الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ٢١ من سورة الحديد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 49 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢١ من سورة الحديد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
فقال تعالى : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) والمراد جنس السماء والأرض ، كما قال في الآية الأخرى : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) [ آل عمران : 133 ] .
وقال ها هنا : ( أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) أي : هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم ، كما قدمنا في الصحيح : أن فقراء المهاجرين قالوا : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم .
قال : " وما ذاك ؟
" .
قالوا : يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق ، ويعتقون ولا نعتق .
قال : " أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم : تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين " .
قال : فرجعوا فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ، ففعلوا مثله !
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء "
يقول تعالى ذكره: (سَابِقُوا ) أيها الناس (إِلَى ) عمل يوجب لكم (مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أُعِدَّتْ ) هذه الجنة (لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ )، يعني: الذين وحدَّوا الله، وصدّقوا رسله.
وقوله: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) يقول جلّ ثناؤه: هذه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض، التي أعدّها الله للذين آمنوا بالله ورسله، فضل الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل العظيم عليهم، بما بسط لهم من الرزق في الدنيا، ووهب لهم من النِّعم، وعرّفهم موضع الشكر، ثم جزاهم في الآخرة على الطاعة ما وصف أنه أعدّه لهم.
قوله تعالى : سابقوا إلى مغفرة من ربكم أي : سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم .
وقيل : سارعوا بالتوبة ، لأنها تؤدي إلى المغفرة ؛ قاله الكلبي .
وقيل التكبيرة الأولى مع الإمام ؛ قاله مكحول .
وقيل : الصف الأول .
وجنة عرضها كعرض السماء والأرض لو وصل بعضها ببعض .
قال الحسن : يعني جميع السماوات والأرضين مبسوطتان كل واحدة إلى صاحبتها .
وقيل : يريد لرجل واحد أي : لكل واحد جنة بهذه السعة .
وقال ابن كيسان : عنى به جنة واحدة من الجنات .
والعرض أقل من الطول ، ومن عادة العرب أنها تعبر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله .
قال :كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابلوقد مضى هذا كله في ( آل عمران ) .
وقال طارق بن شهاب : قال قوم من أهل الحيرة لعمر رضي الله عنه : أرأيت قول الله عز وجل : وجنة عرضها كعرض السماء والأرض فأين النار ؟
فقال لهم عمر : أرأيتم الليل إذا ولى وجاء النهار أين يكون الليل ؟
فقالوا : لقد نزعت بما في التوراة مثله .
أعدت للذين آمنوا بالله ورسله شرط الإيمان لا غير ، وفيه تقوية الرجاء .
وقد قيل : شرط الإيمان هنا ، وزاد عليه في ( آل عمران ) فقال : أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس .ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء أي : إن الجنة لا تنال ولا تدخل إلا برحمة الله تعالى وفضله .
وقد مضى هذا في ( الأعراف ) وغيرها .
والله ذو الفضل العظيم .
ثم أمر بالمسابقة إلى مغفرة الله ورضوانه وجنته، وذلك يكون بالسعي بأسباب المغفرة، من التوبة النصوح، والاستغفار النافع، والبعد عن الذنوب ومظانها، والمسابقة إلى رضوان الله بالعمل الصالح، والحرص على ما يرضي الله على الدوام، من الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى الخلق بجميع وجوه النفع، ولهذا ذكر الله الأعمال الموجبة لذلك، فقال: { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } والإيمان بالله ورسله يدخل فيه أصول الدين وفروعها، { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } أي: هذا الذي بيناه لكم، وذكرنا لكم فيه الطرق الموصلة إلى الجنة، والطرق الموصلة إلى النار، وأن فضل الله بالثواب الجزيل والأجر العظيم من أعظم منته على عباده وفضله.
{ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } الذي لا يحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده
( سابقوا ) سارعوا ( إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) لو وصل بعضها ببعض ( أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) فبين أن أحدا لا يدخل الجنة إلا بفضل الله .
«سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض» لو وصلت إحداهما بالأخرى والعرض: السعة «أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم».
سابقوا -أيها الناس- في السعي إلى أسباب المغفرة من التوبة النصوح والابتعاد عن المعاصي؛ لِتُجْزَوْا مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، وهي مُعَدَّة للذين وحَّدوا الله واتَّبَعوا رسله، ذلك فضل الله الذي يؤتيه مَن يشاء مِن خلقه، فالجنة لا تُنال إلا برحمة الله وفضله، والعمل الصالح.
والله ذو الفضل العظيم على عباده المؤمنين.
ثم أمرهم - سبحانه - بالمسارعة إلى ما يسعدهم ، بعد أن بين لهم حال الحياة الدنيا فقال : ( سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض ) .وقوله - تعالى - ( سابقوا ) ابتدائية ، والجار والمجرور صفة المغفرة .أى : سارعوا - أيها المؤمنون - مسارعة السابقين لغيرهم ، إلى مغفرة عظيمة كائنة من ربكم .فالتعبير بقوله : ( سابقوا ) لإلهاب الحماس وحض النفوس إلى الاستجابة لما أمروا به ، حتى لكأنهم فى حالة مسابقة يحرص كل قرين فيها إلى أن يسبق قرينه .وقوله : ( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض .
.
.
) معطوف على المغفرة .
أى : سابقوا غيركم - أيها المؤمنون - إلى مغفرة عظيمة من ربكم ، وإلى جنة كريمة؛ هذه الجنة عرضها وسعتها ورحابتها ..
.
كسعة السماء والأرض .وهذه الجنة قد ( أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ ) إيمانا حقا ، جعلهم لا يقصلرون فى أداء واجب من الواجبات التى كلفهم - سبحانه - بها .قال الإمام الفخر الرازى ما ملخصه : فى كون الجنة عرضها كعرض السماء والأرض وجوه : منها : أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا .
.
.
.
لكان ذلك مثل عرض الجنة ، وهذا غاية فى السعة لا يعلمها إلا الله - تعالى - .ومنها : أن المقصود المبالغة فى الوصف بالسعة للجنة ، وذلك لأنه لا شىء عندنا أعرض منهما .وخص - سبحانه - العرض بالذكر ، ليكون أبلغ فى الدلالة على عظمها ، واتساع طولها ، لأنه إذا كان عرضها كهذا ، فإن العقل يذهب كل مذهب فى تصور طولها ، فقد جرت العادة أن يكون الطول أكبر من العرض .قال الإمام ابن كثير : وقد روينا فى مسند الإمام أحمد " أن هرقل - ملك الروم - كتب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : إنك دعوتنى إلى جنة عرضها السموات والأرض ، فأين النار؟
فقال - صلى الله عليه وسلم - : " سبحان الله ، فأين الليل إذا جاء النهار " " .وإسم الإشارة فى قوله - تعالى - : ( ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ) يعود إلى الذى وعد الله - تعالى - به عباده المؤمنين من المغفرة والجنة .أى : ذلك العطاء الجزيل فضل الله - تعالى - وحده وهو صاحب الفضل العظيم لا يعلم مقداره إلا هو - عز وجل - .فأنت ترى أن الله - تعالى - بعد أن بين حال الحياة الدنيا .
دعا المؤمنين إلى المسابقة إلى العمل الصالح ، الذى يوصلهم إلى ما هو أكرم وأبقى .
.
.
وهو الجنة .وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات مِنَ النساء والبنين والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا والله عِنْدَهُ حُسْنُ المآب قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم .
.
).
ثم قال تعالى: ﴿ سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض ﴾ والمراد كأنه تعالى قال: لتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه، بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة.
واعلم أنه تعالى أمر بالمسارعة في قوله: ﴿ سَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ ثم شرح هاهنا كيفية تلك المسارعة، فقال: ﴿ سارعوا ﴾ مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار، وقوله: ﴿ إلى مَغْفِرَةٍ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: لا شك أن المراد منه المسارعة إلى ما يوجب المغفرة، فقال قوم المراد سابقوا إلى التوبة، وقال آخرون: المراد سابقوا إلى سائر ما كلفتم به فدخل فيه التوبة، وهذا أصح لأن المغفرة والجنة لا ينالان إلا بالانتهاء عن جميع المعاصي والاشتغال بكل الطاعات.
المسألة الثانية: احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية، فقالوا: هذه الآية دلت على وجوب المسارعة، فوجب أن يكون التراخي محظوراً، أما قوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض ﴾ وقال: في آل عمران ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض ﴾ ، فذكروا فيه وجوهاً أحدها: أن السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض لكانت الجنة في عرضها، هذا قول مقاتل.
وثانيها: قال: عطاء (عن) ابن عباس يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه الصفة.
وثالثها: قال السدي: إن الله تعالى شبه عرض الجنة بعرض السموات السبع والأرضين السبع، ولا شك أن طولها أزيد من عرضها، فذكر العرض تنبيهاً على أن طولها أضعاف ذلك.
ورابعها: أن هذا تمثيل للعبادة بما يعقلونه ويقع في نفوسهم وأفكارهم، وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض وهذا قول الزجاج.
وخامسها: وهو اختيار ابن عباس أن الجنان أربعة، قال تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ﴾ وقال: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ فالمراد هاهنا تشبيه واحدة من تلك الجنان في العرض بالسموات السبع والأرضين السبع.
ثم قال تعالى: ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج جمهور الأصحاب بهذا على أن الجنة مخلوقة، وقالت المعتزلة هذه الآية: لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ ﴾ يدل على أن من صفتها بعد وجودها أن لا تفنى، لكنها لو كانت الآن موجودة لفنيت بدليل قوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ الثاني: أن الجنة مخلوقة وهي الآن في السماء السابعة، ولا يجوز مع أنها في واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات، قالوا: فثبت بهذين الوجهين أنه لابد من التأويل، وذلك من وجهين: الأول: أنه تعالى لما كان قادراً لا يصح المنع عليه، وكان حكيماً لا يصح الخلف في وعده، ثم إنه تعالى وعد على الطاعة بالجنة، فكانت الجنة كالمعدة المهيأة لهم تشبيهاً لما سيقع قطعاً بالواقع، وقد يقول المرء لصاحبه: (أعدت لك المكافأة) إذا عزم عليها، وإن لم يوجدها، والثاني: أن المراد إذا كانت الآخرة أعدها الله تعالى لهم كقوله تعالى: ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ﴾ أي إذا كان يوم القيامة نادى الجواب: أن قوله: ﴿ كُلُّ شَيْء هَالِكٌ ﴾ عام، وقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ مع قوله: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ ﴾ خاص، والخاص مقدم على العام، وأما قوله ثانياً: الجنة مخلوقة في السماء السابعة قلنا: إنها مخلوقة فوق السماء السابعة على ما قال عليه السلام في صفة الجنة: سقفها عرش الرحمن وأي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه، أليس أن العرش أعظم المخلوقات، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ فيه أعظم رجاء وأقوى أمل، إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله؛ ولم يذكر مع الإيمان شيئاً آخر، والمعتزلة وإن زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة الطاعات بحكم تصرف الشرع، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان إذا عدي بحرف الباء، فإنه باق على مفهومه الأصلي وهو التصديق، فالآية حجة عليهم، ومما يتأكد به ما ذكرناه قوله بعد هذه الآية: ﴿ ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ﴾ يعني أن الجنة فضل لا معاملة، فهو يؤتيها من يشاء من عباده سواء أطاع أو عصى، فإن قيل: فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع العصاة، وأن تقطعوا بأنه لا عقاب لهم؟
قلنا: نقطع بحصول الجنة لهم، ولا نقطع بنفي العقاب عنهم، لأنهم إذا عذبوا مدة ثم نقلوا إلى الجنة وبقوا فيها أبد الآباد، فقد كانت الجنة معدة لهم، فإن قيل: فالمرتد قد آمن بالله، فوجب أن يدخل تحت الآية قلت: خص من العموم، فيبقى العموم حجة فيما عداه.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ﴾ زعم جمهور أصحابنا أن نعيم الجنة تفضل محض لا أنه مستحق بالعمل، وهذا أيضاً قول الكعبي من المعتزلة، واحتجوا على صحة هذا المذهب بهذه الآية، أجاب القاضي عنه فقال: هذا إنما يلزم لو امتنع بين كون الجنة مستحقة وبين كونها فضلاً من الله تعالى، فأما إذا صح اجتماع الصفتين فلا يصح هذا الاستدلال، وإنما قلنا: إنه لا منافاة بين هذين الوصفين، لأنه تعالى هو المتفضل بالأمور التي يتمكن المكلف معها من كسب هذا الاستحقاق، فلما كان تعالى متفضلاً بما يكسب أسباب هذا الاستحقاق كان متفضلاً بها، قال: ولما ثبت أن قوله: ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ﴾ لابد وأن يكون مشروطاً بما يستحقه، ولولا ذلك لم يكن لقوله من قبل: ﴿ سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ معنى.
واعلم أن هذا ضعيف لأن كونه تعالى متفضلاً بأسباب ذلك الكسب لا يوجب كونه تعالى متفضلاً بنفس الجنة، فإن من وهب من إنسان كاغداً ودواة وقلماً، ثم إن ذلك الإنسان كتب بذلك المداد على ذلك الكاغد مصحفاً وباعه من الواهب، لا يقال: إن أداء ذلك الثمن تفضيل، بل يقال: إنه مستحق، فكذا هاهنا، وأما قوله أولاً إنه لابد من الاستحقاق، وإلا لم يكن لقوله من قبل: ﴿ سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ ﴾ معنى، فجوابه أن هذا الاستدلال عجيب، لأن للمتفضل أن يشرط في تفضله أي شرط شاء، ويقول: لا أتفضل إلا مع هذا الشرط.
ثم قال تعالى: ﴿ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ والمراد منه التنبيه على عظم حال الجنة، وذلك لأن ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه وأثنى بسببه على نفسه، فإنه لابد وأن يكون ذلك العطاء عظيماً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَابِقُواْ ﴾ سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار، إلى جنة ﴿ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض ﴾ قال السدي: كعرض سبع السموات وسبع الأرضين، وذكر العرض دون الطول؛ لأنّ كل ماله عرض وطول فإنّ عرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة: عرف أنّ طوله أبسط وأمدّ.
ويجوز أن يراد بالعرض: البسطة، كقوله تعالى: ﴿ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ ﴾ [فصلت: 51] لما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة: بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك: وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة ﴿ ذلك ﴾ الموعود من المغفرة والجنة ﴿ فضلا للَّهِ ﴾ عطاؤه ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ﴾ وهم المؤمنون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سابِقُوا ﴾ سارِعُوا مُسارَعَةَ المُسابِقِينَ في المِضْمارِ.
﴿ إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ إلى مُوجِباتِها.
﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ أيْ عَرْضُها كَعَرْضِهِما وإذا كانَ العَرْضُ كَذَلِكَ فَما ظَنَّكَ بِالطُّولِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ البَسْطَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ﴾ ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ وأنَّ الإيمانَ وحْدَهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِها.
﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ ذَلِكَ المَوْعُودُ يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن غَيْرِ إيجابٍ.
﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ مِنهُ التَّفَضُّلُ بِذَلِكَ وإنْ عَظُمَ قَدْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{سَابِقُواْ} أي بالأعمال الصالحة {إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ} وقيل سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض} قال السدي كعرض سبع السموات وسبع الأرضين
وذكر العرض دون الطول لأن كل ما له عرض وطول فإن عرضه أقل من طوله فإذا وصف عرضه بالبسطة عرف أن طوله أبسط أو أريد بالعرض البسطة وهذا ينفي قول من يقول إن الجنة في السماء الرابعة لأن التي في إحدى السموات لا تكون في عرض السموات والأرض {أعدت للذين آمنوا بالله وَرُسُلِهِ} وهذا دليل على أنها مخلوقة {ذلك} الموعود من المغفرة والجنة {فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} وهم المؤمنون وفيه دليل على أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله {والله ذُو الفضل العظيم} ثم بين أن كل كائن بقضاء الله وقدره بقوله
﴿ سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ ﴾ أيْ سارِعُوا مُسارَعَةَ السّابِقِينَ لِأقْرانِهِمْ في المِضْمارِ إلى أسْبابِ مَغْفِرَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ واسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في لازِمِ مَعْناهُ وإنَّما لَزِمَ ذَلِكَ لِأنَّ اللّازِمَ أنْ يُبادِرَ مَن يَعْمَلُ ما يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ ودُخُولِ الجَنَّةِ لا أنْ يَعْمَلَهُ أوْ يَتَّصِفَ بِذَلِكَ سابِقًا عَلى آخَرَ وقِيلَ: المُرادُ سابِقُوا مَلَكَ المَوْتِ قَبْلَ أنْ يَقْطَعَكم بِالمَوْتِ عَنِ الأعْمالِ المُوَصِّلَةِ لِما ذُكِرَ وقِيلَ: سابِقُوا إبْلِيسَ قَبْلَ أنْ يَصُدَّكم بِغُرُورِهِ وخِداعِهِ عَنْ ذَلِكَ وهو كَما تَرى.
والمُرادُ بِتِلْكَ الأسْبابِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كُنْ أوَّلَ داخِلٍ المَسْجِدَ وآخِرَ خارِجٍ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُونُوا في أوَّلِ صَفِّ القِتالِ، وقالَ أنَسٌ: اشْهَدُوا تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ مَعَ الإمامِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، واسْتُدِلَّ بِهَذا الأمْرِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ بِأوَّلِ وقْتِها أفْضَلُ مِنَ التَّأْخِيرِ ﴿ وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ أيْ كَعَرَضِهِما جَمِيعًا لَوْ أُلْصِقَ أحَدُهُما بِالآخَرِ وإذا كانَ العَرْضُ وهو أقْصَرُ الِامْتِدادَيْنِ مَوْصُوفًا بِالسِّعَةِ دَلَّ عَلى سِعَةِ الطُّولِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فالِاقْتِصارُ عَلَيْهِ أبْلَغُ مِن ذِكْرِ الطُّولِ مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَرْضِ البَسْطَةُ ولِذا وُصِفَ بِهِ الدُّعاءُ ونَحْوُهُ مِمّا لَيْسَ مِن ذَوِي الأبْعادِ وتَقَدَّمَ قَوْلٌ آخَرُ في تَفْسِيرِ نَظِيرِ الآيَةِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ.
﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ أيْ هُيِّئَتْ لَهم، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَنْ أنَّ الجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الآنَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( أُعِدَّتْ ) بِصِيغَةِ الماضِي والتَّأْوِيلُ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ صُرِّحَ بِخِلافِهِ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ وتَمامُ الكَلامِ في عِلْمِ الكَلامِ، وعَلى أنَّ الإيمانَ وحْدَهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِ الجَنَّةِ لِذِكْرِهِ وحْدَهُ فِيما في حَيِّزِ ما يُشْعِرُ بِعِلَّةِ الإعْدادِ وإدْخالِ العَمَلِ في الإيمانِ المُعَدّى بِالباءِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ كَذا قالُوا، ومَتى أُرِيدَ بِالَّذِينِ آمَنُوا المَذْكُورِينَ مَن لَهم دَرَجَةٌ في الإيمانِ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: بِأنَّها لا تَحْصُلُ بِدُونِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى ما سَمِعْتَهُ مِنّا قَرِيبًا انْخَدَشَ الِاسْتِدْلالُ الثّانِي في الجُمْلَةِ كَما لا يَخْفى، وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ في وجْهِ التَّعْبِيرِ هُنا - بِسابِقُوا - وفي آيَةِ آلِ عِمْرانَ - بِسارِعُوا - وبِالسَّماءِ هُنا، والسَّماواتِ هُناكَ - وبِكَعَرْضِ - هُنا - وبِعَرْضِ - بِدُونِ أداةِ تَشْبِيهٍ ثَمَّ كَلامًا مَبْنِيًّا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُتَّقِينَ هُناكَ السّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ، وبِالَّذِينِ آمَنُوا هُنا مَن هم دُونَ أُولَئِكَ حالًا فَتَأمَّلْ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الَّذِي وُعِدَ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ ﴿ فَضْلُ اللَّهِ ﴾ عَطاؤُهُ الغَيْرُ الواجِبِ عَلَيْهِ ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ إيتاءَهُ ﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ فَلا يَبْعُدُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ التَّفَضُّلُ بِذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ وإنْ عَظُمَ قَدْرُهُ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِإثْباتِ ما ذُيِّلَ بِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ألم يجىء وقت تخاف قلوبهم، فترق قلوبهم.
يقال: إناءً يأني إناءً إذا حان وجاء وقته وأوانه.
قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد.
ثنا: أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدبيلي.
قال: حدّثنا أبو عبيد الله قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن القاسم قال، ملَّ أصحاب رسول الله ملة، فقالوا: حدّثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً ثم ملوا ملَّة أخرى فقالوا: حدّثنا يا رسول الله.
فأنزل الله تعالى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ويقال: إن المسلمين قالوا لسلمان الفارسي: حدّثنا عن التوراة، فإن فيها عجائب.
فنزل نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ فكفوا عن السؤال، ثم سألوه عن ذلك، فنزلت هذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يعني: ترق قلوبهم لذكر الله وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ يعني: القرآن بذكر الحلال والحرام.
قرأ نافع، وعاصم، في رواية حفص وَما نَزَلَ بالتخفيف.
والباقون: بالتشديد على معنى التكثير، والمبالغة.
ثم وعظهم فقال: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يعني: ولا تكونوا في القسوة كاليهود، والنصارى، من قبل خروج النبيّ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ يعني: الأجل.
ويقال: خروج النبي فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: جفّت، ويبست قلوبهم عن الإيمان، فلم يؤمنوا بالقرآن إلا قليل منهم وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: عاصون.
ويقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: المنافقين الذين آمنوا بلسانهم دون قلوبهم.
وقال أبو الدرداء: استعيذوا بالله من خشوع النفاق.
قيل: وما خشوع النفاق؟
قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع.
قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ يعني: يصلح الأرض، فاعتبروا بذلك بَعْدَ مَوْتِها يعني: بعد يبسها، وقحطها، فكذلك يحيي القلوب بالقرآن، ويصلح بعد قساوتها حتى تلين، كما أحيا الأرض كذلك بعد موتها بالمطر.
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ يعني: العلامات في القرآن لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يعني: لكي تعقلوا أمر البعث كذلك إنكم أيضاً تبعثون.
قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ كليهما بالتخفيف، والباقون: بالتشديد.
فمن قرأ بالتخفيف، فمعناه: إن المؤمنين من الرجال، والمؤمنات من النساء، فمن صدق الله ورسوله ورضي بما جاء به النبيّ .
ومن قرأ: بالتشديد.
يعني: المتصدقين من الرجال، والمتصدقات من النساء، فأدغمت التاء في الصاد، وشددت.
وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني: يتصدقون، محتسبين بطبيعة أنفسهم، صادقين من قلوبهم يُضاعَفُ لَهُمْ الحسنات، والثواب بكل واحد عشرة إلى سبعمائة، إلى ما لا يحصى، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ يعني: ثواباً حسناً في الجنة.
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: صدّقوا بتوحيد الله، وصدقوا بجميع الرسل، أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والصدِّيق: اسم المبالغة في الفعل.
يقال: رجل صدِّيق، كثير الصدق.
وقال ابن عباس : فمن آمن بالله ورسله فهو من الصدِّيقين.
ثم قال: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال مقاتل: هذا استئناف فقال: الشُّهَداءُ يعني: من استشهد عند ربهم.
يعني: يطلب شهادة على الأمم لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني: ثوابهم وَنُورُهُمْ ويقال: هذا بناء على الأول.
يعني: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة.
ويقال: معناه أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون وَأُوْلَئِكَ هُمُ الشهداء عند ربهم، ويكون لهم أجرهم، ونورهم.
قال مجاهد: كل مؤمن صديق، شهيد.
ثم وصف حال الكفار فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بوحدانية الله تعالى وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: جحدوا بالقرآن أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاستئناف، فقال بعضها: معنى الآية: والشهداءُ بأنَّهم صديقون حاضرون عند ربهم، وعَنَى بالشهداء الأنبياء- عليهم السلام-.
ت: وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية، وقال بعضها: قوله: وَالشُّهَداءُ ابتداء يريد به الشهداءَ في سبيل اللَّه، واستأنف الخبر عنهم بأَنَّهم: عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ فكأَنَّه جعلهم صِنْفاً مذكوراً وحده.
ت: وأبينُ هذه الأقوال الأوَّلُ، وهذا الأخيرُ، وإنْ صَحَّ حديث البَرَاءِ لم يُعْدَلْ عنه، قال أبو حيان «١» : والظاهر أَنَّ الشُّهَداءُ مبتدأ خبره ما بعده، انتهى.
وقوله تعالى وَنُورُهُمْ قال الجمهور: هو حقيقة حسبما تقدم.
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)
وقوله سبحانه: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ هذه الآيةُ وعظ، وتبيين لأمر الدنيا وَضَعَةِ منزلتها، والحياة الدنيا في هذه الآية: عبارة عن الأشغال والتصرفاتِ والفكرِ/ التي هي مختصة بالحياة الدنيا، وأَمَّا ما كان من ذلك في طاعة اللَّه تعالى، وما كان في الضرورات التي تقيم الأود وتعينُ على الطاعات- فلا مدخلَ له في هذه الآية، وتأملْ حالَ الملوك بعد فقرهم، يَبِنْ لك أنّ جميع ترفههم لَعِبٌ ولهو، والزينة: التحسين الذي هو خارج عن ذات الشيء، والتفاخرُ بالأموال والأنساب وغيرُ ذلك على عادة الجاهلية، ثم ضرب اللَّه عز وجل مَثَلَ الدنيا، فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ ...
الآية: وصورة هذا المثالِ أَنَّ الإنسانَ ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك، فيشُبُّ في النعمة، ويقوى، ويكسب المال والولد، ويغشاه الناسُ، ثم يأخذُ بعد ذلك في انحطاطٍ، ويشيب، ويضعف ويسقم، وتصيبه النوائب في ماله وذريته، ويموتُ، ويضمحلُّ أَمرهُ، وتصيرُ أمواله لغيره، وتتغير رُسُومُه فأمره مِثْلُ مطر أصاب أرضاً، فنبت عن ذلك الغيثِ نباتٌ معجب أنيق، ثم هاج، أي: يبس، واصْفَرَّ، ثم تحطم، ثم تفرق بالرياح واضمحل.
وقوله: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ أي: الزراع فهو من كَفَرَ الحَبَّ، أي: ستره، وقيل:
يحتمل أَنْ يعني الكفار باللَّه، لأَنَّهم أَشَدُّ إعجابا بزينة الدنيا، ثم قال تعالى:
وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ ...
الآية: كأنَّه قال: والحقيقة هاهنا، وذكر العذابَ أَوَّلاً تَهَمُّمَاً به من حيث الحذر في الإنسان، ينبغي أَنْ يكونَ أولاً، فإذا تحرز من المخاوف مَدَّ حينئذ أمله، فذكر تعالى ما يحذر قبل ما يطمع فيه، وهو المغفرة والرضوان، وعبارة الثعلبيِّ:
ثُمَّ يَهِيجُ أي: يجفُّ وَفِي الْآخِرَةِ/ عَذابٌ شَدِيدٌ: لأعداء اللَّه وَمَغْفِرَةٌ: لأوليائه، وقال الفَرَّاءُ وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ أي: إمَّا عذاب شديد، وإمَّا مغفرة وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ: هذا تزهيد في العمل للدنيا، وترغيبٌ في العمل للآخرة، انتهى، وهو حسن، وعن طارق قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نِعْمَتِ الدَّارُ الدُّنْيَا لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا لآِخِرَتِهِ، وَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ صَدَّتْهُ عَنْ آخِرَتِهِ، وَقَصَّرَتْ بِهِ عَنْ رِضَا رَبِّهِ، فَإذَا قَالَ الْعَبْدُ: قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيا قَالَتِ الدُّنْيَا: قَبَّحَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِرَبِّهِ» «١» .
رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «السلاح» ، ولا يشك عاقل أَنَّ حُطَامَ الدنيا مُشْغِلٌ عنِ التأهب للآخرة قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» : وقد رُوِيَ مرفوعاً: «لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ» «٢» قال أبو عمر: ثم نقول: إنَّ الزهد في الحلال، وترك الدنيا مع القدرة عليها- أفضلُ من الرغبة فيها في حلالها، وهذا ما لا خلافَ فيه بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً، والآثار الواردة عنِ الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم من علماء المسلمين في فضل الصبر والزهد فيها، وفَضْل القناعة، والرضا بالكفاف، والاقتصارِ على ما يكفي دون التكاثر الذي يُلْهِي ويُطْغِي-: أكثر من أَنْ يحيط بها كتاب، أو يشمل عليها باب، والَّذِينَ زوى اللَّه عنهم الدنيا من الصحابة، أكثرُ من الذين فتحها عليهم أضعافاً مضاعفةً، وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أَنَّهُ لما حضرته الوفاةُ بَكَى بُكَاءً شديداً، وقال: كان مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ خيراً مِنِّي تُوُفِّيَ وَلَمْ يَتْرُكْ ما يُكَفَّنُ فيه، / وَبَقِيتُ بعده حتى أَصَبْتُ من الدنيا وأصابت مِنِّي، ولا أحسبني إلاَّ سَأُحْبَسُ عن أصحابي بما فتح اللَّهُ عليَّ من ذلك، وجعل يبكي حتى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي: الحَياةَ في هَذِهِ الدّارِ "لَعِبٌ ولَهْوٌ" أيْ: غُرُورٌ يَنْقَضِي عَنْ قَلِيلٍ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُشارَ بِهَذا إلى حالِ الكافِرِ في دُنْياهُ، لِأنَّ حَياتَهُ تَنْقَضِي عَلى لَهْوٍ ولَعِبٍ وتَزَيُّنِ الدُّنْيا، ويُفاخِرُ قُرَناءَهُ وجِيرانَهُ، ويُكاثِرُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ، فَيَجْمَعُ مِن غَيْرِ حَلِّهِ، ويَتَطاوَلُ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ بِمالِهِ، وخَدَمِهِ، ووَلَدِهِ، فَيَفْنى عُمْرُهُ في هَذِهِ الأشْياءِ، ولا يَلْتِفِتُ إلى العَمَلِ لِلْآخِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ لِهَذِهِ الحَياةِ شَبَهًا، فَقالَ: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ ﴾ يَعْنِي: مَطَرًا ﴿ أعْجَبَ الكُفّارَ ﴾ وهُمُ الزُّرّاعُ، وسُمُّوا كُفّارًا، لِأنَّ الزّارِعَ إذا ألْقى البَذْرَ في الأرْضِ كَفَرَهُ، أيْ: غَطّاهُ "نَباتُهُ" أيْ: ما نَبَتَ مِن ذَلِكَ الغَيْثِ ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ أيْ يَيْبَسُ ﴿ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ﴾ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ورِيِّهِ ﴿ ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا ﴾ أيْ: يَتَحَطَّمُ، ويَنْكَسِرُ بَعْدَ يُبْسِهِ.
وشَرْحُ هَذا المَثَلِ قَدْ تَقَدَّمَ في "يُونُسَ" عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ ، وفي "الكَهْفِ" عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ أيْ: لِأعْداءِ اللَّهِ ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ ﴾ لِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ.
وما بَعْدَ هَذا مَذْكُورٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأولادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعْظٌ وتَبْيِينٌ لِأمْرِ الدُنْيا وضَعَةُ مَنزِلَتِها، و"أنَّما" سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِلْعِلْمِ بِأنَّها لا تَدْخُلُ عَلى اثْنَيْنِ، وهي -وَإنْ كَفَّتْ عَنِ العَمَلِ- فالجُمْلَةُ بَعْدَها نافِيَةٌ.
و"الحَياةُ الدُنْيا" في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عَنِ الأشْغالِ والتَصَرُّفاتِ والفِكْرِ الَّتِي هي مُخْتَصَّةٌ بِالحَياةِ الدُنْيا، وأمّا ما كانَ مِن ذَلِكَ في طاعَةِ اللهِ وسَبِيلِهِ، وما كانَ مِنَ الضَرُوراتِ الَّتِي تُقِيمُ الأودَ وتُعِينُ عَلى الطاعاتِ، فَلا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وتَأمَّلْ حالَ المُلُوكِ بَعْدَ فَقْرِهِمْ بَيَّنَ لَكَ أنَّ جَمِيعَ تَرَفِهِمْ لَعِبٌ ولَهْوٌ.
و"الزِينَةُ" التَحْسِينُ الَّذِي هو خارِجٌ مِن ذاتِ الشَيْءِ، و"التَفاخُرُ" هو بِالأنْسابِ والأمْوالِ وغَيْرِها، و"التَكاثُرُ" هو الرَغْبَةُ في الدُنْيا، وعَدَّدَها لِتَكُونَ العِزَّةُ لِلْكائِرِ عَلى المَذْهَبِ الجاهِلِيِّ.
ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى مِثْلَ الدُنْيا، فالكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَمَثَلِ" في مُوضٍ رُفِعَ صِفَةً لِما تَقَدَّمَ، وصُورَةُ هَذا المَثَلِ أنَّ الإنْسانَ يَنْشَأُ في حَجْرِ مَمْلَكَةٍ فَما دُونُ ذَلِكَ، فَيَشِيخُ ويَضْعُفُ ويُسْقِمُ وتُصِيبُهُ النَوائِبُ في مالِهِ وذُرِّيَّتِهِ ويَمُوتُ ويَضْمَحِلُّ أمْرُهُ، وتَصِيرُ أمْوالُهُ لِغَيْرِهِ وتَتَغَيَّرُ رُسُومُهُ، فَأمْرُهُ مِثْلُ مَطَرٍ أصابَ أرْضًا فَنَبَتَ عن ذَلِكَ الغَيْثِ نَباتٌ مُعْجَبٌ أنِيقٌ، ثُمَّ هاجَ، أيْ: يَبِسَ واصْفَرَّ ثُمَّ تَحَطَّمَ ثُمَّ تَفَرَّقَ بِالرِياحِ واضْمَحَلَّ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في لَفْظَةِ "الكُفّارِ" هُنا، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: هو مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّهم أشَدُّ تَعْظِيمًا لِلدُّنْيا، وأشَدُّ إعْجابًا بِمَحاسِنِها، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: هو مِن "كَفَّرَ الحَبَّ" أيْ: سَتَرَهُ في الأرْضِ، وهُمُ الزُرّاعُ، وخَصَّهم بِالذِكْرِ لِأنَّهم أهْلُ البَصَرِ بِالنَباتِ والفِلاحَةِ فَلا يُعْجِبُهم إلّا المُعْجَبُ حَقِيقَةَ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، و"هاجَ الزَرْعُ" مَعْناهُ: يَبِسَ واصْفَرَّ، و"حُطامٌ" بِناءُ مُبالِغَةٍ، يُقالُ حَطِيمٌ وحُطامٌ بِمَعْنى مَحْطُومٍ أو مُتَحَطِّمٌ، كَعَجِيبٍ وعُجابٍ بِمَعْنى مُعْجَبٍ أو مُتَعَجَّبٍ مِنهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والحَقِيقَةُ ماهِنًا...
ثُمَّ ذَكَرَ العَذابَ أوَّلًا تَهَمُّمًا بِهِ مِن حَيْثُ الحَذَرُ في الإنْسانِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أوَّلًا، فَإذا تَحَذَّرَ مِنَ المَخاوِفِ مَدَّ حِينَئِذٍ أمَلَهُ، فَذَكَرَ اللهَ تَعالى ما يَحْذَرُ قَبْلَ ما يَطْمَعُ فِيهِ وهو المَغْفِرَةُ والرِضْوانُ، ورُوِيَ عن عاصِمٍ ضَمُّ الراءِ مِن "وَرِضْوانٌ".
و"مَتاعُ الغُرُورِ" مَعْناهُ: الشَيْءُ الَّذِي لا يَعْظُمُ الِاسْتِمْتاعُ بِهِ إلّا مُغْتَرٌّ، وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: مَتاعُ الغُرُورِ: القَوارِيرُ، لِأنَّ الفَسادَ والآفاتِ تُسْرِعُ إلَيْها، فالدُنْيا كَذَلِكَ أو هي أشَدُّ.
<div class="verse-tafsir"
فذلكة لما تقدم من قوله تعالى: ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ﴾ [الحديد: 12] إلى هنا فذلك مسوق مساق الترغيب فيما به تحصيل نعيم الآخرة والتحذير من فواته وما يصرف عنه من إيثار زينة الدنيا، ولذلك فُصلت الجملة ولم تُعطف، واقتُصر في الفذلكة على الجانب المقصود ترغيبه دون التعرض إلى المحذر منه لأنه المقصود.
وعبر عن العناية والاهتمام بفعل السابقة لإِلهاب النفوس بصرف العناية بأقصى ما يمكن من الفضائل كفعل من يسابق غيره إلى غاية فهو يحرص على أن يكون المجلِّي، ولأن المسابقة كناية عن المنافسة، أي واتركوا المقتصرين على متاع الحياة الدنيا في الآخريات والخوالف.
وتنكير ﴿ مغفرة ﴾ لقصد تعظيمها ولتكون الجملة مستقلة بنفسها، وإلا فإن المغفرة سبق ذكرها في قوله: ﴿ ومغفرة من الله ﴾ ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: سابقوا إلى المغفرة، أي أكثروا من أسبابها ووسائلها: فالمسابقة إلى المغفرة هي المسابقة في تحصيل أسبابها.
والعَرْض: مستعمل في السعة وليس مقابل الطُور لظهور أنه لا طائل في معنى ما يقابل الطول، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ﴾ [فصلت: 51]، وقول العُديل لما فَرَّ من وعيد الحجاج: ودون يد الحجاج من أن تنالني *** بساط بأيدي الناعجات عَريض وتشبيه عَرْض الجنة بعَرْض السماء والأرض، أي مجموع عرضيهما لقصد تقريب المشبه بأقصى ما يتصوره الناس في الاتساع، وليس المراد تحديد ذلك العرض ولا أن الجنة في السماء حتى يقال: فماذا بقي لمكان جهنم.
وهذا الأمر شامل لجميع المسابقات إلى أفعال البر الموجبة للمغفرة ونعيم الجنة، وشامل للمسابقة الحقيقية مع المجازية على طريقة استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وهي طريقة شائعة في القرآن إكثاراً للمعاني، ومنه الحديث: «لو يعلم الناس ما في الصف الأول لاستبقوا إليه أو استهموا إليه» وليس في الآية دليل على أن الجنة غير مخلوقة الآن إذ وجه الشبه في قوله: ﴿ كعرض السماء والأرض ﴾ هو السعة لا المقدار ولا على أن الجنة في السماء الموجودة اليوم ولا عدمه، وتقدم من معنى هذه الآية قوله: ﴿ سارعوا إلى مغفرة من ربكم ﴾ الآية في سورة [آل عمران: 133].
وظاهر قوله: أعدت} أن الله خلقها وأعدّها لأن ظاهر استعماله الفعل في الزمان الماضي إن حصل مصدره فيه، فقد تمسك بهذا الظاهر الذين قالوا: إن الجنة مخلوقة الآن، وأما الذين نفوا ذلك فاستندوا إلى ظواهر أخرى وتقدم ذلك في سورة آل عمران.
وعُلم من قوله: ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ أن غيرهم لاحظَ لهم في الجنة لأن معنى اعداد شيء لشيء قصره عليه.
وجَمْع الرسل هنا يشمل كل أمة آمنوا بالله وبرسولهم الذي أرسله الله إليهم، وليس يلزمها أن تؤمن برسول أرسل إلى أمة أخرى ولم يَدْع غيرها إلى الإِيمان به.
والإِشارة في ﴿ ذلك فضل الله ﴾ إلى المذكور من المغفرة والجنة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أكْلٌ وشُرْبٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ عَلى المَعْهُودِ مِنِ اسْمِهِ، قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ لَعِبٍ لَهْوٌ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ اللَّعِبَ ما رَغَّبَ في الدُّنْيا، واللَّهْوُ ما ألْهى عَنِ الآخِرَةِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ اللَّعِبَ الِاقْتِناءُ، واللَّهْوَ النِّساءَ.
﴿ وَزِينَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الدُّنْيا زِينَةٌ فانِيَةٌ.
الثّانِي: أنَّهُ كُلُّ ما بُوشِرَ فِيها لِغَيْرِ طاعَةٍ.
﴿ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالخِلْقَةِ والقُوَّةِ.
الثّانِي: بِالأنْسابِ عَلى عادَةِ العَرَبِ في التَّنافُسِ بِالآباءِ.
﴿ وَتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ ﴾ لِأنَّ عادَةَ الجاهِلِيَّةِ أنْ تَتَكاثَرَ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، وتَكاثُرُ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ والطّاعاتِ.
ثُمَّ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِالزَّرْعِ ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ بَعْدَ خُضْرَةٍ.
﴿ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا ﴾ بِالرِّياحِ الحُطَمَةِ، فَيَذْهَبُ بَعْدَ حُسْنِهِ، كَذَلِكَ دُنْيا الكافِرِ.
﴿ سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: النَّبِيُّ ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ.
الثّانِي: الصَّفُّ الأوَّلُ، قالَهُ رَباحُ بْنُ عُبَيْدٍ.
الثّالِثُ: إلى التَّكْبِيرَةِ الأُولى مَعَ الإمامِ، قالَهُ مَكْحُولٌ.
الرّابِعُ: إلى التَّوْبَةِ: قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ ﴾ تَرْغِيبًا في سَعَتِها، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ العَرْضِ دُونَ الطُّولِ لِما في العَرْضِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الطُّولِ، ولِأنَّ مِن عادَةِ العَرَبِ أنْ تُعَبِّرَ عَنْ سَعَةِ الشَّيْءِ بِعَرْضِهِ دُونَ طُولِهِ، قالَ الشّاعِرُ كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهي عَرِيضَةٌ عَلى الخائِفِ المَطْلُوبِ حَلْقَةُ خاتَمٍ.
﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الجَنَّةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفِي ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ المُؤْمِنِينَ، إنْ قِيلَ إنَّ الفَضْلَ الجَنَّةُ.
الثّانِي: مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، إنْ قِيلَ إنَّهُ الدِّينُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض مخافة الفتنة على نفسه ودينه كتب عند الله صديقاً، فإذا مات قبضه الله شهيداً، وتلا هذه الآية ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ﴾ ثم قال: والفارون بدينهم من أرض إلى أرض يوم القيامة مع عيسى ابن مريم في درجته في الجنة» .
وأخرج ابن جرير عن البراء بن عازب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ﴾ » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن الرجل ليموت على فراشه وهو شهيد ثم تلا ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال يوماً وهم عنده: كلكم صديق وشهيد، قيل له: ما تقول يا أبا هريرة؟
قال: أقرأوا ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنما الشهيد الذي لو مات على فراشه دخل الجنة يعني الذي يموت على فراشه ولا ذنب له.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: كل مؤمن صديق وشهيد ثم تلا ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون قال: كل مؤمن صديق ثم قرأ ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ قال: هذه مفصولة ﴿ والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ قال: هذه مفصولة سماهم صديقين ثم قال: ﴿ والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن مسروق قال: هي للشهداء خاصة.
وأخرج ابن حبان عن عمرو بن ميمون الجهني قال: «جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا؟
قال: من الصديقين والشهداء» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان ﴾ قال: صار الناس إلى هذين الحرفين في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ مضى تفسير هذه الآية عند قوله: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ فيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أن السموات السبع والأرضين السبع لو ألزق بعضها ببعض ووصل لكانت الجنة في عرضها جميعًا هذا قول مقاتل (١) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد لرجل واحد، يعني أن لكل واحد جنة بهذه السعة (٢) القول الثالث: أن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم، وأكبر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض وهذا قول الزجاج (٣) قوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ في هذا أعظم رجاء وأقوى أمل إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر (٤) ثم قال ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله (٥) قال أبو إسحاق: ثم أعلم أن المؤَدَّى إلى الجنة أو إلى النار لا يكون إلا بقضاء وقدر فقال: (١) "تفسير مقاتل" 142 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 234.
(٢) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 234، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 256، و"فتح القدير" 5/ 175.
وفي "تفسير الثعلبي" 12/ 78 ب قال: وقال ابن كيسان (عني به جنة واحدة من الجنان).
(٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.
(٤) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 235، قال الشوكاني: ولكن هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها إلا من عمل بما فرض الله عليه، واجتنب ما نها الله عنه، وهي أدلة كثيرة في الكتاب و"السنة".
"فتح القدير" 5/ 176.
(٥) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 299، و"تفسير القرآن" 4/ 313.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي سابقوا إلى الأعمال التي تستحقون بها المغفرة، فقيل: المعنى كونوا في أول صف من القتال، احضروا تكبيرة الإحرام مع الإمام، وقيل: كونوا أو داخل إلى المسجد، وأول خارج منه وهذه أمثلة، والمعنى العام: المسابقة إلى جميع الأعمال الصالحات، وقد استدل بها قوم على أن الصلاة في أول الوقت أفضل ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض ﴾ السماء هنا يراد به جنس السموات بدليل قوله في [آل عمران: 133]، وقد ذكرنا هناك معنى عرضها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
﴿ وَمَا نَزَلَ ﴾ قرئ مخففا ومثقلا، فمن شدد لما سبق من ذكر الله ، ومن خفف، جعل الفعل للحق.
ثم الآية تحتمل وجوهاً: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر، ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا ظاهراً وأظهروا الموافقة للمؤمنين ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: إذا ذكر الله ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: القرآن إذا يتلى عليهم، أي: يرق قلوبهم وتؤمن به؛ لأنهم كانوا يتربصون برسول الله الدوائر، ويطمعون هلاكه، أمّن الله المؤمنين من ذلك الخوف وآس أولئك عما تربصوا فيه من نزول الدوائر، فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ ظاهراً ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
[على] هذا التأويل: أي: لا تكونوا كأولئك الذين تمادوا في الضلال وقساو القلوب؛ لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب.
ويحتمل أن يكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول الله قبل أن يبعث فيقول: ﴿ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ به من قبل أن يبعث ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي كتابهم ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ وهو القرآن أن يؤمنوا به، كما كانوا آمنوا به لما وجدوا نعته في كتابهم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ...
﴾ الآية.
أي: لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب، ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ ﴾ أي: طال عليهم أن ينظروا في كتبهم؛ ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ بطول ترك نظرهم فيها، والله أعلم.
ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أتى للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم عند ذكر الله بالنظر والتأمل في ذلك؛ فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم عند ذكر الله، ويزداد لهم الإيمان واليقين؛ للنظر فيه والتفكر، وفهم ما فيه، والله أعلم.
والثاني: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ ، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر الله، ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ ، أي: لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره ولا تركزوا النظر فيه والتفكر، [كالذين] غفلوا عما فيه؛ فقست قلوبهم فلا تكونوا أنتم كهم؛ فتقسو قلوبكم كما قست قلوبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، أي: كثير من أولئك الذين أوتوا الكتاب فاسقون؛ لتركهم النظر في الكتاب.
وجائز ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أي: المعاندون، والقليل منهم المقلدون؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ \[المؤمنون: 70\]، أي: معاندون، وهم الرؤساء والقادة الذين كابروا الرسل وعاندوهم إلا قليل منهم اتبعهم وقلدوهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ .
ذكر هذا ليس على أنهم لم يكونوا علموا أن الله هو يحيي الأرض بعد موتها، بل كانوا عالمين بذلك، لكنه ذكر كما ذكر لرسول الله حيث قال: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: أشعر قلبك في كل وقت وساعة الربوبية لله والوحدانية له؛ فعلى هذا يحتمل قوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ، أي: أشعروا قلوبكم في كل وقت جعل الألوهية والربوبية لله ، وصرف العبادة إليه، والتنزيه والتبرئة له عما لا يليق به مما يوصف به الخلق؛ إذ علمتم أنه يحيي الأرض بعد موتها، فاعلموا، [أنه] يمتحنكم بأنواع المحن؛ إذ لا يحتمل إحياء ما ذكر بغير فائدة وتركهم سدى.
أو يقول: قد علمتم أن الله هو يحيي الأرض بعد موتها، وأنتم ترغبون فيما أحياه، وتصيبون منه، وتجتهدون في نيل ذلك وإصابته، فاجتهدوا في إصابة البركات الدائمة في الحياة الباقية.
أو يقول: كما علمتم: أنه قادر على إحياء الأرض بعد موتها، فاعلموا أنه قادر على البعث، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف "لعل" من الله يخرج على الإيجاب، لكن يخرج هاهنا على الترجي وإطماع العقل للآيات والفهم لها إذ نظروا فيها وتأملوا أنها آيات من الله .
أو أن يرجع ذلك إلى خاص من الناس لو خرج حرف "لعل" للإيجاب دون الترجي، وهم الذين علم الله أنهم يعقلون أنها آيات ويؤمنون بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ قرئ مشدد الصاد والدال، ومخفف الصاد، فمن شدد جعله من التصدق، أي: المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد، فيصير المصَّدِّقين، مثل: المزمل والمدثر؛ يؤيد ذلك ما ذكر في حرف أبي بن كعب - - أنه قرأ بالتاء: (إن المتصدقين والمتصدقات).
ومن خففه، جعلهما من التصديق والإيمان.
وقوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ .
قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، سمى المؤمنين: صديقين، والصديق لا يقال إلا لمن يكثر منه التصديق، وقد يكثر من كل مؤمن التصديق وإن كان ما يأتي به إنما هو شيء واحد نحو إذا صدق الله - صدق رسله فيما أخبروا عن الله وفيما دعوهم إلى ما دعوا، وبلغوا عن الله إلى الناس، وصدق الخلائق جميعا فيما شهدوا على وحدانية الله وألوهيته من حث شهادة الخلقة وشهادة الأخبار في حق المؤمنين، فتصديقه يكثر، وإن كان الكلام في نفسه يقل، وهو كما قلنا لأبي حنيفة - رحمه الله - في جواز الخطبة بتسبيحة أو تهليلة: إنها كلمة وجيزة، لو فسرت وبسطت، صارت خطبة طويلة، والله أعلم.
فإن قيل: إن أبابكر - - فضل باسم الصديق على غيره من الأمة، فإذا استحق غيره من المؤمنين هذا الاسم لم يختص هو بتلك الفضيلة؟
قيل: إن أبا بكر - - سمي: صديقا وخص به من بين سائر الصحابة والمؤمنين؛ لمعنى اختص به من بينهم، وغيره من المؤمنين سموا: صديقين من بين سائر أهل الأرض جميعا إلا في مقابلته، كهو اختص بهذا الاسم من بين سائرهم إلا في مقابلة النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هذا هو معنى تفضيله، والفضل عند المقابلة يكون.
ويحتمل أن يكون ذلك الاختصاص له للاعتقاد والمعاملة جميعا وسائر المؤمنين سموا: صديقين؛ للاعتقاد خاصة، ومن وفى الأمرين جميعا كان أفضل من ممن وفى أمرا واحدا.
وقوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ من الناس.
من جعل قوله: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ على الابتداء مقطوعا من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ ، ومنهم من وصله به: فمن قطع عنه؛ فإنه يقول: الشهداء هم الرسل؛ لقوله : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً ﴾ ، ثم أخبر أن لهم أجرهم.
ومن قال إنه موصول ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس؛ كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ...
﴾ الآية [البقرة: 143]، سماهم: شهداء على غيرهم من الأمم، والله اعلم.
ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الله إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق، ذكر على أثر ذلك ما وعد لهم من الكرامات والثواب الجزيل، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم، ويستدلون بذكر الوعيد على أثر ذلك على أنه قد خرج من الإيمان، لكن ليس لهم بذلك دليل وإنما ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
سابقوا -أيها الناس- إلى الأعمال الصالحات التي تنالون بها مغفرة ذنوبكم؛ من توبة وغيرها من القربات، ولتنالوا بها جنة عرضها مثل عرض السماء والأرض، هذه الجنة أعدّها الله للذين آمنوا به وآمنوا برسله، ذلك الجزاء فضل الله يعطيه من يشاء من عباده، والله سبحانه ذو الفضل العظيم على عباده المؤمنين.
<div class="verse-tafsir" id="91.Ng1Pb"