويله فقال ابن مسعود وجماعة:

وَالشُّهَداءُ: معطوف على: الصِّدِّيقُونَ والكلامُ متَّصل، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاتصال، فقال بعضها: وَصَفَ اللَّه المؤمنين بأَنَّهم صديقون وشهداء، فَكُلُّ مؤمن شهيد/ قاله مجاهد «٣» ، وروى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَدَاءُ، وَتَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية «٤» وإنّما خصّ صلّى الله عليه وسلّم ذكر الشهداء السبعة تشريفاً لهم لأَنَّهُم في أعلى رتب الشهادة أَلاَ ترى أَنَّ المقتولَ في سبيل اللَّه مخصوصٌ أيضاً من السبعة بتشريف ينفرد به، وقال بعضها: الشُّهَداءُ هنا: من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد، فكأَنَّه قال: هم أهل الصدق والشهداءُ على الأمم، وقال ابن عباس، ومسروق، والضحاك «٥» : الكلام تامٌّ في قوله: الصِّدِّيقُونَ، وقوله: وَالشُّهَداءُ: ابتداءٌ مستأنف،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا بِتَخْفِيفِ الصّادِ فِيهِما عَلى مَعْنى التَّصْدِيقِ وقَرَأ الباقُونَ، بِالتَّشْدِيدِ عَلى مَعْنى الصَّدَقَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ والفَرّاءِ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها عَلى نَظْمِها.

والواوُ في "والشُّهَداءُ" .

واوُ النَّسَقِ.

ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ شَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وهم ثَمانِيَةُ نَفَرٍ سَبَقُوا إلى الإسْلامِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وزَيْدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وفي الشُّهَداءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ شاهِدٍ.

ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الشّاهِدُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ لِلَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ شَهِيدٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ والشُهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إنْ المُصَّدِّقِينَ" بِتَشْدِيدِ الصادِ المَفْتُوحَةِ، عَلى مَعْنى المُتَصَدِّقِينَ، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ المُتَصَدِّقِينَ"، بِالتاءِ، وهو يُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ، وأيْضًا فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ مُلائِمًا في الكَلامِ لِلصَّدَقَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "إنَّ المُصَدِّقِينَ" بِتَخْفِيفِ الصادِ، عَلى مَعْنى الَّذِينَ صَدَّقُوا رَسُولَ اللهِ  فِيما بَلَغَ عَنِ اللهِ تَعالى، وآمَنُوا بِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةُ أنَّها أكْثَرُ تَناوُلًا مِمَّنْ لا يَتَصَدَّقُ يَعُمُّهُ اللَفْظَةُ في التَصْدِيقِ، ثُمَّ إنَّ تَقْيِيدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَأقْرَضُوا اللهَ" يَرُدُّ مَقْصِدَ القِراءَتَيْنِ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ : إنَّ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا، ولا يَصِحُّ هُنا عَطْفٌ لَفْظِيٌّ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "القَرْضِ" ومَعْنى "المُضاعَفَةِ" الَّتِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِها هَذِهِ الأُمَّةَ، تَقَدَّمَ مَعْنى وصْفِ الأجْرِ بِالكَرَمِ، كُلُّ ذَلِكَ في هَذِهِ السُورَةِ.

ويُؤَيِّدُ عِنْدِي قِراءَةَ مَن قَرَأ: "إنَّ المُصَّدِّقِينَ" بِشَدِّ الصادِ إنَّ اللهَ تَعالى حَضَّ في هَذِهِ السُورَةِ عَلى الإنْفاقِ وفي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ أهْلَ الصَدَقَةِ ووَعَدَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أهْلَ الإيمانِ والتَصْدِيقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ﴾ ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "إنْ المُصَدِّقِينَ" بِتَخْفِيفِ الصادِ فَذِكْرُ المُؤْمِنِينَ مُكَرَّرٌ في اللَفْظِ، وكَوْنُ الأصْنافِ مُفْرَدَةً بِأحْكامِها مِنَ الوَعْدِ أبْيَنُ، والإيمانُ بِمُحَمَّدٍ  يَقْتَضِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "وَرُسُلِهِ".

و"الصِدِّيقُونَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصِدْقِ، أو مِنَ التَصْدِيقِ عَلى ما ذَكَرَ الزَجّاجُ: "وَفَعِيلٌ لا يَكُونُ -فِيما أحْفَظُهُ- إلّا مِن فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ، وقَدْ أشارَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ يَجِيءُ مِن غَيْرِ الثُلاثِيِّ، وقالَ: "مَسِيكٌ" مَن "أُمْسِكُ"، وأقُولُ إنَّهُ يُقالُ: مَسَّكَ الرَجُلَ، وقَدْ حَكى: مَسَّكَ الشَيْءَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشُهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: "والشُهَداءُ" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "الصِدِّيقُونَ" والكَلامُ مُتَّصِلٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى هَذا الِاتِّصالِ، فَقالَ بَعْضُها: وصَفَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ وشُهَداءُ، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ شَهِيدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ورَوى البَراءُ بْن عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَداءُ"، وتَلا رَسُولُ اللهِ  هَذِهِ الآيَةَ،» وإنَّما خَصَّ رَسُولُ اللهِ  ذِكْرَ الشُهَداءِ السَبْعَةِ تَشْرِيفًا، ولِأنَّهم في أعْلى رُتَبِ الشَهادَةِ، ألا تَرى أنَّ المَقْتُولَ في سَبِيلِ اللهِ مَخْصُوصٌ أيْضًا مِنَ السَبْعَةِ بِتَشْرِيفٍ يَنْفَرِدُ بِهِ، وقالَ بَعْضُها: وصَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ وشُهَداءُ لَكِنَّ مِن مَعْنى الشاهِدِ لا مِن مَعْنى الشَهِيدِ، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ  ﴾ ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: هم أهْلُ الصِدْقِ والشَهادَةِ عَلى الأُمَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٌ، والضَحّاكُ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "والشُهَداءُ" ابْتِداءٌ مُسْتَأْنَفٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى هَذا الِاسْتِئْنافِ، فَقالَ بَعْضُها: مَعْنى الآيَةِ: والشُهَداءُ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ حاضِرُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ.

وعَنى بِـ"الشُهَداءِ" الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، فَكَأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ يَشْهَدُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم صِدِّيقُونَ، وهَذا يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا  ﴾ ، وقالَ بَعْضُها: قَوْلُهُ تَعالى: "والشُهَداءُ" ابْتِداءٌ يُرِيدُ بِهِ الشُهَداءَ في سَبِيلِ اللهِ، واسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عنهم بِأنَّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى جَعَلَهم صِنْفًا مَذْكُورًا وحْدَهُ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ العُلْيا يَراهم مِن دُونِهِمْ كَما تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُرِّيَّ، وإنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ مِنهم وأنْعَما".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ ﴾ خَبَرٌ عَنِ الشُهَداءِ فَقَطْ عَلى الأخِيرِ مِنَ الأقْوالِ، وهو خَبَرٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى الأقْوالِ الثَلاثَةِ الأُوَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُورُهُمْ" قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ هو حَقِيقَةٌ حَسَبَ ما رُوِيَ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُورَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: هو مُجازى عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والكَرامَةِ والبُشْرى الَّتِي حَصَلُوا فِيها.

ولَمّا فَرَعَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وأهْلُ الكَرامَةِ عَقَّبَ تَعالى بِذِكْرِ الكَفَرَةِ المُكَذِّبِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، فَذَكَّرَهم تَعالى بِأنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ وسُكّانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ والذين ءَامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أولئك هُمُ الصديقون ﴾ لما ذكر فضل المتصدقين وكان من المؤمنين من لا مال له ليتصدق منه أعقب ذكر المتصدقين ببيان فضل المؤمنين مطلقاً، وهو شامل لمن يستطيع أن يتصدق ومن لا يستطيع على نحو التذكير المتقدم آنفاً في قوله: ﴿ وكلاًّ وعد الله الحسنى ﴾ [النساء: 95].

وفي الحديث: «إن قوماً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدُثور بالأجور يصلّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ولا أموال لنا، فقال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدَّقون به، إن لكم في كل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة».

و ﴿ الذين آمنوا ﴾ يعم كل من ثبت له مضمون هذه الصلة وما عطف عليها.

وفي جمع ﴿ ورسله ﴾ تعريض بأهل الكتاب الذين قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فاليهود آمنوا بالله وبموسى، وكفروا بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون آمنوا برسل الله كلهم، ولذلك وصفوا بأنهم الصدّيقون.

والصدّيق بتشديد الدال مبالغة في المُصَدِّق مثل المسِّيك للشحيح، أي كثير الإِمساك لماله، والأكثر أن يشتق هذا الوزن من الثلاثي مثل: الضلّيل، وقد يشتق من المزيد، وذلك أن الصيغ القليلة الاستعمال يتوسعون فيها كما توسع في السّميع بمعنى المُسْمِع في بيت عمرو بن معد يكرب، والحكيم بمعنى المحكم في أسماء الله تعالى، وإنما وصفوا بأنهم صدّيقون لأنهم صدّقوا جميع الرسل الحقِّ ولم تمنعهم عن ذلك عصبية ولا عناد، وقد تقدم في سورة يوسف وصفه بالصدّيق ووصفت مريم بالصدّيقة في سورة العقود.

وضمير الفصل للقصر وهو قصر إضافي، أي هم الصدّيقون لا الذين كذّبوا بعضَ الرسل وهذا إبطال لأن يكون أهل الكتاب صدّيقين لأن تصديقهم رسولهم لا جدوى له إذ لم يصدّقوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم واسم الإِشارة للتنويه بشأنهم وللتنبيه على أن المشار إليهم استحقوا ما يرد بعد اسم الإِشارة من أجل الصفات التي قبل اسم الإِشارة.

﴿ الصديقون والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ .

يجوز أن يكون عطفاً على ﴿ الصديقون ﴾ عطفَ المفرد على المفرد فهو عطف على الخبر، أي وهم الشهداء.

وحكي هذا التأويل عن ابن مسعود ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة.

فقيل: معنى كونهم شهداء: أنهم شهداء على الأمم يوم الجزاء، قال تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ [البقرة: 143]، فالشهادة تكون بمعنى الخبر بما يُثبت حقاً يجازى عليه بخير أو شر.

وقيل معناه: أن مؤمني هذه الأمة كشهداء الأمم، أي كقتلاهم في سبيل الله وروي عن البراء بن عازب يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكون جملة ﴿ عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴾ استئنافاً بيانياً نشأ عن وصفهم بتينك الصفتين فإن السامع يترقب ما هو نَوَالهم من هذين الفضلين.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ والشهداء ﴾ مبتدأ وجملة ﴿ عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴾ خبر عن المبتدأ، ويكون العطف من عطف الجمل فيوقَف على قوله: ﴿ الصديقون ﴾ .

وحكي هذا التأويل عن ابن عباس ومسروق والضحاك فيكون انتقالاً من وصف مزية الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى وصف مزية فريق منهم استأثروا بفضيلة الشهادة في سبيل الله، وهذا من تتمة قوله: ﴿ وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ﴾ إلى قوله: ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ [الحديد: 10] فإنه لما نوّه بوعد المؤمنين المصدقين المعفيين من قوله: ﴿ وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم ﴾ [الحديد: 8] الخ فأوفاهم حقهم بقوله: ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ أقبل على وعد الشهداء في سبيل الله الذين تضمن ذكرهم قوله: ﴿ وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ﴾ [الحديد: 10] الآيات، فالشهداء إذن هم المقتولون في الجهاد في سبيل الله.

والمعنيَاننِ من الشهداء ممكن الجمع بينهما فتحمل الآية على إرادتهما على طريقة استعمال المشترك في معنييه.

وقد قررنا في مواضع كثيرة أنه جرى استعمال القرآن عليه.

وضميرا ﴿ أجرهم ﴾ و ﴿ نورهم ﴾ يعودان إلى الصدّيقين والشهداء أو إلى الشهداء فقط على اختلاف الوجهين المتقدمين آنفاً في العطف.

و ﴿ عند ربهم ﴾ متعلق بالاستقرار الذي في المجرور المخبر به عن المبتدأ، والتقدير: لهم أجرهم مستقر عند ربهم، والعندية مجازية مستعملة في العناية والحظوة.

والظاهر في عود الضمير إلى أن يكون عائداً إلى مذكور في اللفظ بمعناه المذكور فظاهر معنى ﴿ أجرهم ونورهم ﴾ أنه أجر أولئك المذكورين، ومعنى إضافة أجر ونور إلى ضميرهم أنه أجر يعرَّف بهم ونور يعرف بهم.

وإذ قد كان مقتضى الإضافة أن تفيد تعريف المضاف بنسبته إلى المضاف إليه وكان الأجر والنور غير معلومين للسامع كان في الكلام إبهام يكنى به عن أجر ونور عظيمين، فهو كناية عن التنويه بذلك الأجر وذلك النور، أي أجر ونور لا يوصفان إلا أجرهم ونورهم، أي أجراً ونوراً لائقَيْن بمقام، مع ضميمة ما أفادته العندية التي في قوله: ﴿ عند ربهم ﴾ من معنى الزلفى والعناية بهم المفيد عظيم الأجر والنور.

ويجوز أن يكون ضميرا ﴿ أجرهم ونورهم ﴾ عائدين إلى لفظي ﴿ الصديقون ﴾ و ﴿ الشهداء ﴾ أو إلى لفظ ﴿ الشهداء ﴾ خاصة على ما تقدم لكن بمعنى آخر غير المعنى الذي حمل عليه آنفاً بل بمعنى الصدّيقين والشهداء ممن كانوا قبلهم من الأمم، قاله في «الكشاف».

ومعنى الصديقين والشهداء حينئذٍ مغاير للمعنى السابق بالعموم والخصوص على طريقة الاستخدام في الضمير.

وطريقة التشبيه البليغ في حمل الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ بتقدير: لهم مثل أجرهم ونورهم، ولا تأويل في إضافة الأجر والنور إلى الضميرين بهذا المحمل فإن تعريف المضاف بَيّن لأنه قد تقرر في علم الناس ما وُعد به الصدّيقون والشهداء من الأمم الماضية قال تعالى في شأنهم: ﴿ وكانوا عليه شهداء ﴾ [المائدة: 44] وقال: ﴿ فأولئك مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ﴾ [النساء: 69].

وفائدة التشبيه على هذا الوجه تصوير قوة المشبه وإن كان أقوى من المشبه به لأن للأحوال السالفة من الشهرة والتحقق ما يقرِّب صورة المشبه عند المخاطب، ومنه ما في لفظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من التشبيه بقوله: «كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم».

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ .

تتميم اقتضاه ذكر أهل مراتب الإيمان والتنويه بهم، فأتبع ذلك بوصف أضدادهم لأن ذلك يزيد التنويه بهم بأن إيمانهم أنجاهم من الجحيم.

والمراد بالذين كفروا بالله وكذّبوا بالقرآن ما يشمل المشركين واليهودَ والنصارى على تفاوت بينهم في دركات الجحيم، فالمشركون استحقوا الجحيم من جميع جهات كفرهم، واليهود استحقوه من يوم كذبوا عيسى عليه السلام، والنصارى استحقّه بعضُهم حين أثبتوا لله ابناً وبعضهم من حين تكذيبهم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وفي استحضارهم بتعريف اسم الإشارة من التنبيه على أنهم جديرون بذلك لأجل الكفر والتكذيب نظيرُ ما تقدم في قوله: ﴿ أولئك هم الصديقون ﴾ .

ولم يؤت في خبرهم بضمير الفصل إذ لا يظن أن غيرهم أصحاب الجحيم.

والتعبير عنهم بأصحاب مضاف إلى الجحيم دلالة على شدة ملازمتهم للجحيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُصَدِّقِينَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

الثّانِي: المُتَصَدِّقِينَ بِأمْوالِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ بِتَصْدِيقِ اللَّهِ ورُسُلِهِ.

﴿ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وهُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ كَلامٌ تامٌّ.

وَقَوْلُهُ ﴿ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الرُّسُلُ يَشْهَدُونَ عَلى أُمَمِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهم أُمَمُ الرُّسُلِ يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

وَفِيما يَشْهَدُونَ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما يَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِما عَمِلُوا مِن طاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: يَشْهَدُونَ لِأنْبِيائِهِمْ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى أُمَمِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَقالَ مُقاتِلٌ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّهُمُ القَتْلى في سَبِيلِ اللَّهِ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يَعْنِي ثَوابَ أعْمالِهِمْ.

﴿ وَنُورُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُورُهم عَلى الصِّراطِ.

الثّانِي: إيمانُهم في الدُّنْيا، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ألمايان للذين آمنوا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أنس لا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن، فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون فسحب رداءه محمراً وجهه فقال: أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قالوا يا رسول الله: فما كفارة ذلك؟

قال: تبكون قدر ما ضحكتم» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قال: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أول ما يرفع من الناس الخشوع» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ﴾ يقول: ألم يحن للذين آمنوا.

وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ﴾ قال: تليين القلوب بعد قسوتها.

وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كان بين أسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ إلا أربع سنين.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن الزبير أن ابن مسعود أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون.

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ الآية أقبل بعضنا على بعض أي شيء أحدثنا؟

أي شيء صنعنا؟.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي رواد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ظهر منهم المزاح والضحك فنزلت ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذوا في شيء من المزاح فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعدما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا، فنزلت ﴿ ألم يأن للذين أمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن القاسم قال: ملّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ [ يوسف: 3] ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم ألا أن كل ما هو آت قريب، ألا إنما البعيد ما ليس بآت» .

وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فقالوا: أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، قالوا: لا بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم فاقتلوه فلن يختلف عليكم أحد بعده، فأرسلوا إليه فأخذ ورقة وكتب فيها كتاب الله ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليه الثياب فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: أتؤمن بهذا؟

فأومأ إلى صدره فقال: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟

يعني الكتاب الذي فيه القرآن فخلوا سبيله، وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات وجدوا الكتاب الذي فيه القرآن معلق عليه فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟

إنما عنى هذا الكتاب، فاختلف بنوا إسرائيل على بضع وسبعين ملة وخير مللهم أصحاب ذي القرآن.

قال عبدالله: وإن من بقي منكم سيرى منكراً وبحسب امرئ يرى منكراً لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه كاره له.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا تلا هذه الآية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ ثم قال: بلى يا رب بلى يا رب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية شداد بن أوس: أول ما يرفع من الناس الخشوع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ الأمد ﴾ قال: الدهر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: جمع أبو موسى الأشعري القراء فقال: لا يدخلن عليكم إلا من جمع القرآن، فدخلنا ثلاثمائة رجل فوعظنا وقال: أنتم قراء هذه البلد والله ليطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما: أن الآية عامة في كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب مجاهد، وقال: كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق، ثم قرأ هذه الآية (١) (٢) الثاني: أن الآية خاصة وهو قول المقاتلين، قال ابن سليمان: هم الذين لم يشكوا في الرسل ساعة حين أخبروهم (٣) وقال ابن حيان: هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوهم ساعة قط مثل حديث آل ياسين ومؤمن آل فرعون وأبي بكر الصديق (٤)  م ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته (٥) ومن قال بالطريقة الأولى قال: قوله: ﴿ وَالشُّهَدَاءُ ﴾ عطف على الآية الأولى.

والمعنى: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء.

قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد، ثم قال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ ﴾ (٦) وقال الضحاك: الشهداء هم الصديقون، وكانوا كلهم شهداء (٧) قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون (والشهداء) نسقًا على ما قبله، فيكون المعنى: أولئك هم الصديقون وأولئك هم الشهداء عند ربهم، ويكون ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾ للجماعة من الصديقين والشهداء (٨) وعند قوم من المفسرين هذه الآية مستأنفة.

قال مسروق: هذه للشهداء خاصة (٩) (١٠) وقال مقاتل بن حيان: الآية الأولى مفصولة ثم ذكر الشهداء وهم الأنبياء والرسل (١١) (١٢) وقال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: ﴿ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ ثم قال ﴿ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ يعني النبيين ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ ورفعت ﴿ الشُّهَدَاءُ ﴾ بقوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ ونحو هذا ذكر أبو إسحاق (١٣) (١) انظر: "جامع البيان" 27/ 133، و"معالم التزيل" 4/ 298، و"زاد المسير" 8/ 17.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 359، و"التفسير الكبير" 29/ 231.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.

(٤) انظر: "الوسيط" 4/ 251، و"التفسير الكبير" 29/ 231، و"فتح القدير" 5/ 173، وأبو بكر الصديق هو خليفة رسول الله -  - توفي سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة.

انظر: "الإصابة" 11/ 40، و"العبر" 1/ 13، و"صفة الصفوة" 1/ 235.

(٥) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 67 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 298، و"زاد المسير" 8/ 170، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 254.

(٦) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 298، و"التفسير الكبير" 29/ 232، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 312.

(٧) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 68 أ.

(٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 126 - 127.

(٩) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 276، و"جامع البيان" 27/ 133.

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.

(١١) انظر: "الوسيط" 4/ 251، و"معالم التنزيل" 4/ 298.

(١٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 133 - 134.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 135، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 126.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الصاد وأصله المتصدقين، وكذلك قرأ أبيّ بن كعب وقرأ بالتخفيف من التصديق، أي صدقوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿ وَأَقْرَضُواْ الله ﴾ معطوف على المعنى، كأنه قال إن الذين تصدقوا وأقرضوا، وقد ذكرنا معنى أقرضوا في قوله: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله ﴾ [الحديد: 11] ﴿ الصديقون ﴾ مبالغة من الصدق أو من التصديق، وكونه من الصدق أرجح؛ لأن صيغة فِعِّيل لا تبنى إلا من فعل ثلاثي في الأكثر، وقد حُكي بناؤها من رباعي كقولهم: رجل مِسِّك من أمسك ﴿ والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل أن يكون الشهداء مبتدأ وخبره ما بعده، أو يكون معطوفاً على الصديقين، فإن كان مبتدأ ففي المعنى قولان: أحدهما أنه جمع شهيد في سبيل الله فأخبر أنهم عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والآخر أنه جمع شاهد، ويراد به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنهم يشهدون على قومهم، وإن كان معطوفاً ففي المعنى قولان: أحدهما: أنه جمع شهيد فوصف الله المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء: أي جمعوا الوصفين، وروي في هذا المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مؤمنوا أمتي شهداء وتلا هذه الآية، والآخر أنه جمع شاهد، لأن المؤمنين يشهدون على الناس كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس ﴾ [البقرة: 143] ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾ هذا خبر عن الشهداء خاصة إن كان مبتدأ، أو خبر عن المؤمنين إن كان الشهداء معطوفاً، ونورهم هو النور الذي يكون لهم يوم القيامة، حسبما ذكره في هذه السورة، وقيل: هو عبارة عن الهدى والإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

﴿ وَمَا نَزَلَ ﴾ قرئ مخففا ومثقلا، فمن شدد لما سبق من ذكر الله  ، ومن خفف، جعل الفعل للحق.

ثم الآية تحتمل وجوهاً: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر، ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا ظاهراً وأظهروا الموافقة للمؤمنين ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: إذا ذكر الله ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: القرآن إذا يتلى عليهم، أي: يرق قلوبهم وتؤمن به؛ لأنهم كانوا يتربصون برسول الله  الدوائر، ويطمعون هلاكه، أمّن الله  المؤمنين من ذلك الخوف وآس أولئك عما تربصوا فيه من نزول الدوائر، فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ ظاهراً ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .

[على] هذا التأويل: أي: لا تكونوا كأولئك الذين تمادوا في الضلال وقساو القلوب؛ لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب.

ويحتمل أن يكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول الله  قبل أن يبعث فيقول: ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ به من قبل أن يبعث ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي كتابهم ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ وهو القرآن أن يؤمنوا به، كما كانوا آمنوا به لما وجدوا نعته في كتابهم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ...

﴾ الآية.

أي: لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب، ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ ﴾ أي: طال عليهم أن ينظروا في كتبهم؛ ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ بطول ترك نظرهم فيها، والله أعلم.

ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أتى للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم عند ذكر الله بالنظر والتأمل في ذلك؛ فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم عند ذكر الله، ويزداد لهم الإيمان واليقين؛ للنظر فيه والتفكر، وفهم ما فيه، والله أعلم.

والثاني: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر الله، ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ ، أي: لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره ولا تركزوا النظر فيه والتفكر، [كالذين] غفلوا عما فيه؛ فقست قلوبهم فلا تكونوا أنتم كهم؛ فتقسو قلوبكم كما قست قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، أي: كثير من أولئك الذين أوتوا الكتاب فاسقون؛ لتركهم النظر في الكتاب.

وجائز ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أي: المعاندون، والقليل منهم المقلدون؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ \[المؤمنون: 70\]، أي: معاندون، وهم الرؤساء والقادة الذين كابروا الرسل وعاندوهم إلا قليل منهم اتبعهم وقلدوهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ .

ذكر هذا ليس على أنهم لم يكونوا علموا أن الله هو يحيي الأرض بعد موتها، بل كانوا عالمين بذلك، لكنه ذكر كما ذكر لرسول الله  حيث قال: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، أي: أشعر قلبك في كل وقت وساعة الربوبية لله  والوحدانية له؛ فعلى هذا يحتمل قوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ، أي: أشعروا قلوبكم في كل وقت جعل الألوهية والربوبية لله  ، وصرف العبادة إليه، والتنزيه والتبرئة له عما لا يليق به مما يوصف به الخلق؛ إذ علمتم أنه يحيي الأرض بعد موتها، فاعلموا، [أنه] يمتحنكم بأنواع المحن؛ إذ لا يحتمل إحياء ما ذكر بغير فائدة وتركهم سدى.

أو يقول: قد علمتم أن الله  هو يحيي الأرض بعد موتها، وأنتم ترغبون فيما أحياه، وتصيبون منه، وتجتهدون في نيل ذلك وإصابته، فاجتهدوا في إصابة البركات الدائمة في الحياة الباقية.

أو يقول: كما علمتم: أنه قادر على إحياء الأرض بعد موتها، فاعلموا أنه قادر على البعث، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف "لعل" من الله  يخرج على الإيجاب، لكن يخرج هاهنا على الترجي وإطماع العقل للآيات والفهم لها إذ نظروا فيها وتأملوا أنها آيات من الله  .

أو أن يرجع ذلك إلى خاص من الناس لو خرج حرف "لعل" للإيجاب دون الترجي، وهم الذين علم الله  أنهم يعقلون أنها آيات ويؤمنون بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ قرئ مشدد الصاد والدال، ومخفف الصاد، فمن شدد جعله من التصدق، أي: المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد، فيصير المصَّدِّقين، مثل: المزمل والمدثر؛ يؤيد ذلك ما ذكر في حرف أبي بن كعب -  - أنه قرأ بالتاء: (إن المتصدقين والمتصدقات).

ومن خففه، جعلهما من التصديق والإيمان.

وقوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، سمى المؤمنين: صديقين، والصديق لا يقال إلا لمن يكثر منه التصديق، وقد يكثر من كل مؤمن التصديق وإن كان ما يأتي به إنما هو شيء واحد نحو إذا صدق الله - صدق رسله فيما أخبروا عن الله  وفيما دعوهم إلى ما دعوا، وبلغوا عن الله إلى الناس، وصدق الخلائق جميعا فيما شهدوا على وحدانية الله  وألوهيته من حث شهادة الخلقة وشهادة الأخبار في حق المؤمنين، فتصديقه يكثر، وإن كان الكلام في نفسه يقل، وهو كما قلنا لأبي حنيفة - رحمه الله - في جواز الخطبة بتسبيحة أو تهليلة: إنها كلمة وجيزة، لو فسرت وبسطت، صارت خطبة طويلة، والله أعلم.

فإن قيل: إن أبابكر -  - فضل باسم الصديق على غيره من الأمة، فإذا استحق غيره من المؤمنين هذا الاسم لم يختص هو بتلك الفضيلة؟

قيل: إن أبا بكر -  - سمي: صديقا وخص به من بين سائر الصحابة والمؤمنين؛ لمعنى اختص به من بينهم، وغيره من المؤمنين سموا: صديقين من بين سائر أهل الأرض جميعا إلا في مقابلته، كهو اختص بهذا الاسم من بين سائرهم إلا في مقابلة النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هذا هو معنى تفضيله، والفضل عند المقابلة يكون.

ويحتمل أن يكون ذلك الاختصاص له للاعتقاد والمعاملة جميعا وسائر المؤمنين سموا: صديقين؛ للاعتقاد خاصة، ومن وفى الأمرين جميعا كان أفضل من ممن وفى أمرا واحدا.

وقوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ من الناس.

من جعل قوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ على الابتداء مقطوعا من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، ومنهم من وصله به: فمن قطع عنه؛ فإنه يقول: الشهداء هم الرسل؛ لقوله  : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً  ﴾ ، ثم أخبر أن لهم أجرهم.

ومن قال إنه موصول ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس؛ كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ...

﴾ الآية [البقرة: 143]، سماهم: شهداء على غيرهم من الأمم، والله اعلم.

ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الله  إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق، ذكر على أثر ذلك ما وعد لهم من الكرامات والثواب الجزيل، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم، ويستدلون بذكر الوعيد على أثر ذلك على أنه قد خرج من الإيمان، لكن ليس لهم بذلك دليل وإنما ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين آمنوا بالله وآمنوا برسله دون تفريق بينهم، أولئك هم الصدِّيقون، والشهداء عند ربهم لهم ثوابهم الكريم المعدّ لهم، ولهم نورهم الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة، والذين كفروا بالله وبرسله، وكذبوا بآياتنا المنزلة على رسولنا أولئك أصحاب الجحيم، يدخلونها يوم القيامة خالدين فيها أبدًا، لا يخرجون منها.

<div class="verse-tafsir" id="91.apyX5"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله