تفسير الآية ٢٩ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ٢٩ من سورة الحديد

لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ٢٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٩ من سورة الحديد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال تعالى : ( لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله ) أي : ليتحققوا أنهم لا يقدرون على رد ما أعطاه الله ، ولا [ على ] إعطاء ما منع الله ، ( وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) قال ابن جرير : ( لئلا يعلم ) أي : ليعلم وقد ذكر عن ابن مسعود أنه قرأها : " لكي يعلم " .

وكذا حطان بن عبد الله ، وسعيد بن جبير ، قال ابن جرير : لأن العرب تجعل " لا " صلة في كل كلام دخل في أوله وآخره جحد غير مصرح ، فالسابق كقوله : ( ما منعك ألا تسجد ) [ الأعراف : 12 ] ، ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) [ الأنعام : 109 ] ، ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) [ الأنبياء : 95 ] .

آخر تفسير سورة الحديد ولله الحمد والمنة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من أهل الكتاب، يفعل بكم ربكم هذا لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي آتاكم وخصكم به، لأنهم كانوا يرون أن الله قد فضّلهم على جميع الخلق، فأعلمهم الله جلّ ثناؤه أنه قد آتى أمة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الفضل والكرامة، ما لم يؤتهم، وأن أهل الكتاب حسدوا المؤمنين لما نـزل قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، فقال الله عزّ وجلّ: فعلت ذلك؛ ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ) ...

الآية، قال: لما نـزلت هذه الآية، حسد أهل الكتاب المسلمين عليها، فأنـزل الله عزّ وجلّ( لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ ) ...

الآية، قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول: " إنَّما مَثَلُنا وَمَثَلُ أهْل الكتابَيْن قَبْلَنا، كمَثَل رَجُلٍ اسْتأجَرَ أُجُرَاءَ، يَعْمَلُونَ إلى اللَّيْلِ على قيرَاطٍ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النهارُ سَئمُوا عَمَلَهُ وَمَلُّوا، فحاسَبَهُمْ، فأعَطَاهُمْ عَلى قَدْرِ ذَلكَ، ثُمَّ اسْتأجَرَ أُجُرَاءَ إلىَ اللَّيْلِ عَلى قِيرَاطَيْن، يَعْمَلُونَ لَهُ بَقيةَ عَمَلِهِ، فَقِيلَ لَهُ ما شأنُ هَؤُلاءِ أقَلَّهُمْ عَمَلا وأكْثرهُمْ أجْرًا؟

قال: مالي أُعْطِي مَنْ شِئْتُ، فأرْجُو أنْ نَكون نَحْنُ أصحاب القِيرَاطَينِ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قال: بلغنا أنها حين نـزلت حسد أهل الكتاب المسلمين، فأنـزل الله ( لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) .

حدثنا أبو عمار، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس ( لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ) : الذين يتسمعون ( أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) .

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، مثله.

وقيل ( لِئَلا يَعْلَمَ ) إنما هو ليعلم: وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله ( لِكَيْ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ )، لأن العرب تجعل " لا " صلة في كلّ كلام دخل في أوّله أو آخره جحد غير مصرّح، كقوله في الجحد السابق، الذي لم يصرّح به مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ، وقوله: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ، وقوله: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ...

الآية، ومعنى ذلك: أهلكناها أنهم يرجعون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو هارون الغنويّ، قال، قال خطاب بن عبد الله: ( لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) .

قال: ثنا ابن علية، عن أبي المعلى، قال: كان سعيد بن جُبَير يقول ( لِكَيْلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتاب ).

وقوله: ( وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: وليعلموا أن الفضل بيد الله دونهم، ودون غيرهم من الخلق، ( يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) يقول: يعطي فضله ذلك من يشاء من خلقه، ليس ذلك إلى أحد سواه، ( وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) يقول تعالى ذكره: والله ذو الفضل على خلقه، العظيم فضله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لئلا يعلم أهل الكتاب أي : ليعلم ، و " أن لا " صلة زائدة مؤكدة ؛ قاله الأخفش .

وقال الفراء : معناه لأن يعلم و " لا " صلة زائدة في كل كلام دخل عليه جحد .

قال قتادة : حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت : لئلا يعلم أهل الكتاب أي : لأن يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله وقال مجاهد : قالت اليهود : يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل .

فلما خرج من العرب كفروا فنزلت : [ ص: 241 ] لئلا يعلم أي : ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون أي : أنهم لا يقدرون ، كقوله تعالى : أن لا يرجع إليهم قولا .

وعن الحسن : " ليلا يعلم أهل الكتاب " وروي ذلك عن ابن مجاهد .

وروى قطرب بكسر اللام وإسكان الياء .

وفتح لام الجر لغة معروفة .

ووجه إسكان الياء أن همزة " أن " حذفت فصارت " لن " فأدغمت النون في اللام فصار " للا " فلما اجتمعت اللامات أبدلت الوسطى منها ياء ، كما قالوا في أما : أيما .

وكذلك القول في قراءة من قرأ " ليلا " بكسر اللام إلا أنه أبقى اللام على اللغة المشهورة فيها فهو أقوى من هذه الجهة .

وعن ابن مسعود " لكيلا يعلم " وعن حطان بن عبد الله " لأن يعلم " .

وعن عكرمة " ليعلم " وهو خلاف المرسوم .

من فضل الله قيل : الإسلام .

وقيل : الثواب .

وقال الكلبي : من رزق الله .

وقيل : نعم الله التي لا تحصى .

وأن الفضل بيد الله ليس بأيديهم فيصرفون النبوة عن محمد صلى الله عليه وسلم إلى من يحبون .

وقيل : وأن الفضل بيد الله أي : هو له يؤتيه من يشاء وفي البخاري : حدثنا الحكم بن نافع ، قال : حدثنا شعيب عن الزهري ، قال أخبرني سالم بن عبد الله ، أن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو قائم على المنبر : إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غروب الشمس ، فأعطيتم قيراطين قيراطين ، قال أهل التوراة : ربنا هؤلاء أقل عملا وأكثر أجرا ، قال : هل ظلمتكم من أجركم من شيء ؟

قالوا : لا ، فقال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء في رواية : فغضبت اليهود والنصارى وقالوا : ربنا .

.

.

الحديث .

والله ذو الفضل العظيم تم تفسير سورة ( الحديد ) والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } أي: بينا لكم فضلنا وإحساننا لمن آمن إيمانا عاما، واتقى الله، وآمن برسوله، لأجل أن أهل الكتاب يكون لديهم علم بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله أي: لا يحجرون على الله بحسب أهوائهم وعقولهم الفاسدة، فيقولون: { لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } ويتمنون على الله الأماني الفاسدة، فأخبر الله تعالى أن المؤمنين برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، المتقين لله، لهم كفلان من رحمته، ونور، ومغفرة، رغما على أنوف أهل الكتاب، وليعلموا { أن الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } ممن اقتضت حكمته تعالى أن يؤتيه من فضله، { وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الذي لا يقادر قدره].تم تفسير سورة الحديد، ولله الحمد والمنة، والحمد لله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم قال : ( لئلا يعلم أهل الكتاب ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) قال قتادة : حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم فأنزل الله تعالى " لئلا يعلم أهل الكتاب " .

قال مجاهد : قالت اليهود يوشك أن يخرج [ منا ] .

نبي يقطع الأيدي والأرجل ، فلما خرج من العرب كفروا به ، فأنزل الله تعالى " لئلا يعلم أهل الكتاب " أي ليعلم و " لا " صلة ( ألا يقدرون على شيء من فضل الله ) أي ليعلم الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله ( وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا الليث عن نافع ، عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس ، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال : من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط ؟

فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط ، ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ؟

فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ، ثم قال : من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ، ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين ، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل عطاء ؟

قال الله تعالى : " هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟

" قالوا : لا قال : " فإنه فضلي أعطيه من شئت " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثني محمد بن العلاء ، حدثنا أبو أسامة عن يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار ، فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملناه باطل ، فقال لهم : لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم ، وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا واستأجر قوما آخرين بعدهم ، فقال : أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر ، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه ، فقال : أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس فاستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لئلا يعلم» أي أعلمكم بذلك ليعلم «أهل الكتاب» بالتوراة الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم «أن» مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والمعنى أنهم «لا يقدرون على شيءٍ من فضل الله» خلاف ما في زعمهم أنهم أحباء الله وأهل رضوانه «وأن الفضل بيد الله يؤتيه» يعطيه «من يشاء» فآتى المؤمنين منهم أجرهم مرتين كما تقدم «والله ذو الفضل العظيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أعطاكم الله تعالى ذلك كله؛ ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، أنهم لا يقدرون على شيء مِن فضل الله يكسبونه لأنفسهم أو يمنحونه لغيرهم، وأن الفضل كله بيد الله وحده يؤتيه مَن يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم على خلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّن فَضْلِ الله .

.

.

) رد على مزاعم أهل الكتاب أنهم شعب الله المختار ، وأنهم أفضل من الأمة الإسلامية .قال الجمل ما ملخصه : لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله - تعالى - ( أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ .

.

) قالوا للمسلمين : أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابنا وكتابكم .

ومن لم يؤمن منا بكتابكم فله أجر كأجركم ، فبأى شىء فضلتم علينا؟

فأنزل الله هذه الآية .و ( لاَّ ) زائدة ، واللام متعلقة بمحذوف ، هو معنى الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط ، إذ التقدير : إن تتقوا وتؤمنوا برسوله ، يؤتكم الله من فضله كذا وكذا - وقد أعلمناكم بذلك - لكى يعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شىء من فضل الله .أى : أنهم لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله .

.

.

كالكفلين من رحمته وكمغفرة الذنوب - لأنهم لم يؤمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم يخلصوا العبادة له - عز وجل - .

.وقوله - سبحانه - ( وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ) مؤكد لما قبله ، ومقرر له .أى : ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على الظفر بشىء من فضل الله إلا إذا آمنوا بالله ورسله .

وليعلموا - أيضا - أن الفضل والعطاء بيد الله - تعالى - وحده ، يمنحه لمن يشاء ويختار من عباده ، وهو - سبحانه - صاحب الفضل الواسع العظيم .وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه يكون المقصود من الآيتين تحريض المؤمنين من هذه الأمة على الثبات على تقوى الله - تعالى - واتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - فى كل ما جاء به ، وتبشيرهم بالعطاء الجزيل إذا ما فعلوا ذلك .والرد على المتفاخرين من أهل الكتاب ، الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأنهم ليس أحد أفضل منهم ، وأن الأجر ثابت لهم سواء آمنوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أم استمروا على كفرهم .قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين : لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين ، أنزل الله هذه الآية ( ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ .

.

.

) فى حق هذه الأمة .وهى كقوله - تعالى - : ( يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله ذُو الفضل العظيم ) ومما يؤيد هذا القول - أى : أن هذه الآية فى حق هذه الأمة - ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال : من يعمل لى من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟

ألا فعلت اليهود .ثم قال : من يعمل لى من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟

ألا فعلت النصارى .ثم قال : من يعمل لى من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟

ألا فأنتم الذين عملتم فغضبت النصارى واليهود ، وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل عطاء .

قال : هل ظلمتكم من أجركم شيئا ، قالوا لا : قال فإنما هو فضلى أوتيه من أشاء " .ويرى بعض المفسرين أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب ، فيكون المعنى : يا من آمنتم بموسى وبعيسى وبمحمد - عليهم الصلاة والسلام - اتقوا الله وآمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم - واثبتوا على ذلك ، يؤتكم الله - تعالى - كفلين من رحمته .وليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب ، أنهم لن ينالوا شيئا مما ناله المؤمنون منهم .ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمام ابن جرير ، فقد قال - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية : يقول - تعالى ذكره - : يأيها الذين صدقوا الله ورسوله من أهل الكتابين : التوراة والإنجيل ، خافوا الله ، وآمنوا برسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ..

.أى : يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى وبمحمد - عليهما الصلاة والسلام - .ويبدو لنا أن الخطاب فى هذه الآية للمؤمنين من هذه الأمة ، على سبيل الحض والتبشير ، وأن قوله - تعالى - بعد ذلك : ( لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّن فَضْلِ الله .

.

.

) واضح فى ذلك ، وأن جعل الخطاب لمؤمنى أهل الكتاب لا دليل عليه .ولذا قال بعض المحققين : هذه الآية الكريمة من سورة الحديد ، فى المؤمنين من هذه الأمة ، وأن سياقها واضح فى ذلك ، وأن من زعم من أهل العلم أنها فى أهل الكتاب فقد غلط ، وأن ما وعد الله به المؤمنين من هذه الأمة ، أعظم مما وعد به مؤمنى أهل الكتاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي هذه آية مشكلة وليس للمفسرين فيها كلام واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها.

واعلم أن أكثر المفسرين على أن (لا) هاهنا صلة زائدة، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمع آخرون: هذه الكلمة ليست بزائدة، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله تعالى وتوفيقه.

أما القول المشهور: وهو أن هذه اللفظة زائدة، فاعلم أنه لابد هاهنا من تقديم مقدمة وهي: أن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلا لنا، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين، إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم، فقال: إنما بالغنا في هذا البيان، وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً أما القول الثاني: وهو أن لفظة (لا) غير زائدة، فاعلم أن الضمير في قوله: ﴿ أَلاَّ يَقْدِرُونَ ﴾ عائد إلى الرسول وأصحابه، والتقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه، ثم قال: ﴿ وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله ﴾ أي وليعلموا أن الفضل بيد الله، فيصير التقدير: إنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه في أقوام معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله، واعلم أن هذا القول ليس فيه إلا أنا أضمرنا فيه زيادة، فقلنا في قوله: ﴿ وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله ﴾ تقدير وليعتقدوا أن الفضل بيد الله وأما القول الأول: فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجد، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف، لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلاً أصلاً، أماإذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهماً للباطل، فعلمنا أن هذا القول أولى، والله أعلم.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرئ: (لكي يعلم)، و(لكيلا يعلم)، و(ليعلم)، و(لأن يعلم)، بأدغام النون في الياء، وحكى ابن جني في المحتسب عن قطرب: أنه روي عن الحسن: (ليلا)، بكسر اللام وسكون الياء، وحكى ابن مجاهد عنه ليلاً بفتح اللام وجزم الياء من غير همز، قال ابن جني: وما ذكر قطرب أقرب، وذلك لأن الهمزة إذا حذفت بقي للا فيجب إدغام النون في اللام فيصير للا فتجتمع اللامات فتجعل الوسطى لسكونها وانكسار ما قبلها ياء فيصير ليلاً، وأما رواية ابن مجاهد عنه، فالوجه فيه أن لام الجر إذا أضفته إلى المضمر فتحته تقول له: فمنهم من قاس المظهر عليه، حكى أبو عبيدة أن بعضهم قرأ: ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال  ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله ﴾ أي في ملكه وتصرفه واليد مثل ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ﴾ لأنه قارد مختار يفعل بحسب الاختيار ﴿ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ والعظيم لابد وأن يكون إحسانه عظيماً، والمراد تعظيم حال محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته وشرعه وكتابه، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ ليعلم ﴿ أَهْلُ الكتاب ﴾ الذين لم يسلموا.

ولا مزيدة ﴿ أَلاَّ يَقْدِرُونَ ﴾ أن مخففة من الثقيلة، أصله: أنه لا يقدرون، يعني: أنّ الشأن لا يقدرون ﴿ على شَيْء مّن فَضْلِ الله ﴾ أي: لا ينالون شيئاً مما ذكر من فضله من الكفلين: والنور والمغفرة، لأنهم لم يؤمنوا برسول الله، فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله، ولم يكسبهم فضلاً قط.

وإن كان خطاباً لغيرهم، فالمعنى: اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسول الله يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ [القصص: 54] ولا ينقصكم من مثل أجرهم، لأنكم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله.

روى: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جعفراً رضي الله عنه في سبعين راكباً إلى النجاشي يدعوه، فقدم جعفر عليه فدعاه فاستجاب له، فقال ناس ممن آمن من أهل مملكته وهم أربعون رجلاً.

ائذن لنا في الوفادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن لهم فقدموا مع جعفر وقد تهيأ لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجعوا وقدموا بأموال لهم فآسوا بها المسلمين، فأنزل الله ﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب....

﴾ [البقرة: 121] إلى قوله: ﴿ ....

وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ [البقرة: 3] فلما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله: ﴿ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ [القصص: 54] فخروا على المسلمين وقالوا: أما من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجره مرّتين، وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم، فما فضلكم علينا؟

فنزلت.

وروي أنّ مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرّتين، وادعوا الفضل عليهم، فنزلت.

وقرئ: ﴿ لكي يعلم ﴾ و ﴿ لكيلا يعلم ﴾ .

و ﴿ ليعلم ﴾ .

و ﴿ لأن يعلم ﴾ ؛ بإدغام النون في الياء.

و ﴿ لين يعلم ﴾ .

بقلب الهمزة ياء وإدغام النون في الياء.

وعن الحسن: ﴿ ليلا يعلم ﴾ ، بفتح اللام وسكون الياء.

ورواه قطرب بكسر اللام.

وقيل: في وجهها: حذفت همزة أن، وأدغمت نونها في لام لا؛ فصار (للا) ثم أبدلت من اللام المدغمة ياء، كقولهم: ديوان، وقيراط.

ومن فتح اللام فعلى أن أصل لأم الجرّ الفتح، كما أنشد: أُرِيدُ لِأنْسَى ذِكْرَهَا...

وقرئ: ﴿ أن لا يقدروا ﴾ ﴿ بِيَدِ الله ﴾ في ملكه وتصرفه.

واليد مثل ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشآءُ ﴾ ولا يشاء إلا إيتاء من يستحقه.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ أيْ لِيَعْلَمُوا و «لا» مَزِيدَةٌ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «لِيَعْلَمَ» و «لِكَيْ يَعْلَمَ» و «لِأنْ يَعْلَمَ» بِإدْغامِ النُّونِ في الياءِ.

﴿ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ أنْ هي المُخَفَّفَةُ والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنالُونَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ مِن فَضْلِهِ ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن نَيْلِهِ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِهِ وهو مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ بِهِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَصَرَّفُوا في أعْظَمِهِ وهو النُّبُوَّةُ فَيَخُصُّوها بِمَن أرادُوا ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ وقِيلَ: «لا» غَيْرُ مَزِيدَةٍ، والمَعْنى لِئَلّا يَعْتَقِدَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ النَّبِيُّ والمُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ ولا يَنالُونَهُ، فَيَكُونُ وأنَّ الفَضْلَ عَطْفًا عَلى لِئَلّا يَعْلَمَ، وقُرِئَ «لَيْلا يَعْلَمَ» ووَجْهُهُ أنَّ الهَمْزَةَ حُذِفَتْ وأُدْغِمَتِ النُّونُ في اللّامِ ثُمَّ أُبْدِلَتْ ياءً.

وقُرِئَ «لَيْلا» عَلى أنَّ الأصْلَ في الحُرُوفِ المُفْرَدَةِ الفَتْحُ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الحَدِيدِ كُتِبَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أجْمَعِينَ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لّئَلاَّ يَعْلَمَ} ليعلم {أَهْلِ الكتاب} الذين لم يسلموا ولا مزيدة {أَلاَّ يَقْدِرُونَ} أن مخففة من

الثقيلة أصله أنه لا يقدرون يعني أن الشأن لا يقدرون {على شَىْءٍ مّن فَضْلِ الله} أي لا ينالون شيئاً مما ذكر من فضل الله من الكفلين والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم بايمانهم بمن قلهم ولم يكسبهم فضلاً قط {وَأَنَّ الفضل} عطف على أَن لا يَقْدِرُونَ {بِيَدِ الله} أي في ملكه وتصرفه {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} من عباده {والله ذُو الفضل العظيم} والله أعلم

سورة المجادلة مدنية وهي اثنتان وعشرون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى الشَّرْطِ إذِ التَّقْدِيرُ إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وتُؤْمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كَذا وكَذا لِئَلّا إلَخْ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ قَبْلَهُ عَلى التَّنازُعِ، أوْ بِمُقَدَّرٍ كَفَعَلَ ذَلِكَ وأعْلَمَهم ونَحْوَهُ و(لا) مَزِيدَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿ مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ  ﴾ ويَجُوزُ زِيادَتُها مَعَ القَرِينَةِ كَثِيرًا و(أنْ ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها المَحْذُوفُ ضَمِيرُ أهْلِ الكِتابِ أيْ إنَّهم، وقِيلَ: ضَمِيرُ الشَّأْنِ وما بَعْدُ خَبَرُها والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولُ يَعْلَمُ أيْ لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ القائِلُونَ مَن آمَنَ بِكِتابِكم مِنّا فَلَهُ أجْرانِ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ كَأُجُورِكم أنَّهم لا يَنالُونَ شَيْئًا مِن فَضْلِ اللَّهِ مِنَ الأجْرَيْنِ وغَيْرِهِما ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن نَيْلِهِ ما لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ  وحاصِلُهُ الإعْلامُ بِأنَّ إيمانَهم بِنَبِيِّهِمْ لا يَنْفَعُهم شَيْئًا ما لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَوْلُهم: مَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابِكم فَلَهُ أجْرٌ باطِلٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا  ﴾ فَخَرَ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: لَنا أجْرانِ ولَكم أجْرٌ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ » إلَخْ فَجَعَلَ لَهم سُبْحانَهُ أجْرَيْنِ مِثْلَ ما لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ الآيَةَ فَجَعَلَ لَهم أجْرَيْنِ وزادَهُمُ النُّورَ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ ﴾ إلَخْ، وحاصِلُهُ عَلى هَذا لِيَعْلَمُوا أنَّهم لَيْسُوا مُلّاكَ فَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَزْوُوهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ ويَسْتَبِدُّوا بِهِ دُونَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْ لا يَقْدِرُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ العِلْمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِأنْ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ: حالٌ لازِمَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ الخِطابَ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ والنَّصارى أوْ لِمَن لَمْ يُؤْمَن مِنهم بَعْدُ: فالمَعْنى يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيِ اثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِهِ أوْ أحْدِثُوا الإيمانَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُؤْتِكم نَصِيبَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ نَصِيبًا عَلى إيمانِكم بِمَن آمَنتُمْ بِهِ أوَّلًا ونَصِيبًا عَلى إيمانِكم بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ آخِرًا لِيَعْلَمَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّهم لا يَنالُونَ شَيْئًا مِمّا يَنالُهُ المُؤْمِنُونَ مِنهم ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن نَيْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْتُوا بِشَرْطِهِ الَّذِي هو الإيمانُ بِرَسُولِهِ  .

وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما في صَحِيحِ البُخارِيِّ ««مَن كانَتْ لَهُ أمَةٌ عَلَّمَها فَأحْسَنَ تَعْلِيمَها وأدَبَّها فَأحْسَنَ تَأْدِيبَها وأعْتَقَها وتَزَوَّجَها فَلَهُ أجْرانِ، وأيُّما رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي فَلَهُ أجْرانِ، وأيُّما مَمْلُوكٍ أدّى حَقَّ اللَّهِ تَعالى وحَقَّ مَوالِيهِ فَلَهُ أجْرانِ»» ولا إشْكالَ في ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّصارى، ولِذا قِيلَ: الخِطابُ لَهم لِأنَّ مِلَّتَهم غَيْرُ مَنسُوخَةٍ قَبْلَ ظُهُورِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ ومَعْرِفَتِهِمْ بِها فَيُثابُونَ عَلى العَمَلِ بِها حَتّى يَجِبَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإذا آمَنُوا أُثِيبُوا أيْضًا فَكانَ لَهم ثَوابانِ، نَعَمْ قَدْ يُسْتَشْكَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ لِأنَّ مِلَلَهم مَنسُوخَةٌ بِمِلَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمَنسُوخُ لا ثَوابَ في العَمَلِ بِهِ، ويُجابُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُثابُوا عَلى العَمَلِ بِمِلَّتِهِمُ السّابِقَةِ وإنْ كانَتْ مَنسُوخَةً بِبَرَكَةِ الإسْلامِ.

وأجابَ بَعْضُهم أنَّ الإثابَةَ عَلى نَفْسِ إيمانِ ذَلِكَ الكِتابِيِّ بِنَبِيِّهِ وإنْ كانَ مَنسُوخَ الشَّرِيعَةِ فَإنَّ الإيمانَ بِكُلِّ نَبِيٍّ فَرْضٌ سَواءٌ كانَ مَنسُوخَ الشَّرِيعَةِ أمْ لا، وقِيلَ: إنَّ (لا) في ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ ﴾ غَيْرُ مَزِيدَةٍ وضَمِيرُ لا يَقْدِرُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ أيْ فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِئَلّا يَعْتَقِدَ أهْلُ الكِتابِ أنَّ الشَّأْنَ لا يَقْدِرُ النَّبِيُّ  والمُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا أُوتُوهُ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ ولا يَنالُونَهُ، أوْ أنَّهم أيِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنُونَ لا يَقْدِرُونَ إلَخْ، عَلى أنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِهِمْ بِقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنَّ الفَضْلَ ﴾ إلَخْ مَعْطُوفًا عَلى - أنْ لا يَعْلَمَ - داخِلًا مَعَهُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ دُونَ أنْ لا يَقْدِرَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِئَلّا يَعْتَقِدُوا كَذا ولِأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الغايَةِ عَلى الغايَةِ بِناءً عَلى المَشْهُورِ ولِتَكَلُّفِ هَذا القِيلِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِبَعْضِ القِراءاتِ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ مُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ خَطّابُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - لِأنْ لا يَعْلَمَ - بِالإظْهارِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ عَلى اخْتِلافٍ لِيَعْلَمَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ أيْضًا - ولِيَيَّعْلَمَ - عَلى أنَّ أصْلَهُ لِئَنْ يَعْلَمَ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها وأُدْغِمَتِ النُّونُ في الياءِ بِغَيْرِ غُنَّةٍ، ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنِ الحَسَنِ - لَيْلا - مِثْلَ لَيْلى اسْمِ المَرْأةِ «يَعْلَمُ» بِالرَّفْعِ، ووُجِّهَ بِأنَّ أصْلَهُ - لِأنْ لا - بِفَتْحِ لامِ الجَرِّ وهي لُغَةٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما تَمَثَّلَ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ اعْتِباطًا وأُدْغِمَتِ النُّونُ في اللّامِ فَصارَ - لَلّا - فاجْتَمَعَتِ الأمْثالُ وثَقُلَ النُّطْقُ بِها فَأبْدَلُوا مِنَ اللّامِ المُدْغَمَةِ ياءً نَظِيرَ ما فَعَلُوا في قِيراطٍ ودِينارٍ حَيْثُ إنَّ الأصْلَ قِرّاطٌ ودِنّارٌ فَأبْدَلُوا أحَدَ المَثَلَيْنِ فِيهِما ياءً لِلتَّخْفِيفِ فَصارَ - لَيْلا - ورُفِعَ الفِعْلُ لِأنَّ أنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ لا النّاصِبَةُ لِلْمُضارِعِ، ورَوى قُطْرُبٌ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا - لِيلا - بِكَسْرِ اللّامِ ووَجْهُهُ كالَّذِي قَبْلَهُ إلّا أنَّ كَسْرَ اللّامِ عَلى اللُّغَةِ الشَّهِيرَةِ في لامِ الجَرِّ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَيْ يَعْلَمَ، وعَنْهُ أيْضًا لِكَيْلا يَعْلَمَ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ لِكَيْ يَعْلَمَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أنْ لا يَقْدِرُوا بِحَذْفِ النُّونِ عَلى أنَّ أنْ هي النّاصِبَةُ لِلْمُضارِعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

ومِمّا ذَكَرَهُ المُتَصَوِّفَةُ قُدِّسَتْ أسْرارُهم في بَعْضِ آياتِها ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ ﴾ قالُوا: هو إشارَةٌ إلى وحْدانِيَّةِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ المُحِيطَةِ بِالكُلِّ، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا وُجُودَ لَهم في جَمِيعِ مَراتِبِهِمْ بِدُونِ وُجُودِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ إشارَةٌ إلى ظُهُورِ تَجَلِّي الجَلالِ في تَجَلِّي الجَمالِ وبِالعَكْسِ ﴿ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ إشارَةٌ لِلْمَشايِخِ الكامِلِينَ إلى تَرْبِيَةِ المُرِيدِينَ بِإفاضَةِ ما يُقَوِّي اسْتِعْدادَهم مِمّا جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مُتَمَكِّنِينَ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ والمَلَكاتِ.

وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ لِئَلّا يَقْنَطَ القاسِي مِن رَحْمَتِهِ تَعالى ويَتْرُكَ الِاشْتِغالَ بِمُداواةِ القَلْبِ المَيِّتِ ﴿ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ﴾ أوْرَدَها الصُّوفِيَّةُ في بابِ الرِّعايَةِ وقَسَّمُوها إلى رِعايَةِ الأعْمالِ والأحْوالِ والأوْقاتِ - ويَرْجِعُ ما قالُوهُ فِيها - عَلى ما قِيلَ - إلى حِفْظِها عَنْ إيقاعِ خَلَلٍ فِيها ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ﴾ أيْ نَصِيبَيْنِ نَصِيبًا مِن مَعارِفِ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ ونَصِيبًا مِن مَعارِفِ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ ﴿ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا ﴾ مِن نُورِ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ وهو عَلى ما قِيلَ: إشارَةٌ إلى البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، وقِيلَ: هَذا النُّورُ إشارَةٌ إلى نُورِ الكَشْفِ والمُشاهَدَةِ رَتَّبَ سُبْحانَهُ جَعْلَهُ لِلْمُؤْمِنِ عَلى تَقْواهُ وإيمانِهِ بِرَسُولِهِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو نُورُ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ السَّيْرِ في الحَضَراتِ الإلَهِيَّةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَمْشُونَ بِهِ ﴾ وفي بَعْضِ الآثارِ ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»» وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهَ ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ فَضْلُ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ نَسْألُهُ سُبْحانَهُ أنْ لا يَحْرِمَنا مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ ولُطْفِهِ العَمِيمِ وأنْ يُثَبِّتَنا عَلى مُتابَعَةِ حَبِيبِهِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ.

تَمَّ بِعَوْنِهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ الجُزْءُ السّابِعُ والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّامِنُ والعِشْرُونَ أوَّلُهُ سُورَةُ المُجادَلَة.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني: أطيعوه فيما يأمركم به، وفيما ينهاكم عنه، وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد  ، يعني: اثبتوا على الإسلام بعد نبيكم محمد  ويقال يا أيها الذين آمنوا بعيسى ابن مريم: آمنوا بالله ورسوله محمد  يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ يعني: أجرين من فضله، ويقال: لما نزلت في أهل مكة أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [القصص: 54] ، حزن المسلمون، فنزل فيهم يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وأصل الكِفْل النصيب، يعني: نصيبين من رحمته، أحدهما: بإيمانه بنبيه قبل خروج النبيّ  ، والآخرة الإيمان بمحمد  .

ثم قال عز وجل: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ يعني: يجعل لكم سبيلاً واضحاً تهتدون به، وَيَغْفِرْ لَكُمْ يعني: يغفر لكم ذنوبكم، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني: يغفر الذنوب للمؤمنين رَحِيمٌ بهم، لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ولا مؤكدة في الكلام، ومعناه لأن يعلموا أنهم لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء من فضل الله ورحمته، يعني: مؤمني أهل الكتاب، يعلمون أنهم لا يقدرون من فضل الله إلا برحمته لا برحمته، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يعني: الثواب من الله تعالى يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ من كان أهلا لذلك من العبادة وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: هو المعطي وهو المانع والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يلزمُه أَنْ يرعاه حَقَّ رعيه، وقال الضَّحَّاكُ وغيره «١» : الضمير للأخلاف الذي جاؤوا بعد المبتدعين لها، ورُوِّينَا في «كتاب الترمذيِّ» عن كثير بن عبد اللَّه المُزَنِيِّ، عن أبيه، عن جدّه: «أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لبِلال بن الحارث: اعْلَمْ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ:

اعْلَمْ يَا بِلاَلُ!

قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: أَنَّهُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي، فَإنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنِ ابتدع بِدْعَةَ ضَلاَلَةٍ، لاَ يَرْضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا- كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئاً» «٢» .

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، انتهى.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ قالت فرقة: الخطاب بهذه الآية لأهل الكتاب، ويؤيده الحديث الصحيح: «ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وَآمَنَ بي» الحديث «٣» ، وقال آخرون: الخطاب للمؤمنين من هذه الأمة، ومعنى آمِنُوا بِرَسُولِهِ أي: اثبتوا على ذلك ودوموا عليه، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ أي: نصيبين بالإضافة إلى ما كان الأمم قبل يعطونه، قال أبو موسى: كِفْلَيْنِ: ضعفين بلسان الحبشة، والنور هنا: إمَّا أَنْ يكونَ وعداً بالنور الذي/ يسعى بين الأيدي يومَ القيامة، وإمَّا أَنْ يكون استعارة للهُدَى الذي يمشي به في طاعة اللَّه.

وقوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ...

الآية: رُوِيَ أَنَّه لما نزل هذا الوعدُ المتقدم للمؤمنين، حسدهم أهلُ الكتاب على ذلك، وكانتِ اليهودُ تُعَظِّمُ دِينَهَا وأَنْفُسَهَا، وتزعم أَنَّهم أحِبَّاءُ اللَّه وأهلُ رضوانه، فنزلت هذه الآية مُعْلِمَةً أَنَّ اللَّه فعل ذلك، وأعلم به ليعلمَ أَهل الكتابِ أَنَّهم ليسوا كما يزعمون، و «لا» في قوله: لِئَلَّا زائدة، وقرأ ابن عباس والجَحْدَرِيُّ «٤» : «لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ» ، وروى إبراهيم

التيمي عن ابن عباس: «كَيْ يَعْلَمَ» وروي عن حِطَّانَ الرُّقَاشِيِّ أنه قرأ «١» : «لأَنْ يَعْلَمَ» .

وقوله تعالى: أَلَّا يَقْدِرُونَ معناه: أَنَّهم لا يملكون فضلَ اللَّه، ولا يدخل تحت قُدَرهم، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ ﴾ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الخِطابَ لِلْيَهُودِ والنَّصارى.

والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى اتَّقُوا اللَّهَ، وآمِنُوا بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ  "يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ" أيْ: نَصِيبَيْنِ، وحَظَّيْنِ "مِن رَحْمَتِهِ" قالَ الزَّجّاجُ: الكِفْلُ: كِساءٌ يَمْنَعُ الرّاكِبَ أنْ يَسْقُطَ، فالمَعْنى: يُؤْتِكم نَصِيبَيْنِ يَحْفَظانِكم مِن هَلَكَةِ المَعاصِي.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الكِفْلِ" في سُورَةِ [النِّساءِ: ٨٥] وفي المُرادِ بِالكِفْلِينَ ها هُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِإيمانِهِمْ بِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، والآخَرُ لِإيمانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أحَدَهُما: أجْرُ الدُّنْيا، والثّانِي: أجْرُ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلْ لَكم نُورًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: القُرْآنُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نُورًا تَمْشُونَ بِهِ عَلى الصِّراطِ.

رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الهُدى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: الإيمانُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ ﴾ "لا" زائِدَةٌ.

قالَهُ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَجْعَلُ "لا" صِلَةً في كُلِّ كَلامٍ دَخَلَ في آخِرِهِ أوْ أوَّلِهِ جَحْدٌ.

فَهَذا مِمّا جُعِلَ في آخِرِهِ جَحْدٌ.

والمَعْنى: لِيُعَلِّم أهْل الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﴿ ألا يَقْدِرُونَ ﴾ أيْ: أنَّهم لا يَقْدِرُونَ "عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ" والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ الأجْرَيْنِ لِمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ  لِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ أنَّهُ لا أجْرَ لَهم ولا نَصِيبَ في فَضْلِ اللَّهِ ﴿ وَأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ فَآتاهُ المُؤْمِنِينَ.

هَذا تَلْخِيصُ قَوْلِ الجُمْهُورِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ لَمّا نَزَلَ في مُسْلِمَةِ أهْلِ الكِتابِ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ  ﴾ افْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ بِزِيادَةِ الأجْرِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ، ويَكُونُ المَعْنى: يُؤْتِكم أجْرَيْنِ لِيَعْلَمَ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي خَصَّكُمْ، فَإنَّهُ فَضَّلَكم عَلى جَمِيعِ الخَلائِقِ.

وقالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ.

.

.

﴾ الآيَةُ.

حَسَدَ أهْلُ الكِتابِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ الآيَةُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللهِ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مِن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلَ العَظِيمِ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ هَذا الوَعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَسَدَ أهْلَ الكِتابِ عَلى ذَلِكَ، وكانَتِ اليَهُودُ تُعَظِّمُ دِينَها وأنْفُسَها، وتَزْعُمُ أنَّها أحِبّاءُ اللهِ وأهْلُ رِضْوانِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعَلِّمَةٌ أنَّ اللهَ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ وأعْلَمَ بِهِ، لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهم لَيْسُوا كَما يَزْعُمُونَ، و"لا" في قَوْلِهِ تَعالى: "لِئَلّا" زائِدَةٌ، كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ  ﴾ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَحْدَرِيُّ: "لِيَعْلَمَ"، ورَوى إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِكَيْلا يَعْلَمَ"، ورُوِيَ عن حِطّانِ الرُقاشِيِّ أنَّهُ قَرَأ: "لِأنْ يَعْلَمُ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: "لِكَيْ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ"، وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رَوى ابْنُ مُجاهِدٍ -: "لَيْلًا يَعْلَمُ" بِفَتْحِ اللامِ الأُولى وسُكُونِ الياءِ، فَأمّا فَتْحُ اللامِ فَلُغَةٌ في لامِ الجَرِّ مَشْهُورَةٌ، وأصْلُ هَذِهِ القِراءَةِ: "لِأنَّ لا"، اسْتُغْنِيَ عَنِ الهَمْزَةِ بِلامِ الجَرِّ فَحُذِفَتْ فَجاءَ "لَنْ لا"، أُدْغِمَتِ النُونُ في اللامِ لِلتَّشابُهِ فَجاءَ "لِلّا"، فاجْتَمَعَتْ أمْثِلَةٌ فَقُلِبَتِ اللامُ الواحِدَةُ ياءً.

وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رَوى مُطَرِّفُ -: "لَيْلًا" بِكَسْرِ اللامِ الأُولى وسُكُونِ الياءِ، وتَعْلِيلُها كالَّتِي تَقَدَّمَتْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لا يَمْلِكُونَ فَضْلَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولا يَدْخُلُ تَحْتَ قَدْرِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ألّا يَقْدِرُوا" بِغَيْرِ نُونٍ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الحَدِيدِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اسم ﴿ أهل الكتاب ﴾ لقب في القرآن لليهود والنصارى الذين لم يتديّنوا بالإِسلام لأن المراد بالكتاب التوراة والإِنجيل إذا أضيف إليه (أهل)، فلا يطلق على المسلمين: أهل الكتاب، وإن كان لهم كتاب، فمن صار مسلماً من اليهود والنصارى لا يوصف بأنه من أهل الكتاب في اصطلاح القرآن، ولذلك لما وصف عبد الله بن سلام في القرآن وصف بقوله: ﴿ ومن عنده علم الكتاب ﴾ [الرعد: 43] وقوله: ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ [الأحقاف: 10]، فلما كان المتحدث عنهم آنفاً صاروا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد انسلخ عنهم وصف أهل الكتاب، فبقي الوصف بذلك خاصاً باليهود والنصارى، فلما دعا الله الذين اتبعوا المسيح إلى الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم بمضاعفة ثواب ذلك الإِيمان، أعلمهم أن إيمانهم يُبطل ما ينتحلُه أتباع المسيحية بعد ذلك من الفضل والشرف لأنفسهم بدوامهم على متابعة عيسى عليه السلام فيغالطوا الناس بأنهم إن فاتهم فضل الإِسلام لم يفتهم شيء من الفضل باتباع عيسى مع كونهم لم يغيروا دينهم.

وقد أفاد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله ﴾ .

قال الفخر: قال الواحدي: هذه آية مشكلة وليس للمفسرين كلام واضح في اتصالها بما قبلها اه أي هل هي متصلة بقوله: ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ [الحديد: 28] الآية، أو متصلة ﴿ فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ﴾ إلى قوله: ﴿ والله ذو الفضل غفور رحيم ﴾ [الحديد: 27، 28].

يريد الواحدي أن اتصال الآية بما قبلها ينبني عليه معنى قوله تعالى: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله ﴾ .

فاللام في قوله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ﴾ يحتمل أن تكون تعليلية فيكون ما بعدها معلولاً بما قبلها، وعليه فحرف (لا) يجوز أن يكون زائداً للتأكيد والتقوية.

والمعلَّل هو ما يرجع إلى فضل الله لا محالة وذلك ما تضمنه قوله: ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم ﴾ أو قوله: ﴿ فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم إلى غفور رحيم ﴾ [الحديد: 27، 28].

وذهب جمهور المفسرين إلى جعل (لا) زائدة.

وأن المعنى على الإِثبات، أي لأن يعلم، وهو قول ابن عباس وقرأ ﴿ ليعلم ﴾ ، وقرأ أيضاً ﴿ لكي يعلم ﴾ (وقراءته تفسير).

وهذا قول الفرّاء والأخفش، ودرج عليه الزمخشري في «الكشاف» وابن عطية وابن هشام في «مغني اللبيب»، وهو بناء على أن (لا) قد تقع زائدة وهو ما أثبته الأخفش، ومنه قوله تعالى: ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني ﴾ [طه: 92، 93] وقوله: ﴿ ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ﴾ [الأعراف: 12] وقوله: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ [الواقعة: 75] ونحو ذلك وقوله: ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ﴾ [الأنبياء: 95] على أحد تأويلات، وروي أن العرب جعلتها حشواً في قول الشاعر أنشده أبو عمرو بن العلاء: أَبَى جُودُه لا البخلَ واستعجلت به «نعم» من فتى لا يمنع الجود قائلُه في رواية بنصب (البخل)، البخل وأن العرب فسروا البيتَ بمعنى أبَى جودُه البخلَ.

والمعنى: على هذا الوجه أن المعلَّل هو تبليغ هذا الخبر إلى أهل الكتاب ليعلموا أن فضل الله أُعطيَ غيرهم فلا يتبجحوا بأنهم على فضل لا ينقص عن فضل غيرهم إذا كان لغيرهم فضل وهو الموافق لتفسير مجاهد وقتادة.

وعندي: أنه لا يعطي معنى لأن إخبار القرآن بأن للمسلمين أجرين لا يصدِّق به أهل الكتاب فلا يستقر به علمهم بأنهم لا فضل لهم فكيف يعلل إخبار الله به بأنه يُزيل علم أهل الكتاب بفضل أنفسهم فيعلمون أنهم لا فضل لهم.

وذهب أبو مسلم الأصفهاني وتبعه جماعة إلى أن (لا) نافية، وقرره الفخر بأن ضمير ﴿ يقدرون ﴾ عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به (أي على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وأصله أن لا تقدروا) وإذا انتفى علم أهل الكتاب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين لا يقدرون على شيء من فضل الله ثبت ضد ذلك في علمهم أي كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين يقدرون على فضل الله، ويكون ﴿ يقدرون ﴾ مستعاراً لمعنى: ينالون، وأن الفضل بيد الله، فهو الذي فضلهم، ويكون ذلك كناية عن انتفاء الفضل عن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ويرد على هذا التفسير ما ورد على الذي قبله لأن علم أهل الكتاب لا يحصل بإخبار القرآن لأنهم يكذبون به.

وأنا أرى أن دعوى زيادة (لا) لا داعي إليها، وأن بقاءها على أصل معناها وهو النفي متعينّ، وتجعل اللام للعاقبة، أي أعطيناكم هذا الفضل وحرم منه أهل الكتاب، فبقي أهل الكتاب في جهلهم وغرورهم بأن لهم الفضل المستمر ولا يحصل لهم علم بانتفاء أن يكونوا يملكون فضل الله ولا أن الله قد أعطى الفضل قوماً آخرين وحَرمَهَم إيّاه فينسون أن الفضل بيد الله، وليس أحد يستحقه بالذات.

وبهذا الغرور استمروا على التمسك بدينهم القديم، ومعلوم أن لام العاقبة أصلها التعليل المجازي كما علمته في تفسير قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ في سورة [القصص: 8].

وقوله: ﴿ أهل الكتاب ﴾ يجوز أن يكون صادقاً على اليهود خاصة إن جعل التعليل تعليلاً لمجموع قوله: ﴿ فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ﴾ [الحديد: 27] وقوله: ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ [الحديد: 28].

ويجوز أن يكون صادقاً على اليهود والنصارى إن جعل لام التعليل علة لقوله: ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ .

و (أن) من قوله: ﴿ أن لا يقدرون ﴾ مخفّفة من (أنَّ) واسمها ضمير شأن محذوف.

والمعنى: لا تكترثوا بعدم علم أهل الكتاب بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وبأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، أي لا تكترثوا بجهلهم المركب في استمرارهم على الاغترار بأن لهم منزلة عند الله تعالى فإن الله عالم بذلك وهو خلقهم فهم لا يقلعون عنه، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ في سورة [البقرة: 7].

وجملة والله ذو الفضل العظيم} تذييل يعمّ الفضلَ الذي آتاه الله أهل الكتاب المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيرَه من الفضل.

الجزء الثامن والعشرون

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ ﴾ مَعْناهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ.

﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ أحَدَ الأجْرَيْنِ لِإيمانِهِمْ بِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، والآخَرُ لِإيمانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ أحَدَهُما أجْرُ الدُّنْيا، والآخَرَ أجْرُ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ أحَدَهُما أجْرُ اجْتِنابِ المَعاصِي، والثّانِي أجْرَ فِعْلِ الطّاعاتِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ أحَدَهُما أجْرُ القِيامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ والثّانِي أجْرُ القِيامِ بِحُقُوقِ العِبادِ.

﴿ وَيَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الهُدى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الدِّينُ المَتْبُوعُ في مَصالِحِ الدُّنْيا وثَوابُ الآخِرَةِ.

وَقَدْ رَوى أبُو بُرَيْدَةَ بْنُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  « (ثَلاثَةٌ يُؤَتْوَنُ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ: رَجَلٌ آمَنَ بِالكِتابِ الأوَّلِ والكِتابِ الآخِرِ، ورَجُلٌ كانَتْ لَهُ أمَةٌ فَأدَّبَها وأحْسَنَ تَأْدِيبِها ثُمَّ أعْتَقَها فَتَزَوَّجَها، وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أحْسَنَ عِبادَةِ رَبِّهِ ونَصَحَ لِسَيِّدِهِ)» .

﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ وأنَّ (لا) صِلَةٌ زائِدَةٌ وقالَ الفَرّاءُ: لِأنْ لا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ و (لا) صِلَةٌ زائِدَةٌ في كَلامٍ دَخَلَ عَلَيْهِ جَحْدٌ.

﴿ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن دِينِ اللَّهِ وهو الإسْلامُ قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: مِن رِزْقِ اللَّهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَفِيهِ ثالِثٌ: أنَّ الفَضْلَ نِعَمُ اللَّهِ الَّتِي لا تُحْصى.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا معه أحداً فكانت فيهم جراحات ولم يقتل منهم أحد، فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا يا رسول الله: إنا أهل ميسرة فائذن لنا نجيء بأموالنا نواسي بها المسلمين فأنزل الله فيهم ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ فجعل لهم أجرين، قال: ﴿ ويدرءون بالحسنة السيئة ﴾ قال: أي النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا معاشر المسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم ﴾ فزادهم النور والمغفرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لنا أجران ولكم أجر، فاشتد ذلك على الصحابة فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب وسوى بينهم في الأجر.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ قال: أجرين ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ قال: القرآن.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ قال: ضعفين ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ قال: هدى.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ كفلين ﴾ قال: أجرين.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كفلين ﴾ قال: حظين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كفلين ﴾ قال: ضعفين.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي موسى في قوله: ﴿ كفلين ﴾ قال: ضعفين، وهي بلسان الحبشة.

وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله: ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ قال: الكفل ثلاثمائة جزء وخمسون جزءاً من رحمة الله.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي قلابة في قوله: ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ قال: الكفل ثلاثمائة جزء من الرحمة.

وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ قال: القرآن.

وأخرج عبد بن حميد عن يزيد بن حازم قال: سمعت عكرمة وعبد الله بن أبي سلمة رضي الله عنهما قرأ أحدهما ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ﴾ وقرأ الآخر ﴿ ليعلم أهل الكتاب ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قسم العمل وقسم الأجر، وفي لفظ: وقسم الأجل، فقيل لليهود: اعملوا فعملوا إلى نصف النهار، فقيل: لكم قيراط، وقيل للنصارى: اعملوا فعملوا من نصف النهار إلى العصر، فقيل: لكم قيراط، وقيل للمسلمين: اعملوا فعملوا من العصر إلى غروب الشمس فقيل: لكم قيراطان، فتكلمت اليهود والنصارى في ذلك، فقالت اليهود: أنعمل إلى نصف النهار فيكون لنا قيراط؟

وقالت النصارى: أنعمل من نصف النهار إلى العصر فيكون لنا قيراط؟

ويعمل هؤلاء من العصر إلىغروب الشمس فيكون لهم قيراطان؟

فأنزل الله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل اللهْ ﴾ إلى آخر الآية ثم قال: إن مثلكم فيما قبلكم من الأمم كما بين العصر إلى غروب الشمس» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ الآية حسدهم أهل الكتاب عليها فأنزل الله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبي فيقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا فأنزل الله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ﴾ الآية يعني بالفضل النبوة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ كي لا يعلم أهل الكتاب ﴾ والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ولما نزل هذا وآمن من آمن منهم حسدهم الذين لم يؤمنوا فأنزل الله تعالى، قوله تعالى: ﴿ لِئَلَّا يَعْلَمَ ﴾ أي لأن يعلم ولا صلة في قول الجميع (١) ﴿ أَهْلُ الْكِتَابِ ﴾ يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد -  - وحسدوا المؤمنين منهم ﴿ أَلَّا يَقْدِرُونَ ﴾ يعني أنهم لا يقدرون ﴿ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ والمعنى: جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد -  - ليعلم الذين لم يؤمنوا منهم أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله ﴿ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ فآت المؤمنين منهم أجرين.

قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ يتفضل على من يشاء من عباده المؤمنين، وهذا الذي ذكرنا معنى قول قتادة (٢) وهذه آية مشكلة، وليس للمفسرين ولا لأهل المعاني فيها بيان ينتهى إليه ويلفق (٣) (٤) (١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش، 2/ 470، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 137، و"مجاز القرآن" 2/ 254.

(٢) انظر: "تفسر عبد الرزاق" 2/ 376، و"جامع البيان" 27/ 143، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 370، و"معالم التنزيل" 4/ 203.

(٣) التلفيق بين شيئين: ضم أحدهما إلى الآخر، ويقال للرجلين لا يفترقان هما لَفقَان "اللسان" 3/ 382 (لفق).

(٤) وهو اختيار ابن جرير وابن كثير.

انظر: "جامع البيان" 27/ 142، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 317.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ ﴾ إن قيل: كيف خاطب الذين أمنوا وأمرهم بالإيمان وتحصيل الحاصل لا ينبغي؟

فالجواب من وجهين: أحدهما أن معنى آمنوا دوموا على الإيمان وأثبتوا عليه، والآخر أنه خطاب لأهل الكتاب فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيد هذا قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ أي نصيبين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي» الحديث ﴿ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾ يحتمل أن يريد النور الذي يسعى بين أيدي المؤمنين يوم القيامة، أو يكون عبارة عن الهدى ويؤيد الأول أنه مذكور في هذه السورة، ويؤيد الثاني قوله: وجعلنا له نوراً يشمي به في الناس ﴿ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّن فَضْلِ الله ﴾ لا في قوله: لئلا زائدة، والمعنى: ليعلم أهل الكتاب وكذلك قرأها ابن عباس وقرأ ابن مسعود لكيلا يعلم، والمعن: إن كان الخطاب لأهل الكتاب: يا أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ليلعم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا أن لا يقدروا على شيء من فضل الله الذي وعد من آمن منكم، وهو تضعيف الأجر والنور والمغفرة، لأنهم لم يسلموا، فلم ينالوا شيئاً، من ذلك، وإن كان الخطاب للمسلمين، فالمعنى: ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا أنهم لا يقدرون أن ينالوا شيئاً ممن أعطى الله المسلمين من تضعيف الأجر والنور والمغفرة، وقد روي في سبب نزول الآية: أن اليهود افتخرت على المسلمين فنزلت الآية في الرد عليهم، وهو يقوي هذا القول، وروي أيضاً أن سببها أن الذين أسلموا من أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المسلمين بأنهم يؤتيهم الله أجرهم مرتين فنزلت الآية معلمة أن المسلمين مثلهم في ذلك.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أخذ ﴾ مجهولاً ﴿ ميثاقكم ﴾ بالرفع: أبو عمرو ﴿ وكل ﴾ بالرفع: ابن عامر ﴿ انظرونا ﴾ من الأنظار: حمزة ﴿ الأماني ﴾ بسكون الياء: يزيد ﴿ لا تؤخذ ﴾ بالتأنيث: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وما نزل ﴾ بالتشديد مجهولاً: عباس ﴿ نزل ﴾ بالتخفيف من النزول: نافع وحفص.

الباقون: بالتشديد ﴿ ولا تكونوا ﴾ على الخطاب: رويس ﴿ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد ﴿ بما أتاكم ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو عمرو ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ بغير الفصل: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

الوقوف: ﴿ الأرض ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال أن يكون قوله ﴿ يحيى ﴾ مستأنفاً لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالاً من المجرور في قوله ﴿ له ﴾ والجار عاملاً فيها.

﴿ ويميت ﴾ ج ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والباطن ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ كنتم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ في الليل ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ وقاتل ﴾ ط ﴿ وقاتلوا ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله ﴿ وله أجر ﴾ أو بقوله ﴿ بشراكم ﴾ أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول "اذكر" ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج وإن وصل وقف على ﴿ نوركم ﴾ لأن ﴿ يوم ﴾ قد يتعلق بالنور فيوقف على ﴿ نوركم ﴾ وقد يتعلق بقوله ﴿ قيل ارجعوا ﴾ ﴿ نوراً ﴾ ط ﴿ باب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ على النهي ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الصديقون ﴾ ه والوصل أولى ومن وقف على ﴿ الصديقين ﴾ لم يقف على ﴿ ربهم ﴾ ﴿ ونورهم ﴾ ط ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ والأولاد ﴾ ط ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ ورضوان ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ نبرأها ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف أي ذلك لكيلا ﴿ أتاكم ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالبخل ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ط ه للعطف ظاهراً مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ مهتد ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن الأولى للبعض القليل والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط لأن ما بعدها منصوب بابتدعوا المقدر ﴿ رعايتها ﴾ ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن قوله ﴿ فآتينا ﴾ ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان الفرقة بين الفريقين فيرجع إلى قوله ﴿ فمنهم مهتد ﴾ ﴿ أجرهم ﴾ ه ط لما مر ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا وقد يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه التفسير: معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو ﴿ سبحان ﴾ وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي.

وفي الجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعاباً للأقسام وذلك دليل على أن التسبيح لله  مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد.

وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين ههنا على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه.

قال: هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة فلأنه لو كان كذلك لوجدا معاً كما أن العلة والمعلول يوجدان معاً وكذا الواحد والاثنان.

وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في الزمان وإلا تسلسل.

قلت: لم لا يجوز أن يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلاً غير قار الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضاً لا تنتهي النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال.

وقال: إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه  قبل كل شيء والبرهان أيضاً يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً.

والمعي لا يكون قبل لا بالحاجة لأنهما قد يكونان معاً كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة ههنا ولا بالمكان وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان يجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب  على ما عداه خارج عن هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو.

قلت: إنه  متقدم على ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة.

أما بالتأثيبر فظاهر قوله والمضافان معاً.

قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور، وإن أردت مطلقاً فممنوع.

وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل الأماكن ومعها لقوله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ } [البقرة: 115] وقد جاء في الحديث " " لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله" ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وههنا سر لعلنا قد رمزنا إليه في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلاً له.

وأما بالزمان فأظهر قوله والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان: قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب  ، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادىء الوهمية تتغير بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادىء المفروضة.

قال: أما البحث عن كونه  آخراً بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخراً وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه  يوصل الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلاً في أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهنم أنه  إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار أولاً.

فإن كان عالماً لزم تناهيه فإن الأحاطة بما لا يتناهى مستحيلة.

إن لم يعلم لزم نسبة الجهل إليه  وذلك محال.

وأيضاً الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه.

وأجاب عن الأول بأن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير.

قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلاً إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه.

قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون معلومه متناهياً، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته غير متناهية.

وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أحداً يكون متناهياً.

قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين مراراً غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في أبدية الجنة والنار على إجماع المسلمين.

واختلفوا في معنى كونه  آخراً على وجوه أحدها: أنه  يفني جميع العالم ليتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداَ.

قلت: هذا حقيق بأن لا يسمى آخرية بل يسمى توسطاً.

وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به فلا جرم وصف بكونه آخراً.

أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما النزاع في معنى قوله آخراً.

وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة.

قلت: أراد أنه غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى الأول كل المطابقة.

ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب.

قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى المترتبة من الأشرف إلى الأخس.

وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو  أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه  ، وهذا من غوامض الاسرار وقد وفقني الله  لحلها وبيانها فالشكر على آلائه.

أما تفسير الظاهر والباطن فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده.

والباطن لأنه جل عن إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعاً.

وقيل: معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي.

قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر أي أخبر به.

وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا قوله ﴿ يعلم ما يلج ﴾ فإنه قد مر في أول "سبأ" فقط فلا حاجة إلى الإعادة.

وقوله ﴿ وهو معكم ﴾ معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله ﴿ يحي ويميت ﴾ والثاني في العقبى لقوله ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ قوله ﴿ مستخلفين فيه ﴾ أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله  لرعاية حق الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد السببين.

قوله ﴿ لا تؤمنون ﴾ حال من معنى الفعل كقولك "مالك قائماً" أي ما تصنع.

والواو في قوله ﴿ والرسول ﴾ للحال من ضمير ﴿ لا تؤمنون ﴾ فهما حالان متداخلتان.

وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ ، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل لتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما فيه.

استدل القاضي بقوله ﴿ وما لكم ﴾ على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل لافعل وإلا لم يصح التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض.

والبحث في أمثاله مذكور في مواضع.

والضمير في قوله ﴿ ليخرجكم ﴾ لله  أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه بعد فناء الخلق وقد مر في "آل عمران": قال المفسرون: إن أبا بكر أول من أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ﴾ أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله ﴿ أولئك ﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم الذين قال فيهم رسول الله  " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" " ﴿ أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمسّ مع أنه كان أصدق إنباء عن ثقة صاحبه بهذا الدين ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات.

ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز عن إنفاق المال في سبيل الله.

وقد مر في أواخر "البقرة".

قال أهل السنة: إنه  كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدرعنه الفعل الفلاني فله كذا من الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة.

وقال الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة.

وإنما وصف الأجر بالكريم لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريماً من هذا الوجه.

ثم أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال ﴿ يوم ترى ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه.

عن ابن مسعود وقتادة مرفوعاً أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك.

هذا وقد بينا لك في هذا الكتاب مراراً أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله  .

وإنما قال ﴿ بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم.

ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيباً لهم ومتقدماً ويقول لهم الذي يتلقونهم من الملائكة ﴿ بشراكم اليوم جنات ﴾ قوله ﴿ يوم يقول ﴾ بدل من قوله ﴿ يوم ترى ﴾ ومنصوب بـ "أذكر" مقدراً.

قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه  يعطي المؤمنين هذه الأنوار والمنافقون يطلبونها منهم قائلين ﴿ انظرونا ﴾ لأنهم إذا نظروا إليهم والنور قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار.

قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل وأنشد أبو الحسن: ظاهرات الجمال والحسن ينظرن *** كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل.

ومن قرأ ﴿ انظرونا ﴾ أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إمهالاً لهم.

قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله.

ثم إنه يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء.

ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفىء نور المنافقين فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ والاقتباس أخذ القبس أي الشعلة من النار ﴿ قيل ارجعوا وراءكم ﴾ أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فاطلبوا نوراً وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا ﴿ فالتمسوا نوراً ﴾ بتحصيل سببه وهو الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها خدعة خدع بها المنافقون كقوله ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو الأعراف ﴿ باطنه ﴾ أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة ﴿ فيه الرحمة وظاهره ﴾ وهو ما ظهر لأهل النار ﴿ من قبله ﴾ أي من جهته ﴿ العذاب ﴾ قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين ﴿ ارجعوا ﴾ منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه "وراءك أوسع لك "والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله ﴿ بسور ﴾ صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله ﴿ ألم نكن معكم ﴾ مرافقتهم في الظاهر.

ومعنى ﴿ فتنتم ﴾ محنتم ﴿ أنفسكم ﴾ بالنفاق وأهلكتموها ﴿ وتربصتم ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿ وارتبتم ﴾ وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد  أو في البعث أو في كل ما هو من عند الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ بكثرة الآمال وطول الآجال ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار ﴿ وغرّكم بالله ﴾ الشيطان ﴿ الغرور ﴾ فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ فدية ﴾ قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ في الظاهر.

فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن كلا منكم ﴿ مأواكم النار هي مولاكم ﴾ وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم.

قال جار الله حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل "إنه لكريم".

قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي  بقوله  " من كنت مولاه فعلى مولاه" " فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة تفسير الآية أن المولى معناه الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً.

قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيراً بحسب اللغة سقط الاستدلال.

قلت: في هذا الإسقاط بحث لا يخفى.

وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأساً كقوله  ﴿ يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء.

قوله  ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي وقته.

قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع.

وقال آخرون: نزل في المؤمنين المحقين.

روى الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية فغيروا بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية.

وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.

وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين.

وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث عشرة.

وقوله ﴿ لذكر الله ﴾ من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن ﴿ وما نزل من الحق ﴾ وأراد أن القرآن جامع للوصفين الذكر والموعظة ولكونه حقاً نازلاً من السماء.

ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة.

ومن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ بالتاء الفوقانية فهي الناهية.

ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوباً عطفاً على أن تخشع والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع.

وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي  ، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرىء الأمد بالتشديد أي الوقت الأطول ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر.

قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق.

قوله ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض ﴾ فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه يذكر القيامة وبعث الأموات.

ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله ﴿ إن المصدقين ﴾ وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ لأن الألف واللام بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا.

والظاهر أن الأول هو الواجب الثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك.

وأيضاً ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبىء عن الالتزام والوجوب.

ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضاً عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه.

وقال ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، أوهم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثيرر والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسوله رسوله.

ثم حث على الجهاد بقوله ﴿ والشهداء ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ عند ربهم ﴾ وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ ويجوز أن يكون قوله ﴿ عند ربهم ﴾ حالاً أو صفة للشهداء كقوله "مررت على اللئيم يسبني" وما بعده خبر.

وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ومن جعل ﴿ الشهداء ﴾ عطفاً على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله.

قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد.

وقال جار الله: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك.

وقيل: أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده.

وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه.

وعن الأصم.

إن المؤمن قائم لله  بالشهادة فيما تعبدهم به من الإيمان والطاعة.

ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه.

ومعنى إعجاب الكفار أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في "الكهف" وفي "سبأ " وبأصحاب الجنة في "نون".

ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاماً هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس.

ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير في قوله ﴿ وفي الآخرة عذاب شديد ﴾ للكافرين ﴿ ومغفرة من الله ورضوان ﴾ للمؤمنين قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة.

فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

ثم حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في "آل عمران" إلا أن البشارة ههنا أعم لأنه قال هناك ﴿ أعدت للمتقين الذين ينفقون  ﴾ إلأى آخره.

وههنا قال ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ ولأن هؤلاء أدون حالاً من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال ﴿ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ﴾ فلم يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالاً من المشبه به.

وفي لفظ ﴿ سابقوا ﴾ ههنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ ﴿ سارعوا ﴾ هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في القرب أومتقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة ﴾ أي لا يوجد مصيبة ﴿ في الأرض ﴾ من القحط والوباء والبلاء ﴿ ولا في أنفسكم ﴾ من المرض والفتن ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا قال " جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين " ولم يقل إلى الأبد.

وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل البرهان: فصل في هذه السورة وأجمل في "التغابن" فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله  ﴾ والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا والآخرة بقوله ﴿ اعلموا إنما الحياة الدنيا ﴾ إلى آخره قوله ﴿ من قبل أن نبرأها ﴾ من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات ﴿ إن ذلك ﴾ الإثبات أو الحفظ ﴿ على الله يسير ﴾ وإن كان عسيراً على غيره.

ثم بين وجه الحكمة في ذلك الإثبات قائلاً ﴿ لكيلا تأسوا ﴾ أي لكيلا تحزنوا ﴿ على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ نظيره ما ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا يشتد به فرحه.

روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر.

والباقي ظاهر وقد مر في النساء.

والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغياً لحبه المال ليفتخر به ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي ﴿ ومن يتول ﴾ عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ عن طاعة المطيعين ﴿ الحميد ﴾ في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

وقيل: إن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد  وبخلوا ببيان نعته.

ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال الكتاب والميزان معهم.

يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به.

وروي عن النبي  أن الله  أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض.

أنزل الحديد والنار والماء والملح.

وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وقال قطرب: هو من النزل يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً منهم من قال: هو من باب "علفتها تبناً وماء بارداً".

وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه.

أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

والثاني لا يتم بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزاً.

وإما أن يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق بالوقة النظرية الروحاينة، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق.

وثانيها المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف.

وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بدّ لهم من السيوف الزواجر.

واربعها أن الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة المقربين لا يسكن إلا بكتاب الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ أو هو في مقام الطريقة وهو النفس اللوامة.

وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة.

وخامسها السالك إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا بد له من الحديد.

وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة.

أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوّم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف.

وسابعها الكتاب للعلماء.

والميزان للعوام والسيف للملوك.

قال أهل التجارب: في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها.

أو ما يعمل بالحديد بيانه أن أصول الصناعة أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة.

أما الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها.

ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضاً في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل.

قال بعضهم: سبحان من خص الفلز بعزه *** والناس مستغنون عن أجناسه وأذ أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس فمحتاج إلى أنفاسه نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلاً لأن الحاجة إلى النفس أمس.

قال بعض المحققين ههنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم لا يقع في عرضة البيع وكثيراً ما يعطى الأجر على تعلمه قوله ﴿ وليعلم الله ﴾ ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها.

ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفاً بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفاً من أن يجعل وليعلم الله ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ غائباً عنهم.

قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خالياً من النفاق والرياء وفي قوله ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء.

وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي.

عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في ﴿ فمنهم ﴾ للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال.

والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله  في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد  ﴿ رحماء بينهم  ﴾ قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على ﴿ جعلنا ﴾ لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولاً لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.

قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل.

مجعولاً لله  ؟

قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفاً ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي  قال "يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى  وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ﴾ " الآية قال العلماء: لم يرد الله  بقوله ﴿ ابتدعوها ﴾ طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها.

والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضاً وهو الخائف "فعلان" من رهب كخشيان من خشي.

وقرىء بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب.

وقوله ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم اتبدعوها طلب رضوان الله.

وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندباً إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج.

وفي قوله ﴿ فما رعوها حق رعايتها ﴾ أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا إناساً منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمداً  فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلماً إلى المنافع الدنيوية.

وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولاً عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فما رعوها إلا قليلاً منهم آمنوا بمحمد  بعد أن استقاموا على الطريقة.

ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون.

ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أي بعيسى ﴿ اتقوا الله وآمنوا برسوله ﴾ محمد  ﴿ يؤتكم كفلين ﴾ نصيبين ﴿ من رحمته ﴾ لإيمانكم أولاً بعيسى وثانياً بمحمد  ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ وهو النور المذكور في قوله ﴿ يسعى نورهم ﴾ أو النور المذكور في قوله ﴿ أو من كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس  ﴾ ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد  والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله  يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين  ﴾ وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفاً، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءاً من عشرة.

ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية.

قوله ﴿ لئلا يعلم ﴾ الآية.

أكثر المفسرين والنحويين على أن "لا" زائدة والمعنى ليعلم ﴿ أهل الكتاب ﴾ الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين.

والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد  فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين ﴿ وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ وقيل: غير زائدة والضمير في ﴿ لا يقدرون ﴾ للرسول وأصحابه.

والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي  والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمداً  ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ ﴾ يقول بعض أهل التأويل: يأيها الذين آمنوا بعيسى بن مريم آمنوا بمحمد  .

ولكن هذا ضعيف؛ لأن الإيمان برسول من الرسل إيمان بجميع الرسل عليهم السلام.

وتأويل الآية: يأيها الذين آمنوا بالرسل جملة على غير الإشارة والتفسير، آمنوا برسول الله محمد  على الإشارة به؛ لأن الإيمان بالرسل على غير الإشارة أمر سهل وإنما يصعب الإيمان به ويشتد بالإشارة إلى واحد؛ لأنه لما آمن بالمشار إليه، لزمه اتباع أمره، ونهيه، ولزمه موالاة من والاه واتبعه، ويلزمه معاداة من عاداه وخالفه في أمره ونهيه وترك اتباعه، وإن كان له أبناء وآباء، وذو إحسان، يجب أن يكن أحب الناس إليه وأقرب وأبر، فهذه معاملة الرسول الذي آمن به على الإشارة إليه وأنها تشتد في الطلب.

وأما عند الإجمال والإرسال فأمر سهل إنما فيه تصديق كل صادق وتكذيب كل كاذب، وكل النسا قد اعتقدوا أصل تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، وليس في الإجمال الإرسال، إلا ذلك، وأما عند التعيين يوجد الامتحان، وبه يظهر نفاق المنافقين وتحقيق المؤمنين المحققين، وذلك قوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ  وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ  ﴾ ، ظهر نفاقهم بما أمروا بالجهاد والخروج معه على الإشارة، وكقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ  فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ  ﴾ ، وقد وعدوا في الجملة أن لو أعطاهم كذا من فضله لنصدقن، فلما أوتوا ذلك وأمروا بإخراجه أبوا إخراج ذلك عند الإشارة إليه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تأويله: يأيها الذين آمنوا بالرسل جملة، آمنوا بهذا الرسول المشار إليه؛ لما يصعب الأمر، ولما يلزم في ذلك معاداة من خالفه وترك اتباعه وإن كان أقرب الخلائق إليه، وكذلك عامل أصحاب رسول الله  أقاربهم وأرحامهم لما آمنوا برسول الله  وصار عندهم رسول الله صلى الله لعيه وسلم أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأولادههم، وعادوا جميع أقاربهم الذين خالفة رسول الله  ، وتركوا اتباعه، وفي ذلك آية عظيمة؛ ولذلك فضل إيمان من آمن في أول خروجه عن إيمان من تأخر منهم عن ذلك الوقت، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ : قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ ﴾ أي: يوجب لكم ﴿ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ أي: أجرين: أجر الإيمان بالرسل كلهم على الإجمال، وأجر الإيمان بالرسل على الإشارة والتفصيل؛ ذكر هاهنا ﴿ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ  ﴾ يحتمل قوله: ﴿ كِفْلَيْنِ ﴾ : مرتين وقوله: ﴿ مَّرَّتَيْنِ  ﴾ : كفلين؛ فيكون أحدهما تفسيراً للآخر.

ثم ذكر هاهنا الأجر لهم من رحمته، وذكر هنالك الأجر مطلقا؛ ليعلم أن ما ذكر لأعمالهم من الأجر إنما من رحمته، وذكر هناك الأجر مطلقا؛ ليعلم أن ما ذكر لأعمالهم من الأجر إنما هو فضل منه ورحمة لا استحقاق على ما ذكرنا، والله الموفق.

ثم يحتمل ما ذكر من الأجر مرتين يكون مرة في الدنيا، والأخرى في الآخرة كقوله  : ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ الآية [النحل: 30]، وقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً  ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ما ذكر من الأجر مرتين يكون وعدا في الآخرة، ويكون قوله: ﴿ مَّرَّتَيْنِ ﴾ أي: كفلين، أي: ضعفين، كقوله: ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ  ﴾ .

ثم قولهخ: ﴿ كِفْلَيْنِ ﴾ قال أكثر أهل التأويل: أي: أجرين.

وقال بعضهم: حفظين، ونصيبين.

وجائز أن يكون سماه: كفلا؛ لأنه كلفه؛ ألا ترى أن ذا الكفل ذكر إنما سمي به؛ لأنه كان يكفل لفلان، فعلى ذلك جائز تسميته هذا كفلا؛ لأنه يكفل به ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: النور كناية عما يبصر به ويتضح، والمشي كناية عن الأمور، يقول - والله أعلم -: يجعل ما تبصرون به السبيل، ويتضح لكم الأمور، ويزول عنكم الشبه؛ فيكون المشي كناية عن الأمور، والنور كناية عن البصر، والله أعلم، وهو كقوله  : ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ  ﴾ أي: لا سواء، وهو كناية عما ذكرنا ليس بتصريح.

والثاني: على حقيقة إرادة المشي، وحقيقة النور، وذلك يكون في الآخرة، كقوله: ﴿ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا...

﴾ الآية [التحريم: 8].

وقال أهل التأويل: النور هاهنا القرآن، أي: أعطاكم قرآنا يفضي بكم إلى سبيل الخير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ الغفران من الستر، كأنه يقول: يستر عليكم مساويكم بينكم؛ لأن ذكر المساوي ينقصهم النعم، ويحملهم على الحياء من ربهم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، أي: يرحمهم، ويخلدهم في جنته.

وقوله: ﴿ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ أجمع أهل التأويل واللغة أن حرف "لا" زيادة هاهنا وصلة، أي: ليعلم أهل الكتاب، وقد يزاد في الكلام حرف "لا" ويسقط بحق الصلة، يعرف ذلك أهل الحكمة والفقه؛ كقوله  : ﴿ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ  ﴾ ليس يبين لنا أن نضل، ولكن يبين لنا لنعلم ونهتدي، فعرف الحكماء الفقهاء أن كلمة "لا" أسقطت هاهنا؛ فعلى ذلك عرفوا أن حرف "لا" هاهنا في قوله: ﴿ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ زيادة، معناه: ليعلم أهل الكتاب: أن لا يقدرون على شيء من فضل الله.

ثم لا يحتمل أن يكون ذكر قوله: ﴿ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ على غير تقدم قول كان منهم حتى خرج هذا جوابا لهم عن ذلك؛ ولكن يذكر شيئا يشبه أن يكون الذي ذكر هو جواب ذلك الذي كان منهم، وهو أنهم كانوا أهل كتاب وأهل علم بالكتاب، يرون لأنفسهم فضلا على غيرهم وخصوصية ليست لغيرهم عندههم، فلما بعث الله  محمدا  رسولا إليهم وإلى الناس كافة، وأنزل عليه كتابا، وهو أمين عندهم، وذكر في كتابه ما كان في كتبهم، وأمرهم باتباعه والانقياد له والطاعة، وأحوجهم جميعا إليه وإلى ما في كتابه، أنكروا فضل الله عليه وإحسانه إليه، فعند ذلك قال: ﴿ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، أي: يفضل من شاء على من يشاء، ليس ذلك إليهم.

ثم [في] قوله  : ﴿ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة في أن الله  قد أعطى كل شيء ما يقدر على الوصول إلى جميع فضائله وإحسانه، وقد أخبر ﴿ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ ، والمعتزلة يقولون، بل يقدرون فهذا خلاف لظاهر الآية، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ - أيضا - دلالة نقض قول المعتزلة من جهة أخرى، وهو أنه ذكر المشيئة فيما هو حقه فضل وما هو حقه عدل، حيث قال: ﴿ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، ولم يذكر المشيئة فيما هو حقه عدل، وما هو ظلم وجور، بل أطلق القول في ذلك، فقال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ  ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات نفى أن يلحق أحدا منه الظلم والجور؛ ليعلم أن فعل الهدى منه يصل إلى من هداه وأرشده، والإضلال منه عدل، وكذلك قال: ﴿ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ ، أي: من نال الهدى والرشد إنما ناله بفضله ورحمته، ومن ضل فذلك عدل منه؛ ولذلك قال: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ  ﴾ والله الهادي.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقد بيّنا لكم فضلنا العظيم بما أعددناه لكم -أيها المؤمنون- من الثواب المضاعف؛ ليعلم أهل الكتاب السابقون من يهود ونصارى أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله بحيث يمنحونه مَنْ يشاؤون، ويمنعونه مَنْ يشاؤون، وليعلموا أن الفضل بيد الله سبحانه يعطيه من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم الذي يختص به من يشاء من عباده.

من فوائد الآيات الحق لا بد له من قوة تحميه وتنشره.

بيان مكانة العدل في الشرائع السماوية.

صلة النسب بأهل الإيمان والصلاح لا تُغْنِي شيئًا عن الإنسان ما لم يكن هو مؤمنًا.

بيان تحريم الابتداع في الدين.

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله