الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ٦ من سورة الحديد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 40 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦ من سورة الحديد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قوله : ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) أي : هو المتصرف في الخلق ، يقلب الليل والنهار ويقدرهما بحكمته كما يشاء ، فتارة يطول الليل ، ويقصر النهار ، وتارة بالعكس ، وتارة يتركهما معتدلين .
وتارة يكون الفصل شتاء ، ثم ربيعا ، ثم قيظا ، ثم خريفا ، وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه ، ( وهو عليم بذات الصدور ) أي : يعلم السرائر وإن دقت ، وإن خفيت .
وقوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ )، يعني بقوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ) يدخل ما نقص من ساعات الليل في النهار، فيجعله زيادة في ساعاته، (وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) يقول: ويدخل ما نقص من ساعات النهار في الليل، فيجعله زيادة في ساعات الليل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
وقد ذكرنا الرواية بما قالوا فيما مضى من كتابنا هذا، غير أنا نذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر هنالك إن شاء الله تعالى .
حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرِمة، في قوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) قال: قصر هذا في طول هذا، وطول هذا في قصر هذا.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) قال: دخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) قال: قصر أيام الشتاء في طول ليله، وقصر ليل الصيف في طول نهاره.
وقوله: (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) يقول: وهو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير أو شرّ، أو حدّثت بهما أنفسهم، لا يخفى عليه من ذلك خافية.
قوله تعالى : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل تقدم في آل عمران .وهو عليم بذات الصدور أي : لا تخفى عليه الضمائر ، ومن كان بهذه الصفة فلا يجوز أن يعبد من سواه .
{ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } أي: يدخل الليل على النهار، فيغشيهم الليل بظلامه، فيسكنون ويهدأون، ثم يدخل النهار على الليل، فيزول ما على الأرض من الظلام، ويضيء الكون، فيتحرك العباد، ويقومون إلى مصالحهم ومعايشهم، ولا يزال الله يكور الليل على النهار، والنهار على الليل، ويداول بينهما، في الزيادة والنقص، والطول والقصر، حتى تقوم بذلك الفصول، وتستقيم الأزمنة، ويحصل من المصالح ما يحصل بذلك، فتبارك الله رب العالمين، وتعالى الكريم الجواد، الذي أنعم على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة، { وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما يكون في صدور العالمين، فيوفق من يعلم أنه أهل لذلك، ويخذل من يعلم أنه لا يصلح لهدايته
"يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور".
«يولج الليل» يدخله «في النهار» فيزيد وينقص الليل «ويولج النهار في الليل» فيزيد وينقص النهار «وهو عليم بذات الصدور» بما فيها من الأسرار والمعتقدات.
يُدْخِل ما نقص من ساعات الليل في النهار فيزيد النهار، ويُدْخِل ما نقص من ساعات النهار في الليل فيزيد الليل، وهو سبحانه عليم بما في صدور خلقه.
( يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل ) أى : يدخل - سبحانه - طائفة من الليل فى النهار ، فيقصر الليل ويزيد النهار ويدخل طائفة من النهار فى الليل ، فيقصر النهار ، ويزيد الليل ، ثم يسيران على هذا النظام البديع ، دون أن يسبق أحدهما الآخر .( وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) و " ذات " هنا مؤنث ذو بمعنى صاحب .أى : وهو - سبحانه - عليم علما تاما بمكنونات الصدور ، وما تضمره من خير أو شر وما يتردد فيها من خواطر وأفكار .والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا ، يراها قد اشتملت على بضع عشرة صفة ، من صفات الله عز وجل - الدالة على وجوب إخلاص العبادة له ، والنقياد لأمره ونهيه .
وهذه الآيات قد تقدم تفسيرها في سائر السور، وهي جامعة بين الدلالة على قدرته، وبين إظهار نعمه، والمقصود من إعادتها البعث على النظر والتأمل، ثم الاشتغال بالشكر.
<div class="verse-tafsir"
جاء في بعض الفواتح ﴿ سَبِّحَ ﴾ على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ المضارع، وكل واحد منهما معناه: أنّ من شأن من أسند إليه التسبيح أن يسبحه، وذلك هجيراه وديدنه، وقد عدى هذا الفعل باللام تارة وبنفسه أخرى في قوله تعالى: ﴿ وتسبحوه ﴾ [الفتح: 9] وأصله: التعدي بنفسه، لأنّ معنى سبحته: بعدته عن السوء، منقول من سبح إذا ذهب وبعد، فاللام لا تخلو إما أن تكون مثل اللام في: نصحته، ونصحت له، وإما أن يراد بسبح لله: أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصاً، ﴿ مَا فِي السماوات والارض ﴾ ما يتأتى منه التسبيح ويصح.
فإن قلت: ما محل ﴿ يُحْىِ ﴾ ؟
قلت: يجوز أن لا يكون له محل، ويكون جملة برأسها؛ كقوله: ﴿ لَّهُ مُلْكُ السموات ﴾ [البقرة: 107] وأن يكون مرفوعاً على: هو يحيي ويميتُ، ومنصوباً حالاً من المجرور في (له) والجار عاملاً فيها.
ومعناه: يحيي النطف والبيض والموتى يوم القيامة ويميت الأحياء ﴿ هُوَ الاول ﴾ هو القديم الذي كان قبل كل شيء ﴿ والاخر ﴾ الذي يبقى بعد هلاك كل شيء ﴿ والظاهر ﴾ بالأدلة الدالة عليه ﴿ والباطن ﴾ لكونه غير مدرك بالحواس.
فإن قلت: فما معنى الواو؟
قلت الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء.
وأما الوسطى، فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الآخريين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية، وهو في جميعها ظاهر وباطن: جامع للظهور بالأدلة والخفاء، فلا يدرك بالحواس.
وفي هذا حجة على من جوّز إدراكه في الآخرة بالحاسة.
وقيل: الظاهر العالي على كل شيء الغالب له، من ظهر عليه إذا علاه وغلبهُ.
والباطن الذي بطن كل شيء، أي علم باطنه: وليس بذاك مع العدول عن الظاهر المفهوم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ذَكَرَهُ مَعَ الإعادَةِ كَما ذَكَرَهُ مَعَ الإبْداءِ لِأنَّهُ كالمُقَدِّمَةِ لَهُما.
﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ بِمَكْنُوناتِها.
<div class="verse-tafsir"
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)
{يولج الليل فِى النهار} يدخل الليل في النهار بأن ينقص من الليل ويزيد من النهار {ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور}
﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ عَلِيمٌ ﴾ أيْ مَبالِغٌ في العِلْمِ ﴿ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ أيْ بِمَكْنُوناتِها اللّازِمَةِ لَها بَيانٌ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِما يُضْمِرُونَهُ مِن نِيّاتِهِمْ بَعْدَ بَيانِ إحاطَتِهِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي يُظْهِرُونَها، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ( بِذاتِ الصُّدُورِ ) نَفْسُها وحَقِيقَتُها عَلى أنَّ الإحاطَةَ بِما فِيها تُعْلَمُ بِالأوْلى.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: له خزائن السموات والارض.
يعني: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات.
ويقال: معناه له نفاذ الأمر في السموات والأرض.
ثم قال: يُحْيِي وَيُمِيتُ يعني: يحيي للبعث، ويميت في الدنيا وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإحياء والإماتة.
ثم قال عز وجل: هُوَ الْأَوَّلُ يعني: الأول قبل كل أحد وَالْآخِرُ بعد كل أحد وَالظَّاهِرُ يعني: الغالب على كل شيء وَالْباطِنُ يعني: العالم بكل شيء.
ويقال: هُوَ الْأَوَّلُ يعني: مؤول كل شيء وَالْآخِرُ يعني: مؤخر كل شيء وَالظَّاهِرُ يعني: المظهر وَالْباطِنُ يعني: المبطن.
ويقال: هو الْأَوَّلُ يعني: خالق الأولين وَالْآخِرُ يعني: خالق الآخرين وَالظَّاهِرُ يعني: خالق الآدميين، وهم ظاهرون.
وَالْباطِنُ يعني: خالق الجن، والشياطين الذين لا يظهرون.
ويقال: هُوَ الْأَوَّلُ يعني: خالق الدنيا وَالْآخِرُ يعني: خالق الآخرة.
وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني: عالم بالظاهر والباطن.
ويقال: هُوَ الْأَوَّلُ بلا ابتداء وَالْآخِرُ بلا انتهاء.
وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني: منه نعمة ظاهرة.
ويقال: هو الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني: هو الرب الواحد.
ثم قال: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعني: من أمر الدنيا والآخرة.
ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ يعني: ما يدخل في الأرض من الماء، والكنوز، والأموات، وَما يَخْرُجُ مِنْها من النبات، والكنوز، والأموات، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وهو المطر، والثلج، والرزق، والملائكة، وَما يَعْرُجُ فِيها يعني: ما يصعد فيها من الملائكة، وأعمال العباد، والأرواح، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ يعني: عالم بكم، وبأعمالكم، أينما كنتم في الأرض وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم بالخير خيراً، وبالشر شراً.
ثم قال عز وجل: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
ثم قال عز وجل: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني: يدخل الليل في النهار، إذا جاء الليل ذهب النهار.
وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعني: يُدخل النهار في الليل، إذا جاء النهار ذهب الليل.
ومعنى آخر: يعني: يدخل زيادة الليل في النهار.
يعني: يصير الليل أطول ما يكون خمس عشرة ساعة، والنهار أقصر ما يكون تسع ساعات.
والليل والنهار أربع عشرون ساعة.
ثم قال عز وجل: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: بما في القلوب من الخير والشر.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة الحديد]
وهي مدنيّة ويشبه صدرها أن يكون مكيّا روي عن ابن عبّاس «١» : أنّ اسم الله الأعظم هو في سَتِّ آيات من أَوَّلِ سورة الحديد، وروي أنّ الدعاء بعد قراءتها مستجاب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)
قوله عز وجل: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: قال أكثر المفسرين: التسبيح هنا هو التنزيه المعروف في قولهم: سبحان اللَّهِ، وهذا عندهم إخبار بصيغة الماضي مضمنه الدوامُ والاستمرارُ، ثم اختلفوا: هل هذا التسبيح حقيقةٌ أو مجاز على معنى أَنَّ أثر الصنعة فيها تُنَبِّهُ الرائي على التسبيح؟
قال الزَّجَّاجُ «٢» وغيره: والقول بالحقيقة أحسن، وهذا كله في الجمادات، وأَمَّا ما يمكن التسبيح منه فقول واحد: إن تسبيحهم حقيقة.
وقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ [أي] : [الذي] ليس لوجوده بداية مُفْتَتَحَةٌ وَالْآخِرُ:
الدائم الذي ليس له نهاية منقضية، قال أبو بكر الوَرَّاق: هُوَ الْأَوَّلُ: بالأزلية وَالْآخِرُ: بالأبديَّة.
وَالظَّاهِرُ: معناه بالأدِلَّةِ ونظر العقول في صنعته.
سُورَةُ الحَدِيدِ وَفِيها قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أمّا تَسْبِيحُ ما يَعْقِلُ، فَمَعْلُومٌ، وتَسْبِيحُ ما لا يَعْقِلُ، قَدْ ذَكَرْنا مَعْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الأوَّلُ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: هو السّابِقُ لِلْأشْياءِ ﴿ والآخِرُ ﴾ الباقِي بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ ﴿ والظّاهِرُ ﴾ بِحُجَجِهِ الباهِرَةِ، وبَراهِينِهِ النَّيِّرَةِ، وشَواهِدِهِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ وحْدانِيَّتِهِ.
ويَكُونُ: الظّاهِرُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ.
وقَدْ يَكُونُ الظُّهُورُ بِمَعْنى العُلُوِّ، ويَكُونُ بِمَعْنى الغَلَبَةِ.
والباطِنُ: هو المُحْتَجِبُ عَنْ أبْصارِ الخَلْقِ الَّذِي لا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ تَوَهُّمُ الكَيْفِيَّةِ.
وقَدْ يَكُونُ مَعْنى الظُّهُورِ والبُطُونِ: احْتِجابَهُ عَنْ أبْصارِ النّاظِرِينَ، وتَجَلِّيَهُ لِبَصائِرِ المُتَفَكِّرِينَ.
ويَكُونُ مَعْناهُ: العالِمَ بِما ظَهَرَ مِنَ الأُمُورِ، والمُطَّلِعَ عَلى ما بَطَنَ مِنَ الغُيُوبِ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ٥٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ ﴾ وهو مُفَسَّرٌ في [سَبَإٍ: ٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ أيْ: بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.
وما بَعْدَهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿ وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ يَعْنِي: المالَ الَّذِي كانَ بِأيْدِي غَيْرِهِمْ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وأعْطى قُرَيْشًا ذَلِكَ المالَ، فَكانُوا فِيهِ خُلَفاءَ مَن مَضى.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَدِيدِ وهِيَ مَدَنِيَّةُ، قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ غَيْرُهُ: هي مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ أنَّ فِيها قُرْآنًا مَدَنِيًّا، لَكِنْ يُشْبِهُ صَدْرَها أنْ يَكُونَ مَكِّيًّا، واللهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَدْ ذَكَرْنا قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إنَّ اسْمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ الأعْظَمَ هو في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، ورُوِيَ أنَّ الدُعاءَ بَعْدَ قِراءَتِها مُسْتَجابٌ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: التَسْبِيحُ هُنا هو التَنْزِيهُ المَعْرُوفُ في قَوْلِهِمْ: "سُبْحانَ اللهِ"، وهَذا عِنْدَهم إخْبارٌ بِصِيغَةِ الماضِي مُضَمِّنُهُ الدَوامُ وأنَّ التَسْبِيحَ مِمّا ذُكِرَ دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ، واخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ عَلى مَعْنى أنَّ أثَرَ الصَنْعَةِ فِيها يُنَبِّهُ الرائِي عَلى التَسْبِيحِ؟
قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: والقَوْلُ بِالحَقِيقَةِ أحْسَنُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وهَذا كُلُّهُ في الجَماداتِ، وأمّا ما يُمْكِنُ التَسْبِيحُ مِنهُ فَقَوْلٌ واحِدٌ إنَّ تَسْبِيحَهم حَقِيقَةٌ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: التَسْبِيحُ في هَذِهِ السُورَةِ الصَلاةُ، وهَذا قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، فَأمّا فِيمَن يُمَكَّنُ مِنهُ ذَلِكَ فَسائِغٌ، وعَلى أنَّ سُجُودَ ظِلالِ الكُفّارِ هي صَلاتُهُمْ، وأمّا في الجَماداتِ فَيُقْلِقُ، وذَلِكَ أنَّ خُضُوعَها وخُشُوعَ هَيْئاتِها قَدْ يُسَمّى في اللُغَةِ سُجُودًا أوِ اسْتِعارَةً، كَما قالَ الشاعِرُ: ............
تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ ويَبْعُدُ أنْ تُسَمّى تِلْكَ صَلاةً إلّا عَلى تَجَوُّزٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: التَقْدِيرُ: ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ، فَـ "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، فَلَمّا تَكَرَّرَ مَوْصُوفُها حَذَفَها وأقامَ الصِفَةَ مَقامَها، وهو العَزِيزُ بِقُدْرَتِهِ، وسُلْطانِهِ، الحَكِيمُ بِلُطْفِهِ وتَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ، ومُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ هو سُلْطانُها الحَقِيقِيُّ الدائِمُ؛ لِأنَّ مُلْكَ البَشَرِ مَجازٌ فانٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ ﴾ .
الأوَّلُ: الَّذِي لَيْسَ لِوُجُودِهِ بِدايَةً مُفْتَتَحَةً، والآخَرُ بِالأبَدِيَّةِ، وهو الأوَّلُ بِالوُجُودِ؛ إذْ كَلُّ مَوْجُودٍ فَبَعْدَهُ وبِهِ، والآخَرُ إذا نَظَرَ العَقْلُ في المَوْجُوداتِ حَتّى يَكُونَ إلَيْهِ مُنْتَهاها، قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ﴾ .
و"الظاهِرُ" مَعْناهُ: بِالأدِلَّةِ ونَظَرِ العُقُولِ في صَنْعَتِهِ، و"الباطِنُ" بِلُطْفِهِ وغَوامِضِ حِكْمَتِهِ وباهِرِ صِفَتِهِ الَّتِي لا تَصِلُ إلى مَعْرِفَتِها -عَلى ما هي عَلَيْهِ- الأوهامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ والظاهِرُ والباطِنُ ﴾ الَّذِي بِهَرَ ومَلَكَ فِيما ظَهَرَ لِلْعُقُولِ وفِيما خَفِيَ عنها، فَلَيْسَ في الظاهِرِ غَيْرُهُ حَسَبَ قِيامِ الأدِلَّةِ، ولَيْسَ في باطِنِ الأمْرِ وفِيما عَلى النَظْرَةِ مِمّا عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ غَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ عامٌّ في الأشْياءِ عُمُومًا تامًّا.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، وأكْثَرُ الناسِ عَلى أنَّ بَدْأةَ الخَلْقِ في يَوْمِ الأحَدِ، ووَقَعَ في مُسْلِمٍ أنَّ البِدايَةَ في يَوْمِ السَبْتِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الأيّامُ السِتَّةُ مِن أيّامِ القِيامَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: مِن أيّامِ الدُنْيا، وهو الأصْوَبُ، و"الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ" هو بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ المُسْتَمِرَّيْنِ بِالقُدْرَةِ، ولَيْسَ ما في قَهْرِ العِبادِ مِنَ المُحاوَلَةِ والتَعَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ مُسْتَوْعِبًا في [طه] وغَيْرِها.
و"ما يَلِجُ في الأرْضِ" هو المَطَرُ والأمْواتُ وغَيْرُ ذَلِكَ، و"ما يَخْرُجُ مِنها" هو النَباتُ والمَعادِنُ وغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿ وَما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ ﴾ المَلائِكَةُ والرَحْمَةُ والعَذابُ وغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿ وَما يَعْرُجُ فِيها ﴾ هو الأعْمالُ صالِحُها وسَيِّئُها والمَلائِكَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وإحاطَتِهِ وهِدايَتِهِ، أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ فِيها، وأنَّها مُخْرِجَةٌ عن مَعْنى لَفْظِها المَعْهُودِ، ودَخَلَ في الإجْماعِ مَن يَقُولُ بِأنَّ هَذا أمْرُ المُشْتَبَهِ كُلِّهِ، يَنْبَغِي أنْ يَمُرَّ ويُؤْمِنَ بِهِ ولا يُفَسِّرَ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى تَأْوِيلِ هَذِهِ لِبَيانِ وُجُوبِ إخْراجِها عن ظاهِرِها، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: المَعْنى: عِلْمُهُ مَعَكُمْ، وتَأْوِيلُهم هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ في غَيْرِها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل ﴾ .
مناسبة ذكره هذه الجملة أن تقدير الليل والنهار وتعاقبهما من التصرفات الإِلهية المشاهدة في أحوال السماوات والأرض وملابسات أحوال الإِنسان، فهذه الجملة بدل اشتمال من جملة ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ [الحديد: 5] وهو أيضاً مناسب لمضمون جملة ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ [الحديد: 5] تذكير للمشركين بأن المتصرف في سبب الفناء هو الله تعالى فإنهم يعتقدون أن الليل والنهار هما اللذان يُفنيان الناس، قال الأعشى: ألم تَروا إرَماً وعادا *** أفناهُما الليلُ والنهار وحكى الله عنهم قولهم: ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ [الجاثية: 24] فلما قال: ﴿ له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور ﴾ [الحديد: 5]، أبطل بعده اعتقاد أهل الشرك أن للزمان الذي هو تعاقب الليل والنهار والمعبر عنه بالدهر تصرفاً فيهم، وهذا معنى اسمه تعالى: «المدبر».
﴿ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور ﴾ .
لما ذكر تصرف الله في الليل وكان الليل وقت إخفاء الأشياء أعقب ذكره بأن الله عليم بأخفى الخفايا وهي النوايا، فإنها مع كونها معاني غائبة عن الحواس كانت مكنونة في ظلمة باطن الإِنسان فلا يطلع عليها عالم إلا الله تعالى، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ [الأنعام: 59]، وقوله: ﴿ ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ [هود: 5].
﴿ ذات الصدور ﴾ : ما في خواطر الناس من النوايا، ف (ذات) هنا مؤنث (ذو) بمعنى صاحبة.
والصحبة: هنا بمعنى الملازمة.
ولما أريد بالمفرد الجنس أضيف إلى «جمع»، وتقدم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ في سورة الأنفال (43).
وقد اشتمل هذا المقدار من أول السورة إلى هنا على معاني ست عشرة صفة من أسماء الله الحسنى: وهي: الله، العزيز، الحكيم، الملك، المحيي، المميت، القدير، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، العليم، الخالق، البصير، الواحد، المدبر.
وعن ابن عباس أن اسم الله الأعظم هو في ست آيات من أول سورة الحديد فهو يعني مجموع هذه الأسماء.
واعلم أن ما تقدم من أول السورة إلى هنا يرجح أنه مكي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما يَخْرُجُ مِنها ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مِن نَباتٍ وغَيْرِ نَباتٍ.
﴿ وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: مِن مَلائِكَةٍ وغَيْرِ مَلائِكَةٍ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: ما يَلِجُ في الأرْضِ مِن بَذْرٍ، وما يَخْرُجُ مِنها مِن زَرْعٍ، وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مِن قَضاءٍ، وما يَعْرُجُ فِيها مِن عَمَلٍ، لِيَعْلَمُوا إحاطَةَ عِلْمِهِ بِهِمْ فِيما أظْهَرُوهُ أوْ سَتَرُوهُ، ونُفُوذُ قَضائِهِ فِيهِمْ بِما أرادُوهُ أوْ كَرِهُوهُ.
﴿ وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُهُ مَعَكم أيْنَما كُنْتُمْ حَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: قُدْرَتُهُ مَعَكم أيْنَما كُنْتُمْ حَيْثُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِن أُمُورِكم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الحديد بالمدينة.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن ابن الزبير قال: أنزلت سورة الحديد بالمدينة.
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزلت سورة الحديد يوم الثلاثاء، وخلق الله الحديد يوم الثلاثاء، وقتل ابن آدم أخاه يوم الثلاثاء، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة يوم الثلاثاء» .
وأخرج الديلمي عن جابر مرفوعاً: «لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت عليّ يوم الثلاثاء» .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه النسائي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان «عن عرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال إن فيهن آية أفضل من ألف آية» .
وأخرج ابن الضريس عن يحيى بن أبي كثير قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ المسبحات، وكان يقول: إن فيهن آية هي أفضل من ألف آية» ، قال يحيى: فنراها الآية التي في آخر الحشر.
وأخرج البزار وابن عساكر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن عمر قال: كنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال: عجبا لك يا ابن الخطاب إنك تزعم أنك وأنك، وقد دخل عليك الأمر في بيتك، قلت: وما ذاك؟
قال: هذه أختك قد أسلمت، فرجعت مغضباً حتى قرعت الباب فقيل: من هذا؟
قلت: عمر، فتبادروا، فاختفوا مني، وقد كانوا يقرأون صحيفة بين أيديهم تركوها أو نسوها، فدخلت حتى جلست على السرير، فنظرت إلى الصحيفة، فقلت: ما هذه؟
ناولينيها، قالت: إنك لست من أهلها إنك لا تغتسل من الجنابة، ولا تطهر، وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون، فما زلت حتى ناولتنيها ففتحتها فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم، فلما قرأت الرحمن الرحيم ذعرت، فألقيت الصحيفة من يدي، ثم رجعت إلى نفسي فأخذتها فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ﴾ فكلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت ثم ترجع إليَّ نفسي حتى بلغت ﴿ آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فخرج القوم مستبشرين فكبروا.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي الأسود قال: قال رأس الجالوت: إنما التوراة الحلال والحرام إلا أن في كتابكم جامعاً ﴿ سبح لله ما في السماوات والأرض ﴾ وفي التوراة يسبح لله الطير والسباع.
قوله تعالى: ﴿ هو الأول والآخر ﴾ .
أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي وأبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما هذا؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه، ثم قال: هل تدرون ما فوقكم؟
قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف.
ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإن فوق ذلك سماءين ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عدد سبع سموات ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد مثل ما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الأرض.
ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: فإن تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة عام، حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة.
ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة السفلى لهبط على الله، ثم قرأ ﴿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ﴾ » قال: الترمذي فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لقدم على ربه، ثم تلا ﴿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن هو بكل شيء عليم ﴾ » .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات «عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم أنت الأول فلا شيء قبلك، وأنت الآخر فلا شيء بعدك، أعوذ بك من شر كل دابة ناصيتها بيدك، وأعوذ بك من الإِثم والكسل، ومن عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى، ومن فتنة الفقر، وأعوذ بك من المأثم والمغرم» .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنة والبيهقي عن أبي هريرة قال: «جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأل خادماً فقال لها: قولي اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وربنا ورب كل شيء منزل التوراة والإِنجيل والفرقان، فالق الحب النوى أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند النوم: «اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإِنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: «يا كائن قبل أن يكون شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعدما لا يكون شيء، أسألك بلحظة من لحظاتك الحافظات الوافرات الراجيات المنجيات» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن محمد بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم عليّاً دعوة يدعوها عندما أهمه، فكان علي رضي الله عنه يعلمها لولده: يا كائن قبل كل شيء ويا مكوّن كل شيء ويا كائن بعد كل شيء أفعل بي كذا وكذا.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل بن حيان رضي الله عنه قال: بلغنا في قوله عز وجل هو الأوّل قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء والباطن أقرب من كل شيء وإنما يعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه وهو بكل شيء عليم ﴿ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ﴾ مقدار كل يوم ألف عام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض من القطر وما يخرج منها من النبات، وما ينزل من السماء من القطر وما يعرج فيها يعني ما يصعد إلى السماء من الملائكة وهو معكم أينما كنتم يعني قدرته وسلطانه وعلمه معكم إينما كنتم والله بما تعملون بصير.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا هذا الله كان قبل كل شيء فماذا كان قبل الله؟
فإن قالوا لكم ذلك فقولوا: هو الأوّل قبل كل شيء وهو الآخر فليس بعده شيء وهو الظاهر فوق كل شيء وهو الباطن دون كل شيء وهو بكل شيء عليم» .
وأخرج أبو داود عن أبي زميل قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما فقلت: ما شيء أجده في صدري قال: ما هو؟
قلت: والله لا أتكلم به فقال لي: أشيء من شك؟
وضحك؟
قال: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله تعالى ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلت إليك ﴾ الآية وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاً فقل: هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهو معكم أين ما كنتم ﴾ قال: عالم بكم أينما كنتم.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن سفيان الثوري رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ وهو معكم ﴾ قال: علمه.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله تعالى معه حيث كان» .
وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد بسند ضعيف عن البراء بن عازب قال: قلت لعليّ رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين أسألك بالله ورسوله إلا خصصتني بأعظم ما خصك به رسول الله صلى الله عليه وسلم واختصه به جبريل، وأرسله به الرحمن، فقال: إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ من أول سورة الحديد إلى آخر ست آيات منها ﴿ عليم بذات الصدور ﴾ وآخر سورة الحشر يعني أربع آيات، ثم ارفع يديك فقل: يا من هو هكذا أسألك بحق هذه الأسماء أن تصلّي على محمد وأن تفعل بي كذا وكذا مما تريد، فوالله الذي لا إله غيره لتنقلبن بحاجتك إن شاء الله.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُولِجُ الليل ﴾ ذكر في [الحج: 61، ولقمان: 29].
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يجوز أن يقرأ ﴿ سَبَّحَ للَّهِ ﴾ وسبح الله، كما يقال في الكلام: شكر لله، وشكر الله، ونصح الله ونصح الله.
ويجوز أن يكون معناهما في الظاهر مختلفا، ويتفق في الحقيقة والباطن؛ لأن التسبيح: هو التخليص والتنزيه والتبرئة، فمتى أضيف الفعل إلى الله ، ووقع عليه، فيقال سبح لله، فمعناه: أنه نزهه وبرأه عن جميع معاني الخلق، وخلصه عن شبه المخلوقين، وإذا قيل: سبح لله، فقد وقع الفعل على الأشياء المخلوقة؛ أي: خلصها كلها له وبرأها عن غيره، وإذا وصف بأن كل الأشياء له، وهو المالك لها، وهم عبيده ومماليكه، خاضعون أذلاء، فقد وصف الغناء ونفي الحاجة عنه، وأنه متبرئ عن الشبه بمماليكه ومخلوقاته، فهما جميعا من هذا الوجه ينظمان معنى واحدا، وإن كانا مختلفين وفي الباطن مؤتلفين؛ كما أن الإسلام: هو أن يجعل كل شيء من الخلق لله خالصا سالماً له، والإيمان: هو التصديق بالربوبية له في كل شيء، فمتى صدق الله بالربوبية في الخلق والأمر، فقد جعل الخلق سالما له، فمتى جعل سالما له فقد صدقه في الربوبية، فقد اتفقا من حيث المعنى، وإن اختلفا من حيث الظاهر، فعلى ذلك هذا، والله الموفق.
ثم يحتمل ما ذكر من التسبيح: هو تسبيح الخلقة، تشهد له خلقة كل شيء بالوحدانية والألوهية، فهذا على خلقه الكافر والمؤمن جميعا وغيرهما من المخلوقات.
ويحتمل أن يكون أراد الممتحنين الذين في السماوات والأرض، ويرجع إلى تسبيح خاص، وهو تسبيح النطق واللسان عن اختيار.
وجائز أن يرجع إلى كل ذي روح يجعل الله في سرية هذه الأشياء من التسبيح له ما يعلمه هو لا يعلمه غيره إلا بإعلام الله إياه ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: العزيز: هو الذي أفقر الخلق وأحوجهم إليه، والحكيم: هو المحكم للأشياء المتقن لها.
أو العزيز: القاهر الغالب، الحكيم: هو العالم بالأشياء على حقيقتها.
أو العزيز: هو المالك كل ملك؛ كقوله: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ الحكيم: الواضع كل شيء موضعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ جائز أن يكون ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ تفسيراً لقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ أي: يملك أن يحيي هذا، ويميت غيره، أو يحيي من شاء، وميت من شاء، ويملك إحياء من شاء وإماتة من شاء، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من الإحياء والإماتة وغيرهم ﴿ قَدِيرٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ﴾ قالت الباطنية: الأول: معناه: المبدع الأول، والآخر: المبدع الثاني، والظاهر: هو الناطق، وهو الرسول ، والباطن: هو صاحب التأويل؛ يقولون: إن المبدع الأول أتم للمبدع الثاني المعونة؛ فيستعين بها المبدع الثاني على خلق هذا العالم وإنشائهم؛ لأنهم يقولون: إن المبدع الثانى هو الذي دبر هذا العالم، وأنشأهم بإعانة المبدع الأول، والناطق هو الذي دبر الشرائع، والباطن - وهو صاحب التأويل - هو الذي يبين الشرائع التي دبرها الناطق وهو الرسول ، ولا يصفون أن الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ويقولون: لا يجوز أن يوصف بهذه الأشياء؛ لأ، الأولية تنفي الآخرية، والظاهر ينفي الباطن؛ كل حرف من هذه الحروف يبطل الآخر في الشاهد.
وجوابنا: أن ما قلتم من المبدع الأول والثاني والناطق والباطن، ليس بشيء له معنى على ما ذكرنا في موضعه، وأما عندنا: فإن قوله: ﴿ هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ﴾ هو حرف التوحيد: هو الأول بذاته، والآخر بذاته والباطن بذاته؛ قال هذا؛ ليعلم ولا يفهم من أوليته أولية غيره، ولا يفهم من آخريته غيره، فكذلك لا يفهم من ظاهريته ظاهرية غيره، ولا من باطنيته باطنية غيره؛ لأن في الشاهد من كان له أولية لا يكون له آخرية، ومن كان له آخرية لاي كون له أولية، وكذلك من كان له ظاهرية لا يكونله باطنية، ومن كان له باطنية لا يكون له ظاهرية؛ فكل حرف من هذه الحروف مما ينقض الحرف الآخر وينفيه في الشاهد، فإنما ذكر هذه الأحرف لنفسه؛ ليعلم ألا يفهم من أوليته أولية الأشياء، ولا يفهم من آخريته ما يفهم من آخية الأشياء، وكذلك ما ذكر من ظاهريته وباطنيته، وهذا كما ذكر: أنه عظيم ولطيف؛ لئلا يفهم من عظمة مايفهم من عظمة غيره، ولا من لطافته [ما يفهم] من لطافة غيره، والله الموفق.
وقال بعضهم: الأول: الذي لا ابتداء له، والآخر: الذي لا انتهاء له، والظاهر: هو الغالب القاهر، الذي لا يغلبه شيء، والباطن: الذي لا تدركه الأوهام.
وقال بعضهم: هو الاول الذي له أولية الأشياء، والآخر الذي له آخرية الأشياء، والظاهر بالحجج والآيات، والباطن الذي لا تدركه الأوهام، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ كأن خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام: الستة الأيام التي تدور عليها أيام الدنيا، وهي أيام حكمة، فإنما خلق في هذه الأيام كيان الأشياء وأصولها، لا أنه خلق كلية الأشياء فيها، وما يكون أبد الآبدين، فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أي: استوى أمره، فخلق الممتحن، وهم البشر؛ إذ المقصود بخلق هذه الأشياء كلها البشر، ولهم إنشاء هذه الأشياء.
وإن كن المراد من قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ أيام الدنيا الذي يكون اليوم مقداره ألف سنة؛ على ما ذكره في آية أخرى؛ فيكون ماذكره من خلق السماوات والأرض وما بينهما خلق أصول الأشياء وكيانها وما يتولد منها، بل يقع ذلك على الكل، فيكون على هذا تأويل قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ البعث؛ أي: استوى خلق ما خلق وأنشأ من العالم بالبعث ما لولا ذلك البعث لم يكن إنشاء هذا العالم الأول حكمة؛ فالمقصود من إنشاء هذه العالم البعث، وله يصير إنشاؤه حكمة، فيكون به استواء الأمر.
ثم تأويل العرش: يحتمل الملك؛ استوى ملكه بخلق الممتحن أو بالبعث الذي ذكرنا، ولا نفسر أنه ما أراد بقوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ؛ لأنه لا يعلم ما أراد به، إذ قال في ذلك: ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ أمر أن يسأل به خبيرا، ولم يرد بذلك: أنه يسأل به عنه؛ فلا يسمع تفسيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ ، أي: كثرة ذلك وازدحامه، لا يلتبس عليه ولا يستر عنه شيء.
والثاني: يخبر أن السماء والأرض مع ثقلها وكثافتهما لا يستران ولا يحجبان عليه الوالج فيهما، والخارج منهما والنازل منهما، والإحاطة بذلك؛ ليعلم أن لا شيء يحجب عنه، ولا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ هذا الحرف يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ : أي: عالم بكم وبأفعالكمم، ومحيط بكم، وحافظ عليكم.
والثاني: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ يتوجه المعنى فيه لاختلاف الأحوال؛ يقول: إن كنتم محبين له، خاضعين مطيعين، فهو معكم بالنصر لكم والمعونة على أعدائكم، وإن كنتم معرضين عنه معاندين فهو معكم بالمعونة عليكم، والانتقام منكم، والله أعلمز وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ قال أهل التأويل: أي: علمه وسلطانه وقدرته معكم أينما كنتم، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا ذكر - جل وعلا - بلا ذكر الخلق معه، ولا ضم أحد إليه سواه، يوصف بالأزل، فيقال: لم يزل عالما قادرا خالقا، بلا ذكر وقت، ولا حد ولا شيء من المكان وغيره، وإذا ذكر معه شيء من الخلق يذكر على ما عليه هذا الخلق من الوقت والمكان والأحوال للخلق دون الله ، فيقال: لم يزل عالما للخلق وقت كونهم، لم يزل خالقا للعالم وقت كونه؛ حتى لا يتوهم قدم المخلوق، وعلى ذلك قوله : ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ ﴾ الآية [محمد: 31]، ﴿ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ وقوله : ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...
﴾ الآية [البقرة: 155]، وقوله : ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ ، ونحوها مما كثر ذكره كذلك على ما عليه أحوال الخلق، فعى هذا قوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ ، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، الملك إنما ينسب بحق نفاذ المشيئة والأمر والولاية، فجائز أن يكون قوله: ﴿ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: له نفاذ المشيئة، وله الولاية في السماوات والأرض، وعلى أهلهما، وله السلطان عليهم، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: له خزائن السماوات والأرض، يعطى من يشاء، ويحرم من يشاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ أي: إلى الله يرجع تدبير الأمور من إحداث وتكوين وإعطاء وبذل ومنع وحرمان، ليس تدبير ذلك إلى الخلق والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ ، أي إلى الله ترجع أمور الممتحنين في الآخرة من الحساب والسؤال، والثواب والعقاب وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ : إيلاج الشيء: إنمان هو إدخاله فيه على إبقاء المدخل فيه؛ هذا هو المعروف، لكن ما ذكر هاهنا من إيلاج هذا في هذا، وهذا أن جعل ما كان في حال الاستواء في حد الليل نهارا، وجعل ما كان في حال الاستواء في حد النهار ليلا؛ على إتلاف كل واحد منهما بالآخر، لا على الإبقاء، وفي ذلك وجوه من الدلالة: أحدهما: يدل ذلك على أنه فعل واحد عليم له تبدير، لا فعل عدد، أو لا تبدير له؛ لأنه لو كان فعل عدد، لكان لا يجري على سنن واحد وتدبير واحد منذ كان إلى أبد الآبدين؛ بل يقع في ذلك تمانع وتغالب يمنع كل واحد ما له مما لغيره، ولغلبه عليه، ولا يوافقه في تدبيره؛ على ما يكون من عادة الملوك؛ على ما قال: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ ، وقال: ﴿ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ \[المؤمنون: 91\]، والله الموفق.
وفيه دلالة البعث، [و]هو إتيان الليل بعد ذهاب أثر النهار، وإتيان النهار بعد ذهاب أثر الليل، ونحو ذلك؛ على ما تقدم ذكره.
وقوله: ﴿ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: عليم بما في الصدور.
وجائز أن يكون تأويله: وهو عليم بما في الصدور: أرباب الصدور، وهم البشر الذين لهم الصدور والتدبير؛ لأن الصدور إما يقا للذين لهم تدبير وتمييز، وهم البشر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يدخل الليل على النهار فتأتي الظلمة، وينام الناس، ويدخل النهار على الليل فيأتي الضياء، فينطلق الناس إلى أعمالهم، وهو عليم بما في صدور عباده، لا يخفى عليه شيء منه.
<div class="verse-tafsir" id="91.Kb43Z"