تفسير الآية ١٤ من سورة الملك

الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ١٤ من سورة الملك

أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ١٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 49 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٤ من سورة الملك من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة الملك عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ألا يعلم من خلق ) ؟

أي : ألا يعلم الخالق ؟

!

وقيل : معناه ألا يعلم الله مخلوقه ؟

والأول أولى ، لقوله : ( وهو اللطيف الخبير )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ) يقول جلّ ثناؤه: وأخفوا قولكم وكلامكم أيها الناس أو أعلنوه وأظهروه (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) يقول: إنه ذو علم بضمائر الصدور التي لم يُتَكَلَّم بها، فكيف بما نطق به وتكلم به، أخفي ذلك أو أعلن، لأن من لم تخف عليه ضمائر الصدور فغيرها أحرى أن لا يخفي عليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم قال : ألا يعلم من خلق يعني ألا يعلم السر من خلق [ ص: 198 ] السر .

يقول أنا خلقت السر في القلب أفلا أكون عالما بما في قلوب العباد .

وقال أهل المعاني : إن شئت جعلت " من " اسما للخالق جل وعز ; ويكون المعنى : ألا يعلم الخالق خلقه .

وإن شئت جعلته اسما للمخلوق ، والمعنى : ألا يعلم الله من خلق .

ولا بد أن يكون الخالق عالما بما خلقه وما يخلقه .

قال ابن المسيب : بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير وقد عصفت الريح فوقع في نفس الرجل : أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق ؟

فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبيروقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : من أسماء صفات الذات ما هو للعلم ; منها " العليم " ومعناه تعميم جميع المعلومات .

ومنها " الخبير " ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون .

ومنها " الحكيم " ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف .

ومنها " الشهيد " ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر ومعناه أن لا يغيب عنه شيء ،ومنها الحافظ ويختص بأنه لا ينسى .

ومنها " المحصي " ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم ; مثل ضوء النور واشتداد الريح وتساقط الأوراق ; فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة .

وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق !

وقد قال : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال -مستدلا بدليل عقلي على علمه-: { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } فمن خلق الخلق وأتقنه وأحسنه، كيف لا يعلمه؟!

{ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } الذي لطف علمه وخبره، حتى أدرك السرائر والضمائر، والخبايا [والخفايا والغيوب]، وهو الذي { يعلم السر وأخفى } ومن معاني اللطيف، أنه الذي يلطف بعبده ووليه، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر، من حيث لا يحتسب، ويرقيه إلى أعلى المراتب، بأسباب لا تكون من [العبد] على بال، حتى إنه يذيقه المكاره، ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة، والمقامات النبيلة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فقال الله - جل ذكره - : ( ألا يعلم من خلق ) ألا يعلم ما في الصدور من خلقها ( وهو اللطيف الخبير ) لطيف علمه في القلوب الخبير بما فيها من الخير والشر والوسوسة .

وقيل " من " يرجع إلى المخلوق ، أي ألا يعلم الله مخلوقه ؟

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألا يعلم من خلق» ما تسرون أي، أينتفي علمه بذلك «وهو اللطيف» في علمه «الخبير» فيه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألا يعلم ربُّ العالمين خَلْقه وشؤونهم، وهو الذي خَلَقهم وأتقن خَلْقَهُمْ وأحسنه؟

وهو اللطيف بعباده، الخبير بهم وبأعمالهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ بقوله : ( أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير ) .واللطيف من اللطف ، وهو العالم بخبايا الأمور ، والمدبر لها برفق وحكمة ويسر .

.والخبير : من الخُبْر ، وهو العلم بجزئيات الأشياء الخفية ، التى من شأنها أن يخبر الناس بعضهم بعضا بحدوثها ، لأنها كانت خافية عليهم .ولفظ ( من ) فى قوله ( مَنْ خَلَقَ ) يصح أن يكون مفعولا لقوله ( يَعْلَمُ ) ، والعائد محذوف أى : ألا يعلم الله - تعالى - شأن الذين خلقهم ، والحال أنه - سبحانه - هو الذى لطف علمه ودق ، إذ هو المدبر لأمور خلقه برفق وحكمة ، العليم علما تاما بأسرار النفوس وخبايا ما توسوس به ..ويجوز أن يكون ( من ) فاعلا لقوله ( يعلم ) على أن المقصود به ذاته - تعالى - ويكون مفعول يعلم محذوفا للعلم به ، والمعنى : ألا يعلم السر ومضمرات القلوب الله الذى خلق كل شئ وأوجده - وهو - سبحانه - الموصوف بأنه لطيف خبير .والاستفهام على الوجهين لإِنكار ما زعمه المشركون من انتفاء علمه - تعالى - بما يسرونه فيما بينهم ، حيث قال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كى لا يسمعه رب محمد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن معنى الآية أن من خلق شيئاً لابد وأن يكون عالماً بمخلوقه، وهذه المقدمة كما أنها مقررة بهذا النص فهي أيضاً مقررة بالدلائل العقلية، وذلك لأن الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشيء لابد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك الشيء فإن الغافل عن الشيء يستحيل أن يكون قاصداً إليه، وكما أنه ثبت أن الخالق لابد وأن يكون عالماً بماهية المخلوق لابد وأن يكون عالماً بكميته، لأن وقوعه على ذلك المقدار دون ما هو أزيد منه أو أنقص لابد وأن يكون بقصد الفاعل واختياره، والقصد مسبوق بالعلم فلابد وأن يكون قد علم ذلك المقدار وأراد إيجاد ذلك المقدار حتى يكون وقوع ذلك المقدار أولى من وقوع ما هو أزيد منه أو أنقص منه، وإلا يلزم أن يكون اختصاص ذلك المقدار بالوقوع دون الأزيد أو الأنقص ترجيحاً لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال، فثبت أن من خلق شيئاً فإنه لابد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق وبكميته وكيفيته، وإذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن العبد غير موجد لأفعاله من وجهين الوجه الأول: قالوا: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها، لكنه غير عالم بتفاصيلها فهو غير موجد لها، بيان الملازمة من وجهين: الأول: التمسك بهذه الآية الثاني: أن وقوع عشرة أجزاء من الحركة مثلاً ممكن ووقوع الأزيد منه والأنقص منه أيضاً ممكن، فاختصاص العشرة بالوقوع دون الأزيد ودون الأنقص، لابد وأن يكون لأجل أن القادر المختار خصه بالإيقاع، وإلا لكان وقوعه دون الأزيد والأنقص وقوعاً للممكن المحدث من غير مرجح، لأن القادر المختار إذا خص تلك العشرة بالإيقاع فلابد وأن يكون عالماً بأن الواقع عشرة لا أزيد ولا أنقص، فثبت أن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها وأما أنه غير عالم بتفاصيلها فلوجوه: أحدها: أن المتكلمين اتفقوا على أن التفاوت بين الحركة السريعة والبطيئة لأجل تخلل السكنات، فالفاعل للحركة البطيئة قد فعل في بعض الأحياز حركة وفي بعضها سكوناً مع أنه لم يخطر ألبتة بباله أنه فعل هاهنا حركة وهاهنا سكوناً.

وثانيها: أن فاعل حركة لا يعرف عدد أجزاء تلك الحركات إلا إذا عرف عدد الأحياز التي بين مبدأ المسكنة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بأن الجواهر الفردية التي تتسع لها تلك المسافة من أولها إلى آخرها كم هي؟

ومعلوم أن ذلك غير معلوم.

وثالثها: أن النائم والمغمى عليه قد يتحرك من جنب إلى جنب مع أنه لا يعلم ماهية تلك الحركة ولا كميتها.

ورابعها: أن عند أبي علي، وأبي هاشم، الفاعل إنما يفعل معنى يقتضي الحصول في الحيز، ثم إن ذلك المعنى الموجب مما لا يخطر ببال أكثر الخلق، فظهر بهذه الدلالة أن العبد غير موجد لأفعاله الوجه الثاني: في التمسك بهذه الآية على أن العبد غير موجد أن نقول: إنه تعالى لما ذكر أنه عالم بالسر والجهر وبكل ما في الصدور قال بعده: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله لو كان تعالى خالقاً لكل ما يفعلونه في السر والجهر، وفي الصدور والقلوب، فإنه لو لم يكن خالقاً لها لم يكن قوله: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ مقتضياً كونه تعالى عالماً بتلك الأشياء، وإذا كان كذلك ثبت أنه تعالى هو الخالق لجميع ما يفعلونه في السر والجهر من أفعال الجوارح ومن أفعال القلوب، فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد: ألا يعلم من خلق الأجسام والعالم الذي خلق الأجسام هو العالم بهذه الأشياء؟

قلنا: إنه لا يلزم من كونه خالقاً لغيره هذه الأشياء كونه عالماً بها، لأن من يكون فاعلاً لشيء لا يجب أن يكون عالماً بشيء آخر، نعم يلزم من كونه خالقاً لها كونه عالماً بها لأن خالق الشيء يجب أن يكون عالماً به.

المسألة الثانية: الآية تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ في محل الرفع والمنصوب يكون مضمراً والتقدير ألا يعلم من خلق مخلوقه.

وثانيها: أن يكون من خلق في محل النصب ويكون المرفوع مضمراً، والتقدير ألا يعلم الله من خلق والاحتمال الأول أولى لأن الاحتمال الثاني يفيد كونه تعالى عالماً بذات من هو مخلوقه، ولا يقتضي كونه عالماً بأحوال من هو مخلوقه والمقصود من الآية هذا لا الأول.

وثالثها: أن تكون ﴿ مَنْ ﴾ في تقدير ما كما تكون ما في تقدير من في قوله: ﴿ والسماء وَمَا بناها  ﴾ وعلى هذا التقدير تكون ما إشارة إلى ما يسره الخلق وما يجهرونه ويضمرونه في صدورهم وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.

أما قوله: ﴿ وَهُوَ اللطيف الخبير ﴾ فاعلم أنهم اختلفوا في ﴿ اللطيف ﴾ فقال بعضهم: المراد العالم وقال آخرون: بل المراد من يكون فاعلاً للأشياء اللطيفة التي تخفى كيفية عملها على أكثر الفاعلين، ولهذا يقال: إن لطف الله بعباده عجيب ويراد به دقائق تدبيره لهم وفيهم، وهذا الوجه أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعده تكراراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ظاهره الأمر بأحد الأمرين: الإسرار والإجهار.

ومعناه: ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما، ثم أنه علله ب (بإنه عليم بذات الصدور) أي بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلم به.

ثم أنكر أن لا يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير، المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن.

ويجوز أن يكون ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ منصوباً بمعنى: ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله.

وروي أنّ المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء، فيظهر الله رسوله عليها، فيقولون: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد، فنبه الله على جهلهم.

فإن قلت: قدرت في ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ ﴾ مفعولاً على معنى: ألا يعلم ذلك المذكور مما أضمر في القلب وأظهر باللسان من خلق، فهلا جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؛ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالماً من هو خالق؛ لأنّ الخلق لا يصح إلا مع العلم؟

قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: ﴿ وَهُوَ اللطيف الخبير ﴾ لأنك لو قلت: ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير: لم يكن معنى صحيحاً؛ لأنّ ألا يعلم معتمد على الحال.

والشيء لا يوقت بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ يَخافُونَ عَذابَهُ غائِبًا عَنْهم لَمْ يُعايِنُوهُ بَعْدُ، أوْ غائِبِينَ عَنْهُ أوْ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أوْ بِالمَخْفِيِّ مِنهم وهو قُلُوبُهم.

﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ لِذُنُوبِهِمْ.

﴿ وَأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ تَصْغُرُ دُونَهُ لَذائِذُ الدُّنْيا.

﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ بِالضَّمائِرِ قَبْلَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْها سِرًّا أوْ جَهْرًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} من في موضع رفع بأنه فاعل يَعْلَم {وَهُوَ اللطيف الخبير} أنكر أن لا يحيط علماً بالمضمر والمسر والمجهر من خلقها وصفته أنه اللطيف أي العالم بدقائق الأشياء الخبير العالم بحقائق الأشياء وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلاً على خلق أفعال العباد وقال أبو بكر بن الأصم وجعفر بن حرب مَنْ مفعول والفاعل مضمر وهو الله تعالى فاحتالا بهذا لنفي خلق الأفعال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِعَدَمِ إحاطَةِ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ومَن فاعِلُ ﴿ يَعْلَمُ ﴾ أيْ ألا يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ مَن أوْجَدَ بِمُوجِبِ حِكْمَتِهِ جَمِيعَ الأشْياءِ الَّتِي هُما مِن جُمْلَتِها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَعْلَمُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ أيْ ألا يَعْلَمُ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ تَعالى المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ وقِيلَ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ خَلَقَ ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ وقُدِّرَ مَفْعُولُ يَعْلَمُ بِما سَمِعْتَ ولَمْ يَجْعَلِ الفِعْلَ مِن بابِ يُعْطِي ويَمْنَعُ لِمَكانِ هَذِهِ الحالِ عَلى ما قِيلَ إذْ لَوْ قُلْتَ ألا يَكُونُ عالِمًا مَن هو خالِقٌ ﴿ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ لَمْ يَكُنْ مَعْنًى صَحِيحًا لِاعْتِمادِ ألا يَعْلَمُ عَلى الحالِ والشَّيْءُ لا يُوَقَّتُ بِنَفْسِهِ فَلا يُقالُ: ألا يَعْلَمُ وهو عالِمٌ، ولَكِنْ ألا يَعْلَمُ كَذا وهو عالِمٌ كُلَّ شَيْءٍ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّطِيفَ هو العالِمُ بِالخَفِيّاتِ فَيَكُونُ المَعْنى ألا يَكُونَ عالِمًا وهو عالِمٌ بِالخَفِيّاتِ وهو مُسْتَقِيمٌ.

وأُجِيبُ بِأنَّ لا يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ البابِ وهو عَلى ما قَرَّرَهُ السَّكّاكِيُّ مُسْتَغْرِقٌ في المَقامِ الخِطابِيِّ ( واللَّطِيفُ الخَبِيرُ ) مَن يُوَصِّلُ عِلْمَهُ إلى ما ظَهَرَ مَن خَلْقِهِ وما بَطَنَ فَهُما سَواءٌ في الِاسْتِغْراقِ والإطْلاقِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الِاسْتِغْراقَ غَيْرُ لازِمٍ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ  ﴾ .

الآيَةُ ولَوْ سَلَّمَ فالوَجْهُ مُخْتَلِفٌ لِأنَّ العُمُومَ المُسْتَفادَ مِنَ الثّانِي لَيْسَ العُمُومَ المُسْتَفادَ مِنَ الأوَّلِ، فَإنَّ اللُّطْفَ لِلْعِلْمِ بِالخَفايا خاصَّةً ويَلْزَمُ العِلْمُ بِالجَلايا مِن طَرِيقِ الدَّلالَةِ، ثُمَّ إنَّ الغَزالِي اعْتَبَرَ في مَفْهُومِ اللَّطِيفِ مَعَ العِلْمِ بِخَفايا الأُمُورِ سُلُوكَ سَبِيلِ الرِّفْقِ في إيصالِ ما يُصْلِحُها فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ الخَبِيرِ بِناءً عَلى أنَّهُ العالِمُ بِالخَفايا أيْضًا.

والوَجْهُ في الحاجَةِ إلى التَّقْدِيرِ كَما قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ألا يَعْلَمُ ﴾ تَذْيِيلٌ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ فَرَبْطُ المَعْنى أنَّ يُقالَ ﴿ ألا يَعْلَمُ ﴾ هَذا الخَفِيَّ أعْنِي قَوْلَكُمُ المُسَرَّ بِهِ أوْ ألا يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم مَن يَعْلَمُ دَقائِقَ الخَفايا وجَلائِلَها جُمَلُها وتَفاصِيلُها، ولَوْ قِيلَ ألا يَكُونُ عالِمًا بَلِيغَ العِلْمِ مَن هو كَذا لَمْ يَرْتَبِطْ ولَكانَ فِيهِ عَيٌّ وقُصُورٌ وجَوَّزَ كَوْنَ مَن مَفْعُولَ خَلَقَ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانٍ أيْ ألا يَعْلَمُ مَخْلُوقَهُ وهَذِهِ حالُهُ ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ فِيهِ إقامَةَ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى الرَّبِّ وهو أدَلُّ عَلى المَحْذُوفِ أعْنِي السِّرَّ والجَهْرَ وتَعْمِيمُ المَخْلُوقِ المُتَناوِلِ لَهُما تَناوُلًا أوَّلِيًّا ولِهَذا قَدَّرُوا مَن خَلَقَ الأشْياءَ دَلالَةً عَلى أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ لِلتَّعْمِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وتسمى الواقية والمنجية وهي ثلاثون آية مكية قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: تعالى وتعظم.

وهذا قول ابن عباس وقيل: تفاعل من البركة.

وقال الحسن: تبارك يعني: تقدس الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له الملك، كما قال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ويقال: الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له القدرة ونفاذ الأمر.

وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: في العز والذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء.

ثم قال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قال مقاتل: خَلَقَ الْمَوْتَ يعني: النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني: خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار حياً.

وقال الكلبي: خَلَقَ الْمَوْتَ بمنزلة كبش أملح، لا يمر على شيء، ولا يجد ريحه شيء إلا مات وَالْحَياةَ شيء كهيئة الفرس البلقاء الأنثى التي يركب عليها جبريل والأنبياء.

وقال قتادة في قوله: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.

ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: قدر الحياة ثم قدر الموت بعد الحياة.

لِيَبْلُوَكُمْ يعني: ليختبركم ما بين الحياة والموت.

أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في حياته، ويقال: أيكم أكمل عملاً وأخلص عملاً.

ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ أي: خلق الحياة للامتحان، وخلق الموت للجزاء كما قيل: لولا المحن لقدمنا مفاليس، وذلك أن الله تعالى، خلق الجنة.

وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي، فيستوجبون بفعلهم الثواب والعقاب.

والابتلاء من الله تعالى، أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب.

ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ يعني: العزيز بالنقمة للكافر، والغفور لمن تاب منهم.

ثم قال: الَّذِي خَلَقَ يعني: تبارك الذي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً يعني: مطبقاً بعضها فوق بعض مثل القبة.

مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ.

قرأ حمزة، والكسائي: من تفوت بغير ألف، والباقون بالألف، وهما لغتان.

تفاوت الشيء وتفوت، إذا اختلف، يعني: مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن اختلافاً واضطراباً، ويقال: ما ترى فيها من اعوجاج، ولكنه مستوي.

ويقال: معناه مَّا ترى فِى خَلْقِ السموات من عيب.

وأصله من الفوت أي يفوت الشيء، فيقع فيه الخلل، ولكنه متصل بعضها ببعض.

ثم أمر بأن ينظروا في خلقه، ليعتبروا به ويتفكروا في قدرته، فقال عز وجل: فَارْجِعِ الْبَصَرَ يعني: رد البصر إلى السماء.

ويقال: قلب البصر في السماء، ويقال: اجتهد بالنظر إلى السماء.

هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟

يعني: هل ترى فيها من شقوق؟

ويقال: هل ترى فروجاً أو صدوعاً أو خللاً؟

ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعني: انظر إليها وإنما أمر بالنظر إلى السماء مرتين، لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة، لا يرى أثر عيبه ما لم ينظر فيه مرة أخرى فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرتين، لا يرى فيها عيباً، بل يتحير بالنظر إليها، فذلك قوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً يعني: يرجع البصر ذليلاً.

وَهُوَ حَسِيرٌ يعني: قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً.

وقال القتبي: خاسِئاً أي: مبعداً، وَهُوَ حَسِيرٌ أي: كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه قبل أن يرى شيئاً من الخلل.

ثم قال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ يعني: بالنجوم والكواكب.

وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يعني: جعلنا بعض النجوم رمياً للشياطين، إذا تصدوا استراق السمع.

وَأَعْتَدْنا لَهُمْ يعني: للشياطين عَذابَ السَّعِيرِ يعني: الوقود.

وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أعتدنا للذين جحدوا بِرَبِّهِمْ يعني: بوحدانية الله تعالى عَذابُ جَهَنَّمَ.

قرئ في الشاذ عَذابُ جَهَنَّمَ بالنصب يعني: أعتدنا لهم عذاب جهنم، فيصير نصباً لوقوع الفعل عليه، وقراءة العامة بالضم، على معنى خبر الابتداء.

ثم قال: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: المرجع.

ثم قال: إِذا أُلْقُوا فِيها يعني: ألقوا الكفار في نار جهنم.

سَمِعُوا لَها يعني: سمعوا منها شَهِيقاً يعني: صوتاً كصوت الحمار.

وَهِيَ تَفُورُ يعني: تغلي كغلي المرجل.

تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ يعني: تكاد تتفرق من غيظها على أعداء الله تعالى.

كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ يعني: من النار فوج، يعني: أمة من الأمم.

سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يعني: رسولاً يخبركم ويخوفكم؟

قالُوا بَلى يعني: يقولون: بلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ يعني: الرسول، فَكَذَّبْنا الرسول، وَقُلْنا: إنكم لكاذبون على الله تعالى.

مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يعني: كتاباً ولا رسولاً.

إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يعني: قلنا لهم ما أنتم إلا في خطأ عظيم.

وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ يعني: لو كنا نسمع إلى الحق أَوْ نَعْقِلُ يعني: نرغب في الهدى ونتفكر في الخلق.

مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: مع أصحاب الزقوم في النار.

ويقال: يعني: ما كنا في أهل النار.

فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ يعني: أقروا بشركهم فَسُحْقاً يعني: فبعداً من رحمة الله تعالى لِأَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: الوقود.

وقال الزجاج: فَسُحْقاً نصب على المصدر، فمعناه أسحقهم الله سحقاً، فباعدهم من رحمته.

والسحق: البعيد، كقوله: فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج: 31] أي: بعيد.

قرأ الكسائي بضم السين والحاء، وجزم الحاء والباقون بضم السين، وهما لغتان معناهما واحد.

ثم بين حال المؤمنين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حَسِيراً، وَرَجْعُ البصرِ: ترديدُه في الشيءِ المبْصَرِ، وكَرَّتَيْنِ معناه مرتين، والخاسئ المبْعَدُ عن شيءٍ أرَادَه، وحَرَصَ عليه، ومنه قوله تعالى: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون:

١٠٨] وكذلكَ البصرُ يحرصُ على رؤيةِ فطورٍ أو تفاوتٍ، فلا يَجِدُ ذلك، فينقلبَ خاسِئاً، والحسيرُ العَيِيُّ الكالُّ.

وقوله تعالى: بِمَصابِيحَ يعني: النجومَ، قال الفخر «١» : ومعنى السَّماءَ الدُّنْيا أي: القريبةُ مِنَ الناسِ، وليسَ في هذهِ الآيةِ ما يدلُّ عَلى أنّ الكواكبَ مركوزةٌ في السماء الدنيا، وذلك لأَنَّ السموات إذا كَانَتْ شَفَّافَةً فالكواكبُ سَواءٌ كَانَتْ في السماءِ الدنيا، أو كانَتْ في سموات أخْرَى فَوقَها، فهي لا بد أنْ تَظْهَرَ في السماء الدنيا، وتَلُوحُ فِيها، فَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ فالسَّماء «٢» الدُّنْيَا مُزَيَّنَةٌ بها، انتهى.

وقوله: وَجَعَلْناها معناه وجَعَلْنَا مِنْها ويُوجِبُ/ هذا التأويلُ في الآيةِ أنَّ الكواكبَ الثابتةَ، والبروجَ، وكلَّ ما يُهْتَدَى به في البرِّ والبحرِ لَيْسَت براجمةٍ، وهذا نصّ في حديثِ السير قال الثعلبي: رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يُرْجَمُونَ بِها إذَا اسْتَرَقُوا السّمْعَ فلا تُخْطِئُهُم، فمنهم مَنْ يُقْتَلُ ومنهم من يُخْبَلُ، انتهى.

وقوله تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ قال ع «٣» : تضمنتِ الآيةُ أنَّ عذابَ جهنمَ للكفارِ المُخَلّدِينَ، وقد جاءَ في الأثر: أنه يَمُرُّ على جهنَم زَمانٌ تُخْفِق أبوابَها، قد أخْلَتْها الشفاعةُ، والذي يقال في هذا أن جهنَّمَ اسْمٌ تُخْتَصُّ به الطبقةُ العُلْيَا من النارِ، ثم قَدْ تُسَمَّى الطبقاتُ كلها باسْمِ بَعْضِها، فالتي في الأثرِ هي الطبقةُ العُلْيَا لأنَّها مَقَرُ العُصَاةِ من المؤمنينَ، وَالَّتي في هذهِ الآية هي جهنمَ بأسرها، أي: جميعُ الطبقاتِ، والشَّهِيقُ أقْبَحُ ما يكونُ من صوتِ الحمارِ، فاشْتِعَالُ النار وغَلَيَانُها يُصَوِّتُ مِثْل ذلك.

وقوله: تَكادُ تَمَيَّزُ أي يُزَايِلُ بَعْضُها بَعْضاً لشدّة الاضطراب، ومِنَ الْغَيْظِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُلْكِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي المانِعَةُ مِن عَذابِ القَبْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: السُّلْطانُ يُعِزُّ ويُذِلُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: خَلَقَ المَوْتَ المُزِيلَ لِلْحَياةِ، والحَياةَ الَّتِي هي ضِدُّ المَوْتِ ﴿ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [هُودٍ: ٧] قالَ الزَّجّاجُ: والمُعَلَّقُ بِـ "أيُّكُمْ" مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: لِيَبْلُوَكُمْ، فَيَعْلَمَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وهَذا عِلْمُ وُقُوعٍ.

وارْتَفَعَتْ "أيُّ" بِالِابْتِداءِ، ولا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها، لِأنَّها عَلى أصْلِ الِاسْتِفْهامِ، ومِثْلُهُ "أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى" [الكَهْفِ: ١٢] .

والمَعْنى: خَلَقَ الحَياةَ لِيَخْتَبِرَكم فِيها، وخَلَقَ المَوْتَ لِيَبْعَثَكم ويُجازِيَكم.

وقالَ غَيْرُهُ: اللّامُ في "لِيَبْلُوَكُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقِ الحَياةِ دُونَ خَلْقِ المَوْتِ، لِأنَّ الِابْتِلاءَ بِالحَياةِ، ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ أيْ: خَلَقَهُنَّ مُطابَقاتٍ، أيْ: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ "ما تَرى" يا ابْنَ آدَمَ "فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ" قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن تَفَوُّتٍ" بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الباقُونَ بِألِفٍ.

قالَ الفَرّاءُ: وهُما بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، كَما تَقُولُ: تَعاهَدْتُ الشَّيْءَ، وتَعَهَّدْتُهُ.

والتَّفاوُتُ: الِاخْتِلافُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّفاوُتُ: الِاضْطِرابُ والِاخْتِلافُ، وأصْلُهُ مِنَ الفَوْتِ، وهو أنْ يَفُوتَ شَيْءٌ شَيْئًا، فَيَقَعُ الخَلَلُ، ولَكِنَّهُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْجِعِ البَصَرَ ﴾ أيْ: كَرِّرِ البَصَرَ ﴿ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "هَلْ تَّرى" بِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ، أيْ: هَلْ تَرى فِيها فُرُوجًا وصُدُوعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ﴿ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُبْعَدًا مِن قَوْلِكَ: خَسَأْتُ الكَلْبَ: إذا باعَدْتَهُ ﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ أيْ: كَلَيْلٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ أنْ يَلْحَقَ ما نَظَرَ إلَيْهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ أعْيا مِن قَبْلِ أنْ يَرى في السَماءِ خَلَلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [حَم السَّجْدَةِ: ١٢] ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ﴾ أيْ: يُرْجَمُ بِها مُسَتَرِقُو السَّمْعِ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا المَعْنى [الحِجْرِ: ١٨] ﴿ وَأعْتَدْنا لَهُمْ ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿ عَذابَ السَّعِيرِ ﴾ وهَذا وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها شَهِيقًا ﴾ أيْ: صَوْتًا مِثْلَ صَوْتِ الحِمارِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى الشَّهِيقِ في [هُودٍ: ١٠٦] ﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ أيْ: تَغْلِي بِهِمْ كَغَلْيِ المِرْجَلِ "تَكادُ تَمَيَّزُ" أيْ: تَتَقَطَّعُ مِن تَغَيُّظِها عَلَيْهِمْ ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِنهم ﴿ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ؟!

وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ ﴾ أيْ: قُلْنا لِلرُّسُلِ: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ: في ذَهابٍ عَنِ الحَقِّ بِعِيدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ اعْتَرَفُوا بِجَهْلِهِمْ فَقالُوا: ﴿ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ ﴾ أيْ: سَماعَ مَن يَعِي ويُفَكِّرُ ﴿ أوْ نَعْقِلُ ﴾ عَقْلَ مَن يُمَيِّزُ ويَنْظُرُ ﴿ ما كُنّا ﴾ مِن أهْلِ النّارِ ﴿ فَسُحْقًا ﴾ أيْ: بُعْدًا.

وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: أسْحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ: باعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ مُباعَدَةً، والسَّحِيقُ: البَعِيدُ.

وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ فَسُحْقًا ﴾ أيْ: بُعْدًا وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو صالِحٍ: السُّحْقُ: وادٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ: سُحْقٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَعِيرِ ﴾ ﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ ﴾ ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ﴿ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴾ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ زَيَّنَ السَماءَ الدُنْيا الَّتِي تَلِينا -أيِ: الَّتِي تَلِينا- بِمَصابِيحَ وهي النُجُومُ، فَإنْ كانَ جَمِيعُ النُجُومِ في السَماءِ الدُنْيا فَهَذا اللَفْظُ عامٌّ لِلْكَواكِبِ، وإنْ كانَ في سائِرِ السَماواتِ كَواكِبُ فَإمّا أنْ يُرِيدَ كَواكِبَ سَماءِ الدُنْيا فَقَطْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ الجَمِيعَ عَلى أنَّ ما في غَيْرِها لَمّا كانَتْ هي تَشِفُّ عنهُ ويَظْهَرُ مِنها فَقَدْ تَزَيَّنَتْ بِهِ بِوَجْهٍ ما، ومِن تَكَلُّفِ القَوْلِ لِمَواضِعِ الكَواكِبِ وفي أيِّ سَماءٍ هي فَقَوْلُهُ لَيْسَ مِنَ الشَرِيعَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناها رُجُومًا ﴾ مَعْناهُ: وجَعَلْنا مِنها، وهَذا كَما تَقُولُ: أكْرَمْتُ بَنِي فُلانٍ وصَنَعْتُ بِهِمْ، وأنْتَ إنَّما فَعَلْتَ ذَلِكَ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ، ويُوجِبُ هَذا التَأْوِيلَ في الآيَةِ أنَّ الكَواكِبَ الثابِتَةَ والبُرُوجَ وكُلَّ ما يُهْتَدى بِهِ في البَرِّ والبَحْرِ فَلَيْسَتْ بِرَواجِمَ، وَهَذا نَصٌّ في حَدِيثِ السِيَرِ، وقالَ قَتادَةُ: رَحِمَهُ اللهُ خَلَقَ اللهُ تَعالى النُجُومَ زِينَةً ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ.

ولِيُهْتَدى بِها في البَرِّ والبَحْرِ، ومَن قالَ غَيْرَ هَذِهِ الخِصالِ الثَلاثِ فَقَدْ تَكَلَّفَ وأذْهَبَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ.

و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ أعْدَدْنا، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلِلَّذِينِ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ المُتَقَدِّمِ، وقَرَأ الحَسَنُ في -رِوايَةِ هارُونَ عنهُ-: "عَذابَ جَهَنَّمَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: وأعْتَدْنا لِلَّذِينِ كَفَرُوا عَذابَ جَهَنَّمَ، فالواوُ عاطِفَةُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ لِلْكُفّارِ المُخَلَّدِينَ، وقَدْ جاءَ في الأثَرِ أنَّهُ يَمُرُّ عَلى جَهَنَّمَ زُمَرٌ تُخْفِقُ أبْوابَها، قَدْ أخْلَتْها الشَفاعَةُ، فالَّذِي يُقالُ في هَذا إنَّ "جَهَنَّمَ" تَخْتَصُّ بِهِ الطَبَقَةُ العُلْيا مِنَ النارِ، ثُمَّ قَدْ تُسَمّى الطَبَقاتُ كُلُّها "جَهَنَّمَ" بِاسْمٍ بَعْضِها، وهَكَذا كَما يُقالُ "نَجْمٌ" لِلثُّرَيّا، ثُمَّ يُقالُ ذَلِكَ لِلْكَواكِبِ اسْمُ جِنْسٍ، فالَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ جَهَنَّمُ بِأسْرِها، أيْ: جَمِيعِ الطَبَقاتِ، والَّتِي في الأثَرِ هي الطَبَقَةُ العُلْيا لِأنَّها مَقَرُّ العُصاةِ.

و"الشَهِيقُ" أقْبَحُ ما يَكُونُ مِن صَوْتِ الحِمارِ، فاحْتِدامُ النارِ وغَلَيانُها بِصَوْتٍ مِثْلِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ ، أيْ: يُزايِلُ بَعْضَها بَعْضًا لِشِدَّةِ الِاضْطِرابِ، كَما قالَ الشاعِرُ في صِفَةِ الكَلْبِ يَحْتَدِمُ في جَرْيِهِ: يَكادُ أنْ يَخْرُجَ عن إهابِهِ وقَرَأ الضَحّاكُ: "تَمايَزَ" بِالألِفِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "تَتَمَيَّزُ" بِتاءَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَمَيَّزَ" مُخَفَّفَةَ التاءِ، وقَرَأ البَزِّيُّ وقَوْمٌ: "تَكادُ تَّمَيَّزُ" بِضَمِّ الدالِ وشَدِّ التاءِ عَلى أنَّها "تَتَمَيَّزُ" وأدْغَمَ إحْدى التاءَيْنِ في الأُخْرى، وقَرَأ قَوْمٌ بِإدْغامِ الدالِ في التاءِ، وهَذا فِيهِ إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الغَيْظِ" مَعْناهُ: عَلى الكَفَرَةِ بِاللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ﴾ ، الفَوْجُ: الفَرِيقُ مِنَ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي دِينِ اللهِ أفْواجًا  ﴾ الآيَةُ، تَقْتَضِي أنَّهُ لا يَلْقى فِيها أحَدٌ إلّا سُئِلَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ -عَنِ النُذُرِ،فَأقَرَّ بِأنَّهم جاءُوا وكَذَّبُوهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلَّما" حَصَرَ، فَإذًا الآيَةُ تَقْتَضِي في الأطْفالِ مِن أولادِ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ وفِيمَن نُقَدِّرُهُ صاحِبُ فَتْرَةٍ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ النارَ لِأنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في أمْرِ الأطْفالِ، فاجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ أولادَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ "أنَّهم في الجَنَّةِ"، وقالَ قَوْمٌ: هم في المَشِيئَةِ.

واخْتَلَفُوا في أولادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم في النارِ، واحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رُوِيَ « "هم مِن آبائِهِمْ"،» وتَأوَّلَ المُخالِفُ هَذا الحَدِيثَ أنَّهُ في أحْكامِ الدُنْيا، وقالَ آخَرُونَ: هم في المَشِيئَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هم في الجَنَّةِ واحْتَجَّ هَذا الفَرِيقُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مُساءَلَةِ الخَزَنَةِ، وبِحَدِيثٍ وقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في كِتابِ التَعْبِيرِ، يَتَضَمَّنُ أنَّهم في الجَنَّةِ، وبُقُولِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنَصِّرانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ"،» والأطْفالُ لَمْ يَبْلُغُوا أنْ يَصْنَعَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ لِلْكُفّارِ حِينَ أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا النُذُرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الكُفّارِ لِلنُّذُرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على الجمل السابقة عطف غرض على غرض، وهو انتقال إلى غرض آخر لِمناسبة حكاية أقوالهم في الآخرة بذكر أقوالهم في الدنيا وهي الأقوال التي كانت تصدر منهم بالنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الله يطلعه على أقوالهم فيخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنكم قلتم كذا وكذا، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمعه رب محمد فأنزل الله ﴿ وأسروا قولكم أو اجهروا به ﴾ كذا روي عن ابن عباس.

وصيغة الأمر في ﴿ وأسروا ﴾ و ﴿ اجهروا ﴾ مستعملة في التسوية كقوله تعالى: ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ [الطور: 16]، وهذا غالب أحوال صيغة افعل إذا جاءت معها ﴿ أو ﴾ عاطفة نقيض أحد الفعلين على نقيضه.

فقوله: ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ تعليل للتسوية المستفادة من صيغة الأمر بقرينة المقام وسبب النزول، أي فسواء في علم الله الإِسرار والإِجهار لأن علمه محيط بما يختلج في صدور الناس بَلْهَ ما يسرون به من الكلام، ولذلك جيء بوصف عليم إذ العليم من أمثلة المبالغة وهو القويّ علمُه.

وضمير ﴿ إنه ﴾ عائد إلى الله تعالى المعلوم من المقام، ولا معاد في الكلام يعود إليه الضمير، لأن الاسم الذي في جملة ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ [الملك: 12] لا يكون معاداً لكلام آخر.

و (ذات الصدور) مَا يتردد في النفس من الخواطر والتقادير والنوايا على الأعمال.

وهو مركب من (ذات) التي هي مؤنث (ذُو) بمعنى صاحب، و ﴿ الصدور ﴾ بمعنى العقول وشأن (ذُو) أن يضاف إلى ما فيه رفعة.

وجملة ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ بأن يسأل سائل منهم: كيف يعلم ذات الصدور، والمعروف أن ما في نفس المرء لا يعلمه غير نفسه؟

فأجيبوا بإنكار انتفاء علمه تعالى بما في الصدور فإنه خالق أصحاب تلك الصدور، فكما خلقهم وخلق نفوسهم جعل اتصالاً لتعلق علمه بما يختلج فيها وليس ذلك بأعجب من علم أصحاب الصدور بما يدور في خَلدها، فالإِتيان ب ﴿ مَن ﴾ الموصولة لإِفادة التعليل بالصلة.

فيجوز أن يكون ﴿ مَن خَلَق ﴾ مفعول ﴿ يعلم ﴾ فيكون ﴿ يعلم ﴾ و ﴿ خلَق ﴾ رافعين ضميرين عائديْن إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ ، فيكون ﴿ مَن ﴾ الموصولة صادقة على المخلوقين وحُذف العائد من الصلة لأنه ضمير نصب يكثر حذفه.

والتقدير: من خلقهم.

ويجوز أن يكون ﴿ من خلق ﴾ فاعل ﴿ يعلم ﴾ والمراد الله تعالى، وحُذف مفعول ﴿ يعلم ﴾ لدلالة قوله: ﴿ وأسروا قولَكم أو اجهروا به ﴾ .

والتقدير: ألا يعلم خالقكم سركم وجهركم وهو الموصوف بلطيف خبير.

والعلم يتعلق بذوات الناس وأحوالهم لأن الخلق إيجاد وإيجاد الذوات على نظام مخصوص دالٌ على إرادة ما أودع فيه من النظام وما ينشأ عن قوى ذلك النظام، فالآية دليل على عموم علمه تعالى ولا دلالة فيها على أنه تعالى خالق أفعال العباد للانفكاك الظاهر بين تعلق العلم وتعلق القدرة.

وجملة ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ الأحسن أن تجعل عطفاً على جملة ﴿ ألا يعلم من خلق ﴾ لتفيد تعليماً للناس بأن علم الله محيط بذوات الكائنات وأحوالها فبعد أن أنكر ظنهم انتفاء على الله بما يسرون، أعلمهم أنه يعلم ما هو أعم من ذلك وما هو أخفى من الإِسرار من الأحوال.

و ﴿ اللطيف ﴾ : العالم خبايا الأمور والمدبر لها برفق وحكمة.

و ﴿ الخبير ﴾ : العليم الذي لا تعزب عنه الحوادثُ الخفية التي من شأنها أن يخبر الناس بعضهم بعضاً بحدوثها فلذلك اشتق هذا الوصف من مادة الخبر، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ﴾ في الأنعام (103) وعند قوله: ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ في سورة لقمان (16).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إذا أُلْقُوا فِيها ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ أُلْقُوا في جَهَنَّمَ.

﴿ سَمِعُوا لَها شَهِيقًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّهِيقَ مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ إلْقائِهِمْ في النّارِ.

الثّانِي: أنَّ الشَّهِيقَ لِجَهَنَّمَ عِنْدَ إلْقاءِ الكُفّارِ فِيها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَشْهَقُ إلَيْهِمْ شَهْقَةَ البَغْلَةِ لِلشَّعِيرِ ثُمَّ تَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا خافَ.

وَفي الشَّهِيقِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الشَّهِيقَ في الصُّدُورِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الصِّياحُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الشَّهِيقَ هو آخِرُ نَهِيقِ الحِمارِ، والزَّفِيرَ مِثْلُ أوَّلِ نَهِيقِ الحِمارِ، وقِيلَ إنَّ الزَّفِيرَ مِنَ الحَلْقِ، والشَّهِيقَ مِنَ الصَّدْرِ.

﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ أيْ تَغْلِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ تَرَكْتُمْ قِدْرَكم لا شَيْءَ فِيها وقِدْرُ القَوْمِ حامِيَةٌ تَفُورُ ﴿ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

.

.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَنْقَطِعُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: تَتَفَرَّقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

وَقَوْلُهُ (مِنَ الغَيْطِ) فِيهِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَلَيانُ، قالَ الشّاعِرُ فَيا قَلْبُ مَهْلًا وهو غَضْبانُ قَدْ غَلا ∗∗∗ مِنَ الغَيْظِ وسَطَ القَوْمِ ألّا يَثِبَكا الثّانِي: أنَّهُ الغَضَبُ، يَعْنِي غَضَبًا عَلى أهْلِ المَعاصِي وانْتِقامًا لِلَّهِ مِنهم.

﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النُّذُرَ مِنَ الجِنِّ، والرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ، واحِدُهم نَذِيرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَبُعْدًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ يَعْنِي جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ وادٍ مِن جَهَنَّمَ يُسَمّى سُحْقًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو صالِحٍ، وفي هَذا الدُّعاءِ إثْباتٌ لِاسْتِحْقاقِ الوَعِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ سمعوا لها شهيقاً ﴾ قال: صياحاً.

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى قال: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟

قالت: إنه كان يستحي مني فيقول: أرسلوا عبدي قال: وإن العبد ليجر إلى النار فيقول يا رب ما كان هذا الظن بك، قال: فما كان ظنك؟

قال: كان ظني أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، قال: وإن الرجل ليخر إلى النار فتشهق إليه شهيق البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.

وأخرج هناد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وهي تفور ﴾ قال: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: تتفرق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: يفارق بعضها بعضاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول حسان: ألا من مبلغ عني أبياً ** فقد ألقيت في سحق السعير وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فسحقاً لأصحاب السعير ﴾ قال: سحق واد في جهنم.

قوله تعالى: ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ قال: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ هذا برهان على أن الله تعالى يعلم كل شيء، لأن الخالق يعلم مخلوقاته، ويحتمل أن يكون ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ فاعلاً يراد به الخالق والمفعول محذوف تقديره: ألا يعلم الخالق خلقه أو يكون ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ مفعولاً والفاعل مضمر تقديره: ألا يعلم الله من خلق، والأول أرجح؛ لأن من خلق إذا كان مفعولاً اختص بمن يعقل، والمعنى الأول يعم من يعقل ومن لا يعقل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ فالمصير: هو الطريق، أي: فبئس الطريق طريق من سلكه أفضى به إلى عذاب السعير].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً ﴾ .

الشهيق: هو الصوت المنكر.

ثم من الناس من يقول: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ ، أي: لجهنم.

ومنهم من جعل الشهيق من أهلها، وقد يجوز أن يذكر المكان والمراد منه الأهل؛ كما قال: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا  ﴾ ، وكلا الأمرين يحتمل عندنا، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ لأن الصوت المنكر أمر ظاهر ممن لا يعقل الصوت كهو [من الذي يعقل]، فليس الذي يعقل الصوت أولى أن يجعل الفعل له من الذي لا يعقل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

أي: تغلي، ثم النار بنفسها لا تغلي، وإنما تغلي بالذي يجعل فيها؛ ففيه أن طعامهم وشرابهم في النار النار [فيغلي النار بطعامهم وشرابهم].

وقوله: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

فجائز أن يكون [هذا] كناية عن الخزنة.

وجائز أن يكون هذا وصف النار، ولله  أن يجعل في جهنم، وفيما شاء من الأموات ما يعرف به عظمته وجلاله، فيغضب له على أعدائه غضبا يكاد أن ينقطع في نفسه؛ ويسلم لأوليائه.

ثم في ذكر غضبها تذكير أن من حق الله  على أوليائه أن يغضبوا له على أعدائه غضب جهنم عليهم، بل جهنم أبعد عن أن تمتحن بذلك منا، ثم هي بلغت من الغضب على أعداء الله  مبلغا كادت تتقطع بنفسها، فالأولياء أحق أن يوجد منهم هذا الوصف، وقد مدح الله  الذين مع رسول الله  ؛ لما [وجد] فيهم من الشدة على الأعداء، وذلك قوله -  : ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ  ﴾ ، وقال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وهكذا الحق على كل مؤمن أن يكون على هذا الوصف.

وفيه حكمة أخرى: وهي أنه ذكر شدة النار على أهلها؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ \[ينذركم لقاء يومكم هذا\] ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ .

وهذا هو إخبار عن نهاية أمرهم وآخر شأنهم؛ وذلك أنهم فزعوا في الآخرة إلى اليمين بالكذب، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة كما كانت تنفعهم في الدنيا، فلما ألقوا فيها، أيقنوا أن أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب؛ ففزعوا إلى الاعتراف والصدق؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فقالوا: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ ينذرنا عن لقاء هذا اليوم، ﴿ فَكَذَّبْنَا ﴾ بالذي كان ينذرنا النذر، وقلنا: ﴿ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ مما تنذروننا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .

فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة، أو هذا خطاب في الدنيا ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ .

ففي قوله: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ اعتراف منهم بأنهم قد سمعوا وعقلوا، فقوله: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ ، ليس هو على نفي السمع والعقل؛ إذ قد أقروا أنهم سمعوا وعقلوا، وإنما هو على نفي الانتفاع بما سمعوا وعقلوا؛ لأن الانتفاع بالمسموع هو الإجابة لما سمع، والانتفاع بالعقل أن يقوم بوفاء ما عقل، وهم لم يجيبوا لما سمعوا، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا.

وقال بعضهم: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾ : في الدنيا كما نسمع الآن، أو كنا نعقل كما نعقل الآن ﴿ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

وهذا غير مستقيم؛ لأن تلك الدار ليست بدار إسماع وإفهام، وإنما المعنى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

أي: بعدا، على معنى الدعاء عليهم.

وقيل: السحق: واد في جهنم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

يحتمل: أي: الذين يخشون عذاب ربهم والعذاب عنهم غائب، فأهل الإسلام يخشون عذاب الله وهو غائب عنهم، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: يخشون الله -  - أن يعذبهم.

أو أن يخشوه فيما أوعدهم.

ثم الأصل: أن ما من مؤمن بالبعث - سوى المعتزلة - إلا وهو يخشى الله  ، لكنهم يتفاوتون في الخشية.

ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف، ليس كالأمن والإياس الذي لا يقتضي كل واحد منهما إلا وجها واحداً، وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا، فكل مؤمن يخاف عذاب الله  ؛ لما رأى من كثرة نعم الله  وغفلته عن حقوق تلك النعم؛ لأن من حقها أن يشكر الله  عليها، وقد عرف كل [مؤمن تقصيره] في أداء الشكر وتفريطه في قضاء الحقوق؛ فيرجو رحمته، لما عرف من سعة رحمته، وعرفه متفضلاً عفوّاً غفورا، لكن فيهم تفاوت في الخشية والرهبة: فمن كان أذكر لغفلته، فهو لعقوبته أكثر خشية، ومن كان أقل ذكراً لغفلته فهو أقل خشية؛ فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعاً ويتيقنون بحلوله، لكنم يتفاوتون في ذلك: فمن كان له أكثر ذكرا، كان أبلغ في التيقظ، وأكثر رهبة، ومن كان أغفل عن ذكره فهو له أقل رهبة.

ولقائل أن يقول: كيف جعلتم كل مؤمن خائفاً راجياً، والراجي: هو الذي يطلب، والخائف: هو الذي يهرب، فكل من رجا شيئاً يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال وأسباب، فهو يقوم بتلك الأعمال، بغاية ما يحمله وسعه؛ ليصل إلى مأموله، وإذا لم يقم بها لم يكن راجيا في الحقيقة، بل كان متمنيا، وكذلك من خاف حقيقة الخوف، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب؛ فهو يهرب مما يخافه أشد الهرب.

ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ الآمال، ولا يهربون مما يخافون منه أشد الهرب وغاية الخوف، فكيف وصفتم كل مؤمن بالخوف والرجاء وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف؟!

واستدل على صحة ما ذكر بقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فالراجي لرحمة الله من دأب في طاعته، وقال -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 60\]، فقيل: يا رسول الله، هم الذين يزنون ويسرقون؟!

فقال: "بل هم الذين يصومون ويصلون وقلوبهم وجلة" ، وقال -  -: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  ﴾ .

فجوابه: أن المؤمن ليس يرى كل خلاصه من العذاب وأمنه من العقاب بعمله حتى إذا وجد التقصير في العمل أظهر ذلك المعنى فساد الرجاء والخوف، وإنما يتوقع خلاصه بتوفيق الله وعفوه، ويرجو رحمته؛ بكرمه وجوده؛ لذلك لم يوجب التقصير في العمل إبطال الرجاء والخوف، وهذا إذا كان غير معتزلي المذهب ولم يكن من الخوارج، فأما إذا كان الراجي والخائف أحد هذين؛ فتقصيره في العمل يدل على فساد الرجاء والخوف؛ لأن كل واحد منهما ليس يرى لنفسه شفيعا إلا عمله، به ينجو وبه يهلك، فإذا لم يبالغ في الطلب من جهة العمل، ولم يبالغ في الهرب من الخوف بالعمل - ظهر أنه ليس براجٍ ولكنه متمنٍّ، وتبين أنه غير خائف في الحقيقة.

ثم المعتزلة لا يخافون الله  ولا يرجون رحمته في الحقيقة؛ لأنهم يزعمون أن العبد إذا ارتكب الكبيرة، فليس لله -  - ألا يعذبه عليها وأن يغفرها له، وإذا اجتنب الكبيرة استوجب المغفرة وإن ارتكب الصغائر، وليس لله -  - أن يعذبه عليها، والقائل بهذا غير راج لرحمة الله  ، ولا خائف من عذابه، وإنما يقع الخوف والرجاء من عند نفسه؛ لأن الزلة التي استوجب بها العذاب فهو الذي اكتسبها، ولو لم يعملها، لم يعذب، وفاز بالنجاة؛ فصار رجاؤه وخلاصه بعمله، لا برحمة الله  وفضله، ولا بذلك وصف الله  المؤمنين في كتابه، ولأن الله  أثنى على الذين يدعونه؛ خوفا وطمعا ورغبا ورهبا، وعلى قول أهل الاعتزال لا يدعو أحد ربه على الرغبة والرهبة والخوف والطمع؛ لأن الداعي إن كان صاحب كبيرة فهو فيما يدعو الله  ؛ ليغفر له، إنما يدعو ليجور عليه؛ إذ لا يسعه أن يغفر له ولا يعذب عليه، فدعاؤه بالمغفرة معناه يقتضي أن جُرْ عليَّ، وذلك عظيم، وإن كان صاحب صغيرة فهو فيما يطلب المغفرة منه -  - يسأله ألا يجور عليه؛ لأنه ليس له أن يعذب على الصغائر على مذهبه ولو عذب صار به جائراً، فإذا خاف عذابه حتى إذا فزع إلى الدعاء، فقد خاف جوره، ومن لم يأمن من ربه الجور بل خاف ذلك منه، فهو لم يعرف ربه حقيقة المعرفة؛ وكذلك من دعا الله  ؛ ليجور عليه، فقد دعا إلى أن يسفه، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها؛ فثبت أن الداعي على الرغبة والرهبة غير ممدوح عنده، ولا هو ممن يستحق الثناء عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ .

أي: من يرجو الله  ويخافه، فله مغفرة لذنوبه، وأجر كبير، وهو الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

فهذه الآية كأنها في إلزام الوعيد؛ يقول: إنه عالم بالأنفس التي فيها الصدور بما يضمرون فيها، وما يودعون، وما يكتمون، وما يخبرون عما أودعوا فيها ويظهرون.

والصدر: هو ساحة القلب، سميت صدرا؛ لأن الآراء تصدر عنها؛ فهو عالم بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم، وعالم بما يضمر فيها من الأسرار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ .

تأويله عند أهل الإسلام: ألا يعلم من خلق ما أسروا أو جهروا، و (من) راجع إلى الله  دون الخلق، كأنه يقول: ألا يعلم الخالق ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ ، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر؛ فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد.

وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم: إن حرف ﴿ مَنْ ﴾ لا يرجع إلى الله  ، وإنما يرجع إلى الخلق؛ فكأنه يقول: ألا يعلم الله من خلق؛ على إضمار اسم الله  فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال؛ لأن حرف ﴿ مَنْ ﴾ يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال.

وذلك فاسد؛ لأن الآية في موضع الوعيد، ولو كان قوله: ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ راجعا إلى الأنفس، لزال موضع الوعيد؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم بأفعال وجدت منهم، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال؛ ولأنه لو لم يكن الله  خالقا لما يهجر به العبد ولما يخفيه لم يكن ليحتح به على عمله؛ إذ قد يجوز جواز الجهل من غير الذي يفعله؛ فلا يجوز أن يحتج عليهم بفعل غيره؛ ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس إثبات العلم بما أسروا أو جهروا، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان إيجاب الخلق لأفعالهم، ومعلوم بأن الآية في تحقيق العلم بما أسروا أو جهروا؛ لأن قوله: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ مذكور على أثر قوله: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ أي: عليم بما تسرون وما تجهرون؛ فثبت أن الخلق راجع إلى ما أسروا أو جهروا، ثم إن الناس على اختلافهم اتفقوا أن كل واقع بالطبع والضرورة مخلوق لله  ، وإنما اختلفوا في الفعل الواقع بكسب العبد: فمنهم من أثبت فيه الخلق وهو قول أهل الهدى، ومنهم من أبى القول بخلقه.

ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في العمل الذي جعل في طبع اليد احتمال ذلك العمل، ولا يتهيأ له أن يستعمله في الوجه الذي لم يجعل في طبعها احتمال ذلك؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه، أو يسمع بهما لم يملك ذلك؛ فثبت أنه ملك استعمالهما في القبض والبسط، والأخذ والتسليم؛ بما جعل في طبعهما احتمال ذلك، وإذا كان كذلك، فقد ثبت الخلق فيما يعمل بيديه وفيما يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .

في تدبيره؛ إذ دبر لسان الإنسان على ما إذا استعمله يخرج منه الكلام، وإذا أراد [أحد] أن يتعرف المعنى الذي به صلح للنطق، لم يقف عليه، ودبر قلبه على أن يصور ما يقع فيه من الخيال، فيؤديه بلسانه، ودبره على وجه يصلح أن يدع الأسرار والودائع من وجه لو أراد الخلائق أن يتعرفوا الوجه الذي صلح القلب أن يكون مصورا وحافظا ومعدنا للأسرار، لم يقفوا عليه.

وقيل: اللطيف: هو الذي لا يعزب عنه علم ما جل ودق.

وقيل: اللطيف بعباده في الإحسان إليهم والإنعام عليهم، الخبير بما فيه مصالحهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألا يعلم الَّذي خلق الخلائق كلها السرّ وما هو أخفى من السرّ؟!

وهو اللطيف بعباده، الخبير بأمورهم، لا يخفى عليه منها شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.RYWEZ"

مزيد من التفاسير لسورة الملك

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله