الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ٢٥ من سورة الحديد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 86 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٥ من سورة الحديد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) أي : بالمعجزات ، والحجج الباهرات ، والدلائل القاطعات ، ( وأنزلنا معهم الكتاب ) وهو : النقل المصدق ) والميزان ) وهو : العدل .
قاله مجاهد ، وقتادة ، وغيرهما .
وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة ، كما قال : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) [ هود : 17 ] ، وقال : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) [ الروم : 30 ] ، وقال : ( والسماء رفعها ووضع الميزان ) [ الرحمن : 7 ] ; ولهذا قال في هذه الآية : ( ليقوم الناس بالقسط ) أي : بالحق والعدل وهو : اتباع الرسل فيما أخبروا به ، وطاعتهم فيما أمروا به ، فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق ، كما قال : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) [ الأنعام : 115 ] أي : صدقا في الإخبار ، وعدلا في الأوامر والنواهي .
ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوءوا غرف الجنات ، والمنازل العاليات ، والسرر المصفوفات : ( الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) [ الأعراف : 43 ] .
وقوله : ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) أي : وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه ; ولهذا أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية ، وكلها جدال مع المشركين ، وبيان وإيضاح للتوحيد ، وتبيان ودلائل ، فلما قامت الحجة على من خالف ، شرع الله الهجرة ، وأمرهم بالقتال بالسيوف ، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده .
وقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود ، من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن حسان بن عطية ، عن أبي المنيب الجرشي الشامي ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم " ولهذا قال تعالى : ( فيه بأس شديد ) يعني : السلاح كالسيوف ، والحراب ، والسنان ، والنصال ، والدروع ، ونحوها .
( ومنافع للناس ) أي : في معايشهم كالسكة ، والفأس ، والقدوم ، والمنشار ، والإزميل ، والمجرفة ، والآلات التي يستعان بها في الحراثة ، والحياكة ، والطبخ ، والخبز ، وما لا قوام للناس بدونه ، وغير ذلك .
قال علباء بن أحمد ، عن عكرمة ، أن ابن عباس قال : ثلاثة أشياء نزلت مع آدم : السندان ، والكلبتان ، والميقعة ، يعني المطرقة .
رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .
وقوله : ( وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ) أي : من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسله ، ( إن الله قوي عزيز ) أي : هو قوي عزيز ، ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس ، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض .
يقول تعالى ذكره: لقد أرسلنا رسلنا بالمفصَّلات من البيان والدلائل، وأنـزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، والميزان بالعدل.
كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ) قال: الميزان: العدل.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَأَنـزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ) بالحق (1) ؛ قال: الميزان: ما يعمل الناس، ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزان، ويعطون بميزان، يعرف ما يأخذ وما يعطي.
قال: والكتاب فيه دين الناس الذي يعملون ويتركون، فالكتاب للآخرة، والميزان للدنيا.
وقوله: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) يقول تعالى ذكره: ليعمل الناس بينهم بالعدل.
وقوله: (وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) يقول تعالى ذكره: وأنـزلنا لهم الحديد فيه بأس شديد، يقول: فيه قوّة شديدة، ومنافع للناس، وذلك ما ينتفعون به منه عند لقائهم العدوّ، وغير ذلك من منافعه.
وقد حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن علباء بن أحمر، عن عكرِمة عن ابن عباس، قال: ثلاثة أشياء نـزلت مع آدم صلوات الله عليه: السندان والكلبتان، والميقعة، والمطرقة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) قال: البأس الشديد: السيوف والسلاح الذي يقاتل الناس بها، (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) بعد، يحفرون بها الأرض والجبال وغير ذلك.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: قوله: (وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) وجنُة وسلاح، وأنـزله ليعلم الله من ينصره.
وقوله: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) يقول تعالى ذكره: أرسلنا رسلنا إلى خلقنا وأنـزلنا معهم هذه الأشياء ليعدلوا بينهم، وليعلم حزب الله من ينصر دين الله ورسله بالغيب منه عنهم.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله قويّ على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره ونهيه، عزيز في انتقامه منهم، لا يقدر أحد على الانتصار منه مما أحلّ به من العقوبة.
------------------------ الهوامش: (1) لعله والميزان، والميزان بالحق
قوله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات أي : بالمعجزات البينة ، والشرائع الظاهرة .
وقيل : الإخلاص لله تعالى في العبادة ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، بذلك دعت الرسل : نوح فمن دونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم .وأنزلنا معهم الكتاب أي : الكتب ، أي : أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم والميزان قال ابن زيد : هو ما يوزن به ويتعامل ليقوم الناس بالقسط أي : بالعدل في معاملاتهم .
وقوله : بالقسط يدل على أنه أراد الميزان المعروف وقال قوم : أراد به العدل .
قال القشيري : وإذا حملناه على الميزان المعروف ، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب :علفتها تبنا وماء بارداويدل على هذا قوله تعالى : والسماء رفعها ووضع الميزان ثم قال وأقيموا [ ص: 235 ] الوزن بالقسط وقد مضى القول فيه .
وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : الحديد ، والنار ، والماء ، والملح .
وروى عكرمة عن ابن عباس قال : ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام : الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج ، وعصا موسى وكانت من آس الجنة ، طولها عشرة أذرع مع طول موسى ، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء : السندان ، والكلبتان ، والميقعة وهي المطرقة ، ذكره الماوردي .
وقال الثعلبي : قال ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين : السندان ، والكلبتان ، والميقعة ، والمطرقة ، والإبرة .
وحكاه القشيري قال : والميقعة ما يحدد به ، يقال : وقعت الحديدة أقعها أي : حددتها .
وفي الصحاح : والميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه ، وخشبة القصار التي يدق عليها ، والمطرقة والمسن الطويل .
وروي أن الحديد أنزل في يوم الثلاثاء .فيه بأس شديد أي : لإهراق الدماء .
ولذلك نهى عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء ; لأنه يوم جرى فيه الدم .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : في يوم الثلاثاء ساعة لا يرقأ فيها الدم .
وقيل : أنزلنا الحديد أي : أنشأناه وخلقناه ، كقوله تعالى : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج وهذا قول الحسن .
فيكون من الأرض غير منزل من السماء .
وقال أهل المعاني : أي : أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه .
فيه بأس شديد يعني السلاح والكراع والجنة .
وقيل : أي : فيه من خشية القتل خوف شديد .ومنافع للناس قال مجاهد : يعني جنة .
وقيل : يعني انتفاع الناس بالماعون من الحديد ، مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه .وليعلم الله من ينصره أي : أنزل الحديد ليعلم من ينصره .
وقيل : هو عطف على قوله تعالى : ليقوم الناس بالقسط أي : أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب ، وهذه الأشياء ، ليتعامل الناس بالحق ، وليعلم الله من ينصره وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله بالغيب قال ابن عباس : ينصرونهم لا يكذبونهم ، ويؤمنون بهم بالغيب أي : وهم لا يرونهم .
إن الله قوي عزيز قوي في أخذه عزيز أي : منيع غالب .
وقد تقدم .
وقيل : بالغيب بالإخلاص .
يقول تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ } وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيته.{ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ } وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، { وَالْمِيزَانَ } وهو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود [والمواريث وغير ذلك]، وذلك { لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } قياما بدين الله، وتحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت أنواع العدل، بحسب الأزمنة والأحوال، { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } من آلات الحرب، كالسلاح والدروع وغير ذلك.{ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى إنه قل أن يوجد شيء إلا وهو يحتاج إلى الحديد.{ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } أي: ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره وينصر رسله في حال الغيب، التي ينفع فيها الإيمان قبل الشهادة، التي لا فائدة بوجود الإيمان فيها، لأنه حينئذ يكون ضروريا.{ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } أي: لا يعجزه شيء، ولا يفوته هارب، ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد الذي منه الآلات القوية، ومن قوته وعزته أنه قادر على الانتصار من أعدائه، ولكنه يبتلي أولياءه بأعدائه، ليعلم من ينصره بالغيب، وقرن تعالى في هذا الموضع بين الكتاب والحديد، لأن بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، وكمال شريعته التي شرعها على ألسنة رسله.
قوله - عز وجل - ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) بالآيات والحجج ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ) يعني : العدل .
وقال مقاتل بن سليمان : هو ما يوزن به أي : ووضعنا الميزان كما قال : " والسماء رفعها ووضع الميزان " ( الرحمن - 7 ( ليقوم الناس بالقسط ) ليتعاملوا بينهم بالعدل .
( وأنزلنا الحديد ) روي عن ابن عمر يرفعه : إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : الحديد والنار والماء والملح وقال أهل المعاني معنى قوله : " أنزلنا الحديد " [ أنشأنا وأحدثنا أي : أخرج لهم الحديد ] من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه .
وقال قطرب هذا من النزل كما يقال : أنزل الأمير على فلان نزلا حسنا فمعنى الآية : أنه جعل ذلك نزلا لهم .
ومثله قوله : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ( الزمر - 6 ) .
( فيه بأس شديد ) قوة شديدة يعني : السلاح للحرب .
قال مجاهد : فيه جنة وسلاح يعني آلة الدفع وآلة الضرب ( ومنافع للناس ) مما ينتفعون به في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحوها إذ هو آلة لكل صنعة ( وليعلم الله ) أي : أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليعلم الله وليرى الله ( من ينصره ) أي : دينه ( ورسله بالغيب ) أي : قام بنصرة الدين ولم ير الله ولا الآخرة ، وإنما يحمد ويثاب من أطاع الله بالغيب ( إن الله قوي عزيز ) قوي في أمره ، عزيز في ملكه .
«لقد أرسلنا رسلنا» الملائكة إلى الأنبياء «بالبينات» بالحجج القواطع «وأنزلنا معهم الكتاب» بمعنى الكتب «والميزان» العدل «ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد» أخرجناه من المعادن «فيه بأس شديد» يقاتل به «ومنافع للناس وليعلم الله» علم مشاهدة، معطوف على ليقوم الناس «من ينصره» بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره «ورسوله بالغيب» حال من هاء ينصره، أي غائبا عنهم في الدنيا، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه «إن الله قوي عزيز» لا حاجة له إلى النصرة لكنها تنفع من يأتي بها.
لقد أرسلنا رسلنا بالحجج الواضحات، وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، وأنزلنا الميزان؛ ليتعامل الناس بينهم بالعدل، وأنزلنا لهم الحديد، فيه قوة شديدة، ومنافع للناس متعددة، وليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق من ينصر دينه ورسله بالغيب.
إن الله قوي لا يُقْهَر، عزيز لا يغالَب.
ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسله إلى الناس ، ليهدوهم إلى طريق الحق ، وأن الناس منهم من اتبع الرسل ، ومنهم من أعرض عنهم ، ومنهم من ابتدع أموراً من عند نفسه لم يرعها حق رعايتها .
.
.
.
فقال - تعالى - : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا .
.
.
) .المراد بالبينات فى قوله - تعالى - : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات ) الحجج والدلائل التى تشهد لهم بأنهم رسل من عند الله - تعالى - وتدخل فيها المعجزات دخولا أوليا .والمراد بالكتاب : جنس الكتب .
وتشمل التوراة والإنجيل وغيرهما .والميزان : الآلة المعروفة بين الناس لاستعمالها فى المكاييل وغيرها .
.
.
والمراد بها العدل بين الناس فى أحكامهم ومعاملاتهم .وشاع إطلاق الميزان على العدل ، باستعارة لفظ الميزان على العدل ، على وجه تشبيه المعقول بالمحسوس ، والمراد بإنزاله ، تبليغه ونشره بين الناس .أى : بالله لقد أرسلنا رسلنا ، وأيدناهم بالحجج والبراهين الدالة على صدقهم ، وأنزلنا معهم كبتنا السماوية ، بأن بلغناهم إياها عن طريق وحينا ، وأنزلنا معهم العدل بأن أرشدناهم إلى طرقه ، وإلى إعطاء كل ذى حق حقه .قال ابن كثير : يقول الله - تعالى - : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات ) أى : بالمعجزات ، والحجج الباهرات ، والدلائل القاطعات ( وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب ) وهو النقل الصدق ( والميزان ) وهو العدل أو وهوالحق الذى تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة .وأكد - سبحانه - هذا الإرسال ، للرد على أولئك الجاحدين الذين أنكروا نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - ولبيان أنه واحد من هؤلاء الرسل الكرام ، وأن رسالته إنما هى امتداد لرسالتهم .
.
.
وقوله - تعالى - : ( لِيَقُومَ الناس بالقسط ) علة لما قبله .
أى : أرسلنا الرسل .
وأنزلنا الكتاب وشرعنا العدل ، ليقوم الناس بنشر ما يؤدى إلى صلاح بالهم ، واستقامة أحوالهم ، عن طريق التزامهم بالحق والقسط فى كل أمورهم .قال الآلوسى : " والقيام بالقسط " أى : بالعدل ، يشمل التسوية فى أمور التعامل باستعمال الميزان ، وفى أمور المعاد باحتذاء الكتاب ، وهو - أى : القسط - لفظ جامع مشتمل على جميع ما ينبغى الاتصاف به ، معاشا ومعادا .وقوله - تعالى - : ( وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) معطوف على ما قبله .والمراد بإنزال الحديد : خلقه وإيجاده .
وتهيئته للناس ، والإنعام به عليهم ، كما فى قوله - سبحانه - ( وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ ) والمراد بالبأس الشديد : القوة الشديدة التى تؤدى إلى القتل وإلحاق الضرر بمن توجه إليه ، أى : لقد أرسلنا رسلنا بالأدلة الدالة على صدقهم ، وأنزلنا معهم ما يرشد الناس إلى صلاحهم .وأوجدنا الحديد ، وأنعمنا به عليكم ، ليكون قوة شديدة لكم فى الدفاع عن أنفسكم ، وفى تأديب أعدائكم ، وليكون كذلك مصدر منفعة لكم فى مصالحكم وفى شئون حياتكم .فمن الحديد تكون السيوف وآلات الحرب .
.
ومنه - ومعه غيره - تتكون القصور الفارهة ، والمبانى العالية الواسعة ، والمصانع النافعة .
.
.
وآلات الزراعة والتجارة .فالآية الكريمة تلفت أنظار الناس إلى سنة من سنن الله - تعالى - قد أرسل الرسل وزودهم بالهدايات السماوية التى تهدى الناس إلى ما يسعدهم ..
.
وزودهم - أيضا - بالقوة المادية التى تحمى الحق الذى جاءوا به ونرد كيد الكائدين له فى نحورهم ، وترهب كل من يحاول الاعتداء عليه ، كما قال - تعالى - : ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ ) ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : ما ملخصه : أى : وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق ، وعانده بعد قيام الحجة عليه ، ولهذا أقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثلاث عشرة سنة ، تنزل عليه السور المكية ، لبيان أن دين الله حق .فلما قامت الحجة على من خالفه ، شرع الله القتال بعد الهجرة ، حماية للحق ، وأمرهم بضرب رقاب من عاند الحق وكذبه .وقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بعث بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له .
وجعل رزقى تحت ظل رمحى ، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى ، ومن تشبه بقوم فهو منهم " .ولهذا قال - تعالى - : ( وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) يعنى السلاح كالسيف والحراب .( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) أى : فى معايشهم كالفأس والقدوم .
.
.
وغير ذلك .هذا ، ومن المفسرين الذين فصلوا القول فى منافع الحديد ، وفى بيان لماذا خصه الله - تعالى - بالذكر : الإمام الفخر الرازى فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه : ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة ، جعله الله سهل الوجدان ، كثير الوجود .
والذهب لما كانت حاجة الناس إليه قليلة ، جعله الله - تعالى - عزيز الوجود .وبهذا تتجلى رحمة الله على عباده ، فإن كل شىء كانت حاجتهم إليه أكثر جعل الحصول عليه أيسر .فالهواء - وهو أعظم ما يحتاج الإنسان إليه - جعل الله تعالى - الحصول عليه سهلا ميسورا .
.
.
فعلمنا من ذلك أن كل شىء كانت الحاجة إليه أكثر ، كان وجدانه أسهل .ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله - تعالى - أشد من الحاجة إلى كل شىء ، فنرجوه من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا ، كما قال الشاعر :سبحان من خص العزيز بعزة ...
والناس مستغنون عن أجناسهوأذل أنفاس الهواء وكل ذى ...
نفس ، فمحتاج إلى أنفاسهوقوله : - سبحانه - : ( وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب .
.
) معطوف على محذوف يدل عليه السياق .والمراد بقوله : ( وَلِيَعْلَمَ ) أى : وليظهر علمه - تعالى - للناس ، حتى يشاهدوا آثاره .أى : وأنزل - سبحانه - الحديد لكى يستعملوه فى الوجوه التى شرعها الله وليظهر - سبحانه - أثر علمه حتى يشاهد الناس ، من الذى سيتبع الحق منهم ، فينصر دين الله - تعالى - وينصر رسله ، ويستعمل نعمه فيما خلقت له حالة كونه لا يرى الله - تعالى - بعينيه ، وإنما يتبع أمره ، ويؤمن بوحدانيته ووجوده وعلمه وقدرته ..
.
عن طريق ما أوحاه - سبحانه - إلى رسول - صلى الله عليه وسلم - .فقوله : ( بالغيب ) حال من فاعل ( يَنصُرُهُ ) .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) أى : أن الله - تعالى - هو المتصف بالقوة التى ليس بعدها قوة وبالعزة التى لا تقاربها عزة .وختمت الآية بهذا الختام ، لأنه هو المناسب لإرسال الرسل ، ولإنزال الكتب والحديد الذى فيه بأس شديد ومنافع للناس .فكان هذا الختام تعليل لما قبله .
أى : لأن الله - تعالى - قوى فى أخذه عزيز فى انتقامه فعل ما فعل من إرسال الرسل ، ومن إنزال الحديد .
ثم قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات ﴾ وفي تفسير البينات قولان: الأول: وهو قول مقاتل بن سليمان إنها هي المعجزات الظاهرة والدلائل القاهرة والثاني: وهو قول مقاتل بن حيان: أي أرسلناهم بالأعمال التي تدعوهم إلى طاعة الله وإلى الإعراض عن غير الله، والأول هو الوجه الصحيح لأن نبوتهم إنما ثبتت بتلك المعجزات.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزْلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومنافع لِلنَّاسِ ﴾ .
واعلم أن نظير هذه الآية قوله: ﴿ الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان ﴾ وقال: ﴿ والسماء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه: أحدها: وهو الذي أقوله أن مدار التكليف على أمرين: أحدهما: فعل ما ينبغي فعله والثاني: ترك ما ينبغي تركه، والأول هو المقصود بالذات، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد، لأن الترك كان حاصلاً في الأزل، وأما فعل ما ينبغي فعله، فإما أن يكون متعلقاً بالنفس، وهو المعارف، أو بالبدن وهو أعمال الجوارح، فالكتاب هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال النفسانية، لأن يتميز الحق من الباطل، والحجة من الشبهة، والميزان هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال البدنية، فإن معظم التكاليف الشاقة في الأعمال هو ما يرجع إلى معاملة الخلق، والميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص، وأما الجديد ففيه بأس شديد، وهو زاجر للخلق عما لا ينبغي، والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية، والميزان إلى القوة العملية، والحديد إلى دفع مالا ينبغي، ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية، ثم رعاية المصالح الجسمانية، ثم الزجر عما لا ينبغي، روعي هذا الترتيب في هذه الآية.
وثانيها: المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم: إما الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان، أو مع الأعداء والمعاملة معهم بالسيف والحديد.
وثالثها: الأقوام ثلاثة: أما السابقون وهم يعاملون الخلق بمقتضى الكتاب، فينصفون ولا ينتصفون، ويحترزون عن مواقع الشبهات، وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون وينتصفون، فلابد لهم من الميزان، وإما ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولا بد لهم من الحديد والزجر.
ورابعها: الإنسان، إما أن يكون في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة ومقام المقربين، فهاهنا لا يسكن إلا إلى الله، ولا يعمل إلا بكتاب الله، كما قال: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب ﴾ وإما أن يكون في مقام الطريقة وهو مقام النفس اللوامة، ومقام أصحاب اليمين، فلابد له من الميزان في معرفة الأخلاق حتى يحترز عن طرفي الإفراط والتفريط، ويبقى على الصراط المستقيم وإما أن يكون في مقام الشريعة وهو مقام النفس الأمارة، وهاهنا لابد له من حديد المجاهدة والرياضات الشاقة.
وخامسها: الإنسان إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فلا أنس له إلا بالكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فلابد له من ميزان الدليل والحجة أو صاحب العناد واللجاج، فلابد وأن ينفى من الأرض بالحديد.
وسادسها: أن الدين هو إمالأصول وإما الفروع، وبعبارة أخرى: إما المعارف وإما الأعمال، فالأصول من الكتاب، وأما الفروع: فالمقصود الأفعال التي فيها عدلهم ومصلحتهم وذلك بالميزان فإنه إشارة إلى رعاية العدل، والحديد لتأديب من ترك ذينك الطريقين.
وسابعها: الكتاب إشارة إلى ما ذكر الله في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف، والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف وهو شأن الملوك، والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف، وهذا يدل على أن مرتبة العلماء وهم أرباب الكتاب مقدمة على مرتبة الملوك الذين هم أرباب السيف، ووجوه المناسبات كثيرة، وفيما ذكرناه تنبيه على الباقي.
المسألة الثانية: ذكروا في: إنزال الميزان وإنزال الحديد، قولين: الأول: أن الله تعالى أنزلهما من السماء، روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح، وقال: مر قومك يزنوا به، وعن ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من الحديد السندان والكلبتان والمقمعة والمطرقة والإبرة، والمقعمة ما يحدد به، ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال: إن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد والنار والماء والملح والقول الثاني: أن معنى هذا الإنزال الإنشاء والتهيئة، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج ﴾ قال قطرب: ﴿ أنزلناها ﴾ أي هيأناها من النزل، يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً، ومنهم من قال هذا من جنس قوله: علفتها تبناً وماء بارداً، وأكلت خبزاً ولبناً.
المسألة الثالثة: ذكر في منافع الميزان أن يقوم الناس بالقسط، والقسط والإقساط هو الإنصاف وهو أن تعطى قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك، والعادل مقسط قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ﴾ والقاسط الجائر قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحروب متخذة منه، وفيه أيضاً منافع كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ ﴾ ومنها أن مصالح العالم، إما أصول، وإما فروع، أما الأصول فأربعة: الزراعة والحياكة وبناء البيوت والسلطنة، وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله وثوب يلبسه وبناء يجلس فيه، والإنسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه يشتغل كل واحد منهم بمهم خاص، فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل، وذلك الانتظام لابد وأن يفضي إلى المزاحمة، ولا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض، وذلك هو السلطان، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الحروف الأربعة، أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد، وذلك في كرب الأراضي وحفرها، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لابد من خبزها وتنقيتها، وذلك لا يتم إلا بالحديد، ثم الحبوب لابد من طحنها وذلك لا يتم إلا بالحديد، ثم لابد من خبزها ولا يتم إلا بالنار، ولا بد من المقدحة الحديدية، وأما الفواكه فلابد من تنظيفها عن قشورها، وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد، وأما الحياكة فمعلوم أنه يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم يحتاج في قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد، وأما البناء فمعلوم أن كمال الحال فيه لا يحصل إلا بالحديد، وأما أسباب السلطنة فمعلوم أنها لا تتم ولا تكمل إلا بالحديد، وعند هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد، ويظهر أيضاً أن الذهب لا يقوم مقام الحديد في شيء من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شيء من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا، ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة، جعله سهل الوجدان، كثير الوجود، والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا يظهر أثر وجود الله تعالى ورحمته على عبيده، فإن كل ما كانت حاجتهم إليه أكثر، جعل وجدانه أسهل، ولهذا قال بعض الحكماء إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء، فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة لمات الإنسان في الحال، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجداناً، وهيأ أسباب التنفس وآلاته، حتى إن الإنسان يتنفس دائماً بمقتضى طبعه من غير حاجة فيه إلى تكلف عمل، وبعد الهواء الماء، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلاً من تحصيل الهواء، وبعد الماء الطعام، ولما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء، جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء، ثم تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة والعزة فكل ما كانت الحاجة إليه أشد، كان وجدانه أسهل، وكل ما كان وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جداً، لا جرم كانت عزيزة جداً، فعلمنا أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل، ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أشد من الحاجة إلى كل شيء فنرجو من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجداناً، قال الشاعر: سبحان من خص العزيز بعزه *** والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس فمحتاج إلى أنفاسه ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى وليعلم الله من ينصره، أي ينصر دينه، وينصر رسله باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بالغيب أي غائباً عنهم.
قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿ إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ ﴾ .
المسألة الثانية: احتج من قال بحدوث علم الله بقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله ﴾ والجواب عنه أنه تعالى أراد بالعلم المعلوم، فكأنه تعالى قال: ولتقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام ممن ينصره.
المسألة الثالثة: قال الجبائي: قوله تعالى: ﴿ لِيَقُومَ الناس بالقسط ﴾ فيه دلالة على أنه تعالى أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط وأن ينصروا الرسول، وإذا كان هذا مراده من الكل فقد بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك جوابه: أنه كيف يمكن أن يريد من الكل ذلك مع علمه بأن ضده موجود، وأن الجمع بين الضدين محال، وأن المحال غير مراد.
المسألة الرابعة: لما كانت النصرة قد تكون ظاهرة، كما يقع من منافق أو ممن مراده المنافع في الدنيا، بين تعالى أن الذي أراده النصرة بالغيب، ومعناه أن تقع عن إخلاص بالقلب، ثم بين تعالى أنه قوي على الأمور عزيز لا يمانع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا ﴾ يعني الملائكة إلى الأنبياء ﴿ بالبينات ﴾ بالحجج والمعجزات ﴿ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب ﴾ أي الوحي ﴿ والميزان ﴾ روى أنّ جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به ﴿ وَأَنزْلْنَا الحديد ﴾ قيل: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والميقعة والمطرقة، والإبرة.
وروى: ومعه المرّ والمسحاة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنّ الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح» وعن الحسن ﴿ وَأَنزَلْنَا الحديد ﴾ : خلقناه، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ﴾ [الزمر: 60] وذلك أنّ أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه ﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ وهو القتال به ﴿ ومنافع لِلنَّاسِ ﴾ في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم، فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها؛ أو ما يعمل بالحديد ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ ﴾ باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين ﴿ بالغيب ﴾ غائباً عنهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ينصرونه ولا يبصرونه ﴿ إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ ﴾ غني بقدرته وعزته في إهلاك من يريد هلاكه عنهم، وإنما كلفهم الجهاد لينتفعوا به ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴾ بَدَلٌ مِن كُلِّ مُخْتالٍ فَإنَّ المُخْتالَ بِالمالِ يَضِنُّ بِهِ غالِبًا أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ لِأنَّ مَعْناهُ ومَن يُعْرِضْ عَنِ الإنْفاقِ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ وعَنْ إنْفاقِهِ مَحْمُودٌ في ذاتِهِ لا يَضُرُّهُ الإعْراضُ عَنْ شُكْرِهِ ولا يَنْفَعُهُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِشُكْرٍ مِن نِعَمِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإشْعارٌ بِأنَّ الأمْرَ بِالإنْفاقِ لِمَصْلَحَةِ المُنْفِقِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} يعني أرسلنا الملائكة إلى الأنبياء {بالبينات} بالحجج والمعجزات {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب} أي الوحي وقيل الرسل الأنبياء والأول أولى لقوله مَعَهُمْ لأن الأنبياء ينزل عليهم الكتاب {والميزان} رُوي أن جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال مرقومك يزنوا به {لِيَقُومَ الناس} ليتعاملوا بينهم إيفاء واستيفاء {بالقسط} بالعدل ولا يظلم أحدا أحداً {وَأَنزْلْنَا الحديد} قيل نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد السندان والكلبتان والميقعة والطرقة والابرة وروي ومعه المرو والمسحاق وعن الحسن وأنزلنا الحديد خلقناه {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} وهو القتال به {ومنافع لِلنَّاسِ} في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها أو ما يعمل بالحديد {وليعلم الله من ينصره ورسله}
باتسعمال لاسيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين وقال الزجاج ليعلم الله من يقاتل مع رسوله في سبيله بالغيب غائباً عنهم {إِنَّ الله قَوِىٌّ} يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته {عَزِيزٌ} يربط بعزته جأش من يتعرض لتصرفه والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة الأحكام والحدود ويأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والطغيان واستعمال العدل والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة يقع بها التعامل ويحصل بها التساوي والتعادل وهي الميزان ومن المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلهة الموضوعة للتعامل بالتسوية إن تحص العامة على
اتباعهما بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد وعنَدَ ونزع عن صفقة الجماعة اليد وهو الحديد الذي وصف بالبأس الشديد
﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا ﴾ أيْ مِن بَنِي آدَمَ كَما هو الظّاهِرُ ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ أيِ الحُجَجِ والمُعْجِزاتِ ﴿ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ ﴾ أيْ جِنْسَ الكِتابِ الشّامِلِ لِلْكُلِّ، والظَّرْفُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنهُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: مُقارَنَةً بِتَنْزِيلِ الِاتِّصالِ مَنزِلَةَ المُقارَنَةِ ﴿ والمِيزانَ ﴾ الآلَةَ المَعْرُوفَةَ بَيْنَ النّاسِ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، وإنْزالُهُ إنْزالُ أسْبابِهِ، ولَوْ بَعِيدَةٌ، وأمْرُ النّاسِ بِاتِّخاذِهِ مَعَ تَعْلِيمِ كَيْفِيَّتِهِ.
﴿ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ ﴾ عِلَّةٌ لِإنْزالِ الكِتابِ والمِيزانِ والقِيامِ بِالقِسْطِ أيْ بِالعَدْلِ يَشْمَلُ التَّسْوِيَةَ في أُمُورِ التَّعامُلِ بِاسْتِعْمالِ المِيزانِ، وفي أُمُورِ المَعادِ بِاحْتِذاءِ الكِتابِ وهو لَفْظٌ جامِعٌ مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ ما يَنْبَغِي الِاتِّصافُ بِهِ مَعاشًا ومَعادًا.
﴿ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: أيْ خَلَقْناهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ وهو تَفْسِيرٌ يُلازِمُ الشَّيْءَ فَإنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُنَزَّلٌ بِاعْتِبارِ ثُبُوتِهِ في اللَّوْحِ وتَقْدِيرُهُ مَوْجُودًا حَيْثُ ما ثَبَتَ فِيهِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: هَيَّأْناهُ لَكم وأنْعَمْنا بِهِ عَلَيْكم مِن نَزَلَ الضَّيْفُ ﴿ فِيهِ بَأْسٌ ﴾ أيْ عَذابٌ ﴿ شَدِيدٌ ﴾ لِأنَّ آلاتِ الحَرْبِ تُتَّخَذُ مِنهُ، وهَذا إشارَةٌ إلى احْتِياجِ الكِتابِ والمِيزانِ إلى القائِمِ بِالسَّيْفِ لِيَحْصُلَ القِيامُ بِالقِسْطِ فَإنَّ الظُّلْمَ مِن شِيَمِ النُّفُوسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ أيْ في مَعايِشِهِمْ ومَصالِحِهِمْ إذْ ما مِن صَنْعَةٍ إلّا والحَدِيدُ أوْ ما يُعْمَلُ بِهِ آلَتُها لِلْإيماءِ إلى أنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ كَما يَحْتاجُ إلى الوازِعِ وهو القائِمُ بِالسَّيْفِ يَحْتاجُ إلى ما بِهِ قِوامُ التَّعايُشِ، ومَن يَقُومُ بِذَلِكَ أيْضًا لِيَتِمَّ التَّمَدُّنُ المُحْتاجُ إلَيْهِ النَّوْعُ، ولِيَتِمَّ القِيامُ بِالقِسْطِ، كَيْفَ وهو شامِلٌ أيْضًا لِما يَخُصُّ المَرْءَ وحْدَهُ، والجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ أوِ الحالُ لِأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِيَنْفَعَهم ولِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِاسْتِعْمالِ آلاتِ الحَرْبِ مِنَ الحَدِيدِ في مُجاهَدَةِ أعْدائِهِ والحَذْفُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الثّانِيَ هو المَطْلُوبُ لِذاتِهِ وأنَّ الأوَّلَ مُقَدِّمَةٌ لَهُ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ أيْ ولِيَعْلَمَ إلَخْ أنْزَلَهُ أوْ مُقَدَّمٌ والواوُ عاطِفَةٌ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وقَدْ حُذِفَ المَعْطُوفُ وأُقِيمَ مُتَعَلِّقُهُ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَنْصُرُ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ غائِبًا مِنهم أوْ غائِبِينَ مِنهُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَهُمُ الجِهادَ وتَعْرِيضَهم لِلْقِتالِ لَيْسَ لِحاجَتِهِ سُبْحانَهُ في إعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ إلى نُصْرَتِهِمْ بَلْ إنَّما هو لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَصِلُوا بِامْتِثالِ الأمْرِ فِيهِ إلى الثَّوابِ وإلّا فَهو جَلَّ وعَلا غَنِيٌّ بِقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ عَنْهم في كُلِّ ما يُرِيدُ.
هَذا وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ رُسُلُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْ أرْسَلْناهم إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفَسَّرَ - البَيِّناتِ - كَما فَسَّرْنا بِناءً عَلى المَلائِكَةِ تُرْسَلُ بِالمُعْجِزاتِ كَإرْسالِها بِالحُجَجِ لِتُخْبِرَ بِأنَّها مُعْجِزاتٌ وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ الِاقْتِصارَ عَلى الحُجَجِ وإنْزالُ الكِتابِ أيِ الوَحْيِ مَعَ أُولَئِكَ الرُّسُلِ ظاهِرٌ، وإنْزالُ المِيزانِ بِمَعْنى الآلَةِ عِنْدَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ: «رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِالمِيزانِ فَدَفَعَهُ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ» .
وفَسَّرَهُ كَثِيرٌ بِالعَدْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في إنْزالِ الحَدِيدِ نَزَلَ مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المِيقَعَةُ والسِّنْدانُ والكَلْبَتانِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ ومَعَهُ المُرُّ والمِسْحاةُ، وقِيلَ: نَزَلَ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِنَ الحَدِيدِ السِّنْدانُ والكَلْبَتانِ والإبْرَةُ والمِطْرَقَةُ والمِيقَعَةُ، وفُسِّرَتْ بِالمِسَنِّ، وتَجِيءُ بِمَعْنى المِطْرَقَةِ أوِ العَظِيمَةِ مِنها، وقِيلَ: ما تُحَدُّ بِهِ الرَّحى، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ بِالباسِنَةِ وهي آلاتُ الصُّنّاعِ، وقِيلَ: سِكَّةُ الحَرْثِ ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ - لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ - عِلَّةً لِإنْزالِ المِيزانِ فَقَطْ وجُوِّزَ ما ذَكَرْناهُ وهو الأوْلى فِيما أرى، <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يعني: باطلاً، ولهواً.
يعني: فرحاً يلهون فيها وَزِينَةٌ يعني: زينة الدنيا وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ عن الحسب وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ تفتخرون بذلك.
وروى إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي أنه قال: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَامَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» .
ثم ضرب للدنيا مثلاً آخر فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ يعني: كمثل مطر نزل من السماء فينبت به الزرع، والنبات، أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ يعني: فرح الزارع بنباته، ويقال: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ يعني: الكفار بالله، لأنهم أشد إعْجاباً بزينة الدنيا من المؤمنين.
ويقال: الْكُفَّارَ كناية عن الزراع، لأن الكَفْر في اللغة هو التغطية، ولهذا سمي الكافر كافراً لأنه يغطي الحق بالباطل.
فسمي الزراع كفاراً لأنهم يغطون الحب تحت الأرض، وليس ذلك الكفر الذي هو ضد الإيمان، والطريقة الأولى أحسن إن أراد به الكفار، لأن ميلهم إلى الدنيا أشد ثُمَّ يَهِيجُ يعني: ييبس فيتغير فَتَراهُ مُصْفَرًّا بعد خضرته ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً يعني: يابساً.
ويقال: حُطاماً يعني: هالكاً، فشبّه الدنيا بذلك، لأنه لا يبقى ما فيها، كما لا يبقى هذا النبت فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لمن افتخر بالدنيا، واختارها وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لمن ترك الدنيا، واختار الآخرة على الدنيا.
ويقال: عذاب شديد لأعدائه، ومغفرة من الله لأوليائه.
ثم قال: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ يعني: كمتاع الغرور، يعني: كالمتاع الذي يتخذ من الزجاج، والخزف، يسرع إلى الفناء ولا يبقى.
ثم قال عز وجل: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: سارعوا بالأعمال الصالحة.
ويقال: بادروا بالتوبة.
وقال مكحول: سابقوا إلى تكبيرة الافتتاح وَجَنَّةٍ يعني: إلى جنة عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني: لو ألصقت بعضها على بعض.
يعني: سبع سموات، وسبع أرضين، ومدت مد الأديم، لكان عرض الجنة أوسع من ذلك وإنما بين عرضها، ولم يبين طولها.
ويقال: لو جعلت السموات والأرض لكانت الجنة بعد ذلك.
هذا مثل يعني: إنها أوسع شيء رأيتموه أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: خلقت، وهيئت للذين صدقوا بوحدانية الله تعالى، وصدقوا برسله، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يعني: ذلك الثواب فضل الله على العباد يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يعني: يعطيه من يشاء من عباده، وهم المؤمنون، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: ذو العطاء العظيم، وذو المَنّ الجسيم.
قوله تعالى: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ يعني: من قحط المطر، وغلاء السعر، وقلة النبات، ونقص الثمار، وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ من البلايا، والأمراض، والأوجاع.
إِلَّا فِي كِتابٍ يعني: إلا في اللوح المحفوظ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يعني: من قبل أن نخلق تلك النسمة.
وذكر الربيع بن أبي صالح الأسلمي قال: دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحَجَّاج أراد قتله، فبكى رجل من قومه فقال سعيد: ما يبكيك؟
قال: لما أصابك من مصيبة.
قال: فلا تبك، قد كان في علم الله تعالى أن يكون هذا.
ألم تسمع قول الله تعالى: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يعني: من قبل أن نخلقها.
ويقال: قبل أن نخلق تلك النفس إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: هيناً، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ يعني: لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلى مَا فاتَكُمْ من الرزق والعافية، إذا علمتم أنها مكتوبة عليكم قبل خلقكم، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ يعني: بما أعطاكم في الدنيا، ولا تفتخروا بذلك وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ يعني: متكبراً، فخوراً، بنعم الله تعالى، ولا يشكروه.
قرأ أبو عمرو بما أتاكم بغير مد.
والباقون: بالمد.
فمن قرأ: بغير مد، فمعناه: لكيلا تفرحوا بما جاءكم من حطام الدنيا، فإنه إلى نفاد.
ومن قرأ: بالمد بما أعطاكم.
وروى عكرمة عن ابن عباس ما قال: ليس أحد إلا وهو يحزن، ويفرح.
ولكن المؤمن من جعل الفرح والمصيبة صبرا.
<div class="verse-tafsir"
فاضتْ نفسه، وفارق الدنيا رحمة اللَّه عليه، فإنْ ظَنَّ ظانٌّ جاهل أَنَّ الاستكثار من الدنيا ليس به بأس، أو غلب عليه الجهل فَظَنَّ أَنَّ ذلك أفضل من طلب الكفاف منها، وشُبِّهَ عليه بقول اللَّه تعالى: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [الضحى: ٨] فيما عَدَّده سبحانه على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم من نعمه عنده- فَإنَّ ذلك ليس كما ظَنَّ بل ذلك غنى القلب، دَلَّتْ على ذلك الآثارُ الكثيرة كقوله عليه السلام: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَإنَّما الغِنَى غِنَى النّفس» «١» انتهى.
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)
وقوله سبحانه: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ...
الآية: لما ذكر تعالى المغفرة التي في الآخرة، ندب في هذه الآية إلى المسارعة إليها والمسابقة، وهذه الآية حُجَّةٌ عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات، وقدِ استدلَّ بها بعضُهم على أَنَّ أَوَّلَ أوقات الصلوات أَفضلُ لأَنَّهُ يقتضي المسارعةَ والمسابقةَ، وذكر سبحانه العَرْضَ من الجنة إذِ المعهودُ أَنَّهُ أَقَلُّ من الطول، وقد ورد في الحديث: «أَنَّ سَقْفَ الجَنَّةِ الْعَرْشُ» وورد في الحديث: «أَنَّ السموات السَّبْعَ في الكُرْسِيِّ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ، وَأَنَّ الْكُرْسِيَّ في الْعَرْشِ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ» «٢» .
ت: أيها الأخ، أَمَرَكَ المولى سبحانه بالمسابقة والمسارعة رحمةً منه وفضلاً، فلا تغفلْ عن امتثال أمره وإجابة دعوته: [الخفيف]
السِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلاً وَفِعْلاً ...
حَذَرَ النَّفْسِ حَسْرَةَ/ الْمَسْبُوقِ
ذكر صاحبُ «معالم الإيمان، وروضات الرضوان» في مناقب صلحاء القيروان، قال:
ومنهم أبو خالد عبد الخالق المتعبد، كان كثيرَ الخوف والحزن، وبالخوف مات رأى يوماً خَيْلاً يسابق بها، فتقدمها فرسان، ثم تقدم أَحَدُهُمَا على الآخر، ثم جَدَّ التالي حتى سَبَقَ الأول، فتخلَّلَ عبد الخالق الناسَ حَتَّى وصلَ إلى الفرس السابق، فجعل يُقَبِّلُهُ ويقول: بارك اللَّه فيك، صَبَرْتَ فظفرت، ثم سقط مغشيّا عليه، انتهى.
وقوله سبحانه: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ...
الآية: قال ابن زيد وغيره «١» : المعنى: ما حدث من حادث، خيرٍ وشَرٍّ، فهذا على معنى لفظ أصاب، لا على عُرْفِ المصيبة فإنَّ عُرْفَهَا في الشر، وقال ابن عباس «٢» ما معناه: أَنَّه أراد عرف المصيبة، فقوله: فِي الْأَرْضِ يعني: بالقحوط، والزلازل، وغير ذلك وفِي أَنْفُسِكُمْ: بالموت، والأمراض، وغير ذلك.
وقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ معناه: إلاَّ والمصيبة في كتاب ونَبْرَأَها معناه: نخلقها يقال: برأ اللَّهُ الخلق، أي: خلقهم، والضميرُ عائد على المصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على الأنفس قاله ابن عباس وجماعة «٣» ، وذكر المهدويُّ جوازَ عود الضمير على جميع ما ذُكِر، وهي كُلُّها معانٍ صِحَاحٌ.
إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ: يريد تحصيلَ الأشياءِ كلها في كتاب، وقال الثعلبي:
وقيل المعنى: إنَّ خَلْقَ ذلك وحِفْظَ جميعه، على اللَّه يسير، انتهى.
وقوله: لِكَيْلا تَأْسَوْا معناه: فَعَلَ اللَّهُ هذا كُلَّه، وأَعلمكم به ليكونَ سَبَبَ تسليتكم وقِلَّةَ اكتراثكم بأمور الدنيا، فلا تحزنوا على فائت، ولا تفرحوا الفَرَحَ المبطر بما آتاكم/ منها، قال ابن عباس «٤» : ليس أحد إلاَّ يحزنُ أو يفرحُ، ولكن مَنْ أصابته مصيبةٌ فليجعلها صبراً، ومَنْ أصابه خير فليجعله شكراً وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد وأبي هريرةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رسولَ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يقول: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ وَصَبٍ وَلاَ نَصَبٍ، وَلاَ سَقَمٍ وَلاَ حَزَنٍ، حَتَّى الهَمِّ يَهُمُّهُ- إلاَّ كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» «٥» ، وفي «صحيح مسلم» عن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بِالآياتِ والحُجَجِ ﴿ وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ ﴾ بِبَيانِ الشَّرائِعِ، والأحْكامِ.
وفي "المِيزانِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلُ يَكُونُ المَعْنى: وأمَرْنا بِالعَدْلِ.
وعَلى الثّانِي: ووَضَعْنا المِيزانَ، أيْ: أمَرْنا بِهِ ﴿ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ: لِكَيْ يَقُومُوا بِالعَدْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ مَعَ آدَمَ السِّنْدانَ، والكَلْبَتَيْنِ، والمِطْرَقَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى "أنْزَلْنا" أنْشَأْنا وخَلَقْنا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وذَلِكَ أنَّهُ يُمْتَنَعُ بِهِ، ويُحارَبُ بِهِ ﴿ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ في أدَواتِهِمْ، وما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن آنِيَةٍ وغَيْرِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَقُومَ النّاسُ ﴾ والمَعْنى: لِيَتَعامَلَ النّاسُ بِالعَدْلِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ "مَن يَنْصُرُهُ" بِالقِتالِ في سَبِيلِهِ، ونُصْرَةِ دِينِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ في الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ بِذَلِكَ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ في مَواضِعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ: ولَمْ يَرَ اللَّهَ، ولا أحْكامَ الآخِرَةِ، وإنَّما يَجْهَدُ ويُثابُ مَن أطاعَ بِالغَيْبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مِن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ ﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى المَغْفِرَةَ الَّتِي في الآخِرَةِ نُدِبَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى المُسارَعَةِ إلَيْها والمُسابَقَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُلَماءِ في النَدْبِ إلى الطاعاتِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى أنَّ أوَّلَ أوقاتِ الصَلَواتِ أفْضَلُ لِأنَّها تَقْتَضِي المُسارَعَةَ والمُسابَقَةَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ هي عَلى جِهَةِ المِثالِ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ" مَعْناهُ: كُونُوا في أوَّلِ صَفٍّ في القِتالِ، وقالَ آخَرُونَ، مِنهم أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ-: اشْهَدُوا تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ مَعَ الإمامِ، وقالَ آخَرُونَ -مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ- كُنْ أوَّلَ داخِلٍ في المَسْجِدِ وآخِرَ خارِجٍ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ المِثالِ.
وذَكَرَ تَعالى العَرْضَ مِنَ الجَنَّةِ إذِ المَعْهُودُ أنَّهُ أقَلُّ مِنَ الطُولِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ المَعانِي: عَبَّرَ عَنِ المِساحَةِ بِالعَرْضِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ طُولَها أكْثَرُ ولا أقَلُّ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ سَقْفَ الجَنَّةِ العَرْشُ،» ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «أنَّ السَماواتِ السَبْعَ في الكُرْسِيِّ كالدِرْهَمِ في الفَلاةِ، وإنَّ الكُرْسِيَّ في العَرْشِ كالدِرْهَمِ في الفَلاةِ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "أُعِدَّتْ" ظاهِرُهُ أنَّها مَخْلُوقَةٌ الآنَ مُعَدَّةٌ، ونَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ في كِتابِ النَقّاشِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ ﴾ ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: ما حَدَثَ مِن حادِثِ خَيْرٍ أوَشَرٍّ، فَهَذا عَلى مَعْنى لَفْظِ "أصابَ" لا عَلى عُرْفِ المُصِيبَةِ فَإنْ عَرَفَها في الشَرِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ما مَعْناهُ: أنَّهُ أرادَ عُرْفَ المُصِيبَةِ، وخَصَّها بِالذِكْرِ لِأنَّها أهَمُّ عَلى البَشَرِ، وهي بَعْضٌ مِنَ الحَوادِثِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ خَيْرِها وشَرِّها كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأرْضِ" يَعْنِي بِالقُحُوطِ والزَلازِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا في أنْفُسِكُمْ ﴾ يُرِيدُ: بِالمَوْتِ والأمْراضِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ مَعْناهُ: إلّا والمُصِيبَةُ في كِتابٍ، و"نَبْرَأها" نَخْلُقُها، يُقالُ: بَرَّأ اللهُ الخَلْقَ، أيْ: خَلَقَهُمْ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى المُصِيبَةِ، وقِيلَ: عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: عَلى الأنْفُسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ جَوازَ عَوْدِ الضَمِيرِ عَلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ، وهي كُلُّها مَعانٍ صِحاحٌ لِأنَّ الكِتابَ السابِقَ أزَلِيٌّ قَبْلَ هَذِهِ كُلِّها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ يُرِيدُ تَحْصِيلَ الأشْياءِ كُلِّها في الكِتابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: فَعَلَ اللهُ تَعالى هَذا كُلَّهُ وأعْلَمَكم بِهِ لِيَكُونَ سَبَبُ تَسْلِيمِكم وقِلَّةُ اكْتِراثِكم بِأمْرِ الدُنْيا، فَلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ، ولا تَفْرَحُوا الفَرَحَ المُبْطِرَ بِما آتاكم فِيها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَيْسَ أحَدٌ لا يَحْزُنُ ويَفْرَحُ ولَكِنَّ مَن أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَجَعَلَها صَبْرًا ومَن أصابَ خَيْرًا يَجْعَلُهُ شُكْرًا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "أتاكُمْ" عَلى وزْنِ فِعْلٍ ماضٍ، وهَذا مُلائِمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "فاتَكُمْ" وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "آتاكُمْ" عَلى وزْنِ "أعْطاكُمْ" بِمَعْنى: آتاكُمُ اللهُ تَعالى: وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ وأهْلِ مَكَّةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أُوتِيتُمْ"، وهي تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَرَحَ المَنهِيَّ عنهُ إنَّما هو ما أدّى إلى الِاخْتِيالِ والفَخْرِ، وأمّا الفَرَحُ بِنِعَمِ اللهِ تَعالى المُقْتَرِنِ بِالشُكْرِ والتَواضُعِ فَأمْرٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ دَفَعَهُ عن نَفْسِهِ، ولا حَرَجَ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي ناشئ عما تقدم من التحريض على الإِنفاق في سبيل الله وعن ذكر الفتح وعن تذييل ذلك بقوله: ﴿ ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ﴾ [الحديد: 24]، وهو إعذار للمتولين من المنافقين ليتداركوا صلاحهم باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتدبر في هدي القرآن وإنذار لهم إن يرعووا وينصاعوا إلى الحجة الساطعة بأنه يكون تقويم عوجهم بالسيوف القاطعة وهو ما صرح لهم به في قوله في سورة [الأحزاب: 60، 61] ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً ﴾ وقوله في سورة [التحريم: 9] ﴿ يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ لئلا يحسبوا أن قوله: ﴿ ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ﴾ [الحديد: 24] مجرد متاركة فيطمئنوا لذلك.
وتأكيد الخبر بلام القسم وحرف التحقيق راجع إلى ما تضمنه الخبر من ذكر ما في إرسال رسل الله وكتبه من إقامة القسط للناس، ومن التعريض بحمل المعرضين على السيف إن استمروا على غلوائهم.
وجمع (الرسل) هنا لإِفادة أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل، وأن مكابرة المنافقين عماية عن سنة الله في خلقه فتأكيد ذلك مبني على تنزيل السامعين منزلة من ينكر أن الله أرسل رسلاً قبل محمد صلى الله عليه وسلم لأن حالهم في التعجب من دعواه الرسالة كحال من ينكر أن الله أرسل رسلاً من قبل.
وقد تكرر مثل هذا في مواضع من القرآن كقوله تعالى: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ﴾ [آل عمران: 183].
والبينات: الحجج الدالّة على أن ما يدعون إليه هو مراد الله، والمعجزات داخلة في البينات.
وتعريف ﴿ الكتاب ﴾ تعريف الجنس، أي وأنزلنا معهم كتباً، أي مثل القرآن.
وإنزال الكتاب: تبليغ بواسطة المَلك من السماء، وإنزال الميزان: تبليغ الأمر بالعدل بين الناس.
والميزان: مستعار للعدل بين الناس في إعطاء حقوقهم لأن مما يقتضيه الميزان وجود طرفين يراد معرفة تكافئهما، قال تعالى: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ [النساء: 58].
وهذا الميزان تبيّنه كُتب الرسل، فذكره بخصوصه للاهتمام بأمره لأنه وسيلة انتظام أمور البشر كقوله تعالى: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ [النساء: 105] وليس المراد أن الله ألهمهم وضع آلات الوزن لأن هذا ليس من المهم، وهو مما يشمله معنى العدل فلا حاجة إلى التنبيه عليه بخصوصه.
ويتعلق قوله: ﴿ ليقوم الناس بالقسط ﴾ بقوله: ﴿ وأنزلنا معهم ﴾ .
والقيام: مجاز في صلاح الأحوال واستقامتها لأنه سبب لتيسير العمل وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ في أوائل [البقرة: 3].
والقسط: العدل في جميع الأمور، فهو أعم من الميزان المذكور لاختصاصه بالعدل بين متنازعين، وأما القسط فهو إجراء أمور الناس على ما يقتضيه الحق فهو عدل عام بحيث يقدر صاحب الحق منازعاً لمن قد احتوى على حقه.
ولفظ القسط مأخوذ في العربية من لفظ قسطاس اسم العدل بلغة الرُّوم، فهو من المعرّب وروي ذلك عن مجاهد.
والباء للملابسة، أي يكون أمر الناس ملابساً للعدل ومماشياً للحق، وإنزال الحديد: مستعار لخلق معدنه كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ [الزمر: 6]، أي خلق لأجلكم وذلك بإلهام البشر استعماله في السلاح من سيوف ودروع ورماح ونبال وخُوذ وَدَرَق ومَجَانّ.
ويجوز أن يراد بالحديد خصوص السلاح المتخذ منه من سيوف وأسنة ونبال، فيكون إنزاله مستعاراً لمجرد إلهام صنعه، فعلى الوجه الأول يكون ضمير ﴿ فيه بأس شديد ﴾ عائداً إلى الحديد باعتبار إعداده للبأس فكأن البأس مظروف فيه.
والبأس: الضر.
والمراد بأس القتل والجرح بآلات الحديد من سيوف ورماح ونبال، وبأسُ جُرأة الناس على إيصال الضر بالغير بواسطة الواقيات المتخذة من الحديد.
والمنافع: منافع الغالب بالحديد من غنائم وأسرى وفتح بلاد.
ويتعلق قوله: ﴿ للناس ﴾ بكلَ من ﴿ بأس ﴾ و ﴿ منافع ﴾ على طريقة التنازع، أي فيه بأس لِنَاس ومنافع لآخرين فإن مصائب قوم عند قوم فوائد.
والمقصود من هذا لفت بصائر السامعين إلى الاعتبار بحكمة الله تعالى من خَلق الحديد وإلهاممِ صنعه، والتنبيه على أن ما فيه من نفع وبأس إنما أريد به أن يوضع بأسه حيث يستحق ويوضع نفعه حيث يليق به لا لتجعل منافعه لمن لا يستحقها مثل قطّاع الطريق والثوار على أهل العدل، ولتجهيز الجيوش لحماية الأوطان من أهل العدوان، وللادخار في البيوت لدفع الضاريات والعاديات على الحُرم والأموال.
وكان الحكيم (انتيثنوس) اليوناني تلميذ سقراط إذا رأى امرأة حالية متزينة في أثينا يذهب إلى بيت زوجها ويسأله أن يريه فرسه وسلاحه فإذا رآهما كاملين أذن لامرأته أن تتزين لأن زوجها قادر على حمايتها من داعرٍ يغتصبها، وإلا أمرها بترك الزينة وترك الحلي.
وهذا من باب سد الذريعة، لا ليجعل بأسه لإِخضاد شوكة العدل وإرغام الآمرين بالمعروف على السكوت، فإن ذلك تحريف لما أراد الله من وضع الأشياء النافعة والقارة، قال تعالى: ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ [البقرة: 205]، وقال على لسان أحد رسله ﴿ إن أُريد إلاّ الإصلاح ما استطعت ﴾ [هود: 88].
وقد أومَا إلى هذا المعنى بالإِجمال قوله: ﴿ وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ﴾ ، أي ليظهر للناس أثر علم الله بمن ينصره، فأطلق فعل ﴿ ليعلم ﴾ على معنى ظُهور أثر العلم كقول إياس بن قبيصة الطائي: وأقبلتُ والخطيُّ يخطر بيننا *** لأَعْلَمَ مَن جَبانُها من شُجاعها أي ليظهر للناس الجبان والشجاع، أي فيعلموا أني شجاعهم.
ونصرُ الناس الله هو نصرهم دينه، وأما الله فغني عن النصر، وعطف ﴿ ورسله ﴾ ، أي من ينصر القائمين بدينه، ويدخل فيه نصر شرائع الرسول صلى الله عليه وسلم بعده ونصر ولاة أمور المسلمين القائمين بالحق.
وأعظم رجل نصر دين الله بعد وفاة رسوله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق في قتاله أهل الردة رضي الله عنه.
وقوله: ﴿ بالغيب ﴾ يتعلق ب ﴿ ينصره ﴾ ، أي ينصره نصراً يدفعه إليه داعي نفسه دون خشية داع يدعوه إليه، أو رقيب يرقب صنيعه والمعنى: أنه يجاهد في سبيل الله والدفاع عن الدين بمحض الإِخلاص.
وقد تقدم ذكر الحديد ومعدنه وصناعته في تفسير قوله تعالى: ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ في سورة [الكهف: 96].
وجملة إن الله قوي عزيز } تعليل لجملة ﴿ أرسلنا رسلنا بالبينات ﴾ إلى آخرها، أي لأن الله قوي عزيز في شؤونه القدسية، فكذلك يجب أن تكون رسله أقوياء أعزة، وأن تكون كتبه معظمة موقرة، وإنما يحصل ذلك في هذا العالم المنوطة أحداثه بالأسباب المجعولة بأن ينصره الرسل وأقوام مخلصون لله ويُعينوا على نشر دينه وشرائعه.
والقوي العزيز: من أسمائه تعالى.
فالقوي: المتصف بالقوة، قال تعالى: ﴿ ذو القوة المتين ﴾ [الذاريات: 58] وتقدم القوي في قوله: ﴿ إن الله قوي شديد العقاب ﴾ [الأنفال: 52].
والعزيز: المتصف بالعزة، وتقدمت في قوله: ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ في سورة يونس وقوله: ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ [البقرة: 209].
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مَعَ آدَمَ.
رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَلاثُ أشْياءٍ نَزَلَتْ مَعَ آدَمَ: الحَجَرُ الأسْوَدُ، كانَ أشَدَّ بَياضًا مِنَ الثَّلْجِ، وعَصا مُوسى وكانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، طُولُها عَشَرَةُ أذْرُعٍ مِثْلَ طُولِ مُوسى، والحَدِيدُ، أُنْزِلَ مَعَهُ ثَلاثَةُ أشْياءَ: السِّنْدانُ والكْلَبْتانِ والمِيقَعَةُ وهي المِطْرَقَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الأرْضِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ مِنَ السَّماءِ، فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْزَلْنا ﴾ مَحْمُولًا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ أظْهَرْناهُ.
الثّانِي: لِأنَّ أصْلَهُ مِنَ الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ فَيَنْعَقِدُ في الأرْضِ جَوْهَرُهُ حَتّى يَصِيرَ بِالسَّبْكِ حَدِيدًا.
﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ بِسِلاحِهِ وآلَتِهِ تَكُونُ الحَرْبُ الَّتِي هي بَأْسٌ شَدِيدٌ.
الثّانِي: لِأنَّ فِيهِ مِن خَشْيَةِ القَتْلِ خَوْفًا شَدِيدًا.
﴿ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما تَدْفَعُهُ عَنْهم دُرُوعُ الحَدِيدِ مِنَ الأذى وتُوَصِّلُهم إلى الحَرْبِ والنَّصْرِ.
الثّانِي: ما يُكَفُّ عَنْهم مِنَ المَكْرُوهِ بِالخَوْفِ مِنهُ.
وَقالَ قُطْرُبٌ: البَأْسُ السِّلاحِ، والمَنفَعَةُ الآلَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ﴾ يقول: في الدنيا ولا في الدين ﴿ إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ﴾ قال: نخلقها ﴿ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ﴾ من الدنيا ﴿ ولا تفرحوا بما آتاكم منها ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة ﴾ الآية قال: هو شيء قد فرغ منه من قبل أن تبرأ الأنفس.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إنما الطيرة في الدابة والمرأة والدار، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول: ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان أهل الجاهلية يقولون: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار، ثم قرأت ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ﴾ » .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن أنه سئل عنه هذه الآية فقال: سبحان الله من يشك في هذا كل مصيبة في السماء والأرض ففي كتاب من قبل أن تبرأ النسمة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ﴾ الآية قال: ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن إن أصابته مصيبة جعلها صبراً وإن أصابه خير جعله شكراً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ﴾ يريد مصائب المعاش ولا يريد مصائب الدين أنه قال: ﴿ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحو بما آتاكم ﴾ وليس عن مصائب الدين أمرهم أن يأسوا على السيئة ويفرحوا بالحسنة.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال: إنه ليقضي بالسيئة في السماء وهو كل يوم في شأن، ثم يضرب لها أجل فيحسبها إلى أجلها فإذا جاء أجلها أرسلها فليس لها مردود أنه كائن في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا في بلد كذا من المصيبة من القحط والرزق والمصيبة في الخاصة والعامة حتى إن الرجل يأخذ العصا يتوكأ بها، وقد كان لها كارهاً، ثم يعتادها حتى ما يستطيع تركها.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير في نفر، فبكى رجل من القوم، فقال: ما يبكيك؟
فقال: أبكي لما أرى بك ولما يذهب بك إليه، قال: فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون ألا تسمع إلى قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ﴾ قال: الأوجاع والأمراض ﴿ من قبل أن نبرأها ﴾ قال: من قبل أن نخلقها.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: أنزل الله المصيبة ثم حبسها عنده ثم يخلق صاحبها فإذا عمل خطيئتها أرسلها عليه.
وأخرج الديلمي عن سليم بن جابر النجيمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيفتح على أمتي باب من القدر في آخر الزمان لا يسده شيء يكفيكم منه أن تقوهم بهذه الآية ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد وعبد بن أحمد في زوائد الزهد عن قزعة قال: رأيت على ابن عمر ثياباً خشنة، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إني قد أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان وتقر عيني أن أراه عليك، فإن عليك ثياباً خشنة، قال: إني أخاف أن ألبسه فأكون مختالاً فخوراً ﴿ والله لا يحب كل مختال فخور ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ قال مقاتل بن حيان: البينات: الإخلاص لله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى ذلك دعت الرسل (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾ ، والكتاب يتضمن الأحكام.
قوله تعالى: ﴿ وَالْمِيزَانَ ﴾ قال قتادة وابن حيان: الميزان: العدل (٥) ويكون المعنى على.
هذا وأمرنا بالعدل، وهذا كقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ﴾ وقد مر.
وقال مقاتل بن سليمان: يعني الموازين (٦) (٧) وعلى هذا المعنى أنزلنا معهم الكتاب ووضعنا الميزان فيكون من باب: علفتها تبنًا وماء باردًا (٨) وأكلت خبزًا ولبنًا.
وقد مر في مواضع، يدل على صحة هذا قوله: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ .
قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: ليتبعوا ما أمروا به من الطاعة والعدل فتعملوا بينهم بالعدل.
﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ قال الكلبي: أنزل الله على آدم القلاة والمطرقة والكلبتين (٩) وروي عن ابن عباس: نزل آدم من الجنة معه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة (١٠) ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أن النبي - - قال: "إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح" (١١) وذهب قوم إلى أن معنى أنزلنا الحديد أنشاناه وأحدثناه، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ وهو معنى قول مقاتل يقول: بأمرنا كان الحديد (١٢) وقال قطرب: معنى أنزلنا هيأنا وخلقنا من التنزل - يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسنًا (١٣) قوله تعالى: ﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ قال أبو إسحاق: يمتنع به ويحارب (١٤) (١٥) وقال مقاتل: بأس شديد للحرب (١٦) (١٧) قوله تعالى: ﴿ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ قال المقاتلان والكلبي: ما ينتفعون به في معايشهم مثل السكاكين والفأس والمبرد (١٨) وقال عطاء عن ابن عباس: لأن كل شيء خلقه الله من حجر أو شجر لا يصلح إلا بالحديد (١٩) وقال أبو إسحاق: يستعملونه في أدواتهم وما ينتفعون به (٢٠) قال صاحب النظم قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ كل هذا معترض بين قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ ؛ لأن قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ لا يتصل بإنزال الحديد وهو نسق على قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ (٢١) والمعنى: أنزلنا الكتاب والميزان لتعامل بالعدل وليعلم الله من ينصره وذلك أن الله تعالى أمر في كتابه بنصرة دينه ورسله وامتحن الناس بذلك الأمر، فمن (٢٢) ولأبي النصر عبد الجبار بن محمد العتبي الكاتب -رحمه الله- فصل في هذه الآية خلاف ما ذكره صاحب النظم؛ وهو أنه قال: كان يختلج في صدري معنى قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ لجمعه بين الكتاب، والميزان، والحديد، على تنافر طردها من المناسبة، وبعدها قبل الرؤية والاستنباط عن المشاكلة والمقاربة، وسألت عنه عدة من أعيان العلماء بالتفسير والمشهورين من بينهم بالتذكير فلم أحصل منهم على جواب يزيح العلة، ويشفي الصدر، وينقع الغلة، حتى أعملت التفكر، وأنعمت التوبر، فوجدت الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد، ويفصل جمل الفرائض، ويريهن مصالح الأبدان والنفوس، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، قد خطر فيه التعادي والتظالم، والتباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل في أقسام الأرزاق المخرجة لهم بين رجع السماء وصدع الأرض، ليكون ما لِصل منها إلى أهل الخطاب بحسب الاستحقاق بالتكسب دون التغلب والتوثب، واحتاجوا في استدامة حياتهم بأقواتهم مع النصفة المندوب إليها إلى استعمال آلة العدل التي يقع بها التعامل، ويعم معها التساوي والتعادل، فألهمم الله -عَزَّ وَجَلَّ- اتخاذ الآلة التي هي الميزان فيما يأخذونه ويعطونه لئلا يتظالموا لمخالفته فيهلكوا به إذا لم يكن ينتظم لهم عيش مع شيوع ظلم البعض منهم للبعض، ويدل على هذا المعنى قوله جل ذكره: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ وذلك أنه تعالى جعل السماء سببًا للأرزاق والأقوات من أنواع الحبوب والنبات فكان ما يخرج منها من أغذية العباد مضطرًا إلى أن يكون اقتسامه بينهم على الإنصاف دون الجزاف، ولم يكن ذلك إلا بالآلة المذكورة، فنبه الله -عَزَّ وَجَلَّ- على موقع الفائدة فيه والفائدة به بتكرير ذكره هذا في الكتاب والميزان، ثم إنه من المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية، إنما تحفظ العامي على ابتغاها ويضطر العالم إلى التزام أحكامها بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد ونزع من صفقه الجماعة اليد، وهو بارق سطوته، وشهاب نقمته، وجذوة عقابه، وعذبة عذابه، وهذا السيف هو الحديد الذي وصفه الله بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز معاني كثيرة النقوب، متدانية الجيوب، حكمة المطالع، مقومة المبادئ والمقاطع.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من أن المراد بالحديد السيف هو معنى ما ذكرنا من قول المفسرين في تفسير قوله: ﴿ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ قد مضى الكلام في بيان هذا العلم في مواضع، والمفسرون يقولون: وليرى الله من ينصره وينصر دينه، كقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ .
﴿ وَرُسُلَهُ ﴾ أي يقاتل مع رسله في سبيله ﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ أي ولم ير الله ولا أحكام الآخرة وإنما يحمد إذا أطاع بالغيب، كما قال الله تعالى {يُؤَمنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3].
﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ ﴾ في أمره، ﴿ عَزِيزٌ ﴾ في ملكه.
قال مقاتل (٢٣) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 24.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 299.
(٣) يظهر من قول المؤلف "والمعدل الوجه" سقط في العبارة قبل قوله: قال مقاتل بن حيان.
ولعل العبارة كما في "تفسير مقاتل بن سليمان" هكذا (قال مقاتل بن سليمان: البينات: يعني الآيات).
(٤) في (ك): (كقوله).
(٥) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 275 ، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 299.
(٦) انظر: "الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 299، والذي في "تفسير مقاتل" أن المراد بالميزان يعني العدل.
انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.
(٧) انظر: "جامع البيان" 27/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 26.
(٨) ورد في "البيت" في "الخصائص" 2/ 431، و"الخزانة" 3/ 139، و"إيضاح الشعر" للفارسي ص 573، و"الإنصاف" ص 613، ونسبه إلى ذي الرمة وليس في ديوانه.
وفي "أوضح المسالك" 2/ 245، رقم (258) قال محققه: ولم أقف له على نسبة إلى قائل معين، ثم ذكر ثلاثة تخريجات للبيت ومن قال بكل قول.
وتمام البيت: حتى شتت حمالة عيناها وانظر: "زاد المسير" 8/ 212، و"البحر المحيط" 1/ 247، و"شذرات الذهب" الشاهد رقم (115).
(٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 136، والقلاة هي السَّندان وهي الصَّلاءَةُ، و"اللسان" 6/ 215 (سند).
والكلبتان: الآلة التي تكون مع الحدادين، "اللسان" 2/ 284 (كلب).
(١٠) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 70 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 241 - 242، والميقَعةُ: ما دُفعَ به السيف، وقيل: الميقعة المسن الطويل، و"اللسان" 3/ 968 (وقع).
(١١) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 70 ب، وقال ابن حجر: وفي إسناده من لا أعرفه.
"تخريج أحاديث الكشاف" 4/ 164، وفي "ضعيف الجامع" 3/ 77: موضوع، وفي "الطب النبوي" لابن القيم ص 396، قال: ذكره البغوي مرفوعًا والموقف أشبه.
(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.
(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 70 أ - ب، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 300، و"التفسير الكبير" 29/ 242.
(١٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 129.
(١٥) انظر؛ "تنوير المقباس" 5/ 364، و"معالم التنزيل" 4/ 300، وعبارتهما (قوة شديدة).
(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.
(١٧) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"جامع البيان" 27/ 137.
(١٨) في (ك): (المدّ)، وانظر: "تنوير المقباس" 5/ 364.
(١٩) لم أجده.
(٢٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 126.
(٢١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 261، و"الدر المصون" 1/ 253.
(٢٢) (فمن) زيادة يقتضيها السياق.
(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 142 ب، و "معالم التنزيل" 4/ 30.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان ﴾ الكتاب هنا جنس الكتب الميزان العدل وقيل: الميزان الذي يوزن به، ورُوي أن جبريل نزل بالميزان ودفعه إلى نوح وقال له: مر قومك يزنوا به ﴿ وَأَنزَلْنَا الحديد ﴾ خبر عن خلقه وإيجاده بالإنزال وقيل: بل أنزله حقيقة، لأن أدم نزل من الجنة ومعه المطرقة والإبرة ﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ يعني أنه يعمل من سلاح للقتال ولذلك قال: وليعلم الله من ينصره ورسله والمنافع للناس: سكك الحرث والمسامير وغير ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ ﴾ .
ففي ظاهر ما ذكر من هذه الآية ونحوها من الآيات لأهل الإلحاد طعن عظيم؛ فإ،هم يقولون: إن كانت الحياة الدنيا لعبا ولهوا، فلم أنشأ الله لعبا ولا منشئ سواه؟
فلهم موضع الطعن على هذا الوجه، ولهم دعوى التناقض - أيضا - فيه؛ لما ذكر في بعض الآيات، فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ ، وقال في هذه الآية وغيرها: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ .
فنقول: إن الآية تخرج على وجوه: أحدها: على التقديم والتأخير مع الإضمار: كأنه قال: اعلموا أن مثل الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها، أي: يتزينون بها ويتفاخرون بالأولاد والأموال، ويتلهون بها ويلعبون - كمثل الغيب أعجب الكفار نباته، ثم يصير ما ذكر حتى لا ينتفع به؛ فعلى ذلك حياة الدنيا، والله أعلم.
والثاني: إنما الحياة الدنيا على ما هي عندكم، وعلى ما اتخذتموها، وعلى ما ظننتم: أنه لا بعث ولا حياة بعده - كان إنشاؤها عبثا ولهوا - إذ لو كان على ما ظنوا لم يكن إنشاؤها إلا للإفناء والإهلاك خاصة، وبناء البناء المحكم للإفناء خاصة عبث وسفه، ليس بحكمة، وهو ما ذكر: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ ، ذلك ظن الذين كفروا، وكان ظنهم أن لا بعث ولا حياة بعده؛ فعلى ما كان ظنهم، كان إنشاؤها لعبا ولهوا، فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل التوحيد حكمة وحرق وصواب، وعلى ما كان عند أهل الإلحاد، فهي سفه وباطل، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].
وجائز أن يكون معنى قوله: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ ، أ ي: لو قوبلت بحياة الآخرة، لكانت عبثا ولهوا؛ لأن الدنيا بنيت على الفناء والانقطاع والزوال عن قريب، والآخرة على الدوام والبقاء، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ؛ لأنها باقية، والدنيا فانية.
أو يقول: إنما الحياة الدنيا للدنيا خاصة لعب ولهو، أي: من جعل الحياة الدنيا للدنيا خاصة تكمون لعبا ولهوا، ومن جعل الحياة الدنيا زادا للآخرة وبلغه إليها، فهي ليست بلعب، وهو ما قال : ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ ، أخبر أن الإنفاق للدنيا كمثل ريح فيها صر، [وقال] في النفقة التي تكون في الدنيا لحية الآخرة: ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ...
﴾ الآية [البقرة: 261]، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ .
والإشكال: أنه كيف خص الكفار بعجبهم ظاهر ذلك النبات وقد يعجب النبات لأهل الإيمان؟
فنقول: لأن الكفار يعجبهم ظاهر ذلك النبات وما يرون من النزهة، لا يرون إلى ما ضمن في ذلك النبات وجعل فيه من المنفعة في العاقبة لكن ينظرون إلى ظاهره، وأما المؤمنون إنما يعجبهم ما في ذلك النبات من المنفعة في العاقبة، وإلى ذلك يكون نظرهم لا إلى ظاهره، وهو كما شبه إنفاق الكفرة بالريح التي فيها صر يصيب حرث قوم؛ لما لا يقصدون بإنفاقهم سوى نفس الإنفاق، وشبه نفقة أهل الإيمان بالحبة التي تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؛ لما كان مقصدهم في الإنفاق عاقبته، لا عين الإنفاق.
ويحتمل أن يكون المراد من الكفار الزراع، وبه فسر بعض أهل الأدب؛ وهو كقوله: ﴿ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ...
﴾ فعلى هذا التأويل، رجع إلى الكل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ ، أي: لهؤلاء الذين اتخذوا الدنيا لعبا ولهوا، وصيروها تفاخرا وتكاثرا دون أن يتخذوها زادا وبلغة إلى الآخرة.
وقوله: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ ﴾ ، فهو للمؤمنين [الذين] اتخذوا الحياة الدنيا للآخرة، وعقلوا الآيات التي بينها لهم؛ للنظر فيها والتفكر والتأمل فيها، ووضعوها مواضعها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ هو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ .
قال الإمام الهندي - - في قوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ : إن الحياة الدنيا وحبها لنفسه وعلى ما أنشئت وجعلت له - حكمة وحق وسرور ليس بغرور، وأما اختيارها وحبها لغيره واستعمالها لغير الذي أنشئت وجعلت - غرور ولغب ولهو؛ لأن من أحب شيئا استكثر منه، وحبسه لنفسه، وحفظه من نقصه وضياعه، واستبقاء لوقت حاجته ويوم فقره؛ فعلى ذلك من جمع الدنيا لنفسه وأحبها واستعملها فيما أذن له، وهو أن يجعلها زادا للآخرة وبلغة إليها، فإذا علم ذلك استكثر منها عند الله ليوم فاقته، فمن أحبها واختارها لهذا، فليس بغرور، ولا لعب، بل سرور وبهجة، ومن طلبها لغيره واستعملها في غير ما أنشئت، كان غرورا ولعبا، على ما ذكر في قوله: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ على ما يختارون هم ويحبوها؛ وذلك أن الله أنشأ لنا هذه النعم؛ حيث قا ل: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ، وقال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ ، يجب أن ينظر إلى ذلك بالتعظيم لها والإجلال، وليس الاستخفاف والهوان؛ ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو أكرم أحداً بكرامة وأهداه بهدية، ثم علم منه الاستخفاف بها؛ فإنه يسلب منه هديته ويستحقره؛ فعلى ذلك يجب أن نتلقى نعمة الله بالتعظيم والتبجيل والقبول الحسن، لا على الاستخفاف بها والإهانة.
ثم الناس بعد هذا رجلان: رجل يرغب في نعمة الدنيا وجمعها، جعلها عند الله ذخراً وزادا لوقت فقره وحاجته.
ورجل: زهد فيها؛ خوفا [من] التقصير في عبادة الله في حقوقه أن يشتغل بها، ويمنعه ذلك عن أداء حقوقه والاقتداء برسول الله - فيما أمره، وله أسوة حسنة بنبيه .
وأما من ترك الدنيا وما أنشأ الله فيها من النعم؛ استخفافا بها وهوانا، فهو الجاهل المستحف بنعم الله الغافل عما أنشئت له الدنيا [وما] فيها فهذا والذي طلب الدنيا للدنيا مذمومان، والذي طلبها لنفسه زادا للآخرة والذي زهد فيها محمودان، والله أعلم.
وعلى ذلك يخرج "إن حب الدنيا رأس كل خطيئة": أن من أحبها لغيره ولغير الذي جعلت له تكون رأس كل خطيئة، ومن أحبها لنفسه، واتخذها زادا للآخرة، فيه رأس كل حسنة وطاعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ يقول: اجعلوا المسابقة فيما بينكم في مغفرة ربكم إلى الجنة، لا إلى جمع الأموال والأولاد، وكان أ÷ل الكفر جعلوا المسابقة في الدنيا في جميع الأموال والتفاخر والتكاثر بها، فيقول لأهل الإيمان: اجعلوا أنتم المسابقة في طلب مغفرة الله وجنته، والله أعلم.
ويحتمل تسبقون آجالكم وبأعمالكم التي توجب لكم المغفرة والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية، ذكر سعة الجنة؛ لأن العرض إنما يذكر لسعة تكون للشيء، وقد ذكر سعتها فيها؛ حيث قال: ﴿ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ وقال - -: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ﴾ ، ونحو ذلك؛ ذكر ما فيها من السعة وسعتها، والله أعلم.
ثم ذكر عرضها كعرض السماء والأرض، وهو يخرج على التحديد والتقدير: أن عرضها مثل عرض السماوات والأرض، لكن لما لا شيء أوسع في أوهام الخلق مما ذكر، وهو كقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ ، ذكر دوامهما؛ [لما] لا شيء أبقى وأدوم منهما في الأذهان، وإلا كانتا تفنيان.
ويحتمل أن يقول: ﴿ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: تصير السماوات والأرض جميعا جنة لهم.
ثم وصف الجنة بالسعة، ووصف لنار بالضيق، حيث قال: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾ ، وذلك أنه ليسي في فضل النار على قدر المعجول الذي يصل إلى المعذب بها فائدة [فذلك] تضيقت، ولفضل الجنة على قدر الحاجة لذة وسرور ومنفعة؛ فوسعت لذلك، والله أعلم.
ثم أخبر أنها أعادت للذين آمنوا بالله ورسوله، والإيمان بالله - -: هو أن يصدق كل شيء يشهد على وحدانيته وألوهيته، والإيمان برسله: هو أن يصدقهم فيما أخبروا عن الله ، وكل صاحب كبيرة مصدق بالذي ذكرنا، فهو مؤمن؛ وذلك على المعتزلة؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ؛ دلت الآية [على] أن ما يعطي من الثواب لعبيده فضل منه وإن سماه: جزاء، وأجرا؛ لأنه قد سبق منه إليهم من الإحسان والنعم ما يصير تلك الأفعال - وإن كثرت - شكرا لأدنى نعمه، وإن طال عمره، فأنى يستوجب الشكر والثواب على تلك الأعمال ثوابا وجزاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ﴾ ، أي: ذكرها في كتاب، كان ذلك الكتاب قبل أن نبرأ المصائب، أي: نخلقها؛ إذ لا يحتمل كون أنفس تلك المصائب في الكتاب قبل خلقها؛ فدل على كون ذكر المصائب فيه، وهو كقوله: ﴿ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ ﴾ ، و[وليست الشجرة في القرآن] ولكن ذكرها فيه من ذلك ما روي في الخبر أنه "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو" ، أي: نهى أن يسافر الذي كتب فيه القرآن، وإلا لم يكن عين القرآن في ذلك المصحف؛ فعلى ذلك ما ذكر من المصائب، وذلك يخرج على المجاز دون الحقيقة، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ﴾ : منهم من قال: من قبل أن نخلق تلك المصائب.
منهم من قال: من قبل أن نبرأ تلك الأنفس الأرض والأول [أصح].
وقوله: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يخرج على وجهين: أي: كثرة ما يصيب الخلق في أنفسهم وأموالهم يسير على الله، غير شديد عليه، ليس كملوك الأرض؛ لأن ما يصيب حشمهم وخدمهم من المصائب يشتد عليهم؛ لما أن قوامهم بحشمهم وخدمهم، ولهم منافع فيهم، والله يتعالى بذاته، ليس له في بقاء الخلق منفعة، ولا في ذهابهم وفنائهم ضرر، فذلك يكون عليه يسير.
والثاني: أن كتابه لم يكن بعد ولم يخلق، وعلمه قبل كونه على الله يسير هين، يخبر أنه عالم في الأزل بكون الأشياء في أوقاتها، لا يصعب عليه، ولا يشتد العلم بها قبل كونها وقل ظهورها كما يشتد على الخلق ويصعب عليهم، والله أعلم.
وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأن اسم المصائب يقع على ما للخلق فيه صن ع كما يقع على ما لا صنع لهم فيه، ثم أضاف الله خلقها إلى نفسه مطلقا بقوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ﴾ ، دل أن أفعال العباد مخلوقة لله ؛ آلا ت رى أن الله سمى ما يصيب بأيدي الخلق: مصيبة، فقال ﴿ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ...
﴾ الآية.
قالت المعتزلة: يقال: أصابنا كذا فيما لا يصنع للخلق في ذلك، فآما ما [فيه] صنع للخلق يقال: "أصبنا"؟
لكن هذا فاسد؛ فإنه جئاز أن يقال في كل ما أصابك: أصبته، وما أصبته أصابك؛ لأنه إذا أصابك شيء فقد أصبته، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ ، جعل الله في طباع الخلق الحزن والأسى على ما فاتهم من النعمة وما ينزل بهم من البلاء والشدة، والسعة والفرح والسرور بما ينالون من النعمة، هذا هو المنشأ والمجعول في طباعهم.
ثم يخرج تأويل الآية بالنهي عن الأس والحزن بفوت النعمة، وعن الفرح والسرور عند إصابتها على وجوه: أحدها: يقول - والله أعلم - لكيلا تستكثروا من الأسى والحزن على ما فاتكم، فيحملكم ذلك على الشكوى من الله ، ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ أي: لا تستكثروا [من] الفرح والسرور حتى يحملكم ذلك على الطغيان والعدوان، كما ذكر في الخبر: "أعوذ بالله من الفقر المنسي والغناء المطغي"، والله أعلم.
والثاني: يقول: لكيلا يشغلكم الأسى والحزن على ما فاتكم من النعمة حتى يفوتكم أضعاف ذلك، وهو ما وعد لهم من الثواب إذا صبروا؛ كقوله : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴾ ، يقول: لا يشغلكم الجزع وترك الصبر عمَّا وعد لكم من الصلاة والرحمة والاهتداء؛ ولذلك الجزع في المصيبة أعظم المصيبتين، ويقول - أيضا -: ولا يشغلكم شدة الفرح والسرور بما آتاكم عن الشكر حتى تفوتكم الزيادة على ذلك؛ لأن الله وعد الزيادة على النعمة إذا شكر بقوله: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
والثالث: يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى ما كان منكم من الجريمة حتى فاتكم ذلك؛ حيث قال: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى تفريطكم في جنب الله، وارجعوا عن ذلك؛ وكذلك يقول: لا تفرحوا بما آتاكم، ولكن انظرو إلى إحسان الله الذي كان إليكم، والله أعلم.
ويحتمل: أن يقول: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ ، ولكن انظروا إلى ما امتحنكم به وابتلاكم؛ إذ هو امتحن بعضا بالشدائد والبلايا، وأمرهم بالصبر على ذلك، وبعضا بالسعة والرخاء، وأمرهم بالشكر على ذلك، فاصبروا ولا تجزعوا إن فاتكم النعم وأصابتكم المصائب، اشكروا له، ولا تفرحوا عند النعم فرحا يكون بطرا وأشرا.
أو يقول: لا تأسوا على ما فاتكم؛ فإن الذي أخذ من النعم لم يكن في الحقيقة لكم، إنما هو لغيركم، ومن كان عنده مال لآخر فأخذه لا يحب أن يحزن على ذلك، ولا تفرحوا بما آتاكم، فإن النعم التي آتاكم يجوز أن تكون لغيركم لا لكم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ قرئ ممدوداً ومقصروا، فمن مده، رد الفعل إلى الله ، ومن قصره جعل الفعل لذلك الشيء؛ لموافقة قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ ، ولم يقل: أفاتكم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ ، ولكن يحب ضد ذلك وخلاف المختال المتكبر، فيحب المتواضع الخاضع.
والفخور هو الذي يفتخر بما أنعم الله عليه على الناس، فيحب الذي يشكره على نعمه بالتوسيع على عباده.
وجائز أن يكون هذا كله وصف الكفار؛ كأنه يقول: لا يحب كل كفار؛ كقوله: ﴿ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ ، أي: يحب المؤمن؛ لأن المؤمن يكون صبارا على المصائب، شكورا لنعمائه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ﴾ جائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ تفسيرا له.
وجائز أن يكون على الابتداء، وهو كقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ﴾ كأن قوله : ﴿ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ ﴾ مفصول من الأول، وكذلك هذا.
ثم قوله: ﴿ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ ﴾ يحتمل ما ذكر من بخلهم في آية أخرى، فقال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ ﴾ بخلوا بالإنفاق على المؤمنين، أو بخلوا بالإنفاق على أتباعهم؛ ليبقى الكرم والرياسة عليهم.
وجائز أن يكون ما ذكره بعض أهل التأويل أن ذلك نزل في الرؤساء من أهل الكتاب؛ بخلوا ببيان صفة محمد التي كانت في كتبهم، وأمروا أمثالهم وأشكالهم بكتمان ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ ، أي: ومن يعرض عن ذلك فالله هو الغني الحميد؛ الغني عن عبادتكح وعما دعاكم إليه؛ إذ لم يدعوكم إلى ما دعاكم لحاجة نفسه؛ إذ و الغني بذاته، الحميد بفعاله؛ أي: بما علم منكم من الرد لرسالته لا يخرج فعله من أن يكون محمودا، ولا يصير لفعله إلى أعدائه بما صنع غير حميد، والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ وجوه أيضا: أحدها: أن المصائب ربما تجري على أيدي الناس وتصيبهم منهم، فقال: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ ما جرى ذلك على أيدي الناس؛ لأنه لا يزول منهم؛ فيحملهم لك على العداوة والبغضاء، ولكن يرون ذلك مكتوبا عليهم من الله ، وكذلك ما ذكر فيما يؤتيهم من النعم على أيدي الخلق، فلا يزال ذلك منهم؛ فيشغلهم عن القيام بشكر الرب - جل وعلا - ولكن يرونه من فضل الله ومنه فيشكرونه.
والثاني: يحتمل: أن يكون النهي عن الحزن أمرا بالفرح؛ أي: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن افرحوا ب العلم الذي يأتيكم؛ فإنهم لو لم يفتهم لكان يشغلهم عن القيام بحقوق الله وأداء ما عليهم من الفرائض، والله أعلم.
وفي قوله - -: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُوا ﴾ أمر بالحزن، وقد ذكر الشيء ويراد به إثبات ضده؛ كقوله : ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ \[البقرة:ِ 16\]، أي: خسرت تجارتهم، وينبغي أن تتلقى نعم الله على وجهين: أحدهما: بحسن القبول لها والتعظيم والشكر للمنعم؛ إذ أغناه بذلك عن النظر لما في أيدي الناس ورفع الحاجة، وذلك من أعظم [النعم].
والثاني: يخاف؛ لما لعله فعل ذلك به استدراجا وامتحانا؛ إذ الأموال ربما تكون فتنة وبلاء أو تشغله عن أداء ما عليه إن كن ذلك سبب استدراجه وبلائه، فأخذ منه.
أو لما يصل بذهابه إلى أداء الفرائض من العبادات، وكان ذلك يمنعه.
ويحزن من وجهين أيضا: أحدهما: لما لعل قوته يحوجه إلى ما في أيدي الناس، وكان غنيا عنهم.
أو لما لعل ذلك عقوبة لتفريط كان منه؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
ثم أضاف ما نالوا من النعم إلى نفسه حيث قال: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ ، ولم يضف ما فاتهم إلى نفسه، وهو كما قال في آية أخرى: ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ ، وهو ما ذكرنا أنه جائز أن يكون ما يفوتهم من النعم باكتساب وسبب كان منهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لقد أرسلنا رسلنا بالحجج الواضحة والبراهين الجلية، وأنزلنا معهم الكتب، وأنزلنا معهم الميزان؛ ليقوم الناس بالعدل، وأنزلنا الحديد فيه بأس قوي، فمنه يُصْنَع السلاح، وفيه منافع للناس في صناعاتهم وحرفهم، وليعلم الله علمًا يظهر للعباد من ينصره من عباده بالغيب، إن الله قوي عزيز لا يغلبه شيء، ولا يعجز عن شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.WaOdY"