الآية ٢٣ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ٢٣ من سورة الحديد

لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍۢ فَخُورٍ ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة الحديد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) أي : أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها ، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها ، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم ، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم ، فلا تأسوا على ما فاتكم ، فإنه لو قدر شيء لكان ( ولا تفرحوا بما آتاكم ) أي : جاءكم ، ويقرأ : " آتاكم " أي : أعطاكم .

وكلاهما متلازمان ، أي : لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم ، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم ، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم ، فلا تتخذوا نعم الله أشرا وبطرا ، تفخرون بها على الناس ; ولهذا قال : ( والله لا يحب كل مختال فخور ) أي : مختال في نفسه متكبر فخور ، أي : على غيره .

وقال عكرمة : ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ، ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني تعالى ذكره: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في أموالكم ولا في أنفسكم، إلا في كتاب قد كتب ذلك فيه، من قبل أن نخلق نفوسكم (لِكَيْلا تَأْسَوا ) يقول: لكيلا تحزنوا، (عَلَى مَا فَاتَكُمْ ) من الدنيا، فلم تدركوه منها، (وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) منها.

ومعنى قوله: (بِمَا آتَاكُمْ ) إذا مدّت الألف منها: بالذي أعطاكم منها ربكم وملَّككم وخوَّلكم؛ وإذا قُصرت الألف، فمعناها: بالذي جاءكم منها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس (لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فاتكم ) من الدنيا، (وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) منها.

حُدثت عن الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن قيس، عن سماك، عن عكرِمة، عن ابن عباس (لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فاتكم ) قال: الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سماك البكري، عن عكرمة، عن ابن عباس (لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فاتكم ) قال: ليس أحد إلا يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعلها صبرا، ومن أصابه خير فجعله شكرا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ(لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكم ) قال: لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا، ولا تفرحوا بما أتاكم منها.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (بِمَا آتَاكُمْ )، فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والكوفة (بِمَا آتَاكُمْ ) بمدّ الألف، وقرأه بعض قرّاء البصرة ( بِما أتاكُمْ ) بقصر الألف؛ وكأن من قرأ ذلك بقصر الألف اختار قراءته كذلك، إذ كان الذي قبله على ما فاتكم، ولم يكن على ما أفاتكم، فيردّ الفعل إلى الله، فألحق قوله: ( بِمَا أتاكُمْ ) به، ولم يردّه إلى أنه خبر عن الله.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان صحيح معناهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كنت أختار مدّ الألف، لكثرة قارئي ذلك كذلك، وليس للذي اعتلّ به منه معتلو قارئيه بقصر الألف كبير معنى، لأن ما جعل من ذلك خبرا عن الله، وما صرف منه إلى الخبر عن غيره، فغير خارج جميعه عند سامعيه من أهل العلم أنه من فعل الله تعالى، فالفائت من الدنيا من فاته منها شيء، والمدرك منها ما أدرك عن تقدّم الله عزّ وجلّ وقضائه، وقد بين ذلك جلّ ثناؤه لمن عقل عنه بقوله: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ، فأخبر أن الفائت منها بإفاتته إياهم فاتهم، والمدرك منها بإعطائه إياهم أدركوا، وأن ذلك محفوظ لهم في كتاب من قبل أن يخلقهم.

وقوله: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) يقول: والله لا يحبّ كلّ متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم أدبهم فقال هذا : لكيلا تأسوا على ما فاتكم أي : حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق ، وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم يأسوا على ما فاتهم منه .

وعن ابن مسعود أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ثم قرأ لكيلا تأسوا على ما فاتكم أي : كي لا تحزنوا [ ص: 233 ] على ما فاتكم من الدنيا ، فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم ولا تفرحوا بما آتاكم أي : من الدنيا ؛ قاله ابن عباس .

وقال سعيد بن جبير : من العافية والخصب .

وروى عكرمة عن ابن عباس : ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح ، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا ، وغنيمته شكرا .

والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز .

وقراءة العامة " آتاكم " بمد الألف أي : أعطاكم من الدنيا .

واختاره أبو حاتم .

وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو " أتاكم " بقصر الألف واختاره أبو عبيد .

أي : جاءكم ، وهو معادل ل " فاتكم " ولهذا لم يقل أفاتكم .

قال جعفر بن محمد الصادق : يا ابن آدم ما لك تأسى على مفقود لا يرده عليك الفوت ، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت .

وقيل لبرزجمهر : أيها الحكيم !

مالك لا تحزن على ما فات ، ولا تفرح بما هو آت ؟

قال : لأن الفائت لا يتلافى بالعبرة ، والآتي لا يستدام بالحبرة .

وقال الفضيل بن عياض في هذا المعنى : الدنيا مبيد ومفيد ، فما أباد فلا رجعة له ، وما أفاد آذن بالرحيل .

وقيل : المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار ، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاحتقار ، وكلاهما شرك خفي .

والفخور بمنزلة المصراة تشد أخلافها ليجتمع فيها اللبن ، فيتوهم المشتري أن ذلك معتاد وليس كذلك ، فكذلك الذي يرى من نفسه حالا وزينة وهو مع ذلك مدع فهو الفخور .والله لا يحب كل مختال فخور

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلا يأسوا ويحزنوا على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم وتشوفوا إليه، لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنه، فيشتغلوا بشكر من أولى النعم ودفع النقم، ولهذا قال: { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } أي: متكبر فظ غليظ، معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه، كما قال تبارك وتعالى: { ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بل هي فتنة }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لكي لا تأسوا ) تحزنوا ( على ما فاتكم ) من الدنيا ( ولا تفرحوا بما آتاكم ) قرأ أبو عمرو بقصر الألف ، لقوله " فاتكم " فجعل الفعل له وقرأ الآخرون ( آتاكم ) بمد الألف ، أي : أعطاكم .

قال عكرمة : ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا ( والله لا يحب كل مختال فخور ) متكبر بما أوتي من الدنيا " فخور " يفخر به على الناس .

قال جعفر بن محمد الصادق : يا ابن آدم ما لك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت ، وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لكيلا» كي ناصبة للفعل بمعنى أن، أي أخبر تعالى بذلك لئلا «تأسوا» تحزنوا «على ما فاتكم ولا تفرحوا» فرح بطر بل فرح شكر على النعمة «بما آتاكم» بالمد أعطاكم وبالقصر جاءكم منه «والله لا يحب كل مختال» متكبر بما أوتي «فخور» به على الناس.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا، ولا تفرحوا بما آتاكم فرحَ بطر وأشر.

والله لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا فخور به على غيره.

هؤلاء المتكبرون هم الذين يبخلون بمالهم، ولا ينفقونه في سبيل الله، ويأمرون الناس بالبخل بتحسينه لهم.

ومن يتولَّ عن طاعة الله لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا، فإن الله هو الغني عن خلقه، الحميد الذي له كل وصف حسن كامل، وفعل جميل يستحق أن يحمد عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الحكم التى من أجلها فعل ذلك فقال : ( لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ) .فاللام فى قوله : ( لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ .

.

.

) متعلقة بحذوف .

وقوله : ( تَأْسَوْاْ ) من الأسى ، وهو الحزن والضيق الشديد .

يقال : أسى فلان على كذا - كفرح - فهو يأسى أسى ، إذا حزن واغتم لما حدث ، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام - :( فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كَافِرِينَ ) أى : فعلنا ما فعلنا من إثبات ما يصيبكم فى كتاب من قبل خلقكم ، وأخبرناكم بذلك ، لكى لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدة بكم إلى الجزع ، وإلى عدم الرضا بقضاء الله وقدره ولكى لا تفرحوا بما أعطاكم الله - تعالى - من نعم عظمى وكثيرة .

.

.

.

فرحا يؤدى بكم إلى الطغيان وإلى عدم استعمال نعم الله - تعالى - فيما خلقت له .

.

.

فإن من علم ذلك علما مصحوبا بالتدبر والاتعاظ .

.

.

هانت عليه المصائب ، واطمأنت نفسه لما قضاه الله - تعالى - وكان عند الشدائد صبورا ، وعند المسرات شكورا .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : يعنى : أنكم إذا علمتم أن كل شىء مقدر مكتوب عند الله ، قل أساكم على الفائت ، وفرحكم على الآتى ، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة ، لم يتفاقم جزعه عند فقده ، لأنه وطن نفسه على ذلك ، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه ، وأن وصوله لا يفوته بحال ، لم يعظم فرحه عند نيله .فإن قلت : فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ، ولا عند منفعة ينالها ، أن لا يحزن ولا يفرح؟قلت : المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله - تعالى - ورجاء ثواب الصابرين ، والفرح المطغى الملهى عن الشكر .فأما الحزن الذى لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام ، والسرور بنعمة الله ، والاعتداد بها مع الشكر ، فلا بأس بهما .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) .أى : والله - تعالى - لا يحب أحداً من شأنه الاختيال بما آتاه - سبحانه - من نعم دون أن يشكره - تعالى - عليها ، ومن شأنه - أيضاً - التفاخر والتباهى على الناس بما عنده من أموال وأولاد .

.

.

وإنما يحب الله - تعالى - من كان من عباده متواضعا حليما شاكرا لخالقه - عز وجل - .فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد سكبتا فى قلب المؤمن ، كل معانى الثقة والرضا بقضاء الله فى كل الأحوال .وليس معنى ذلك عدم مباشرة الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لأن ما سجله الله فى كتابه علينا قبل أن يخلقنا ، لا علم لنا به ، وإنما علمه مرده إليه وحده - تعالى - .وهو - سبحانه - لا يحاسبنا على ما نجهله ، وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به ، أو نهانا عنه ، عن طريق رسوله - صلى الله عليه وسلم - .وكما سجل - سبحانه - أحوالنا قبل أن يخلقنا ، فقد شرع الأسباب وأمرنا بمباشرتها ، وبين لنا فى كثير من آياته ، أن جزاءنا من خير أو شر على حسب أعملنا .وعندما قال بعض الصحابة للنبى - صلى الله عليه وسلم - : " أفلا نتكل على ما قدره الله علينا؟أجابهم بقوله : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه اللام تفيد جعل أول الكلام سبباً لآخره، كما تقول: قمت لأضربك فإنه يفيد أن القيام سبب للضرب، وهاهنا كذلك لأنه تعالى بين أن إخبار الله عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر، ومثبتة في الكتاب الذي لا يتغير يوجب أن لا يشتد فرح الإنسان بما وقع، وأن لا يشتد حزنه بما لم يقع، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام: «من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب» وتحقيق الكلام فيه أن على مذهب أهل السنة أن وقوع كل ما وقع واجب، وعدم كل ما لم يقع واجب أيضاً لأسباب أربعة أحدها: أن الله تعالى علم وقوعه، فلو لم يقع انقلب العلم جهلاً ثانيها: أن الله أراد وقوعه، فلو لم يقع انقلبت الإرادة تمنياً ثالثها: أنه تعلقت قدرة الله تعالى بإيقاعه، فلو لم يقع لانقلبت تلك القدرة عجزاً، رابعها: أن الله تعالى حكم بوقوعه بكلامه الذي هو صدق فلو لم يقع لانقلب ذلك الخبر الصدق كذباً، فإذن هذا الذي وقع لو لم يقع لتغيرت هذه الصفات الأربعة من كمالها إلى النقص، ومن قدمها إلى الحدوث، ولما كان ذلك ممتنعاً علمنا أنه لا دافع لذلك الوقوع، وحينئذ يزول الغم والحزن، عند ظهور هذه الخواطر وهانت عليه المحن والمصائب، وأما المعتزلة فهب أنهم ينازعون في القدرة والإرادة، ولكنهم يوافقون في العلم والخير، وإذا كان الجبر لازماً في هاتين الصفتين، فأي فرق بين أن يلزم الجبر بسبب هاتين الصفتين وبين أن يلزم بسبب الصفات الأربع، وأما الفلاسفة فالجبر مذهبهم، وذلك لأنهم ربطوا حدوث الأفعال الإنسانية بالتصورات الذهنية والتخيلات الحيوانية، ثم ربطوا تلك التصورات والتخيلات بالأدوار الفلكية التي لها مناهج مقدرة، ويمتنع وقوع ما يخالفها، وأما الدهرية الذين لا يثبتون شيئاً من المؤثرات فهم لابد وأن يقولوا بأن حدوث الحوادث اتفاقي، وإذا كان اتفاقياً لم يكن اختيارياً، فيكون الجبر لازماً، فظهر أنه لا مندوحة عن هذا لأحد من فرق العقلاء، سواء أقروا به أو أنكروه، فهذا بيان وجه استدلال أهل السنة بهذه الآية، قالت المعتزلة: الآية دالة على صحة مذهبنا في كون العيد متمكناً مختاراً، وذلك من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ ﴾ يدل على أنه تعالى إنما أخبرهم بكون تلك المصائب مثبتة في الكتاب لأجل أن يحترزوا عن الحزن والفرح، ولولا أنهم قادرون على تلك الأفعال لما بقي لهذه اللام فائدة والثاني: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يريد أن يقع منهم الحزن والفرح وذلك خلاف قول المجبرة: إن الله تعالى أراد كل ذلك منهم والثالث: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى لا يريد ذلك لأن المحبة والإرادة سواء، فهو خلاف قول المجبرة: إن كل واقع فهو مراد الله تعالى الرابع: أنه تعالى أدخل لام التعليل على فعله بقوله: ﴿ لّكَيْلاَ ﴾ وهذا يدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالغرض، وأقول: العاقل يتعجب جداً من كيفية تعلق هذه الآيات بالجبر والقدر وتعلق كلتا الطائفتين بأكثرها.

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي قرأ أبو عمرو وحده: ﴿ بِمَا ءاتاكم ﴾ قصراً، وقرأ الباقون: ﴿ ءاتاكم ﴾ ممدوداً، حجة أبي عمرو أن: ﴿ آتَاكُمُ ﴾ معادل لقوله: ﴿ فَاتَكُمْ ﴾ فكما أن الفعل للغائب في قوله: ﴿ فَاتَكُمْ ﴾ كذلك يكون الفعل للآني في قوله: ﴿ بِمَا ءاتاكم ﴾ والعائد إلى الموصول في الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل، وحجة الباقين أنه إذا مد كان ذلك منسوباً إلى الله تعالى وهو المعطي لذلك، ويكون فاعل الفعل في: ﴿ ءاتاكم ﴾ ضميراً عائداً إلى اسم الله سبحانه وتعالى والهاء محذوفة من الصلة تقديره بما آتاكموه.

المسألة الثالثة: قال المبرد: ليس المراد من قوله: ﴿ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا آتاكم ﴾ نفي الأسى والفرح على الإطلاق بل معناه لا تحزنوا حزناً يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم ولا تعتدوا بثواب على فوات ما سلب منكم، ولا تفرحوا فرحاً شديد يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ ﴾ فدل بهذا على أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، وأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم، وهذا كله معنى ما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً.

واحتج القاضي بهذه الآية على أنه تعالى لا يريد أفعال العباد والجواب عنه أن كثيراً من أصحابنا من فرق بين المحبة والإرادة فقال: المحبة إرادة مخصوصة، وهي إرادة الثواب فلا يلزم من نفي هذه الإرادة نفي مطلق الإرادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المصيبة في الأرض: نحو الجدب وآفات الزروع والثمار.

وفي الأنفس: نحو الأدواء والموت ﴿ فِى كتاب ﴾ في اللوح ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ﴾ يعني الأنفس أو المصائب ﴿ إِنَّ ذَلِكَ ﴾ إنّ تقدير ذلك وإثباته في كتاب ﴿ عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ وإن كان عسيراً على العباد، ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه فقال: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ.....

﴾ يعني أنكم إذا علمتم أنّ كل شيء مقدر مكتوب عند الله قلّ أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي؛ لأنّ من علم أن ما عنده معقود لا محالة: لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أنّ بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال: لم يعظم فرحه عند نيله ﴿ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ لأنّ من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه: اختال وافتخر به وتكبر على الناس.

قرئ: ﴿ بما آتاكم ﴾ وأتاكم، من الإيتاء والإتيان.

وفي قراءة ابن مسعود ﴿ بما أوتيتم ﴾ فإن قلت: فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها أن لا يحزن ولا يفرح.

قلت: المراد: الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغى الملهى عن الشكر؛ فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر: فلا بأس بهما ﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾ بدل من قوله: ﴿ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون، يريد: الذين يفرحون الفرح المطغى إذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم وعظمه في عيونهم: يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به، ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبوهم في الإمساك ويزينوه لهم، وذلك كله نتيجة فرحهم به وبطرهم عند إصابته ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ﴾ عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي: فإنّ الله غني عنه.

وقرئ: ﴿ بالبخل ﴾ وقرأ نافع: ﴿ فإنّ الله الغني ﴾ ، وهو في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ﴾ كَجَدْبٍ وعاهَةٍ.

﴿ وَلا في أنْفُسِكُمْ ﴾ كَمَرَضٍ وآفَةٍ.

﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ إلّا مَكْتُوبَةً في اللَّوْحِ مُثْبَتَةً في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها ﴾ نَخْلُقَها والضَّمِيرُ لِ مُصِيبَةٍ أوِ الأرْضِ أوْ لِلْأنْفُسِ.

﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ أيْ إثْباتَهُ في كِتابٍ.

﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ تَعالى فِيهِ عَنِ العُدَّةِ والمُدَّةِ.

﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا ﴾ أيْ أثْبَتَ وكَتَبَ كَيْ لا تَحْزَنُوا ﴿ عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ مِن نِعَمِ الدُّنْيا ﴿ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ﴾ بِما أعْطاكُمُ اللَّهُ مِنها فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ الكُلَّ مُقَدَّرٌ هانَ عَلَيْهِ الأمْرُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِما آتاكم مِنَ الإتْيانِ لِيُعادِلَ ما فاتَكُمْ، وعَلى الأوَّلِ فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ فَواتَها يَلْحَقُها إذا خُلِّيَتْ وطِباعَها، وأمّا حُصُولُها وإبْقاؤُها فَلا بُدَّ لَهُما مِن سَبَبٍ يُوجِدُها ويُبْقِيها، والمُرادُ بِهِ نَفْيُ الآسِي المانِعِ عَنِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والفَرَحِ المُوجِبِ لِلْبَطَرِ والِاخْتِيالِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ إذْ قَلَّ مَن يُثَبِّتُ نَفْسَهُ في حالَيِ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)

{لكي لا تَأْسَوْاْ} تحزنوا حزناً يطغيكم {على مَا فَاتَكُمْ} من الدنيا وسعتها أو من العافية وصحتها {ولا تفرحوا} فرح المختال الفخور {بما آتاكم} أعطاكم من الإيتاء أبو عمرو أتاكم أي جاءكم من الاتيان يعني أتاكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند الله قل أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي لأن من علم أن ما

{والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن}

عنده مفقود لا مجالة لم يتفاقم جزعه عند فقده لأنه وظن نفسه على ذلك وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه وأن وصوله لا يفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله وليس أحد إلا وهو يفرح عند منفعة

تصيبه ويحزن عند مضرة تنزل به ولكن ينبغي أن يكون الفرج شكراً والحزن صبراً وإنما يذم من الحزن والجزع المنافي للصبر ومن الفرح الأشر المطعي الملهي عن الشكر {والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه اختال وافتخر وتكبر على الناس

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا ﴾ أيْ أخَّرْناكم بِذَلِكَ لِئَلّا تَحْزَنُوا ﴿ عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ مِن نِعَمِ الدُّنْيا ﴿ ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ﴾ أيْ أعْطاكُمُوهُ اللَّهُ تَعالى مِنها فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ الكُلَّ مُقَدَّرٌ يَفُوتُ ما قُدِّرَ فَواتُهُ ويَأْتِي ما قُدِّرَ إتْيانُهُ لا مَحالَةَ لا يَعْظُمُ جَزَعُهُ عَلى ما فاتَ ولا فَرَحُهُ بِما هو آتٍ، وعَلِمَ كَوْنَ الكُلِّ مُقَدَّرًا مَعَ أنَّ المَذْكُورَ سابِقًا المَصائِبُ دُونَ النِّعَمِ وغَيْرِها لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ ولَيْسَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ اكْتِفاءٌ كَما تُوُهِّمَ، نَعَمْ إنْ حُمِلَتِ المُصِيبَةُ عَلى الحَوادِثِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ كانَ أمْرُ العِلْمِ أوْضَحَ كَما لا يَخْفى وتُرِكَ التَّعادُلُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ في الصِّلَتَيْنِ حَيْثُ لَمَّ يُسْنَدا إلى شَيْءٍ واحِدٍ بَلْ أُسْنِدَ الأوَّلُ إلى ضَمِيرِ المَوْصُولِ والثّانِي إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِأنَّ الفَواتَ والعَدَمَ ذاتِيٌّ لِلْأشْياءِ فَلَوْ خُلِّيَتْ ونَفْسُها لَمْ تَبْقَ بِخِلافِ حُصُولِها وبَقائِها فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اسْتِنادِهِما إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.

وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلا تُتْبِعِ الماضِيَ سُؤالَكَ لِمَ مَضى وعَرِّجْ عَلى الباقِي وسائِلْهُ لِمَ بَقِيَ ومِثْلُ هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ - أُوتِيتُمْ - مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ أُعْطِيتُمْ وقَرَأ أبُو عَمْرو - أتاكم - مِنَ الإتْيانِ أيْ جاءَكم وعَلَيْها بَيْنَ الفِعْلَيْنِ تَعادُلٌ، والمُرادُ نَفْيُ الحُزْنِ المُخْرِجِ إلى ما يُذْهِلُ صاحِبَهُ عَنِ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ورَجاءِ ثَوابِ الصّابِرِينَ ونَفْيُ الفَرَحِ المُطْغِي المُلْهِي عَنِ الشُّكْرِ، وأمّا الحُزْنُ الَّذِي لا يَكادُ الإنْسانُ يَخْلُو مِنهُ مَعَ الِاسْتِسْلامِ والسُّرُورُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِدادِ بِها مَعَ الشُّكْرِ فَلا بَأْسَ بِهِما.

أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا هو يَحْزَنُ ويَفْرَحُ ولَكِنْ مَن أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ جَعَلَها صَبْرًا ومَن أصابَهُ خَيْرٌ جَعَلَهُ شُكْرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ تَذْيِيلٌ يُفِيدُ أنَّ الفَرَحَ المَذْمُومَ هو المُوجِبُ لِلْبَطَرِ والِاخْتِيالِ والمُخْتالُ المُتَكَبِّرُ عَنْ تَخَيُّلِ فَضِيلَةٍ تَراءَتْ لَهُ مِن نَفْسِهِ، والفَخُورُ المُباهِي في الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ المَرْءِ كالمالِ والجاهِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الِاخْتِيالَ في الفِعْلِ والفَخْرَ فِيهِ وفي غَيْرِهِ، والمُرادُ مَن لا يُحِبُّ يَبْغُضُ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الحُبِّ والبُغْضِ في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ وأوَّلًا بِالإثابَةِ والتَّعْذِيبِ، ومَذْهَبُ السَّلَفِ تَرْكُ التَّأْوِيلِ مَعَ التَّنْزِيهِ، ومَن لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ لا يُحِبُّ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٌ مِن ذَلِكَ لا أنَّهُ لا يُحِبُّ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ ويُرَدُّ بِذَلِكَ عَلى الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ في قَوْلِهِ: إذا تَأمَّلْنا وجَدْنا إدْخالَ كُلٍّ في حَيِّزِ النَّفْيِ لا يَصْلُحُ إلّا حَيْثُ يُرادُ أنَّ بَعْضًا كانَ وبَعْضًا لَمْ يَكُنْ، نَعَمْ إنَّ هَذا الحُكْمَ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يعني: باطلاً، ولهواً.

يعني: فرحاً يلهون فيها وَزِينَةٌ يعني: زينة الدنيا وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ عن الحسب وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ تفتخرون بذلك.

وروى إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي  أنه قال: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَامَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» .

ثم ضرب للدنيا مثلاً آخر فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ يعني: كمثل مطر نزل من السماء فينبت به الزرع، والنبات، أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ يعني: فرح الزارع بنباته، ويقال: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ يعني: الكفار بالله، لأنهم أشد إعْجاباً بزينة الدنيا من المؤمنين.

ويقال: الْكُفَّارَ كناية عن الزراع، لأن الكَفْر في اللغة هو التغطية، ولهذا سمي الكافر كافراً لأنه يغطي الحق بالباطل.

فسمي الزراع كفاراً لأنهم يغطون الحب تحت الأرض، وليس ذلك الكفر الذي هو ضد الإيمان، والطريقة الأولى أحسن إن أراد به الكفار، لأن ميلهم إلى الدنيا أشد ثُمَّ يَهِيجُ يعني: ييبس فيتغير فَتَراهُ مُصْفَرًّا بعد خضرته ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً يعني: يابساً.

ويقال: حُطاماً يعني: هالكاً، فشبّه الدنيا بذلك، لأنه لا يبقى ما فيها، كما لا يبقى هذا النبت فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لمن افتخر بالدنيا، واختارها وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لمن ترك الدنيا، واختار الآخرة على الدنيا.

ويقال: عذاب شديد لأعدائه، ومغفرة من الله لأوليائه.

ثم قال: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ يعني: كمتاع الغرور، يعني: كالمتاع الذي يتخذ من الزجاج، والخزف، يسرع إلى الفناء ولا يبقى.

ثم قال عز وجل: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: سارعوا بالأعمال الصالحة.

ويقال: بادروا بالتوبة.

وقال مكحول: سابقوا إلى تكبيرة الافتتاح وَجَنَّةٍ يعني: إلى جنة عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني: لو ألصقت بعضها على بعض.

يعني: سبع سموات، وسبع أرضين، ومدت مد الأديم، لكان عرض الجنة أوسع من ذلك وإنما بين عرضها، ولم يبين طولها.

ويقال: لو جعلت السموات والأرض لكانت الجنة بعد ذلك.

هذا مثل يعني: إنها أوسع شيء رأيتموه أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: خلقت، وهيئت للذين صدقوا بوحدانية الله تعالى، وصدقوا برسله، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يعني: ذلك الثواب فضل الله على العباد يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يعني: يعطيه من يشاء من عباده، وهم المؤمنون، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: ذو العطاء العظيم، وذو المَنّ الجسيم.

قوله تعالى: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ يعني: من قحط المطر، وغلاء السعر، وقلة النبات، ونقص الثمار، وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ من البلايا، والأمراض، والأوجاع.

إِلَّا فِي كِتابٍ يعني: إلا في اللوح المحفوظ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يعني: من قبل أن نخلق تلك النسمة.

وذكر الربيع بن أبي صالح الأسلمي قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحَجَّاج أراد قتله، فبكى رجل من قومه فقال سعيد: ما يبكيك؟

قال: لما أصابك من مصيبة.

قال: فلا تبك، قد كان في علم الله تعالى أن يكون هذا.

ألم تسمع قول الله تعالى: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يعني: من قبل أن نخلقها.

ويقال: قبل أن نخلق تلك النفس إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: هيناً، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ يعني: لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلى مَا فاتَكُمْ من الرزق والعافية، إذا علمتم أنها مكتوبة عليكم قبل خلقكم، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ يعني: بما أعطاكم في الدنيا، ولا تفتخروا بذلك وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ يعني: متكبراً، فخوراً، بنعم الله تعالى، ولا يشكروه.

قرأ أبو عمرو بما أتاكم بغير مد.

والباقون: بالمد.

فمن قرأ: بغير مد، فمعناه: لكيلا تفرحوا بما جاءكم من حطام الدنيا، فإنه إلى نفاد.

ومن قرأ: بالمد بما أعطاكم.

وروى عكرمة عن ابن عباس  ما قال: ليس أحد إلا وهو يحزن، ويفرح.

ولكن المؤمن من جعل الفرح والمصيبة صبرا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فاضتْ نفسه، وفارق الدنيا رحمة اللَّه عليه، فإنْ ظَنَّ ظانٌّ جاهل أَنَّ الاستكثار من الدنيا ليس به بأس، أو غلب عليه الجهل فَظَنَّ أَنَّ ذلك أفضل من طلب الكفاف منها، وشُبِّهَ عليه بقول اللَّه تعالى: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [الضحى: ٨] فيما عَدَّده سبحانه على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم من نعمه عنده- فَإنَّ ذلك ليس كما ظَنَّ بل ذلك غنى القلب، دَلَّتْ على ذلك الآثارُ الكثيرة كقوله عليه السلام: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَإنَّما الغِنَى غِنَى النّفس» «١» انتهى.

سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)

وقوله سبحانه: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ...

الآية: لما ذكر تعالى المغفرة التي في الآخرة، ندب في هذه الآية إلى المسارعة إليها والمسابقة، وهذه الآية حُجَّةٌ عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات، وقدِ استدلَّ بها بعضُهم على أَنَّ أَوَّلَ أوقات الصلوات أَفضلُ لأَنَّهُ يقتضي المسارعةَ والمسابقةَ، وذكر سبحانه العَرْضَ من الجنة إذِ المعهودُ أَنَّهُ أَقَلُّ من الطول، وقد ورد في الحديث: «أَنَّ سَقْفَ الجَنَّةِ الْعَرْشُ» وورد في الحديث: «أَنَّ السموات السَّبْعَ في الكُرْسِيِّ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ، وَأَنَّ الْكُرْسِيَّ في الْعَرْشِ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ» «٢» .

ت: أيها الأخ، أَمَرَكَ المولى سبحانه بالمسابقة والمسارعة رحمةً منه وفضلاً، فلا تغفلْ عن امتثال أمره وإجابة دعوته: [الخفيف]

السِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلاً وَفِعْلاً ...

حَذَرَ النَّفْسِ حَسْرَةَ/ الْمَسْبُوقِ

ذكر صاحبُ «معالم الإيمان، وروضات الرضوان» في مناقب صلحاء القيروان، قال:

ومنهم أبو خالد عبد الخالق المتعبد، كان كثيرَ الخوف والحزن، وبالخوف مات رأى يوماً خَيْلاً يسابق بها، فتقدمها فرسان، ثم تقدم أَحَدُهُمَا على الآخر، ثم جَدَّ التالي حتى سَبَقَ الأول، فتخلَّلَ عبد الخالق الناسَ حَتَّى وصلَ إلى الفرس السابق، فجعل يُقَبِّلُهُ ويقول: بارك اللَّه فيك، صَبَرْتَ فظفرت، ثم سقط مغشيّا عليه، انتهى.

وقوله سبحانه: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ...

الآية: قال ابن زيد وغيره «١» : المعنى: ما حدث من حادث، خيرٍ وشَرٍّ، فهذا على معنى لفظ أصاب، لا على عُرْفِ المصيبة فإنَّ عُرْفَهَا في الشر، وقال ابن عباس «٢» ما معناه: أَنَّه أراد عرف المصيبة، فقوله: فِي الْأَرْضِ يعني: بالقحوط، والزلازل، وغير ذلك وفِي أَنْفُسِكُمْ: بالموت، والأمراض، وغير ذلك.

وقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ معناه: إلاَّ والمصيبة في كتاب ونَبْرَأَها معناه: نخلقها يقال: برأ اللَّهُ الخلق، أي: خلقهم، والضميرُ عائد على المصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على الأنفس قاله ابن عباس وجماعة «٣» ، وذكر المهدويُّ جوازَ عود الضمير على جميع ما ذُكِر، وهي كُلُّها معانٍ صِحَاحٌ.

إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ: يريد تحصيلَ الأشياءِ كلها في كتاب، وقال الثعلبي:

وقيل المعنى: إنَّ خَلْقَ ذلك وحِفْظَ جميعه، على اللَّه يسير، انتهى.

وقوله: لِكَيْلا تَأْسَوْا معناه: فَعَلَ اللَّهُ هذا كُلَّه، وأَعلمكم به ليكونَ سَبَبَ تسليتكم وقِلَّةَ اكتراثكم بأمور الدنيا، فلا تحزنوا على فائت، ولا تفرحوا الفَرَحَ المبطر بما آتاكم/ منها، قال ابن عباس «٤» : ليس أحد إلاَّ يحزنُ أو يفرحُ، ولكن مَنْ أصابته مصيبةٌ فليجعلها صبراً، ومَنْ أصابه خير فليجعله شكراً وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد وأبي هريرةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رسولَ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يقول: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ وَصَبٍ وَلاَ نَصَبٍ، وَلاَ سَقَمٍ وَلاَ حَزَنٍ، حَتَّى الهَمِّ يَهُمُّهُ- إلاَّ كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» «٥» ، وفي «صحيح مسلم» عن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

لا والَّذِي أنا عَبْدٌ في عِبادَتِهِ والمَرْءُ في الدَّهْرِ نَصْبَ الرُّزْءِ والحَزَنِ ما سَرَّنِي أنَّ إبِلِي في مَبارِكِها ∗∗∗ وما جَرى في قَضا رَبِّ الوَرى يَكُنِ وَما بَعْدَ هَذا قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣٧] والَّذِي قِيلَ في البُخْلِ هُناكَ هو الَّذِي قِيلَ ها هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ ﴾ عَنْ عِبادِهِ "الحَمِيدُ" إلى أوْلِيائِهِ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الِاسْمَيْنِ في [البَقَرَةِ ٢٦٧] وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ "فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ" لَيْسَ فِيها "هُوَ" وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ، والشّامِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مِن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ ﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى المَغْفِرَةَ الَّتِي في الآخِرَةِ نُدِبَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى المُسارَعَةِ إلَيْها والمُسابَقَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُلَماءِ في النَدْبِ إلى الطاعاتِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى أنَّ أوَّلَ أوقاتِ الصَلَواتِ أفْضَلُ لِأنَّها تَقْتَضِي المُسارَعَةَ والمُسابَقَةَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ هي عَلى جِهَةِ المِثالِ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ" مَعْناهُ: كُونُوا في أوَّلِ صَفٍّ في القِتالِ، وقالَ آخَرُونَ، مِنهم أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ-: اشْهَدُوا تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ مَعَ الإمامِ، وقالَ آخَرُونَ -مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ- كُنْ أوَّلَ داخِلٍ في المَسْجِدِ وآخِرَ خارِجٍ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ المِثالِ.

وذَكَرَ تَعالى العَرْضَ مِنَ الجَنَّةِ إذِ المَعْهُودُ أنَّهُ أقَلُّ مِنَ الطُولِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ المَعانِي: عَبَّرَ عَنِ المِساحَةِ بِالعَرْضِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ طُولَها أكْثَرُ ولا أقَلُّ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ سَقْفَ الجَنَّةِ العَرْشُ،» ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «أنَّ السَماواتِ السَبْعَ في الكُرْسِيِّ كالدِرْهَمِ في الفَلاةِ، وإنَّ الكُرْسِيَّ في العَرْشِ كالدِرْهَمِ في الفَلاةِ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "أُعِدَّتْ" ظاهِرُهُ أنَّها مَخْلُوقَةٌ الآنَ مُعَدَّةٌ، ونَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ في كِتابِ النَقّاشِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ ﴾ ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: ما حَدَثَ مِن حادِثِ خَيْرٍ أوَشَرٍّ، فَهَذا عَلى مَعْنى لَفْظِ "أصابَ" لا عَلى عُرْفِ المُصِيبَةِ فَإنْ عَرَفَها في الشَرِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ما مَعْناهُ: أنَّهُ أرادَ عُرْفَ المُصِيبَةِ، وخَصَّها بِالذِكْرِ لِأنَّها أهَمُّ عَلى البَشَرِ، وهي بَعْضٌ مِنَ الحَوادِثِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ خَيْرِها وشَرِّها كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأرْضِ" يَعْنِي بِالقُحُوطِ والزَلازِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا في أنْفُسِكُمْ ﴾ يُرِيدُ: بِالمَوْتِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ مَعْناهُ: إلّا والمُصِيبَةُ في كِتابٍ، و"نَبْرَأها" نَخْلُقُها، يُقالُ: بَرَّأ اللهُ الخَلْقَ، أيْ: خَلَقَهُمْ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى المُصِيبَةِ، وقِيلَ: عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: عَلى الأنْفُسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ جَوازَ عَوْدِ الضَمِيرِ عَلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ، وهي كُلُّها مَعانٍ صِحاحٌ لِأنَّ الكِتابَ السابِقَ أزَلِيٌّ قَبْلَ هَذِهِ كُلِّها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ يُرِيدُ تَحْصِيلَ الأشْياءِ كُلِّها في الكِتابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ تَعالى هَذا كُلَّهُ وأعْلَمَكم بِهِ لِيَكُونَ سَبَبُ تَسْلِيمِكم وقِلَّةُ اكْتِراثِكم بِأمْرِ الدُنْيا، فَلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ، ولا تَفْرَحُوا الفَرَحَ المُبْطِرَ بِما آتاكم فِيها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَيْسَ أحَدٌ لا يَحْزُنُ ويَفْرَحُ ولَكِنَّ مَن أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَجَعَلَها صَبْرًا ومَن أصابَ خَيْرًا يَجْعَلُهُ شُكْرًا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "أتاكُمْ" عَلى وزْنِ فِعْلٍ ماضٍ، وهَذا مُلائِمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "فاتَكُمْ" وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "آتاكُمْ" عَلى وزْنِ "أعْطاكُمْ" بِمَعْنى: آتاكُمُ اللهُ تَعالى: وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ وأهْلِ مَكَّةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أُوتِيتُمْ"، وهي تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَرَحَ المَنهِيَّ عنهُ إنَّما هو ما أدّى إلى الِاخْتِيالِ والفَخْرِ، وأمّا الفَرَحُ بِنِعَمِ اللهِ تَعالى المُقْتَرِنِ بِالشُكْرِ والتَواضُعِ فَأمْرٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ دَفَعَهُ عن نَفْسِهِ، ولا حَرَجَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما جرى ذكر الجهاد آنفاً بقوله: ﴿ لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ﴾ [الحديد: 10] وقوله: ﴿ والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ﴾ [الحديد: 19] على الوجهين المتقدمين هنالك، وجرى ذكر الدنيا في قوله: ﴿ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغروب ﴾ [الحديد: 20] وكان ذلك كله مما تحدُث فيه المصائب من قتل وقطع وأسر في الجهاد، ومن كوارث تعرض في الحياة من فقد وألم واحتياج، وجرى مَثَل الحياة الدنيا بالنّبات، وكان ذلك ما يعرض له القحط والجوائح، أُتبع ذلك بتسلية المسلمين على ما يصيبهم لأن المسلمين كانوا قد تخلقوا بآداب الدنيا من قبلُ فربما لحقهم ضر أو رزء خارج عن نطاق قدرتهم وَكسبهم فأعلموا أن ذلك مما اقتضاه ارتباط أسباب الحوادث بعضها ببعض على ما سيرها عليه نظام جميع الكائنات في هذا العالم كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ﴾ [الحديد: 22] كما ستعلمه، فلم يملكهم الغم والحزن، وانتقلوا عن ذلك إلى الإقبال على ما يهمهم من الأمور ولم يلهمهم التحرق على ما فات على نحو ما وقع في قوله: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ [البقرة: 154 156]، ولعل المسلمين قد أصابتهم شدة في إحدى المغازي أو حبس مطر أو نحو ذلكم مما كان سبب نزول هذه الآية.

و (ما) نافية و(من) زائدة في النفي للدلالة على نفي الجنس قصداً للعموم.

ومفعول ﴿ أصاب ﴾ محذوف تقديره: ما أصابكم أو ما أصاب أحداً.

وقوله: ﴿ في الأرض ﴾ إشارة إلى المصائب العامة كالقحط وفيضان السيول وموتان الأنعام وتلف الأموال.

وقوله: ﴿ ولا في أنفسكم ﴾ إشارة إلى المصائب اللاحقة لذوات الناس من الأمراض وقطع الأعضاء والأسر في الحرب وموت الأحباب وموت المرء نفسه فقد سماه الله مصيبة في قوله: ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ [المائدة: 106].

وتكرير حرف النفي في المعطوف على المنفي في قوله: ﴿ ولا في أنفسكم ﴾ لقصد الاهتمام بذلك المذكور بخصوصه فإن المصائب الخاصة بالنفس أشد وقعاً على المصاب، فإن المصائب العامة إذا اخْطأَتْه فإنما يتأثر لها تأثراً بالتعقل لا بالحسّ فلا تدوم ملاحظة النفس إياه.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلا في كتاب ﴾ استثناء من أحوال منفية ب (ما)، إذ التقدير: ما أصاب من مصيبة في الأرض كائنة في حال إلا في حال كونها مكتوبة في كتاب، أي مثبتة فيه.

والكتاب: مجاز عن علم الله تعالى ووجه المشابهة عدم قبوله التبديل والتغيير والتخلف، قال الحارث بن حلزة: حذر الجور والتطاخي وهل *** ينْقض ما في المهارق الأهواء ومن ذلك علمه وتقديره لأسباب حصولها ووقت خلقها وترتب آثارها والقصر المفاد ب (إلاّ) قصر موصوف على صفة وهو قصر إضافي، أي إلا في حال كونها في كتاب دون عدم سبق تقديرها في علم الله ردّاً على اعتقاد المشركين والمنافقين المذكور في قوله تعالى: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ [آل عمران: 156] وقوله: ﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ﴾ [آل عمران: 168].

وهذا الكلام يجمع الإِشارة إلى ما قدمناه من أن الله تعالى وضع نظام هذا العالم على أن تترتب المسببات على أسبابها، وقدر ذلك وعلمه، وهذا مثل قوله: ﴿ وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ﴾ [فاطر: 11] ونحو ذلك.

والبرءُ: بفتح الباء: الخَلْق ومن أسمائه تعالى البارئ، وضمير النصب في ﴿ نبرأها ﴾ عائد إلى الأرض أو إلى الأنفس.

وجملة ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ ردّ على أهل الضلال من المشركين وبعض أهل الكتاب الذين لا يثبتون لله عموم العلم ويجوّزون عليه البَداء وتمشّي الحِيَل، ولأجل قصد الرد على المنكرين أكد الخبر ب (إنّ).

والتعليل بلام العلة و(كي) متعلق بمقدر دل عليه هذا الإِخبار الحكيم، أي أعلمناكم بذلك لكي لا تأسوا على ما فاتكم الخ، أي لفائدة استكمال مدركاتكم وعقولكم فلا تجزعوا للمصائب لأن من أيقَنَ أن ما عنده من نعمة دنيوية مفقود يوماً لا محالة لم يتفاقم جزعه عند فقده لأنه قد وطّن نفسه على ذلك، وقد أخذ هذا المعنى كُثّير في قوله: فقلت لها يا عزّ كل مصيبة *** إذا وُطِّنت يوماً لها النفس ذَلّتِ وقوله: ﴿ ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ تتميم لقوله: ﴿ لكيلا تأسوا على ما فاتكم ﴾ فإن المقصود من الكلام أن لا يأْسَوْا عند حلول المصائب لأن المقصود هو قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة...

إلا في كتاب ﴾ ثم يعلم أن المسرات كذلك بطريق الاكتفاء فإن من المسرات ما يحصل للمرء عن غير ترقب وهو أوقع في المسرة كَمُل أدبه بطريق المقابلة.

والفرح المنفي هو الشديد منه البالغ حدّ البطر، كما قال تعالى في قصة قارون ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ﴾ [القصص: 76].

وقد فسره التذييل من قوله: ﴿ والله لا يحب كل محتال فخور ﴾ .

والمعنى: أخبرتكم بذلك لتكونوا حكماء بُصراء فتعلموا أن لجميع ذلك أسباباً وعللاً، وأن للعالم نظاماً مرتبطاً بعضه ببعض، وأن الآثار حاصلة عقب مؤثراتها لا محالة، وإن إفضاءها إليها بعضه خارججِ عن طوق البشر ومتجاوز حد معالجته ومحاولتِه، وفعل الفوات مشعر بأن الفائتَ قد سعى المفوتُ عليه في تحصيله ثم غُلب على نواله بخروجه عن مِكنته، فإذا رسخ ذلك في علم أحد لم يحزن على ما فاته مما لا يستطيع دفعه ولم يغفل عن ترقب زوال ما يسره إذا كان مما يسره، ومن لم يتخلق بخلُق الإسلام يتخبط في الجوع إذا أصابه مصاب ويُستطار خُيلاء وتطاولاً إذا ناله أمر محبوب فيخرج عن الحكمة في الحالين.

والمقصود من هذا التنبيهُ على أن المفرحات صائرة إلى زوال وأن زوالها مصيبة.

واعلم أن هذا مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند نوال الرغيبة.

وصلة الموصول في ﴿ بما آتاكم ﴾ مشعرة بأنه نعمة نافعة، وفيه تنبيه على أن مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند انهيال الرغيبة، هو أن لا يحزن على ما فات ولا يبطر بما ناله من خيرات، وليس معنى ذلك أن يترك السعي لنوال الخير واتقاء الشر قائلاً: إن الله كتب الأمور كلها في الأزل، لأن هذا إقدام على إفساد ما فَطر عليه الناس وأقام عليه نظام العالم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للذين قالوا أفلا نَتَّكِل «اعمَلوا فكل ميسَّر لما خُلق له» وقوله: ﴿ والله لا يحب كل مختال فخور ﴾ تحذير من الفرح الواقع في سياق تعليل الأخبار بأن كل ما ينال المرءَ ثابت في كتاب، وفيه بيان للمراد من الفرح أنه الفرح المفرط البالغ بصاحبه إلى الاختيال والفخر.

والمعنى: والله لا يحب أحداً مختالاً وفخوراً ولا تتوهمْ أن موقع (كل) بعد النفي يفيد النفي عن المجموع لا عن كل فرد لأن ذلك ليس مما يقصُده أهل اللسان، ووقع للشيخ عبد القاهر ومتابعيه توعم فيه، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والله لا يحب كل كفار أثيم ﴾ في سورة البقرة (276) ونبهت عليه في تعليقي على دلائل الإِعجاز.

وقرأ الجمهور آتاكم } بمدّ بعد الهمزة مُحول عن همزة ثانية هي فاء الكلمة، أي ما جعله آتياً لكم، أي حاصلاً عندكم، فالهمزة الأولى للتعدية إلى مفعول ثان، والتقدير: بما آتاكموه.

والإِتيان هنا أصله مجاز وغلب استعماله حتى ساوَى الحقيقة، وعلى هذه القراءة فعائد الموصول محذوف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل، والتقدير: بما آتاكموه، وفيه إدماج المنة مع الموعظة تذكيراً بأن الخيرات من فضل الله.

وقرأه أبو عمرو وَحدَه بهمزة واحدة على أنه من (أتى)، إذا حَصل، فعائد الموصول هو الضمير المستتر المرفوع ب (آتى)، وفي هذه القراءة مقابلة ﴿ آتاكم ﴾ ب (فاتكم) وهو محسن الطباق ففي كلتا القراءتين محسّن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الجَوائِحُ في الزَّرْعِ والثِّمارِ.

الثّانِي: القَحْطُ والغَلاءُ.

﴿ وَلا في أنْفُسِكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الأمْراضُ والأوْصابُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: إقامَةُ الحُدُودِ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.

الرّابِعُ: ضِيقُ المَعاشِ، وهَذا مَعْنى رِوايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ.

﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِن قَبْلِ أنْ نَخْلُقَ المَصائِبَ ونَقْضِيَها.

﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي لَمْ يُقَدَّرْ لَكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

الثّانِي: مِنَ العافِيَةِ والخَصْبِ الَّذِي لَمْ يُقْضَ لَكم، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِنَ العافِيَةِ والخَصْبِ، وهَذا مُقْتَضى قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

وَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ﴾ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا وهو يَحْزَنُ ويَفْرَحُ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَجْعَلُ مُصِيبَتَهُ صَبْرًا، والخَيْرَ شُكْرًا.

﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يَعْنِي بِالعِلْمِ، ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ بِألّا يُعَلِّمُوا النّاسَ شَيْئًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ بَخِلُوا بِما في التَّوْراةِ مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ البُخْلُ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ مِن أمْوالِهِمْ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ البُخْلُ بِالصَّدَقَةِ والحُقُوقِ، قالَهُ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأشْعَرِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ البُخْلُ بِما في يَدَيْهِ، قالَ طاوُسٌ.

وَفَرَّقَ أصْحابُ الخَواطِرِ بَيْنَ البَخِيلِ والسَّخِيِّ بِفَرْقَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ البَخِيلَ الَّذِي يَلْتَذُّ بِالإمْساكِ، والسَّخِيَّ الَّذِي يَلْتَذُّ بِالعَطاءِ.

الثّانِي: أنَّ البَخِيلَ الَّذِي يُعْطِي عِنْدَ السُّؤالِ، والسَّخِيَّ الَّذِي يُعْطِي بِغَيْرِ سُؤالٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ﴾ يقول: في الدنيا ولا في الدين ﴿ إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ﴾ قال: نخلقها ﴿ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ﴾ من الدنيا ﴿ ولا تفرحوا بما آتاكم منها ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة ﴾ الآية قال: هو شيء قد فرغ منه من قبل أن تبرأ الأنفس.

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إنما الطيرة في الدابة والمرأة والدار، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول: ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان أهل الجاهلية يقولون: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار، ثم قرأت ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ﴾ » .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن أنه سئل عنه هذه الآية فقال: سبحان الله من يشك في هذا كل مصيبة في السماء والأرض ففي كتاب من قبل أن تبرأ النسمة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ﴾ الآية قال: ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن إن أصابته مصيبة جعلها صبراً وإن أصابه خير جعله شكراً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ﴾ يريد مصائب المعاش ولا يريد مصائب الدين أنه قال: ﴿ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحو بما آتاكم ﴾ وليس عن مصائب الدين أمرهم أن يأسوا على السيئة ويفرحوا بالحسنة.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال: إنه ليقضي بالسيئة في السماء وهو كل يوم في شأن، ثم يضرب لها أجل فيحسبها إلى أجلها فإذا جاء أجلها أرسلها فليس لها مردود أنه كائن في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا في بلد كذا من المصيبة من القحط والرزق والمصيبة في الخاصة والعامة حتى إن الرجل يأخذ العصا يتوكأ بها، وقد كان لها كارهاً، ثم يعتادها حتى ما يستطيع تركها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير في نفر، فبكى رجل من القوم، فقال: ما يبكيك؟

فقال: أبكي لما أرى بك ولما يذهب بك إليه، قال: فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون ألا تسمع إلى قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ﴾ قال: الأوجاع والأمراض ﴿ من قبل أن نبرأها ﴾ قال: من قبل أن نخلقها.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: أنزل الله المصيبة ثم حبسها عنده ثم يخلق صاحبها فإذا عمل خطيئتها أرسلها عليه.

وأخرج الديلمي عن سليم بن جابر النجيمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيفتح على أمتي باب من القدر في آخر الزمان لا يسده شيء يكفيكم منه أن تقوهم بهذه الآية ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ﴾ الآية» .

وأخرج عبد بن حميد وعبد بن أحمد في زوائد الزهد عن قزعة قال: رأيت على ابن عمر ثياباً خشنة، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إني قد أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان وتقر عيني أن أراه عليك، فإن عليك ثياباً خشنة، قال: إني أخاف أن ألبسه فأكون مختالاً فخوراً ﴿ والله لا يحب كل مختال فخور ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾ هذا يدل على قول الشعبي إن المصيبة تكون من خير وشر؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه الآية الحزن والفرح جميعًا، وهذه اللام تجعل أول الكلام سببًا لآخره، كما تقول: قمت لأضربك، بينت باللام أن القيام سبب للضرب وفي هذه الآية ليس الأمر على ذلك؛ لأن إثبات الله تعالى للحوادث والكائنات قبل خلقها لو كان سببًا لنفي الحزن والفرح ما فرح أحد ولا حزن، ولا وجد فرح ولا حزن، ولكن اللام تتعلق بإخبار الله تعالى إيانا بانقضائه وسبق قدره وبالكائنات، وذلك يوجب نفي الفرح والحزن وكأنه قيل: أخبرناكم بهذا لكيلا تأسوا، وحذف ذلك؛ لأن المشاهدة أغنت عنه وهذا معنى ما ذكره صاحب النظم (١) والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما قضي عليه من مفرح (٢) قوله تعالى: ﴿ مَا آتَاكُمْ ﴾ قراءة العامة بالمد من الإيتاء، وقرأ أبو عمرو مقصورًا من الإتيان (٣) ﴿ فَاتَكُمْ ﴾ فكما أن الفعل للفائت في قوله: ﴿ فَاتَكُمْ ﴾ كذلك يكون الفعل الذي في قوله: ﴿ مَا آتَاكُمْ ﴾ والعائد إلى الموصول من الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل، ووجه قراءة العامة أن الخير الذي يأتيهم هو مما يعطيه الله فإذا قد كان ذلك منسوبًا إلى الله وهو المعطي لذلك، ويكون فاعل الفعل في (آتاكم) ضميرًا عائدًا إلى اسم الله، والهاء محذوفة من الصلة تقديره: بما آتاكموه (٤) قال المبرد: المعنى في قوله: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ أي لا يكون منكم في هذا ولا في هذا ما يجاوز مقدار ما ينبغي فيه (٥) وشرحه الزجاج فقال: معناه: لا تحزنوا حزنًا يطغيكم حتى يخرجكم إلى أن تلزموا أنفسكم الهلكة، ولا تعتدوا بثواب ما تسلبونه وما فاتكم، ولا تفرحوا فرحًا شديدًا تأثروا فيه وتبطروا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ فدل بهذا أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، فأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم (٦) (٧) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 238.

(٢) في (ك): (مفراج).

(٣) قرأ الجمهور ﴿ آتَاكُمْ ﴾ بالمد، وقرأ أبو عمرو ﴿ أَتَاكُمْ ﴾ انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 411.

(٤) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 275 - 276، و"حجة القراءات" ص 107 - 207.

(٥) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 239، والظاهر أن الرازي رحمه الله خلط بين كلام المبرد وكلام الزجاج حيث ذكر ما شرح به الزجاج كلام المبرد ونسبه للمبرد، والصواب ما ذكره المؤلف هنا.

(٦) انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.

(٧) انظر: "جامع البيان" 27/ 136، و"التفسير الكبير" 29/ 239، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 314.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ المعنى فعل الله ذلك وأخبركم به لكيلا تتأسفوا على ما فاتكم، ومعنى لا تأسوا: لا تحزنوا أي فلا تحزنوا على مافاتكم منها ولا تفرحوا فيها، وقرأ الجمهور بما آتاكم بالمدّ أي بما أعطاكم الله من الدنيا، وقرأ أبو عمرو بما أتاكم بالقصر أي بما جاءكم من الدنيا فإن قيل: إن الإنسان لا يملك نفسه أن يفرح بالخير ويحزن للشر كما قال: أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما أُتي بمال كثير؛ اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، فالجواب: أن النهي عن الفرح إنما هو عن الذي يقود إلى الكبر والطغيان، وعن الحزن الذي يخرج عن الصبر والتسليم ﴿ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ المختال صاحب الخيلاء، والفخور شديد الفخر على الناس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أخذ ﴾ مجهولاً ﴿ ميثاقكم ﴾ بالرفع: أبو عمرو ﴿ وكل ﴾ بالرفع: ابن عامر ﴿ انظرونا ﴾ من الأنظار: حمزة ﴿ الأماني ﴾ بسكون الياء: يزيد ﴿ لا تؤخذ ﴾ بالتأنيث: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وما نزل ﴾ بالتشديد مجهولاً: عباس ﴿ نزل ﴾ بالتخفيف من النزول: نافع وحفص.

الباقون: بالتشديد ﴿ ولا تكونوا ﴾ على الخطاب: رويس ﴿ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد ﴿ بما أتاكم ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو عمرو ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ بغير الفصل: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

الوقوف: ﴿ الأرض ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال أن يكون قوله ﴿ يحيى ﴾ مستأنفاً لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالاً من المجرور في قوله ﴿ له ﴾ والجار عاملاً فيها.

﴿ ويميت ﴾ ج ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والباطن ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ كنتم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ في الليل ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ وقاتل ﴾ ط ﴿ وقاتلوا ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله ﴿ وله أجر ﴾ أو بقوله ﴿ بشراكم ﴾ أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول "اذكر" ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج وإن وصل وقف على ﴿ نوركم ﴾ لأن ﴿ يوم ﴾ قد يتعلق بالنور فيوقف على ﴿ نوركم ﴾ وقد يتعلق بقوله ﴿ قيل ارجعوا ﴾ ﴿ نوراً ﴾ ط ﴿ باب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ على النهي ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الصديقون ﴾ ه والوصل أولى ومن وقف على ﴿ الصديقين ﴾ لم يقف على ﴿ ربهم ﴾ ﴿ ونورهم ﴾ ط ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ والأولاد ﴾ ط ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ ورضوان ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ نبرأها ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف أي ذلك لكيلا ﴿ أتاكم ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالبخل ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ط ه للعطف ظاهراً مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ مهتد ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن الأولى للبعض القليل والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط لأن ما بعدها منصوب بابتدعوا المقدر ﴿ رعايتها ﴾ ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن قوله ﴿ فآتينا ﴾ ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان الفرقة بين الفريقين فيرجع إلى قوله ﴿ فمنهم مهتد ﴾ ﴿ أجرهم ﴾ ه ط لما مر ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا وقد يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه التفسير: معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو ﴿ سبحان ﴾ وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي.

وفي الجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعاباً للأقسام وذلك دليل على أن التسبيح لله  مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد.

وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين ههنا على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه.

قال: هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة فلأنه لو كان كذلك لوجدا معاً كما أن العلة والمعلول يوجدان معاً وكذا الواحد والاثنان.

وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في الزمان وإلا تسلسل.

قلت: لم لا يجوز أن يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلاً غير قار الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضاً لا تنتهي النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال.

وقال: إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه  قبل كل شيء والبرهان أيضاً يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً.

والمعي لا يكون قبل لا بالحاجة لأنهما قد يكونان معاً كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة ههنا ولا بالمكان وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان يجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب  على ما عداه خارج عن هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو.

قلت: إنه  متقدم على ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة.

أما بالتأثيبر فظاهر قوله والمضافان معاً.

قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور، وإن أردت مطلقاً فممنوع.

وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل الأماكن ومعها لقوله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ } [البقرة: 115] وقد جاء في الحديث " " لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله" ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وههنا سر لعلنا قد رمزنا إليه في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلاً له.

وأما بالزمان فأظهر قوله والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان: قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب  ، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادىء الوهمية تتغير بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادىء المفروضة.

قال: أما البحث عن كونه  آخراً بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخراً وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه  يوصل الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلاً في أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهنم أنه  إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار أولاً.

فإن كان عالماً لزم تناهيه فإن الأحاطة بما لا يتناهى مستحيلة.

إن لم يعلم لزم نسبة الجهل إليه  وذلك محال.

وأيضاً الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه.

وأجاب عن الأول بأن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير.

قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلاً إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه.

قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون معلومه متناهياً، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته غير متناهية.

وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أحداً يكون متناهياً.

قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين مراراً غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في أبدية الجنة والنار على إجماع المسلمين.

واختلفوا في معنى كونه  آخراً على وجوه أحدها: أنه  يفني جميع العالم ليتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداَ.

قلت: هذا حقيق بأن لا يسمى آخرية بل يسمى توسطاً.

وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به فلا جرم وصف بكونه آخراً.

أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما النزاع في معنى قوله آخراً.

وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة.

قلت: أراد أنه غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى الأول كل المطابقة.

ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب.

قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى المترتبة من الأشرف إلى الأخس.

وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو  أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه  ، وهذا من غوامض الاسرار وقد وفقني الله  لحلها وبيانها فالشكر على آلائه.

أما تفسير الظاهر والباطن فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده.

والباطن لأنه جل عن إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعاً.

وقيل: معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي.

قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر أي أخبر به.

وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا قوله ﴿ يعلم ما يلج ﴾ فإنه قد مر في أول "سبأ" فقط فلا حاجة إلى الإعادة.

وقوله ﴿ وهو معكم ﴾ معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله ﴿ يحي ويميت ﴾ والثاني في العقبى لقوله ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ قوله ﴿ مستخلفين فيه ﴾ أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله  لرعاية حق الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد السببين.

قوله ﴿ لا تؤمنون ﴾ حال من معنى الفعل كقولك "مالك قائماً" أي ما تصنع.

والواو في قوله ﴿ والرسول ﴾ للحال من ضمير ﴿ لا تؤمنون ﴾ فهما حالان متداخلتان.

وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ ، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل لتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما فيه.

استدل القاضي بقوله ﴿ وما لكم ﴾ على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل لافعل وإلا لم يصح التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض.

والبحث في أمثاله مذكور في مواضع.

والضمير في قوله ﴿ ليخرجكم ﴾ لله  أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه بعد فناء الخلق وقد مر في "آل عمران": قال المفسرون: إن أبا بكر أول من أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ﴾ أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله ﴿ أولئك ﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم الذين قال فيهم رسول الله  " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" " ﴿ أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمسّ مع أنه كان أصدق إنباء عن ثقة صاحبه بهذا الدين ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات.

ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز عن إنفاق المال في سبيل الله.

وقد مر في أواخر "البقرة".

قال أهل السنة: إنه  كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدرعنه الفعل الفلاني فله كذا من الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة.

وقال الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة.

وإنما وصف الأجر بالكريم لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريماً من هذا الوجه.

ثم أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال ﴿ يوم ترى ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه.

عن ابن مسعود وقتادة مرفوعاً أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك.

هذا وقد بينا لك في هذا الكتاب مراراً أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله  .

وإنما قال ﴿ بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم.

ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيباً لهم ومتقدماً ويقول لهم الذي يتلقونهم من الملائكة ﴿ بشراكم اليوم جنات ﴾ قوله ﴿ يوم يقول ﴾ بدل من قوله ﴿ يوم ترى ﴾ ومنصوب بـ "أذكر" مقدراً.

قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه  يعطي المؤمنين هذه الأنوار والمنافقون يطلبونها منهم قائلين ﴿ انظرونا ﴾ لأنهم إذا نظروا إليهم والنور قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار.

قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل وأنشد أبو الحسن: ظاهرات الجمال والحسن ينظرن *** كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل.

ومن قرأ ﴿ انظرونا ﴾ أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إمهالاً لهم.

قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله.

ثم إنه يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء.

ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفىء نور المنافقين فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ والاقتباس أخذ القبس أي الشعلة من النار ﴿ قيل ارجعوا وراءكم ﴾ أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فاطلبوا نوراً وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا ﴿ فالتمسوا نوراً ﴾ بتحصيل سببه وهو الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها خدعة خدع بها المنافقون كقوله ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو الأعراف ﴿ باطنه ﴾ أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة ﴿ فيه الرحمة وظاهره ﴾ وهو ما ظهر لأهل النار ﴿ من قبله ﴾ أي من جهته ﴿ العذاب ﴾ قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين ﴿ ارجعوا ﴾ منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه "وراءك أوسع لك "والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله ﴿ بسور ﴾ صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله ﴿ ألم نكن معكم ﴾ مرافقتهم في الظاهر.

ومعنى ﴿ فتنتم ﴾ محنتم ﴿ أنفسكم ﴾ بالنفاق وأهلكتموها ﴿ وتربصتم ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿ وارتبتم ﴾ وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد  أو في البعث أو في كل ما هو من عند الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ بكثرة الآمال وطول الآجال ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار ﴿ وغرّكم بالله ﴾ الشيطان ﴿ الغرور ﴾ فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ فدية ﴾ قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ في الظاهر.

فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن كلا منكم ﴿ مأواكم النار هي مولاكم ﴾ وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم.

قال جار الله حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل "إنه لكريم".

قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي  بقوله  " من كنت مولاه فعلى مولاه" " فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة تفسير الآية أن المولى معناه الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً.

قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيراً بحسب اللغة سقط الاستدلال.

قلت: في هذا الإسقاط بحث لا يخفى.

وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأساً كقوله  ﴿ يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء.

قوله  ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي وقته.

قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع.

وقال آخرون: نزل في المؤمنين المحقين.

روى الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية فغيروا بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية.

وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.

وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين.

وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث عشرة.

وقوله ﴿ لذكر الله ﴾ من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن ﴿ وما نزل من الحق ﴾ وأراد أن القرآن جامع للوصفين الذكر والموعظة ولكونه حقاً نازلاً من السماء.

ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة.

ومن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ بالتاء الفوقانية فهي الناهية.

ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوباً عطفاً على أن تخشع والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع.

وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي  ، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرىء الأمد بالتشديد أي الوقت الأطول ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر.

قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق.

قوله ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض ﴾ فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه يذكر القيامة وبعث الأموات.

ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله ﴿ إن المصدقين ﴾ وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ لأن الألف واللام بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا.

والظاهر أن الأول هو الواجب الثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك.

وأيضاً ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبىء عن الالتزام والوجوب.

ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضاً عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه.

وقال ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، أوهم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثيرر والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسوله رسوله.

ثم حث على الجهاد بقوله ﴿ والشهداء ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ عند ربهم ﴾ وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ ويجوز أن يكون قوله ﴿ عند ربهم ﴾ حالاً أو صفة للشهداء كقوله "مررت على اللئيم يسبني" وما بعده خبر.

وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ومن جعل ﴿ الشهداء ﴾ عطفاً على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله.

قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد.

وقال جار الله: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك.

وقيل: أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده.

وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه.

وعن الأصم.

إن المؤمن قائم لله  بالشهادة فيما تعبدهم به من الإيمان والطاعة.

ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه.

ومعنى إعجاب الكفار أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في "الكهف" وفي "سبأ " وبأصحاب الجنة في "نون".

ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاماً هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس.

ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير في قوله ﴿ وفي الآخرة عذاب شديد ﴾ للكافرين ﴿ ومغفرة من الله ورضوان ﴾ للمؤمنين قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة.

فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

ثم حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في "آل عمران" إلا أن البشارة ههنا أعم لأنه قال هناك ﴿ أعدت للمتقين الذين ينفقون  ﴾ إلأى آخره.

وههنا قال ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ ولأن هؤلاء أدون حالاً من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال ﴿ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ﴾ فلم يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالاً من المشبه به.

وفي لفظ ﴿ سابقوا ﴾ ههنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ ﴿ سارعوا ﴾ هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في القرب أومتقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة ﴾ أي لا يوجد مصيبة ﴿ في الأرض ﴾ من القحط والوباء والبلاء ﴿ ولا في أنفسكم ﴾ من المرض والفتن ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا قال " جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين " ولم يقل إلى الأبد.

وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل البرهان: فصل في هذه السورة وأجمل في "التغابن" فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله  ﴾ والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا والآخرة بقوله ﴿ اعلموا إنما الحياة الدنيا ﴾ إلى آخره قوله ﴿ من قبل أن نبرأها ﴾ من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات ﴿ إن ذلك ﴾ الإثبات أو الحفظ ﴿ على الله يسير ﴾ وإن كان عسيراً على غيره.

ثم بين وجه الحكمة في ذلك الإثبات قائلاً ﴿ لكيلا تأسوا ﴾ أي لكيلا تحزنوا ﴿ على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ نظيره ما ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا يشتد به فرحه.

روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر.

والباقي ظاهر وقد مر في النساء.

والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغياً لحبه المال ليفتخر به ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي ﴿ ومن يتول ﴾ عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ عن طاعة المطيعين ﴿ الحميد ﴾ في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

وقيل: إن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد  وبخلوا ببيان نعته.

ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال الكتاب والميزان معهم.

يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به.

وروي عن النبي  أن الله  أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض.

أنزل الحديد والنار والماء والملح.

وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وقال قطرب: هو من النزل يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً منهم من قال: هو من باب "علفتها تبناً وماء بارداً".

وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه.

أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

والثاني لا يتم بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزاً.

وإما أن يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق بالوقة النظرية الروحاينة، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق.

وثانيها المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف.

وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بدّ لهم من السيوف الزواجر.

واربعها أن الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة المقربين لا يسكن إلا بكتاب الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ أو هو في مقام الطريقة وهو النفس اللوامة.

وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة.

وخامسها السالك إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا بد له من الحديد.

وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة.

أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوّم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف.

وسابعها الكتاب للعلماء.

والميزان للعوام والسيف للملوك.

قال أهل التجارب: في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها.

أو ما يعمل بالحديد بيانه أن أصول الصناعة أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة.

أما الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها.

ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضاً في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل.

قال بعضهم: سبحان من خص الفلز بعزه *** والناس مستغنون عن أجناسه وأذ أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس فمحتاج إلى أنفاسه نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلاً لأن الحاجة إلى النفس أمس.

قال بعض المحققين ههنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم لا يقع في عرضة البيع وكثيراً ما يعطى الأجر على تعلمه قوله ﴿ وليعلم الله ﴾ ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها.

ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفاً بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفاً من أن يجعل وليعلم الله ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ غائباً عنهم.

قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خالياً من النفاق والرياء وفي قوله ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء.

وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي.

عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في ﴿ فمنهم ﴾ للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال.

والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله  في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد  ﴿ رحماء بينهم  ﴾ قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على ﴿ جعلنا ﴾ لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولاً لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.

قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل.

مجعولاً لله  ؟

قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفاً ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي  قال "يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى  وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ﴾ " الآية قال العلماء: لم يرد الله  بقوله ﴿ ابتدعوها ﴾ طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها.

والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضاً وهو الخائف "فعلان" من رهب كخشيان من خشي.

وقرىء بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب.

وقوله ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم اتبدعوها طلب رضوان الله.

وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندباً إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج.

وفي قوله ﴿ فما رعوها حق رعايتها ﴾ أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا إناساً منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمداً  فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلماً إلى المنافع الدنيوية.

وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولاً عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فما رعوها إلا قليلاً منهم آمنوا بمحمد  بعد أن استقاموا على الطريقة.

ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون.

ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أي بعيسى ﴿ اتقوا الله وآمنوا برسوله ﴾ محمد  ﴿ يؤتكم كفلين ﴾ نصيبين ﴿ من رحمته ﴾ لإيمانكم أولاً بعيسى وثانياً بمحمد  ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ وهو النور المذكور في قوله ﴿ يسعى نورهم ﴾ أو النور المذكور في قوله ﴿ أو من كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس  ﴾ ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد  والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله  يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين  ﴾ وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفاً، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءاً من عشرة.

ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية.

قوله ﴿ لئلا يعلم ﴾ الآية.

أكثر المفسرين والنحويين على أن "لا" زائدة والمعنى ليعلم ﴿ أهل الكتاب ﴾ الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين.

والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد  فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين ﴿ وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ وقيل: غير زائدة والضمير في ﴿ لا يقدرون ﴾ للرسول وأصحابه.

والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي  والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمداً  ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ ﴾ .

ففي ظاهر ما ذكر من هذه الآية ونحوها من الآيات لأهل الإلحاد طعن عظيم؛ فإ،هم يقولون: إن كانت الحياة الدنيا لعبا ولهوا، فلم أنشأ الله  لعبا ولا منشئ سواه؟

فلهم موضع الطعن على هذا الوجه، ولهم دعوى التناقض - أيضا - فيه؛ لما ذكر في بعض الآيات، فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ ، وقال في هذه الآية وغيرها: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ .

فنقول: إن الآية تخرج على وجوه: أحدها: على التقديم والتأخير مع الإضمار: كأنه قال: اعلموا أن مثل الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها، أي: يتزينون بها ويتفاخرون بالأولاد والأموال، ويتلهون بها ويلعبون - كمثل الغيب أعجب الكفار نباته، ثم يصير ما ذكر حتى لا ينتفع به؛ فعلى ذلك حياة الدنيا، والله أعلم.

والثاني: إنما الحياة الدنيا على ما هي عندكم، وعلى ما اتخذتموها، وعلى ما ظننتم: أنه لا بعث ولا حياة بعده - كان إنشاؤها عبثا ولهوا - إذ لو كان على ما ظنوا لم يكن إنشاؤها إلا للإفناء والإهلاك خاصة، وبناء البناء المحكم للإفناء خاصة عبث وسفه، ليس بحكمة، وهو ما ذكر: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ ، ذلك ظن الذين كفروا، وكان ظنهم أن لا بعث ولا حياة بعده؛ فعلى ما كان ظنهم، كان إنشاؤها لعبا ولهوا، فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل التوحيد حكمة وحرق وصواب، وعلى ما كان عند أهل الإلحاد، فهي سفه وباطل، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].

وجائز أن يكون معنى قوله: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ ، أ ي: لو قوبلت بحياة الآخرة، لكانت عبثا ولهوا؛ لأن الدنيا بنيت على الفناء والانقطاع والزوال عن قريب، والآخرة على الدوام والبقاء، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ  ﴾ ؛ لأنها باقية، والدنيا فانية.

أو يقول: إنما الحياة الدنيا للدنيا خاصة لعب ولهو، أي: من جعل الحياة الدنيا للدنيا خاصة تكمون لعبا ولهوا، ومن جعل الحياة الدنيا زادا للآخرة وبلغه إليها، فهي ليست بلعب، وهو ما قال  : ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ ، أخبر أن الإنفاق للدنيا كمثل ريح فيها صر، [وقال] في النفقة التي تكون في الدنيا لحية الآخرة: ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ...

﴾ الآية [البقرة: 261]، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ .

والإشكال: أنه كيف خص الكفار بعجبهم ظاهر ذلك النبات وقد يعجب النبات لأهل الإيمان؟

فنقول: لأن الكفار يعجبهم ظاهر ذلك النبات وما يرون من النزهة، لا يرون إلى ما ضمن في ذلك النبات وجعل فيه من المنفعة في العاقبة لكن ينظرون إلى ظاهره، وأما المؤمنون إنما يعجبهم ما في ذلك النبات من المنفعة في العاقبة، وإلى ذلك يكون نظرهم لا إلى ظاهره، وهو كما شبه إنفاق الكفرة بالريح التي فيها صر يصيب حرث قوم؛ لما لا يقصدون بإنفاقهم سوى نفس الإنفاق، وشبه نفقة أهل الإيمان بالحبة التي تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؛ لما كان مقصدهم في الإنفاق عاقبته، لا عين الإنفاق.

ويحتمل أن يكون المراد من الكفار الزراع، وبه فسر بعض أهل الأدب؛ وهو كقوله: ﴿ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ...

 ﴾ فعلى هذا التأويل، رجع إلى الكل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ ، أي: لهؤلاء الذين اتخذوا الدنيا لعبا ولهوا، وصيروها تفاخرا وتكاثرا دون أن يتخذوها زادا وبلغة إلى الآخرة.

وقوله: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ ﴾ ، فهو للمؤمنين [الذين] اتخذوا الحياة الدنيا للآخرة، وعقلوا الآيات التي بينها لهم؛ للنظر فيها والتفكر والتأمل فيها، ووضعوها مواضعها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ هو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ .

قال الإمام الهندي -  - في قوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ : إن الحياة الدنيا وحبها لنفسه وعلى ما أنشئت وجعلت له - حكمة وحق وسرور ليس بغرور، وأما اختيارها وحبها لغيره واستعمالها لغير الذي أنشئت وجعلت - غرور ولغب ولهو؛ لأن من أحب شيئا استكثر منه، وحبسه لنفسه، وحفظه من نقصه وضياعه، واستبقاء لوقت حاجته ويوم فقره؛ فعلى ذلك من جمع الدنيا لنفسه وأحبها واستعملها فيما أذن له، وهو أن يجعلها زادا للآخرة وبلغة إليها، فإذا علم ذلك استكثر منها عند الله ليوم فاقته، فمن أحبها واختارها لهذا، فليس بغرور، ولا لعب، بل سرور وبهجة، ومن طلبها لغيره واستعملها في غير ما أنشئت، كان غرورا ولعبا، على ما ذكر في قوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ على ما يختارون هم ويحبوها؛ وذلك أن الله  أنشأ لنا هذه النعم؛ حيث قا ل: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  ﴾ ، يجب أن ينظر إلى ذلك بالتعظيم لها والإجلال، وليس الاستخفاف والهوان؛ ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو أكرم أحداً بكرامة وأهداه بهدية، ثم علم منه الاستخفاف بها؛ فإنه يسلب منه هديته ويستحقره؛ فعلى ذلك يجب أن نتلقى نعمة الله  بالتعظيم والتبجيل والقبول الحسن، لا على الاستخفاف بها والإهانة.

ثم الناس بعد هذا رجلان: رجل يرغب في نعمة الدنيا وجمعها، جعلها عند الله ذخراً وزادا لوقت فقره وحاجته.

ورجل: زهد فيها؛ خوفا [من] التقصير في عبادة الله  في حقوقه أن يشتغل بها، ويمنعه ذلك عن أداء حقوقه والاقتداء برسول الله  - فيما أمره، وله أسوة حسنة بنبيه  .

وأما من ترك الدنيا وما أنشأ الله  فيها من النعم؛ استخفافا بها وهوانا، فهو الجاهل المستحف بنعم الله  الغافل عما أنشئت له الدنيا [وما] فيها فهذا والذي طلب الدنيا للدنيا مذمومان، والذي طلبها لنفسه زادا للآخرة والذي زهد فيها محمودان، والله أعلم.

وعلى ذلك يخرج "إن حب الدنيا رأس كل خطيئة": أن من أحبها لغيره ولغير الذي جعلت له تكون رأس كل خطيئة، ومن أحبها لنفسه، واتخذها زادا للآخرة، فيه رأس كل حسنة وطاعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ يقول: اجعلوا المسابقة فيما بينكم في مغفرة ربكم إلى الجنة، لا إلى جمع الأموال والأولاد، وكان أ÷ل الكفر جعلوا المسابقة في الدنيا في جميع الأموال والتفاخر والتكاثر بها، فيقول لأهل الإيمان: اجعلوا أنتم المسابقة في طلب مغفرة الله وجنته، والله أعلم.

ويحتمل تسبقون آجالكم وبأعمالكم التي توجب لكم المغفرة والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية، ذكر سعة الجنة؛ لأن العرض إنما يذكر لسعة تكون للشيء، وقد ذكر سعتها فيها؛ حيث قال: ﴿ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ  لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ  ﴾ وقال -  -: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ  ﴾ ، ونحو ذلك؛ ذكر ما فيها من السعة وسعتها، والله أعلم.

ثم ذكر عرضها كعرض السماء والأرض، وهو يخرج على التحديد والتقدير: أن عرضها مثل عرض السماوات والأرض، لكن لما لا شيء أوسع في أوهام الخلق مما ذكر، وهو كقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ  ﴾ ، ذكر دوامهما؛ [لما] لا شيء أبقى وأدوم منهما في الأذهان، وإلا كانتا تفنيان.

ويحتمل أن يقول: ﴿ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: تصير السماوات والأرض جميعا جنة لهم.

ثم وصف الجنة بالسعة، ووصف لنار بالضيق، حيث قال: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً  ﴾ ، وذلك أنه ليسي في فضل النار على قدر المعجول الذي يصل إلى المعذب بها فائدة [فذلك] تضيقت، ولفضل الجنة على قدر الحاجة لذة وسرور ومنفعة؛ فوسعت لذلك، والله أعلم.

ثم أخبر أنها أعادت للذين آمنوا بالله ورسوله، والإيمان بالله -  -: هو أن يصدق كل شيء يشهد على وحدانيته وألوهيته، والإيمان برسله: هو أن يصدقهم فيما أخبروا عن الله  ، وكل صاحب كبيرة مصدق بالذي ذكرنا، فهو مؤمن؛ وذلك على المعتزلة؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ؛ دلت الآية [على] أن ما يعطي من الثواب لعبيده فضل منه وإن سماه: جزاء، وأجرا؛ لأنه قد سبق منه إليهم من الإحسان والنعم ما يصير تلك الأفعال - وإن كثرت - شكرا لأدنى نعمه، وإن طال عمره، فأنى يستوجب الشكر والثواب على تلك الأعمال ثوابا وجزاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ﴾ ، أي: ذكرها في كتاب، كان ذلك الكتاب قبل أن نبرأ المصائب، أي: نخلقها؛ إذ لا يحتمل كون أنفس تلك المصائب في الكتاب قبل خلقها؛ فدل على كون ذكر المصائب فيه، وهو كقوله: ﴿ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ  ﴾ ، و[وليست الشجرة في القرآن] ولكن ذكرها فيه من ذلك ما روي في الخبر أنه "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو" ، أي: نهى أن يسافر الذي كتب فيه القرآن، وإلا لم يكن عين القرآن في ذلك المصحف؛ فعلى ذلك ما ذكر من المصائب، وذلك يخرج على المجاز دون الحقيقة، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ﴾ : منهم من قال: من قبل أن نخلق تلك المصائب.

منهم من قال: من قبل أن نبرأ تلك الأنفس الأرض والأول [أصح].

وقوله: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يخرج على وجهين: أي: كثرة ما يصيب الخلق في أنفسهم وأموالهم يسير على الله، غير شديد عليه، ليس كملوك الأرض؛ لأن ما يصيب حشمهم وخدمهم من المصائب يشتد عليهم؛ لما أن قوامهم بحشمهم وخدمهم، ولهم منافع فيهم، والله يتعالى بذاته، ليس له في بقاء الخلق منفعة، ولا في ذهابهم وفنائهم ضرر، فذلك يكون عليه يسير.

والثاني: أن كتابه لم يكن بعد ولم يخلق، وعلمه قبل كونه على الله يسير هين، يخبر أنه عالم في الأزل بكون الأشياء في أوقاتها، لا يصعب عليه، ولا يشتد العلم بها قبل كونها وقل ظهورها كما يشتد على الخلق ويصعب عليهم، والله أعلم.

وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأن اسم المصائب يقع على ما للخلق فيه صن ع كما يقع على ما لا صنع لهم فيه، ثم أضاف الله  خلقها إلى نفسه مطلقا بقوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ﴾ ، دل أن أفعال العباد مخلوقة لله  ؛ آلا ت رى أن الله  سمى ما يصيب بأيدي الخلق: مصيبة، فقال ﴿ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ...

 ﴾ الآية.

قالت المعتزلة: يقال: أصابنا كذا فيما لا يصنع للخلق في ذلك، فآما ما [فيه] صنع للخلق يقال: "أصبنا"؟

لكن هذا فاسد؛ فإنه جئاز أن يقال في كل ما أصابك: أصبته، وما أصبته أصابك؛ لأنه إذا أصابك شيء فقد أصبته، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ ، جعل الله  في طباع الخلق الحزن والأسى على ما فاتهم من النعمة وما ينزل بهم من البلاء والشدة، والسعة والفرح والسرور بما ينالون من النعمة، هذا هو المنشأ والمجعول في طباعهم.

ثم يخرج تأويل الآية بالنهي عن الأس والحزن بفوت النعمة، وعن الفرح والسرور عند إصابتها على وجوه: أحدها: يقول - والله أعلم - لكيلا تستكثروا من الأسى والحزن على ما فاتكم، فيحملكم ذلك على الشكوى من الله  ، ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ أي: لا تستكثروا [من] الفرح والسرور حتى يحملكم ذلك على الطغيان والعدوان، كما ذكر في الخبر: "أعوذ بالله من الفقر المنسي والغناء المطغي"، والله أعلم.

والثاني: يقول: لكيلا يشغلكم الأسى والحزن على ما فاتكم من النعمة حتى يفوتكم أضعاف ذلك، وهو ما وعد لهم من الثواب إذا صبروا؛ كقوله  : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ  ﴾ ، يقول: لا يشغلكم الجزع وترك الصبر عمَّا وعد لكم من الصلاة والرحمة والاهتداء؛ ولذلك الجزع في المصيبة أعظم المصيبتين، ويقول - أيضا -: ولا يشغلكم شدة الفرح والسرور بما آتاكم عن الشكر حتى تفوتكم الزيادة على ذلك؛ لأن الله  وعد الزيادة على النعمة إذا شكر بقوله: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ  ﴾ ، والله أعلم.

والثالث: يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى ما كان منكم من الجريمة حتى فاتكم ذلك؛ حيث قال: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى تفريطكم في جنب الله، وارجعوا عن ذلك؛ وكذلك يقول: لا تفرحوا بما آتاكم، ولكن انظرو إلى إحسان الله الذي كان إليكم، والله أعلم.

ويحتمل: أن يقول: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ ، ولكن انظروا إلى ما امتحنكم به وابتلاكم؛ إذ هو امتحن بعضا بالشدائد والبلايا، وأمرهم بالصبر على ذلك، وبعضا بالسعة والرخاء، وأمرهم بالشكر على ذلك، فاصبروا ولا تجزعوا إن فاتكم النعم وأصابتكم المصائب، اشكروا له، ولا تفرحوا عند النعم فرحا يكون بطرا وأشرا.

أو يقول: لا تأسوا على ما فاتكم؛ فإن الذي أخذ من النعم لم يكن في الحقيقة لكم، إنما هو لغيركم، ومن كان عنده مال لآخر فأخذه لا يحب أن يحزن على ذلك، ولا تفرحوا بما آتاكم، فإن النعم التي آتاكم يجوز أن تكون لغيركم لا لكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ قرئ ممدوداً ومقصروا، فمن مده، رد الفعل إلى الله  ، ومن قصره جعل الفعل لذلك الشيء؛ لموافقة قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ ، ولم يقل: أفاتكم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ ، ولكن يحب ضد ذلك وخلاف المختال المتكبر، فيحب المتواضع الخاضع.

والفخور هو الذي يفتخر بما أنعم الله عليه على الناس، فيحب الذي يشكره على نعمه بالتوسيع على عباده.

وجائز أن يكون هذا كله وصف الكفار؛ كأنه يقول: لا يحب كل كفار؛ كقوله: ﴿ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ ، أي: يحب المؤمن؛ لأن المؤمن يكون صبارا على المصائب، شكورا لنعمائه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ﴾ جائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ تفسيرا له.

وجائز أن يكون على الابتداء، وهو كقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ  ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ  ﴾ كأن قوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ  ﴾ مفصول من الأول، وكذلك هذا.

ثم قوله: ﴿ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ﴾ يحتمل ما ذكر من بخلهم في آية أخرى، فقال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ  ﴾ بخلوا بالإنفاق على المؤمنين، أو بخلوا بالإنفاق على أتباعهم؛ ليبقى الكرم والرياسة عليهم.

وجائز أن يكون ما ذكره بعض أهل التأويل أن ذلك نزل في الرؤساء من أهل الكتاب؛ بخلوا ببيان صفة محمد  التي كانت في كتبهم، وأمروا أمثالهم وأشكالهم بكتمان ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ ، أي: ومن يعرض عن ذلك فالله هو الغني الحميد؛ الغني عن عبادتكح وعما دعاكم إليه؛ إذ لم يدعوكم إلى ما دعاكم لحاجة نفسه؛ إذ و الغني بذاته، الحميد بفعاله؛ أي: بما علم منكم من الرد لرسالته لا يخرج فعله من أن يكون محمودا، ولا يصير لفعله إلى أعدائه بما صنع غير حميد، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ وجوه أيضا: أحدها: أن المصائب ربما تجري على أيدي الناس وتصيبهم منهم، فقال: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ ما جرى ذلك على أيدي الناس؛ لأنه لا يزول منهم؛ فيحملهم لك على العداوة والبغضاء، ولكن يرون ذلك مكتوبا عليهم من الله  ، وكذلك ما ذكر فيما يؤتيهم من النعم على أيدي الخلق، فلا يزال ذلك منهم؛ فيشغلهم عن القيام بشكر الرب - جل وعلا - ولكن يرونه من فضل الله  ومنه فيشكرونه.

والثاني: يحتمل: أن يكون النهي عن الحزن أمرا بالفرح؛ أي: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن افرحوا ب العلم الذي يأتيكم؛ فإنهم لو لم يفتهم لكان يشغلهم عن القيام بحقوق الله  وأداء ما عليهم من الفرائض، والله أعلم.

وفي قوله -  -: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُوا ﴾ أمر بالحزن، وقد ذكر الشيء ويراد به إثبات ضده؛ كقوله  : ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ \[البقرة:ِ 16\]، أي: خسرت تجارتهم، وينبغي أن تتلقى نعم الله  على وجهين: أحدهما: بحسن القبول لها والتعظيم والشكر للمنعم؛ إذ أغناه بذلك عن النظر لما في أيدي الناس ورفع الحاجة، وذلك من أعظم [النعم].

والثاني: يخاف؛ لما لعله فعل ذلك به استدراجا وامتحانا؛ إذ الأموال ربما تكون فتنة وبلاء أو تشغله عن أداء ما عليه إن كن ذلك سبب استدراجه وبلائه، فأخذ منه.

أو لما يصل بذهابه إلى أداء الفرائض من العبادات، وكان ذلك يمنعه.

ويحزن من وجهين أيضا: أحدهما: لما لعل قوته يحوجه إلى ما في أيدي الناس، وكان غنيا عنهم.

أو لما لعل ذلك عقوبة لتفريط كان منه؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، والله أعلم.

ثم أضاف ما نالوا من النعم إلى نفسه حيث قال: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ ، ولم يضف ما فاتهم إلى نفسه، وهو كما قال في آية أخرى: ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ  ﴾ ، وهو ما ذكرنا أنه جائز أن يكون ما يفوتهم من النعم باكتساب وسبب كان منهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وذلك لكي لا تحزنوا -أيها الناس- على ما فاتكم، ولكي لا تفرحوا بما أعطاكم من النعم فرح بَطَر، إن الله لا يحبّ كل متكبر فخور على الناس بما أعطاه الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.xj47E"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل