الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٢٦ من سورة القلم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٦ من سورة القلم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( فلما رأوها قالوا إنا لضالون ) أي : فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها ، وهي على الحالة التي قال الله ، عز وجل ، قد استحالت عن تلك النضارة ، والزهرة ، وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة ، لا ينتفع بشيء منها ، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق ; ولهذا قالوا : ( إنا لضالون ) أي : قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها .
قاله ابن عباس وغيره .
القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) يقول تعالى ذكره: فلما صار هؤلاء القوم إلى جنتهم، ورأوها محترقا حرثها، أنكروها وشكوا فيها، هل هي جنتهم أم لا؟
فقال بعضهم لأصحابه ظنا منه أنهم قد أغفلوا طريق جنتهم، وأن التي رأوا غيرها: إنا أيها القوم لضالون طريق جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم، وأنهم لم يخطئوا الطريق: بل نحن أيها القوم محرومون، حُرِمنا منفعة جنتنا بذهاب حرثها.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ) : أي أضللنا الطريق، بل نحن محرومون، بل جُوزينا فحُرمنا.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ).
يقول قتادة: يقولون أخطأنا الطريق ما هذه بجنتنا،
قوله تعالى : فلما رأوها قالوا إنا لضالون أي لما رأوها محترقة لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد ، أنكروها وشكوا فيها .
وقال بعضهم لبعض : إنا لضالون أي ضللنا الطريق إلى جنتنا ; قاله قتادة .
وقيل : أي إنا لضالون عن الصواب في غدونا على نية منع المساكين ; فلذلك عوقبنا .
{ فَلَمَّا رَأَوْهَا } على الوصف الذي ذكر الله كالصريم { قَالُوا } من الحيرة والانزعاج.
{ إِنَّا لَضَالُّونَ } [أي: تائهون] عنها، لعلها غيرها
( فلما رأوها قالوا إنا لضالون ) أي لما رأوا الجنة محترقة قالوا : إنا لمخطئون الطريق ، أضللنا مكان جنتنا ليست هذه بجنتنا .
«فلما رأوها» سوداء محترقة «قالوا إنا لضالون» عنها، أي ليست هذه ثم قالوا لما علموها:
فلما رأوا حديقتهم محترقة أنكروها، وقالوا: لقد أخطأنا الطريق إليها، فلما عرفوا أنها هي جنتهم، قالوا: بل نحن محرومون خيرها؛ بسبب عزمنا على البخل ومنع المساكين.
قال أعدلهم: ألم أقل لكم هلا تستثنون وتقولون: إن شاء الله؟
قالوا بعد أن عادوا إلى رشدهم: تنزَّه الله ربنا عن الظلم فيما أصابنا، بل نحن كنا الظالمين لأنفسنا بترك الاستثناء وقصدنا السيِّئ.
فأقبل بعضهم على بعض، يلوم كل منهم الآخر على تركهم الاستثناء وعلى قصدهم السيِّئ، قالوا: يا ويلنا إنَّا كنا متجاوزين الحد في منعنا الفقراء ومخالفة أمر الله، عسى ربنا أن يعطينا أفضل من حديقتنا؛ بسبب توبتنا واعترافنا بخطيئتنا.
إنا إلى ربنا وحده راغبون، راجون العفو، طالبون الخير.
مثل ذلك العقاب الذي عاقبنا به أهل الحديقة يكون عقابنا في الدنيا لكل مَن خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله من النعم فلم يؤدِّ حق الله فيها، ولَعذاب الآخرة أعظم وأشد مِن عذاب الدنيا، لو كانوا يعلمون لانزجروا عن كل سبب يوجب العقاب.
ثم صور - سبحانه - حالهم تصويرا بديعا عندما شاهدوا جنتهم ، وقد صارت كالصريم ، فقال : ( فَلَمَّا رَأَوْهَا قالوا إِنَّا لَضَآلُّونَ )أى : فحين شاهدوا جنتهم - وهلى على تلك الحال العجيبة - قال بعضهم لبعض : إنا الضالون عن طريق جنتنا ، تائهون عن الوصول إليها .
.
لأن هذه الجنة الخاوية على عروشها ليست هى جنتنا التى عهدناها بالأمس القريب ، زاخرة بالثمار .
وفيه أقوال: الأول: الحرد المنع يقال: حاردت السنة إذا قل مطرها ومنعت ريعها، وحاردت الناقة إذا منعت لبنها فقل اللبن، والحرد الغضب، وهما لغتان الحرد والحرد والتحريك أكثر، وإنما سمي الغضب بالحرد لأنه كالمانع من أن يدخل المغضوب منه في الوجود، والمعنى وغدوا وكانوا عند أنفسهم وفي ظنهم قادرين على منع المساكين الثاني: قيل: الحرد القصد والسرعة، يقال: حردت حردك قال الشاعر: أقبل سيل جاء من أمر الله *** يحرد حرد الجنة المغلة وقطاً حراد أي سراع، يعني وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم يقولون: نحن نقدر على صرامها، ومنع منفعتها عن المساكين والثالث: قيل: حرد علم لتلك الجنة أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم، أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَلاَّفٍ ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف.
ومثله قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عرضةلأيمانكم ﴾ [البقرة: 224] .
﴿ مُّهِينٍ ﴾ من المهانة وهي القلة والحقارة، يريد القلة في الرأي والتمييز.
أو أراد الكذاب لأنه حقير عند الناس ﴿ هَمَّازٍ ﴾ عياب طعان.
وعن الحسن.
يلوى شدقيه في أقفية الناس ﴿ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ﴾ مضرب نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم.
والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّمِيمَهْ ** تَمْشِي بِهَا زَهْرَا إِلَى تَمِيمَهْ ﴿ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ ﴾ بخيل.
والخير: المال.
أو مناع أهه الخير وهو الإسلام، فذكر الممنوع منه دون الممنوع، كأنه قال: مناع من الخير.
قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي: كان موسراً، وكان له عشرة من البنين، فكان يقول لهم وللحمته: من أسلم منكم منعته رفدي عن ابن عباس.
وعنه: أنه أبو جهل.
وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث.
وعن السدي: الأخنس بن شريق، أصله في ثقيف وعداده في زهرة، ولذلك قيل: زنيم ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أَثِيمٍ ﴾ كثير الآثام ﴿ عُتُلٍّ ﴾ غليظ جاف، من عتله: إذا قاده بعنف وغلظة ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعدما عدّ له من المثالب والنقائص ﴿ زَنِيمٍ ﴾ دعي.
قال حسان: وَأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي ءَالِ هَاشِم ** كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده.
وقيل: بغت أمّه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية، جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها.
ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده» و ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ نظير (ثم) في قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] وقرأ الحسن: ﴿ عتل ﴾ رفعاً على الذم وهذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك.
والزنيم: من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها، لأنه زيادة معلقة بغير أهله ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ ﴾ يعني ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كل ذا مال.
أي: ليساره وحظه من الدنيا.
ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى: لكونه متمولاً مستظهراً بالبنين كذب آياتنا ولا يعمل فيه ﴿ قَالَ ﴾ الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب.
وقرئ: ﴿ أأن كان ﴾ ؟
على الاستفهام على: إلا لأن كان ذا مال وبنين، كذب.
أو أتطيعه لأن كان ذا مال.
وروى الزبيري عن نافع: إن كان، بالكسر والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ﴾ [طه: 44] الوجه: أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة.
وقالوا الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين.
وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه، ولقد: وسم العباس أباعره في وجوهها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الوجوه» فوسمها في جواعرها وفي لفظ ﴿ الخرطوم ﴾ استخفاف به واستهانة.
وقيل معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة بأن بها عنهم.
وقيل: خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمة على خرطومه.
وقيل: سنشهره بهذه الشتيمة في الدارين جميعاً، فلا تخفى، كما لا تخفى السمة على الخرطوم.
وعن النضر بن شميل: أن الخرطوم الخمر، وأن معناه: سنحده على شربها وهو تعسف.
وقيل للخمر: الخرطوم، كما قيل لها: السلافة.
وهي ما سلف من عصير العنب.
أو لأنها تطير في الخياشيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ ﴾ يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم وخَفى وخَفَتَ وخَفَدَ بِمَعْنى الكَتْمِ، ومِنهُ الخَفْدُودُ لِلْخُفّاشِ.
﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ وقُرِئَ بِطَرْحِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ، والمُرادُ بِنَهْيِ المِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنَ الدُّخُولِ كَقَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.
﴿ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ﴾ وغَدَوْا قادِرِينَ عَلى نَكَدٍ لا غَيْرُ، مِن حارَدَتِ السَّنَةُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها مَطَرٌ، وحارَدَتِ الإبِلُ إذا مَنَعَتْ دَرَّها.
والمَعْنى أنَّهم عَزَمُوا أنْ يَتَنَكَّدُوا عَلى المَساكِينِ فَتَنَكَّدَ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ إلّا عَلى النَّكَدِ، أوْ غَدَوْا حاصِلِينَ عَلى النَّكَدِ والحِرْمانِ مَكانَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ.
وقِيلَ: الحَرْدُ بِمَعْنى الحَرَدِ وقَدْ قُرِئَ بِهِ أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى حَنَقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كَقَوْلِهِ: يَتَلاوَمُونَ وقِيلَ: الحَرْدُ القَصْدُ والسُّرْعَةُ قالَ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ ∗∗∗ اللَّهُ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ أيْ غَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ عَلى صِرامِها وقِيلَ: عَلَمٌ لِلْجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَلَمَّا رَأَوْهَا} أي جنتهم محترقة {قَالُواْ} في بديهة وصولهم {إِنَّا لَضَالُّونَ} أي ضللنا جنتنا وما هي بها لما رأوا من هلاكها فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا
﴿ وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ ﴾ أيْ مَنعٍ كَما قالَ أبُو عَبِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قَوْلِهِمْ حارَدَتِ الإبِلُ إذا ( قَلَّتْ ) ألْبانُها وحارَدَتِ السَّنَةُ قُلْ مَطَرُها وخَيْرُها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ قادِرِينَ ﴾ قُدِّمَ لِلْحَصْرِ ورِعايَةِ الفَواصِلِ أيْ وغَدَوْا قادِرِينَ عَلى مَنعٍ لا غَيْرَ والمَعْنى أنَّهم عَزَمُوا عَلى مَنعِ المَساكِينِ وطَلَبُوا حِرْمانَهم ونَكَدَهم وهم قادِرُونَ عَلى نَفْعِهِمْ فَغَدَوْا بِحالٍ لا يَقْدِرُونَ فِيها إلّا عَلى المَنعِ والحِرْمانِ، وذَلِكَ أنَّهم طَلَبُوا حِرْمانَ المَساكِينِ فَتَعَجَّلُوا الحِرْمانَ أوْ غَدَوْا عَلى مُحارَدَةِ جَنَّتِهِمْ وذَهابِ خَيْرِها بَدَلَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى إصابَةِ خَيْرِها ومَنافِعِها أيْ غَدَوْا حاصِلِينَ عَلى حِرْمانِ أنْفُسِهِمْ مَكانَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ، والحَصْرُ عَلى الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ وعَلى هَذا إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى انْتِفاعِهِمْ مِن جَنَّتِهِمْ والحَرَمانُ عَلَيْهِ خاصٌّ بِهِمْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ عَلى حَرْدٍ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِغَدَوْا، والمُرادُ بِالحَرْدِ حَرْدُ الجَنَّةِ جِيءَ بِهِ مُشاكَلَةً لِلْحَرْثِ كَأنَّهُ لَمّا قالُوا ﴿ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ ﴾ وقَدْ خَبُثَتْ نِيَّتُهم عاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ حارَدَتْ جَنَّتُهم وحُرِمُوا خَيْرَها فَلَمْ يَغْدُوا عَلى حَرْثٍ وإنَّما غَدَوْا عَلى حَرْدٍ ( وقادِرِينَ ) مِن عَكْسِ الكَلامِ لِلتَّهَكُّمِ أيْ قادِرِينَ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ.
.
وقِيلَ الحَرْدُ بِفَتْحِ الرّاءِ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وهو بِمَعْنى الغَيْظِ والغَضَبِ كَما قالَ أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ حاتِمٍ صاحِبُ الأصْمَعِيِّ وأنْشَدَ: إذا جِيادُ الخَيْلِ جاءَتْ تَرَدِّي مَمْلُوءَةً مِن غَضَبٍ وحَرَدِ أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى إغْضابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ﴾ ورُوِيَ هَذا عَنْ سُفْيانَ والسُّدِّيِّ والحَصْرُ حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ أوْ إضافِيٌّ.
وقِيلَ بِمَعْنى القَصْدِ والسُّرْعَةِ وأنْشَدَ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرَدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ أيْ غَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ عَلى صِرامِها ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَ ﴿ عَلى حَرْدٍ ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حالٌ مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) و(قادِرِينَ ) حالٌ أيْضًا إلّا أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ حالٌ حَقِيقِيَّةٌ بِناءً عَلى القَيْدِ بِعِنْدِ أنْفُسِهِمْ وإنَّما قُيِّدَ بِهِ لِأنَّ ثِمارَ جَنَّتِهِمْ هالِكَةٌ فَلا قُدْرَةَ لَهم عَلى صِرامِها وقَدْ فَنِيَتْ: وقالَ الأزْهَرِيُّ ( حَرْدٍ ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ وفي رِوايَةٍ عَنِ السُّدِّيِّ اسْمُ جَنَّتِهِمْ ولا أظُنُّ ذَلِكَ مُرادًا وقِيلَ الحَرْدُ الِانْفِرادُ يُقالُ: حَرَدَ عَنْ قَوْمِهِ إذا تَنَحّى عَنْهم ونَزَلَ مُنْفَرِدًا وكَوْكَبٌ حَرُودٌ مُعْتَزِلٌ عَنِ الكَواكِبِ والمَعْنى وغَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ مُنْفَرِدِينَ عَنِ المَساكِينِ لَيْسَ أحَدٌ مِنهم مَعَهم قادِرِينَ عَلى صِرامِها وهو مِن بابِ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ قادِرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ التَّقْدِيرِ بِمَعْنى التَّضْيِيقِ أيْ مُضَيِّقِينَ عَلى المَساكِينِ إذْ حَرَمُوهم ما كانَ أبُوهم يُنِيلُهم مِنها وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: هو عالم بمن أخطأ الطريق عن دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ لدينه.
ثم قال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وذلك أنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فأمره الله تعالى أن يثبت على دينه، فقال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ بوحدانية الله تعالى.
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال مجاهد: ودوا لو تركن إليهم، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيميلون إليك.
وقال السدي: وَدُّواْ لو تكفر فيكفرون وقال القتبي: ودوا لو تدهن في دينك فيداهنون في أديانهم.
وكانوا أرادوا أن يعبدوا آلهتهم مدة، ويعبدون الله مدة.
ثم قال: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ يعني: كذاباً في دين الله والحلاف: مكثار الحلف، مَهِينٍ ضعيف فاجر.
نزلت في الوليد بن المغيرة.
وقال القتبي: المهين: الحقير الدنيء، وقال الزجاج: وهو فعيل من المهانة، وهي القلة.
ومعناه في هذا الموضع: القلة في الرأي والتمييز.
ثم قال: هَمَّازٍ يعني: الوليد بن المغيرة، طعّان، لعّان، مغتاب، مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يعني: يمشي بين الناس بالنميمة.
وقال القتبي: هَمَّازٍ يعني: عياب ثم قال: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: بخيلاً لا ينتفع بماله لنفسه، وكان ينفق أمواله على غيره.
ويقال: معناه: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: التوحيد، ويمنع الناس عن التوحيد.
مُعْتَدٍ يعني: ظلوماً لنفسه أَثِيمٍ يعني: فاجراً.
قوله تعالى: عُتُلٍّ يعني: شديد الخصومة بالباطل، ويقال: عُتُلٍّ يعني: أكول شروب صحيح الجسم رحيب البطن.
بَعْدَ ذلِكَ يعني: مع ذلك زَنِيمٍ يعني: ملصق.
وقال ابن عباس: الزنيم: الدعي الملصق، ويستدل بقول القائل: زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَة ...
كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الأَدِيمِ الأَكَارِعُ ويقال: الزنيم: الشديد الخلق.
وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، يرفعه إلى النبيّ قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوَّاظٌ وَلاَ جَعْظَرِيٌّ وَلاَ العُتُلُّ الزَّنِيمُ.
قَالَ: أَمَّا الجَوَّاظُ، فَالَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ وَتَدْعُوهُ لَظَى نَزَاعَة للشَّوَى» ، أَيْ: الشَّدِيدَ الخُلُقِ رَحِيبَ الجَوْفِ.
وَأمَّا الجَعْظَرِيُّ، فَالفَظُّ.
الغَلِيظُ.
وَأَمَّا العُتُلُّ الزَّنِيمُ، صَحِيحٌ أَكُولٌ شَرُوبٌ ظَلُومٌ لِلنَّاسِ.
وَيُقَالُ: الزَّنِيمُ: الدَّعِيُّ وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، قال لأمه: إن محمداً لصادق، وأنه قال كذا وكذا، فأقرت والدته له بذلك.
ثم قال: أَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ يعني: فلا تطعه وإن كان ذا مال وبنين، يعني: لا تطعه بسبب ماله.
ثم قال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني: القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: كذبهم وأباطيلهم.
وقال السدي: يعني: أساجيع الأولين.
ثم قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ يعني: سنضربه على الوجه، ويقال: سنسود وجهه يوم القيامة، ويقال: سنسمه على أنفه وقال القتبي: للعرب في هذا مذاهب، يقولون للرجال إذا سبه سبة قبيحة، أو يثني عليه فاحشة: قد وسم ميسم سوء، يريد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه، كما أن السمة لا يعفو أثرها.
وقد وصف الله تعالى الوليد بالحلف، والمهانة، والمشي بالنميمة، والبخل، والظلم، والإثم، والدعوى، فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
قال: والذي يدل على هذا، ما روي، عن الشعبي في قوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ يعني: القتل الشديد.
والزنيم: له زنمة من الشر، يعرف بها كما تعرف الشاة.
<div class="verse-tafsir"
خير كلّه، وقال ع: «إنَّ المؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ، صَائِمِ النَّهَارِ» وَجَاءَ في حُسْنِ الخُلُقِ آثارٌ كثيرةٌ مَنَعَنَا مِنْ جَلْبِها خَشْيَةُ الإطَالةِ، وقد رَوَى الترمذيُّ عَنْ أبي هريرةَ قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟
فقَال: تَقْوَى اللَّهِ وحُسْنُ الخُلُقِ، وسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ/ النَّارَ؟
فَقَالَ: الفَمُ وَالْفَرْجُ» «١» ، قَالَ أبو عيسى:
هذَا حديثٌ صحيحٌ غَرِيبٌ، انتهى، ورَوى الترمذيّ عن أبي الدرداء أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وإنَّ اللَّهَ لَيَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» «٢» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، انتهى، قَال أبو عمر في «التمهيد» :
قال الله- عز وجل- لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قَال المفسرونَ: كان خلقُهُ مَا قَالَ اللَّهُ سبحانَه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] انتهى.
وقَوْلهُ تعالى: فَسَتُبْصِرُ أي: أنْتَ وأمَّتكَ، وَيُبْصِرُونَ أي: هم، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال الأخفش: والعاملُ في الجملةِ المسْتَفْهَمُ عَنْها الإبصَارُ، وأمّا البَاءُ فقال أبو عبيدةَ معمر وقتادةُ: هي زائدةٌ والمعنى: أيكم المفتونُ «٣» ، قال الثعلبيّ: المفْتُونُ المَجْنُونُ الذي فَتَنَهُ الشيطانُ، انتهى.
وقوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ يعني: قريشاً، وذلك أنهم قَالُوا في بعضِ الأوْقَاتِ للنبي صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ عَبَدْتَ آلهتَنَا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنَا إلهك وعظمناه، وودّوا أن يداهنهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ويميلَ إلى مَا قالوا، فَيمِيلُوا هُمْ أيضاً إلى قَولهِ ودِينِهِ، والإدْهَانُ الملايَنَةُ فيما لاَ
يَحِلُّ، والمُدَارَاةُ الملاينة فيما يحل.
وقوله: فَيُدْهِنُونَ معطوفٌ وليس بجَوابٍ، لأنَّه لَوْ كَانَ لَنُصِبَ، والحلاّفُ المردِّد لِحَلفِهِ الذي قد كثرَ منه، والمُهينُ الضَّعِيفُ الرأيِ، والعَقْلِ قاله مجاهد «١» ، وقال ابن عباس: المهينُ الكذَّابُ «٢» ، والهمَّازُ الذي يَقَعُ في النّاسِ بلسَانِه «٣» ، قال منذر بن سعيد:
وبعَيْنِهِ وإشارَتِه، / والنَّمِيمُ مَصْدَرٌ كالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلَ مَا يَسْمَعُ مما يسوءُ ويُحَرِّشُ النفوسَ، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمّى ب «بهجة المجالس» قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَفَّ عَنْ أعْرَاضِ المُسْلِمِينَ لِسَانَه أقَالَه اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَثَرَتَه» «٤» ، وقال- عليه الصَّلاةُ والسّلام-:
«شراركم أيّها الناس المشّاءون بالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ لأَهْلِ البِرِّ العثرات» «٥» انتهى، وروى حذيفة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» «٦» ، وهو النَّمَّامُ، وذَهَبَ كثيرٌ مِنَ المفسِّرِينَ إلى أنَّ هذهِ الأوْصَافَ هي أجْنَاس لَمْ يُرَدْ بها رجلٌ بعينهِ، وقالت طائفة: بَلْ نزلت في معيَّنٍ، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الوليدُ بن المغيرة،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم "وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لَوْ تُرَخِّصُ فَيُرَخِّصُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَ في دِينِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ، لَوْ تُنافِقُ وتُرائِي فَيُنافِقُونَ ويُراؤُونَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والسّادِسُ: ودُّوا لَوْ تُداهِنُ في دِينِكَ فَيُداهِنُونَ في أدْيانِهِمْ.
وكانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِنَ المُداهَنَةِ.
والسّابِعُ: لَوْ تُقارِبُهم فَيُقارِبُونَكَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ وهو كَثِيرُ الحَلِفِ بِالباطِلِ ﴿ مَهِينٍ ﴾ وهو الحَقِيرُ.
الدَّنِيءُ ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهِينُ: الكَذّابُ.
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ هَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوال.
أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَمّازٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُغْتابُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو العَيّابُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ أيْ: يَمْشِي بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلُ الكَلامِ السَّيِّئِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم "مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَ ولَدَهُ وعَشِيرَتَهُ الإسْلامَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَنّاعٌ لِلْحُقُوقِ في مالِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ أيْ: ظَلُومٍ ﴿ أثِيمٍ ﴾ "فاجِرٍ" ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مَعَ ما وصَفْناهُ بِهِ.
وفي "العُتُلِّ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ العاتِي الشَّدِيدُ المُنافِقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ المُتَوَفِّرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الشَّدِيدُ الأشِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: الأكُولُ الشَّرُوبُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والسّادِسُ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والسّابِعُ: أنَّهُ الغَلِيظُ الجافِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفِي "الزَّنِيمِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الدَّعِيُّ في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِنهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ أنَّ الزَّنِيمَ: هو المُلْتَصِقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ حَسّانُ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمِ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُعِتَ فَلَمْ يَعْرِفْ حَتّى قِيلَ: زَنِيمٌ، فَعَرَفَ، وكانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها.
ولا نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ أحَدٍ ما بَلَغَهُ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ الوَلِيدِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِالحَلِفِ، والمَهانَةِ، والعَيْبِ لِلنّاسِ، والمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ، والبُخْلِ، والظُّلْمِ، والإثْمِ، والجَفاءِ، والدِّعْوَةِ، فَألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والزَّنَمَتانِ: المُعَلَّقَتانِ عِنْدَ حُلُوقِ المَعْزى.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: يَعْنِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ مِن أُذُنِها.
والرّابِعُ: أنَّهُ الظَّلُومُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، أيْ: لِأنْ كانَ.
والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى: مُخَفَّفَةٌ.
والثّانِيَةُ: مُلَيَّنَةٌ، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو جَعْفَرٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنْ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ولَهُ وجْهانِ.
أحَدُهُما: لِأنْ كانَ ذا مالٍ تُطِيعُهُ؟!
والثّانِي: ألِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ؟!
"إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا" يَكْفُرُ بِها؟
فَيَقُولُ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ كانَ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَقْصُورَةٍ.
ثُمَّ أوْعَدَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ الخُرْطُومُ: الأنْفُ.
وفي هَذِهِ السِّمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَنَسِمُهُ بِالسَّيْفِ، فَنَجْعَلُ ذَلِكَ عَلامَةً عَلى أنْفِهِ ما عاشَ، فَقاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخُطِمَ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: سَنُسَوِّدُ وجْهَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: و"الخُرْطُومُ" وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ، فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ، لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنِ البَعْضِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: سَنَجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العَلَمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ.
وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يُفْرَدَ بِسِمَةٍ لِمُبالَغَتِهِ في عَداوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ يَتَبَيَّنُ بِها عَنْ غَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ ﴿ إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ ﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ ﴾ ﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَرِيمِ ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الخَيْرُ هُنا المالُ، فَوَصَفَهُ بِالشُحِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عَلى عُمُومِهِ في المالِ والأفْعالِ الصالِحَةِ، ومَن يُمْنَعُ إيمانَهُ وطاعَتَهُ فَقَدْ مُنِعَ الخَيْرَ، و"المُعْتَدِي": المُتَجاوِزُ لِحُدُودِ الأشْياءِ، و"الأثِيمِ" فَعِيلٌ مِنَ الإثْمِ بِمَعْنى آثِمٍ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ أعْمالُهُ قَبِيحَةٌ تُكْسِبُ الإثْمَ.
و"العُتُلُّ": القَوِيُّ البِنْيَةِ، الغَلِيظُ الأعْضاءِ، المُصَحِّحُ، القاسِي القَلْبِ، البَعِيدُ الفَهْمِ، الأكُولُ الشَرُوبُ الَّذِي هو بِاللَيْلِ جِيفَةٌ وبِالنَهارِ حِمارٌ، وكُلُّ ما عَبَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ عنهُ مِن خِلالِ النَقْصِ فَعن هَذِهِ الَّتِي ذُكِرَتْ تَصْدُرُ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ، أنَّ النَبِيَّ فَسَّرَ "العُتُلَّ" بِنَحْوِ هَذا، وهَذِهِ الصِفاتُ كَثِيرَةُ التَلازُمِ، والعَتْلُّ: الدَفْعُ بِشِدَّةٍ، ومِنهُ العَتَلَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ مَعْناهُ: بَعْدَ ما وصَفْناهُ بِهِ، فَهَذا التَرْتِيبُ إنَّما هو في قَوْلِ الواصِفِ لا في حُصُولِ تِلْكَ الصِفاتِ في المَوْصُوفِ، وإلّا فَكَوْنُهُ عُتُلًّا هو قَبْلَ كَوْنِهِ صاحِبَ خَيْرٍ يَمْنَعُهُ.
و"الزَنِيمُ" في كَلامِ العَرَبِ: المُلْصَقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وقَدْ فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ: إنَّما ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ، يَعْنِي الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: وأنْتَ زَنِيمُ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ كَما نِيطَ خَلْفَ الراكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ أيْضًا: زَنِيمُ تَداعاهُ الرِجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعِ فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا هو المُرادُ بِالآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ كانَ مِن ثَقِيفٍ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِالزَنِيمِ أنَّ لَهُ زَنَمَةً في عُنُقِهِ كَزَنَمَةِ الشاةِ، وهي الهِنَةُ الَّتِي تتَعَلَّقُ في حَلْقِها، وما كُنّا نَعْرِفُ المُشارَ إلَيْهِ حَتّى نَزَلَتْ فَعَرَفْناهُ بِزَنَمَتِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِلتَّيْسِ زَنِيمٌ؛ إذْ لَهُ زَنَمَتانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ في صِفَةِ شاتِهِ: "كَأنَّ زَنَمَتَيْها تَتْوا قُلَيْسِيَّةٍ" ورُوِيَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ كانَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، كانَ لَهُ زَنَمَةٌ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الصِفاتُ لَمْ نَعْرِفْ صاحِبَها حَتّى نَزَلَ "زَنِيمٍ" فَعُرِفَ بِزَنَمَتِهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الزَنِيمُ: المُرِيبُ، القَبِيحُ الأفْعالِ.
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، وَقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنَّ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: "آنَ كانَ" عَلى الِاسْتِفْهامِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ، والعامِلُ في "أنْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: كَفَرَ أو جَحَدَ أو عَنَدَ، ويُفَسِّرُ هَذا الفِعْلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ ﴾ الآيَةُ، وجازَ أنْ يَعْمَلَ المَعْنى وهو مُتَأخِّرٌ مِن حَيْثُ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنْ كانَ" في مَنزِلَةِ الظَرْفِ؛ إذْ يُقَدَّرُ بِاللامِ، أيْ: لِأنْ كانَ، وقَدْ قالَ فِيهِ بَعْضُ النُحاةِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِاللامِ كَما لَوْ ظَهَرَتْ، فَكَما عَمِلَ المَعْنى في الظَرْفِ المُتَقَدِّمِ فَكَذَلِكَ يَعْمَلُ في هَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ، فالعامِلُ في "إذا" مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ تَبْعَثُونَ، أو نَحْوِهِ مِنَ التَقْدِيرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ: "يُنْبِئُ" في "إذا" لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ قَدْ أُضِيفَ إذًا إلى الجُمْلَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في "أنْ"، قالَ: لِأنَّها جَوابٌ لِـ"إذا" ولا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "عُتُلٍّ" وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ، ويَصِحُّ -عَلى هَذا النَظَرِ- أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زَنِيمٍ" لا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يُفَسِّرُهُ بِالقَبِيحِ الأفْعالِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في "أنْ كانَ" "تُطِيعُهُ" الَّتِي يَقْتَضِيها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَلا تُطِعْ"، وهَذا عَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَبْعُدُ، وإنَّما يَتَّجِهُ: لا تُطِعْهُ لِأجْلِ كَوْنِهِ كَذا، ولَهُ -عَلى كُلِّ وجْهٍ- مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وتَأمَّلْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "الأساطِيرِ" في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى الأنْفِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وذَلِكَ أنِ الخُرْطُومِ يُسْتَعارُ في أنْفِ الإنْسانِ، وحَقِيقَتُهُ في مَخاطِمِ السِباعِ، ولَمْ يَقَعِ التَوَعُّدُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ يُوسَمَ هَذا الإنْسانُ عَلى أنْفِهِ بِسِمَةٍ حَقِيقَةٍ بَلْ هَذِهِ عِبارَةٌ عن فِعْلٍ يُشْبِهُ الوَسْمَ عَلى الأنْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ الفِعْلِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الضَرْبُ بِالسَيْفِ، أيْ يَضْرِبُ في وجْهِهِ، وعَلى أنْفِهِ فَيَجِيءُ ذَلِكَ كالوَسْمِ عَلى الأنْفِ، وحَلَّ بِهِ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: ذَلِكَ في عَذابِ الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، وهو تَعْذِيبٌ بِنارٍ عَلى أُنُوفِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ يُوسَمُ عَلى أنْفِهِ بِسِمَةٍ يُعْرَفُ بِها كُفْرُهُ وانْحِطاطُ قَدْرِهِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: سَيَفْعَلُ بِهِ في الدُنْيا مِنَ الذَمِّ لَهُ والمَقْتِ والإشْهارِ بِالشَرِّ ما يَبْقى فِيهِ ولا يَخْفى بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالوَسْمِ عَلى الأنْفِ ثابِتًا بَيِّنًا، وهَذا المَعْنى كَما تَقُولُ: "سَأُطَوِّقُكَ طَوْقَ الحَمامَةِ" أيْ: أثْبَتَ الأمْرَ بَيِّنًا فِيكِ، ونَحْوُ هَذا أرادَ جَرِيرٌ بِقَوْلِهِ: لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ∗∗∗..............
وفِي الوَسْمِ عَلى الأنْفِ تَشْوِيهٌ، فَجاءَتِ اسْتِعارَتُهُ في المَذَمّاتِ بَلِيغَةً جِدًّا، وإذا تَأمَّلْتَ حالَ أبِي جَهْلٍ ونُظَرائِهِ وما ثَبَتَ لَهم في الدُنْيا مِن سُوءِ الأُحْدُوثَةِ رَأيْتَ أنَّهم قَدْ وُسِمُوا عَلى الخُراطِمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "إنّا بَلَوْناهُمْ"، يُرِيدُ تَعالى قُرَيْشًا، أيِ: امْتَحَنّاهُمْ، و"أصْحابَ الجَنَّةِ" -فِيما ذَكَرَ- قَوْمُ إخْوَةٍ، كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وحَرْثٌ مُغَلٌّ، فَكانَ يُمْسِكُ مِنهُ قُوَّتَهُ ويَتَصَدَّقُ عَلى المَساكِينِ بِباقِيهِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَحْمِلُ المَساكِينَ مَعَهُ في وقْتِ حَصادِهِ وجَدَهُ فَيَجْذِيهِمْ مِنهُ، فَماتَ الشَيْخُ، فَقالَ ولَدُهُ: نَحْنُ جَماعَةٌ، وفِعْلُ أبِينا كانَ خَطًا، فَلْنَذْهَبْ إلى جَنَّتِنا، ولا يَدْخُلُها عَلَيْنا مِسْكِينٌ ولا نُعْطِي مِنها شَيْئًا، قالَ: فَبَيَّتُوا أمْرَهم وعَزْمَهم عَلى هَذا، فَبَعَثَ اللهُ طائِفًا بِاللَيْلِ مِنَ النارِ أو غَيْرِ ذَلِكَ فاحْتَرَقَتْ، فَقِيلَ: أصْبَحَتْ سَوْداءَ، وقِيلَ: بَيْضاءَ كالزَرْعِ اليابِسِ المَحْصُودِ، فَلَمّا أصْبَحُوا إلى جَنَّتِهِمْ لَمْ يَرْوِها فَحَسِبُوا أنَّهم قَدْ أخْطَئُوا الطَرِيقَ، ثُمَّ تَبَيَّنُوها فَعَلِمُوا أنَّ اللهَ تَعالى أصابَهم فِيها، فَتابُوا حِينَئِذٍ وأنابُوا وكانُوا مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَشَبَّهَ اللهُ تَعالى قُرَيْشًا بِهِمْ، في أنَّهُ امْتَحَنَهم بِمُحَمَّدٍ وهَداهُ كَما امْتُحِنَ أُولَئِكَ بِفِعْلِ أبِيهِمْ وبِأوامِرَ شَرْعِهِمْ، فَكَما حَلَّ بِأُولَئِكَ العِقابُ في جَنَّتِهِمْ كَذَلِكَ يَحِلُّ بِهَؤُلاءِ في جَمِيعِ دُنْياهم وحَياتِهِمْ، ثُمَّ التَوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم كَما تابَ أُولَئِكَ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: السُنُونُ السَبْعُ الَّتِي أصابَتْ قُرَيْشًا هي بِمَثابَةِ ما أصابَ أُولَئِكَ في جَنَّتِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لَيَصْرِمُنَّها" أيْ لِيَجِدْنَها، وصَرّامُ النَخْلِ جِدُّ ثَمَرِهِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ شَجَرَةٍ، و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا دَخَلُوا في الصَباحِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَلا يَسْتَثْنُونَ" مَعْناهُ ولا يَتَوَقَّفُونَ في ذَلِكَ ولا يَنْثَنُونَ عن رَأْيٍ مَنَعَ المَساكِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا يَقُولُونَ "إنْ شاءَ اللهُ"، بَلْ عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ عَزْمَ مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ.
و"الطائِفُ": الأمْرُ الَّذِي يَأْتِي بِاللَيْلِ، ذَكَرَ هَذا التَخْصِيصَ الفَرّاءُ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ ﴾ ، و"الصَرِيمُ" قالَ الفَرّاءُ ومُنْذِرٌ وجَماعَةٌ: أرادَ بِهِ اللَيْلَ، مِن حَيْثُ اسْوَدَّتْ جُثَثُهُمْ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ الصُبْحَ، مِن حَيْثُ ابْيَضَّتْ كالحَصِيدِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: و"الصَرِيمُ" يُقالُ لِلَّيْلِ ولِلنَّهارِ مِن حَيْثُ كَلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ مِن صاحِبِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الصَرِيمُ" الرَمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جُذَيْمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: الصَرِيمُ: رَمَلْةٌ بِاليَمَنِ مَعْرُوفَةٌ لا تَنْبُتُ، فَشَبَّهَ جُثَثَهم بِها.
<div class="verse-tafsir"
ضمير الغائيبن في قوله: ﴿ بلوناهم ﴾ يعود إلى المكذبين في قوله: ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ [القلم: 8].
والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً دَعت إليه مناسبة قوله: ﴿ أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه ءاياتُنا قال أساطير الأولين ﴾ [القلم: 1415] فإن الازدهاء والغرور بسعة الرزق المفضيين إلى الاستخفاف بدعوة الحق وإهمال النظر في كنهها ودلائلها قد أوقعا من قديم الزمان أصحابهما في بَطَر النعمة وإهمال الشكر فجَرَّ ذلك عليهم شر العواقب، فضرب الله للمشركين مثلاً بحال أصحاب هذه الجَنة لعلهم يستفيقون من غفلتهم وغرورهم.
كما ضرب المثل بقريب منه في سورة الكهف، وضرب مثلاً بقارون في سورة القصص.
والبلْوى حقيقتها: الاختبار وهي هنا تمثيل بحال المبتلَى في إرخاء الحبل له بالنعمة ليشكر أو يكفر، فالبلوى المذكورة هنا بلوى بالخير فإن الله أمدّ أهل مكة بنعمة الأمن، ونعمة الرزق، وجعل الرزق يأتيهم من كل جهة، ويسر لهم سبل التجارة في الآفاق بنعمة الإِيلاف برحلة الشتاء ورحلة الصيف، فلما أكمل لهم النعمة بإرسال رسول منهم ليكمل لهم صلاح أحوالهم ويهديهم إلى ما فيه النعيم الدائم فدعاهم وذكرهم بنعم الله أعرضوا وطَغوا ولم يتوجهوا إلى النظر في النعم السالفة ولا في النعمة الكاملة التي أكمَلَتْ لهم النعم.
ووجه المشابهة بين حالهم وحال أصحاب الجنّة المذكورة هنا هو الإِعراض عن طلب مرضاة الله وعن شكر نعمته.
وهذا التمثيل تعريض بالتهديد بأن يلحقهم ما لحق أصحاب الجنة من البؤس بعد النعيم والقحط بعد الخصب، وإن اختلف السبب في نوعه فقد اتحد جنسه.
وقد حصل ذلك بعد سنين إذْ أخذهم الله بسبع سنين بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
وهذه القصة المضروب بها المثل قصة معروفة بينهم وهي أنه كانت ببلد يقال له: ضَرَوان (بضاد معجمة وراء وواو مفتوحات وألف ونون) من بلاد اليمن بقرب صنعاء.
وقيل: ضروان اسم هذه الجنة، وكانت جنّة عظيمة غرسها رجل من أهل الصلاح والإيمان من أهل الكتاب قاله ابن عباس.
ولم يبين من أي أهل الكتاب هو: أمِن اليهود أم من النصارى؟
فقيل: كان يهودياً، أي لأن أهل اليمن كانوا تديّنوا باليهودية من عهد بلقيس كما قيل أو بعدها بِهجرة بعض جنود سليمان، وكانت زكاة الثمار من شريعة التوراة كما في الإِصحاح السادس والعشرين من سفر اللاويين.
وقال بعض المفسرين: كان أصحابُ هذه الجنة بعد عيسى بقليل، أي قبل انتشار النصرانية في اليمن لأنها ما دخلت اليمن إلاّ بعد دخول الأحباش إلى اليمن في قصة القَليس وكان ذلك زمان عام الفيل.
وعن عكرمة: كانوا من الحبشة كانت لأبيهم جنة وجعل في ثمرها حقاً للمساكين وكان يدخل معه المساكين ليأخذوا من ثمارها فكان يعيش منها اليتامى والأَرامل والمساكين وكان له ثلاثة بنين، فلما توفي صاحب الجنة وصارت لأولاده أصبحوا ذوي ثروة وكانوا أشحة أو كان بعضهم شحيحاً وبعضهم دونه فتمالؤوا على حرمان اليتامى والمساكين والأَرامل وقالوا: لنغدون إلى الجنة في سدفة من الليل قبل انبلاج الصباح مثل وقت خروج الناس إلى جناتهم للجذاذ فلنجذنها قبل أن يأتي المساكين.
فبيتوا ذلك وأقسموا أيماناً على ذلك، ولعلهم أقسموا ليُلزموا أنفسهم بتنفيذ ما تداعَوا إليه.
وهذا يقتضي أن بعضهم كان متردداً في موافقتهم على ما عَزموا عليه وأنهم ألجموه بالقسم وهذا الذي يلتئم مع قوله تعالى: ﴿ قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ [القلم: 28]، قيل كان يقول لهم: اتقوا الله واعدلوا عن خبث نيتكم من منع المساكين، وذكرهم انتقام الله من المجرمين، أي فغلبوه ومضَوا لما عزموا عليه، ولعلهم أقسموا على أن يفعلوا وأقسموا عليه أن يفعل معهم ذلك فأقسم معهم أو وافقهم على ما أقسموا عليه، ولهذا الاعتبار أسند القسم إلى جميع أصحاب الجنة.
فلما جاءوا جنتهم وجدوها مسودّة قد أصَابها ما يشبه الاحتراق فلما رأوها بتلك الحالة علموا أن ذلك أصابهم دون غيرهم لعزمهم على قطع ما كان ينتفع به الضعفاء من قومهم وأنابوا إلى الله رجاء أن يعطيهم خيراً منها.
قيل: كانت هذه الجنة من أعناب.
والصرم: قطع الثمرة وجذاذها.
ومعنى ﴿ مُصبحين ﴾ داخلين في الصباح أي في أوَائل الفجر.
ومعنى ﴿ لا يستثنون ﴾ : أنهم لا يستثنون من الثمرة شيئاً للمساكين، أي أقسموا ليَصْرِمُنّ جميع الثمر ولا يتركون منه شيئاً.
وهذا التعميم مستفاد مما في الصرم من معنى الخزن والانتفاع بالثمرة وإلاّ فإن الصرم لا ينافي إعطاءَ شيء من المجذوذ لمن يريدون.
وأُجمل ذلك اعتماداً على ما هو معلوم للسامعين من تفصيل هذه القصة على عادة القرآن في إيجاز حكاية القصص بالاقتصار على موضع العبرة منها.
وقيل معناه: ﴿ لا يستثنون ﴾ لإِيمانهم بأن يقولوا إن شاء الله كما قال تعالى: ﴿ ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاّ أن يشاء الله ﴾ [الكهف: 2324].
ووجه تسميته استثناء أن أصل صيغته فيها حرف الاستثناء وهو (إلاّ)، فإذا اقتصر أحد على «إن شاء الله» دون حرف الاستثناء أطلق على قوله ذلك استثناءٌ لأنه على تقدير: إلا أن يشاء الله.
على أنه لما كان الشرط يؤول إلى معنى الاستثناء أطلق عليه استثناء نظراً إلى المعنى وإلى مادة اشتقاق الاستثناء.
وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿ ولا يستثنون ﴾ من قبيل الإِدماج، أي لِمبلغ غرورهم بقوة أنفسهم صاروا إذا عزموا على فعل شيء لا يتوقعون له عائقاً، والجملة في موضع الحال، والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار حالتهم العجيبة من بُخلِهم على الفقراء والأيتام.
وعلى الروايات كلها يعلم أن أهل هذه الجنة لم يكونوا كفاراً، فوجه الشبه بينهم وبين المشركين المضروب لهم هذا المثل هو بطر النعمة والاغترار بالقوة.
وقوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربّك، ﴾ الطواف: المشي حول شيء من كل جوانبه يُقال: طاف بالكعبة، وأريد به هنا تمثيل حالة الإِصابة لشيء كله بحال من يطوف بمكان، قال تعالى: ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ الآية [الأعراف: 201].
وعُدّي (طاف) بحرف (على) لتضمينه معنى: تسلط أو نزل.
ولم يعين جنس الطائف لظهور أنه من جنس ما يصيب الجنات من الهلاك، ولا يتعلق غرض بتعيين نوعه لأن العبرة في الحاصل به، فإسناد فعل (طاف) إلى ﴿ طائف ﴾ بمنزلة إسناد الفعل المبني للمجهول كأنه قيل: فطِيف عليها وهم نائمون.
وعن الفراء: أن الطائف لا يكون إلاّ بالليل، يعني ومنه سمي الخيال الذي يراه النائم في نومه طَيفاً.
قيل هو مشتق من الطائفة وهي الجزء من الليل، وفي هذا نظر.
فقوله: ﴿ وهم نائمون ﴾ تقييد لوقت الطائف على التفسير الأول، وهو تأكيد لمعنى ﴿ طائف ﴾ على تفسير الفراء، وفائدته تصوير الحالة.
وتنوين ﴿ طائف ﴾ للتعظيم، أي أمر عظيم وقد بينه بقوله: ﴿ فأصبحت كالصريم ﴾ فهو طائف سوء، قيل: أصابها عنق من نار فاحترقت.
و ﴿ من ربّك ﴾ أي جائياً من قِبَل ربّك، ف ﴿ مِن ﴾ للابتداء يعني: أنه عذاب أرسل إليهم عقاباً لهم على عدم شكر النعمة.
وعُجل العقاب لهم قبل التلبس بمنع الصدقة لأن عزمهم على المنع وتقاسمهم عليه حقق أنهم مانعون صدقاتهم فكانوا مانعين.
ويؤخذ من الآية موعظة للذين لا يواسون بأموالهم.
وإذْ كان عقاب أصحاب هذه الجنة دنيوياً لم يكن في الآية ما يدل على أن أصحاب الجنة منعوا صدقة واجبة.
والصريم قيل: هو الليل، والصريم من أسماء الليل ومن أسماء النهار لأن كل واحد منهما ينصرم عن الآخر كما سمي كل من الليل والنهار مَلْواً فيقال: المَلوَاننِ، وعلى هذا ففي الجمع بين (أصبحتْ) و(الصريم) محسن الطباق.
وقيل الصريم: الرماد الأسود بلغة جذيمة أو خزيمة.
وقيل الصريم: اسم رملة معروفة باليمن لا تُنبت شيئاً.
وإيثار كلمة الصريم هنا لكثرة معانيها وصلاحية جميع تلك المعاني لأن تراد في الآية.
وبين (يصرِمُنَّها) و(الصريم) الجناس.
وفاء ﴿ فتنادوا ﴾ للتفريع على ﴿ أقسموا ليَصْرِمُنَّها مُصْبِحين، ﴾ أي فلما أصبحوا تنادوا لإنجاز ما بيّتوا عليه أمرهم.
والتنادي: أي ينادي بعضُهم بعضاً وهو مشعر بالتحريض على الغدوّ إلى جنتهم مبكرين.
والغدوّ: الخروج ومغادرة المكان في غُدوة النهار، أي أوله.
وليس قوله: ﴿ إن كنتم صارمين ﴾ بشرط تعليق ولكنه مستعمل في الاستبطاء فكأنهم لإبطاء بعضهم في الغُدوِّ قد عدل عن الجذاذ ذلك اليوم.
ومنه قول عبد الله بن عُمر للحجاج عند زوال عرفة يحرضه على التهجير بالرواح إلى الموقف الرواحَ إن كنت تُريد السنة.
ونظير ذلك كثير في الكلام.
و ﴿ على ﴾ من قوله: ﴿ على حرثكم ﴾ مستعملة في تمكن الوصول إليه كأنه قيل: اغدوا تكونوا على حرثكم، أي مستقرين عليه.
ويجوز أن يضمن فعل الغدوّ معنى الإِقبال كما يقال: يُغدى عليه بالجَفْنة ويُراح.
قال الطيبي: «ومثله قيل في حق المطلب تَغدُو دِرَّتُه (التي يضرب بها) على السفهاء، وجَفنته على الحُلماء».
والحرث: شق الأرض بحديدة ونحوها ليوضع فيها الزريعة أو الشجر وليزال منها العشب.
ويطلق الحرث على الجنة لأنهم يتعاهدونها بالحرث لإِصلاح شجرها، وهو المارد هنا كقوله تعالى: ﴿ وحرثٌ حِجْر ﴾ في سورة الأنعام (138)، وتقدم في قوله: ﴿ والأَنعاممِ والحرثِ ﴾ في سورة آل عمران (14).
والتخافت: تفاعل من خَفَتَ إذا أسرّ الكَلام.
وأن لا يدخلنَّها اليوم عليكم مسكين } تفسير لفعل ﴿ يتخافتون ﴾ و ﴿ أن ﴾ تفسيرية لأن التخافت فيه معنى القول دون حروفه.
وتأكيد فعل النهي بنون التوكيد لزيادة تحقيق ما تقاسموا عليه.
وأسند إلى ﴿ مسكين ﴾ فعل النهي عن الدخول والمراد نهي بعضهم بعضاً عن دخول المسكين إلى جنتهم، أي لا يترك أحد مسكيناً يدخلها.
وهذا من قبيل الكناية وهو كثير في استعمال النهي كقولهم: لا أعرفنَّك تَفْعَلُ كذا.
وجملة ﴿ وغَدوا على حَردٍ قادرين ﴾ في موضع الحال بتقدير (قد)، أي انطلقوا في حال كونهم غادين قادرين على حَرد.
وذُكِر فعل ﴿ غَدَوا ﴾ في جملة الحال لقصد التعجيب من ذلك الغدوِّ النحس كقول امرئ القيس: وباتَ وباتت له ليلة *** كليلة ذي العائر الأرمد بعد قوله: تَطاول ليلك بالأثمُد *** وباتَ الخَلي ولم تَرْقُد يخاطب نفسه على طريقة فيها التفات أو التفاتان.
والحرد: يطلق على المنع وعلى القصد القوي، أي السرعة وعلى الغضب.
وفي إيثار كلمة ﴿ حَرْد ﴾ في الآية نكتة من نكت الإِعجاز المتعلق بشرف اللفظ ورشاقته من حيث المعنى، ومن جهة تعلق المجرور به بما يناسب كل معنى من معانيه، أي بأن يتعلق ﴿ على حرد ﴾ ب ﴿ قادرين ﴾ ، أو بقوله ﴿ غَدوا، ﴾ فإذا علق ب ﴿ قادرين، ﴾ فتقديم المتعلِّق يفيد تخصيصاً، أي قادرين على المنع، أي منع الخير أو منع ثمر جنتهم غير قادرين على النفع.
والتعبير بقادرين على حرد دون أن يقول: وغدوا حاردين تهكم لأن شأن فعل القدرة أن يذكر في الأفعال التي يشق على الناس إتيانها قال تعالى: ﴿ لا يَقدرون على شيء مما كسبوا ﴾ [البقرة: 264] وقال: ﴿ بلى قادرين على أن نسوي بنانه ﴾ [القيامة: 4] فقوله: ﴿ على حرد قادرين ﴾ على هذا الاحتمال من باب قولهم: فلان لا يملك إلاّ الحِرمان أو لا يقدر إلاّ على الخيبة.
وإذا حمل الحرد على معنى السرعة والقصد كان ﴿ على حرد ﴾ متعلقاً ب ﴿ غَدَوا ﴾ مبيناً لنوع الغُدو، أي غدوا غدُوَّ سرعة واعتناء، فتكون ﴿ على ﴾ بمعنى باء المصاحبة، والمعنى: غدوا بسرعة ونشاط، ويكون ﴿ قادرين ﴾ حالاً من ضمير ﴿ غدوا ﴾ حالاً مقدَّرة، أي مقدرين أنهم قادرون على تحقيق ما أرادوا.
وفي الكلام تعريض بأنهم خابوا، دل عليه قوله بعده ﴿ فلما رأوها قالوا إنا لضالون ﴾ [القلم: 26]، وقولُه قبله ﴿ فطاف عليها طائف من ربّك وهم نائمون ﴾ .
وإذا أريد بالحرد الغضب والحَنق فإنه يقال: حَرَدٌ بالتحريك وحَرْدٌ بسكون الراء ويتعلق المجرور ب ﴿ قادرين ﴾ وتقديمه للحصر، أي غدوا لا قدرة لهم إلاّ على الحَنق والغضب على المساكين لأنهم يقتحمون عليهم جنتهم كل يوم فتحيلوا عليهم بالتبكير إلى جذاذها، أي لم يقدروا إلاّ على الغضب والحنق ولم يقدروا على ما أرادوه من اجتناء ثمر الجنة.
وعن السدي: أن ﴿ حَرد ﴾ اسم قريتهم، أي جنتهم.
وأحسب أنه تفسير ملفق وكأنَّ صاحبه تصيده من فعلي ﴿ اغْدُوا وغَدوا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: ودُّوا لَوْ تَضْعُفُ فَيَضْعُفُونَ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.
الثّالِثُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الرّابِعُ: لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الخامِسُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
السّادِسُ: أنْ تَذْهَبَ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي أصْلِ المُداهَنَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُجامَلَةُ العَدُوِّ ومُمايَلَتُهُ، قالَ الشّاعِرُ لَبَعْضُ الغَشْمِ أحُزْمُ أُمُورٍ تَنُوبُكَ مِن مُداهَنَةِ العَدُوِّ.
الثّانِي: أنَّها النِّفاقُ وتَرْكُ المُناصَحَةِ، قالَهُ المُفَضَّلُ، فَهي عَلى هَذا الوَجْهِ مَذْمُومَةٌ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ.
﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكَذّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الضَّعِيفُ القَلْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المِكْثارُ مِنَ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الذَّلِيلُ بِالباطِلِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ الَّذِي يَهُونُ عَلَيْهِ الحِنْثُ.
وَفي مَن نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَرَضَ عَلى النَّبِيِّ مالًا وحَلَفَ أنْ يُعْطِيَهُ إنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَتّانُ الطَّعّانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَلْوِي شِدْقَيْهِ مِن وراءِ النّاسِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يَهْمِزُهم بِيَدِهِ ويَضْرِبُهم دُونَ لِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والأوَّلُ أشْبَهُ لِقَوْلِ الشّاعِرِ تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ.
﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَنْقُلُ الأحادِيثَ مِن بَعْضِ النّاسِ إلى بَعْضٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: هو الَّذِي يَسْعى بِالكَذِبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ومَوْلى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيَةً بِنَمِيمٍ.
وَفِي النَّمِيمِ والنَّمِيمَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: أنَّ النَّمِيمَ جَمْعُ نَمِيمَةٍ.
﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِلْحُقُوقِ مِن ظُلْمٍ.
الثّانِي: الإسْلامُ يَمْنَعُ النّاسَ مِنهُ.
﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ يَعْنِي بَعْدَ كَوْنِهِ ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ، هو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وفِيهِ تِسْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العُتُلَّ الفاحِشُ، وهو مَأْثُورٌ عَنِ النَّبِيِّ : الثّانِي: أنَّهُ القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الوَفِيرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو رُزَيْنٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الجافِي الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الأسْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
السّادِسُ: أنَّهُ الباغِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَعْتِلُ النّاسَ، أيْ يَجُرُّهم إلى الحَبْسِ أوِ العَذابِ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَتْلِ وهو الجَرُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ ﴾ .
الثّامِنُ: هو الفاحِشُ اللَّئِيمُ، قالَهُ مَعْمَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَعْتَلِ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٌ ∗∗∗ غَيْرُ ذِي نَجْدَةٍ وغَيْرُ كَرِيمِ.
التّاسِعُ: ما رَواهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوّاظٌ ولا جَعْظَرِيٌّ ولا العُتُلُّ الزَّنِيمُ فَقالَ رَجُلٌ: ما الجَوّاظُ وما الجَعْظَرِيُّ وما العُتُلُّ الزَّنِيمُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلْجَوّاظُ الَّذِي جَمَعَ ومَنَعَ، والجَعْظَرِيُّ الغَلِيظُ، والعُتُلُّ الزَّنِيمُ الشَّدِيدُ الخَلْقِ الرَّحِيبُ الجَوْفِ، المُصَحِّحُ الأكُولُ الشَّرُوبُ الواجِدُ لِلطَّعامِ، الظَّلُومُ لِلنّاسِ)» .
وأمّا الزَّنِيمُ فَفِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اللَّيِّنُ، رَواهُ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: أنَّهُ الظَّلُومُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ طَلْحَةَ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الفاحِشُ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، قالَ الضَّحّاكُ: لِأنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ كانَ لَهُ أسْفَلَ مِن أُذُنِهِ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ لِأنَّهُ حَلِيفٌ مُلْحَقٌ ولِذَلِكَ سُمِّيَ زَنِيمًا.
الخامِسُ: أنَّهُ ولَدُ الزِّنى، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
السّادِسُ: أنَّهُ الدَّعِيُّ، قالَ الشّاعِرُ زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالأُبْنَةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّامِنُ: أنَّهُ عَلامَةُ الكُفْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ ، قالَهُ أبُو رُزَيْنٍ.
﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، كانَتْ لَهُ حَدِيقَةٌ بِالطّائِفِ، وكانَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا، حَكاهُ الضَّحّاكُ.
وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: المالُ والبَنُونَ حَرْثُ الدُّنْيا، والعَمَلُ الصّالِحُ حَرْثُ الآخِرَةِ.
﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي أحادِيثَ الأوَّلِينَ وأباطِيلَهم.
﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها سِمَةٌ سَوْداءُ تَكُونُ عَلى أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ يَتَمَيَّزُ بِها الكافِرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ يُضْرَبُ في النّارِ عَلى أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ إشْهارٌ ذَكَّرَهُ بِالقَبائِحِ، فَيَصِيرُ مَوْسُومًا بِالذِّكْرِ لا بِالأثَرِ.
الرّابِعُ: هو ما يَبْتَلِيهِ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ مِن سُوءٍ وذُلٍّ وصَغارٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأعْشى: فَدَعْها وما يُغْنِيكَ واعْمُدْ لِغَيْرِها ∗∗∗ بِشِعْرِكَ واغْلِبْ أنْفَ مَن أنْتَ واسْمُ.
وَقالَ المُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ هو مِنَ النّاسِ الأنْفُ، ومِنَ البَهائِمِ الشَّفَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟
قال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوي الكتاب وارتفع القلم، وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النور فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما خلق الله القلم والحوت قال: اكتب قال: ما أكتب؟
قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ فالنون الحوت والقلم القلم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» .
وأخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب قال: ما أكتب؟
قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
وأخرج الرافعي في تاريخ قزوين من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون اللوح المحفوظ والقلم من نور ساطع» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب قال: وما أكتب؟
قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل أو أثر أو رزق، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وذلك قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ ثم ختم على في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق الله العقل، فقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ن والقلم ﴾ قال: ن الدواة والقلم القلم.
وأخرج عن ابن عباس قوله: ﴿ ن ﴾ أشباه هذا قسم الله، وهي من أسماء الله.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ ن ﴾ قالا: الدواة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ن ﴾ قال: هو الحوت الذي عليه الأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الحوت الذي تحت الأرض السابعة، والقلم الذي كتب به الذكر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، وخلق النون، وهي الدواة، وخلق اللوح، فكتب فيه، ثم خلق السموات، فكتب ما يكون من حينئذ في الدنيا إلى أن تكون الساعة من خلق مخلوق أو عمل معمول بر أو فجور، وكل رزق حلال أو حرام رطب أو يابس.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: القلم نعمة من الله عظيمة لولا القلم ما قام دين ولم يصلح عيش، والله أعلم بما يصلح خلقه.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: خلق الله القلم فقال: أجره فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق الحوت وهو النون، فكبس عليها الأرض ثم قال: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره ونفعه وضره ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: الكرام الكاتبون» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يكتبون.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يعملون.
قوله تعالى: ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ الآية.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إنه لمجنون به شيطان، فنزلت ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن لك لأجراً غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.
قوله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .
أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت يا أم المؤمنين: أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه.
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: أتيت عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي عبدالله الجدلي قال: قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
وأخرج ابن مردويه عن زينب بنت يزيد بن وسق قالت: كنت عند عائشة إذ جاءها نساء أهل الشام، فقلن يا أم المؤمنين: أخبرينا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن وكان أشد الناس حياء من العواتق في خدرها.
وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: على أدب القرآن.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: القرآن.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الدين.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الإِسلام.
واخرج عبد بن حميد عن ابن ابزى وسعيد بن جبير قالا: على دين عظيم.
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثابت عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سنة ما قال لي قط ألا فعلت هذا أو لم فعلت هذا.
قال ثابت: فقلت يا أبا حمزة إنه كما قال الله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .
وأخرج الخرائطي عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شيء يوماً من الأيام فإن لامني لائم قال: دعوه فإنه لو قضى شيء لكان.
وأخرج ابن سعد عن ميمونة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب، فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له، فقال: أقسمت عليك إلا فتحت ليفقلت له: تذهب إلى أزواجك في ليلتي قال: ما فعلت، ولكن وجدت حقناً من بولي» .
قوله تعالى: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ الآيات.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ قال: تعلم ويعلمون يوم القيامة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان كانوا يقولون: إنه شيطان إنه مجنون.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: يتبين لكم المفتون.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: بأيكم المجنون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير وابن أبزى ﴿ بأيكم المفتون ﴾ بأيكم المجنون.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: بأيكم المجنون.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: المجنون.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان فكانوا أولى بالشيطان منه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو ترخص لهم فيرخصون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ يقول: لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: ودوا لو يدهن نبي الله عن هذا الأمر فيدهنوا عنه.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو تكفر فيكفرون.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)﴾ قال الفراء: غدوا على مالهم ليصرموه فلم يروا إلا سوادًا فقالوا: إنا لضالون ما (١) (٢) وقال أبو إسحاق: لما رأوها محترقة قالوا: إنا قد ضللنا طريق جنتنا، أي ليست هذه، ثم علموا أنها عقوبة فقالوا: (١) (س): (ما) زيادة.
(٢) انظر: "معاني القرآن" 3/ 175.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة ﴾ أي بلونا قريشاً كما بلونا أصحاب الجنة، وكانوا إخوه من بني إسرائيل لهم جنة، روي أنها بمقربة من صنعاء، فحلفوا أن لا يعطوا مسكيناً منها شئياً، وباتوا عازمين على ذلك، فأرسل الله على جنتهم طائفاً من نار فأحرقتها، وعلموا أن الله عاقبهم فيها بما قالوا، فندموا وتابوا إلى الله، ووجه تشبيه قريش بأصحاب الجنة؛ أن الله أنعم على قريش ببعث محمد صلى الله عليه وسلم، كما أنعم على أصحاب الجنة بالجنة، فكفر هؤلاء بهذه النعمة كما فعل أولئك، فعاقبهم الله كما عاقبهم، وقيل: شبَّه قريشاً لما أصابهم الجوع بشدة القحط، حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحاب الجنة لما هلكت جنتهم ﴿ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾ أي حلفوا أن يقطعوا غلة جنتهم عند الصباح وكانت الغلة ثمراً ﴿ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ ﴾ في معناه ثلاثة أقوال: أحدها لم يقولوا إن شاء الله حين حلفوا ليصرمنها، والآخر لا يستثنون شيئاً من ثمرها إلا أخذوه لأنفسهم، والثالث لا يتوقفون في رأيهم ولا ينتهون عنه لا يرجعون عنه ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ ﴾ قال الفراء: الطائف الأمر الذي يأتي بالليل ﴿ فَأَصْبَحَتْ كالصريم ﴾ فيه أربعة أقوال: الأول أصبحت كالليل لأنها اسودَّتْ لِما أصابها، والصريم في اللغة الليل، الثاني أصبحت كالنهار لأنها ابيضت كالحصيد ويقال: صريم لليل والنهار.
الثالث أن الصريم: الرماد الأسود بلغة بعض العرب، الرابع أصبحت كالمصرومة أي المقطوعة ﴿ فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ ﴾ أي نادى بعضهم بعضاَ حين أصبحوا وقال بعضهم لبعض: ﴿ اغدوا على حَرْثِكُمْ ﴾ أي جنتكم ﴿ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ ﴾ أي حاصدين لثمرتها ﴿ يَتَخَافَتُونَ ﴾ يكلم بعضهم بعضاً في السر ويقولون: ﴿ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ ﴾ وأن في قوله: أن اغدوا وأن لا يدخلنها حرف عبارة وتفسير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ .
قال جعفر بن حرب: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ في هذا الموضع هو المفتون بضلالته، المعجب بخطئه المشغوف بجهله.
وقال الحسن: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ هو الذي معه الشيطان.
وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ من به الفتنة كما يقال: فلان لا معقول له، أي: ليس له عقل.
وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ : المعذب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ أي: يعذبون؛ فكأنه يقول: ستعلمون أيكم المعذب؟
وأيكم الضال؟
إن حمل على ما ذكر الحسن، وأيكم المغتر إن كان معناه على ما ذكروا أن المفتون من الفتنة.
وجائز أن يكون نسبوه إلى الاغترار فيما كان يدعي من الرسالة، ويزعمون أنه مغتر بها، ويغر بها غيره كما قال المنافقون: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ ، فحق هذا عندنا ألا يتكلف تفسيره؛ لأنه قال: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ ، فذكر هذا جوابا عما وقعت فيه الخصومة، فكانوا يزعمون أن رسول الله هو المفتون، ورسول الله يذكر أنهم هم المفتونون، فخرج هذا جوابا عن تلك الخصومة: أنهم وأنت ستبصرون، وقد وقعت الخصومات من أوجه: فمرة كانوا يدعون أنه ساحر، ومرة [كانوا] يدعون أنه مجنون، ومرة بأنه ضال، ومرة أنه مفتر وغيرها من الوجوه، فإذا ثبت أن الآية نزلت في حق الجواب فما لم يعلم بأن الخصومة فيم كانت، لم يعلم إلى ماذا يصرف الجواب، والله أعلم.
ويشبه أن تكون الخصومة الواقعة في الضلال والهدى، فكانوا يدعون أنهم على الهدى، وأنهم بالله أحق وإليه أقرب من رسول الله ، ورسول الله يدعي أنهم على الضلال، وأنه على دين الحق والهدى، يدل على ذلك ذكر الضلال والهدى بعد ذكر المفتون، وهو قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ .
ثم هذه الآيات كأنها نزلت جوابا من الله عما كان يحق لمثله الجواب [عن رسول الله ] ولكن الله لما امتحن رسوله بالعفو والإعراض عن المكافأة في الجواب، تولى الله الجواب عنه بقوله - - ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ ، [أي: قد تعلمون أن ربكم أعلم] ﴿ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ، وسنبين لكم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ ، ليس في قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمر من الله بأن يطيع المصدقين؛ لأن من صدقه وآمن به [لا يجوز له] أن يتقدم بين يديه فيأمره أو ينهاه عن أمر، ويدعوه إلى الطاعة، بل ينظر إلى أمر رسول الله ونهيه؛ فيأتمر بأمره، ويطيعه فيما يدعوه إليه، وأما من كذبه، فقد يدعوه إلى طاعته؛ فخص ذكر المكذب عندما نهاه عن طاعته؛ لأن الدعاء إلى الطاعة لا يوجد من المصدق دون أن يتضمن قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمرا بطاعة المصدق؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ ، فليس فيه أنه إذا لم يخش الإملاق يسعه قتله، ولكنه خص تلك الحالة؛ لأن تلك الحالة هي التي كانت تحملهم على القتل، ولم يكونوا يقدمون على القتل عند الأمن من الإملاق، وفي هذا دلالة إبطال قول من قال بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما غايره بخلافه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هم المكذبون بآيات الله أو بوحدانيته أو برسله أو بالبعث.
ثم يجوز أن يكون هذا الأمر منهم في أول الأحوال؛ فكانوا يطمعون من رسول الله الإجابة لهم فيما يدعونه إليه؛ إذ كانوا يرجون منه الموافقة لهم بما يبذلون له من المال؛ فيكون النهي راجعاً إلى ذلك [الوقت]، فأما بعدما ظهرت منه الصلابة في الدين والتشمير لأمر الله فلا يحتمل أن يطيعهم أو يخاف منهم ذلك فينهى عنه.
وجائز أن يكون دعاؤهم رسول الله ما ذكر من قوله: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ والمداهنة هي [الملاطفة والملاينة] في القول.
ثم رسول الله كان يذكر آلهتهم بالسوء ويسفههم بعبادتهم إياها ويسفه أحلامهم ويجهلهم، وهم لم يكونوا يجدون في رسول الله مطعنا؛ فكانوا ينسبونه إلى الكذب مرة وإلى الجنون ثانيا وإلى السحر ثالثا، وكانوا يتخذونه هزوا إذا رأوه، وكانوا يطعنون فيه من هذه الأوجه بإزاء ما كان رسول الله يسفههم ويذكر آلهتهم بسوء، مع علمهم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ ، فأخبر - - أنهم ليسوا يكذبونه لما وقفوا منه على الكذب، بل قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق، ولم يكونوا وقفوا منه على كذب قط، وإنما الذي حملهم على التكذيب واتخاذهم إياه هزوا ذكر آلهتهم بسوء، وكذلك قال: ﴿ وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ﴾ ، فكانت معاملتهم هذه مجازاة لرسول الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ .
يخرج على هذا - إن شاء الله -: هو أنك لو تركت ذكر آلهتهم بسوء، ولم تسفه أحلامهم؛ لامتنعوا هم أيضاً عما هم عليه من نسبتهم إياكم إلى الجنون والسحر والكذب وغير ذلك، ولكنه كان يذكرهم [بما يذكرهم] وهو في ذلك محق، وهم كانوا يذكرونه بما قالوا بالباطل والزور؛ فيكون قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ فيما يدعونك إلى المداهنة، ثم هم لو داهنوا كانوا في مداهنتهم محقين، فإذا تركوا ذلك فقد تركوا الحق الذي كان عليهم، ورسول الله لو داهنهم، لم يكن في مداهنتهم محقّاً؛ فلذلك نُهِي عن المداهنة.
وقال بعض [أهل التفسير]: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ، أي: لو ترفض ما أنت عليه من الدين؛ فيرفضون ما هم عليه من الدين؛ وهذا لا يستقيم؛ لأنه إذا رفض ما هو عليه من الدين كفر، وهم لو تركوا ما هم عليه، صاروا مسلمين، [فيبقى بينهم الاختلاف] الذي لأجله دعوا إلى المداهنة وودوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ .
قيل: إن هذه الآيات نزلت في واحد يشار إليه، وهو الوليد بن المغيرة المخزومي، وفيما يشار إلى واحد لا يطلق فيه لفظة "كل" فيقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ ، والحلاف المهين ليس إلا واحداً، ولكن معناه: ولا تطع هذا ولا كل من يوجد فيه هذه الصفة، ثم ذكر المرء بقوله: ﴿ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ يخرج مخرج الهجاء والشتم في الشاهد؛ لأن ذكر المرء بما هو عليه من ارتكاب الفواحش والمساوى تهجينٌ [له] وشتم، وجل الله ورسوله [أن يقصدوا إلى شتم إنسان]، فالآية ليست في تثبيت فواحشه، وإنما هي في موضع التوبيخ والزجر عن اتباع مثله، وذلك أنه كان من رؤساء الكفرة، وممن بسطت عليه الدنيا؛ فكان القوم يتبعونه وينقادون له فيما يدعوهم إلى الصد عن سبيل الله، فذكر الله فيه هذه الأشياء، وأظهرها للخلق؛ ليزهدهم عن اتباعه؛ إذ كل من كانت فيه هذه الأحوال، لم تسْخُ نفس عاقل باتباعه، ولا احتمل طبعه طاعة مثله؛ فلا يتمكن من صد الناس عن سبيل الله ، فكان في ذكره بالعيوب التي هي فيه زجر الناس عن طاعته؛ فذكرها لإثبات هذا الوجه، لا أن يكون فائدتها تحصيل الشتم والهجاء؛ وكذلك ذكر أبا لهب بالتب والخسار وما هو عليه من الفواحش؛ ليزجر الناس عن اتباعه.
وفي هذه الآيات دلالة نبوة محمد من الوجه الذي نذكره في سورة "تبت" إن شاء الله .
ثم قيل: المهين من المهانة، ومن المهنة، ومن [الوهن، وهو الضعف].
ثم قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ جائز أن يكون استوجب المهانة؛ لكونه همازا مشاء بالنميم وبمنعه الخير واعتدائه؛ فيكون هذا كله تفسير ﴿ مَّهِينٍ ﴾ ، فإن كان هكذا فقوله: ﴿ مَّهِينٍ ﴾ من المهانة هاهنا.
ثم لا يجوز أن يكون رسول الله يخشى عليه طاعة من هذا وصفه، وأن يميل قلبه إليه، ولكن النهي لمكان غيره وإن كان هو المشار إليه بالذكر.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ تمام الكلام، ويكون قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ على الابتداء؛ فكأنه يقول: لا تطع كل حلاف مهين، وكل هماز مشاء بنميم، وكل معتد أثيم، وكل عتل زنيم.
وتفسير الهمز يذكر في [تفسير] سورة الهُمَزَة، إن شاء الله .
والمشاء بالنميم: هو الذي يسعى في الفرقة بين الإخوان، ويقوم فيما بينهم بالقطيعة.
والمناع للخير: قال بعضهم: إنه كان يمنع أهل الآفاق مَنْ كان بحضرته عن اتباع رسول الله ، ويقول: إنه ضال مضل، فقيل: مناع للخير؛ لهذا.
ومنهم من ذكر: أنه كان يمنع ولده من الاختلاف إلى مجلس رسول الله .
وجائز أن يكون منعه للخير هو امتناعه عن أداء [الحقوق التي لله] الواجبة في ماله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ .
أي: معتد حدود الله ، أو ظالم لنفسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثِيمٍ ﴾ .
الأثيم: هو المرتكب لما يأثم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ .
العتل: الفظ الغليظ، والشديد الظلوم.
وقيل: هو الفاحش اللئيم الضريبة.
وقال مجاهد: العتل: الشديد الأشر، أي: الخلق، وقد روي في الخبر عن النبي أنه قال: "لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري [ولا العتل الزنيم، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، وما الجواظ] والجعظري والعتل الزنيم؟
فقال رسول الله : أما الجواظ فالذي جمع ومنع تدعوه لظى نزاعة للشوى، وأما الجعظري: فالفظ الغليظ؛ قال الله : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ، وأما العتل الزنيم: هو الشديد الخلق، الرحيب الجوف المصحَّح، الأكول الشروب، الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس" ، وأما الزنيم: هو الدعي الملصق بالقوم الملحق في النسب.
واستدلوا على ذلك بقول الشاعر: زَنِيمٌ ليس يُعْرَفُ مَنْ أبوه؟
*** بَغِىُّ الأمِّ ذو حسب لئيم ويقول آخر: زَنِيمٌ تَداعاه الرجال زِيادَة *** كَمَا زِيدَ في عرْض الأدِيم الأكَارعُ ومنهم من قال: إنه كانت به زنمة في أصل أذنه يعرف بها.
ومنهم من يقول: الزنيم: هو العلم في الشر.
ولقائل أن يقول: إذا كان تأويل العتل ما ذكر في الخبر، ومعنى الزنيم: الدعيّ أو ما ذكر من العلامة، فكيف عير بهذه الأشياء، ولم يكن له في ذلك صنع، والمرء إنما يعير بما له فيه صنع لا بما لا صنع له فيه؟!
فيجاب عن هذا من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: أن ذكره بما فيه من العيوب ليس لمكان المذكور نفسه، ولكن لزجر الناس عن اتباعه؛ لأن من اشتمل على العيوب التي ذكرها، وكان مع ذلك عتلا زنيما، فأنفس الخلق تأبى عن اتباعه، ففائدة تعييره بما أنشئ عليها ما ذكرنا من الحكمة لا تعييره.
والثاني: أن ذكر أصله كناية عن سوء فعله؛ ليعلم أن خبث الأصل يدعو الإنسان إلى تعاطي الأفعال الذميمة، وصحة الأصل و [حسنه ونقاوته] يدعو صاحبه إلى محاسن الأخلاق وإلى الأفعال المرضية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ .
فيخبر أن من يتبعه، يتبعه لكثرة أمواله وبنيه؛ وذلك لأن كثرة المال للإنسان مِنْ أحد ما يستدعي قلوب الخلق إلى تعظيمه، فذكر ما فيه من العيوب والمساوى؛ لئلا يستميل قلوب الضعفة إلى نفسه بماله، فيقول: كيف تتبعونه وهو بهذا الوصف الذي وصفه الله ؟!
ثم أخبر عن معاملته رسول الله بقوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ثم قوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وإن كان عامّاً بظاهره، لكن لم يرد به العموم؛ لأن [قوله:] ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ليس في كل الآيات، وإنما هو في الآيات التي هي في حق الإخبار عن الأمم السالفة، وأما إذا تليت عليه الآيات التي فيها دلالة إثبات الرسالة ودلالة التوحيد ودلالة البعث، فقوله فيها ما قال في سورة المدثر: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ ﴾ ، وهذا دليل على أنه لا يجب اعتقاد ظاهر العموم ما لم يعلم بيقين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ﴾ .
قيل: شَيْناً لا يفارقه، فجائز أن يكون جعل هذا في الدنيا؛ لكي يعلمه ويذكره من رآه فيجتنب صحبته؛ فهو يصير شينا من هذا الوجه؛ فيخرج هذا مخرج العقوبة لشدة تعنته على رسول الله وعظيم أذاه له.
وجائز أن يكون هذا في الآخرة، فيجعل الله في أنفه علما يتبين به، ويمتاز من غيره يوم القيامة؛ زيادة له في العقوبة، كما جعل لآكلي الربا يوم القيامة علما يعرفون به، وذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ﴾ .
وجائز أن يكون: نسم خرطومه خصوصا له من بين الكفرة، فيحشره ولا أنف له؛ لأنه ذكر أن سائر الكفرة يحشرون يوم القيامة [عميا وبكما] وصما، ولم يذكر في أنوفهم شيئاً، فجائز أن [يكون] يحشر ولا أنف له، وذلك هو النهاية في القبح، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فلما شاهدوها محترقة قال بعضهم لبعض: لقد ضللنا طريقها.
<div class="verse-tafsir" id="91.OZn9A"