تفسير الآية ١٦ من سورة الملك

الإسلام > القرآن > سور > سورة 67 الملك > الآية ١٦ من سورة الملك

ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ١٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 50 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٦ من سورة الملك من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة الملك عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا أيضا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم ، بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه غيره وهو مع هذا يحلم ويصفح ، ويؤجل ولا يعجل ، كما قال : ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) [ فاطر : 45 ] .

وقال ها هنا : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ) أي : تذهب وتجيء وتضطرب

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا ) يقول تعالى ذكره: الله الذي جعل لكم الأرض ذَلُولا سَهْلا سَهَّلها لكم (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ).

اختلف أهل العلم في معنى (مَنَاكِبِهَا ) فقال بعضهم: مناكبها: جبالها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (فِي مَنَاكِبِهَا ) يقول: جبالها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) فقال لجارية له: إن دَريْت ما مناكبها، فأنت حرة لوجه الله ؛ قالت: فإن مناكبها: جبالها، فكأنما سُفِع في وجهه، ورغب في جاريته، فسأل، منهم من أمره، ومنهم من نهاه، فسأل أبا الدرداء، فقال: الخير في طمأنينة، والشرّ في ريبة، فَذرْ ما يريبك إلى ما لا يريبك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي، عن قتادة، عن بشير بن كعب، بمثله سواء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) : جبالها.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (فِي مَنَاكِبِهَا ) قال: في جبالها.

وقال آخرون: (مَنَاكِبِهَا ) : أطرافها ونواحيها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) يقول: امشوا في أطرافها.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة، أن بشير بن كعب العدويّ، قرأ هذه الآية (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) فقال لجاريته: إن أخبرتني ما مناكبها، فأنت حرّة، فقالت: نواحيها ؛ فأراد أن يتزوّجها، فسأل أبا الدرداء، فقال: إن الخير في طمأنينة، وإن الشرّ في ريبة، فدع ما يَريبك إلى ما لا يريبك.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) قال: طرقها وفجاجها.

وأولى القولين عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فامشوا في نواحيها وجوانبها، وذلك أن نواحيها نظير مناكب الإنسان التي هي من أطرافه.

وقوله: (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) يقول: وكلوا من رزق الله الذي أخرجه لكم من مناكب الأرض، (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) يقول تعالى ذكره: وإلى الله نشركم من قبوركم.

القول في تأويل قوله تعالى : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمورقال ابن عباس : أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه .

وقيل : تقديره أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته .

وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض .

وقيل : هو إشارة إلى الملائكة .

وقيل : إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب .قلت : ويحتمل أن يكون المعنى : أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون .فإذا هي تمور أي تذهب وتجيء .

والمور : الاضطراب بالذهاب والمجيء .

قال الشاعر :رمين فأقصدن القلوب ولن ترى دما مائرا إلا جرى في الحيازمجمع حيزوم وهو وسط الصدر .

وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض فهو المور .

وقال المحققون : أمنتم من فوق السماء ; كقوله : فسيحوا في الأرض أي فوقها لا بالمماسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير .

وقيل : معناه أمنتم من على السماء ; كقوله تعالى : ولأصلبنكم في جذوع النخل أي عليها .

ومعناه أنه مديرها ومالكها ; كما يقال : فلان على العراق والحجاز ; أي واليها وأميرها .

والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة ، مشيرة إلى العلو ; [ ص: 200 ] لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند .

والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت .

ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام .

وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ، ومنزل القطر ، ومحل القدس ، ومعدن المطهرين من الملائكة ، وإليها ترفع أعمال العباد ، وفوقها عرشه وجنته ; كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها ، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان .

ولا مكان له ولا زمان .

وهو الآن على ما عليه كان .

وقرأ قنبل عن ابن كثير " النشور وامنتم " بقلب الهمزة الأولى واوا وتخفيف الثانية .

وقرأ الكوفيون والبصريون وأهل الشام سوى أبي عمرو وهشام بالتخفيف في الهمزتين ، وخفف الباقون .

وقد تقدم جميعه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا تهديد ووعيد، لمن استمر في طغيانه وتعديه، وعصيانه الموجب للنكال وحلول العقوبة، فقال: { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } وهو الله تعالى، العالي على خلقه.

{ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ } بكم وتضطرب، حتى تتلفكم وتهلككم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم خوف الكفار فقال: ثم خوف الكفار فقال : ( أأمنتم من في السماء ) قال ابن عباس : أي : عذاب من في السماء إن عصيتموه ( أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ) قال الحسن : تتحرك بأهلها .

وقيل : تهوي بهم .

والمعنى : أن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تلقيهم إلى أسفل ، تعلو عليهم وتمر فوقهم .

يقال : مار يمور ، أي : جاء وذهب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أأمنتم» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما وبين الأخرى وتركه وإبدالها ألفا «من في السماء» سلطانه وقدرته «أن يخسف» بدل من مَن «بكم الأرض فإذا هي تمور» تتحرك بكم وترتفع فوقكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هل أمنتم- يا كفار "مكة"- الله الذي فوق السماء أن يخسف بكم الأرض، فإذا هي تضطرب بكم حتى تهلكوا؟

هل أمنتم الله الذي فوق السماء أن يرسل عليكم ريحا ترجمكم بالحجارة الصغيرة، فستعلمون- أيها الكافرون- كيف تحذيري لكم إذا عاينتم العذاب؟

ولا ينفعكم العلم حين ذلك.

وفي الآية إثبات العلو لله تعالى، كما يليق بجلاله سبحانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حذر - سبحانه - من بطشه وعقابه فقال : ( أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ) .

.والخسف : انقلاب ظاهر السطح من بعض الأرض فصير باطنا ، والباطن ظاهرا .

.والمَوْر : شدة الاضطراب والتحرك .

يقال : مار الشئ مَوْرا ، إذا ارتج واضطرب ، والمراد بمن فى السماء : الله - عز وجل - بدون تحيز أو تشبيه أو حلول فى مكان .قال الإمام الآلوسى : قوله : ( أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء ) وهو الله - عز وجل - كما ذهب إليه غير واحد ، فقيل على تأويل : من فى السماء أمره وقضاؤه ، يعنى أنه من التجوز فى الإِسناد ، أو أن فيه مضافا مقدرا ، وأصله : من فى السماء أمره ، فلما حذف وأقيم المضاف إليه مقامه ارتفع واستتر ، وقيل على تقدير : خالق من فى السماء .

.وقيل فى بمعنى على ، ويراد العلو بالقهر والقدرة .

.وأئمة السلف لم يذهبوا إلى غيره - والآية عندهم من المتشابه وقد قال صلى الله عليه وسلم آمنوا بمتشابهه ولم يقل أولوه .

فهم مؤمنون بأنه - عز وجل - فى السماء : على المعنى الذى أراده - سبحانه - مع كمال التنزيه .

وحديث الجارية - التى قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم أين الله؟

فأشارت إلى السماء - من أقوى الأدلة فى هذا الباب .

وتأويله بما أول به الخلف ، خروج عن دائرة الإِنصاف عند ذوى الألباب .

.والمعنى : أأمنتم - أيها الناس - من فى السماء وهو الله - عز وجل - أن يذهب الأرض بكم ، فيجعل أعلاها أسفلها .

.

فإذا هى تمور بكم وتضطرب ، وترتج ارتجاجا شديدا تزول معه حياتكم .فالمقصود بالآية الكريمة تهديد الذين يخالفون أمره ، بهذا العذاب الشديد ، وتحذيرهم من نسيان بطشه وعقابه .والباء فى قوله ( بِكُم ) للمصاحبة .

أى : يخسفها وأنتم مصاحبون لها بذواتكم ، بعد أن كانت مذللة ومسخرة لمنفعتكم .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن هذه الآيات نظيرها قوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض  ﴾ .

واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان لله تعالى بقوله: ﴿ ءامِنتم مَّن فِي السماء ﴾ ، والجواب عنه أن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين، لأن كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطاً به من جميع الجوانب، فيكون أصغر من السماء، والسماء أصغر من العرش بكثير، فيلزم أن يكون الله تعالى شيئاً حقيراً بالنسبة إلى العرش، وذلك باتفاق أهل الإسلام محال، ولأنه تعالى قال: ﴿ قُل لّمَن مَّا فِي السموات والأرض قُل لِلَّهِ  ﴾ فلو كان الله في السماء لوجب أن يكون مالكاً لنفسه وهذا محال، فعلمنا أن هذه الآية يجب صرفها عن ظاهرها إلى التأويل، ثم فيه وجوه: أحدها: لم لا يجوزأن يكون تقدير الآية: أأمنتم من في السماء عذابه، وذلك لأن عادة الله تعالى جارية، بأنه إنما ينزل البلاء على من يكفر بالله ويعصيه من السماء فالسماء موضع عذابه تعالى، كما أنه موضع نزول رحمته ونعمته.

وثانيها: قال أبو مسلم: كانت العرب مقرين بوجود الإله، لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على وفق قول المشبهة، فكأنه تعالى قال لهم: أتأمنون من قد أقررتم بأنه في السماء، واعترفتم له بالقدرة على ما يشاء أن يخسف بكم الأرض.

وثالثها: تقدير الآية: من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله وتعظيم قدرته، كما قال: ﴿ وَهُوَ الله فِي السموات وَفِى الأرض  ﴾ فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين، فوجب أن يكون المراد من كونه في السموات وفي الأرض نفاذ أمره وقدرته، وجريان مشيئته في السموات وفي الأرض، فكذا هاهنا.

ورابعها: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ مَّن فِي السماء ﴾ الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريل عليه السلام، والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر الله وإذنه.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ﴾ قالوا معناه: إن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها، فيذهبون والأرض فوقهم تمور، فتلقيهم إلى أسفل السافلين، وقد ذكرنا تفسير المور فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المشي في مناكبها: مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية؛ لأنّ المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير وأنباه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك.

وقيل: مناكبها جبالها.

قال الزجاج: معناه سهل لكم السلوك في جبالها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها، فهو أبلغ التذليل.

وقيل: جوانبها.

والمعنى: وإليه نشوركم، فهو مسائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ ﴾ ألا يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ مَن أوْجَدَ الأشْياءَ حَسْبَما قَدَّرَتْهُ حِكْمَتُهُ.

﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ، أوْ ألا يَعْلَمَ اللَّهُ مَن خَلَقَهُ، وهو بِهَذِهِ المَثابَةِ والتَّقْيِيدِ بِهَذِهِ الحالِ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ لِ يَعْلَمُ مَفْعُولٌ لِيُفِيدَ، رُوِيَ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِيما بَيْنَهم بِأشْياءَ، فَيُخْبِرُ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ فَيَقُولُونَ: أسِرُّوا قَوْلَكم لِئَلّا يَسْمَعَ إلَهُ مُحَمَّدٍ فَنَبَّهَ اللَّهُ عَلى جَهْلِهِمْ.

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا ﴾ لَيِّنَةً يُسَهِّلُ لَكُمُ السُّلُوكَ فِيها.

﴿ فامْشُوا في مَناكِبِها ﴾ في جَوانِبِها أوْ جِبالِها، وهو مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ فَإنَّ مَنكِبَ البَعِيرِ يَنْبُو عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ ولا يَتَذَلَّلُ لَهُ، فَإذا جَعَلَ الأرْضَ في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَمْشِي في مَناكِبِها لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ لَمْ يَتَذَلَّلْ.

﴿ وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ ﴾ والتَمِسُوا مِن نِعَمِ اللَّهِ.

﴿ وَإلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ المَرْجِعُ فَيَسْألُكم عَنْ شُكْرِ ما أنْعَمَ عَلَيْكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أأمنتم مَّن فِى السماء} أي من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته ومنها تنزل قضايا وكتبه وأوامره ونواهيه فكأنه قال أأمنتم خالق السماء وملكه أو لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه وأنه في السماء وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه فقيل لهم على حسب اعتقادهم أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعالٍ عن المكان {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض} كما خسف بقارون {فَإِذَا هِىَ تَمُورُ} تضطرب وتتحرك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ ﴾ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ فَقِيلَ عَلى تَأْوِيلِ ﴿ مَن في السَّماءِ ﴾ أمْرُهُ سُبْحانَهُ وقَضاؤُهُ يَعْنِي أنَّهُ مِنَ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ أوْ أنَّ فِيهِ مُضافًا مُقَدَّرًا وأصْلُهُ مَن في السَّماءِ أمْرُهُ، فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ارْتَفَعَ واسْتَتَرَ.

وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ خالِقِ مَن في السَّماءِ وقِيلَ: ﴿ فِي ﴾ بِمَعْنى عَلى ويُرادُ العُلُوُّ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ وقِيلَ هو مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِ العَرَبِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ في السَّماءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ( أأمِنتُمْ ) مَن تَزْعُمُونَ أنَّهُ ﴿ فِي السَّماءِ ﴾ وهو مُتَعالٍ عَنِ المَكانِ وهَذا في غايَةِ السَّخافَةِ فَكَيْفَ يُناسِبُ بِناءُ الكَلامِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ عَلى زَعْمِ بَعْضِ زَعْمِ الجَهَلَةِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، أوْ هو غَيْرُهُ عَزَّ شَأْنُهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُوَكَّلُونَ بِتَدْبِيرِ هَذا العالَمِ وقِيلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المَلِكُ المُوَكَّلُ بِالخَسْفِ، وأئِمَّةُ السَّلَفِ لَمْ يَذْهَبُوا إلى غَيْرِهِ تَعالى والآيَةُ عِنْدَهم مِنَ المُتَشابِهِ.

وقَدْ قالَ  : ««آمَنُوا بِمُتَشابِهِهِ»» .

ولَمْ يَقُلْ أوَّلُوهُ فَهم مُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ ( عَزَّ وجَلَّ ) في السَّماءِ عَلى المَعْنى الَّذِي أرادَهُ سُبْحانَهُ مَعَ كَمالِ التَّنْزِيهِ، وحَدِيثُ الجارِيَةِ مِن أقْوى الأدِلَّةِ لَهم في هَذا البابِ وتَأْوِيلُهُ بِما أوَّلَ ابْنُ الخَلَفِ خُرُوجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ عِنْدَ أُولِي الألْبابِ.

وفي فَتْحِ البارِي لِلْحافِظِ ابْنِ حَجْرٍ أُسْنِدَ الَّلكائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الشَّيْبانِيِّ قالَ: اتِّفاقُ الفُقَهاءِ كُلِّهِمْ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ والأحادِيثِ الَّتِي جاءَتْ بِها الثِّقاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في صِفَةِ الرَّبِّ مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ ولا تَفْسِيرٍ.

وأسْنَدَ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أحْمَدَ بْنِ أبِي الحِوارِيِّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيَنْةَ: كُلُّ ما وصَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَفْسَهُ في كِتابِهِ فَتَفْسِيرُهُ تِلاوَتُهُ والسُّكُوتُ عَنْهُ وهَذِهِ طَرِيقَةُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في الرِّسالَةِ النِّظامِيَّةِ: اخْتَلَفَ مَسالِكُ العُلَماءِ في هَذِهِ الظَّواهِرِ فَرَأى بَعْضُهم تَأْوِيلَها والتَزَمَ ذَلِكَ في آيِ الكِتابِ وما يَصِحُّ مِنَ السُّنَنِ، وذَهَبَ أئِمَّةُ السَّلَفِ إلى الِانْكِفافِ عَنِ التَّأْوِيلِ وإجْراءِ الظَّواهِرِ عَلى مَوارِدِها وتَفْوِيضِ مَعانِيها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأْيًا ونَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ عَقِيدَةً اتِّباعُ سَلَفِ الأُمَّةِ لِلدَّلِيلِ القاطِعِ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ، فَلَوْ كانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الظَّواهِرِ حَتْمًا لَأوْشَكَ أنْ يَكُونَ اهْتِمامُهم بِهِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، إذِ انْصَرَمَ عَصْرُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ عَلى الإضْرابِ عَنِ التَّأْوِيلِ كانَ ذَلِكَ هو الوَجْهَ المُتَّبَعَ انْتَهى كَلامُ الإمامِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ في ذَلِكَ عَنْ أهْلِ العَصْرِ الثّالِثِ وهم فُقَهاءُ الأمْصارِ كالثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ ومالِكٍ واللَّيْثِ ومَن عاصَرَهم وكَذا مَن أخَذَ عَنْهم مِنَ الأئِمَّةِ، فَكَيْفَ لا يُوثَقُ بِما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ القُرُونِ الثَّلاثَةِ وهم خَيْرُ القُرُونِ بِشَهادَةِ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟

انْتَهى كَلامُ الحافِظِ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ.

ونَقَلَ نُصُوصَ الأئِمَّةِ في إجْراءِ ذَلِكَ عَلى الظّاهِرِ مَعَ التَّنْزِيهِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ يُفْضِي إلى مَزِيدِ بَسْطٍ وتَطْوِيلٍ وقَدْ أُلِّفَتْ فِيهِ كُتُبٌ مُعْتَبَرَةً مُطَوَّلَةٌ ومُخْتَصَرَةٌ.

وفي تَنْبِيهِ العُقُولِ لِشَيْخِ مَشايِخِنا إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ أنَّ إجْماعَ القُرُونِ الثَّلاثَةِ عَلى إجْراءِ المُتَشابِهاتِ عَلى مَوارِدِها مَعَ التَّنْزِيهِ بِ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الشّارِعَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ أرادَ بِها ظَواهِرَها والجَزْمُ بِصِدْقِهِ  دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ الدّالِّ عَلى نَقِيضِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ تَوَهَمَهُ العاقِلُ في طَوْرِ النَّظَرِ والفِكْرِ.

فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِهَذا النَّحْوِ مِنَ الصِّفاتِ طَوْرٌ وراءَ ذَلِكَ انْتَهى.

وأنا أقُولُ في التَّأْوِيلِ اتِّباعُ الظَّنِّ وقَوْلُ في اللَّهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) بِغَيْرِ عِلْمٍ وإلّا لاتَّحَدَ ما يَذْكُرُونَهُ مِنَ المَعْنى فِيهِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ حَيْثُ يَذْكُرُونَ في تَأْوِيلِ شَيْءٍ واحِدٍ وُجُوهًا مِنَ الِاحْتِمالاتِ وفِيما عَلَيْهِ السَّلَفُ سَلامَةٌ مِن ذَلِكَ ويَكْفِي هَذا في كَوْنِهِ أحْسَنَ المَسالِكِ.

وما ( عَلَيَّ ) إذا ما قُلْتُ مُعْتَقَدِي دَعِ الجَهُولَ يَظُنُّ الجَهْلَ عُدْوانًا وقَرَأ نافِعٌ «أأمِنتُمْ» بِتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ الأُولى وتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ وأدْخَلَ أبُو عَمْرٍو وقالُونَ بَيْنَهُما ألِفًا.

وقَرَأ قُنْبُلٌ بِإبْدالِ الأُولى واوًا لِضَمِّ ما قَبْلَها وهو راءُ النُّشُورِ وعَنْهُ وعَنْ ورْشٍ غَيْرُ ذَلِكَ أيْضًا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( مَن ) وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ الجارِّ أيْ مِن أنْ يَخْسِفَ ومَحَلُّهُ حِينَئِذٍ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والأرْضُ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَخْسِفَ والخَسْفُ قَدْ يَتَعَدّى قالَ الرّاغِبُ يُقالُ خَسَفَهُ اللَّهُ تَعالى وخَسَفَ هو قالَ تَعالى: ﴿ فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ  ﴾ .

أيْ أأمِنتُمْ مِن أنْ يُذْهِبَ الأرْضَ إلى سُفْلٍ مُلْتَبِسَةً بِكم وزَعَمَ بَعْضُهم لُزُومَ لُزُومِهِ وأنَّ ﴿ الأرْضَ ﴾ نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ أنْ يَخْسِفَ بِكم في الأرْضِ ولَيْسَ كَذَلِكَ ﴿ فَإذا هِيَ ﴾ حِينَ الخَسْفِ ﴿ تَمُورُ ﴾ تَرْتَجُّ وتَهْتَزُّ اهْتِزازًا شَدِيدًا، وأصْلُ المَوْرِ التَّرَدُّدُ في المَجِيءِ والذَّهابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وتسمى الواقية والمنجية وهي ثلاثون آية مكية قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: تعالى وتعظم.

وهذا قول ابن عباس وقيل: تفاعل من البركة.

وقال الحسن: تبارك يعني: تقدس الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له الملك، كما قال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ويقال: الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ يعني: الذي له القدرة ونفاذ الأمر.

وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: في العز والذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء.

ثم قال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قال مقاتل: خَلَقَ الْمَوْتَ يعني: النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني: خلق إنساناً، ونفخ فيه الروح، فصار حياً.

وقال الكلبي: خَلَقَ الْمَوْتَ بمنزلة كبش أملح، لا يمر على شيء، ولا يجد ريحه شيء إلا مات وَالْحَياةَ شيء كهيئة الفرس البلقاء الأنثى التي يركب عليها جبريل والأنبياء.

وقال قتادة في قوله: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.

ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني: قدر الحياة ثم قدر الموت بعد الحياة.

لِيَبْلُوَكُمْ يعني: ليختبركم ما بين الحياة والموت.

أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في حياته، ويقال: أيكم أكمل عملاً وأخلص عملاً.

ويقال: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ أي: خلق الحياة للامتحان، وخلق الموت للجزاء كما قيل: لولا المحن لقدمنا مفاليس، وذلك أن الله تعالى، خلق الجنة.

وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي، فيستوجبون بفعلهم الثواب والعقاب.

والابتلاء من الله تعالى، أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب.

ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ يعني: العزيز بالنقمة للكافر، والغفور لمن تاب منهم.

ثم قال: الَّذِي خَلَقَ يعني: تبارك الذي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً يعني: مطبقاً بعضها فوق بعض مثل القبة.

مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ.

قرأ حمزة، والكسائي: من تفوت بغير ألف، والباقون بالألف، وهما لغتان.

تفاوت الشيء وتفوت، إذا اختلف، يعني: مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن اختلافاً واضطراباً، ويقال: ما ترى فيها من اعوجاج، ولكنه مستوي.

ويقال: معناه مَّا ترى فِى خَلْقِ السموات من عيب.

وأصله من الفوت أي يفوت الشيء، فيقع فيه الخلل، ولكنه متصل بعضها ببعض.

ثم أمر بأن ينظروا في خلقه، ليعتبروا به ويتفكروا في قدرته، فقال عز وجل: فَارْجِعِ الْبَصَرَ يعني: رد البصر إلى السماء.

ويقال: قلب البصر في السماء، ويقال: اجتهد بالنظر إلى السماء.

هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟

يعني: هل ترى فيها من شقوق؟

ويقال: هل ترى فروجاً أو صدوعاً أو خللاً؟

ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعني: انظر إليها وإنما أمر بالنظر إلى السماء مرتين، لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة، لا يرى أثر عيبه ما لم ينظر فيه مرة أخرى فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرتين، لا يرى فيها عيباً، بل يتحير بالنظر إليها، فذلك قوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً يعني: يرجع البصر ذليلاً.

وَهُوَ حَسِيرٌ يعني: قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً.

وقال القتبي: خاسِئاً أي: مبعداً، وَهُوَ حَسِيرٌ أي: كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه قبل أن يرى شيئاً من الخلل.

ثم قال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ يعني: بالنجوم والكواكب.

وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يعني: جعلنا بعض النجوم رمياً للشياطين، إذا تصدوا استراق السمع.

وَأَعْتَدْنا لَهُمْ يعني: للشياطين عَذابَ السَّعِيرِ يعني: الوقود.

وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أعتدنا للذين جحدوا بِرَبِّهِمْ يعني: بوحدانية الله تعالى عَذابُ جَهَنَّمَ.

قرئ في الشاذ عَذابُ جَهَنَّمَ بالنصب يعني: أعتدنا لهم عذاب جهنم، فيصير نصباً لوقوع الفعل عليه، وقراءة العامة بالضم، على معنى خبر الابتداء.

ثم قال: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: المرجع.

ثم قال: إِذا أُلْقُوا فِيها يعني: ألقوا الكفار في نار جهنم.

سَمِعُوا لَها يعني: سمعوا منها شَهِيقاً يعني: صوتاً كصوت الحمار.

وَهِيَ تَفُورُ يعني: تغلي كغلي المرجل.

تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ يعني: تكاد تتفرق من غيظها على أعداء الله تعالى.

كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ يعني: من النار فوج، يعني: أمة من الأمم.

سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يعني: رسولاً يخبركم ويخوفكم؟

قالُوا بَلى يعني: يقولون: بلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ يعني: الرسول، فَكَذَّبْنا الرسول، وَقُلْنا: إنكم لكاذبون على الله تعالى.

مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يعني: كتاباً ولا رسولاً.

إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ يعني: قلنا لهم ما أنتم إلا في خطأ عظيم.

وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ يعني: لو كنا نسمع إلى الحق أَوْ نَعْقِلُ يعني: نرغب في الهدى ونتفكر في الخلق.

مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: مع أصحاب الزقوم في النار.

ويقال: يعني: ما كنا في أهل النار.

فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ يعني: أقروا بشركهم فَسُحْقاً يعني: فبعداً من رحمة الله تعالى لِأَصْحابِ السَّعِيرِ يعني: الوقود.

وقال الزجاج: فَسُحْقاً نصب على المصدر، فمعناه أسحقهم الله سحقاً، فباعدهم من رحمته.

والسحق: البعيد، كقوله: فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج: 31] أي: بعيد.

قرأ الكسائي بضم السين والحاء، وجزم الحاء والباقون بضم السين، وهما لغتان معناهما واحد.

ثم بين حال المؤمنين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حَسِيراً، وَرَجْعُ البصرِ: ترديدُه في الشيءِ المبْصَرِ، وكَرَّتَيْنِ معناه مرتين، والخاسئ المبْعَدُ عن شيءٍ أرَادَه، وحَرَصَ عليه، ومنه قوله تعالى: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون:

١٠٨] وكذلكَ البصرُ يحرصُ على رؤيةِ فطورٍ أو تفاوتٍ، فلا يَجِدُ ذلك، فينقلبَ خاسِئاً، والحسيرُ العَيِيُّ الكالُّ.

وقوله تعالى: بِمَصابِيحَ يعني: النجومَ، قال الفخر «١» : ومعنى السَّماءَ الدُّنْيا أي: القريبةُ مِنَ الناسِ، وليسَ في هذهِ الآيةِ ما يدلُّ عَلى أنّ الكواكبَ مركوزةٌ في السماء الدنيا، وذلك لأَنَّ السموات إذا كَانَتْ شَفَّافَةً فالكواكبُ سَواءٌ كَانَتْ في السماءِ الدنيا، أو كانَتْ في سموات أخْرَى فَوقَها، فهي لا بد أنْ تَظْهَرَ في السماء الدنيا، وتَلُوحُ فِيها، فَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ فالسَّماء «٢» الدُّنْيَا مُزَيَّنَةٌ بها، انتهى.

وقوله: وَجَعَلْناها معناه وجَعَلْنَا مِنْها ويُوجِبُ/ هذا التأويلُ في الآيةِ أنَّ الكواكبَ الثابتةَ، والبروجَ، وكلَّ ما يُهْتَدَى به في البرِّ والبحرِ لَيْسَت براجمةٍ، وهذا نصّ في حديثِ السير قال الثعلبي: رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يُرْجَمُونَ بِها إذَا اسْتَرَقُوا السّمْعَ فلا تُخْطِئُهُم، فمنهم مَنْ يُقْتَلُ ومنهم من يُخْبَلُ، انتهى.

وقوله تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ قال ع «٣» : تضمنتِ الآيةُ أنَّ عذابَ جهنمَ للكفارِ المُخَلّدِينَ، وقد جاءَ في الأثر: أنه يَمُرُّ على جهنَم زَمانٌ تُخْفِق أبوابَها، قد أخْلَتْها الشفاعةُ، والذي يقال في هذا أن جهنَّمَ اسْمٌ تُخْتَصُّ به الطبقةُ العُلْيَا من النارِ، ثم قَدْ تُسَمَّى الطبقاتُ كلها باسْمِ بَعْضِها، فالتي في الأثرِ هي الطبقةُ العُلْيَا لأنَّها مَقَرُ العُصَاةِ من المؤمنينَ، وَالَّتي في هذهِ الآية هي جهنمَ بأسرها، أي: جميعُ الطبقاتِ، والشَّهِيقُ أقْبَحُ ما يكونُ من صوتِ الحمارِ، فاشْتِعَالُ النار وغَلَيَانُها يُصَوِّتُ مِثْل ذلك.

وقوله: تَكادُ تَمَيَّزُ أي يُزَايِلُ بَعْضُها بَعْضاً لشدّة الاضطراب، ومِنَ الْغَيْظِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٤٩] "لَهم مَغْفِرَةٌ" لِذُنُوبِهِمْ "وَأجْرٌ كَبِيرٌ" وهُوَ: الجَنَّةُ.

ثُمَّ عادَ إلى خِطابِ الكُفّارِ، «فَقالَ تَعالى: ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ كانُوا يَنالُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ  ، فَيُخْبِرُهُ جِبْرائِيلُ بِما قالُوا، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: أسِرُّوا قَوْلَكم حَتّى لا يَسْمَعَ إلَهُ مُحَمَّدٍ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ ﴾ ؟!

أيْ: ألا يَعْلَمُ ما في الصُّدُورِ خالِقُها؟!

واللَّطِيف مَشْرُوحٌ في [الأنْعامِ: ١٠٣] والخَبِير في [البَقَرَةِ: ٢٣٤] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا ﴾ أيْ: مُذَلَّلَةً سَهْلَةً لَمْ يَجْعَلْها مُمْتَنِعَةً بِالحُزُونَةِ والغِلَظِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فامْشُوا في مَناكِبِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: طُرُقاتُها، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: جِبالُها، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: لِأنَّ المَعْنى: سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ فِيها، فَإذا أمْكَنَكُمُ السُّلُوكُ في جِبالِها، فَهو أبْلَغُ في التَّذْلِيلِ.

والثّالِثُ: في جَوانِبِها، قالَهُ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: ومَنكِبا الرَّجُلِ: جانِباهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ أيْ: إلَيْهِ تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُشُورُ ﴾ المَعْنى وقالَ الكُفّارُ لِلْخَزَنَةِ في مُحاوَرَتِهِمْ: لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ سَمْعًا أو عَقْلًا يَنْتَفِعُ بِهِ ويُغْنِي شَيْئًا لَآمَنّا ولَمْ نَسْتَوْجِبِ الخُلُودَ في السَعِيرِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا  أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ في وقْتٍ لا يَنْفَعُ فِيهِ الِاعْتِرافُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسُحْقًا" نُصِبَ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ عَلَيْهِمْ، وجازَ ذَلِكَ فِيهِ وهو مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ هَذا القَوْلُ مُسْتَقِرٌّ أزَلًا وُجُودُهُ لَمْ يَقَعْ ولا يَقَعْ إلّا في الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ لِذَلِكَ في حَيِّزِ المُتَوَقَّعِ الَّذِي يُدْعى فِيهِ، كَما تَقُولُ: سُحْقًا لِزَيْدٍ وبُعْدًا، وتُنْصَبٌ في هَذا كُلِّهِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وأمّا ما وقَعَ وثَبَتَ فالوَجْهُ فِيهِ الرَفْعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ "وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ"  ﴾ و ﴿ "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"،  ﴾ وغَيْرُ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَسَحْقًا" بِسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "فَسَحُقًا" بِضَمِّ الحاءِ وهُما لُغَتانِ.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى أهْلَ الإيمانِ وهُمُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:"بِالغَيْبِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بِالغَيْبِ الَّذِي أخْبَرُوا بِهِ مِنَ الحَشْرِ والصِراطِ والمِيزانِ والجَنَّةِ والنارِ، فَآمَنُوا بِذَلِكَ وخَشُوا رَبَّهم فِيهِ، ونَحا إلى هَذا قَتادَةُ، والمَعْنى الثانِي: أنَّهم يَخْشَوْنَ رَبَّهم إذا غابُوا عن أعْيُنِ الناسِ، أيْ: في خَلَواتِهِمْ، ومِنهُ تَقَوُّلُ العَرَبِ: "فُلانٌ سالِمُ الغَيْبِ"، أيْ: لا يَضُرُّ، فالمَعْنى: يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الخَشْيَةِ في صَلاتِهِمْ وعِباداتِهِمْ وانْفِرادِهِمْ، فالِاحْتِمالُ الأوَّلُ مَدْحٌ بِالإخْلاصِ والإيمانِ، والثانِي مَدْحٌ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ في الخَلَواتِ، وذَلِكَ أحْرى أنْ يَفْعَلُوها عَلانِيَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَبَبُها أنَّ المُشْرِكِينَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لا يَسْمَعُكم إلّا مُحَمَّدٌ، فالمَعْنى: أنَّ الأمْرَ سَواءٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما هَجَسَ في الصَدْرِ دُونَ أنْ يَنْطِقَ بِهِ، فَكَيْفَ إذا نَطَقَ بِهِ سِرًّا أو جَهْرًا، و"ذاتُ الصُدُورِ": ما فِيها، وهَذا كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَن" فَقالَ بَعْضُ النُحاةِ: إعْرابُها رَفْعٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألا يَعْلَمُ الخالِقُ خَلْقَهُ؟

فالمَفْعُولُ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ، ومِنهم مَن قالَ: إعْرابُها نَصْبٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألا يَعْلَمُ اللهُ مَن خَلَقَ؟

وقالَ مَكِّيٌّ: وتَعَلَّقَ أهْلُ الزَيْغِ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي أنَّ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعالى هُمُ العِبادُ مِن حَيْثُ قالَ: "مَن"، فَتَخْرُجُ الأعْمالُ عن ذَلِكَ، لِأنَّ المُعْتَزِلَةَ تَقُولُ: العِبادُ يَخْلُقُونَ أعْمالَهُمْ، وتَعَلُّقُهم بِهَذا التَأْوِيلِ ضَعِيفٌ، والكَلامُ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ مَأْخَذُهُ غَيْرُ هَذا؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ فِيها لَهم ولا عَلَيْهِمْ.

و"الذَلُولُ" فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَذْلُولَةٍ، فَهي كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، يُقالُ: ذَلُولٌ بَيِّنُ الذِلِّ، بِكَسْرِ الذالِ، وذَلِيلٌ بَيِّنُ الذُلِّ، بِضَمِّ الذالِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "المَناكِبِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَناكِبُها: أطْرافُها، وهي الجِبالُ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَوانِبُها، وهي النَواحِي، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الطُرَفُ والفِجاجُ، وهَذا قَوْلٌ جارٍ مَعَ اللُغَةِ؛ لِأنَّها تَنْكَبُّ يَمْنَةً ويَسْرَةً، ويَنْكَبُّ الماشِي فِيها، في مَناكِبَ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعَمٍ في تَقْرِيبِ التَصَرُّفِ لِلنّاسِ، وفي التَمَتُّعِ في رِزْقِ اللهِ تَعالى، و"النُشُورُ": الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من الاستدلال إلى التخويف لأنه لما تقرر أنه خالق الأرض ومذللها للناس وتقرر أنهم ما رعوا خالقها حق رعايته فقد استحقوا غضبه وتسليط عقابه بأن يُصيّر مشيهم في مناكب الأرض إلى تَجَلْجل في طبقات الأرض.

فالجملة معترضة والاستفهام إنكار وتوبيخ وتحذير.

و ﴿ مَن ﴾ اسم موصول وصلته صادِق على موجود ذي إدراك كائن في السماء.

وظاهر وقوع هذا الموصول عقب جُمل ﴿ وإليه النشور ﴾ [الملك: 15] أن الإتيان بالموصول من قبيل الإِظهار في مقام الإِضمار، وأن مقتضى الظاهر أن يقال أأمنتموه أن يخسف بكم الأرض؛ فيتأتى أن الإِتيان بالموصول لِما تأذن به الصلة من عظيم تصرفه في العالم العلوي الذي هو مصدر القُوى والعناصر وعجائب الكائنات فيصير قوله: ﴿ من في السماء ﴾ في الموضعين من قبيل المتشابه الذي يعطي ظاهره معنى الحلول في مكان وذلك لا يليق بالله، ويجيء فيه ما في أمثاله من طريقتي التفويض للسلف والتأويل للخلَف رحمهم الله أجمعين.

وقد أوَّلوه بمعنى: من في السماء عذابُه أو قدرتُه أو سلطانه على نحو تأويل قوله تعالى: ﴿ وجاء ربك ﴾ [الفجر: 22] وأمثاله، وخُص ذلك بالسماء لأن إثباته لله تعالى ينفيه عن أصنامهم.

ولكن هذا الموصول غير مَكين في باب المتشابه لأنه مجمل قابل للتأويل بما يَحتمله ﴿ من ﴾ أن يَكون مَا صْدَقُه مخلوقات ذات إدراك مقرها السماء وهي الملائكة فيصح أن تصدق ﴿ مَن ﴾ على طوائف من الملائكة الموكلين بالأمر التكويني في السماء والأرض قال تعالى: ﴿ يتنزل الأمر بينهن ﴾ [الطلاق: 12]، ويصح أن يراد باسم الموصل ملك واحد معيَّن وظيفته فعل هذا الخسف، فقد قيل: إن جبريل هو الملَك الموكّل بالعذاب.

وإسناد فعل ﴿ يخسف ﴾ إلى «الملائكة» أو إلى واحد منهم حقيقة لأنه فاعل الخسف قال تعالى حكاية عن الملائكة ﴿ قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية...

إنا مُنجوك وأهلك...

إنَّا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء ﴾ [العنكبوت: 31 34].

وإفراد ضمير ﴿ يخسف ﴾ مراعاة للفظ ﴿ مَن ﴾ إذا أريد طائفة من الملائكة أو مراعاة للفظ والمعنى إذا كان ما صْدق ﴿ مَن ﴾ ملكاً واحداً.

والمعنى: توبيخهم على سوء معاملتهم ربهم كأنهم آمنون من أن يَأمر الله ملائكته بأن يخسفوا الأرض بالمشركين.

والخسف: انقلاب ظاهر السطح من بعض الأرض باطناً وباطنه ظاهراً وهو شدة الزلزال.

وفعل خسف يستعمل قاصراً ومتعدياً وهو من باب ضرب، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض ﴾ سورة النحل (45).

والباء في قوله: بكم} للمصاحبة، أي يخسف الأرض مصاحبة لذواتكم.

وفي الجمع بين السماء والأرض محسّن الطباق.

والمصدر المُنسبك من ﴿ أن يخسف ﴾ يجوز أن يكون بدل اشتمال من اسم الموصول لأن الخسف من شأن مَن في السماء، ويجوز أن يكون منصوباً على نزع الخافض وهو مطّرد مع ﴿ أنْ ﴾ ، والخافض المحذوف حرف (مِن).

وفُرع على الخسف المتوقع المهدد به أن تمور الأرضُ تفريعَ الأثر على المؤثر لأن الخسف يحدث المَور، فإذا خسفت الأرض فاجأها المَور لا محالة، لكن نظم الكلام جرى على مَا يناسبُ جعل التهديد بمنزلة حادث وقع فلذلك جيء بعده بالحرف الدال على المفاجأة لأن حق المفاجأة أن تكون حاصلة زمن الحال لا الاستقبال كما في «مغني اللبيب» فإذا أريد تحقيق حصول الفعل المستقبل نُزل منزلة الواقع في الحال كقوله تعالى: ﴿ ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ [الروم: 25]، وإذا أريد استحضار حالة فعل حصل فيما مضى نُزل كذلك منزلة المشاهد في الحال كقوله تعالى: ﴿ وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ [يونس: 21]، فكان قوله: ﴿ فإذا هي تمور ﴾ مؤذناً بتشبيه حالة الخسف المتوقع المهدد به بحالة خسف حصل بجامع التحقق كما قالوا في التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، وحُذف المركب الدال على الحالة المشبه بها ورمز إليه بما هو من آثاره ويتفرع عنه فكان في الكلام تمثيلية مَكْنيّة.

والمور: الارتجاج والاضطراب وتقدم في قوله تعالى: ﴿ يوم تمور السماء موراً ﴾ في سورة الطور (9).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الغَيْبَ اللَّهُ تَعالى ومَلائِكَتُهُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: الجَنَّةُ والنّارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الإسْلامُ لِأنَّهُ يَغِيبُ، قالَهُ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ القَلْبُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

السّادِسُ: أنَّهُ الخَلْوَةُ إذا خَلا بِنَفْسِهِ فَذَكَرَ ذَنْبَهُ اسْتَغَفَرَ رَبَّهُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ.

الثّانِي: بِخَشْيَةِ رَبِّهِمْ بِالغَيْبِ.

الثّالِثُ: لِأنَّهم حَلُّوا بِاجْتِنابِ الذُّنُوبِ مَحَلَّ المَغْفُورِ لَهُ.

﴿ وَأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنَّهُ العَفْوُ عَنِ العِقابِ ومُضاعَفَةُ الثَّوابِ.

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا ﴾ يَعْنِي مُذَلَّلَةً سَهْلَةً.

حَكى قَتادَةُ عَنْ أبِي الجَلَدِ: أنَّ الأرْضَ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ، فَلِلسُّودانِ اثْنا عَشَرَ [ألْفًا]، ولِلرُّومِ [ثَمانِيَةُ آلافٍ]، ولِلْفُرْسِ ثَلاثَةُ آلافٍ ولِلْعَرَبِ ألْفٌ.

﴿ فامْشُوا في مَناكِبِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في جِبالِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وبَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: في أطْرَفاها وفِجاجِها، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: في طَرَفِها.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: في مَنابِتِ زَرْعِها وأشْجارِها، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِمّا أحَلَّهُ لَكم، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: مِمّا أنْبَتَهُ لَكم، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

﴿ وَإلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ أيِ البَعْثُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ سمعوا لها شهيقاً ﴾ قال: صياحاً.

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى قال: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟

قالت: إنه كان يستحي مني فيقول: أرسلوا عبدي قال: وإن العبد ليجر إلى النار فيقول يا رب ما كان هذا الظن بك، قال: فما كان ظنك؟

قال: كان ظني أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، قال: وإن الرجل ليخر إلى النار فتشهق إليه شهيق البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.

وأخرج هناد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وهي تفور ﴾ قال: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: تتفرق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ تكاد تميز ﴾ قال: يفارق بعضها بعضاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فسحقاً ﴾ قال: بعداً، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول حسان: ألا من مبلغ عني أبياً ** فقد ألقيت في سحق السعير وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فسحقاً لأصحاب السعير ﴾ قال: سحق واد في جهنم.

قوله تعالى: ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ قال: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأرض ذَلُولاً ﴾ فعول هنا بمعنى: مفعول، أي ذلولة فهي كركوب وحلوب ﴿ فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾ قال ابن عباس: هي الجبال وقيل: الجواب والنواحي وقيل: الطرق والمعنى تعديد النعمة في تسهيل المشي على الأرض، فاستعار لها الذل والمناكب تشبيهاً بالدواب ﴿ وَإِلَيْهِ النشور ﴾ يعني البعث يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ فالمصير: هو الطريق، أي: فبئس الطريق طريق من سلكه أفضى به إلى عذاب السعير].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً ﴾ .

الشهيق: هو الصوت المنكر.

ثم من الناس من يقول: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ ، أي: لجهنم.

ومنهم من جعل الشهيق من أهلها، وقد يجوز أن يذكر المكان والمراد منه الأهل؛ كما قال: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا  ﴾ ، وكلا الأمرين يحتمل عندنا، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ لأن الصوت المنكر أمر ظاهر ممن لا يعقل الصوت كهو [من الذي يعقل]، فليس الذي يعقل الصوت أولى أن يجعل الفعل له من الذي لا يعقل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

أي: تغلي، ثم النار بنفسها لا تغلي، وإنما تغلي بالذي يجعل فيها؛ ففيه أن طعامهم وشرابهم في النار النار [فيغلي النار بطعامهم وشرابهم].

وقوله: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

فجائز أن يكون [هذا] كناية عن الخزنة.

وجائز أن يكون هذا وصف النار، ولله  أن يجعل في جهنم، وفيما شاء من الأموات ما يعرف به عظمته وجلاله، فيغضب له على أعدائه غضبا يكاد أن ينقطع في نفسه؛ ويسلم لأوليائه.

ثم في ذكر غضبها تذكير أن من حق الله  على أوليائه أن يغضبوا له على أعدائه غضب جهنم عليهم، بل جهنم أبعد عن أن تمتحن بذلك منا، ثم هي بلغت من الغضب على أعداء الله  مبلغا كادت تتقطع بنفسها، فالأولياء أحق أن يوجد منهم هذا الوصف، وقد مدح الله  الذين مع رسول الله  ؛ لما [وجد] فيهم من الشدة على الأعداء، وذلك قوله -  : ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ  ﴾ ، وقال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وهكذا الحق على كل مؤمن أن يكون على هذا الوصف.

وفيه حكمة أخرى: وهي أنه ذكر شدة النار على أهلها؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ \[ينذركم لقاء يومكم هذا\] ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ .

وهذا هو إخبار عن نهاية أمرهم وآخر شأنهم؛ وذلك أنهم فزعوا في الآخرة إلى اليمين بالكذب، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة كما كانت تنفعهم في الدنيا، فلما ألقوا فيها، أيقنوا أن أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب؛ ففزعوا إلى الاعتراف والصدق؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فقالوا: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ ينذرنا عن لقاء هذا اليوم، ﴿ فَكَذَّبْنَا ﴾ بالذي كان ينذرنا النذر، وقلنا: ﴿ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ مما تنذروننا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .

فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة، أو هذا خطاب في الدنيا ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ .

ففي قوله: ﴿ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ ﴾ اعتراف منهم بأنهم قد سمعوا وعقلوا، فقوله: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾ ، ليس هو على نفي السمع والعقل؛ إذ قد أقروا أنهم سمعوا وعقلوا، وإنما هو على نفي الانتفاع بما سمعوا وعقلوا؛ لأن الانتفاع بالمسموع هو الإجابة لما سمع، والانتفاع بالعقل أن يقوم بوفاء ما عقل، وهم لم يجيبوا لما سمعوا، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا.

وقال بعضهم: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ﴾ : في الدنيا كما نسمع الآن، أو كنا نعقل كما نعقل الآن ﴿ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

وهذا غير مستقيم؛ لأن تلك الدار ليست بدار إسماع وإفهام، وإنما المعنى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

أي: بعدا، على معنى الدعاء عليهم.

وقيل: السحق: واد في جهنم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

يحتمل: أي: الذين يخشون عذاب ربهم والعذاب عنهم غائب، فأهل الإسلام يخشون عذاب الله وهو غائب عنهم، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: يخشون الله -  - أن يعذبهم.

أو أن يخشوه فيما أوعدهم.

ثم الأصل: أن ما من مؤمن بالبعث - سوى المعتزلة - إلا وهو يخشى الله  ، لكنهم يتفاوتون في الخشية.

ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف، ليس كالأمن والإياس الذي لا يقتضي كل واحد منهما إلا وجها واحداً، وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا، فكل مؤمن يخاف عذاب الله  ؛ لما رأى من كثرة نعم الله  وغفلته عن حقوق تلك النعم؛ لأن من حقها أن يشكر الله  عليها، وقد عرف كل [مؤمن تقصيره] في أداء الشكر وتفريطه في قضاء الحقوق؛ فيرجو رحمته، لما عرف من سعة رحمته، وعرفه متفضلاً عفوّاً غفورا، لكن فيهم تفاوت في الخشية والرهبة: فمن كان أذكر لغفلته، فهو لعقوبته أكثر خشية، ومن كان أقل ذكراً لغفلته فهو أقل خشية؛ فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعاً ويتيقنون بحلوله، لكنم يتفاوتون في ذلك: فمن كان له أكثر ذكرا، كان أبلغ في التيقظ، وأكثر رهبة، ومن كان أغفل عن ذكره فهو له أقل رهبة.

ولقائل أن يقول: كيف جعلتم كل مؤمن خائفاً راجياً، والراجي: هو الذي يطلب، والخائف: هو الذي يهرب، فكل من رجا شيئاً يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال وأسباب، فهو يقوم بتلك الأعمال، بغاية ما يحمله وسعه؛ ليصل إلى مأموله، وإذا لم يقم بها لم يكن راجيا في الحقيقة، بل كان متمنيا، وكذلك من خاف حقيقة الخوف، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب؛ فهو يهرب مما يخافه أشد الهرب.

ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ الآمال، ولا يهربون مما يخافون منه أشد الهرب وغاية الخوف، فكيف وصفتم كل مؤمن بالخوف والرجاء وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف؟!

واستدل على صحة ما ذكر بقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فالراجي لرحمة الله من دأب في طاعته، وقال -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 60\]، فقيل: يا رسول الله، هم الذين يزنون ويسرقون؟!

فقال: "بل هم الذين يصومون ويصلون وقلوبهم وجلة" ، وقال -  -: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  ﴾ .

فجوابه: أن المؤمن ليس يرى كل خلاصه من العذاب وأمنه من العقاب بعمله حتى إذا وجد التقصير في العمل أظهر ذلك المعنى فساد الرجاء والخوف، وإنما يتوقع خلاصه بتوفيق الله وعفوه، ويرجو رحمته؛ بكرمه وجوده؛ لذلك لم يوجب التقصير في العمل إبطال الرجاء والخوف، وهذا إذا كان غير معتزلي المذهب ولم يكن من الخوارج، فأما إذا كان الراجي والخائف أحد هذين؛ فتقصيره في العمل يدل على فساد الرجاء والخوف؛ لأن كل واحد منهما ليس يرى لنفسه شفيعا إلا عمله، به ينجو وبه يهلك، فإذا لم يبالغ في الطلب من جهة العمل، ولم يبالغ في الهرب من الخوف بالعمل - ظهر أنه ليس براجٍ ولكنه متمنٍّ، وتبين أنه غير خائف في الحقيقة.

ثم المعتزلة لا يخافون الله  ولا يرجون رحمته في الحقيقة؛ لأنهم يزعمون أن العبد إذا ارتكب الكبيرة، فليس لله -  - ألا يعذبه عليها وأن يغفرها له، وإذا اجتنب الكبيرة استوجب المغفرة وإن ارتكب الصغائر، وليس لله -  - أن يعذبه عليها، والقائل بهذا غير راج لرحمة الله  ، ولا خائف من عذابه، وإنما يقع الخوف والرجاء من عند نفسه؛ لأن الزلة التي استوجب بها العذاب فهو الذي اكتسبها، ولو لم يعملها، لم يعذب، وفاز بالنجاة؛ فصار رجاؤه وخلاصه بعمله، لا برحمة الله  وفضله، ولا بذلك وصف الله  المؤمنين في كتابه، ولأن الله  أثنى على الذين يدعونه؛ خوفا وطمعا ورغبا ورهبا، وعلى قول أهل الاعتزال لا يدعو أحد ربه على الرغبة والرهبة والخوف والطمع؛ لأن الداعي إن كان صاحب كبيرة فهو فيما يدعو الله  ؛ ليغفر له، إنما يدعو ليجور عليه؛ إذ لا يسعه أن يغفر له ولا يعذب عليه، فدعاؤه بالمغفرة معناه يقتضي أن جُرْ عليَّ، وذلك عظيم، وإن كان صاحب صغيرة فهو فيما يطلب المغفرة منه -  - يسأله ألا يجور عليه؛ لأنه ليس له أن يعذب على الصغائر على مذهبه ولو عذب صار به جائراً، فإذا خاف عذابه حتى إذا فزع إلى الدعاء، فقد خاف جوره، ومن لم يأمن من ربه الجور بل خاف ذلك منه، فهو لم يعرف ربه حقيقة المعرفة؛ وكذلك من دعا الله  ؛ ليجور عليه، فقد دعا إلى أن يسفه، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها؛ فثبت أن الداعي على الرغبة والرهبة غير ممدوح عنده، ولا هو ممن يستحق الثناء عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ .

أي: من يرجو الله  ويخافه، فله مغفرة لذنوبه، وأجر كبير، وهو الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

فهذه الآية كأنها في إلزام الوعيد؛ يقول: إنه عالم بالأنفس التي فيها الصدور بما يضمرون فيها، وما يودعون، وما يكتمون، وما يخبرون عما أودعوا فيها ويظهرون.

والصدر: هو ساحة القلب، سميت صدرا؛ لأن الآراء تصدر عنها؛ فهو عالم بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم، وعالم بما يضمر فيها من الأسرار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ .

تأويله عند أهل الإسلام: ألا يعلم من خلق ما أسروا أو جهروا، و (من) راجع إلى الله  دون الخلق، كأنه يقول: ألا يعلم الخالق ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ ، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر؛ فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد.

وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم: إن حرف ﴿ مَنْ ﴾ لا يرجع إلى الله  ، وإنما يرجع إلى الخلق؛ فكأنه يقول: ألا يعلم الله من خلق؛ على إضمار اسم الله  فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال؛ لأن حرف ﴿ مَنْ ﴾ يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال.

وذلك فاسد؛ لأن الآية في موضع الوعيد، ولو كان قوله: ﴿ مَنْ خَلَقَ ﴾ راجعا إلى الأنفس، لزال موضع الوعيد؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم بأفعال وجدت منهم، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال؛ ولأنه لو لم يكن الله  خالقا لما يهجر به العبد ولما يخفيه لم يكن ليحتح به على عمله؛ إذ قد يجوز جواز الجهل من غير الذي يفعله؛ فلا يجوز أن يحتج عليهم بفعل غيره؛ ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس إثبات العلم بما أسروا أو جهروا، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان إيجاب الخلق لأفعالهم، ومعلوم بأن الآية في تحقيق العلم بما أسروا أو جهروا؛ لأن قوله: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ مذكور على أثر قوله: ﴿ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ أي: عليم بما تسرون وما تجهرون؛ فثبت أن الخلق راجع إلى ما أسروا أو جهروا، ثم إن الناس على اختلافهم اتفقوا أن كل واقع بالطبع والضرورة مخلوق لله  ، وإنما اختلفوا في الفعل الواقع بكسب العبد: فمنهم من أثبت فيه الخلق وهو قول أهل الهدى، ومنهم من أبى القول بخلقه.

ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في العمل الذي جعل في طبع اليد احتمال ذلك العمل، ولا يتهيأ له أن يستعمله في الوجه الذي لم يجعل في طبعها احتمال ذلك؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه، أو يسمع بهما لم يملك ذلك؛ فثبت أنه ملك استعمالهما في القبض والبسط، والأخذ والتسليم؛ بما جعل في طبعهما احتمال ذلك، وإذا كان كذلك، فقد ثبت الخلق فيما يعمل بيديه وفيما يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .

في تدبيره؛ إذ دبر لسان الإنسان على ما إذا استعمله يخرج منه الكلام، وإذا أراد [أحد] أن يتعرف المعنى الذي به صلح للنطق، لم يقف عليه، ودبر قلبه على أن يصور ما يقع فيه من الخيال، فيؤديه بلسانه، ودبره على وجه يصلح أن يدع الأسرار والودائع من وجه لو أراد الخلائق أن يتعرفوا الوجه الذي صلح القلب أن يكون مصورا وحافظا ومعدنا للأسرار، لم يقفوا عليه.

وقيل: اللطيف: هو الذي لا يعزب عنه علم ما جل ودق.

وقيل: اللطيف بعباده في الإحسان إليهم والإنعام عليهم، الخبير بما فيه مصالحهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أأمنتم الله الذي السماء أن يشق الأرض من تحتكم كما شقها من تحت قارون بعد أن كانت سهلة مذللة للسكن عليها، فإذا هي تضطرب بكم بعد استقرارها؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.ED2El"

مزيد من التفاسير لسورة الملك

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر