الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٤٦ من سورة القلم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 54 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٦ من سورة القلم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) تقدم تفسيرهما في سورة " الطور " ، والمعنى في ذلك : أنك يا محمد تدعوهم إلى الله ، عز وجل ، بلا أجر تأخذه منهم ، بل ترجو ثواب ذلك عند الله ، عز وجل ، وهم يكذبون بما جئتهم به ، بمجرد الجهل والكفر والعناد .
القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أتسأل يا محمد هؤلاء المشركين بالله على ما أتيتهم به من النصيحة، ودعوتهم إليه من الحقّ، ثوابا وجزاء (فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ) يعني: من غرم ذلك الأجر مثقلون، قد أثقلهم القيام بأدائه، فتحاموا لذلك قبول نصيحتك، وتجنبوا لعظم ما أصابهن من ثقل الغرم الذي سألتهم على ذلك الدخول في الذي دعوتهم إليه من الدين.
قوله تعالى قوله تعالى : أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون عاد الكلام إلى ما تقدم من قوله تعالى : أم لهم شركاء .
أي أم تلتمس منهم ثوابا على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله ؟
فهم من غرامة ذلك مثقلون لما يشق عليهم من بذل المال ; أي ليس عليهم كلفة ، بل يستولون بمتابعتك على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم .
{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ } أي: ليس لنفورهم عنك، وعدم تصديقهم لما جئت به ، سبب يوجب لهم ذلك، فإنك تعلمهم، وتدعوهم إلى الله، لمحض مصلحتهم، من غير أن تطلبهم من أموالهم مغرمًا يثقل عليهم.
( أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون)
«أم» بل أ «تسألهم» على تبليغ الرسالة «أجرا فهم من مغرم» مما يعطونكه «مثقلون» فلا يؤمنون لذلك.
أم تسأل -أيها الرسول- هؤلاء المشركين أجرا دنيويا على تبليغ الرسالة فهم مِن غرامة ذلك مكلَّفون حِمْلا ثقيلا؟
بل أعندهم علم الغيب، فهم يكتبون عنه ما يحكمون به لأنفسهم مِن أنهم أفضل منزلة عند الله مِن أهل الإيمان به؟
ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم ، بأسلوب الاستفهام الإنكارى ، الذى تكرر فيها كثيرا ، فقال - تعالى - : ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ .
أَمْ عِندَهُمُ الغيب فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) ؟والمغرم والغرام : ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره .والمثقلون : جمع مثقل ، وهو من أثقلته الديون ، حتى صار فى حالة عجز عن أدائها .والمراد بالغيب : علم الغيب ، وهو ما غاب عن علم البشر ، فالكلام على حذف مضاف .والمعنى : بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير ( أَجْراً ) دنيويا ( فَهُمْ ) من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية ، وعاجزون عن دفعها لك .
.
فترتب على هذا الغرم الثقيل .
أن أعرضوا عن دعوتك ، وتجنبوا الدخول فى دينك؟
وهذه الآية مع ما بعدها مفسرة في سورة الطور [40]، وأقول: إنه أعاد الكلام إلى ما تقدم من قوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء ﴾ والمغرم الغرامة أي لم يطلب منهم على الهداية والتعليم أجراً فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم فيثبطهم ذلك عن الإيمان.
<div class="verse-tafsir"
يقال: ذرني وإياه، يريدون كله إليّ، فإني أكفيكه، كأنه يقول: حسبك إيقاعاً به أن تكل أمره إليّ وتخلي بيني وبينه، فإني عالم بما يجب أن يفعل به مطيق له، والمراد: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن، فلا تشغل قلبك بشأنه وتوكل عليّ في الانتقام منه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهديداً للمكذبين.
استدرجه إلى كذا: إذا استنزله إليه درجة فدرجة، حتى يورّطه فيه.
واستدراج الله العصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة، فيجعلوا رزق الله ذريعة ومتسلقاً إلى ازدياد الكفر والمعاصي ﴿ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج وهو الإنعام عليهم، لأنهم يحسبونه إيثاراً لهم وتفضيلاً على المؤمنين، وهو سبب لهلاكهم ﴿ وَأُمْلِى لَهُمْ ﴾ وأمهلهم، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾ [آل عمران: 178] والصحة والرزق والمدّ في العمر: إحسان من الله وإفضال يوجب عليهم الشكر والطاعة، ولكنهم يجعلونه سبباً في الكفر باختيارهم، فلما تدرّجوا به إلى الهلاك وصف المنعم بالاستدراج.
وقيل: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.
وسمي إحسانه وتمكينه كيداً كما سماه استدراجاً، لكونه في صورة الكيد حيث كان سبباً للتورّط في الهلكة، ووصفه بالمتانة لقوّة أثر إحسانه في التسبب للهلاك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ﴾ يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ ويَصْعُبُ الخَطْبُ وكَشْفُ السّاقِ مَثَلٌ في ذَلِكَ، وأصْلُهُ تَشْمِيرُ المُخَدِّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ.
قالَ حاتِمٌ.
أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا أوْ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ وحَقِيقَتِهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ عِيانًا مُسْتَعارٌ مِن ساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ أوْ لِلتَّعْظِيمِ.
وقُرِئَ «تَكْشِفُ» و «تُكْشَفُ» بِالتّاءِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ والفِعْلُ لِلسّاعَةِ أوِ الحالِ.
﴿ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ ﴾ تَوْبِيخًا عَلى تَرْكِهِمُ السُّجُودَ إنْ كانَ اليَوْمُ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ لِأوْقاتِها إنْ كانَ وقْتَ النَّزْعِ.
﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ لِذَهابِ وقْتِهِ أوْ زَوالِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ.
﴿ خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ تَلْحَقُهم ذِلَّةٌ.
﴿ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ ﴾ في الدُّنْيا أوْ زَمانِ الصِّحَّةِ.
﴿ وَهم سالِمُونَ ﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ مُزاحُو العِلَلِ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
{أم تسألهم} على تبليغ الرسالة {أَجْراً فَهُم مّن مَّغْرَمٍ} غرامة {مُّثْقَلُونَ} فلا يؤمنون استفهام بمعنى النفي أي لست تطلب أجراً على تبليغ الوحي فيثقل عليهم ذلك فيمتنعوا لذلك
﴿ أمْ تَسْألُهُمْ ﴾ عَلى الإبْلاغِ والإرْشادِ ﴿ أجْرًا ﴾ دُنْيَوِيًّا ﴿ فَهُمْ ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿ مِن مَغْرَمٍ ﴾ أيْ غَرامَةٍ مالِيَّةٍ ﴿ مُثْقَلُونَ ﴾ مُكَلَّفُونَ حِمْلًا ثَقِيلًا فَيُعْرِضُونَ عَنْكَ وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قالَهُ ابْنُ الشَّيْخِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني: في الآخرة جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
فلما ذكر الله تعالى نعيم الجنة، قال عتبة بن ربيعة: إن كان كما يقول محمد ، فإن لنا في الآخرة أكثر ما للمسلمين، لأن فضلنا وشرفنا أكثر، فنزل: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ يعني: لا يكون حال المسلمين في الهوان والذل كالمشركين.
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ يعني: وَيْحَكم كيف تقضون بالجَوْر؟
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ؟
يعني: ألكم كتاب تقرؤون فيه؟
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ يعني: في الكتاب مما تتمنون.
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ؟
يعني: ألكم عهد عندنا وثيق؟
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
يعني: في يوم القيامة.
إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ يعني: ما تقضون لأنفسكم في الآخرة؟.
قوله تعالى: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ يعني: أيهم كفيل لهم بذلك؟
ثم قال: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ؟
يعني: شهداء يشهدون أن الذي قالوا لهم حق.
فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ يعني: يشهدون أن لهم في الآخرة ما للمسلمين، فهذا كله لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر واليأس، يعني: ليس لهم ذلك.
قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ يعني: اذكر ذلك اليوم.
ويقال: معناه إن الثواب والعقاب.
الذي ذكر، في يوم يكشف عن ساق.
قال ابن عباس: يعني: يظهر قيام الساعة.
وروى سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن ابن عباس قال: عَنْ ساقٍ يعني: عن أمر عظيم، وقال مجاهد: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ عن بلاء عظيم، وقال قتادة: يكشف الأمر عن شدة الأمر.
وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا ابن منيع: حدثنا هدبة حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمارة القرشي، عن أبي بردة بن أبي موسى قال: حدثنا أبي قال: سمعت رسول الله يقول: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مُثِّلَ لِكُلِّ قَوْمٍ ما كانوا يعبدون في الدُّنْيَا، فَذَهَبَ كُلُّ قَوْمٍ إلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَيَبْقَى أَهْلُ التَّوْحِيدِ فِيُقَالُ لَهُمْ: كِيْفَ بَقِيْتُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟
فَيَقُولُونَ: إنَّ لَنَا رَبّاً كُنّا نَعْبُدُهُ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ نَرَهُ قَالَ أَوَ تَعْرِفُونَهُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: وَكَيْفَ تَعْرِفُونَه وَلَمْ تَرَوْهُ؟
قَالُوا: لا شَبَهَ لَهُ.
فَيُكْشفُ لَهُمُ الحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إلَى الله تَعَالَى، فَيَخرُّونَ لَهُ سُجّداً، وَيَبْقَى أقْوَامٌ ظُهُورُهُمْ مِثْلَ صِيَاصِي البَقَرِ، فَيُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ.
فَيَقُولُ الله تَعَالَى عِبَادِي ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، قَدْ جَعَلْتُ بَدَلَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ رَجُلاً مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى فِي النَّارِ» .
قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، أحدثك أبوك بهذا الحديث؟
فحلفت له ثلاثة أيمان، فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثاً هو أحب إلي من هذا الحديث.
وقال القتبي: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ هذا من الاستعارة، فسمى الشدة ساقاً، لأن الرجل إذا وقع في الشدة، شمَّر عن ساقه، فاستعيرت في موضع الشدة.
ويقال: يكشف ما كان خفياً.
ويقال: يبدؤون عن أمر شديد، وهو عذاب عظيم يوم القيامة.
ثم قال عز وجل: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ يعني: ذليلة أبصارهم، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يعني: تغشاهم وتعلوهم كآبة وكشوف وسواد وذلك أن المسلمين، إذا رفعوا رؤوسهم من السجود، صارت وجوههم بيضاء كالثلج.
فلما نظر اليهود والنصارى والمنافقون، وهم عجزوا عن السجود، حزنوا واغتموا فسودت وجوههم.
ثم بَيَّنَ المعنى الذي عجزهم عن السجود، فقال: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ يعني: يدعون إلى السجود في الدنيا وهم أصحاء معافون، فلم يسجدوا.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: عَلى حَرْدٍ يَحْتَمِلُ أنْ يريدَ عَلى مَنْعٍ، من قولهم: حَارَدَتِ الإبِلُ إذا قَلَّتْ ألبانُها فمنَعتْهَا، وحَارَدَتِ السنةُ إذا كَانَتْ شَهْبَاء لاَ غَلَّةَ لها، ويحتملُ أن يريدَ بالحَرْدِ الغَضَبَ، يقال حَرَدَ الرجلُ حَرْداً إذَا غَضِبَ، قال البخاريّ قَالَ قتادة: عَلى حَرْدٍ [أي:
على جدٍّ] «١» في أنفسهم، انتهى «٢» .
وقوله تعالى: قادِرِينَ يحتملُ أن يكون من القُدْرَةِ، أي: قادرون في زعمهِم ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن التَّقْدِيرِ الذي هو تَضْيِيقٌ، كأنّهم قَدْ قَدَرُوا عَلَى المسَاكِينِ، أي ضَيَّقُوا عليهم، فَلَمَّا رَأَوْها أي: مُحْتَرِقَةً قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ طريقَ جَنَّتِنَا فَلَما تَحقَّقُوها/ عَلِمُوا أَنها قَدْ أصيبتْ فقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: قَدْ حُرِمْنَا غَلَّتَها وبَرَكَتها، فقال لهم أعدلهُم قَوْلاً وعَقْلاً وخُلُقاً وهو الأوسَط أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قِيلَ هي عبارةٌ عَنْ تعظيمِ اللَّهِ والعَمَلِ بطاعتهِ سبحانَه، فَبادَرَ القَوْمُ عَنْدَ ذَلِكَ وَتَابُوا وسبَّحُوا، واعترفُوا بظلمِهم في اعتقادهم مَنْعَ الفقراءِ، ولاَمَ بعضُهم بَعْضاً واعترفوا بأنهم طَغَوا، أي: تَعَدَّوْا مَا يَلْزَم مِنْ مُوَاسَاةِ المساكينِ، ثم انصرفوا إلى رَجَاءِ اللَّه سبحانَه وانتظارِ الفَضْلِ من لَدُنْهُ في أن يُبْدِلَهُمْ، بِسَبَبِ تَوْبَتِهم، وإنابتِهم خَيْراً من تلك الجنة، قال الثعلبي: قال ابن مسعود: بلغني أن القومَ لما أخلصوا وعلم الله صدقهم أبدلهم الله- عز وجل- بها جنةً يقال لها الحَيَوَانُ، فيها عِنَبٌ يَحْمِلُ البغلُ العنقُودَ منها «٣» ، وعن أبي خالد اليماني أَنه رأَى تلكَ الجنةَ ورَأَى كُلَّ عُنْقُودٍ منها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِم، انتهى،، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ فلا يُسْتَغْرَبُ هذا إنْ صَحّ سنده.
وقوله سبحانه: كَذلِكَ الْعَذابُ أي: كَفِعْلِنَا بأهْلِ الجنةِ نَفْعَلُ بِمَنْ تعدَّى حدودَنا.
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ أي: أعْظَم مما أصَابَهُمْ، إنْ لَمْ يتوبوا في الدنيا.
ثم أخْبَر تعالى ب إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ فَرُوِيَ أنه لما نزلت هذه الآيةُ قَالَتْ قريشٌ: إنْ كَانَ ثَمَّ جَنَّاتِ نعيمٍ فَلَنَا فِيها أكْبَرُ الحَظِّ، فنزلتْ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ الآية تَوْبِيخاً لهم.
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ مُنَزَّلٌ من عندِ اللَّهِ تَدْرُسُونَ فيه أنَّ لَكُمْ مَا تَخْتَارُونَ مِنَ النعيمِ، ف إِنَّ معمولة ل تَدْرُسُونَ وكُسِرَتِ الهمزَةُ مِنْ إِنَّ لدخولِ اللامِ في الخبرِ، وهي في معنى (أن) - بفتح الألِف- وقرىء شاذاً «١» : «أنَّ لَكُمْ» بالفتح، وقرأ الأعرج «٢» : «أنّ/ لَكُمْ فِيهِ» على الاستفهام، ثم خَاطَب تعالى الكفارَ بقولهِ: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ كأنه يقُولُ هل أقْسَمْنَا لكم قَسَماً فهو عَهْدٌ لكم بأنَّا نُنَعِّمُكُمْ في يومِ القيامة، وما بعدَه، وقرأ الأعرج «٣» : «آن لكم لما تحكمون» على الاستفهامِ، أيضاً.
سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ أي: ضَامِنٌ ت: قال الهروي: وقوله: أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ أي مُؤكَّدَة، انتهى.
وقوله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ قيل: هو استدعاءٌ وتوقيفٌ في الدنيا، أي:
لِيُحْضِرُوهُم حَتَّى يُرَى هلْ هُمْ بحالِ مَنْ يَضُرُّ وينفعُ أم لا؟
وقيلَ: هو استدعاءٌ وتوقيف على أن يأتوا بهم يومَ القيامةِ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وقرأ ابن عباس «٤» : «تُكْشَفُ» - بضم التاء- على مَعْنَى: تُكْشَفُ القيامةُ والشدةُ والحالُ الحاضرة، وقرأ ابن عباس «٥» أيضاً:
«تَكْشِفُ» - بفتح التاء- على أنَّ القيامةَ هي الكاشِفَةُ، وهذه القراءة مفسِّرَة لقراءَةِ الجماعةِ، فما وَرَدَ في الحديثِ والآيةِ مِنْ كَشْفِ الساقِ فهو عبارة عَنْ شدةِ الهول.
وقوله- جلت عظمته-: وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ وفي الحديثِ الصحيحِ: «فَيَخِرُّونَ للَّهِ سُجّداً أجْمَعونَ ولا يبقى أحَدٌ كَانَ يسجدُ في الدنيا رياءً ولا سمعةً ولاَ نِفَاقاً إلا صَارَ ظهرُهُ طَبَقاً وَاحِداً كُلَّما أرَادَ أنْ يسجد خرّ على قفاه» «٦» ، الحديث، وفي
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، أيِ: ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ، والقَحْطِ ﴿ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ ﴾ حِينَ هَلَكَتْ جَنَّتُهم.
وَهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ رَجُلًا كانَ بِناحِيَةِ اليَمَنِ لَهُ بُسْتانٌ، وكانَ مُؤْمِنًا.
وذَلِكَ بَعْدَ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ يَأْخُذُ مِنهُ قَدْرَ قُوتِهِ، وكانَ يَتَصَدَّقُ بِالباقِي.
وقِيلَ: كانَ يَتْرُكُ لِلْمَساكِينِ ما تَعَدّاهُ المِنجَلُ، وما يَسْقُطُ مِن رُؤُوسِ النَّخْلِ، وما يَنْتَثِرُ عِنْدَ الدِّراسِ، فَكانَ يَجْتَمِعُ مِن هَذا شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَماتَ الرَّجُلُ عَنْ ثَلاثِ بَنِينَ، فَقالُوا: واللَّهِ إنَّ المالَ لَقَلِيلٌ، وإنَّ العِيالَ لَكَثِيرٌ، وإنَّما كانَ أبُونا يَفْعَلُ هَذا إذْ كانَ المالُ كَثِيرًا، والعِيالُ قَلِيلًا، وأمّا الآنُ فَلا نَسْتَطِيعُ أنْ نَفْعَلَ هَذا.
فَعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، وتَحالَفُوا بَيْنَهم لَيَغْدُنَّ قَبْلَ خُرُوجِ النّاسِ، فَلْيَصْرِمُنَّ نَخْلَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ أقْسَمُوا ﴾ أيْ: حَلَفُوا ﴿ لَيَصْرِمُنَّها ﴾ أيْ: لَيَقْطَعُنَّ نَخْلَهم ﴿ مُصْبِحِينَ ﴾ أيْ: في أوَّلِ الصَّباحِ.
وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ اللَّيْلِ ظُلْمَةٌ لِئَلّا يَبْقى لِلْمَساكِينِ شَيْءٌ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: لا يَسْتَثْنُونَ حَقَّ المَساكِينِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ: مِن أمْرِ رَبِّكَ.
قالَ الفَرّاءُ: الطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْها نارًا بِاللَّيْلِ، فاحْتَرَقَتْ، فَصارَتْ سَوْداءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: كالرَّمادِ الأسْوَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كاللَّيْلِ المُسْوَدِّ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْبَحَتْ سَوْداءَ كاللَّيْلِ مُحْتَرِقَةً.
واللَّيْلُ: هو الصَّرِيمُ، والصُّبْحُ أيْضًا: صَرِيمٌ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنْ صاحِبِهِ.
والثّالِثُ: أصْبَحَتْ وقَدْ ذَهَبَ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ، فَكَأنَّهُ قَدْ صُرِمَ، أيْ: قُطِعَ، وجُذَّ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا لَمّا أصْبَحُوا "أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ" يَعْنِي: الثِّمارَ والزُّرُوعَ والأعْنابَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ أيْ: قاطِعِينَ لِلنَّخْلِ، ﴿ فانْطَلَقُوا ﴾ أيْ: ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ ﴿ وَهم يَتَخافَتُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَتَسارَرُونَ بِـ "أنْ لا يُدْخَلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ" فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: عَلى قُدْرَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عَلى فاقَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ.
والثّالِثُ: عَلى جِدٍّ، قالَهُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والفَرّاءُ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: عَلى أمْرٍ مُجْمَعٍ قَدْ أسَّسُوهُ بَيْنَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الحَرْدَ: اسْمُ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الحَنَقُ والغَضَبُ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسُفْيانُ.
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: أُسُودُ شَرًى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ والسّابِعُ: أنَّهُ المَنعُ مَأْخُوذٌ مِن حارَدَتِ السَّنَةُ فَلَيْسَ فِيها مَطَرٌ، وحارَدَتِ النّاقَةُ فَلَيْسَ لَها لَبَنٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: والثّامِنُ: أنَّهُ القَصْدُ.
يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، حَكاهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وأنْشَدُوا: قَدْ جاءَ سَيْلٌ كانَ مِن أمْرِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ أيْ: يَقْصِدُ قَصْدَها.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وفِيها لُغَتانِ: حَرَدٌ، وحَرْدٌ، كَما يُقالُ: الدَّرَكُ، والدَّرْكُ، وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قادِرِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: مَنَعُوا وهم قادِرُونَ، أيْ: واجِدُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالُوا: ﴿ فَلَمّا رَأوْها ﴾ مُحْتَرِقَةً ﴿ قالُوا إنّا لَضالُّونَ ﴾ أيْ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا، فَلَيْسَتْ هَذِهِ.
ثُمَّ عَلِمُوا أنَّها عُقُوبَةٌ، فَقالُوا: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ أيْ: حُرِمْنا ثَمَرَ جَنَّتِنا بِمَنعِنا المِسْكِينَ ﴿ قالَ أوْسَطُهُمْ ﴾ أيْ: أعْدَلُهُمْ، وأفْضَلُهم ﴿ لَوْلا ﴾ أيْ: هَلّا ﴿ تُسَبِّحُونَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: هَلّا تَسْتَثْنُونَ عِنْدَ قَوْلِكُمْ: ﴿ لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ.
والمَعْنى: هَلّا قُلْتُمْ: إنْ شاءَ اللَّهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ لِلِاسْتِثْناءِ: تَسْبِيحٌ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السُّوءِ.
والِاسْتِثْناءُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ اسْتِثْناؤُهم قَوْلَ: "سُبْحانَ اللَّهِ "قالَهُ أبُو صالِحٍ.
والثّالِثُ: هَلّا تُسَبِّحُونَ اللَّهَ وتَشْكُرُونَهُ عَلى ما أعْطاكُمْ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا ﴾ فَنَزَّهُوهُ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ، وأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ فَقالُوا: ﴿ إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ بِمَنعِنا المَساكِينَ "فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ" أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِ المَساكِينِ حُقُوقَهم.
يَقُولُ هَذا لِهَذا: أنْتَ أشَرْتَ عَلَيْنا، ويَقُولُ الآخَرُ: أنْتَ فَعَلْتَ، ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ، فَقالُوا: ﴿ يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ ﴾ حِينَ لَمْ نَصْنَعْ ما صَنَعَ آباؤُنا، ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَسَألُوهُ أنْ يُبَدِّلَهم خَيْرًا مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها ﴾ .
وقَرَأ قَوْمٌ: "يُبْدِلَنا" بِالتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ.
وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُما، فَقالُوا: التَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ حالِ الشَّيْءِ وصِفَتِهِ والعَيْنُ باقِيَةٌ.
والإبْدالُ: إزالَةُ الشَّيْءِ ووَضْعُ غَيْرِهِ مَكانَهُ.
ونُقِلَ أنَّ القَوْمَ أخْلَصُوا، فَبَدَّلَهُمُ اللَّهُ جَنَّةً العُنْقُودُ مِنها وِقْرُ بَغْلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ العَذابُ ﴾ ما فَعَلْنا بِهِمْ نَفْعَلُ بِمَن تَعَدّى حُدُودَنا.
وها هُنا انْتَهَتْ قِصَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ بِما بَعْدَ هَذا فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنّا لَنُعْطى في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِمّا تُعْطَوْنَ، فَقالَ تَعالى مُكَذِّبًا لَهم ﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَجازُها ها هُنا مَجازُ التَّوْبِيخِ، والتَّقْرِيرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: كَيْفَ تَقْضُونَ بِالجَوْرِ ﴿ أمْ لَكم كِتابٌ ﴾ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ فِيهِ ﴾ هَذا ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ أيْ: تَقْرَؤُونَ ما فِيهِ ﴿ إنَّ لَكُمْ ﴾ في ذَلِكَ الكِتابِ ﴿ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ أيْ: ما تَخْتارُونَ وتَشْتَهُونَ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ: أنَّ لَكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
وهَذا تَقْرِيعٌ لَهُمْ، وتَوْبِيخٌ عَلى ما يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الباطِلِ "سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ" ﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ ﴾ أيْ: ألَكم عُهُودٌ عَلى اللَّهِ تَعالى حَلَفَ لَكم عَلى ما تَدَّعُونَ بِأيْمانٍ بالِغَةٍ، أيْ: مُؤَكَّدَةٍ.
وكُلُّ شَيْءٍ مُتَناهٍ في الجَوْدَةِ والصِّحَّةِ فَهو بالِغٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ: تَبْلُغُ تِلْكَ الأيْمانُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في لُزُومِها وتَوْكِيدِها "إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ" لِأنْفُسِكم بِهِ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهُ تَعالى.
قالَ الفَرّاءُ: والقُرّاءُ عَلى رَفْعِ بالِغَة إلّا الحَسَنَ فَإنَّهُ نَصَبَها عَلى مَذْهَبِ المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَقًّا ﴾ .
ومَعْنى الآيَةِ: هَلْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ بِأنَّ لَكم ما تَحْكُمُونَ؟!
.
فَلَمّا كانَتِ اللّامُ في جَوابِ "إنَّ" كَسَرَتْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الكَفِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والمَعْنى: أيَهُمُّ كَفَلَ بِأنَّ لَهم في الآخِرَةِ ما لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الخَيْرِ.
والثّانِي: أنَّهُ الرَّسُولُ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ الَّتِي جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: ألَهُمَ أرْبابٌ يَفْعَلُونَ بِهِمْ هَذا الَّذِي زَعَمُوا.
وقِيلَ: يَشْهَدُونَ لَهم بِصِدْقِ ما ادَّعَوْا "فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ" في أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ.
وإنَّما أُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ لِادِّعائِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ وهم سالِمُونَ ﴾ ﴿ فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَلْ أقْسَمْنا لَكم قَسَمًا فَهو عَهْدٌ لَكم بِأنّا نُنَعِّمُكم في يَوْمِ القِيامَةِ وما بَعْدَهُ؟
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بالِغَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى الصِفَةِ لِـ "أيْمانٌ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بالِغَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وهي حالٌ مِن نَكِرَةٍ مُخَصَّصَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: "عَلَيْنا"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "أئِنَّ لَكُمْ"، وكَذَلِكَ في الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ .
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا -عَلى جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ- أنْ يَسْألَهم عَنِ الزَعِيمِ لَهم بِذَلِكَ مَن هُوَ؟
والزَعِيمُ: الضامِنُ لِلْأمْرِ والقائِمُ بِهِ.
ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى أمْرِ الشُرَكاءِ عَسى أنْ يَظُنُّوا أنَّهم يَنْفَعُونَهم في شَيْءٍ مِن هَذا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أمْ لَهم شِرْكٌ فَلْيَأْتُوا بِشِرْكِهِمْ" بِكَسْرِ الشِينِ دُونَ ألِفٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ -عَلى القِراءَتَيْنِ- الأصْنامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ ﴾ قِيلَ: هو اسْتِدْعاءٌ وتَوْقِيفٌ في الدُنْيا، أيْ: لِيَحْضُرُوهم حَتّى نَرى هَلْ هم بِحالِ مَن يَضُرُّ ويَنْفَعُ أمْ لا، وقِيلَ: هو اسْتِدْعاءٌ وتَوْقِيفٌ عَلى أنْ يَأْتُوا بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: هي أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ القِيامَةِ، وهي أفْظَعُها، وتَظاهُرُ حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ « "أنَّهُ يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَتْبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما كانَ يَعْبُدُ، قالَ: فَيَتَّبِعُ مَن كانَ يَعْبُدُ الشَمْسَ الشَمْسَ، ويَتَّبِعُ مَن كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وكَذَلِكَ كَلُّ عابِدٍ لِكُلِّ مَعْبُودٍ، ثُمَّ تَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ وغَبَراتُ أهْلِ الكِتابِ مَعَهم مُنافِقُوهم وكَثِيرٌ مِنَ الكَفَرَةِ، فَيُقالُ لَهُمْ: ما شَأْنُكُمْ؟
لِمَ تَقِفُونَ وقَدْ ذَهَبَ الناسُ؟
فَيَقُولُونَ: نَنْتَظِرُ رَبَّنا، قالَ: فَيَجِيئُهُمُ اللهُ في غَيْرِ الصُورَةِ الَّتِي عَرِفُوهُ بِها، فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنكَ، قالَ: فَيَقُولُ: أتَعْرِفُونَهُ بِعَلامَةٍ تَرَوْنَها؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَكْشِفُ لَهم عن ساقٍ، فَيَقُولُونَ نَعَمْ أنْتَ رَبُّنا، ويَخِرُّونَ لِلسُّجُودِ، فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وتَرْجِعُ أصْلابُ المُنافِقِينَ والكُفّارِ كَصَياصِي البَقَرِ عَظْمًا واحِدًا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سُجُودًا".» هَكَذا هو الحَدِيثُ وإنِ اخْتَلَفَتْ مِنهُ ألْفاظٌ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ، وعَلى كُلِّ وَجْهٍ مِمّا ذَكَرْتُهُ فِيهِ كَشْفُ الساقِ وما في الآيَةِ أيْضًا مِن ذَلِكَ فَإنَّما هو عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ وعِظَمِ القُدْرَةِ الَّتِي يَرى اللهُ تَعالى ذَلِكَ اليَوْمَ، حَتّى يَقَعَ العِلْمُ أنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الحَرْبِ: كَشَفَتْ لَهم عن ساقِها وبَدا عَنِ الشَرِّ البَراحُ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: قَدْ شَمَّرَتْ عن ساقِها فَشَدُّوا ∗∗∗...............
وقَوْلُ الآخَرِ: في سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عن ساقِها ∗∗∗ حَمْراءَ تَبْرِي اللَحْمَ عن عِراقِها وَأصْلُ ذَلِكَ أنَّهُ مَن أرادَ الجِدَّ في أمْرٍ يُحاوِلُهُ فَإنَّهُ يَكْشِفُ عن ساقِهِ تَشْمِيرًا وجِدًّا، وقَدْ مَدَحَ الشُعَراءُ بِهَذا المَعْنى، فَمِنهُ قَوْلُ دُرَيْدٍ: كَمِيشُ الإزارِ خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ صَبُورٌ عَلى الأعْداءِ طَلّاعُ أنْجَدُ وعَلى هَذا مَن أرادَ الجِدَّ والتَشْمِيرَ في طاعَةِ اللهِ تَعالى، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إزْرَةُ المُؤْمِنِ إلى أنْصافِ ساقِهِ".» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُكْشَفُ" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يَكْشِفُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ عَلى مَعْنى: يَكْشِفُ اللهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَكْشِفُ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى أنَّ القِيامَةَ هى الكاشِفَةُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "تُكْشَفُ" بِضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: تُكْشَفُ القِيامَةُ والشِدَّةُ الحالُ الحاضِرَةُ، وحَكى الأخْفَشُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "نَكْشِفُ" بِالنُونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُدْعَوْنَ ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ ثَمَّ دُعاءٌ إلى سُجُودٍ، وهَذا يَرُدُّهُ ما قَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، وأنَّها لا تَكْلِيفَ فِيها، فَإذا كانَ هَذا فَإنَّما الداعِي ما يَرَوْنَهُ مِن سُجُودِ المُؤْمِنِينَ فَيُرِيدُونَ هم أنْ يَسْجُدُوا عِنْدَ ذَلِكَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، وخَرَجَ بَعْضُ الناسِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ، وَعَقِيدَةُ الأشْعَرِيَّةِ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ إنَّما تَكُونُ مَعَ التَلَبُّسِ بِالفِعْلِ لا قَبْلَهُ، وهَذا القَدْرُ كافٍ مِن هَذِهِ المَسْألَةِ هاهُنا.
و"خاشِعَةً" نُصِبَ عَلى الحالِ، وجَوارِحُهم كُلُّها خاشِعَةٌ، أيْ: ذَلِيلَةٌ، ولَكِنَّهُ تَعالى خَصَّ الأبْصارَ بِالذِكْرِ لِأنَّ الخُشُوعَ فِيها أبْيَنُ مِنهُ في كُلِّ جارِحَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ مَعْناهُ: تُزْعِجُ نُفُوسَهم وتَظْهَرُ عَلَيْهِمْ ظُهُورًا يُخْزِيهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُجُودِ ﴾ يُرِيدُ في دارِ الدُنْيا وهم سالِمُونَ مِمّا نالَ عِظامُ ظُهُورِهِمْ مِنَ الِاتِّصالِ والعُتُوِّ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: السُجُودُ هُنا عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الطاعاتِ، وخَصَّ السُجُودَ بِالذِكْرِ مِن حَيْثُ هو عِظَمُ الطاعاتِ، ومِن حَيْثُ بِهِ وقَعَ امْتِحانُهم في الآخِرَةِ، وقالَ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ، والشَعْبِيُّ: أرادَ بِالسُجُودِ الصَلَواتِ المَكْتُوبَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: كانُوا يَسْمَعُونَ النِداءَ لِلصَّلاةِ و"حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلا يُجِيبُونَ، وفَلَجَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ فَكانَ يُهادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلى المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَمَعْذُورٌ، فَقالَ: مَن سَمِعَ "حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلْيُجِبْ ولَوْ حَبْوًا،وَقِيلَ لِابْنِ المُسَيِّبِ: إنَّ طارِقًا يُرِيدُ قَتْلَكَ فاجْلِسْ في بَيْتِكَ، فَقالَ: أسْمَعُ "حَيَّ عَلى الفَلاحِ" فَلا أُجِيبُ؟
واللهِ لا فَعَلْتُ.
وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ ﴾ وعِيدٌ، ولَمْ يَكُنْ ثَمَّ مانِعٌ ولَكِنَّهُ كَما تَقُولُ: "دَعْنِي مَعَ فُلانٍ"، أيْ: سَأُعاقِبُهُ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ فِي: "ذَرْنِي"، أو نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، و"الحَدِيثُ" المُشارُ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُخْبِرُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ.
و"الِاسْتِدْراجُ" هو الحَمْلُ مِن رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ حَتّى يَصِيرَ المَحْمُولُ إلى شَرٍّ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ الِاسْتِدْراجُ في الشَرِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُرْجِ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: تُسْبَغُ عَلَيْهِمُ النِعَمُ، ويَمْنَعُونَ الشُكْرَ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلَّما زادُوا ذَنْبًا زِيدُوا نِعْمَةً، وفي مَعْنى الِاسْتِدْراجِ قَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّ اللهَ تَعالى يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"،» وقالَ الحَسَنُ: "كَمْ مِن مُسْتَدْرِجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ ومَغْرُورٍ بِالسَتْرِ عَلَيْهِ".
و"أُمْلِي لَهُمْ" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُهم مِلاوَةً مِنَ الزَمانِ، وهي البُرْهَةُ والقِطْعَةُ، يُقالُ: مُلاوَةٌ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها وكَسْرِها، و"الكَيْدُ" عِبارَةٌ عَنِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِالكَفّارِ مِن حَيْثُ هي عَلى كَيْدٍ مِنهُمْ، فَسَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، و"المَتِينُ": القَوِيُّ الَّذِي لَهُ مَتانَةٌ، ومِنهُ المَتْنُ: الظَهْرُ.
<div class="verse-tafsir"
إضراب آخر للانتقال إلى إبطال آخر من إبطال معاذيرهم في إعراضهم عن استجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المبتدئ من قوله: ﴿ ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب ﴾ [القلم: 3637] ﴿ أم لكم أيمان ﴾ [القلم: 39] ﴿ أم لهم شركاء ﴾ [القلم: 41] فإنه بعد أن نفى أن تكون لهم حجة تؤيد صلاح حالهم، أو وعد لهم بإعطاء ما يرغبون، أو أولياء ينصرونهم، عطف الكلام إلى نفي أن يكون عليهم ضر في إجابة دعوة الإسلام، استقصاء لقطع ما يُحتمل من المعاذير بافتراض أن الرسول صلى الله عليه وسلم سألهم أجراً على هديه إياهم، فصدهم عن إجابته ثقل عزم المال على نفوسهم.
فالاستفهام الذي تؤذن به ﴿ أم ﴾ استفهامٌ إنكار لفرض أن يكون ذلك مما يخامر نفوسهم فرضاً اقتضاه استقراء نواياهم من مواقع الإِقبال على دعوة الخير والرشد.
والمَغْرَمُ: ما يفرض على المرء أداؤه من ماله لغيرِ عِوض ولا جناية.
والمُثْقَل: الذي حُمل عليه شيء ثقيل، وهو هنا مجاز في الإِشفاق.
والفاء للتفريع والتسبب، أي فيتسبب على ذلك أنك شققت عليهم فيكون ذلك اعتذاراً منهم عن عدم قبول ما تدعوهم إليه.
و ﴿ مِن مغرم ﴾ متعلق ب ﴿ مثقلون، ﴾ و ﴿ من ﴾ ابتدائية، وهو ابتداء مجازي بمعنى التعليل، وتقديم المعمول على عامله للاهتمام بموجب المشقة قبل ذكرها مع الرعاية على الفاصلة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ ﴾ والبالِغَةُ المُؤَكَّدَةُ بِاللَّهِ.
﴿ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ أنَّنا لا نُعَذِّبُكم في الدُّنْيا إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿ سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الزَّعِيمَ الكَفِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الرَّسُولُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ القَيِّمُ بِالأمْرِ لِتَقَدُّمِهِ ورِئاسَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال: قال مروان بن الحكم لما بايع الناس ليزيد سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر، ولكنها سنة هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزلت فيه ﴿ والذي قال لوالديه أفٍّ لكما ﴾ قال: فسمعت ذلك عائشة، فقالت: إنها لم تنزل في عبد الرحمن، ولكن نزلت في أبيك ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين همّاز مشاء بنميم ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ الآية قال: يعني الأسود بن عبد يغوث.
وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ الآية قال: هو رجل من ثقيف يقال له: الأخنس بن شريق.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ يقول: مكثار في الحلف ﴿ مهين ﴾ يقول: ضعيف.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: ضعيف القلب ﴿ عتل ﴾ قال: شديد الأسر ﴿ زنيم ﴾ قال: ملحق في النسب زعم ابن عباس.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: المهين المكثار في الشر ﴿ هماز ﴾ قال: يأكل لحوم الناس ﴿ مناع للخير ﴾ قال: فلا يعطي خيراً ﴿ معتد ﴾ قال: معتد في قوله: متعمد في عمله ﴿ أثيم ﴾ بربه ﴿ عتل ﴾ هو الفاجر اللئيم الضريبة، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفحش وسوء الجوار وقطيعة الرحم» .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي أمامة في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الفاحش اللئيم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن وأبي العالية مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن عساكر عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: هو الدعيّ أما سمعت قول الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم أكارعه وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن عكرمة أنه سئل عن الزنيم قال: هو ولد الزنا، وتمثل بقول الشاعر: زنيم ليس يعرف من أبوه ** بغيّ الأم ذو حسب لئيم وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: العتل الزنيم رجل ضخم شديد كانت له زنمة زائدة في يده، وكانت علامته.
وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال: العتل الصحيح الأكول الشروب، والزنيم الفاجر.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: يعرف الكافر من المؤمن مثل الشاة الزنماء، والزنماء التي في حلقها كالمتعلقتين في حلق الشاة.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الزنيم يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة الزنماء من التي لا زنمة لها.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الملزق في القوم ليس منهم.
وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: ستة لا يدخلون الجنة أبداً: العاق والمدمن والجعشل والجوّاظ والقتات والعتل الزنيم.
فقلت يا ابن عباس: أما اثنتان فقد علمت، فأخبرني بالأربع قال: أما الجعشل فالفظّ الغليظ وأما الجواظ فمن يجمع المال ويمنع، وأما القتات فمن يأكل لحوم الناس، وأما العتل الزنيم فمن يمشي بين الناس بالنميمة.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم، فقال له رجل من المسلمين: ما الجوّاظ والجعظري والعتل الزنيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الجوّاظ فالذي جمع ومنع، تدعوه ﴿ لظى نزاعة للشوى ﴾ [ المعارج: 16] وأما الجعظري فالفظّ الغليظ، قال الله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ [ آل عمران: 159] ، وأما العتل الزنيم فشديد الخلق رحيب الجوف مصحح شروب واجد للطعام والشراب ظلوم للناس» .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن الزنيم قال: هو الرجل تكون له الزنمة من الشر يعرف بها، وهو رجل من ثقيف يقال له: الأخنس بن شريق.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: الزنيم الدعيّ الفاحش اللئيم الملزق، ثم أنشد قول الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض اللئيم الأكارع وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: نزلت في الأخنس بن شريق.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: هو الأسود بن عبد يغوث.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ﴾ فلم يعرف حتى نزل عليه بعد ذلك ﴿ زنيم ﴾ فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة.
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن حارثة بن وهب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جوّاظ جعظري متكبر» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذرعن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه وأرحب جوفه وأعطاه من الدنيا، فكان للناس ظلوماً، فذلك العتل الزنيم» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم مولى معاوية وموسى بن عقبة قالا: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العتل الزنيم، قال: هو الفاحش اللئيم» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ بعد ذلك زنيم ﴾ قال: «العتل كل رحيب الجوف وثيق الخلق أكول شروب جموع للمال منوع له» .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مروديه عن عبدالله بن عمر وأنه تلا ﴿ منّاع للخير ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهل النار كل جعظري جوّاظ مستكبر مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: العتل هو الدعيّ، والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشر.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والخرائطي في مساوي الأخلاق والحاكم، وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الرجل يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الزنيم هو الرجل يمر على القوم فيقولون رجل سوء.
وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: رجل من قريش كانت له زنمة زائدة مثل زنمة الشاة يعرف بها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: نعت فلم يعرف حتى قيل ﴿ زنيم ﴾ وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الزنيم الملحق النسب.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: ظلوم.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: ولد الزنا.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: زنيم تداعته الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم الأكارع وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: الزنيم هو الهجين الكافر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مهين ﴾ قال: الكذاب ﴿ هماز ﴾ يعني الاغتياب ﴿ عتل ﴾ قال: الشديد الفاتك ﴿ زنيم ﴾ الدعيّ وفي قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ قال: سيما على أنفه لا تفارقه.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ قال: سنسمه بسيما لا تفارقه آخر ما عليه.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أن كان ذا مال وبنين ﴾ بهمزتين يستفهم.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات همازاً لمازاً ملقباً للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشدقين» .
قوله: تعالى: ﴿ إنا بلوناهم ﴾ الآيات.
أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هؤلاء ناس قص الله عليكم حديثهم، وبيّن لكم أمرهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذاً فاربطوهم في الجبال، ولا تقتلوا منهم أحداً فنزل ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ يقول: في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: كانوا من أهل الكتاب.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هم ناس من الحبشة كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم منها السائلين، فمات أبوهم فقال بنوه: إن كان أبونا لأحمق يطعم المساكين، فأقسموا ليصرمنّها مصبحين وأن لا يطعموا مسكيناً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: كانت الجنة لشيخ من بني إسرائيل، وكان يمسك قوت سنته، ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة فلما مات أبوهم غدوا عليها فقالوا لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ يقول: على جد من أمرهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هي أرض باليمن يقال لها ضر، وإن بينها وبين صنعاء ستة أميال.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ ولا يستثنون ﴾ قال: كان استثناؤهم سبحان الله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربكْ ﴾ قال: هو أمر من الله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك ﴾ قال: عذاب: عنق من النار خرجت من وادي جهنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ﴾ قال: أتاها أمر الله ليلاً ﴿ فأصبحت كالصريم ﴾ قال: كالليل المظلم.
وأخرج عبد بن حميد عن قطر بن ميمون مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيئ له، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم ﴾ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالصريم ﴾ قال: مثل الليل الأسود.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ كالصريم ﴾ قال: الذهب.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: غدوت عليه غدوة فوجدته ** قعوداً لديه بالصريم عواذله وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: أن ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ قال: كان عنباً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهم يتخافتون ﴾ قال: الإِسرار والكلام الخفي.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وهم يتخافتون ﴾ قال: يسرون بينهم أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ قال: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرون عليها في أنفسهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ على حرد قادرين ﴾ يقول: ذو قدرة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال: ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ قال: غدوا على أمر قد قدروا عليه، وأجمعوا عليه في أنفسهم أن لا يدخل عليهم مسكين.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وغدوا على حرد ﴾ قال: غيظ.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وغدوا على حرد ﴾ يعني المساكين يجد.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالوا إنا لضالون ﴾ قال: أضللنا مكان جنتنا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إنا لضالون ﴾ قال: أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، وفي قوله: ﴿ بل نحن محرومون ﴾ قال: بل حورفنا فحرمناها، وفي قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدل القوم وأحسن القوم فزعاً وأحسنهم رجعة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ بل نحن مرومون ﴾ قال: لما تبينوا وعرفوا معالم جنتهم قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ محارفون.
وأخرج ابن المنذر عن معمر قال: قلنا لقتادة أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار؟
قال: لقد كلفتني تعباً.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدلهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ يعني أعدلهم، وكل شيء في كتاب الله أوسط فهو أعدل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدلهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السري في قوله: ﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال: كان استثناؤهم في ذلك الزمان التسبيح.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لولا تسبحون ﴾ قال: لولا تستثنون عند قولهم ليصرمنّها مصبحين ولا يستثنون عند ذلك وكان التسبيح استثناءهم كما نقول نحن إن شاء الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ كذلك العذاب ﴾ قال: عقوبة الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ قال: عقوبة الآخرة وفي قوله: ﴿ سلهم أيهم بذلك زعيم ﴾ قال: أيهم كفيل بهذا الأمر.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ تدرسون ﴾ قال: تقرؤون، وفي قوله: ﴿ أيمان علينا بالغة ﴾ قال: عهد علينا.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً ﴾ معناه أنت لا تسألهم أجرة على الإسلام فتثقل عليهم، فلا عذر لهم في تركهم الإسلام، وقد فسرنا هذا وما بعده في [الطور: 40].
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ .
فيه ترغيب لمن لزم التقوى، وهو الإسلام.
وقوله: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
أي: أفنجعل من جعل كل شيء سوى الله لله سالماً لا يشرك فيه أحدا، كالذي أجرم فجعل في كل شيء سالمٍ لله شركاء في العبادة والتسمية.
أو بين الله أنه ولي المؤمنين وعدو المجرمين، فيقول: أفيزعم أعدائي أن أسوي بينهم وبين الأخيار، والجمع بينهم، لا يفعل ذلك؛ لأن فيه تضييع الحكمة؛ لأن الحكمة توجب التفرقة بين العدو والولي، وفي الجمع بينهما تضييعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ .
في أن أجعل عدوي بمنزلة وليي أو وليي بمنزلة عدوي، أو أي شيء حملكم على حكمكم هذا ولم يأتكم بهذا الحكم كتاب ولا معقول يوجب ذلك، فكيف تطمعون ذلك.
أو كيف تحكمون بالجور على ربكم؛ لأن من الجور أن يجمع بين الولي [والعدو] في دار الكرامة.
ثم قوله: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
يستقيم أن يجعل هذا جوابا للفريقين: لمن ينكر البعث، ولمن يزعم أنه شريك أهل الإسلام في الدار الآخرة فيما يكرمون من النعيم.
فمن أنكر البعث، فالاحتجاج عليه بهذه الآية هو أن العقل يوجب التفرقة بين الولي وبين العدو [والكفور] والشكور، فأنتم إذا أنكرتم البعث، فقد زعمتم على [الله أنه] يجعل المسلمين كالمجرمين والكفور كالشكور والعدو كالولي، ومن فعل هذا فهو سفيه لا يصلح أن يكون حكيما، ففي إنكار البعث تحقيق السفه وإثبات الجور؛ لأن من الجور أن يجمع بين الولي وبين العدو في الجزاء.
ومن ادعى الوجه الآخر، وهو التسوية بين الفريقين؛ لما تساويا في منافع الدنيا ومضارها وفي لذاتها وشدائدها وبلياتها، فعلى ذلك يكون أمرهم في الآخرة.
فجوابهم في ذلك أن الدنيا هي دار يظهر فيها العدو من الولي والشكور من الكفور، والآخرة دار جزاء العداوة والولاية.
فجائز أن يقع فيما فيه ظهور الولاية والعداوة اتفاق، ولا يجوز وقوع الاتفاق فيما فيه الجزاء؛ لأن الجزاء لعداوة سبقت ولولاية سبقت، والحكمة توجب التفرقة بين الجزاءين؛ فلا يجوز أن يجعل المسلم فيه كالمجرم؛ لما فيه من تضييع الحكمة، وليس قبل المحنة معنى يوجب التفرقة بينهما في المحنة [فجاز أن يقع بينهما الاتفاق في ذلك، ولأنه لو كان يفرق بينهما في الدنيا، لكانت المحنة تخرج عن حدها، والدنيا هي دار المحنة]، وإنما قلنا: إن فيه إخراج المحنة عن حدها؛ لأن المحنة تكون على الرجاء والخوف، والرغبة والرهبة، فلو فرق بين [العدو والولي] في الدنيا؛ فوسع على الأولياء، وضيق على الأعداء لوقع اختيار وجه الولاية على الضرورة؛ لأن من علم أنه يضيق عليه إذا اختار وجه العداوة؛ ويتعجل عليه العذاب، ترك ذلك الوجه، ومال إلى الولاية؛ فيرتفع وجه المحنة؛ فلذلك جاز أن يجمع بين الولي والعدو في دار المحنة؛ ليبقى وجه المحنة بحاله، ولم يجز أن يجمع بينهما في الآخرة؛ لأنها دار جزاء، والعقل يوجب تفرقة جزائهما، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ، في أحكم الحكماء بالسفه؛ حيث تزعمون أنه يجمع بين الولي والعدو في الجزاء، وذلك من أعلام السفه.
أو كيف تحكمون في أحكم الحاكمين وأعدل العادلين بالجور؛ إذ تزعمون أنه يجمع بين الفريقين في دار الكرامة، ومن الجور أن يجمع بينهما، وهم كانوا يقرون أن الله - - أحكم الحاكمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ .
فحاجهم أولاً بما توجبه الحكمة، وهو أنكم تعلمون أن الحكمة توجب التفرقة بينهما، فإن كنتم تدعون الجمع فيما بينهما بالحكمة، فأنتم تعلمون أن الحكمة توجب التفرقة بينهما، وإن كنتم تدعون ذلك من كتاب الله - - فأي كتاب من عند الله جاءكم فيوجب التسوية بينكم وبين الأولياء؟!
وأي رسول أخبركم أنكم تساوون الأولياء في نعيم الآخرة؟!.
ثم وجه المحاجة بالكتاب هو أن مشركي العرب لم يكونوا يؤمنون بالكتاب ولا بالرسل، ولو كانوا يؤمنون بهما، لكانوا يقدرون أن يقولوا: إن لنا كتاباً درسناه، فوجدنا فيه ما نذكر وندعي، ورسول قد أخبرنا بذلك، ولكنهم إذا كانوا لا يؤمنون بهما صار هذا الوجه الذي ذكره الله - - نفي حجة لازمة عليهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ﴾ .
أي: وفي ذلك الكتاب تجدون أن لكم فيه لما تخيرون.
وقوله: ﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ .
وهذا أيضاً صلة الأول، أي: هل شهدتم الله أقسم لكم أنه هكذا كما تحكمون؛ وهذا كقوله : ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ ﴾ وقوله: ﴿ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ﴾ ، فأخذهم بالمقايسة أولاً؛ وهو كقوله : ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ ﴾ ، فلما لم يتهيأ لهم تثبيت ذلك بالقياس والمعقول، احتج عليهم بقوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ﴾ ، وقد عرفوا أنهم لم يشهدوا، وما ادعوه لا ثبات له إلا من الوجوه التي ذكرها، وإذا لم يثبتوا بشيء من ذلك تبين عندهم فساد دعواهم، فهذا أيضاً مثله، وهو أنه سألهم عن إيراد الحجة: إما من جهة الحكمة، أو من جهة الكتاب، أو من جهة الشهادة، فإذا لم يثبت لهم واحد من هذه الأوجه فبأي وجه يشهدون على الله أنه يفعل ذلك.
وقوله: ﴿ بَالِغَةٌ ﴾ أي: وكيدة، أو بلغت إليكم عن الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ .
يقول [: فإن هم تعنتوا] مع هذا كله في أن يدوموا على دعواهم من غير حجة تشهد لهم، فسلهم - أي: اطلبهم - بالزعيم، أي: من يكفل لهم أن الأمر كما يزعمون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ﴾ .
أي: شركاء يشفعون لهم يوم القيامة.
وقال بعضهم: أم لهم شهداء ممن عندهم كتاب يشهدون لهم بما يذكرون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ .
أي: يكشف عن موضع الوعيد بالشدائد والأهوال، والساق: الشدة، وسمي الساق: ساقاً لهذا؛ لأن الناس شدتهم في سوقهم؛ إذ بها يحملون الأحمال؛ فكنى بالساق عن الشدة.
وقيل: أيضاً - بأنهم كانوا إذا ابتلوا بشدة وبلاء كشفوا عن أسوقهم، فكنى بذكره عن الشدة، لا أن يراد بذكر الساق تحقيق الساق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا على دعاء الحال، ويحتمل أن يكون على دعاء الأمر: فأما دعاء الحال فهو أن من عادات الخلق أنه إذا اشتد بهم الأمر وضاق فزعوا إلى السجود، فجائز أن يكون ما حل بهم من الأهوال والشدائد يدعوهم إلى السجود، فيهمون بذلك فلا يستطيعون؛ فيكون قوله: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ ﴾ ، أي: تدعوهم الحالة إلى السجود؛ فهذا دعاء الحال، وجائز أن يؤمروا بالسجود، ويمتحنوا به.
ثم إن كان التأويل على الأمر فيحتمل أن يكون ذلك يوم القيامة، وجائز أن يكون وقت الموت.
وإن كان على دعاء الحال فذلك يكون عند الموت.
ثم الأمر بالسجود يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على حقيقة الفعل، ويحتمل أن يكون على الاستسلام والخضوع؛ إذ السجود في الحقيقة هو الخضوع والاستسلام، وكل سجود ذكر في القرآن وأريد به عين السجود، فليس يجب بتلاوته السجود.
وكل ما أريد منه الاستسلام والخضوع فهو الذي يجب بتلاوته السجود.
ثم إن ذكر في أهل الكفر فإنما يراد منهم الاستسلام بالاعتقاد ليس بعين الفعل، وأهل الإسلام قد وجد منهم الاستسلام بالاعتقاد، فيلزمهم أن يستسلموا من جهة الفعل، فجائز أن يكون هذا لما عاين الشدائد والأفزاع، استسلم لله - - وخضع له؛ فلم يقبل ذلك منه؛ لأن تلك الدار دار جزاء، وليست بدار محنة.
والثاني: [أن السجود هو بذل] النفس لما طلب منه طائعاً، وإذا أشرف المرء على الموت طلب منه في ذلك الوقت بذل روحه لا بذل نفسه، فإذا كان كافراً بالله - - اشتد عليه بذل روحه؛ لما يعلم أن مصيره إذا قبض إلى العذاب، وكره ذلك أشد الكراهة، كما قال - - "من كره لقاء الله، كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" ، فسئل رسول الله عن ذلك، فقال: "ذلك عند الموت" ؛ فهو لما يرى من المكروه يحل به بعد الموت يكره قبض روحه، فيكون قوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ إن كان المراد من قوله: ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ ﴾ عند الموت [على ذلك]، والمؤمن إذا رأى ما أعدّ له من الكرامات ود أن يقبض روحه سريعاً ليصل إلى الكرامات، وإن كان هذا بعد البعث، وأريد من السجود تحقيقه، ففيه تذكير لهم أنهم لم يكونوا يمتحنون في الدنيا بالسجود؛ لمنفعة تصل إلى الله أو لحاجة له إلى ذلك، وإنما امتحنوا بالسجود؛ لمكان أنفسهم، إذ لو كان الامتحان لمنفعة تنال الله ، لما كانوا يمنعون عنه في القيامة، والله أعلم.
وقال كثير من أهل الكلام: لا يجوز أن يمتحنهم الله بعد البعث بالسجود؛ إذ تلك [الدار] ليست بدار محنة، وإنما الأمر بالسجود يخرج مخرج التوبيخ؛ وكذلك زعم جعفر بن حرب أن هذا على التوبيخ، يقال للرجل إذا كان مكثراً فذهب ماله ولم يؤد الزكاة، ولا حج في حال يسره - يراد به التوبيخ -: حج الآن وزَكِّ الآن، ليس يراد به إيجاد الفعل، ولكن يريد به تذكيره وتوبيخه؛ فهذا الذي قالوه يحتمل.
ويحتمل أن يمتحنوا بالسجود للوجوه التي ذكرنا، وهو أن يظهر عند الممتحنين أن منافع سجودهم راجعة إليهم لا إلى الله - -.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ فجائز أن يكون هذا على نفي استطاعة الأحوال والأسباب أو لا يستطيعون للأشغال التي حلت بهم والأفزاع التي ابتلوا بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ ﴾ .
ففيه أن الفرائض إنما تجب عند سلامة الأسباب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هل تطلب منهم -أيها الرسول- ثوابًا على ما تدعوهم إليه، فهم بسبب ذلك يتحمَّلون أمرًا عظيمًا، فهذا سبب إعراضهم عنك؟!
والواقع خلاف ذلك، فأنت لا تطلبهم أجزا، فما المانع لهم من اتباعك؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.r1JVe"