تفسير الآية ٢٠ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ٢٠ من سورة الحديد

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ وَزِينَةٌۭ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌۭ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّۭا ثُمَّ يَكُونُ حُطَـٰمًۭا ۖ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌۭ ۚ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ ٢٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٠ من سورة الحديد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى موهنا أمر الحياة الدنيا ومحقرا لها : ( أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ) أي : إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا ، كما قال : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) [ آل عمران : 14 ] ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ونعمة زائلة فقال : ( كمثل غيث ) وهو : المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس ، كما قال : ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ) [ الشورى : 28 ] وقوله : ( أعجب الكفار نباته ) أي : يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث ; وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار ، فإنهم أحرص شيء عليها ، وأميل الناس إليها ، ( ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ) أي : يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرا بعد ما كان خضرا نضرا ، ثم يكون بعد ذلك كله حطاما ، أي : يصير يبسا متحطما ، هكذا الحياة الدنيا تكون أولا شابة ، ثم تكتهل ، ثم تكون عجوزا شوهاء ، والإنسان كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضا طريا لين الأعطاف ، بهي المنظر ، ثم إنه يشرع في الكهولة ، فتتغير طباعه وينفد بعض قواه ، ثم يكبر فيصير شيخا كبيرا ، ضعيف القوى ، قليل الحركة ، يعجزه الشيء اليسير ، كما قال تعالى : ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) [ الروم : 54 ] .

ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة ، وأن الآخرة كائنة لا محالة ، حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير ، فقال : ( وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) أي : وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا : إما عذاب شديد ، وإما مغفرة من الله ورضوان .

وقوله : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) أي : هي متاع فان غار لمن ركن إليه فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها ، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة .

قال ابن جرير : حدثنا علي ابن حرب الموصلي ، حدثنا المحاربي ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها .

اقرءوا : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن نمير ، ووكيع ، كلاهما عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " للجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله ، والنار مثل ذلك " .

انفرد بإخراجه البخاري في " الرقاق " ، من حديث الثوري ، عن الأعمش به ففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإنسان ، وإذا كان الأمر كذلك ; فلهذا حثه الله على المبادرة إلى الخيرات ، من فعل الطاعات ، وترك المحرمات ، التي تكفر عنه الذنوب والزلات ، وتحصل له الثواب والدرجات

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: اعلموا أيها الناس إن متاع الحياة الدنيا المعجلة لكم، ما هي إلا لعب ولهو تتفكَّهون به، وزينة تتزيَّنون بها، وتفاخر بينكم، يفخر بعضكم على بعض بما أولى فيها من رياشها.(وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ ).

يقول تعالى ذكره: ويباهي بعضكم بعضا بكثرة الأموال والأولاد (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ ) يقول تعالى ذكره: ثم ييبس ذلك النبات.(فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) بعد أن كان أخضرَ نضرا.

وقوله: (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ) يقول تعالى ذكره: ثم يكون ذلك النبات حطاما، يعني به: أنه يكون نبتا يابسا متهشما.(وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) يقول تعالى ذكره: وفي الآخرة عذاب شديد للكفار.(وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ) لأهل الإيمان بالله ورسوله.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) ...

الآية، يقول: صار الناس إلى هذين الحرفين في الآخرة.

وكان بعض أهل العربية يقول في قوله: (وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ) ذكر ما في الدنيا، وأنه على ما وصف، وأما الآخرة فإنها إما عذاب، وإما جنة .قال: والواو فيه وأَوْ بمنـزلة واحدة.

وقوله: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) يقول تعالى ذكره: وما زينة الحياة الدنيا المعجلة لكم أيها الناس، إلا متاع الغرور.

حدثنا عليّ بن حرب الموصلي، قال: ثنا المحاربيّ: عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال، قال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَما فيها ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وجه الاتصال أن الإنسان قد يترك الجهاد خوفا على نفسه من القتل ، وخوفا من لزوم الموت ، فبين أن الحياة الدنيا منقضية فلا ينبغي أن يترك أمر الله محافظة على ما لا يبقى .

و " ما " صلة تقديره : اعلموا أن الحياة الدنيا لعب باطل ، ولهو فرح ثم ينقضي .

وقال قتادة : لعب ولهو : أكل وشرب .

وقيل : إنه على المعهود من اسمه ، قال مجاهد : كل لعب لهو .

وقد مضى هذا المعنى في ( الأنعام ) وقيل : اللعب ما رغب في الدنيا ، واللهو ما ألهى عن الآخرة ، أي : شغل عنها .

وقيل : اللعب : الاقتناء ، واللهو : النساء ." وزينة " الزينة ما يتزين به ، فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة ، وكذلك من تزين في غير طاعة الله .وتفاخر بينكم أي : يفخر بعضكم على بعض بها .

وقيل : بالخلقة والقوة .

وقيل : بالأنساب على عادة العرب في المفاخرة بالآباء .

وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : أربع في أمتي من أمر الجاهلية : الفخر في الأحساب الحديث .

وقد تقدم جميع هذا .وتكاثر في الأموال والأولاد لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأبناء والأموال ، وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعة .

قال بعض المتأخرين : لعب كلعب الصبيان ولهو كلهو الفتيان وزينة كزينة النسوان وتفاخر كتفاخر الأقران وتكاثر كتكاثر الدهقان .

وقيل : المعنى أن الدنيا كهذه الأشياء في الزوال والفناء .

وعن علي رضي الله عنه قال لعمار : لا تحزن على الدنيا ، فإن الدنيا ستة أشياء : مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح ، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة ، وأكثر شرابها الماء يستوي فيه جميع الحيوان ، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة ، وأفضل المشموم المسك وهو دم فأرة ، وأفضل المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال ، وأما المنكوح فالنساء وهو مبال في مبال ، والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها .

ثم ضرب الله تعالى لها مثلا بالزرع في غيث فقال : كمثل غيث أي : مطر أعجب الكفار نباته الكفار هنا : الزراع لأنهم يغطون البذر .

والمعنى أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار ، ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم يكن ، وإذا أعجب الزراع فهو غاية ما يستحسن .

وقد مضى معنى هذا المثل في ( يونس ) و ( الكهف ) .

وقيل : الكفار هنا الكافرون بالله عز وجل ، لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا من [ ص: 231 ] المؤمنين .

وهذا قول حسن ، فإن أصل الإعجاب لهم وفيهم ، ومنهم يظهر ذلك ، وهو التعظيم للدنيا وما فيها .

وفي الموحدين من ذلك فروع تحدث من شهواتهم ، وتتقلل عندهم وتدق إذا ذكروا الآخرة .

وموضع الكاف رفع على الصفة .

ثم يهيج أي : يجف بعد خضرته فتراه مصفرا أي : متغيرا عما كان عليه من النضرة .

ثم يكون حطاما أي : فتاتا وتبنا فيذهب بعد حسنه ، كذلك دنيا الكافر .

وفي الآخرة عذاب شديد أي : للكافرين .

والوقف عليه حسن ، ويبتدئ ومغفرة من الله ورضوان أي : للمؤمنين ..

وقال الفراء : وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة تقديره إما عذاب شديد وإما مغفرة ، فلا يوقف على شديد .

وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور هذا تأكيد ما سبق ، أي : تغر الكفار ، فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة .

وقيل : العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيدا في العمل للدنيا ، وترغيبا في العمل للآخرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات أعمارهم بلهو القلوب، والغفلة عن ذكر الله وعما أمامهم من الوعد والوعيد، وتراهم قد اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة، فإن قلوبهم معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد أشغلوا أوقاتهم بالأعمال التي تقربهم إلى الله، من النفع القاصر والمتعدي.[وقوله:] { وَزِينَةً } أي: تزين في اللباس والطعام والشراب، والمراكب والدور والقصور والجاه.

[وغير ذلك] { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } أي: كل واحد من أهلها يريد مفاخرة الآخر، وأن يكون هو الغالب في أمورها، والذي له الشهرة في أحوالها، { وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ } أي: كل يريد أن يكون هو الكاثر لغيره في المال والولد، وهذا مصداقه، وقوعه من محبي الدنيا والمطمئنين إليها.بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها، فجعلها معبرا ولم يجعلها مستقرا، فنافس فيما يقربه إلى الله، واتخذ الوسائل التي توصله إلى الله وإذا رأى من يكاثره وينافسه بالأموال والأولاد، نافسه بالأعمال الصالحة.ثم ضرب للدنيا مثلا بغيث نزل على الأرض، فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وأعجب نباته الكفار، الذين قصروا همهم ونظرهم إلى الدنيا جاءها من أمر الله [ما أتلفها] فهاجت ويبست، فعادت على حالها الأولى، كأنه لم ينبت فيها خضراء، ولا رؤي لها مرأى أنيق، كذلك الدنيا، بينما هي زاهية لصاحبها زاهرة، مهما أراد من مطالبها حصل، ومهما توجه لأمر من أمورها وجد أبوابه مفتحة، إذ أصابها القدر بما أذهبها من يده، وأزال تسلطه عليها، أو ذهب به عنها، فرحل منها صفر اليدين، لم يتزود منها سوى الكفن، فتبا لمن أضحت هي غاية أمنيته ولها عمله وسعيه.وأما العمل للآخرة فهو الذي ينفع، ويدخر لصاحبه، ويصحب العبد على الأبد، ولهذا قال تعالى: { وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ } أي: حال الآخرة، ما يخلو من هذين الأمرين: إما العذاب الشديد في نار جهنم، وأغلالها وسلاسلها وأهوالها لمن كانت الدنيا هي غايته ومنتهى مطلبه، فتجرأ على معاصي الله، وكذب بآيات الله، وكفر بأنعم الله.وإما مغفرة من الله للسيئات، وإزالة للعقوبات، ورضوان من الله، يحل من أحله به دار الرضوان لمن عرف الدنيا، وسعى للآخرة سعيها.فهذا كله مما يدعو إلى الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، ولهذا قال: { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } أي: إلا متاع يتمتع به وينتفع به، ويستدفع به الحاجات، لا يغتر به ويطمئن إليه إلا أهل العقول الضعيفة الذين يغرهم بالله الغرور.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( اعلموا أنما الحياة الدنيا ) أي : أن الحياة الدنيا ، و " ما " صلة ، أي : أن الحياة في هذه الدار ( لعب ) باطل لا حاصل له ( ولهو ) فرح ثم ينقضي ( وزينة ) منظر تتزينون به ( وتفاخر بينكم ) يفخر به بعضكم على بعض ( وتكاثر في الأموال والأولاد ) أي : مباهاة بكثرة الأموال والأولاد ، ثم ضرب لها مثلا فقال : ( كمثل غيث أعجب الكفار ) أي : الزراع ( نباته ) ما نبت من ذلك الغيث ( ثم يهيج ) ييبس ( فتراه مصفرا ) بعد خضرته ونضرته ( ثم يكون حطاما ) يتحطم ويتكسر بعد يبسه ويفنى ( وفي الآخرة عذاب شديد ) قال مقاتل : لأعداء الله ( ومغفرة من الله ورضوان ) لأوليائه وأهل طاعته .

( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) قال سعيد بن جبير : متاع الغرور لمن يشتغل فيها بطلب الآخرة ، ومن اشتغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة» تزين «وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد» أي الاشتغال فيها، وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة «كمثل» أي هي في إعجابها لكم واضمحلالها كمثل «غيث» مطر «أعجب الكفار» الزارع «نباته» الناشئ، عنه «ثم يهيج» ييبس «فتراه مصفرا ثم يكون حطاما» فتاتا يضمحل بالرياح «وفي الآخرة عذاب شديد» لمن آثر عليها الدنيا «ومغفرة من الله ورضوان» لمن لم يؤثر عليها الدنيا «وما الحياة الدنيا» ما التمتع فيها «إلا متاع الغرور».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اعلموا -أيها الناس- أنما الحياة الدنيا لعب ولهو، تلعب بها الأبدان وتلهو بها القلوب، وزينة تتزينون بها، وتفاخر بينكم بمتاعها، وتكاثر بالعدد في الأموال والأولاد، مثلها كمثل مطر أعجب الزُّرَّاع نباته، ثم يهيج هذا النبات فييبس، فتراه مصفرًا بعد خضرته، ثم يكون فُتاتًا يابسًا متهشمًا، وفي الآخرة عذاب شديد للكفار ومغفرة من الله ورضوان لأهل الإيمان.

وما الحياة الدنيا لمن عمل لها ناسيًا آخرته إلا متاع الغرور.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حال الحياة ، التى ركن إليها الكافرون واطمأنوا بها .

.

.

ودعا المؤمنين إلى أن تكون هممهم متجهة نحو الآخرة ، عن طريق التسلح بالأعمال الصالحة .

فقال - تعالى - : ( اعلموا أَنَّمَا الحياة .

.

.

) .أى : ( اعلموا ) - أيها المؤمنون علم استجابة وامتثال لما آمركم به - ( أَنَّمَا الحياة الدنيا ) التى تعيشون فيها ما شاء الله لكم أن تعيشوا .

.

.

( لَعِبٌ ) واللعب : هو قضاء الوقت فى قول أو فعل لا فائدة من روائه .( وَلَهْوٌ ) واللهو : اسم لفعل أو قول يقصد من روائه التلذذ والتمتع ، وصرف الآلام والهموم عن النفس .( وَزِينَةٌ ) الزينة اسم لما يتزين به الإنسان من ملبس أو مسكن أو ما يشبههما مما يفعله من أجل أن يكون فى أعين الناس مهيبا جميلا .( وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ) أى : وتفاخر فيما بينكم بالأموال والمناصب والأحساب والأعمال .

.

.

وتكاثر فى الأموال والأولاد ، والتكاثر تفاعل من الكثرة - كما أن التفاخر تفاعل من الفخر - وصيغة التفاعل جىء بها هنا ، للمبالغة فى إظهار ما يتفاخرون به ، وما يتكاثرون فيه ، حتى لكأنه ينافس غيره فى ذلك ويريد الظهور عليه .والحرص على التفاخر والتكاثر فى الأموال والأولاد ، من طبيعة كثير من الناس ، كما قال - تعالى - : ( أَلْهَاكُمُ التكاثر حتى زُرْتُمُ المقابر ) ثم بين - سبحانه - حال الحياة الدنيا ، التى يلعب الناس فيها ، ويلهون ويتفاخرون .

ويتكاثرون .فقال : ( كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ) .أى : هذه الحياة الدنيا حالها وصفتها ومثلها كمثل مطر أعجب الكفار وراقهم وسرهم ، ما ترتب على هذا المطر ، من نبات جميل نبت من الأرض بعد هطول الغيث عليها .فقوله - تعالى - : ( كَمَثَلِ ) خبر لمبتدأ محذوف ، أى : مثلها كمثل مطر .والمراد بالكفار هنا : الجاحدون لنعم الله - تعالى - الساترون لها ، وخصوا بالذكر ، لأنهم أشد إعجابا وسروراً وانغماسا فى زينة الحياة الدنيا من غيرهم .وروى عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - أن المراد بالكفار هنا : الزراع الذين يزرعون الأرض بعد نزول المطر عليها ، ويبذورن فيها البذور سموا كفارا من الكفر بمعنى الستر والإخفاء ، يقال : كفر الزارع بذره أو زرعه إذا أخفاه فى الأرض ، حتى لا يتعرض للتلف أو الضياع .وقوله - سبحانه - : ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً ) .والهيجان : الاضطراب والثوران ، ومنه سميت الحرب بالهيجاء ، لأن فيها يضطرب المقاتلون ، ويثور بعضهم على بعض .ويرى بعضهم أن معنى ( يَهِيجُ ) هنا : ييبس ويجف .وعطف - سبحانه - جملة ( يَهِيجُ ) بحرف ( ثُمَّ ) لإفادة التراخى الرتبى ، إذ أن وصول النبات إلى درجة من الهيجان وبلوغ منتهاه ، لا يتأتى إلا بعد زمن طويل من بدء زراعته .ولم يرتض بعض المحققين هذا المعنى فقال : تفسير ( يَهِيجُ ) بييبس فيه تسامح ، فإن حقيقته أن يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له .

أى : من الطول والغلظ .أى : ثم يتحرك هذا النبات الذى أعجب الكفار إلى أقصى ما يتأتى له من طول وقوة ، ثم يبدأ فى الضعف ، فتراه - أيها الناظر إليه - نباتا مصفراً متغيراً عما كان عليه من النضرة ، آخذا فى الذبول وفى التهيؤ للحصاد .ثم يكون بعد ذلك حطاما ، أى : نباتا محطما مكسرا .والمقصود بقوله - تعالى - ( كَمَثَلِ غَيْثٍ .

.

) إلخ التقرير والتأكيد لما وصفت به الدنيا من كونها لعبا ولهوا وزينة .وتشبيهها فى سرعة زوالها ، وانقضاء نعيمها ، وقلة فائدتها .

.

بحال نبات ظهر على الأرض بعد هطول المطر عليها ، واستمر فى ظهوره وجماله ونضرته وهيجانه ، لفترة مَّا من الحياة ، أعجب خلالها الكفار به ، ثم حل بهذا النبات اليانع الاصفرار والاضمحلال حتى صار حطاما مفتتا تذروه الرياح .والمقصود بهذا التشبيه ، زجر الناس عن الركون إلى الحياة الدنيا ركونا ينسون معه فرائض الله - تعالى - وتكاليفه التى كلفهم بها - سبحانه - .وعطف - سبحانه - : ( فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ) بالفاء للإشعار بقصر المسافة ، مهما طالت فى عرف الناس - بين نضرة الزرع واستوائه ، وبين اصفراره ونهايته .قال صاحب الكشاف - رحمه الله - : أراد - سبحانه - أن الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور ، وهى اللعب واللهو .

.

.

وأما الآخرة فما هى إلا أمور عظام .وشبه حال الدنيا بسرعة تقضّيها ، مع قلة جدواها ، بنبات أنبته الغيث فاستوى واكتمل ، وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله ، فيما رزقهم من الغيث ، والنبات .

.

.

فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاما .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان عظم الآخرة ، وهوان الدنيا فقال : ( وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ ) أى : لمن كفر بالله - تعالى - وفسق عن أمره .( وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرِضْوَانٌ ) أى : لمن آمن بالله - تعالى - واتبع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحافظ على أداء ما كلف به بإخلاص وحسن اقتداء .( وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ مَتَاعُ الغرور ) أى : وما أحوال الحياة الدنيا وما اشتملت عليه من شهوات ، إلا متاع زائل ، لا يقدم عليه ، ولا يتشبع به إلا من خدع بزخرفه ، واغتر بمظهره .فالمراد بالغرور : الخديعة ، مصدر غره .

أى : خدعه وأطمعه بالباطل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة فقال: الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر، ولا شك أن هذه الأشياء أمور محقرة، وأما الآخرة فهي عذاب شديد دائم أو رضوان الله على سبيل الدوام، ولا شك أن ذلك عظيم.

المسألة الثانية: اعلم أن الحياة الدنيا حكمة وصواب، ولذلك لما قال تعالى: ﴿ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً...

قَال إِنّي أعلم مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ ولولا أنها حكمة وصواب لما قال ذلك، ولأن الحياة خلقه، كما قال: ﴿ الذي خَلَقَ الموت والحياة  ﴾ وأنه لا يفعل العبث على ما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً  ﴾ وقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ﴾ ولأن الحياة نعمة بل هي أصل لجميع النعم، وحقائق الأشياء لا تختلف بأن كانت في الدنيا أو في الآخرة، ولأنه تعالى عظم المنة بخلق الحياة فقال: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم  ﴾ فأول ما ذكر من أصناف نعمه هو الحياة، فدل مجموع ما ذكرنا على أن الحياة الدنيا غير مذمومة، بل المراد أن من صرف هذه الحياة الدنيا لا إلى طاعة الله بل إلى طاعة الشيطان ومتابعة الهوى، فذاك هو المذموم، ثم إنه تعالى وصفها بأمور: أولها: أنها ﴿ لَعِبٌ ﴾ وهو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جداً، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة.

وثانيها: أنها ﴿ لَهُوَ ﴾ وهو فعل الشبان، والغالب أن بعد انقضائه لا يبقى إلا الحسرة، وذلك لأن العاقل بعد انقضائه يرى المال ذاهباً والعمر ذاهباً، واللذة منقضية، والنفس ازدادت شوقاً وتعطشاً إليه مع فقدانها، فتكون المضار مجتمعة متوالية.

وثالثها: أنها ﴿ زِينَةُ ﴾ وهذا دأب النساء لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح، وعمارة البناء المشرف على أن يصير خراباً، والاجتهاد في تكميل الناقص، ومن المعلوم أن العرضي لا يقاوم الذاتي، فإذا كانت الدنيا منقضية لذاتها، فاسدة لذاتها، فكيف يتمكن العاقل من إزالة هذه المفاسد عنها، قال ابن عباس: المعنى أن الكافر يشتغل طول حياته بطلب زينة الدنيا دون العمل للآخرة، وهذا كما قيل: حياتك يا مغرور سهو وغفلة *** ورابعها: ﴿ تفاخر بينكم ﴾ بالصفات الفانية الزائلة، وهو إما التفاخر بالنسب، أو التفاخر بالقدرة والقوة والعساكر وكلها ذاهبة.

وخامسها: قوله: ﴿ وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد ﴾ قال ابن عباس: يجمع المال في سخط الله، ويتباهى به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، فهو ظلمات بعضها فوق بعض، وأنه لا وجه بتبعية أصحاب الدنيا يخرج عن هذه الأقسام، وبين أن حال الدنيا إذا لم يخل من هذه الوجوه فيجب أن يعدل عنها إلى ما يؤدي إلى عمارة الآخرة، ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلاً، فقال: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ ﴾ يعني المطر، ونظيره قوله تعالى: ﴿ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَاء  ﴾ والكاف في قوله: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ ﴾ موضعة رفع من وجهين: أحدهما: أن يكون صفة لقوله: ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ ﴾ ، والآخر: أن يكون خبراً بعد خبر قاله الزجاج، وقوله: ﴿ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ﴾ فيه قولان: الأول: قال ابن مسعود: المراد من الكفار الزراع قال الأزهري: والعرب تقول للزارع: كافر، لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض، وإذا أعجب الزراع نباته مع علمهم به فهو في غاية الحسن الثاني: أن المراد بالكفار في هذه الآية الكفار بالله وهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين، لأنهم لا يرون سعادة سوى سعادة الدنيا، وقوله: ﴿ نَبَاتُهُ ﴾ أي ما نبت من ذلك الغيث، وباقي الآية مفسر في سورة الزمر.

ثم إنه تعالى ذكر بعده حال الآخرة فقال: ﴿ وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ أي لمن كانت حياته بهذه الصفة، ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته، وذلك لأنه لما وصف الدنيا بالحقارة وسرعة الانقضاء، بين أن الآخرة إما عذاب شديد دائم، وإما رضوان، وهو أعظم درجات الثواب، ثم قال: ﴿ وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور ﴾ يعني لمن أقبل عليها، وأعرض بها عن طلب الآخرة، قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم الوسيلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أراد أنّ الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر.

وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي: العذاب الشديد والمغفرة ورضوان الله.

وشبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى واكتهل وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة فهاج واصفرّ وصار حطاماً عقوبة لهم على جحودهم، كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين.

وقيل: ﴿ الكفار ﴾ الزراع.

وقرئ: ﴿ مصفارّاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ ﴾ لَمّا ذَكَرَ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ حَقَّرَ أُمُورَ الدُّنْيا أعْنِي ما لا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الفَوْزِ الآجِلِ، بِأنْ بَيَّنَ أنَّها أُمُورٌ خَيالِيَّةٌ قَلِيلَةُ النَّفْعِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ؛ لِأنَّها لَعِبٌ يُتْعِبُ النّاسُ فِيهِ أنْفُسَهم جِدًّا إتْعابَ الصِّبْيانِ في المَلاعِبِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، ولَهْوٌ يُلْهُونَ بِهِ أنْفُسَهم عَمّا يُهِمُّهم وزِينَةٌ كالمَلابِسِ الحَسَنَةِ والمَراكِبِ البَهِيَّةِ والمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ، وتَفاخُرٌ بِالأنْسابِ أوْ تَكاثُرٌ بِالعَدَدِ والعُدَدِ، ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا ﴾ وهو تَمْثِيلٌ لَها في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وقِلَّةِ جَدْواها بِحالِ نَباتٍ أنْبَتَهُ الغَيْثُ فاسْتَوى وأُعْجِبَ بِهِ الحُرّاثُ، أوِ الكافِرُونَ بِاللَّهِ لِأنَّهم أشِدّاءُ إعْجابًا بِزِينَةِ الدُّنْيا ولِأنَّ المُؤْمِنَ إذا رَأى مَعْجَبًا انْتَقَلَ فِكْرُهُ إلى قُدْرَةِ صانِعِهِ فَأُعْجِبَ بِها، والكافِرُ لا يَتَخَطّى فِكْرُهُ عَمّا أحَسَّ بِهِ فَيَسْتَغْرِقُ فِيهِ إعْجابًا، ثُمَّ هاجَ أيْ يَبِسَ بِعاهَةٍ فاصْفَرَّ ثُمَّ صارَ حُطامًا، ثُمَّ عَظَّمَ أُمُورَ الآخِرَةِ الأبَدِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ تَنْفِيرًا عَنِ الِانْهِماكِ في الدُّنْيا وحَثًّا عَلى ما يُوجِبُ كَرامَةَ العُقْبى، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ أيْ لِمَن أقْبَلَ عَلَيْها ولَمْ يَطْلُبْ إلّا الآخِرَةَ.

﴿ وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ أيْ لِمَن أقْبَلَ عَلَيْها ولَمْ يَطْلُبْ بِها الآخِرَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)

{اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ} كلعب الصبيان {وَلَهْوٌ} كلهو الفتيان {وَزِينَةٌ} كزينة النسوان {وَتَفَاخُرٌ بينكم} كتفاخر الأفران {وتكاثر} كنكاثر الدهقان {فِى الأموال والأولاد} أي مباهاة بهما والتكاثر ادعاء الاستكثار {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} بعد خضرته {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} متفتتاً شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قدلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاماً عقوبة لهم على جحودهم كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين وقيل الكفار الزراع

{وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع}

{وفي الآخرة عذاب شديد} الكفار {وَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله ورضوان} للمؤمنين يعني أن الدنيا وما فيها ليست إلا من محقرات الأمور وهي اللعب واللهو والزينة والتفاحر والتكاثر وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام وهي العذاب الشديد والمغفرة والرضوان من الله الحميد والكاف في كَمَثَلِ غَيْثٍ في محل رفع على أنه خبر بعد خبر أي الحياة الدنيا مثل غيث {وَما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} ان ركن إليها واعتمد عليها قال ذو النون يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا وإن طلبتموها فلا تحبوها فإن الزاد منها والمقيل في غيرها ولما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة بعث عباده عى الممارعة إلى نيل ما وعد ذلك وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ ﴾ بَعْدَ ما بَيَّنَ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ شَرَحَ حالَ الحَياةِ الَّتِي اطْمَأنَّ بِها الفَرِيقُ الثّانِي، وأُشِيرَ إلى أنَّها مِن مُحَقِّراتِ الأُمُورِ الَّتِي لا يَرْكَنُ إلَيْها العُقَلاءُ فَضْلًا عَنِ الِاطْمِئْنانِ بِها بِأنَّها لَعِبٌ لا ثَمَرَةَ فِيها سِوى التَّعَبِ ( ولَهْوٌ ) تَشْغَلُ الإنْسانَ عَمّا يَعْنِيهِ ويُهِمُّهُ ( وزِينَةٌ ) لا يَحْصُلُ مِنها شَرَفٌ ذاتِيٌّ كالمَلابِسِ الحَسَنَةِ والمَراكِبِ البَهِيَّةِ والمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ ( وتَفاخُرٌ ) بِالأنْسابِ والعِظامِ البالِيَةِ ( وتَكاثُرٌ ) بِالعَدَدِ والعُدَدِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ «وتَفاخَرُ بَيْنِكم» بِالإضافَةِ ثُمَّ أُشِيرَ إلى أنَّها مَعَ ذَلِكَ سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ ﴾ مَطَرٍ ﴿ أعْجَبَ الكُفّارَ ﴾ أيْ راقَهم ﴿ نَباتُهُ ﴾ أيِ النَّباتُ الحاصِلُ بِهِ، والمُرادُ بِالكُفّارِ إمّا الحُرّاثُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ أيْ يَسْتُرُونَ البَذْرَ في الأرْضِ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ ظاهِرٌ، وأمّا الكافِرُونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ أنَّهم أشَدُّ إعْجابًا بِزِينَةِ الدُّنْيا فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا رَأى مُعْجِبًا انْتَقَلَ فِكْرُهُ إلى قُدْرَةِ مُوجِدِهِ عَزَّ وجَلَّ فَأُعْجِبَ بِها، ولِذا قالَ أبُو نُواسٍ في النَّرْجِسِ: عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٌ عَلى أطْرافِها ذَهَبٌ سَبِيكُ عَلى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ والكافِرُ لا يَتَخَطّى فِكْرُهُ عَمّا أحَسَّ بِهِ فَيَسْتَغْرِقُ إعْجابًا ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ يَتَحَرَّكُ إلى أقْصى ما يَتَأتّى لَهُ، وقِيلَ: أيْ يَجِفُّ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ ﴿ فَتَراهُ ﴾ يا مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ ﴿ مُصْفَرًّا ﴾ بَعْدَ ما رَأيْتَهُ ناضِرًا مُونِقًا، وقُرِئَ مُصْفارًّا وإنَّما لَمْ يَقُلْ فَيَصْفَرُّ قِيلَ: إيذانًا بِأنَّ اصْفِرارَهُ غَيْرُ مُقارِنٍ لِهَيَجانِهِ وإنَّما المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ رُؤْيَتُهُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ ذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ ﴿ ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا ﴾ هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا مِنَ اليُبْسِ، ومَحَلُّ الكافِ قِيلَ: النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( لَعِبٌ ) لِأنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِتَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ مَثَلُ الحَياةِ كَمَثَلِ إلَخْ، ولِتَضَمُّنِ ذَلِكَ تَشْبِيهَ جَمِيعِ ما فِيها مِنَ السِّنِينَ الكَثِيرَةِ بِمُدَّةِ نَباتِ غَيْثٍ واحِدٍ يَفْنى ويَضْمَحِلُّ في أقَلَّ مِن سَنَةٍ جاءَتِ الإشارَةُ إلى سُرْعَةِ زَوالِها وقُرْبِ اضْمِحْلالِها، وبَعْدَ ما بَيَّنَ حَقارَةَ أمْرِ الدُّنْيا تَزْهِيدًا فِيها وتَنْفِيرًا عَنِ العُكُوفِ عَلَيْها أُشِيرَ إلى فَخامَةِ شَأْنِ الآخِرَةِ وعِظَمِ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ والآلامِ تَرْغِيبًا في تَحْصِيلِ نَعِيمِها المُقِيمِ وتَحْذِيرًا مِن عَذابِها الألِيمِ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ العَذابِ فَقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِ الِانْهِماكِ فِيما فَصَّلَ مِن أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿ ومَغْفِرَةٌ ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ ﴾ عَظِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وفي مُقابَلَةِ العَذابِ الشَّدِيدِ بِشَيْئَيْنِ إشارَةٌ إلى غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ وأنَّهُ مِن بابِ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ».

وفِي تَرْكِ وصْفِ العَذابِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ وصْفِ ما بَعْدَهُ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى غَلَبَتِها أيْضًا ورَمْزٌ إلى أنَّ الخَيْرَ هو المَقْصُودُ بِالقَصْدِ الأوْلى ﴿ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ لِمَنِ اطْمَأنَّ بِها ولَمْ يَجْعَلْها ذَرِيعَةً لِلْآخِرَةِ ومَطِيَّةً لِنَعِيمِها، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ إنْ ألْهَتْكَ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ.

فَأمّا إذا دَعَتْكَ إلى طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبِ الآخِرَةِ فَنِعْمَ المَتاعُ ونِعْمَ الوَسِيلَةُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ألم يجىء وقت تخاف قلوبهم، فترق قلوبهم.

يقال: إناءً يأني إناءً إذا حان وجاء وقته وأوانه.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد.

ثنا: أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدبيلي.

قال: حدّثنا أبو عبيد الله قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن القاسم قال، ملَّ أصحاب رسول الله  ملة، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً ثم ملوا ملَّة أخرى فقالوا: حدّثنا يا رسول الله.

فأنزل الله تعالى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ويقال: إن المسلمين قالوا لسلمان الفارسي: حدّثنا عن التوراة، فإن فيها عجائب.

فنزل نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ فكفوا عن السؤال، ثم سألوه عن ذلك، فنزلت هذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ترق قلوبهم لذكر الله وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ يعني: القرآن بذكر الحلال والحرام.

قرأ نافع، وعاصم، في رواية حفص وَما نَزَلَ بالتخفيف.

والباقون: بالتشديد على معنى التكثير، والمبالغة.

ثم وعظهم فقال: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يعني: ولا تكونوا في القسوة كاليهود، والنصارى، من قبل خروج النبيّ  فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ يعني: الأجل.

ويقال: خروج النبي  فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: جفّت، ويبست قلوبهم عن الإيمان، فلم يؤمنوا بالقرآن إلا قليل منهم وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: عاصون.

ويقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: المنافقين الذين آمنوا بلسانهم دون قلوبهم.

وقال أبو الدرداء: استعيذوا بالله من خشوع النفاق.

قيل: وما خشوع النفاق؟

قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع.

قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ يعني: يصلح الأرض، فاعتبروا بذلك بَعْدَ مَوْتِها يعني: بعد يبسها، وقحطها، فكذلك يحيي القلوب بالقرآن، ويصلح بعد قساوتها حتى تلين، كما أحيا الأرض كذلك بعد موتها بالمطر.

قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ يعني: العلامات في القرآن لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يعني: لكي تعقلوا أمر البعث كذلك إنكم أيضاً تبعثون.

قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ كليهما بالتخفيف، والباقون: بالتشديد.

فمن قرأ بالتخفيف، فمعناه: إن المؤمنين من الرجال، والمؤمنات من النساء، فمن صدق الله ورسوله ورضي بما جاء به النبيّ  .

ومن قرأ: بالتشديد.

يعني: المتصدقين من الرجال، والمتصدقات من النساء، فأدغمت التاء في الصاد، وشددت.

وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني: يتصدقون، محتسبين بطبيعة أنفسهم، صادقين من قلوبهم يُضاعَفُ لَهُمْ الحسنات، والثواب بكل واحد عشرة إلى سبعمائة، إلى ما لا يحصى، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ يعني: ثواباً حسناً في الجنة.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: صدّقوا بتوحيد الله، وصدقوا بجميع الرسل، أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والصدِّيق: اسم المبالغة في الفعل.

يقال: رجل صدِّيق، كثير الصدق.

وقال ابن عباس  : فمن آمن بالله ورسله فهو من الصدِّيقين.

ثم قال: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال مقاتل: هذا استئناف فقال: الشُّهَداءُ يعني: من استشهد عند ربهم.

يعني: يطلب شهادة على الأمم لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني: ثوابهم وَنُورُهُمْ ويقال: هذا بناء على الأول.

يعني: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة.

ويقال: معناه أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون وَأُوْلَئِكَ هُمُ الشهداء عند ربهم، ويكون لهم أجرهم، ونورهم.

قال مجاهد: كل مؤمن صديق، شهيد.

ثم وصف حال الكفار فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بوحدانية الله تعالى وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: جحدوا بالقرآن أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاستئناف، فقال بعضها: معنى الآية: والشهداءُ بأنَّهم صديقون حاضرون عند ربهم، وعَنَى بالشهداء الأنبياء- عليهم السلام-.

ت: وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية، وقال بعضها: قوله: وَالشُّهَداءُ ابتداء يريد به الشهداءَ في سبيل اللَّه، واستأنف الخبر عنهم بأَنَّهم: عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ فكأَنَّه جعلهم صِنْفاً مذكوراً وحده.

ت: وأبينُ هذه الأقوال الأوَّلُ، وهذا الأخيرُ، وإنْ صَحَّ حديث البَرَاءِ لم يُعْدَلْ عنه، قال أبو حيان «١» : والظاهر أَنَّ الشُّهَداءُ مبتدأ خبره ما بعده، انتهى.

وقوله تعالى وَنُورُهُمْ قال الجمهور: هو حقيقة حسبما تقدم.

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)

وقوله سبحانه: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ هذه الآيةُ وعظ، وتبيين لأمر الدنيا وَضَعَةِ منزلتها، والحياة الدنيا في هذه الآية: عبارة عن الأشغال والتصرفاتِ والفكرِ/ التي هي مختصة بالحياة الدنيا، وأَمَّا ما كان من ذلك في طاعة اللَّه تعالى، وما كان في الضرورات التي تقيم الأود وتعينُ على الطاعات- فلا مدخلَ له في هذه الآية، وتأملْ حالَ الملوك بعد فقرهم، يَبِنْ لك أنّ جميع ترفههم لَعِبٌ ولهو، والزينة: التحسين الذي هو خارج عن ذات الشيء، والتفاخرُ بالأموال والأنساب وغيرُ ذلك على عادة الجاهلية، ثم ضرب اللَّه عز وجل مَثَلَ الدنيا، فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ ...

الآية: وصورة هذا المثالِ أَنَّ الإنسانَ ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك، فيشُبُّ في النعمة، ويقوى، ويكسب المال والولد، ويغشاه الناسُ، ثم يأخذُ بعد ذلك في انحطاطٍ، ويشيب، ويضعف ويسقم، وتصيبه النوائب في ماله وذريته، ويموتُ، ويضمحلُّ أَمرهُ، وتصيرُ أمواله لغيره، وتتغير رُسُومُه فأمره مِثْلُ مطر أصاب أرضاً، فنبت عن ذلك الغيثِ نباتٌ معجب أنيق، ثم هاج، أي: يبس، واصْفَرَّ، ثم تحطم، ثم تفرق بالرياح واضمحل.

وقوله: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ أي: الزراع فهو من كَفَرَ الحَبَّ، أي: ستره، وقيل:

يحتمل أَنْ يعني الكفار باللَّه، لأَنَّهم أَشَدُّ إعجابا بزينة الدنيا، ثم قال تعالى:

وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ ...

الآية: كأنَّه قال: والحقيقة هاهنا، وذكر العذابَ أَوَّلاً تَهَمُّمَاً به من حيث الحذر في الإنسان، ينبغي أَنْ يكونَ أولاً، فإذا تحرز من المخاوف مَدَّ حينئذ أمله، فذكر تعالى ما يحذر قبل ما يطمع فيه، وهو المغفرة والرضوان، وعبارة الثعلبيِّ:

ثُمَّ يَهِيجُ أي: يجفُّ وَفِي الْآخِرَةِ/ عَذابٌ شَدِيدٌ: لأعداء اللَّه وَمَغْفِرَةٌ: لأوليائه، وقال الفَرَّاءُ وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ أي: إمَّا عذاب شديد، وإمَّا مغفرة وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ: هذا تزهيد في العمل للدنيا، وترغيبٌ في العمل للآخرة، انتهى، وهو حسن، وعن طارق قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نِعْمَتِ الدَّارُ الدُّنْيَا لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا لآِخِرَتِهِ، وَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ صَدَّتْهُ عَنْ آخِرَتِهِ، وَقَصَّرَتْ بِهِ عَنْ رِضَا رَبِّهِ، فَإذَا قَالَ الْعَبْدُ: قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيا قَالَتِ الدُّنْيَا: قَبَّحَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِرَبِّهِ» «١» .

رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «السلاح» ، ولا يشك عاقل أَنَّ حُطَامَ الدنيا مُشْغِلٌ عنِ التأهب للآخرة قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» : وقد رُوِيَ مرفوعاً: «لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ» «٢» قال أبو عمر: ثم نقول: إنَّ الزهد في الحلال، وترك الدنيا مع القدرة عليها- أفضلُ من الرغبة فيها في حلالها، وهذا ما لا خلافَ فيه بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً، والآثار الواردة عنِ الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم من علماء المسلمين في فضل الصبر والزهد فيها، وفَضْل القناعة، والرضا بالكفاف، والاقتصارِ على ما يكفي دون التكاثر الذي يُلْهِي ويُطْغِي-: أكثر من أَنْ يحيط بها كتاب، أو يشمل عليها باب، والَّذِينَ زوى اللَّه عنهم الدنيا من الصحابة، أكثرُ من الذين فتحها عليهم أضعافاً مضاعفةً، وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أَنَّهُ لما حضرته الوفاةُ بَكَى بُكَاءً شديداً، وقال: كان مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ خيراً مِنِّي تُوُفِّيَ وَلَمْ يَتْرُكْ ما يُكَفَّنُ فيه، / وَبَقِيتُ بعده حتى أَصَبْتُ من الدنيا وأصابت مِنِّي، ولا أحسبني إلاَّ سَأُحْبَسُ عن أصحابي بما فتح اللَّهُ عليَّ من ذلك، وجعل يبكي حتى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ إلّا حَفْصًا بِتَخْفِيفِ الصّادِ فِيهِما عَلى مَعْنى التَّصْدِيقِ وقَرَأ الباقُونَ، بِالتَّشْدِيدِ عَلى مَعْنى الصَّدَقَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٍ والفَرّاءِ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها عَلى نَظْمِها.

والواوُ في "والشُّهَداءُ" .

واوُ النَّسَقِ.

ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ صِدِّيقٌ شَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وهم ثَمانِيَةُ نَفَرٍ سَبَقُوا إلى الإسْلامِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وزَيْدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وفي الشُّهَداءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ شاهِدٍ.

ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الشّاهِدُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ لِلَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ شَهِيدٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأولادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعْظٌ وتَبْيِينٌ لِأمْرِ الدُنْيا وضَعَةُ مَنزِلَتِها، و"أنَّما" سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِلْعِلْمِ بِأنَّها لا تَدْخُلُ عَلى اثْنَيْنِ، وهي -وَإنْ كَفَّتْ عَنِ العَمَلِ- فالجُمْلَةُ بَعْدَها نافِيَةٌ.

و"الحَياةُ الدُنْيا" في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عَنِ الأشْغالِ والتَصَرُّفاتِ والفِكْرِ الَّتِي هي مُخْتَصَّةٌ بِالحَياةِ الدُنْيا، وأمّا ما كانَ مِن ذَلِكَ في طاعَةِ اللهِ وسَبِيلِهِ، وما كانَ مِنَ الضَرُوراتِ الَّتِي تُقِيمُ الأودَ وتُعِينُ عَلى الطاعاتِ، فَلا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وتَأمَّلْ حالَ المُلُوكِ بَعْدَ فَقْرِهِمْ بَيَّنَ لَكَ أنَّ جَمِيعَ تَرَفِهِمْ لَعِبٌ ولَهْوٌ.

و"الزِينَةُ" التَحْسِينُ الَّذِي هو خارِجٌ مِن ذاتِ الشَيْءِ، و"التَفاخُرُ" هو بِالأنْسابِ والأمْوالِ وغَيْرِها، و"التَكاثُرُ" هو الرَغْبَةُ في الدُنْيا، وعَدَّدَها لِتَكُونَ العِزَّةُ لِلْكائِرِ عَلى المَذْهَبِ الجاهِلِيِّ.

ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى مِثْلَ الدُنْيا، فالكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَمَثَلِ" في مُوضٍ رُفِعَ صِفَةً لِما تَقَدَّمَ، وصُورَةُ هَذا المَثَلِ أنَّ الإنْسانَ يَنْشَأُ في حَجْرِ مَمْلَكَةٍ فَما دُونُ ذَلِكَ، فَيَشِيخُ ويَضْعُفُ ويُسْقِمُ وتُصِيبُهُ النَوائِبُ في مالِهِ وذُرِّيَّتِهِ ويَمُوتُ ويَضْمَحِلُّ أمْرُهُ، وتَصِيرُ أمْوالُهُ لِغَيْرِهِ وتَتَغَيَّرُ رُسُومُهُ، فَأمْرُهُ مِثْلُ مَطَرٍ أصابَ أرْضًا فَنَبَتَ عن ذَلِكَ الغَيْثِ نَباتٌ مُعْجَبٌ أنِيقٌ، ثُمَّ هاجَ، أيْ: يَبِسَ واصْفَرَّ ثُمَّ تَحَطَّمَ ثُمَّ تَفَرَّقَ بِالرِياحِ واضْمَحَلَّ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في لَفْظَةِ "الكُفّارِ" هُنا، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: هو مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّهم أشَدُّ تَعْظِيمًا لِلدُّنْيا، وأشَدُّ إعْجابًا بِمَحاسِنِها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: هو مِن "كَفَّرَ الحَبَّ" أيْ: سَتَرَهُ في الأرْضِ، وهُمُ الزُرّاعُ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم أهْلُ البَصَرِ بِالنَباتِ والفِلاحَةِ فَلا يُعْجِبُهم إلّا المُعْجَبُ حَقِيقَةَ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، و"هاجَ الزَرْعُ" مَعْناهُ: يَبِسَ واصْفَرَّ، و"حُطامٌ" بِناءُ مُبالِغَةٍ، يُقالُ حَطِيمٌ وحُطامٌ بِمَعْنى مَحْطُومٍ أو مُتَحَطِّمٌ، كَعَجِيبٍ وعُجابٍ بِمَعْنى مُعْجَبٍ أو مُتَعَجَّبٍ مِنهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والحَقِيقَةُ ماهِنًا...

ثُمَّ ذَكَرَ العَذابَ أوَّلًا تَهَمُّمًا بِهِ مِن حَيْثُ الحَذَرُ في الإنْسانِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أوَّلًا، فَإذا تَحَذَّرَ مِنَ المَخاوِفِ مَدَّ حِينَئِذٍ أمَلَهُ، فَذَكَرَ اللهَ تَعالى ما يَحْذَرُ قَبْلَ ما يَطْمَعُ فِيهِ وهو المَغْفِرَةُ والرِضْوانُ، ورُوِيَ عن عاصِمٍ ضَمُّ الراءِ مِن "وَرِضْوانٌ".

و"مَتاعُ الغُرُورِ" مَعْناهُ: الشَيْءُ الَّذِي لا يَعْظُمُ الِاسْتِمْتاعُ بِهِ إلّا مُغْتَرٌّ، وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: مَتاعُ الغُرُورِ: القَوارِيرُ، لِأنَّ الفَسادَ والآفاتِ تُسْرِعُ إلَيْها، فالدُنْيا كَذَلِكَ أو هي أشَدُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الاموال والاولاد ﴾ .

أعقب التحريض على الصدقات والإِنفاققِ بالإِشارة إلى دحض سبب الشح أنه الحرص على استبقاء المال لإِنْفَاقَه في لذائذ الحياة الدنيا، فضُرب لهم مثلُ الحياة الدنيا بحاللٍ محقَّرة على أنها زائلة تحقيراً لحاصلها وتزهيداً فيها لأن التعلق بها يعوق عن الفَلاَح قال تعالى: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ [الحشر: 9]، وقال: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ [النساء: 128].

كل ذلك في سياق الحث على الإنفاق الواجب وغيره، وأشير إلى أنها ينبغي أن تتخذ الحياة وسيلة للنعيم الدائم في الآخرة، ووقاية من العذاب الشديد، وما عدا ذلك من أحوال الحياة فهو متاع قليل، ولذلك أعقب مثل الحياة الدنيا بالإِخبار عن الآخرة بقوله: «في الآخرة عذاب» الخ.

وافتتاح هذا بقوله تعالى: ﴿ اعلموا ﴾ للوجه الذي بيناه آنفاً في قوله: ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ﴾ [الحديد: 17].

و ﴿ أَنَّمَا ﴾ المفتوحةُ الهمزة أخت (إنما) المكسورة الهمزة في إفادة الحصر، وحصر الحياة الدنيا في الأخبار الجارية عليها هو قصر أحوال الناس في الحياة على هذه الأمور الستة باعتبار غالب الناس، فهو قصر ادعائي بالنظر إلى ما تنصرف إليه همم غالب الناس من شؤون الحياة الدنيا، والتي إن سلم بعضهم من بعضها لا يخلو من ملابسة بعض آخر إلا الذين عصمهم الله تعالى فجعل أعمالهم في الحياة كلها لوجه الله، وإلا فإن الحياة قد يكون فيها أعمال التقى والمنافع والإحسان والتأييد للحق وتعليم الفضائل وتشريع القوانين.

وقد ذكر هنا من شؤون الحياة ما هو الغالب على الناس وما لا يخلو من مقارفة تضييع الغايات الشريفة أو اقتحام مساوٍ ذميمة، وهي أصول أحوال المجتمع في الحياة، وهي أيضاً أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم، فإن اللعب طور سِنّ الطفولة والصبا، واللهوَ طور الشباب، والزينة طور الفتوة، والتفاخرَ طور الكهولة، والتكاثر طور الشيخوخة.

وذكر هنا خمسة أشياء: فاللعب: اسم لقول أو فعل يراد به المزح والهزل لتمضية الوقت أو إزالة وحشة الوحدة، أو السكون، أو السكوت، أو لجلب فرح ومسرة للنفس، أو يجلب مثل ذلك للحبيب، أو يجلب ضده للبغيض، كإعمال الأعضاء وتحريكها دفعاً لوحشة السكون، والهذيان المقصود لدفع وحشة السكوت، ومنه العبث، وكالمزح مع المرأة لاجتلاب إقبالها ومع الطفل تحبباً أو إرضاء له.

واللعب: هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب ويتفاوت غيرهم في الإِتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار الأولى من الإِنسان وفي رجاحة العقول وضعفها.

والإِفراط فيه من غير أصحاب طوره يؤذن بخسة العقل، ولذلك قال قوم إبراهيم له: ﴿ أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ﴾ [الأنبياء: 55].

واللعب يكثر في أحوال الناس في الدنيا فهو جزء عظيم من أحوالها وحسبك أنه يَعمُر معظم أحوال الصبا.

واللهو: اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس به وصرفها عن ألم حاصل من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد، يقال: لها عن الشيء، أي تشاغل عنه.

قال امرؤ القيس: وبيضة خدر لا يرام خِباؤها *** تمتعتُ من لَهْو بها غيرَ معجَل وقال النابغة يذكر حجه: حيَّاككِ ربي فإنا لا يحل لنا *** لَهْوُ النساء وإن الدِّين قد عَزَما ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره، ويكثر اللهو في أحوال الدنيا من تطلب اللذات والطرب.

والزينة: تحسين الذات أو المكان بما يجعل وقعه عند ناظره مُسراً له، وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم وذلك في طباع النساء أشد، وربّما كان من أسباب شدته فيهن كثرةُ إغراء الرجال لهن بذلك.

ويكثر التزين في طور الفتوة لأن الرجل يشعر بابتداء زوال محاسن شبابه، والمرأة التي كانت غانية تحب أن تكون حالِيَة، وليس ذلك لأجل تعرضها للرجال كما يتوهمه الرجال فيهن غروراً بأنفسهم بل ذلك لتكون حسنة في الناس من الرجال والنساء.

ويغلب التزين على أحوال الحياة فإن معظم المساكن والملابس يراد منه الزينة، وهي ذاتية ومعنوية، ومن المعنوية ما يسمى في أصول الفقه بالتحسيني.

والتفاخر: الكلام الذي يفخر به، والفخر: حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل.

وصيغ منه زنة التفاعل لأن شأن الفخر أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف ﴿ بينكم ﴾ .

والناس يتفاخرون بالصفات المحمودة في عصورهم وأجيالهم وعاداتهم، فمن الصفات ما الفخر به غير باطل.

وهو الصفات التي حقائقها محمودة في العقل أو الشرع.

ومنها ما الفخر به باطل من الصفات والأعمال التي اصطلح قوم على التمدح بها وليست حقيقة بالمدح مثل التفاخر بالإِغلاء في ثمن الخمور وفي الميسر والزنى والفخر بقتل النفوس والغارة على الأموال في غير حق.

وأغلب التفاخر في طور الكهولة واكتمال الاشُدَّ لأنه زمن الإِقبال على الأفعال التي يقصد منها الفخر.

والتفاخر كثير في أحوال الناس في الدنيا، ومنه التباهي والعُجب، وعنه ينشأ الحسد.

والتكاثر: تفاعل من الكثرة، وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء، فإنه يكون أحرص على أن يكون الأكثر منه عنده فكان المرء ينظر في الكثرة من الأمر المحبوب إلى امرئ آخر له الكثرة منه، ألا ترى إلى قول طرفة: فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم *** ولو شاء ربي كنت عمرو بن مَرثد فأصبحت ذا مال كثير وطافَ بي *** بنونَ كرامٌ سَادة لمسوَّد ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه، قال تعالى: ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ [التكاثر: 1].

و ﴿ في ﴾ من قوله: ﴿ في الأموال والأولاد ﴾ : إما مستعملة في التعليل، وإما هي الظرفية المجازية، فإن جُعلت الأموال كالظرف يحصل تكاثر الناس عنده كمن ينزع في بئر.

والمعنى: أن الله أقام نظام أحوال الناس في الحياة الدنيا على حكمة أن تكون الحياة وسيلة لبلوغ النفوس إلى ما هيّأَها الله له من العروج إلى سمو المَلَكِيَّة كما دل عليه قوله: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30]، فكان نظام هذه الحياة على أن تجري أمور الناس فيها على حسب تعاليم الهدى للفوز بالحياة الأبدية في النعيم الحق بعد الممات والبعث، فإذا الناسُ قد حرفوها عن مهيعها، وقد تضمن ذلك قوله تعالى: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [النحل: 97].

﴿ والاولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ ﴾ .

يجوز أن يكون في موضع خبر من مبتدأ محذوف، أي هي كمثللِ غيث فتكون الجملة استئنافاً، وحَذفُ المسند إليه من النوع الذي سماه السكاكي «متابعةَ الاستعمال».

ويجوز أن يكون الكاف في موضع الحال و ﴿ كمثل ﴾ معناه كحال، أي حال الحياة الدنيا كحال غيث الخ، فشبهت هيئة أهل الدنيا في أحوالهم الغالبة عليهم والمشار إلى تنويعها بقوله: ﴿ لعب ولهو ﴾ إلى آخره بهيئة غيث أنبت زرعاً فأينع ثم اصفر ثم اضمحلّ وتحطم، أي تشبيه هيئة هذه الأحوال الغالبة على الناس في الحياة في كونها محبوبة للناس مزهية لهم وفي سرعة تقضيها بهيئةِ نبات جديد أنبته غيث فاستوى واكتمل وأُعجب به من رآه فمضت عليه مدة فيبس وتحطم.

والمقصود بالتمثيل هو النبات، وإنما ابتدئ بغيث تصويراً للهيئة من مبادئِها لإِظهار مواقع الحسن فيها لأن ذلك يكتسب منه المشبه حُسناً كما فعل كعب بن زهير في تحسين أوصاف الماء الذي مُزجت به الراح في قوله: شُجت بذي شَيم من ماء مَحنية *** صاففٍ بأبطحَ أضحَى وهو مشمول تَنفي الرياحُ القَذى عنه وأفرطَه *** من صَوْب ساريةٍ بيضٌ يعاليل وعن ابن مسعود «أن الكفار: الزُرَّاع، جمع كافر وهو الزارع لأنه يَكفر الزريعة بتراب الأرض، والكفر بفتح الكاف الستر، أي ستر الزريعة، وإنما أوثر هذا الاسم هنا وقد قال تعالى في سورة [الفتح: 29]: ﴿ يعجب الزراع ﴾ ، قصدا هنا للتورية بالكفار الذين هم الكافرون بالله لأنهم أشد إعجاباً بمتاع الدنيا إذ لا أمل لهم في شيء بعده.

وقال جمع من المفسرين: الكفار جمع الكافر بالله لأنهم قصروا إعجابهم على الأعمال ذات الغايات الدنيا دون الأعمال الدينية، فذكر الكفار تلويح إلى أن المثل مسوق إلى جانبهم أوّلاً.

والنبات: اسم مصدر نَبت قال تعالى: ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ [نوح: 17]، وهو هنا أطلق على النابت من إطلاق المصدر على الفاعل وهو كثير، وأصله أن يراد به المبالغة، وقد يشيع فيزول قصد المبالغة به.

وقوله: ﴿ ثم يهيج ﴾ تضافرت كلمات المفسرين على تفسير يهيج ب (ييبس) أو يجف، ولم يستظهروا بشاهد من كلام العرب يدل على أن من معاني الهياج الجفاف، وقد قال الراغب: يقال: هاج البقل، إذا اصفَرّ وطاب، وفي «الأساس»: من المجاز هاج البقل، إذا أخذ في اليبس.

وهذان الإِمامان لم يجعلا (هاج) بمعنى (يبس) وكيف لفظ الآية ﴿ ثم يهيج فتراه مصفراً ﴾ ، فالوجه أن الهياج: الغلظ ومقاربة اليبس، لأن مادة الهياج تدل على الاضطراب والثوران وسميت الحرب الهيجاء، وقال النابغة: أهاجك من سُعداك مغنى المعاهد *** والزرع إذا غلظ يكون لحركته صوت فكأنه هائج، أي ثائر وذلك ابتداء جفافه، وذلك كقوله تعالى: ﴿ كزرع أخرج شطأه فئازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ﴾ في سورة [الفتح: 29].

وعطفت جملة يهيج} ب (ثم) لإِفادة التراخي الرتبي لأن اصفرار النبات أعظم دلالة على التهيّؤ للزوال، وهذا هو الأهم في مقام التزهيد في متاع الدنيا.

وعطف ﴿ فتراه مصفراً ﴾ بالفاء لأن اصفرار النبت مقارب ليبسه، وعطف ﴿ ثم يكون حطاماً ﴾ ب (ثم) كعطف ﴿ ثم يهيج ﴾ .

والحُطام: بضم الحاء ما حطم، أي كُسر قطعاً.

فضرب مثل الحياة الدنيا لأطوار ما فيها من شباب وكهولة وهرم ففناء، ومن جدة وتبذّل وبلى، ومن إقبال الأمور في زمن إقبالها ثم إدبارها بعد ذلك، بأطوار الزرع.

وكلُّهَا أعراض زائلة وآخرها فناء.

وتندرج فيها أطوار المرء في الحياة المذكورة في قوله: ﴿ لعب ولهو ﴾ إلى ﴿ والأولاد ﴾ كما يظهر بالتأمل.

وهذا التمثيل مع كونه تشبيه هيئة مركّبة بهيئةٍ مثلها هو صالح للتفريق ومقابلة أجزاء الهيئة المشبهة بأجزاء الهيئة المشبه بها، فيشبَّه أول أطوار الحياة وإقبالها بالنبات عقب المطر، ويشبّه الناس المنتفعون بإقبال الدنيا بناس زُراع، ويشبّه اكتمال أحوال الحياة وقوة الكهولة بهياج الزرع، ويشبّه ابتداء الشخوخة ثم الهرم وابتداء ضعف عمل العامل وتجارة التاجر وفلاحة الفلاح باصفرار الزرع وتهيئه للفناء، ويشبه زوال ما كان للمرء من قوة ومال بتحطم الزرع.

ويفهم من هذا أن ما كان من أحوال الحياة مقصوداً لوجه الله فإنه من شؤون الآخرة فلا يدخل تحت هذا التمثيل إلا ظاهراً.

فأعمال البِر ودراسة العلم ونحو ذلك لا يعتريها نقصٌ ما دام صاحبها مقبلاً عليها، وبعضها يزداد نماء بطول المدة، وتقدم نظير هذه الآية في سورة الزمر.

﴿ وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ .

كان ذكر حال الحياة الدنيا مقتضياً ذكر مقابلة على عادة القرآن، والخبرُ مستعمل في التحذير والتحريض بقرينة السياق، ولذلك لم يبين أصحاب العذاب وأصحاب المغفرة والرضوان لظهور ذلك.

وكنِيَ عن النعيم بمغفرة من الله ورضوان لأن النعيم قسمان مادي وروحاني، فالمغفرةَ والرضوان أصل النعيم الروحاني كما قال تعالى: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72] وهما يقتضيان النعيم الجسماني لأن أهل الجنة لما ركبت ذواتهم من أجسام وأودعت فيها الأرواح كان النعيمان مناسبين لهم تكثيراً للذات، وما لذة الأجسام إلا صائرة إلى الأرواح لأنها المدركة اللذات، وكان رضوان الله يقتضي إعطائهم منتهى ما به التذاذهم، ومغفرته مقتضية الصفح عما قد يعوق عن بعض ذلك.

وعطف ﴿ وما الحياة الدنيا إلاَّ متاع الغرور ﴾ على ﴿ وفي الآخرة عذاب شديد ﴾ للمقابلة بين الحالين زيادة في الترغيب والتنفير.

والكلام على تقدير مضاف، أي وما أحوال الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.

والحصر ادعائي باعتبار غالب أحوال الدنيا بالنسبة إلى غالب طالبيها، فكونها متاعاً أمر مطرد وكون المتاع مضافاً إلى الغرور أمر غالب بالنسبة لما عدا الأعمال العائدة على المرء بالفوز في الآخرة.

والغُرور: الخديعة، أي إظهار الأمر الضار الذي من شأنه أن يحترز العاقل منه في صورة النافع الذي يرغب فيه.

وإضافة ﴿ متاع ﴾ إلى ﴿ الغرور ﴾ على معنى لام العاقبة، أي متاع صائر لأجل الغرور به، أي آيل إلى أنه يغرّ الناظرين إليه فيسرعون في التعلق به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُصَدِّقِينَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

الثّانِي: المُتَصَدِّقِينَ بِأمْوالِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ بِتَصْدِيقِ اللَّهِ ورُسُلِهِ.

﴿ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وهُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ كَلامٌ تامٌّ.

وَقَوْلُهُ ﴿ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الرُّسُلُ يَشْهَدُونَ عَلى أُمَمِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهم أُمَمُ الرُّسُلِ يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

وَفِيما يَشْهَدُونَ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما يَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِما عَمِلُوا مِن طاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: يَشْهَدُونَ لِأنْبِيائِهِمْ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلى أُمَمِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَقالَ مُقاتِلٌ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّهُمُ القَتْلى في سَبِيلِ اللَّهِ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يَعْنِي ثَوابَ أعْمالِهِمْ.

﴿ وَنُورُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُورُهم عَلى الصِّراطِ.

الثّانِي: إيمانُهم في الدُّنْيا، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ألمايان للذين آمنوا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أنس لا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن، فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون فسحب رداءه محمراً وجهه فقال: أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قالوا يا رسول الله: فما كفارة ذلك؟

قال: تبكون قدر ما ضحكتم» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قال: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أول ما يرفع من الناس الخشوع» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ﴾ يقول: ألم يحن للذين آمنوا.

وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ﴾ قال: تليين القلوب بعد قسوتها.

وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كان بين أسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ إلا أربع سنين.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن الزبير أن ابن مسعود أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون.

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ الآية أقبل بعضنا على بعض أي شيء أحدثنا؟

أي شيء صنعنا؟.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي رواد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ظهر منهم المزاح والضحك فنزلت ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذوا في شيء من المزاح فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعدما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا، فنزلت ﴿ ألم يأن للذين أمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن القاسم قال: ملّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ [ يوسف: 3] ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل الله: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم ألا أن كل ما هو آت قريب، ألا إنما البعيد ما ليس بآت» .

وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فقالوا: أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، قالوا: لا بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم فاقتلوه فلن يختلف عليكم أحد بعده، فأرسلوا إليه فأخذ ورقة وكتب فيها كتاب الله ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليه الثياب فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: أتؤمن بهذا؟

فأومأ إلى صدره فقال: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟

يعني الكتاب الذي فيه القرآن فخلوا سبيله، وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات وجدوا الكتاب الذي فيه القرآن معلق عليه فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟

إنما عنى هذا الكتاب، فاختلف بنوا إسرائيل على بضع وسبعين ملة وخير مللهم أصحاب ذي القرآن.

قال عبدالله: وإن من بقي منكم سيرى منكراً وبحسب امرئ يرى منكراً لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه كاره له.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا تلا هذه الآية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ ثم قال: بلى يا رب بلى يا رب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية شداد بن أوس: أول ما يرفع من الناس الخشوع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ الأمد ﴾ قال: الدهر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: جمع أبو موسى الأشعري القراء فقال: لا يدخلن عليكم إلا من جمع القرآن، فدخلنا ثلاثمائة رجل فوعظنا وقال: أنتم قراء هذه البلد والله ليطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ الآية، آراء المتأخرين من أهل التفسير يفسرون الحياة الدنيا بما في هذه الدار الفانية من العروض والأموال التي تسمى الدنيا وهي لا تسمى الحياة، والحياة الدنيا الحياة في هذه الدار، وللآدمي حياتان، الحياة الدنيا، وهي حياته في هذه الدار، وحياته الثانية: حياته في الآخرة، أعلم الله تعالى أن الحياة الفانية ما هي وهو يريد حياة من لا تكون حياته في طاعته؛ لأن من كانت حياته في طاعة الله لا تكون حياته لعبًا ولهوًا.

قال ابن عباس في هذه الآية: يريد ما كان لغير الله فهو باطل وغرور (١) قوله تعالى: ﴿ وَزِينَةٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد يتزين الناس بما لا يحب الله ولا يرضى (٢) ﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ﴾ يعني أنكم تشتغلون في حياتكم بالتفاخر.

قال ابن عباس: يفاخر الرجل قريبه وجاره (٣) ﴿ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾ قال ابن عباس: يجمع ما لا يحل له تكاثرًا به، ويتطاول على أولياء الله بماله وخدمه وولده (٤) ثم بين لهذه الحياة شبيهًا فقال ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ ﴾ يعني المطر والكاف موضعه رفع من وجهين أحدهما: أن يكون صفة لقوله.

﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ وما ذكر بعدهما.

والآخر: أن يكون خبرًا بعد خبر قاله الزجاج (٥) ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ  ﴾ الآية.

وقد بينا الكلام فيها قوله تعالى: ﴿ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ يعني الزراع، عن عبد الله ومجاهد (٦) قال الأزهري: والعرب تقول: للزارع كافرًا؛ لأنه يكْفُرُ البَذْرَ الذي يبذره بتراب الأرض، ومنه قوله: ﴿ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ أي الزُّرَّاعَ، وإذا أعجب الزراع نباتة مع علمهم به فهو غاية ما يُسْتَحْسَنُ، قال: وقيل الكفار في هذه الآية الكفار باللهِ وهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين هذا كلامه (٧) (٨) وقوله: ﴿ نَبَاتُهُ ﴾ أي ما ينبت من ذلك الغيث وباقي الآية مفسر في سورة الزمر (٩) قال أهل المعاني: زهد الله بهذه الآية في العمل للدنيا ورغب في العمل للآخرة وهي صفة حياة الكافر وحياة من يشتغل باللهو واللعب وما ذكر بعدهما، وهي خطاب للكافر وتحذير للمؤمنين عن مثل حياتهم، ويدل على هذا قوله: ﴿ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ فختم بذكر العذاب، والمعنى: فعذاب شديد لمن كانت حياته بهذه الصفة.

قال مقاتل: عذاب شديد لأعداء الله ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ﴾ لأوليائه وأهل طاعته (١٠) قال الزجاج: معناه: مغفرة لأولياء الله، وعذاب لأعدائه (١١) وقال الفراء: ذكر ما في الدنيا وأنه على ما وصف، ثم قال: وأما الآخرة فإنها إما عذاب وإما جنة (١٢) قوله تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ يعني لمن عمل لها ولم يعمل للآخرة، وهو معنى قول مقاتل، أي: لمن اغتر بها يتمتعون ثم يذهب (١٣) وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور هو ما يلهيك عن طلب الآخرة وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه (١٤) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"التفسير الكبير" 29/ 233.

(٢) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 233، و"الجامع لأحكام القرآن" 5/ 255.

(٣) انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 298.

(٤) انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"التفسير الكبير" 29/ 233.

(٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.

(٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 233، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 313.

(٧) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 199 (كفر).

(٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.

(٩) عند "تفسيره" الآية (21) من سورة الزمر.

(١٠) انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 298.

(١١) انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" 3/ 135.

(١٣) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 234، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 256.

(١٤) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 298، و"لباب التأويل" 7/ 36، و"فتح القدير" 5/ 175.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ﴾ الآية معناها تشبيه الدنيا بالزرع الذي ينبته الغيث في سرعة تغيره بعد حسنه، وتحطمه بعد ظهوره والكفّار هنا يراد به الزراع فهو من قوله: كفرتُ الحبَّ إذا سترته تحت الأرض: وخصهم بالذكر لأنهم أهل البصر بالزرع والفلاحة، فلا يعجبهم إلا ما هو حقيق أن يعجب، وقيل: أراد الكفار بالله وخصهم بالذكر؛ لأنهم أشد إعجاباً بالدنيا وأكثر حرصاً عليها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

﴿ وَمَا نَزَلَ ﴾ قرئ مخففا ومثقلا، فمن شدد لما سبق من ذكر الله  ، ومن خفف، جعل الفعل للحق.

ثم الآية تحتمل وجوهاً: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر، ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا ظاهراً وأظهروا الموافقة للمؤمنين ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: إذا ذكر الله ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: القرآن إذا يتلى عليهم، أي: يرق قلوبهم وتؤمن به؛ لأنهم كانوا يتربصون برسول الله  الدوائر، ويطمعون هلاكه، أمّن الله  المؤمنين من ذلك الخوف وآس أولئك عما تربصوا فيه من نزول الدوائر، فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ ظاهراً ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .

[على] هذا التأويل: أي: لا تكونوا كأولئك الذين تمادوا في الضلال وقساو القلوب؛ لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب.

ويحتمل أن يكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول الله  قبل أن يبعث فيقول: ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ به من قبل أن يبعث ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي كتابهم ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ وهو القرآن أن يؤمنوا به، كما كانوا آمنوا به لما وجدوا نعته في كتابهم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ...

﴾ الآية.

أي: لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب، ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ ﴾ أي: طال عليهم أن ينظروا في كتبهم؛ ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ بطول ترك نظرهم فيها، والله أعلم.

ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أتى للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم عند ذكر الله بالنظر والتأمل في ذلك؛ فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم عند ذكر الله، ويزداد لهم الإيمان واليقين؛ للنظر فيه والتفكر، وفهم ما فيه، والله أعلم.

والثاني: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر الله، ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ ، أي: لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره ولا تركزوا النظر فيه والتفكر، [كالذين] غفلوا عما فيه؛ فقست قلوبهم فلا تكونوا أنتم كهم؛ فتقسو قلوبكم كما قست قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، أي: كثير من أولئك الذين أوتوا الكتاب فاسقون؛ لتركهم النظر في الكتاب.

وجائز ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أي: المعاندون، والقليل منهم المقلدون؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ \[المؤمنون: 70\]، أي: معاندون، وهم الرؤساء والقادة الذين كابروا الرسل وعاندوهم إلا قليل منهم اتبعهم وقلدوهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ .

ذكر هذا ليس على أنهم لم يكونوا علموا أن الله هو يحيي الأرض بعد موتها، بل كانوا عالمين بذلك، لكنه ذكر كما ذكر لرسول الله  حيث قال: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، أي: أشعر قلبك في كل وقت وساعة الربوبية لله  والوحدانية له؛ فعلى هذا يحتمل قوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ، أي: أشعروا قلوبكم في كل وقت جعل الألوهية والربوبية لله  ، وصرف العبادة إليه، والتنزيه والتبرئة له عما لا يليق به مما يوصف به الخلق؛ إذ علمتم أنه يحيي الأرض بعد موتها، فاعلموا، [أنه] يمتحنكم بأنواع المحن؛ إذ لا يحتمل إحياء ما ذكر بغير فائدة وتركهم سدى.

أو يقول: قد علمتم أن الله  هو يحيي الأرض بعد موتها، وأنتم ترغبون فيما أحياه، وتصيبون منه، وتجتهدون في نيل ذلك وإصابته، فاجتهدوا في إصابة البركات الدائمة في الحياة الباقية.

أو يقول: كما علمتم: أنه قادر على إحياء الأرض بعد موتها، فاعلموا أنه قادر على البعث، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف "لعل" من الله  يخرج على الإيجاب، لكن يخرج هاهنا على الترجي وإطماع العقل للآيات والفهم لها إذ نظروا فيها وتأملوا أنها آيات من الله  .

أو أن يرجع ذلك إلى خاص من الناس لو خرج حرف "لعل" للإيجاب دون الترجي، وهم الذين علم الله  أنهم يعقلون أنها آيات ويؤمنون بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ قرئ مشدد الصاد والدال، ومخفف الصاد، فمن شدد جعله من التصدق، أي: المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد، فيصير المصَّدِّقين، مثل: المزمل والمدثر؛ يؤيد ذلك ما ذكر في حرف أبي بن كعب -  - أنه قرأ بالتاء: (إن المتصدقين والمتصدقات).

ومن خففه، جعلهما من التصديق والإيمان.

وقوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، سمى المؤمنين: صديقين، والصديق لا يقال إلا لمن يكثر منه التصديق، وقد يكثر من كل مؤمن التصديق وإن كان ما يأتي به إنما هو شيء واحد نحو إذا صدق الله - صدق رسله فيما أخبروا عن الله  وفيما دعوهم إلى ما دعوا، وبلغوا عن الله إلى الناس، وصدق الخلائق جميعا فيما شهدوا على وحدانية الله  وألوهيته من حث شهادة الخلقة وشهادة الأخبار في حق المؤمنين، فتصديقه يكثر، وإن كان الكلام في نفسه يقل، وهو كما قلنا لأبي حنيفة - رحمه الله - في جواز الخطبة بتسبيحة أو تهليلة: إنها كلمة وجيزة، لو فسرت وبسطت، صارت خطبة طويلة، والله أعلم.

فإن قيل: إن أبابكر -  - فضل باسم الصديق على غيره من الأمة، فإذا استحق غيره من المؤمنين هذا الاسم لم يختص هو بتلك الفضيلة؟

قيل: إن أبا بكر -  - سمي: صديقا وخص به من بين سائر الصحابة والمؤمنين؛ لمعنى اختص به من بينهم، وغيره من المؤمنين سموا: صديقين من بين سائر أهل الأرض جميعا إلا في مقابلته، كهو اختص بهذا الاسم من بين سائرهم إلا في مقابلة النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هذا هو معنى تفضيله، والفضل عند المقابلة يكون.

ويحتمل أن يكون ذلك الاختصاص له للاعتقاد والمعاملة جميعا وسائر المؤمنين سموا: صديقين؛ للاعتقاد خاصة، ومن وفى الأمرين جميعا كان أفضل من ممن وفى أمرا واحدا.

وقوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ من الناس.

من جعل قوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ على الابتداء مقطوعا من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، ومنهم من وصله به: فمن قطع عنه؛ فإنه يقول: الشهداء هم الرسل؛ لقوله  : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً  ﴾ ، ثم أخبر أن لهم أجرهم.

ومن قال إنه موصول ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس؛ كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ...

﴾ الآية [البقرة: 143]، سماهم: شهداء على غيرهم من الأمم، والله اعلم.

ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الله  إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق، ذكر على أثر ذلك ما وعد لهم من الكرامات والثواب الجزيل، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم، ويستدلون بذكر الوعيد على أثر ذلك على أنه قد خرج من الإيمان، لكن ليس لهم بذلك دليل وإنما ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب تلعب به الأبدان، ولهو تلهو به القلوب، وزينة تتجملون بها، وتفاخر بينكم بما فيها من ملك ومتاع، وتباهٍ بكثرة الأموال وكثرة الأولاد، كمثل مطر أعجب الزُّرَّاع نباته، ثم لا يلبث هذا النبات المخضرّ أن ييبس، فتراه -أيها الرائي- بعد اخضراره مصفرًّا، ثم يجعله الله فُتَاتًا بتكسر، وفي الآخرة عذاب شديد للكفار والمنافقين، ومغفرة من الله لذنوب عباده المؤمنين، ورضوان منه، وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل لا ثبات له، فمن آثر متاعها الزائل على نعيم الآخرة فهو خاسر مغبون.

<div class="verse-tafsir" id="91.e4baw"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل